← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

وكذلك التقبيل، قال: لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئًا من جسده. وقد رخص أبو يوسف في المعانقة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومستحبة ومباحة، ومن البدع المباحة: المصافحة عقيب الصبح والعصر". انتهى ما في " الأذكار". قوله: (وكذلك التقبيل): عن الترمذي عن أنس قال: سمعت رجلًا يقول لرسول الله ﷺ : "يا رسول الله، الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: لا، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا، قال: أيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم". فزاد رزين بعد قوله: "ويقبله؟ قال: لا": "إلا أن يأتي من سفر". وفي "الأذكار": عن الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: "قدم زيد بن حارثة المدينة، ورسول الله ﷺ في بيتي، فقرع الباب، فقام رسول الله ﷺ يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله"، قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال الشيخ محيي الدين النواوي: "التقبيل والمعانقة لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، مكروه كراهة تنزيه في غيره، وأما الامرد الحسن فيحرم بكل حال، والمذهب الصحيح عندنا: يحرم النظر إلى الأمرد الحسن ولو كان بغير شهودة، وقد أمن الفتنه فهو حرام، كالمرة، لكونه في معناها". قوله: (وقد رخص أبو يوسف في المعانقة): روى أبو داود: "سئل أبو ذر: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلى ذات يوم ولم أكن في أهلي، فجئت، فأخبرت أنه ﷺ أرسل إلي، فأتيته وهو على سريره فالتزمني، فكانت تلك أجود أجود".

стр. 7912

ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التشدّد وهذا التعطف، فيتشدّدوا على من ليس على ملتهم ودينهم ويتحاموه، ويعاشروا إخوتهم في الإسلام متعطفين بالبر والصلة، وكف الأذى، والمعونة، والاحتمال، والأخلاق السجيحة. ووجه من قرأ: "أشداء" و"رحماء" بالنصب: أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في ﴿مَعَهُ﴾، ويجعل ﴿تَراهُمْ﴾ الخبر. ﴿سِيماهُمْ﴾ علامتهم، وقرئ: "سيماؤهم"، وفيها ثلاث لغات؛ هاتان والسيماء، والمراد بها: السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والأخلاق السجيحة): الجوهري: الإسجاح: حسن العفو، والسجيحة: الطبيعية". قوله: (ووجه قراءة من قرأ: "أشداء" و"رحماء"): قال ابن جني: "وهي قراءة الحسن، وهو نصب على الحال، أي: "محمد رسول الله والذين معه"، فـ"معه" خبر "الذين"، و"أشداء": حال، أي: هم معه على هذه الحال، فجعله حالًا من الضمير في ﴿مَعَهُ﴾ لأمرين: أحدهما: قربه منه، وبعده عن" الذين"، وثانيهما: ليكون العامل في الحال هو العامل في ذي الحال، ولو جعلته حالًا من "الذين" كان العامل في الحال غير العامل في صاحبه، وإن كان ذلك جائزًا، أو شئت نصبتهما على المدح". قوله: (أو على الحال بالمقدر في ﴿مَعَهُ﴾): تقديره: صاحبوه أشداء رحماء. قوله: (﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم): النهاية: "الأصل فيها الواو تمد وتقصر". معنى قوله: " ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يفسرها": أن "السيما" العلامة مطلقًا، ويراد هنا المعنى الخاص، فسر وبين ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، وكان من حق الظاهر أن يقال: "الأثر الذي يؤثره السجود"، فوضع المصنف موضعه: "التأثير"؛ ليطابق قوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم﴾ مبالغة. الجوهري: "التأثير: بقاء الأثر على الشيء".

стр. 7913

وقوله: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ يفسرها، أي: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان كل من العليين -عليّ بن الحسين زين العابدين، وعليّ بن عبد الله بن عباس أبي الأملاك- يقال له: ذو الثفنات، لأنّ كثرة سجودهما أحدثت في مواقعه منهما أشباه ثفنات البعير. وقرئ: ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ و"من آثار السجود"، وكذا عن سعيد بن جبير: هي السمة في الوجه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أبي الأملاك): أي: أبي الخلفاء، تعريض بأنهم كانوا ملوكًا ولم يكونوا خلفاء. قوله: (ذو الثفنات): الجوهري: "ثفنات البعير: ما يقع على الأرض من أعضائه إذا غلظ".

стр. 7914

فإن قلت: فقد جاء عن النبي ﷺ : «لا تعلبوا صوركم»، وعن ابن عمر ﵁: أنه رأى رجلًا قد أثر في وجهه السجود، فقال: إن صورة وجهك أنفك، فلا تعلب وجهك، ولا تشن صورت؟ . قلت: ذلك إذا اعتمد بجبهته على الأرض لتحدث فيه تلك السمة، وذلك رياء ونفاق يستعاذ بالله منه، ونحن فيما حدث في جبهة السجاد الذي لا يسجد إلا خالصًا لوجه الله، وعن بعض المتقدّمين: كنا نصلى فلا يرى بين أعيننا شيء، ونرى أحدنا الآن يصلى فيرى بين عينيه ركبة العنز، فما ندري: أثقلت الأرؤس أم خشنت الأرض. وإنما أراد بذلك من تعمد ذلك للنفاق. وقيل: هو صفرة الوجه من خشية الله. وعن الضحاك: ليس بالندب في الوجوه، ولكنه صفرة. وعن سعيد بن المسيب: ندى الطهور وتراب الأرض. وعن عطاء: استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل، كقوله: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فلا تعلب وجهك): العلب_ بفتح العين المهملة وسكون اللام_: الأثر. النهاية: "في حديث ابن عمر: "أنه رأى رجلًا بأنفه أثر السجود، فقال: لا تعلب صورتك"، يقال: علبه: إذا وسمه وأثر فيه، والعلب والعلب: الأثر، أي: لا تؤثر فيها بشدة اتكائك على أنفك في السجود". قوله: (ليس بالندب في الوجوه): النهاية: "الندب_ بالتحريك_: أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد". قوله: (استنارت وجوههم من طول ما صلوا): قال الإمام: "هو ما يظهره الله في وجوه الساجدين نهارًا إذا قاموا بالليل متهجدين، هذا محقق لما يشاهد الفرق بين الساهر في اللهو واللعب، وبين الساهر في الذكر والشكر، أي: نورهم في وجوههم لتوجههم نحو الحق، ومن يحاذي الشمس يتنور وجهه، على أن نورها عارضي، والله نور السماوات

стр. 7915

﴿ذلِكَ﴾ الوصف ﴿مَثَلُهُمْ﴾، أي: وصفهم العجيب الشأن في الكتابين جميعًا، ثم ابتدأ فقال: ﴿كَزَرْعٍ﴾ يريد: هم كزرع. وقيل: تم الكلام عند قوله: ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ﴾، ثم ابتدئ: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ﴾، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة مبهمة أوضحت بقوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾، كقوله: ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]. وقرئ: "الأنجيل" بفتح الهمزة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والأرض، فمن يتوجه إليه بكليته_ كما قال: وجهت وجهي لله_ لا بد أن يظهر في وجهه نور تبهر منه الأنوار". وروى السلمي عن عبد العزيز المكي: ليس هو النحولة والصفرة، ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين، يبدو من باظنهم على ظاهرهم، يتبين ذلك للمؤمنين، ولو كان ذلك في زنجي أو حبشي. وعن بعضهم: ترى على وجوههم هيبة لقرب عهدهم بمناجاه سيدهم، قال ابن عطاء: ترى عليهم خلع الأنوار لائحة، وقال عامر بن عبد القيس: كاد وجه المؤمن يخبر عن مكنون عمله، وكذلك وجه الكافر. قوله: (وقيل: تم الكلام عند قوله) إلى آخره: وفي "المرشد": قال أبو حاتم: والتمام ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ يعني: صفتهم ونعتهم، قال: ثم يبتدئ: ﴿ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ جعل صفتهم في التوراة أنهم أشداء على الكفار، وصفتهم في الإنجيل أنهم كزرع أخرج شطأه فازره، وقد أجاز غيره أن يقول: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ومَثَلُهُمْ فِي الإنجِيلِ كَزَرْعٍ﴾ كأنهم جعلوا مثلهم وصفتهم في التوراة والإنجيل شيئًا واحدًا.

стр. 7916

﴿شَطْأَهُ﴾ فراخه، يقال: أشطأ الزرع: إذا فرخ. وقرئ: "شطأه" بفتح الطاء، و"شطاه"، بتخفيف الهمزة، و"شطاءه" بالمدّ، و"شطه"، بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى ما قبلها، و"شطوه" بقلبها واوًا. ﴿فَآزَرَهُ﴾ من المؤازرة، وهي المعاونة، وعن الأخفش: أنه أفعل. وقرئ: "فأزره" بالتخفيف والتشديد، أي: فشدّ أزره وقوّاه. ومن جعل "آزر": أفعل، فهو في معنى القراءتين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقرئ: "شطأه" بفتح الطاء): ابن كثير وابن ذكوان: "شطأه" بتحريك الطاء، والباقون: بإسكانها. قوله: ("شطاه" بتخفيف الهمزة): قال ابن جني: "قراءة عيسى الهمداني_ بخلاف_: "شطاءه" بتحريك الطاء ممدودًا مهموزًا، وقرأ عيسى: "شطاه"، وقرأ الجحدري: "شطوه". والشطء: فراخ الزرع، وجمعه: شطوء، ويقال أيضًا: هو الورق، والشطء: السنبل أيضًا، شطأ الزرع شطأ، ومنه قولهم_ عندي_: شاطئ النهر والوادي، لأنه ما برز منه وظهر، ولهذا سموه بالسيف، لأنه من لفظ "السيف" ومعناه، ألا تراهم يصفون السيف بالصقال، وأما "شطوه" بالواو: فلا يخلو أن يكون لغة أو بدلًا من الهمزة. ولا يكون "الشطء" إلا في البر والشعير". قوله: (" فأزره"): قرأ ابن ذكوان: "فأزره" بالقصر، والباقون: بالمد. قوله: (فهو في معنى القراءتين): يعني: "آزر" إما "فاعل" من المؤازرة: المعاونة، أو "أفعل" من الأزر؛ القوة، كما قال الأخفش، وقوله: "في معنى القراءتين"، أي: "آزر" إذا جعل "أفعل" يجمع معنى التخفيف والتشديد.

стр. 7917

﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ فصار من الدقة إلى الغلظ، ﴿فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ فاستقام على قصبه، جمع ساق. وقيل: مكتوب في الإنجيل: "سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر". وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي. وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوى واستحكم، لأنّ النبي ﷺ قام وحده، ثم قوّاه الله بمن آمن معه، كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتف بها مما يتولد منها، حتى يعجب الزرّاع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: "أصل الأزر: الإزار الذي هو اللباس، يقال: إزار وإزارة ومئزر، ويكنى بالإزار عن المرأة، وقوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]، أي: أتقوى به، والأزر: القوة الشديدة، وآزره: أعانه وقواه، وأصله من شد الإزار، يقال: آزرته فتأزر، أي: شددت أزره، وهو حسن الإزرة، وأزرت البناء وآزرته: قويت أسافله، وتأزر النبات: طال وقوي، وآزرته ووازرته: صرت وزيره، وأصله الواو". قوله: (أخرج شطأه بأبي بكر): روى محيي السنة في "العالم" قريبًا منه، وروى قي "شرح السنة" عن مالك، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله ﷺ ، فقرأ مالك هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ﴾، ثم قال: "من أصبح من الناس في قلبه على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد أصابته الآية".

стр. 7918

فإن قلت: قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ تعليل لماذا؟ قلت: لما دل عليه تشبيههم بالزرع؛ من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوّة، ويجوز أن يعلل به ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، لأنّ الكفار إذا سمعوا بما أعدّ لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك. ومعنى ﴿مِنْهُمْ﴾: البيان، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد فتح مكة». ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تمت السورة حامدًا لله، ومصليًا على رسول الله ﷺ * * *

стр. 7919

سورة الحجرات مدنية، وهي ثمان عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١] قدّمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة، من قدمه إذا تقدّمه في قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ [هود: ٩٨]، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الحجرات مدنية، وهي ثمان عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (قدمه وأقدمه: منقولان بتثقيل الحشو والهمزة): أي: منقولان من المتعدي مفعول واحد إلى مفعولين، الجوهري: "أقدمه وقدمه بمعنى، قال لبيد: فمضى وقدمها وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها أي: تقدمها". الراغب: "القدم: قدم الرجل، وبه اعتبر التقدم والتأخر، ويقال: قديم وحديث؛ باعتبار الزمانين، وإما بالشرف، نحو: فلان متقدم على فلان، أي: أشرف منه، والقدم

стр. 7920

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وجود فيما مضى، والبقاء: وجود فيما يستقبل، وقد ورد في وصف الله تعالى: "يا قديم الإحسان"، ولم يرد في شيء من القرآن والآثار الصحيحة "القديم" في وصف الله تعالى، والمتكلمون يصفونه به، وأكثر ما يستعمل "القديم" يستعمل باعتبار الزمان، نحو: ﴿كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]. ويقال: قدمت كذا، قال تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣]، وقدمت فلانا أقدمه: إذا تقدمته، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٩٨]. وقال تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾: قيل: معناه: لا تتقدموا، وتحقيقه: لا تسبقوه بالقول والحكم، بل افعلوا ما يرسمه كما يفعله العباد المكرمون، وهم الملائكة حيث قال: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧]. وقدمت إليه بكذا: إذا أمرته قبل وقت الحاجة إلى الفعل، وقبل أن يدهمه الأمر أو الناس، وقدمت به: أعلمته قبل وقت الحاجة، ومنه قوله تعالى: ﴿وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكُم بِالْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨]، وركب فلان مقاديمه: إذا مر على وجهه".

стр. 7921

ونظيرهما معنى ونقلًا: سلفه وأسلفه، وفي قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ من غير ذكر مفعول وجهان: أحدهما: أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدّم. والثاني: أن لا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهى إلى نفس التقدمة، كأنه قيل: لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [غافر: ٦٨]. ويجوز أن يكون: من قدّم؛ بمعنى: تقدّم، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (معنى ونقلًا): أما معنى: فلأن التسليف التقديم، ومنه السلفة_ بالضم_: ما يتعجله الرجل من الطعام قبل الغذاء، تقول منه: سلف الرجل تسليفًا، وأما نقلًا فهو قوله: سلفه وأسلفه، منقولان من: سلفه. قوله: (أن يحذف ليتناول كل ما يقع في النفس مما يقدم): أي يترك مفعول ليعم تناوله، فإنه إذا ذكر قصر عليه. قوله: (أن لا يقصد [قصد] مفعول ولا حذفه): أي: يقصد إلى نفس الفعل وحقيقته، نحو: "فلان يعطي ويمنع"، أي: يوجدهما ويفعل حقيقتهما إبهامًا للمبالغة، قال صاحب "التسير": أي: لا تقدموا قولًا ولا فعلًا على قول رسول الله ﷺ وفعله مما سبيله أن يؤخذ عنه من أمر الدين، بل انتظروا حكمه فيه، فإن حكمه حكم الله، لأنه لا يقضي إلا بأمر الله تعالى. قوله: (كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾): أي يوحدهما، ووجه المشابهة: أن الإحياء والإماته من شأن من اتصف بصفة الألوهية ومن مصححها، كذا من شأن من اتصف بصفة الإيمان، بل من شأن من يصدق ويقال في حقه: "الذين آمنوا": أن يجتنب التلبس بهذا الفعل. قوله: (ويجوز أن يكون من: قدم؛ بمعنى: تقدم): أي: يكون لازمًا، الجوهري: "وقدم بين يديه، أي: تقدم، قال تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ ".

стр. 7922

كوجه وبين، ومنه مقدّمة الجيش: خلاف ساقته، وهي الجماعة المتقدّمة منه، وتعضده قراءة من قرأ: "لا تقدموا" بحذف إحدى تاءي "تتقدموا"، إلا أن الأوّل أملأ بالحسن وأوجه، وأشدّ ملاءمة لبلاغة القرآن، والعلماء له أقبل. وقرئ: "لا تقدموا"؛ من القدوم، أي: لا تقدموا إلى أمر من أمور الدين قبل قدومهما، ولا تعجلوا عليهما. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ويعضده قراءة من قرأ: "لا تقدموا" بحذف إحدى تاءي "تتقدموا"): قال ابن جني: "وهي قراءة الضحاك ويعقوب، أي: لا تفعلوا ما تؤثرونه وتتركوا ما أمركم الله ورسوله، وهذا معنى قراءة العامة: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، أي: لا تقدموا أمرًا على ما أمركم الله، والمفعول محذوف". قوله: (إلا أن الأول أملًا بالحسن): الأساس: "نظرت إليه، فملأت منه عيني، وهو يملأ العين حسنًا، قال النمر: ألم ترها تربك غداة قامت .... بملء العين من كرم وحسن". أي: إذا قدر أنه متعد ثم حذف المفعول؛ إما للعموم أو لإرادة إجراء المتعدي مجرى اللازم، كان أحسن وأبلغ، وإن بعدت المسافة من جعله ابتداء لازمًا؛ لما عرفت من الشيوع والمبالغة غير مرة. قوله: (وقرئ: "لا تقدموا"؛ من القدوم): الجوهري: "قدم من سفره قدومًا ومقدمًا_بفتح الدال_ وقدم_ بالفتح_ يقدم قدومًا، أي: تقدم"، فعلى هذا: شبه تعجيلهم في قطع

стр. 7923

وحقيقة قولهم: جلست بين يدي فلان: أن يجلس بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله قريبًا منه، فسميت الجهتان: يدين؛ لكونهما على سمت اليدين مع للقرب منهما توسعًا، كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه في غير موضع، وقد جرت هذه العبارة ها هنا على سنن ضرب من المجاز، وهو الذي يسميه أهل البيان: تمثيلِا، ولجريها هكذا فائدة جليلة ليست في الكلام العريان، وهي تصوير الهجنة والشناعة فيما نهوا عنه من الإقدام على أمر من الأمور دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحكم في أمر من أمور الدين بقدوم المسافر عن سفره؛ إيذانًا بشدة رغبتهم فيه، نحوه قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. قوله: (كما يسمى الشيء باسم غيره إذا جاوره وداناه): يعني: هو من المجاز الذي يسمى بتسمية الشيء باسم مجاوره، نحو: جرى الميزاب، وسال الوادي. قوله: (على سنن ضرب من المجاز): المغرب: "سنن الطريق: معظمه ووسطه، وقوله: فمر السهم في سننه، أي: في طريقه مستقيمًا كما هو لم يتغير، أي: لم يرجع عن وجهه". قوله: (وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلًا): أي: استعارة تمثيلية، شبه تعجيل الصحابة في إقدامهم على قطع الحكم في أمر من أمر الدين بغير إذن الله ورسوله، بحال من تقدم بين يدي متبوعه إذا سارا في الطريق، وأنه في العادة مستهجن، ثم استعمل في جانب المشبه ما كان مستعملًا في جانب المشبه به من الألفاظ، والغرض تصوير كمال الهجنة، وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله. ومثله قوله تعالى في حق الملائكة: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، أصله: لا يسبق قولهم قوله، فنسب السبق إليهم، وجعل "القول" محله؛ تنبيها على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله. قوله: (دون الاحتذاء على أمثلة الكتاب): هو افتعال من الحذو، وفيه معنى الاعتمال،

стр. 7924

والمعنى: أن لا تقطعوا أمرًا إلا بعد ما يحكمان به ويأذنان فيه، فتكونوا: إما عاملين بالوحي المنزل، وإما مقتدين برسول الله ﷺ . وعليه يدور تفسير ابن عباس. وعن مجاهد: لا تفتاتوا على الله شيئًا حتى يقصه على لسان رسوله. ويجوز أن يجرى مجرى. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كالاكتساب والكسب. الجوهري: "يقال: حذوت النعل بالنعل حذوا: إذا قدرت كل واحدة على صاحبتها"، وضمن معنى "قدر"، وعدي ب"علي"، يقال: قدرت عليه الثواب فانقدر، أي: جاء على المقدار، فأفاد المبالغة بناء وتضمينًا. قوله: (لا تفتاتوا على الله شيئًا): الأساس: "افتات فلان عليكم برأية: سبقكم به، ولم يشاوركم في الحديث"، وفي مجمل اللغة": "الافتئات: افتعال من الفوت، وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار من يؤتمر، وقيل: فلان لا يفتات عليه، أي: يعمل شيء دون أمره". قوله: (ويجوز أن يجرى): معطوف على قوله: "وقد جرت هذه العبارة" إلى آخره، أي: ويجوز أن يجرى قوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ مجرى هذا الأسلوب، وأن يكون ذكر الله تمهيدًا لذكر رسول الله ﷺ ، وتعظيمًا لحرمته وإجلاله، وعلى الأول: كان المراد منه حكم الله ونص كتابه. وهذا الأسلوب أبلغ وللمعاني أشمل، والتمثيل له أظهر، لأنه إذ حفظ مجلسه صلوات الله عليه من الفلتات والسقطات، ووقر جانبه من رفع الأصوات، كان التقديم بين يدي حكم الله أنهى، والمحافظة عليه أولى وأخرى. ومن ثم عقب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾، وكرر النداء، وسموا بالمؤمنين؛ إيذانًا بالتنبيه على ما غفلوا عنه، وأن الإيمان هو الذي يقتضي ذلك، وفصل ذلك

стр. 7925

قولك: سرني زيد وحسن حاله، وأعجبت بعمرو وكرمه، وفائدة هذا الأسلوب: الدلالة على قوّة الاختصاص، ولما كان رسول الله ﷺ من الله بالمكان الذي لا يخفى، سلك به ذلك المسلك. وفي هذا تمهيد وتوطئة لما نقم منهم فيما يتلوه من رفع أصواتهم فوق صوته، لأنّ من أحظاه الله بهذه الأثرة، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المجمل أولًا بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا﴾ [الحجرات: ٢]، وثانيًا بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾ [الحجرات: ٤]، وثالثًا بقوله: ﴿إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: ٦]، ورابعًا بقوله: ﴿واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٧]، وعلل كل ذلك بقوله: ﴿لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمَانَ﴾ [الحجرات: ٧]. ثم استطرد ما فيه بيان توخي حسن المعاشرة مع الأصحاب والإخوان، وإصلاح ذات البين، والتنزه عن الفرطات من التنابز والغيبة وغير ذلك. ولما فرغ من بيان إيجاب التهيب لمجلس رسول الله ﷺ وإحلال جانبه، وشرح الصحبة مع الإخوان، شرع في بيان ما هم عليه من محافظة تقوى الله والإيمان والإسلام، وأعاد التنبيه، وأعلم المنادى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأُنثَى﴾ [الحجرات: ١٣] إلى آخر السورة. قوله: (قولك: سرني زيد وحسن حاله): وعن بعضهم: الأصل أن بقول: سرني حسن حاله، وأعجبني كرمه خصوصًا، أي: له خصال محمودة كاملة، وهي معجبة لي، خصوصًا كرمه، ولكن أردت المبالغة، فذكرت اسمه اولًا. قوله: (نقم منهم): الأساس: "نقمت منه كذا: أنكرته عليه وعبته، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]. قوله: (بهذه الأثرة): الأثرة: اسم الاستئثار.

стр. 7926

واختصه هذا الاختصاص القوي، كان أدنى ما يجب له من التهيب والإجلال أن يخفض بين يديه الصوت، ويخافت لديه بالكلام. وقيل: بعث رسول الله ﷺ إلى تهامة سرية سبعة وعشرين رجلًا، وعليهم المنذر بن عمرو الساعدي، فقتلهم بنو عامر، وعليهم عامر بن الطفيل، إلا ثلاثة نفر نجوا، فلقوا رجلين من بني سليم قرب المدينة، فاعتزيا لهم إلى بني عامر، لأنهم أعز من بني سليم، فقتلوهما وسلبوهما، ثم أتوا رسول الله ﷺ فقال: «بئسما صنعتم، كانا من سليم، والسلب ما كسوتهما»، فوداهما رسول الله ﷺ ، ونزلت. أي: لا تعملوا شيئًا من ذات أنفسكم حتى تستأمروا رسول الله ﷺ . وعن مسروق: دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه، فقالت للجارية: اسقه عسلًا، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فاعتزيا لهم إلى بني عامر): يعني: أنهما انتسبا إلى بني عامر حين سئلا عن نسبهما، وظنا أن به النجاة، لأن بني عامر كانوا اعز من بني سليم. قوله: (والسلب ما كسوتهما): أي: ما سلبتم عنهما من الثبات كان لي، أنا كسوتهما، وكانت هذه الخلعة أمارة على الإسلام. قوله: (فوداهما): أي: أعطى ديتهما. قوله: (وفيه نزلت): من تمام كلام عائشة ﵄، وفي "المعالم": "روى مسروق عن عائشة: أنه في النهي عن يوم الشك، أي: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم". ومسروق: ذكره صاحب"الجامع" في عداد التابعين، وقال: "هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكان خصيصًا بابن مسعود، روى عنه الكثير، وكانت عائشة أم المؤمنين ﵂ تبنت مسروقًا، ومات بالكوفة سنة اثنتين وستين".

стр. 7927

وعن الحسن: أنّ أناسًا ذبحوا يوم الأضحى قبل الصلاة، فنزلت، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يعيدوا ذبحًا آخر. وهذا مذهب أبي حنيفة ﵁، إلا أن تزول الشمس. وعند الشافعي: يجوز الذبح إذا مضى من الوقت مقدار الصلاة. وعن الحسن أيضًا: لما استقرّ رسول الله ﷺ بالمدينة أتته الوفود من الآفاق، فأكثروا عليه بالمسائل، فنهوا أن يبتدئوه بالمسألة حتى يكون هو المبتدئ. وعن قتادة: ذكر لنا أنّ ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل فيه كذا لكان كذا، فكره الله ذلك منهم، وأنزلها. وقيل: هي عامة في كل قول وفعل، ويدخل فيه: أنه إذا جرت مسألة في مجلس رسول الله ﷺ لم يسبقوه بالجواب، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا مذهب أبي حنيفة ﵁: ويؤيده ما روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي عن البراء قال: "ذبح أبو بردة بن نيار قبل الصلاة، فقال النبي ﷺ : أبدلها، فقال: يا رسول الله، ليس عندي إلا جذعة، فقال النبي ﷺ : اجعلها مكانها، ولن تجزئ عن أحد بعدك". وفي رواية: أنه ﷺ قال: "أن أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنها هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء، وكان أبو بردة بن نيار قد ذبح"، الحديث. قوله: (وقيل: هي عامة في كل قول وفعل): هذا هو الذي عليه النظم، كما قررناه.

стр. 7928

وأن لا يمشى بين يديه إلا لحاجة، وأن يستأنى في الافتتاح بالطعام. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فإنكم إن اتقيتموه عاقتكم التقوى عن التقدمة المنهي عنها، وعن جميع ما تقتضي مراقبة الله تجنبه، فإن التقيّ حذر لا يشافه أمرًا إلا عن ارتفاع الريب وانجلاء الشك في أن لا تبعة عليه فيه، … ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: أي: فرق بين هذا القول وما سبق في القول الأول: "وقد جرت هذه العبارة على سنن ضرب من المجازة"؟ قلت: ذلك مجاز باعتبار التمثيل وتشبيه معقول بمحسوس كما سبق، والمفعول مقدر، كما أشار إليه بقوله: "والمعنى: أن لا تقطعوا أمر إلا بعد ما يحكمان به، ويأذنان فيه"، فلا يقدر معنى الحقيقة فيه بنحو: "وأن لا يمشى بين يديه"، وهذا مجاز باعتبار القدر المشترك، وأن الحقيقة فرد من أفراد ذلك المجاز، وإليه أومئ في أول السورة: "ويتوجه النهي إلى نفس التقدمة"، ويسمى في الأصول بعموم المجاز، وفي الصناعة بالكناية، لأنها لا تنافي إرادة الحقيقة أيضًا. قول: (وأن يستأنى): الجوهري: "تأنى في الأمر: ترفق وتنظر، واستأنى به؛ أي: انتظر به". قوله: (لا يشافه أمرًا): الأساس: "شافهت البلد والأمر: إذا دانيته". قوله: (في أن لا تبعة عليه): متعلق ب"الشك"، أي: التقي لا يداني ولا يقارب أمرًا متجاوزًا عن حالة من الأوحوال إلا عن حالة اجتهد فيها، وكشف عنها، ورفع الشك في أنه لا تبعة عليه في مباشرة ذلك الأمر، وهو مقتبس من قوله ﷺ : "لا يبلغ العبد أن يكون

стр. 7929

وهذا كما تقول لمن يقارف بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار. فتنهاه أوّلًا عن عين ما قارفه، ثم تعم وتشيع، وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة، وكل ما يضرب في طريقها ويتعلق بسببها. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لما تقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تعملون، وحق مثله أن يتقى ويراقب. [﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٢] إعادة النداء عليهم: استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكل حكم نازل، وتحريك منهم لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من المتقين حتى يدع ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس"، أخرجه الترمذي وابن ماجه عن عطية السعدي. قوله: (لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار): يعني: قوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ مع تعليله بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: كالتذييل لما سبق، والتوكيد لما يتضمنه بالطريق البرهاني، وإليه الإشارة بقوله: "وتأمره بما لو امتثل فيه أمرك لم يرتكب تلك الفعلة". قوله: (وكل ما يضرب في طريقها): الأساس: "وهم ضربائي، ومنه قولهم: هو ضربه وضريبه، أي: مثله"، أي: لم يرتكب تلك الفعلة وكل ما يشبهها. النهاية: "وفي حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا ذهب هذا وضرباؤه"، وهم الأمثال". قوله: (وما أخذوا به): النهاية: "يقال: أخذ فلان بذنبه، أي: حبس وجوزي عليه"، وإنما

стр. 7930

الذي المحافظة عليه تعود عليهم بعظيم الجدوى في دينهم، وذلك أنّ في إعظام صاحب الشرع إعظام ما ورد به، ومستعظم الحق لا يدعه استعظامه أن يألو عملًا بما يحدوه عليه، وارتداعًا عما يصده عنه، وانتهاء إلى كل خير. والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: أنه إذا نطق ونطقتم، فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحدّ الذي يبلغه بصوته، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بين "ما أخذوا" بقوله: "من الأدب"؛ لأن المراد به التأدب الذي أدبهم الله في قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، ولذلك كان "وما أخذوا" عطفًا تفسيريًا على "تأملهم"، فأراد بالأدب: التأدب؛ إطلاقًا للمسبب على السبب، أي: لا تغفلوا عن التأمل فيما أخذوا به في قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾، لأن السابق بساط هذه الآية، ووطاء لذكرها، كما سيجيء. قوله: (تعود عليهم بعظيم الجدوى): الأساس: "عاد علينا فلان بمعروفه، وما أكثر عائدة فلان على قومه". قوله: (أن يألو عملًا): الجوهري: "ألا [الرجل] يألو، أي: قصر، وفلان لا يألوك نصحًا". قوله: (يحدوه عليه): بالحاء المهملة، وروي بالجيم وليس بشيء؛ لقوله: "وارتداعًا عما يصده عنه". النهاية: "في حديث الدعاء: "لا تحدوني عليها خلة واحدة"، أي: لا تبغثني وتسوقني عليها خصلة واحدة، وهو من حدو الإبل، فإنه من بعث الأشياء على سوقها". وتلخيصه: أنهم إذا تأدبوا بذلك الأدب وحفظوه، تكسبهم المحافظة عليه تعظيم دينهم، لأن في إعظام صاحب الشرع إعظام الدين، ومن يريد تعظيم دينه لا يخليه ذلك التعظيم أن يقصر في عمل يبعثه ويسوقه إلى الاستعظام، ولا يقصر أيضًا في ارتداع ما يمنعه عن الاستعظام، ولا يقصر أيضًا في أن ينتهي إلى كل خير لأجل ذلك الاستعظام.

стр. 7931

وأن تغضوا منها بحيث يكون كلامه عاليًا لكلامكم، وجهره باهرًا لجهركم، حتى تكون مزيته عليكم لائحة، وسابقته واضحة، وامتيازه عن جمهوركم كشية الأبلق غير خاف، لا أن تغمروا صوته بلغطكم، وتبهروا منطقه بصخبكم. وبقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾: أنكم إذا كلمتموه وهو صامت، فإياكم والعدول عما نهيتم عنه من رفع الصوت، بل عليكم أن لا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم، وأن تتعمدوا في مخاطبته القول اللين المقرّب من الهمس الذي يضادّ الجهر، كما تكون مخاطبة المهيب المعظم، عاملين بقوله عز اسمه: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]. وقيل معنى: ﴿وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ لا تقولوا له: يا محمد، يا أحمد، وخاطبوه بالنبوّة. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار حتى ألقى الله. وعن عمر ﵁: أنه كان يكلم النبي ﷺ كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، وكان أبو بكر إذا قدم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عاليًا لكلامكم): اللام جيء بها لضعف عمل اسم الفاعل، وكذا في "باهرًا لجهركم". الجوهري: "بهرة بهرًا، أي: غلبه"، وكذا "علوت الرجل: غلبته". قوله: (وبقوله: ﴿ولا تَجْهَرُوا﴾): عطف على قوله: "بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ ". قوله: (قال أبو بكر ﵁: ياو رسول الله، والله لا أكلمك إلا السرار أو أخا السرار): روينا عن البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الزبير قال: "قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ ، فقال أبو بكر ﵁: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر ﵁: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت".

стр. 7932

على رسول الله ﷺ وفد، أرسل إليهم من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله ﷺ . وليس الغرض برفع الصوت ولا الجهر: ما يقصد به الاستخفاف والاستهانة، لأنّ ذلك كفر، والمخاطبون مؤمنون، وإنما الغرض صوت هو في نفسه، والمسموع من جرسه: غير مناسب لما يهاب به العظماء، ويوقر الكبراء، فيتكلف الغض منه، وردّه إلى حدّ يميل به إلى ما يستبين فيه المأمور به من التعزير والتوقير. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وفي رواية: "كاد الخيران أن يهلكا، قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث [النبي ﷺ ] بحديث، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه". قال في "الفائق": كأخي السرار: أي: كلامًا مثل المسارة وشبهها لخفض صوته، والكاف في محل النصب؛ صفة مصدر محذوف، والضمير في "لا يسمعه" يرجع إلى الكاف، و"لا يسمعه" صفة لقوله: (كأخي السرار) ". قوله: (وليس الغرض): عطف على قوله: "والمراد بقوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ "، يعني: أنهم وإن نهوا عن رفع الصوت والجهر، لكن لي الغرض بذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة برسول الله ﷺ ، وكيف وهم خير الناس؟ ! بل الغرض أن التصويت بحضرته بنفسه مباين لتوقيره وتعزيزه. ويدل على هذا التأويل قوله: "ولم يتناول النهي أيضًا [رفع الصوت] الذي لا يتأذى به"، يعني: وإن كان الغرض في النهي الزجر عن التصويت نفسه، لكن ما بلغ إلى حد يحرم مطلقًا، لأنه إذا تناط به مصلحة من المصالح، ويكون مأمورًا به، كان واجبًا.

стр. 7933

ولم يتناول النهي أيضًا رفع الصوت الذي لا يتأذى به رسول الله ﷺ ، وهو ما كان منهم في حرب، أو مجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ، أو ما أشبه ذلك، ففي الحديث: أنه قال ﵊ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس يوم حنين: «اصرخ بالناس»، وكان العباس أجهر الناس صوتًا. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والحاصل: أن النهي تناول الصوت الذي يتأذى به الرسول ﷺ ، وقوله: "والمسموع من جرسه" زيادة وبيان. الأساس: "ما سمعناه له جرسًا ولا همسًا، وهو الخفي من الصوت، وجرس الكلام: نغم به، والحروف كلها مجروسة إلا أحرف اللين". "إلى حد يميل به": "يميل به" صفة "حد"، وضمير الفاعل يعود عليه، والضمير في "به" عائد إلى "الصوت"، وفاعل "يستبين": "المأمور به"، والضمير في "فيه" عائد إلى "ما"، و"من التعزير" بيان المأمور به، أي: فيتكلف المكلف رد الصوت إلى حد يميل به إلى ما يظهر فيه التوقير المأمور به. قوله: (قال ﷺ للعباس بن عبد المطلب لما انهزم الناس: "اصرخ بالناس"): روى مسلم عن العباس قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، ولزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب رسول الله ﷺ ، فلم نفارقه"، وساق الحديث إلى قوله: "ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض على بغلته قبل الكفار، فقال رسول الله ﷺ : يا عباس، ناد أصحاب السمرة، فقال عباس_ وكان رجلًا صيتًا_: قفلت بأعلى صوتي: أين أحصاب السمرة، قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا بصوتي عطفة البقر على أولادها" الحديث وكنية العباس في "الاستيعاب" و"الجامع": أبو الفضل.

стр. 7934

يروى: أنّ غارة أتتهم يومًا، فصاح العباس: يا صباحاه، فأسقطت الحوامل لشدّة صوته. وفيه يقول نابغة بني جعدة: زجر أبي عروة السّباع إذا .... أشفق أن يختلطن بالغنم زعمت الرواة أنه كان يزجر السباع عن الغنم، فيفتق مرارة السبع في جوفه. وفي قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم"، والباء مزيدة محذوّ بها حذو التشديد في قول الأعلم الهذلي: رفعت عيني بالحجا … ز إلى أناس بالمناقب وليس المعنى في هذه القراءة: أنهم نهوا عن الرفع الشديد؛ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (يا صباحاه): هذه كلمة يقولها المستغيث، وأصلها إذا صاحوا للغارة، لأنهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، فكأنه يقول: يا صباحاه، قد غشينا العدو. قوله: (رفعت عيني بالحجاز إلى أناس بالمناقب): التشديد في "رفعت" للمبالغة، والمناقب: اسم موضع، واتفق أن ابن مسعود كان هذليًا والأعلم كذا، روي عن المصنف: أن كلا الأعلمين كانا هذليين، ابن مسعود أعلم؛ من العلم، والثاني: اسمه أعلم؛ لكونه مقطوع الشفة. قوله: (وليس المعنى في هذه القراءة): يعني: في قراءة ابن مسعود، أي: أن الباء دلت على

стр. 7935

تخيلًا أن يكون ما دون الشديد مسوغًا لهم، ولكن المعنى: نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون. وعن ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت، فكان إذا تكلم رفع صوته، وربما كان يكلم رسول الله ﷺ ، فيتأذى بصوته. وعن أنس: أن هذه الآية لما نزلت فقد ثابت، فتفقده رسول الله ﷺ ، فأخبر بشأنه، فدعاه، فسأله، فقال: يا رسول الله، لقد أنزلت إليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله ﷺ : "لست هناك، إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبالغة؛ لأنها مثل التشديد في "رفعت"، وهو للمبالغة، فدل دليل الخطاب على جواز رفع الصوت دون الشديد لكن الآية نازلة في شأن قوم لهم الجلبة والاستجفاء والغلظة، ونهيهم عما كانوا عليه، نحوه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]. قوله: (في ثابت بن قيس): روى البخاري ومسلم عن أنس: لما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته، وقال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأل النبي ﷺ سعد بن معاذ، فقال: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " قال سعد: إنه جاري، وما علمت له بشكوى، فأتاه سعد، فقال: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "بل هو من أهل الجنة". قوله: (لست هناك): كناية عن نزاهته عما ظن في نفسه.

стр. 7936

وأمّا ما يروى عن الحسن: أنها نزلت فيمن كان يرفع صوته من المنافقين فوق صوت رسول الله ﷺ : فمحمله -والخطاب للمؤمنين- على أن ينهى المؤمنون ليندرج المنافقون تحت النهي؛ ليكون الأمر أغلظ عليهم وأشق. وقيل: كان المنافقون يرفعون أصواتهم ليظهروا قلة مبالاتهم، فيقتدي بهم ضعفة المسلمين. وكاف التشبيه في محل النصب، أي: لا تجهروا له جهرًا مثل جهر بعضكم لبعض. وفي هذا: أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم أن يكلموه إلا بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني: الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوّة وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب، وإن جلت عن رتبتها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (فمحمله): جواب "أما"، و"على أن ينهى" متعلق ب"محمله" خبرًا، و"الخطاب للمؤمنين" جملة اعتراضية. قوله: (ليكون الأمر أغلظ): وذلك من إفادة التعريض التوبيخي، كأنهم ليسوا ممن يستحقون المخاطبة، لأنهم بعداء مطرودين تحقيرًا بشأنهم، وازدراء بحالهم، كقوله تعالى لعيس ﵇: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. قوله: (بمماثلة ما قد اعتادوه منه): الضمير في "اعتادوه" عائد إلى "ما"، و"منه" بيان، والضمير فيه للجهر، أي: الجهر المشابه لما اعتادوه فيما بينهم. قوله: (وهو الخلو من مراعاة ابهة النبوة وجلالة مقدارها): نظر إلى تخصيص ذكر "النبي" في قوله: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾. انظر - أيها المتأمل - في استقرار هذه

стр. 7937

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ﴾ منصوب الموضع، على أنه مفعول له، وفي متعلقه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بمعنى النهي، فيكون المعنى: انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم، أي: لخشية حبوطها، على تقدير حذف المضاف، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. والثاني: أن يتعلق بنفس الفعل، ويكون المعنى: أنهم نهوا عن الفعل الذي فعلوه لأجل الحبوط، لأنه لما كان بصدد الأداء إلى الحبوط، جعل كأنه فعل لأجله، وكأنه العلة والسبب في إيجاده على سبيل التمثيل، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ [القصص: ٨]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكلمة في مقام التبجيل والتعظيم، ثم انظر إلى لفظ" رسوله" في قوله: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ في مقام الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة؛ لتقف على سر قوله ﷺ : "لا، والنبي الذي أرسلت"، فيما رويناه في "صحيح البخاري" عن البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به"، قال: فرددتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت: "آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت"، قلت: "ورسولك"، قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت". النهاية: "إنما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجمع له الثنائين؛ معني النبوة والرسالة، ويكون تعديدًا للنعمة في الحالتين، وتعظيمًا للمنة على الوجهين. والرسول أخص من النبي، لأن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، وقيل: النبي: مشتق من النباوة، وهو الشيء المرتفع". وقلت: هذا المعنى أنسب فيما نحن بصدده، والله أعلم. قوله: (على سبيل التثميل): أي: تشبيه الحال بالحال، فإن فعلهم لما أدى إلى الحبوط، فكأنهم قصدوا لأجله، كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: "لأجل الحبوط" متعلق بقوله: "فعلوه"، أي: فعلوا رفع الصوت لأجل الحبوط.

стр. 7938

فإن قلت: لخص الفرق بين الوجهين. قلت: تلخيصه: أن يقدر الفعل في الثاني مضمومًا إليه المفعول له، كأنهما شيء واحد، ثم يصب النهى عليهما جميعًا صبًا، وفي الأوّل: يقدر النهي موجهًا على الفعل على حياله، ثم يعلل له منهيًا عنه. فإن قلت: بأي النهيين تعلق المفعول له؟ قلت: بالثاني عند البصريين، مقدرا إضماره عند الأوّل، كقوله: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، وبالعكس عند الكوفيين، وأيهما كان: فمرجع المعنى إلى أنّ الرفع والجهر كلاهما منصوص أداؤه إلى حبوط العمل. وقراءة ابن مسعود: "فتحبط أعمالكم": أظهر نصًّا بذلك، لأنّ ما بعد الفاء لا يكون إلا مسببًا عما قبله، فيتنزل الحبوط من الجهر منزلة الحلول من الطغيان في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (تلخيصه: أن يقدر الفعل في الثاني) إل آخره: تلخيصه ما قال صاحب" التقريب": "والفرق أن الفعل المهني معلل في الأول، والفعل المعلل منهي في الثاني"، وعن بعضهم: "إذا رفعتم حبطت أعمالكم، فالحبط نتيجة في الوجه الثاني، وفي الوجه الأول: ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾ تعليل للنهي لا للفعل نفسه، كأنه قيل: لم تنهانا؟ فقيل: خيفة حبط الأعمال، أو: لم لا نرفع؟ فقيل: أن تحبط". قوله: (ثم يعلل له): الفعل سند إلى الجار والمجرور، والضمير المجرور للفعل، و"منهيًا" حالي منه، أي: يعلل الفعل حال كونه منهيًا عنه. قوله: (في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾) يعني: قرأ الكسائي: "فيحل" بضم الحاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، والمعنى: لا يكن منكم طغيان، فحلول غضب مني. وكذا ها هنا: لا يكن منكم رفع الصوت، فحبوط عمل مني.

стр. 7939

والحبوط: من: حبطت الإبل: إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها، وربما هلكت، ومنه قوله ﵊: «وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا، أو يلم»، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهذه الفاء عند البصريين تنصب بإضمار "أن" بشرطين: أحدهما: السببية، والثاني: أن يكون قبلها أمر أو نهي أو استفهام أو نفي أو تمن أو ترج، وهي في الحقيقة عاطفة ما بعدها بتأويل المصدر على مصدر ما قبلها، فيقدر فيه "أن" لتعذر غيرها، لا أنها ناصبة بنفسها. ثم قوله: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ تتميم للمعنى، وإعلام بأن النبي ﷺ ينبغي أن يجل ويعظم غاية الإجلال والإعظام، وأنه قد يفعل الشيء مما لا يشعر به في أمر النبي ﷺ ، فيكون ذلك مهلكًا لفاعله وقائله، ولذلك قال بعض الفقهاء: من لم يحتشم في كلامه بحضرة الرسالة، وبدر منه ما ينبئ عن أدنى نقص، وجب قتله. وهو مذهب مالك وأصحابه، ﵃. قوله: (وإن مما ينبت الربيع): روينا عن البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد قال: "جلس رسول الله ﷺ على المنبر، فقال: أن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت رسول الله ﷺ ، ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يسمح عنه الرخصاء"، وفي رواية: "أين السائل آنفًا؟ أن الخير لا يأتي إلا الخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت، حتى إذا امتد خاصر تاها استقبلت عين الشمس، فثلطت ومالت، ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل _أو كما قال رسول الله ﷺ ، وإن من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة".

стр. 7940

ومن أخواته: حبجت الإبل: إذا أكلت العرفج فأصابها ذلك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الشرح: الرحضاء: عرق يغسل الجلد لكثرته، ويستعمل في مرض الحمى، "أو يلم": أي: يقرب ويدنو من الهلاك، " الثلط": الرجيع الرقيق، يقال: حبطت الدابة حبطًا_بالتحريك_: إذا أصابت مرعى طيبًا، فأفرطت حتى تنفخت وماتت، وذلك أن الربيع ينبت أحرار العشب، فتستكثر منه الماشية لا ستطابتها، فيؤدي إلى الهلاك أو يقاربه، و"الخضر"_ بكسر الضاد_: نوع من البقول، ليس من أحرارها وجيدها، وإنما ترعاها المواشي إذا لم تجد سواها، فلا تكثر منها، ولا تستمرئها. ضرب صلوات الله عليه في الحديث مثلين: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها، والآخر للمقتصد في أخذها للنفع، فقوله: "أن مما ينبت الربيع": مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها، ويمنعها مستحقها، فإنه تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له، وحسدهم إياه، وقوله: "إلا آكلة الخضر": مثل للمقتصد في جمع المال من حقه، فإنه بنجوة من وبالها. فقوله: "وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا": ما" الأولى: موصولة، والثانية: موصوفة، أي: وإن الذي ينبته الربيع لشيء يقتل حبطًا؛ مصدر لا من فعله، لأنه في معنى القتل. أما قوله: "أو كما قال": فقال محيي الدين النواوي: "ينبغي لمن يروي حديثًا بالمعنى أن بقول عقبه: "أو كما قال"، "أو نحو هذا"، أو ما أشبه هذا من الألفاظ، روي هذا عن عبد الله ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس وغيرهم". قوله: (حبجت الإبل): النهاية: "في حديث ابن الزبير: "إنا لا نموت حبجًا على

стр. 7941

وأحبض عمله: مثل أحبطه، وحبط الجرح وحبر: إذا غفر، وهو نكسه وتراميه إلى الفساد. جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض لمن يصاب به، أعاذنا الله من حبط الأعمال، وخيبة الآمال. وقد دلت الآية على أمرين هائلين: أحدهما: أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله. والثاني: أن في آثامه ما لا يدرى أنه محبط، ولعله عند الله كذلك، فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقى ويتحفظ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مضاجعنا، كما يموت بنو مروان": الحبج_ بفتحتين_: أن يأكل البعير لحاء العرفج، ويسمن عليه، وربما بشم منه فقتله، عرض بهم لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا، وأنهم يموتون بالتخمة". قوله: (والحرض): بالحاء المهملة، النهاية: "أحرضه المرض: إذا أفسد بدنه وأشفى على الهلاك". قوله: (وقد دلت الآية على أمرين هائلين): الانتصاف: "الزمخسري يعتقد أن الكبائر محبطة للأعمال موجبة للخلود في النار، وأخذ من هذه الآية: أن رفع الصوت بين يدي النبي ﷺ معصية لا تبلغ الشرك، وقد جعلها محبطة، وخوف العباد من إحباط الأعمال. وجوابه: أن المراد النهي عن رفع الصوت على الإطلاق، والحذر عما يتوقع منه من إيذاء النبي ﷺ ، وإيذاؤه كفر محبط للعمل، فنهى عن رفع الصوت محذوًا فيه عما يؤول إليه، ولو كان الأمر على ما يعتقده الزمخشري لم يكن لقوله: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ معنى؛ إذ الأمر منحصر في أن يكون كفرًا محبطًا لكونه مؤذيًا، أو غير مؤذ فيكون محبطًا على رأيه، والإحباط واقع على كل حال. وكلامنا هذا مرتب على مقدمتين: الأولى: أن رفع الصوت مما يحصل فيه الأذى، وهو

стр. 7942

[﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٣] ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى﴾ من قولك: امتحن فلان لأمر كذا، وجرب له، ودرب للنهوض به، فهو مضطلع به غير وانٍ عنه. والمعنى: أنهم صبر على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها. أو: وضع الامتحان موضع المعرفة، لأنّ تحقق الشيء باختباره، كما يوضع الخبر موضعها، فكأنه قيل: عرف الله قلوبهم للتقوى، وتكون اللام متعلقة بمحذوف، واللام هي التي في قولك: أنت لهذا الأمر، أي: كائن له ومختص به، قال: أنت لها -أحمد- من بين البشر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أمر مشاهد، حتى أن الشيخ يتأذى برفع صوت التلميذ، فكيف برتبة النبوة وما تستحقه من الإجلال ولإعظام. الثانية: أن إيذاء النبي ﷺ كفر". وقلت: ويمكن أن يقال: أن مقام التعريض التوبيخي_ كما سبق_ اقتضى المبالغة، واستدعى أن ينزل أذاهم رسول الله ﷺ برفع الصوت منزلة الكفر تغليظًا؛ إجلالًا لمجلسه صلوات الله عليه، ثم يترتب عليه ما ترتب على الكفر الحقيقي من الإحباط، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، معنى: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ على هذا: أنتم لا تشعرون أن ذلك بمنزلة الكفر المحبط، وليس كسائر المعاصي. قوله: (أنت لها_ أحمد_ من بين البشر): أوله: وقصيدة رائقة ضوعتها

стр. 7943

أعدّاء من لليعملات على الوجى؟ وهي مع معمولها منصوبة على الحال. أو: ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، أي: لتثبت وتظهر تقواها، ويعلم أنهم متقون؛ لأن حقيقة التقوى لا تعلم إلا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: معجبة، راقني الشيء: أعجبني. وعن بعضهم: "أحمد": يجوز أن يكون أفعل التفصيل، وأن يكون علمًا، أي: أنت يا أحمد كائن لها ومختص بها. قوله: (أعداء من لليعملات على الوجى): تمامه: وأضياف ليل بيتوا لنزول؟ وفي بعض النسخ من المتن: "أعداء"، الهمزة للنداء، وهو اسم رجل يرثيه، يقول تحسرًا وتوجعًا: من يؤدي الأضياف، وقد بهرهم السعي، وأتعبهم الطلب، ومن ينزل السفر، وقد أرمتهم النوق السراع إلى المهالك، حتى حفيت نعالهم، أي: من يخلص اليعملات من الوجى بأن ينزل صاحبها، ويقصي مهامه، فيتخلص من السير. قوله: (وهي مع معمولها منصوبة على الحال): التقدير: كائنة للتقوى، و"هي" أي: المحذوف، " مع معمولها" أي: التقوى، وإنما أنثه لأنه بمعنى"محصلة" أو" مختصة".

стр. 7944

وقيل: أخلصها للتقوى؛ من قولهم: امتحن الذهب وفتنه: إذا أذابه، فخلص إبريزه من خبثه ونقاه. وعن عمر ﵁: أذهب الشهوات عنها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من قولهم: امتحن الذهب): فسر ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ بوجوه: أحدها: أنه من الكناية التلويحية، عبر عن كونهم مغرقين في التقوى كاملين فيها بقوله: ﴿امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾، لأن الامتحان والتجربة يوجب مزاولة الأمر ومعالجته مرة بعد أخرى، وذلك يوجب التمرن فيه، والمتمرن مضطلع فيه، وفي المثل: "أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب"، فعلى هذا: مجاز الآية راجع إلى العباد، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وثانيها: أنه من إطلاق السبب على المسبب، فإن الامتحان سبب المعرفة، وهو المراد من قوله: "لأن تحقق الشيء باختباره"، وهو لوجهين: أحدهما: أن اللام في "التقوى" صلة محذوف، وهو حال من المفعول، وهو ﴿قُلُوبَهُمْ﴾. وثانيها: أن تكون اللام للتعليل، والمعنى: وضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى، وإثبات العلم هنا كإثباته في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، قال: "وليعلمهم علمًا يتعلق به الجزاء"، ومن ثم عقبه بقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، فتكون "أو ضرب الله" عطفًا على "عرف الله".

стр. 7945

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وثالثها: أن يكون تمثيلًا، شبة خلوص قلوبهم عن شوائب الكدورات النفسانية، وتصرع دواعيهم عن اللذات الشهوانية بعد طول المجاهدات ومقاساة المكابدات، بخلوص الذهب الإبريز الذي عرض على النار، ونقي من الخبث والزبد الذي يذهب جفاء. قال الواحدي: "تقدير الكلام: امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى، فحذف "الإخلاص" لدلاله" الامتحان" عليه، ولهذا قال قتادة: أخلص الله قلوبهم". وقلت: هذا الوجه أنسب؛ لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة الكرام، وفي التعريض ممن لسوا على وصفهم، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة: ﴿وأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾، واللاحقة: ﴿أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ فإن قلت: ذهبت في ما مر أن اختصاص "النبي" بالذكر في الآية الثانية لتبجيل جانب الرسول ﷺ ، وذكر"رسوله" في الأولى لأجل الاحتذاء على أمثلة الكتاب والسنة، فلم خولف ورجع في الثالثة إلى ما بدئ به؟ قلت: ليؤذن بأفضال الله في حق أولئك الكلمة، وتأديبه إياهم، وأنهم إنما غضوا أصواتهم عند رسول الله، ولم يرفعوا بها مثل أولئك؛ لأن الله زين باطنهم باكتساء لباس التقوى، حتى سرى إلى ظاهرهم بالتأدب بين يدي المولى، ومن أرسله إليهم وأكرمهم به، ومن ثم نسب ﴿امْتَحَنَ﴾ إلى الله تعالى، وجيء به ماضيًا، وأسند ﴿يَغُضُّونَ﴾ إليهم، وأتي به مضارعه دالًا به على الاستمرار، كأنه قيل: أن الذين دأبهم وعادتهم التأدب في حضرة الرسالة إنما

стр. 7946

والامتحان: افتعال؛ من: محنه، وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد، قال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد محنته، وأنشد: أتت رذايا باديًا كلالها .... قد محنت واضطربت آطالها قيل: أنزلت في الشيخين ﵄، لما كان منهما من غض الصوت والبلوغ به أخا السرار. وهذه الآية -بنظمها الذي رتبت عليه؛ من إيقاع الغاضين أصواتهم اسمًا لـ"إنّ" المؤكدة، وتصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر معرفتين معًا؛ والمبتدأ: اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهمًا أمره -ناظرة في الدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله ﷺ من خفض أصواتهم، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله ﷺ ، وقدر شرف منزلته، وفيها تعريض بعظيم ما ارتكب الرافعون أصواتهم، واستيجابهم ضد ما استوجب هؤلاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اختصوا به؛ لأته تعالى هو الذي أدبهم بإرسال الرسول ﷺ ، وإنزال الكتاب والحكمة، حتى هذبوا هذا التهذيب. قوله: (أتت رذايا) البيت: الرذية: الناقة المهزولة من السير، والجميع: الرذايا، والمذكر: رذي، و"الإطل": الخاصرة، والجمع: الآطال. قوله: (وهذه الآية): يعنى قوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾، فقوله: "هذه الآية" مبتدأ موصوف، والخبر قوله: "ناظرة"، و"بنظمها" متعلق بـ"ناظرة"، أي: هذه الآية دالة بواسطة نظمها على غاية الاعتداد. وفي تلك القيود التي ذكرها إشارة إلى خواص تضمنها التركيبان.

стр. 7947

[﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٤ - ٥] والوراء: الجهة التي يواريها عنك الشخص بظله من خلف أو قدام، و ﴿مِن﴾ لابتداء الغاية، وأنّ المناداة نشأت من ذلك المكان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أما التركيب الأول_ وهو قوله: ﴿الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ _ ففيه خواص: إحداها: إيقاع "الغاضين أصواتهم" اسمًا لـ"إن" المؤكدة، وفائدته توكيد مضمون الجملة وتقريره، مع تصوير ما كان يصدر من أولئك الكلمة في حضرة الرسالة من التأديب الله. نحوه في التقرير: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣]. وثانيها: تصيير خبرها جملة من مبتدأ وخبر، وفائدته الحصر المستفاد من تعريفها، نحو: زيد المنطلق، يعني: هم الذين شرفهم الله تعالى بإخلاص القلوب دون غيرهم، تعريضًا بأولئك الذين لم يعضوا أصواتهم. وثانيها: إيقاع المبتدأ الثاني اسم إشارة؛ ليؤذن بأن من سبق ذكره إنما امتحن الله قلوبهم لأنهم اكتسبوا تلك الفضيلة بها. وأما التركيب الثاني ففيه فائدتان: إحداهما: قطعها عن الجملة الأولى، فأخلاها عن الرابط اللفظي_ وهو الفاء_ لتحرك أريحية السامع، وتحمله على: ما جزاء أولئك السادة في العقبى، ليضم مع اختصاصهم بهذه المنقبة الأسنى؟ فيجاب: بأن لهم عند الله القربى والزلفى. وثانيتهما: تنكير" المغفرة" ليدل على ضرب عظيم في بابه، لا يكتنه كنهه، ولا يقادر قدره. لله در المصنف في إبراز هذه المحاسن، وفي إرشاده إلى جهات تلك النكات. قوله: (بطلله): الجوهري: "يقال: حيا الله طللك، وطلالتك، يعني: شخصك"، فقوله:

стр. 7948

فإن قلت: أفرق بين الكلامين؛ بين ما تثبت فيه وما تسقط عنه؟ قلت: الفرق بينهما: أنّ المنادي والمنادى في أحدهما يجوز أن يجمعهما الوراء، وفي الثاني: لا يجوز لأنّ الوراء تصير بدخول "من" مبتدأ الغاية، ولا يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى لفعل واحد، والذي يقول: ناداني فلان من وراء الدار، لا يريد وجه الدار ولا دبرها، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ "يواريها عنك الشخص بطله": معناه: يخفيها ذو طلل بطلله. والجوهري: "واريت الشيء: إذا أخفيته، وتوارى هو: استتر، ووراء: بمعنى: خلف، وقد يكون بمعنى: قدام، وهي من الأضداد، قال الأخفش: يقال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف". قوله: (أفرق بين الكلامين): على الأمر، أي: أفرق بين كلام تثبت فيه"من" وكلام تسقط منه" من". قوله: (أن المنادى في أحدهما يجوز أن يجمعها الوراء، وفي الثاني: لا يجوز) إلى آخره: هذا الفرق ظاهر، قال صاحب "التقريب": وفيه نظر؛ لأن المبتدأ والمنتهى: إما المنادى_ على ما هو التحقيق_ أو الجهة، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما "لوراء" في إثبات "من" وفي إسقاطه؛ لتغاير المبتدأ والمنتهى، وإن كان الثاني فالجهة: إما ذات أجزاء أو عديمة الأجزاء، فإن كان الأول جاز أن يجمعهما في إثبات"من" أيضًا باعتبار أجزاء الجهة، وإن كان الثاني لم يجز أن يجمعهما؛ لا في إثبات"من" ولا في إسقاطه لاتحاد المورد، والتحقيق أن الفعل يبتدئ من الفاعل، وينتهي إلى المفعول، ويقع في الظرف، وأن "من وراء الحجرة" و"وراءها" كلاهما ظرف، كصليت من خلف الإمام وخلفه، ومن قبل اليوم وقبله، ومعنى الابتداء غير محقق، والفرق تعسف.

стр. 7949

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فيقال: لا بد من الفرق؛ صونًا لكلام الله من العبث، لاسيما قد في تقرر في أول البقرة عند قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]: أن صاحب المعاني يعتبر حروف الصلات، وينظر إلى مواقعها، ولا ارتياب أن"وراء" من الظروف المبهمة، فبدخول "من" يتعين له ابتداء، وهو من الأمور النسبية، فلا بد له من الانتهاء، وأن يكون المنتهى مكانًا غير المكان الذي نشأ منه النداء، وهو الجهة المسماة ب"الوراء"، إذ كل جزء من أجزائه يصدق أنه منشأ النداء، فجعل تلك الجهة نفس المنتهى يلزم أن يجتمع على الجهة الواحدة أن تكون مبتدأ ومنتهى. وتحرير المعنى: أنه لو قيل: "ينادونك وراء الحجرات" لكان الغرض في الإيراد إنكار أنهم كانوا ينادونه وراء الحجرات، وفهم منه أنهم لو نادوه في غير تلك الجهة لم تكن منكرًا، ولكن الغرض في الإنكار أنهم كانوا ينادونه من الخارج، وهو في الحجرة، فأريد إنكار هذه الصورة المنكرة الواقعة خصوصًا، فزيد"من" لتدل على الابتداء والانتهاء، وأنهم خارجون، وهو_ صلوات الله عليه_ داخل، وإليه الإشارة بقوله: "والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أن النداء وقع" إلى آخره. ونظيره ما سبق قبل هذا في قراءة ابن مسعود: "لا ترفعوا بأصواتكم فوق صوت النبي": أن في زيادة الباء الدلالة على النهي كما كانوا عليه من الجلبة، وسبق بيانه. ويؤيده قول القاضي: " ﴿مِنْ﴾ ابتدائية، فإن المناداة نشأت من جهة الوراء، وفائدتها: الدلالة أن المنادي داخل الحجرة، إذ لا بد أن يخلف المبتدأ والمنتهى بالجهة".

стр. 7950

ولكن أي قطر من أقطارها الظاهرة كان مطلقًا بغير تعيين واختصاص، والإنكار لم يتوجه عليهم من قبل أنّ النداء وقع منهم في أدبار الحجرات أو في وجوهها، وإنما أنكر عليهم أنهم نادوه من البرّ والخارج مناداة الأجلاف بعضهم لبعض، من غير قصد إلى جهة دون جهة. والحجرة: الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وحظيرة الإبل تسمى: الحجرة، وهي فعلة، بمعنى: مفعولة، كالغرفة والقبضة، وجمعها: الحجرات؛ بضمتين، والحجرات؛ بفتح الجيم، والحجرات؛ بتسكينها، وقرئ بهنّ جميعًا. والمراد: حجرات نساء رسول الله ﷺ ، وكانت لكل واحدة منهنّ حجرة. ومناداتهم من ورائها: يحتمل أنهم قد تفرّقوا على الحجرات متطلبين له، فناداه بعض من وراء هذه، وبعض من وراء تلك، وأنهم قد أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، وأنهم نادوه من وراء الحجرة التي كان فيها، ولكنها جمعت إجلالًا لرسول الله ﷺ ، ولمكان حرمته. والفعل وإن كان مسندًا إلى جميعهم، فإنه يجوز أن يتولاه بعضهم، وكان الباقون راضين، فكأنهم تولوه جميعًا، فقد ذكر الأصم: أنّ الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الحجرات؛ بضمتين): وهي المشهورة، قال الزجاج: "تقرأ ﴿الْحُجُرَاتِ﴾ بضم الجيم، ويجوز بتسكينها، ولا أعلم أحدًا قرأ به، وواحد "الحجرات": حجرة، والفتح بدل من الضمة لثقل الضمتين". قوله: (ولكنها جمعت إجلالًا): عن بعضهم: قولك: "في مجالسك" أبلغ من قولك: "في مجلسك"، كأن الجمع يبطل خصوصية حجرة دون حجرة.
следующие страницы →