Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.
стр. 8331
وتوبيخًا وتشهيرًا بحالهم، يتمنون عنده المسارعة بهم إلى النار، لما يلحقهم من الخزي على رؤوس الأشهاد، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ أحاط به عددًا لم يفته منه شيء، ﴿ونَسُوهُ﴾ لأنهم تهاونوا به حين ارتكبوه، لم يبالوا به لضراوتهم بالمعاصي، وإنما تحفظ معظمات الأمور.
[﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ إلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٧]
﴿مَا يَكُونُ﴾ من (كان) التامة، وقرئ بالياء والتاء، والياء على أن النجوى تأنيثها غير حقيقي و ﴿مِن﴾ فاصلة؛ أو على أن المعنى ما يكون شيء من النجوى، والنجوى: التناجي، فلا تخلو إما أن تكون مضافةً إلى ثلاثة، أي: من نجوى ثلاثة نفر. أو موصوفةً بها، أي: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف الأهل. أو جعلوا نجوى في أنفسهم مبالغةً، كقوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] وقرأ ابن أبي علبة: (ثلاثةً وخمسةً)، بالنصب على الحال بإضمار"يتناجون"؛ لأن ﴿نَجْوَى﴾ تدل عليه، أو على تأويل ﴿نَجْوَى﴾ ب"متناجين"، ونصبها من المستكن فيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإنما تحفظ معظمات الأمور)، بيان لتعليل ﴿نَسَوْهُ﴾ بقوله: "لأنهم تهاونوا به".
قوله: (﴿مَا يَكُونُ﴾، من "كان" التامة، وقرئ بالياء والتاء)، قال ابن جني: بالتاء: أبو جعفر وأبو حية، والتذكير الذي عليه العامة هو الوجه، لما فيه من الشياع وعموم الجنسية، كقولك: ما جاءني من امرأة، وما حضرني من جارية، وأما التأنيث فلاعتبار اللفظ، كما تقول: ما قامت امرأة ولا حضرت جارية، و ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ﴾.
قوله: (ونصبها)، بالجر عطف على "تأويل"، أو بالرفع فهو مبتدأ، خبره "من المستكن"،
стр. 8332
فإن قلت: ما الداعي إلى تخصيص الثلاثة والخمسة؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن قومًا من المنافقين تحلقوا للتناجي مغايظةً للمؤمنين على هذين العددين: ثلاثةً وخمسةً، فقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة كما ترونهم يتناجون كذلك ﴿ولا أَدْنَى﴾ عدديهم ﴿ولا أَكْثَرَ إلاَّ﴾ والله معهم يسمع ما يقولون، فقد روي عن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في ربيعة وحبيب ابني عمرو وصفوان بن أمية: كانوا يومًا يتحدثون، فقال أحدهم: أترى أن الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضًا ولا يعلم بعضًا. وقال الثالث: إن كان يعلم بعضًا فهو يعلم كله، وصدق؛ لأن من علم بعض الأشياء بغير سبب فقد علمها كلها؛ لأن كونه عالما بغير سبب ثابت له مع كل معلوم، والثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى، والمتخالين للشورى، والمندبون لذلك ليسوا بكل أحد، وإنما هم طائفة مجتباة من أولي النهى والأحلام، ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم: الاثنان فصاعدًا إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الاستصواب. ألا ترى إلى عمر الخطاب ﵁ كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعني يجوز أن يكون ﴿نَّجْوَى﴾ بمعنى متناجين، ويكون نصب "ثلاثة" على الحال من الضمير المستكن في النجوى.
قوله: (بغير سبب)، أي: بغير سبب خارجي، يعني أن سبب العلم بذلك هو ذاته.
قوله: (والمندبون لذلك)، أصله: المنتدبون، فقلبت التاء دالًا وأدغم، أي: مدعون للشورى، يقال: ندبه لأمر فانتدب له، أي: دعاه له فأجاب.
الأساس: ندب لكذا أو إلى كذا، وفلان مندوب لأمر عظيم ومندب له.
قوله: (كيف ترك الأمر شورى بين ستة)، قال صاحب "الكامل في التاريخ": إن عمر ابن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين لو استخلفت؟ قال: لو كان أبو عبيدة حيًا
стр. 8333
إلى سابع؟ فذكر عز وعلا الثلاثة والخمسة وقال: ﴿ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ فدل على الاثنين والأربعة، وقال ﴿ولا أَكْثَرَ﴾ فدل على ما يلي هذا العدد ويقاربه. وفي مصحف عبد الله: إلا الله رابعهم، ولا أربعة إلا الله خامسهم، ولا خمسة إلا الله سادسهم، ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا الله معهم إذا انتجوا. وقرئ: ﴿ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ﴾، بالنصب على أن "لا" لنفي الجنس. ويجوز أن يكون: (ولا أكثر)، بالرفع معطوفًا على محل "لا" مع ﴿أَدْنَى﴾،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لاستخلفته، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًا لاستخلفته، وقيل له: عبد الله بن عمر؟ قال: كيف أستخلف رجلًا عجز عن طلاق امرأته؟ ! ثم قال: إن استخلفت فقد استخلفت من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ثم قال: اجتمعت بعد مقالتي أن أولي رجلًا هو أحراكم أن يحملكم على الحق، وأشار إلى علي ﵁، فرهقتني غشية فرأيت رجلًا دخل جنة، فجعل يقطف كل غضة ويانعة فيضمه إليه ويصيره تحته، فعلمت أن الله غالب على أمره، فما أردت أن أتحملها حيًا وميتًا، عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله ﷺ : "إنهم من أهل الجنة"، وهم: علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وسعد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلًا، فلما أصبح عمر دعاهم رضوان الله عليهم وقال: أني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله ﷺ وهو عنكم راض، فانهضوا إلى حجرة عائشة بإذنها فتشاوروا فيها … القصة بتمامها.
قوله: (فدل على الاثنين والأربعة)، فيكون التقدير: ولا اثنين إلا هو ثالثهما، ولا أربعة إلا هو خامسهم.
قوله: (﴿وَلَا أَكْثَرُ﴾ بالنصب)، وهي المشهورة، وبالرفع شاذة.
قوله: (معطوفًا على محل "لا" مع ﴿أَدْنَى﴾)، قال:
لا أم لي إن كان ذاك ولا أب
стр. 8334
كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، بفتح الحول ورفع القوة، ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يكون ارتفاعهما عطفا على محل ﴿مِن نَّجْوَى﴾ كأنه قيل: ما يكون أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. ويجوز أن يكونا مجرورين عطفًا على ﴿نَّجْوَى﴾، كأنه قيل: ما يكون من أدنى ولا أكثر إلا هو معهم. وقرئ: (ولا أكبر) بالباء.
ومعنى كونه معهم: أنه يعلم ما يتناجون به ولا يخفى عليه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة. وقرئ: (ثم ينبئهم) على التخفيف.
[﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ ويَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وإذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ٨]
كانت اليهود والمنافقون يتناجون فيما بينهم، ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين، يريدون أن يغيظوهم، فنهاهم رسول الله ﷺ فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتواص بمعصية الرسل ومخالفته.
وقرئ: (ينتجون بالإثم والعدوان) بكسر العين، و (معصيات الرسول).
﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و"لا" الثانية على هذا مؤكدة غير عاملة، كقولك: ليس زيد ولا أخوه منطلقين، أي: ليس زيد وأخوه منطلقين، فـ"لا" مزيدة للتأكيد.
قوله: (وقرئ: "ينتجون")، حمزة: بنون ساكنة بعد الياء، وضم الجيم، والباقون: بتاء مفتوحة بين الياء والنون وألف بعد النون وفتح الجيم.
قوله: (أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك)، عن البخاري ومسلم والترمذي عن
стр. 8335
والسام: الموت، والله تعالى يقول: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] و ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٦٧] و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾: [الأنفال: ٦٤].
﴿لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: ما له إن كان نبيًا لا يدعو علينا حتى يعذبنا الله بما نقول، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ ومَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ والتَّقْوَى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ شَيْئًا إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ٩ - ١٠]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب للمنافقين الذين آمنوا بألسنتهم، ويجوز أن يكون للمؤمنين، أي: إذا تناجيتم فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر ﴿وتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ والتَّقْوَى﴾.
وعن النبي ﷺ : "إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناج اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه"، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عائشة ﵂ قالت: أتى النبي ﷺ ناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقال: "وعليكم" الحديث.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو: أن اليهود أتت النبي ﷺ فقالت: السام عليكم، وقالوا في أنفسهم: لولا يعذبنا الله بما نقول، فأنزل الله تعالى الآية.
قوله: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان)، روينا عن البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر،
стр. 8336
وروي: "دون الثالث". وقرئ: (فلا تناجوا)، وعن ابن مسعود: إذا انتجيتم فلا تنتجوا. ﴿إنَّمَا النَّجْوَى﴾ اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان، بدليل قوله تعالى: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ والمعنى: أن الشيطان يزينها لهم، فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويجزنهم ﴿ولَيْسَ﴾ الشيطان أو الحزن ﴿بِضَارِّهُمْ شَيْئًا إلاَّ بِإذْنِ اللَّهِ﴾.
فإن قلت: كيف لا يضرهم الشيطان أو الحزن إلا بإذن الله؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه، ولا تباشر امرأة امرأة فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها" لا تباشر، أي: لا تنظر إلى بشرتها، لقوله: فتصفها.
قوله: (بدليل قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾)، أي: التعريف منه للعهد، والمعهود شيئان أحدهما: قوله: ﴿ويَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾، وثانيهما قوله: ﴿فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ فلا تتناجوا بالإثم والعدوان، والذي يدل على أن المراد الأول قوله: ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني إنما يحزن المؤمنون من تناجي اليهود والمنافقين، ويعضده جواب السؤال: "كانوا يوهمون المؤمنين".
قوله: (كيف لا يضرهم الشيطان والحز إلا بإذن الله؟ )، أي بخلقه وتقديره، كذا قدر الإمام، وقال الواحدي: أي ليس الشيطان بضارهم شيئًا إلا بما أراد الله ذلك، كان المؤمنون إذا رأوهم متناجين قالوا: لعلهم يتناجون بما بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا من قتل أو موت أو هزيمة، قال الله تعالى: ﴿ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ شَيْئًا﴾ أي: بما أراد الله.
стр. 8337
قلت: كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتغامزهم أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا، فقال: ولا يضرهم الشيطان أو الحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله، أي: بمشيئته، وهو أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على ألغزاة. وقرئ: ﴿لِيَحْزُنَ﴾ و (ليحزن).
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وإذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ١١]
﴿تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ﴾ توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: افسح عني، أي: تنح؛ ولا تتضاموا. وقرئ: (تفاسحوا)، والمراد: مجلس رسول الله، وكانوا يتضامون فيه على القرب منه، وحرصًا على كلامه، وقيل: هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة، كقوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ لِلقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقرئ: ﴿فِي المَجَالِسِ﴾ قيل: كان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا، فيأبون لحرصهم على الشهادة. وقرئ: (في المجلس) بفتح اللام: وهو الجلوس،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿لِيَحْزُنَ﴾ و"ليحزن")، الثانية: لنافع، والأولى: للباقين.
قوله: (وقرئ: "تفاسحوا")، قال ابن جني: وهي قراءة الحسن، وهذا لائق بالغرض لأنه إذا قيل: تفسحوا لم يكن فيه صراح، بدليل: "ليفسح بعضكم عن بعض"، وإنما ظاهر معناه: ليكن هناك تفسح، وأما التفاسح فتفاعل، فهو لما فوق الواحد.
قوله: (﴿فِي المَجَالِسِ﴾)، عاصم، والباقون: "في المجلس" بكسر اللام، والفتح شاذ.
стр. 8338
أي: توسعوا في جلوسكم ولا تتضايقوا فيه، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مطلق في كل ما يبتغي الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر وغير ذلك.
﴿انشُزُوا﴾ انهضوا للتوسعة على المقبلين، أو انهضوا عن مجلس رسول الله إذا أمرتم بالنهوض عنه، ولا تملوا رسول الله بالارتكاز فيه، أو انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير إذا استنهضتم، ولا تثبطوا ولا تفرطوا. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله، والعالمين منهم خاصة ﴿دَرَجَاتٍ﴾، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والعالمين منهم خاصة ﴿دَرَجَاتٍ﴾)، الانتصاف: وقع في الجزاء رفع الدرجات مناسبة للعمل، لأن المأمور به تفسيح المجالس، لئلا يتنافسوا في القرب من المكان المرتفع بحلول الرسول فيه، فالمفسح حابس لنفسه عما يتنافس فيه من الرفعة تواضعًا فجوزي بالرفعة، كقوله: من تواضع لله رفعه الله، ثم لما علم أن أهل العلم يستوجبون رفع المجلس خصهم بالذكر ليسهل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعًا لله تعالى، يريد أنه من باب "ملائكته … وجبريل".
وقلت: وفي إدخال الذين أوتوا العلم في حكم رفع المنزلة بسبب امتثال الأوامر مع الذين آمنوا، ثم في إخراجهم عنهم والعطف عليهم مستقلة، إيذان بأن العمل الواحد تتفاوت درجة فاعله بحسب التخلي عن العلم والتحلي به إلى غايات بعيدة، وأن العمل مع علو رتبته يكتسي من العلم المقرون به من الرفعة ما لا يكتسبه إذا انفرد عنه، وقدر القاضي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾: بالنصر وحسن الذكر في الدنيا، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة، ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا بين العلم والعمل، ويعضده ما روى الدارمي عن ابن عباس قال: يرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا درجات
стр. 8339
﴿واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء. وعن عند الله بن مسعود ﵁: أنه كان إذا قرأها قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم. وعن النبي ﷺ : "بين العالم والعابد مئة درجة بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنةً". وعنه ﵇: " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب"،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى محيي السنة عن ابن مسعود أنه قال: يا أيها الذين آمنوا افهموا معنى هذه الآية، ولترغبكم في العلم، فإن الله يرفع المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم.
وروعيت في هذا التركيب لطيفة وهي أن من يشهد مجلس رسول الله ﷺ من المؤمنين أحد رجلين؛ عامل يسمع للعمل، وعالم عامل يسمع للعمل والاستنباط والتعليم، فأراد الله مدح الفريقين، وتفضيل أحدهما على الآخر من حيث لا يلزم منه نقصه، أتى بالعام وعطف عليه الخاص، وأبرزهما في معرض الجملتين، فيكون من باب عطف التقدير لا الانسحاب، فالدرجات ظرف للفعل المقدر، ويضمر للمذكور أحط منه مما ناسب المقام كما قدره القاضي، وهو على أسلوب قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قصد فيه إلى بينان فضل الذكر على الأنثى دون حط منزلة الأنثى، إذ لو قيل: للأنثى نصف حظ الذكر كان القصد إلى تنقيص الأنثى.
قوله: (﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، قرئ بالتاء) وهي المشهورة، وبالياء التحتانية: شاذة.
قوله: (حضر الجواد المضمر)، النهاية: الحضر بالضم: العدو، وأحضر يحضر، فهو محضر: إذا عدا، وتضمير الخيل: هو أن يظاهر بالعلف حتى تسمن، ثم لا تعلف إلا قوتًا لتخف.
قوله: (فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب)، الحديث بطوله أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن أبي الدرداء.
стр. 8340
وعنه ﵇: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء، ثم الشهداء" فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة، بشهادة رسول الله! وعن ابن عباس: خير سليمان بين العلم والمال والملك، فاختار العلم فأعطي المال والملك معه. وقال ﵇: "وأوحى الله إلى إبراهيم: يا إبراهيم، إني عليم أحب كل عليم". وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم! وأي شيء فات من أدرك العلم! وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابًا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن الدارمي عن عمرو بن كثير عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فينه وبين النبيين درجة واحدة".
قوله: (كاد العلماء يكونون أربابًا)، هذا من الغلو، ويمكن أن يذهب بهذا الحكم إلى معنى الإلحاق، كما تقول: كاد زيد يكون أسدًا، أي: قرب أن يلحق بالأسد لما فيه من الجرأة، وأن يراد التحويل نحو: كاد زيد أن يكون أميرًا.
والإلحاق يستدعي المساواة من كل الوجوه، والعلماء إذا تخلقوا بأخلاق الله بقدر استعدادهم لكونهم دعاة للخلق إلى دين الله هداة قادة إلى صراطه المستقيم صح أن يتخصصوا به، وقد ورد عن رسول الله ﷺ : "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده الذي يبطش بها … " الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة، هذا إذا اعتبر في الرب معنى التربية، وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئًا فشيئًا، لأن الناس مفتقرون إليهم في أمور معاشهم ومعادهم، وهم خلفاء الله في أرضه، وأما إذا نظر إلى معنى المالكية فيحمل الحكم على التحويل، أي: كادوا يكونون ملوكًا وأمراء لما بأيديهم أزمة الحل والعقد، كما جاء في تفسير قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] عن ابن عباس:
стр. 8341
وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما يصير. وعن الزبيري: العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكورة الرجال.
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وأَطْهَرُ فَإن لَّمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ وأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١٢ - ١٣]
﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ استعارة ممن له يدان. والمعنى: قبل نجواكم كقول عمر: من أفضل ما أوتيت العرب الشعر، يقدمه الرجل أمام حاجته فيستمطر به الكريم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أولو الأمر: الفقهاء والعلماء، الذين يعلمون الناس معالم دينهم، في "المعالم".
وعن الدارمي عن عطاء: أولو الأمر: أولو العلم، ويعضد هذا الوجه قوله: "وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل ما يصير".
قوله: (لم يوطد)، قال ابن الأثير: يقال: وطدت الأرض أطدها؛ إذا دستها لتتصلب.
الجوهري: وطدت الشيء أطده وطدًا، أي: أثبته وثقلته، والتوطيد مثله.
قوله: (العلم ذكر)، أي: العلم صفة كمال لا ينتجه إلا الكملة، لأنه مركوز في الجبلة كمال الذكر ونقصان الأنثى، ومن ثم يقولون: هو الرجل، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، عيب عليهن صفة النساء، من النشاء في الزينة والنعومة، وسلب عنهن صفة الرجال من البيان في المقال، ومجاراة الخصوم في القتال.
стр. 8342
ويستنزل به اللئيم، يريد: قبل حاجته، ﴿ذَلِكَ﴾ التقديم خير ﴿خِيْرٌ لَكُمْ﴾ في دينكم ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لأن الصدقة طهرة.
روي أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ بما يريدون حتى أملوه وأبرموه، فأريد أن يكفوا عن ذلك، فأمروا بأن من أراد أن يناجيه، قدم قبل مناجاته صدقةً.
قال علي ﵁: لما نزلت دعاني رسول الله ﷺ فقال: "ما تقول في دينار؟ "
قلت: لا يطيقونه. قال: "كم؟ " قلت: حبةً أو شعيرةً؛ قال: "إنك لزهيد"، فلما رأوا ذلك اشتد عليهم فارتدعوا وكفوا، أما الفقير فلعسرته، وأما الغني فلشحه.
وقيل: كان ذلك عشر ليال ثم نسخ. وقيل: ما كان إلا ساعةً من نهار. وعن علي ﵁: إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم. قال الكلبي: تصدق به في عشر كلمات سألهن رسول الله ﷺ . وعن ابن عمر: كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.
قال ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها، وقيل: هي منسوخة بالزكاة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قال علي: لما نزلت)، الحديث، أخرجه الترمذي عن علي ﵁ إلى قوله: "إنك لزهيد"، قال: فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية، قال: في خفف الله عن هذه الأمة. وروى رزين عنه: ما عمل بهذه الآية غيره.
لزهيد، أي: إنك قليل الرغبة في الدنيا، فلا جرم قدرت على حسب رغبتك فيها.
стр. 8343
﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي تكرهونه، وأن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما أمرتم به وشق عليكم، و ﴿وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ وعذركم ورخص لكم في أن لا تفعلوه، فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات. ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قرئ بالتاء والياء.
[﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ ولا مِنْهُمْ ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ وهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ ولا أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ ١٤ - ١٩]
كان المنافقون يتولون اليهود وهم الذين غضب الله عليهم في قوله تعالى: ﴿مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] ويناصحونهم وينقلون إليهم أسرار المؤمنين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا تفرطوا في الصلاة)، أشعر بأنه جعل: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ جوابًا لقوله: ﴿فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ قال أبو البقاء: قيل: إذ بمعنى "إن" الشرطية، وقيل: هي على بابها ماضية، والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة.
وقلت: إنما قال: لا تفرطوا في الصلاة، لأن معنى الإقامة توفية حدودها وإدامتها.
الراغب: وفي تخصيص الإقامة تنبيه على أنه لم يرد إيقاعها فقط، ولهذا لم يؤمر بالصلاة ولم يمدح بها إلا بلفظ الإقامة، وكثير من الأفعال التي حث الله على توفية حقه، ذكره بلفظ الإقامة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ [الرحمن: ٩].
стр. 8344
﴿مَّا هُم مِّنكُمْ﴾ يا مسلمون ﴿ولا مِنْهُمْ﴾ ولا من اليهود، كقوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، ﴿ويَحْلِفُونَ عَلَى الكَذِبِ﴾ أي يقولون: والله إنا لمسلمون، فيحلفون على الكذب الذي هو ادعاء الإسلام ﴿وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن المحلوف عليه كذب بحت.
فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؟
قلت: الكذب: أن يكون الخبر لا على وفاق المخبر عنه، سواء علم المخبر أو لم يعلم، فالمعنى: أنهم الذين يخبرون، وخبرهم خلاف ما يخبرون عنه، وهم عالمون بذلك متعمدون له، كمن يحلف بالغموس. وقيل: كان عبد الله بن نبتل المنافق يجالس رسول الله ﷺ ، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله في حجرة من حجره إذ قال لأصحابه: " يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان"، فدخل ابن نبتل وكان أزرق، فقال له النبي ﷺ : " علام تشتمني أنت وأصحابك؟ " فحلف بالله ما فعل، فقال ﵇: " فعلت" فانطلق فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت.
﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ نوعًا من العذاب متفاقمًا، ﴿إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يعني أنهم كانوا في الزمان الماضي المتطاول على سوء العمل مصرين عليه. أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة. وقرئ: (إيمانهم) بالكسر، أي: اتخذوا أيمانهم التي حلفوا بها، أو إيمانهم الذي أظهروه ﴿جُنَّةً﴾ أي: سترة يتسترون بها من المؤمنين ومن قتلهم ﴿فَصَدُّوا﴾ الناس في خلال أمنهم ولامتهم ﴿عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وكانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويضعفون أمر المسلمين عندهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "إيمانهم"، بالكسر)، قال ابن جني: قرأها الحسن، هذا على حذف المضاف، أي: اتخذوا إظهار إيمانهم جنة، وفيه لف ونشر.
стр. 8345
وإنما وعدهم الله العذاب المهين المخزي لكفرهم وصدهم، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]. ﴿مِّنَ اللَّهِ﴾ من عذاب الله ﴿شَيْئًا﴾ قليلًا من الإغناء. وروي أن رجلا منهم قال: لننصرن يوم القيامة بأنفسها وأموالنا وأولادنا. ﴿فَيَحْلِفُونَ﴾ لله تعالى على أنهم مسلمون في الآخرة ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ في الدنيا على ذلك، ﴿ويَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ من النفع، يعني: ليس العجب من حلفهم لكم، فإنكم بشر تخفى عليكم السرائر، وأن لهم نفعًا في ذلك: دفعًا عن أرواحهم، واستجرار فوائد دنيوية، وأنهم يفعلونه في دار لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون، ولكن الغجب من حلفهم لله عالم الغيب والشهادة مع عدم النفع والاضطرار إلى علم ما أنذرتهم الرسل، والمراد: وصفهم بالتوغل في نفاقهم ومرونهم عليه، وأن ذلك بعد موتهم وبعثهم باق فيهم لا يضمحل، كما قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
وقد اختلف العلماء في كذبهم في الآخرة، والقرآن ناطق بثباته نطقًا مكشوفًا كما ترى هذه الآية وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤] ونحو حسبانهم أنهم على شيء من النفع إذا حلفوا استنظارهم المؤمنين ليقتبسوا من نورهم، لحسبان أن الإيمان الظاهر مما ينفعهم.
وقيل: عند ذلك يختم على أفواههم.
﴿أَلا إنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ يعني أنهم الغاية التي لا مطمح وراءها في قول الكذب،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لا يضطرون فيها إلى علم ما يوعدون)، يعني: أنهم في الدنيا إذا أوعدوا بشيء من العذاب لا يقفون على حقيقته ضرورة، بخلافه في الآخرة.
قوله: (ومرونهم عليه)، الجوهري: مرن على الشيء يمرن مرونًا ومرانةً: تعوده واستمر عليه.
قوله: (لحسبان أن الإيمان)، علة لحسبانهم أنهم على شيء.
стр. 8346
حيث استوت حالهم فيه في الدنيا والآخرة ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ﴾ استولى عليهم، من: حاذ الحمار العانة: إذا جمعها وساقها غالبًا لها. ومنه: كان أحوذيًا نسيج وحده، وهو أحد ما جاء على الأصل، نحو: استصوب واستنوق، أي: ملكهم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ لطاعتهم له في كل ما يريده منهم، حتى جعلهم رعيته وحزبه ﴿فَأَنسَاهُمْ﴾ أن يذكروا الله أصلًا، ولا بقلوبهم ولا بألسنتهم. قال أبو عبيدة: حزب الشيطان: جنده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من: حاذ الحمار العانة)، الراغب: الحوذ أن يتبع السائق حاذي البعير، أي: أدبار فخديه فيعنف في سوقه، وقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استاقهم مستوليًا عليهم، أو من قولهم: استحوذ العير على الأتان، أي: استولى على حاذيها أي: جانبي ظهرها، ويقال: استحاذ وهو القياس، واستعارة ذلك كقولهم: اقتعده الشيطان وارتكبه، والأحوذي: الخفيف الحاذق بالشيء من الحوذ أي: السوق.
قوله: (ومنه: كان أحوذيًا)، الأساس: ومن المجاز: رجل أحوذي يسوق الأمور أحسن المساق لعلمه بها.
قوله: (نسيج وحده)، النهاية: في حديث عمر ﵁: يدلني على نسيج وحده، يريد رجلًا لا عيب فيه، وأصله أن الثوب النفيس لا ينسج على منواله غيره، وهو فعيل بمعنى مفعول، ولا يقال إلا في المدح.
قوله: (وهو أحد ما جاء على الأصل)، قال الزجاج: استحوذ: استولى، يقال: حذت الإبل وحزتها إذا استوليت عليها وجمعتها، وهذا مما خرج على أصله، ومثله: أحوذت وأطيبت، والأكثر: أحذت وأطبت، إلا أن استحوذ، جاء على الأصل لأنه لم يقل: على حاذ، لأنه إنما بنى استفعل في أول وهلة، كما بنى افتقر على افتعل من الفقر، ولم يقل: منه فقر، ولا استعمل بغير
стр. 8347
[﴿إنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ٢٠]
﴿فِي الأَذَلِّينَ﴾ في جملة من هو أذل خلق الله لا ترى أحدًا أذل منهم.
[﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢١]
﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ في اللوح ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي﴾ بالحجة والسيف، أو بأحدهما.
[﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ويُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٢٢]
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ من باب التخييل. خيل أن من الممتنع المحال: أن تجد قومًا مؤمنين يوالون المشركين. والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زيادة، ولم يقل: حاذ عليهم الشيطان، ولو جاء استحاذ لكان صوابًا، ولكن استحوذ هاهنا أجود، لأن الفعل في هذا المعنى لا يستعمل إلا بزيادة.
قوله: (من باب التخييل)، أي: من تنزيل الموجود الكائن منزلة المعدوم الذي لا يمكن تصوره إلا في خزانة الخيال. قال الشاعر:
وكأن محمر الشقيـ .... ـق إذا تصوب أو تصعد
أعلام ياقوت نشر .... ن على رماح من زبرجد
стр. 8348
وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال، مبالغة في النهي عنه والزجر عن ملابسته، والتوصية بالتصلب في مجانية أعداء الله ومباعدتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم، وزاد ذلك تأكيدًا وتشديدًا بقوله: ﴿ولَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ وبقوله: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ وبمقابلة قوله: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة: ١٩] بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ فلا تجد شيئا أدخل في الإخلاص من موالاة أوليا الله ومعاداة أعدائه، بل هو الإخلاص بعينه. ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ أثبته فيها بما وفقهم فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإليه أشار بقوله: "حقه أن يمنع ولا يوجد بحال مبالغة". ويجوز أن يكون من باب الكناية، فنفى الوجدان لانتفاء الموجودين، كما نفى العلم في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [يونس: ١٨] الانتفاء المعلوم، ولأن الخطاب عام، كأنه قيل: أيها المخاطب، إنك إذا تقصيت في الدنيا قومًا قومًا، لا تجد قومًا يجمع بين الإيمان بالله، وبين موادة أعدائه.
قوله: (﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾، أثبته فيها بما وفقهم فيه)، جعل الكتب بمعنى الإثبات بسبب توفيق الطاعات وقيامهم عليها، قال القاضي: وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان، لأن أعمال الجوارح لا تثبت فيها.
قلت: وقد نقلنا عن "شرح السنة" أن مذهب السلف الصالح أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، فمعنى الآية أن يقال: إن ذكر القلب وثبوت الإيمان ها هنا، كذكره وثبوت الإثم فيه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] لأنه رئيس الأعضاء، وحصول الإيمان فيه كحصوله في سائر الجسد، لأنه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ولا ارتياب أن رسوخ الإيمان في القلب إنما يكون بآداب الجوارح في الأعمال الصالحة ومواظبتها عليها، ألا ترى كيف أتى باسم الإشارة بعد أن وصف القوم
стр. 8349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالتصلب في دين الله ومجانبة أعداء الله، ومباعدة الأقارب وإن كانوا آباءهم والاحتراس عن معاشرتهم! فكيف يستتب ذلك بمجرد التصديق؟ !
الراغب: الكتب: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، وفي التعارف ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والأصل في الكتابة النظم بالخط وفي المقال النظم باللفظ، ويعبر عن الإثبات والتقدير والإيجاب والفرض بالكتابة، ووجه ذلك: أن الشيء يراد ثم يقال ثم يكتب، فالإرادة مبتدأ والكتابة منتهى، ثم يعبر عن المراد الذي هو المبتدأ إذا أريد به توكيده بالكتابة التي هي المنتهى، قال الله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فيه إشارة إلى أنهم بخلاف ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨]، لأن معنى ﴿أَغْفَلْنَا﴾ من أغفلت الكتاب: إذا جعلته خاليًا من الكتابة ومن الإعجام. وقوله: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤] إشارة إلى أن ذلك مثبت له ومجازى به. انتهى كلامه.
فإن قلت: أي الكتبتين _أعني: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ﴾ و ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ﴾ _ أبلغ؟
قلت: كل منهما مدل بنوع من التوكيد، وبضرب من التقرير، فالأولى: مؤكدة بلام القسم والنون وبالضمير تمهيدًا لذكر المرسلين على منوال قوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] أي: يؤذون رسوله، وإلا فالله الغالب أبدًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
стр. 8350
وشرح له صدورهم ﴿وأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ بلطف من عنده حييت به قلوبهم.
ويجوز أن يكون الضمير للإيمان، أي: بروح من الإيمان، على أنه في نفسه روح لحياة القلوب به. وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان.
وعن عبد العزيز بن أبي رواد: انه لقيه المنصور في الطواف فلما عرفه هرب منه وتلاها.
وعن النبي ﷺ : أنه كان يقول: " اللهم لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي نعمة، فإني وجدت فيما أوحيت إلى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾ ". وروي أنها نزلت في أبي بكر ﵁،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما الثانية: فبذكر القلوب وإثبات الإيمان فيه، ثم التوفيق بتأييدهم بروح من الله، وإدخالهم دار النعيم والخلد المقيم، ثم حلول الرضوان، ورضوان من الله أكبر، وتسميتهم بحزب الله ووسمهم بسمة حقيقة الفلاح والفوز بالمباغي. اللهم اجعلنا من الفائزين وأدخلنا في عبادك الصالحين.
قوله: (بلطف من عنده)، قال القاضي: وهو نور القلب أو القرآن أو النصر على أعداء الله. قال سهل ﵀: حياة الروح بالذكر، وحياة الذكر بالذاكر، وحياة الذاكر بالمذكور.
قوله: (وعن عبد العزيز بن أبي رواد)، ويروى "وراد" ويروى "رواح"، ولعل الصحيح الأول، قال صاحب "الكاشف" في كتاب "أسماء الرجال في معرفة من له ذكر في الكتب الستة": عبد العزيز بن أبي رواد _بفتح الراء وتشديد الواو_ مولى المهلب بن أبي صفرة، روى عن عكرمة وسالم، وكان ثقة عابدًا معمرًا مات سنة ثلاثين ومئة.
стр. 8351
وذلك أن أبا قحافة سب رسول الله ﷺ ، فصكه سقط منها، فقال له رسول الله: " أو فعلته؟ " قال: نعم، قال: " لا تعد" قال: والله لو كان السيف قريبًا مني لقتلته. وقيل في أبي عبيدة بن الجراح: قتل أباه عبد الله الجراح يوم أحد. وفي أبي بكر: دعا ابنه يوم بدر إلى البراز،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن أبا قحافة سب رسول الله ﷺ ، هذا لم أجده في الكتب التي يعتمد عليها، وفي "الاستيعاب" أن أبا قحافة عثمان بن عامر، والد أبي بكر ﵄، أسلم يوم فتح مكة، وفي "الجامع" وعاش إلى خلافة عمر ﵁، وأما قتل أبي عبيدة أباه فروينا عن البخاري ومسلم عن أنس قال: كان قتل أباه وهو من جملة أسارى بدر ببدر بيده لما سمع منه في رسول الله ﷺ ما يكره، ونهاه فلم ينته.
стр. 8352
وقال لرسول الله: دعني أكر في الرعلة الأولى: الأولى: قال: " متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك عندي بمنزلة سمعي وبصري! " وفي مصعب بن عمير: قتل أخاه عبيدًا بن عمير يوم أحد. وفي عم بن الخطاب: قتل خاله العاص بن هشام يوم بدر. وفي علي وحمزة وعبيدة بن الحارث: قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر.
عن رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في الرعلة الأولى)، النهاية: يقال للقطيعة من الفرسان: رعلة، ولجماعة الخيل: رعيل.
قوله: (وفي علي وحمزة وعبيدة بن الحارث)، روى أبو داود عن علي ﵁: لما كان يوم بدر تقدم عتبة بن ربيعة ومعه ابنه وأخوه، فنادى من يبارز؟ إلى قوله: فقال رسول الله ﷺ : "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث" فأقبل حمزة إلى عتبة، وأقبلت إلى شيبة واختلفت بين عبيدة والوليد ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم ملنا على الوليد فقتلناه واحتملنا عبيدة.
وفي رواية رزين: قال علي: فأما أنا وحمزة فأنجزنا صاحبينا، وأما عبيدة والوليد فأثخن كل واحد منهما صاحبه. الحديث.
قوله: (كتب من حزب الله)، روى السلمي عن أبي عثمان: "حزب الله: من يغصب لله ولا تأخذه في الله لومة لائم".
تمت السورة
حامدًا لله تعالى ومصليًا على رسوله ﷺ .
стр. 8353
سورة الحشر
مدنية، وهي أربع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ ١ - ٢]
صالح بنو النضير رسول الله ﷺ على أنه لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هر النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الحشر
مدنية وهي أربع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
قوله: (لا ترد له راية)، كناية عن نصرته، وعدم خذلان من عقد له راية من أمراء السرايا، ومضي أمره، ونفوذ سلطانه، وعلو مرتبته وشأنه، قال الحطيئة:
стр. 8354
ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر ﵇ محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبًا غيلة وكان أخاه من الرضاعة، ثم صبحهم بالكتائب وهو على حمار مخطوم بليف، فقال لهم: اخرجوا من المدنية، فقالوا: الموت أحب إلينا من ذاك، فتنادوا بالحرب. وقيل: استمهلوا رسول الله عشرة أيام ليتجزوا للخروج، فدس عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه إليهم: لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم لا نخذلكم، ولئن خرجتم لنخرجن معكم، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا ما راية رفعت لمجد .... تلقاها عرابة باليمين
قوله: (فحالفوا عليه)، أي: على ضرره صلوات الله عليه، الجوهري: حالفه: عاهده وتحالفوا: أيك تعاهدوا، وضمن حالفوا معنى الاجتماع، أي: اجتمعوا عليه مخالفين.
وعن بعضهم: وحالفوا عليه، أي: تألبوا عليه، واجتمعوا على خلافه.
قوله: (فقتل كعبًا غيلة)، النهاية: وهي أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، والغيلة: فعلة من الاغتيال، وكان من حديث قتله على الاختصار من رواية البخاري ومسلم وأبي داود عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "من لكعب فإنه آذى الله ورسوله؟ " قال محمد بن سلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: "نعم" قال: ائذن فلأقل، قال: "قل"، فأتاه وتكلم بما شاء من الكذب، وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر، فجاؤوا ليلًا ودعوه، فقالت امرأته: إني لأسمع صوت دم، قال: إنما هو محمد رضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلًا لأجاب، فلما نزل قتلوه.
قوله: (ثم صبحهم بالكتائب)، يعني رسول الله ﷺ .
قوله: (فدس)، الدس هو إخفاء المكر والخديعة، أي: بعث إليهم خفية هذا القول.
стр. 8355
فدربوا على الأزقة وحصنوها فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلما قذف الله الرغب في قلوبهم وأيسوا من نصر المنافقين: طلبوا الصلح، فأبى عليهم إلا الجلاء؛ على أن يحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم فجلوا إلى الشام إلى أريحا وأذرعات، إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فأنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة بالحيرة.
اللام في ﴿لأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ تتعلق بـ ﴿أَخْرَجَ﴾، وهي اللام في قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤] وقولك: جئته لوقت كذا. والمعنى: أخرج الذين كفورا عند أول الحشر. ومعنى أو الحشر: أن هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام.
أو هذا أول حشرهم؛ وآخر حشرهم: إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام. وقيل:
آخر حشرهم حشر يوم القيامة؛ لأن المحشر يكون بالشام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فدربوا على الأزقة)، النهاية: يقال: الدرب- بفتح الراء- للنافذ من المدخل، وبالسكون؛ لغير النافذ.
قوله: (وهي اللام في قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤])، أي: لوقت حياتي. الانتصاف: كأنه يشير إلى لام التاريخ، كقوله: كتبته لعام كذا أو لشهر كذا.
قوله: (من جزيرة العرب)، روي الزجاج عن الخليل أنه قال: جزيرة العرب معدنها ومسكنها، وإنما سمي بها لأن بحر الحبشة وبحر فارس والفرات ودجلة قد أحاطت بها وهي أرضها ومعدنها، قد سبق في أول البقرة فيها كلام مشبع.
стр. 8356
وعن عكرمة: من شك أن المحشر هاهنا- يعني الشام- فليقرأ هذه الآية. وقيل: معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم؛ لأنه أول قتال قاتلهم رسول الله ﷺ .
﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ لشدة بأسهم ومنعتهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، وظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله ﴿فَأَتَاهُمُ﴾ أمر الله ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم: وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف غرة على يد أخيه، وذلك مما أضعف قوتهم وفل من شوكتهم، وسلب قلوبهم الأمن والطمأنينة بما قذف فيها من الرعب، وألهمهم أن يوافقوا المؤمنين في تخريب بيوتهم ويعينوا على أنفسهم، وثبط المنافقين الذين كانوا يتولونهم عن مظاهرتهم. وهذا كله لم يكن في حسبانهم. ومنه أتاهم الهلاك.
فإن قلت: أي فرق بين قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: معناه أخرجهم)، عطف على قوله: "أخرج الذين كفروا عند أول الحشر"، على الأول منسوب إلى اليهود، وعلى الثاني إلى رسول الله ﷺ .
النهاية: في الحديث: "انقطعت الهجرة إلا من ثلاث؛ جهاد أو نية أو حشر" أي: جهاد في سبيل الله، أو نية يفارق بها الرجل الفسق والفجور إذا لم يقدر على تغييره، والحشر هو الجلاء عن الأوطان بما ينال الناس من الخطب، وقيل: أراد بالحشر الخروج في النفير إذا عم.
قوله: (غرة)، الأساس: الغرة: الغفلة، يقال: اغتررت الرجل: إذا طلبت غرته، أي: غفلته.
стр. 8357
قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم؛ وفي تصيير ضميرها اسمًا ل"أن" وإسناد الجملة إليه: دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة، لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معازتهم؛ وليس ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم تمنعهم. وقرئ: (فآتاهم الله) أي: فآتاهم الهلاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها)، قال صاحب "الفرائد": وليس بذلك، بل ﴿حُصُونُهُم﴾ مرتفعة بـ ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾ لأن اسم الفاعل إذا كان متعمدًا عمل، وهو خبر أن مع مرفوعها، مثله عن صاحب "الفلك الدائر" قال: إن ﴿حُصُونُهُم﴾ لا ترتفع بأنه مبتدأ كما ظنه إلا على وجه ضعيف، والصحيح أنه فاعل ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾، فـ ﴿مَّانِعَتُهُمْ﴾ اسم فاعل معتمد على ما قبله، لأنه في الحقيقة خبر المبتدأ، فيعمل فيما بعده عمل الفعل، نحو: زيد قائم أبوه. وكذا عن صاحب "الكشف".
وقلت: صاحب المعاني لا ينظر إلا إلى أصل المعنى، ثم إلى فائدة عدو له عن أصله، ولا شك أن أفعال القلوب من دواخل المبتدأ والخبر، وأن الأصل: ظنوا أن لا يخرجوا لقوله: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ بناء على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليطابق ما قبله بإيقاع الناصبة للفعل بعدها، فخولف ليؤذن بأن ظن المؤمنين كان على الرجاء والطمع، وظنهم على العلم واليقين، فعلم من التأسيس أن بناء أمره على الجزم والثبوت، ثم في المرتبة الثانية، ظنوا أن حصونهم تمنعهم نظرًا إلى كلام أوساط الناس كما يعلم من مفهوم سؤاله، ثم لما أريد مزيد التوكيد قيل: ظنوا أن حصونهم لإفادة التخصيص، وأن ليس لحصونهم صفة سوى المنع، وأنه
стр. 8358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لابد منه، وإليه أشار بقوله: "دليل على فرط وثوقهم بحصانتها"، ثم في المرتبة الرابعة ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ليتقوى الحكم لإفادة تكثير الإسناد، وهو المراد من قوله: "دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالى معها بأحد يتعرض لهم"، وإن لم يرد ما ذكر فما بال الترتيب لم يترك على أصله وهو: ظنوا أن لا يخرجوا؟ !
وأما قوله: إن حصونهم لا ترتفع بأنه مبتدأ كما ظنه إلا على وجه ضعيف، فيقال: إن صاحب المعاني كم له اختيار الوجه الضعيف عند التحري لاعتبار المعنى القوي، ألا ترى إليهم كيف حملوا قوله: "رجل عرف" على التقديم بناء على اللغة الضعيفة وهو: أكلوني البراغيث، والنحوي لا يبثه! وإلى قول المرزوقي في قوله:
وإن لم يكن إلا معرج ساعة .... قليلًا فإني نافع لي قليلها
يجوز أن يكون "قليلها" مبتدأ و"نافع" خبر له مقدم عليه، والتقدير: فإني قليلها نافع لي. فسلك أبو مسلم في هذه الآية هذا المسلك.
فإن قلت: كيف دل ﴿أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم﴾ على تقوى الحكم، لأن ليس مثل: "هو عرف" و"زيد عرف"، في تكرر الإسناد؟
قلت: تكرر الإسناد كما يكون من جهة تكرر المسند إليه قد يكون من جهة غيره، كما تقول: ضربت زيدًا ثم زيدًا ضربته، فالثاني تكرر فيه الإسناد وقوي الحكم فيه بخلاف الأول.
قال ابن جني: قالوا: زيد ضربته، فقدموا المفعول؛ لأن الغرض هاهنا ليس ذكر الفاعل،
стр. 8359
والرعب: الخوف الذي يرغب الصدر، أي يملؤه؛ وقذفه: إثباته وركزه، ومنه قالوا في صفة الأسد: مقذف، كأنها قذف باللحم قذفًا لاكتنازه وتداخل أجزائه.
وقرئ: (يخربون) و ﴿يُخْرِبُونَ﴾)، مثبقلا ومخففا. والتخريب والإخراب: الإفساد بالنقض والهدم. والخربة: الفساد، كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها: لما أراد الله من استئصال شأفتهم، وأن لا يبقى لهم بالمدينة دار ولا منهم ديار، والذي دعاهم إلى التخريب: حاجتهم إلى الخشب والحجارة ليسدوا بها أفواه الأزقة. وأن لا يتحسروا بعد جلائهم على بقائها مساكن للمسلمين، وأن ينقلوا معهم ما كان في أبنيتهم من جيد الخشب والساج المليح. وأما المؤمنون فداعيهم إزالة متحصنهم ومتمنعهم، وأن يتسع لهم مجال الحرب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإنما هو ذكر المفعول، فقدم عناية بذكره، ثم لم يقنع بذلك حتى أزالوه عن لفظ الفضلة، فجعلوه رب الجملة لفظًا، فرفعوه بالابتداء، وصار قوله: "ضربته" ذيلًا له، وفضله ملحقة به.
قوله: ("يخربون" و ﴿يُخْرِبُونَ﴾)، أبو عمرو: مثقلًا، والباقون: مخففًا.
قوله: (من استئصال شأفتهم)، الجوهري: الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكون فتذهب. وفي المثل: استأصل الله شأفته، أي: أذهبه الله كما أذهب تلك القرحة بالكي.
قوله: (وأما المؤمنون فداعيهم)، عطف على قوله: "والذي دعاهم إلى التخريب"، إلى آخره، و"أما" والفاء مقدران في الجملة الأولى لكونها تفصيلية، وقد سبق في أول آل عمران كلام فيه، وهما لف ونشر لما لف، في قوله: "كانوا يخربون بواطنها والمسلمون ظواهرها".
стр. 8360
فإن قلت: ما معنى تخريبهم لها بأيدي المؤمنين؟
قلت: لما عرضوهم لذلك وكانوا السبب فيه فكأنهم أمروهم به وكلفوهم إياه، ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ بما دبر الله ويسر من أمر إخراجهم وتسليط المسلمين عليهم من غير قتال.
وقيل: وعد رسول الله ﷺ المسلمين أن يورثهم الله أرضهم وأموالهم بغير قتال، فكان كما قال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لما عرضوهم لذلك)، أي: عرض اليهود المؤمنين، فكان اليهود هم السبب، الجوهري: عرضت فلانًا كذا، فتعرض هو له.
قوله: (﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ما دبر الله)، قال القاضي: فاتعظوا بحالهم فلا تعتذروا ولا تعتمدوا على غير الله، واستدل به على أن القياس حجة من حيث إنه تعالى أمر بالمجاوزة من حال إلى حال، وحملها عليها في الحكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له، كما تقرر في الكتب الأصولية.
وقال الواحدي: معنى الاعتبار: النظر في الأمور ليعرف بها شيء آخر من جنسها، والمعنى: تذكروا وانظروا فيما نزل بهم يا أهل اللب والعقل والبصائر.
قال الراغب: العبرة: ما يعبر به من الجهل إلى العلم، ومن الحس إلى العقل. وأصله من عبور النهر، ومن العبارة لأنها جعلت كالمعبر لتأدية المعنى من نفس القائل إلى نفس السامع، وخص التعبير بنفس الرؤيا.
قوله: (وقيل: وعد رسول الله ﷺ ، عطف على قوله: "بما دبر الله" من حيث المعنى، أي:
стр. 8361
[﴿ولَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِىدُ العِقَابِ﴾ ٣ - ٤]
يعني: أن الله قد عزم على تطهير أرض المدينة منهم وإراحة المسلمين من جوارهم وتوريثهم أموالهم، فلولا أنه كتب عليهم الجلاء واقتضته حكمته ودعاه إلى اختياره أنه أشق عليهم من الموت ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة.
﴿وَلَهُمْ﴾ سواء أجلوا أو قتلوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فانظروا إلى هذه المعجزة وصدق إنجاز الله ما وعدكم رسوله، وقيسوا عليه جميع ما وعدكم الله ورسوله.
قوله: (فلولا أنه كتب عليهم الجلاء)، وضع هذه "الفاء" بدل "الواو" في التلاوة ليؤذن بارتباط هذه الآية بما قبلها، فإن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ﴾ إلى آخره، دل على أمر عظيم، وعلى عزمة من عزمات الله، وهي إرادة تطهير أرض الحجاز من الأجناس والأرجاس، وإراحة المؤمنين البتة، فلولا الجلاء لكان القتل لازمًا، فأخبر الله تعالى عن الأمرين وفوض الترتيب إلى الذهن.
قوله: (ودعاه) قيل: فاعله "أنه أشق"، والضمير المنصوب عائد إلى الله تعالى، أي: دعا الله تعالى إلى اختيار الجلاء لهم دون القتل أن الجلاء أشق عليهم.
وقلت: يجوز أن يكون فاعل "دعا" ما دل عليه "اقتضته الحكمة" لأنه عطف تفسيري، وقوله: "أنه أشق" تعليل، أي: دعاه داعي الحكمة إلى اختيار حكم الجلاء لأن ذلك أشق عليهم من الموت.
стр. 8362
﴿عَذَابُ النَّارِ﴾ يعني: إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة.
[﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ ٥]
﴿مِّن لِّينَةٍ﴾ بيان لما قطعتم. ومحل ﴿مَا﴾ نصب بـ ﴿قَطَعْتُم﴾، كأنه قال: أي شيء قطعتم، وأنث الضمير الراجع إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ لأنه في معنى اللينة. واللينة: النخلة من الألوان، وهي ضروب النخل ما خلا العجوة والبرنية، وهما أجود النخيل، وياؤها عن واو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة)، يريد بعذاب الدنيا القتل والسبي.
فإن قلت: هذا يؤذن أن الجلاء أدون حالًا من القتل، وأنه ليس بعذاب، وقد قال هاهنا أنه أشق عليهم من الموت وأنشد في البقرة:
لقتل بحد السيف أحسن موقعًا .... على النفس من قتل بحد فراق
قلت: لا شك أن جعل الجلاء أشد من القتل من باب الادعاء، وإلحاق الناقص بالكامل، وأما قوله: "ولهم سواء أجلوا أو قتلوا عذاب النار"، فبيان للفرق بين التركيبين، أعني قوله: ﴿ولَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ وقوله: ﴿ولَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّار﴾، وأن الأول امتناعي لا ثبات له كالشرط، قال في سورة يوسف: "لولا، وجوابها في حكم الشرط"، والثاني جملة اسمية قطعية، لكنه أهمل بيان فائدة تقديم الخبر على المبتدأ من الاختصاص، وأن المعنى: أنهم مخصوصون بهذا الحكم لكونهم شاقوا الله ورسوله، فيعلم منه أن من لم يشاق الله ورسوله حكمه مباين لهذا.
стр. 8363
قلبت لكسرة ما قبلها، كالديمة. وقيل: اللينة: النخلة الكريمة، كأنهم اشتقوها من اللين.
قال ذو الرمة:
كأن قتودي فوقها عش طائر .... على لينة سوقاء تهفو جنوبها
وجمعها لين. وقرئ: (قومًا)، و (على أصلها). وفيه وجهان: أنه جمع أصل كرهن ورهن، أو اكتفي فيه بالضمة عن الواو. وقرئ: (قائمًا على أصوله) ذهابًا إلى لفظ ﴿مَا﴾
﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فقطعها بإذن الله وأمره.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كأن قتودي) البيت، القتد: خشب الرحل، فالجمع: أقتاد وقتود. سوقاء: طويلة الساق، تهفو: تهب، واللينة: النخلة الكريمة، شبه خفة رحل ناقته بعش طائر، وطول قامتها بنخلة طويلة الساق، وتحركه فوقها بحركة النخلة عند هبوب الريح الجنوبي.
قوله: (قطعها بإذن الله وأمره)، الانتصاف: والظاهر أن الإذن عام في القطع والإبقاء، لأنه جواب الشرط المضمن لهما جميعًا، فيكون تعليل إخزاء الفاسقين بهما جميعًا، فقطعها يحسرهم على ذهابها، والترك يحسرهم لبقائها للمسلمين.
وقلت: قد أحسن بما قال، وروينا عن الترمذي عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾ الآية. قال: أمروا بقطع النخل، فحك ذلك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ : هل لنا فيما قطعنا من أجر؟
стр. 8364
﴿ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ وليذل اليهود ويغيظهم أذن في قطعها، وذلك: أن رسول الله ﷺ حين أمر أن تقطع نخلهم وتحرق قالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكان في نفس المؤمنين من ذلك شيء. فنزلت.
يعني: إن الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظًا، ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا ويتصرفون فيها ما شاؤوا.
واتفق العلماء أن حصون الكفرة وديارهم لا بأس بأن تهدم وتحرق وتغرق وترمى بالمجانيق، وكذلك أشجارهم لا بأس بقلعها مثمرة كانت أو غير مثمرة. وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعًا للقتال.
فإن قلت: لم خصت اللينة بالقطع؟
قلت: إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العجوة والبرنية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهل علينا في ما تركنا وزر؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم﴾ الآية، ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عمر.
وقول المصنف: "ويتصرفون فيها ما شاؤوا"، إشارة إلى هذا المعنى.
قوله: (وليذل اليهود ويغيظهم)، هذا تأويل لقوله: ﴿ولِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾، وفيه أن ﴿الفَاسِقِينَ﴾ مظهر وضع موضع المضمر، والمعلل محذوف بدلالة سياق الآية، والجملة معطوفة على ما قبلها.
قوله: (فليستبقوا)، قيل: لام التعليل والأمر تسكن بعد الفاء والواو، وتحرك بعد "ثم".
стр. 8365
وإن كانت من كرام النخل فليكون غيظ اليهود أشد وأشق.
وروي: أن رجلين كانا يقطعان: أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله ﷺ فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظًا للكفار. وقد استل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول ﷺ ؛ لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك، واحتج به من يقول: كل مجتهد مصيب.
[﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ ولا رِكَابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ ٦ - ٧] ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ جعله له فيئا خاصة، والإيجاف من الوجيف؛ وهو السير السريع، ومنه قوله ﵊ في الإفاضة من عرفات: " ليس البر بإيجاف الخيل ولا إيضاع الإبل، على هينتكم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في الإفاضة من عرفات)، الحديث من رواية البخاري عن ابن عباس قال: دفع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا للإبل، فأشار بالسوط إليهم، وقال: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع". وفي رواية أبي داود قال: "يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل".
النهاية: وضع البعير يضع وضعًا، وأوضعه راكبه أيضًا؛ إذا حمله على سرعة، وكذا الإيجاف، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا؛ إذا حثها.
قوله: (على هينتكم)، الجوهري: يقال: امش على هينتك، أي: على رسلك، أي: اتئد فيه.
стр. 8366
ومعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾: فما أو جفتم على تحصيله وتغنمه خيلا ولا ركابًان ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم.
والمعنى: أن ما خول الله رسول من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء.
يعني: أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا، وذلك أنهم طلبوا القسمة، فنزلت.
لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها.
بين لرسول الله ﷺ ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخميس من الغنائم مقسومًا على الأقسام الخمسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهي منها غير أجنبية عنها)، و"هي منها" جملة من مبتدأ وخبر، وقوله: "غير أجنبية عنها" خبر آخر، و"من" في "منها" اتصالية، أو "غير أجنبية عنها" خبر مبتدأ محذوف، والجملة مبنية للأولى، أي: وهي متصلة بها كائنة منها، وهي غير أجنبية عنها، وإنما كانت بياننًا لأن قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ جملة اسمية شرطية معطوفة على مثلها، وكلتاهما واردتان على الإخبار والإعلام، أي: اعملوا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكن لم يعلم كيفية قسمته فبين بهذه الآية القسمة.
قوله: (أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم)، ومذهب الشافعي بخلافه، فعنده أن يجعل الفيء خمسة أخماس، والخمس الواحد يخمس ويوضع حيث يوضع الخمس من
стр. 8367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغنائم، وبيان ذلك ذكره صاحب "البحر" قال: الأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى﴾ الآية [الحشر: ٧].
واعلم أن الغنائم كانت في شرع من قبلنا لله تعالى، لا تحل لأحد، فتنزل نار من السماء فتأخذها، فحص النبي ﷺ من بينهم بأن أحلت له، قال ﷺ : "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي"، فكانت في صدر الإسلام له خاصة يتفرد بها، وكذا كانت غنائم بدر لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، واستقر أمرها على أن له منها الصفي، فيصطفي من الغنيمة ما شاء من جارية وثوب وعبد وفرس ونحو ذلك، ويكون أربعة أخماسها للغانمين، وخمسها لأهل الخمس، فيقسم على خمسة أسهم، ثم يقسم خمسها على خمسة أسهم؛ منها سهم للرسول ﷺ ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
والآن يجب أن يقسم الفيء على خمسة أسهم كما ذكر في الغنيمة، وخمسه وخمس الغنيمة الذي كان للني ﷺ انتقل بموته إلى المصالح، وأما أربعة أخماسه فالأصح أنها للمقاتلين.
стр. 8368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: حاصل هذا التقرير أن ما في الحشر منسوخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو مشكل لأن ما في الأنفال سابق زمانًا على ما في الحشر، فلا ينسخ به. نقل الواحدي عن المفسرين أن بني النضير لما اجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله ﷺ أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر، فأنزل هذه الآية. وفي رواية محيي السنة: كما فعل بغنائم خبير، ويبعد من حيث النظم والتأليف أن يقال: إن قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ عطف على ما في الأنفال، ليكون خمسه أيضًا مخمسًا، وأدنى ما يبطله: الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، لأنه راجع إلى ما ترجع إليه الضمائر في الآيات وهي لبني النضير، وما في الأنفال في قضية أخرى، بل الجملة- أعني ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ - عطف على مثلها، أي: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾، وجملة قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ بيان للجملة السابقة كما ذهب إليه المصنف، ولهذا عزلت عن العاطف، كأنه لما قيل: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: ما خول الله ورسوله من أموال بني النضير شيء لم يحصلوه بالقتال والغلبة، فلا يقسم قسمة الغنائم، قيل: فكيف يقسم؟ فقيل: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ إلى آخره أن ذلك العطف أيضًا لا يجدي فيما ذكر، لأن حكم تلك الآية ثابت قبل هذه.
وأقصى ما يقال من جانب الشافعي رحمه الله تعالى أن "ما أفاء الله" الأول إخبار من الله تعالى لا جواب عن قول الصحابة، والثاني: بيان له لكنه مطلق مبهم، وما في الأنفال مقيد بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فيحمل عليه، وما ذكره المفسرون ليس يثبت.
فإن قلت: فما فائدة هذا الإخبار؟
قلت: نفي ما نسخ في خواطر المسلمين أنهم سعوا في تحصيل تلك الأموال بالقتال، كما قال في "التفسير الكبير": إن أموال بني النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، وفي كلام المصنف في أول السورة إشعار بذلك.
стр. 8369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن سعيكم ذلك لم يكن له مزيد تأثير، بل جرت عادة الله في تسليط جميع رسله على من يشاء، وهذا من جملة ذلك، ومن ثم جيء بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار، وجمع الرسل، فمعناه قريب من معنى قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وعلى هذا معنى الجملة الأولى: لأن المسلمين لما قطعوا النخيل وحرقوها خطر ببالهم أن ذلك فساد في الأرض- كما قال المصنف- وكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء فنزلت، فقيل لهم: كان ذلك بإذن الله وأمره، وما يأذن الله ويأمر به لا يكون فسادًا في الحقيقة.
فإن قلت: كيف يحمل على تقييد المطلق؟ فإن مفهوم الغنيمة أخص من مفهوم الفيء، لأنه أعم تناولًا منه.
قال الجوهري: الفيء: الخراج والغنيمة، تقول منه: أفاء الله على المسلمين مال الكفار يفيء إفاءة.
وفي "المغرب": قال أبو عبيد: الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، وحكمه أن يخمس، وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة، والفيء: ما نيل منهم بعد ما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس. والنفل: ما نفله الغازي أيك يعطاه زائدًا على سهمه، وهو: أن يقول الإمام أو الأمير: "من قتل فله سلبه"، أو قال للسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو نصفه أو ربعه، ولا يخمس.
وعن علي بن عيسى: الغنيمة أعم من النفل، والفيء أعم من الغنيمة، لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك. وقال أبو بكر الرازي: فالغنيمة فيء، والجزية فيء، ومال
стр. 8370
والدولة والدولة؛ بالفتح والضم، وقد قرئ بهما: ما يدول للإنسان، أي يدور من الجد. يقال: دالت له الدولة، وأديل لفلان.
ومعنى قوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهل الصلح فيء، والخراج فيء، لأن ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين، وعند الفقهاء: كل ما يحل أخذه من أموالهم فهو فيء. تم كلامه.
ويمكن أن تنزل عبارة "الحاوي" على هذا المعنى، بأن يقال: إن قوله: "ما حصل من الكفار" عام خص منه البعض، بعطف "غلة عقارهم" بعد أن وقف على "ما حصل"، وبعض آخر بقوله: "وما حصل بإيجاف خيل فلمسلم"، من حيث عطف الجملة بقي في ذلك العام: "ما جلوا عنه خوفًا من المسلمين إذا سمعوا خبرهم، أو بذلوه كفًا عن قتالهم، وكالجزية وعشور تجاراتهم ونحوه".
قلت: لما كان مفهوم الغنيمة داخلًا في مفهوم الفيء وقد قيدت الخمس في تلك الآية، فينبغي أن يقاس عليها سائرها لجامع كونها أموال الكفار صارت إلى المسلمين، إلى أن ينتهض الصارف القوي، نحو: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" هذا ما يمكن أن يقال، والله أعلم بحقيقة الحال.
قوله: (والدولة والدولة بالفتح والضم)، فالضم: المشهورة، وبالفتح: شاذ، وقيل: هي رواية هشام عن ابن عامر. وقال ابن جني: وهي قراءة أبي جعفر، منهم من لا يفصل بين القراءتين، ومنهم يقول: الفتح في الملك والضم في الملك، "وكان" تامة، أي: كيلا تقع دولة أو تحدث.
следующие страницы →