Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
ومعنى ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾: فما أو جفتم على تحصيله وتغنمه خيلا ولا ركابًان ولا تعبتم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم.
والمعنى: أن ما خول الله رسول من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، ولكن سلطه الله عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء.
يعني: أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرا، وذلك أنهم طلبوا القسمة، فنزلت.
لم يدخل العاطف على هذه الجملة؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها.
بين لرسول الله ﷺ ما يصنع بما أفاء الله عليه، وأمره أن يضعه حيث يضع الخميس من الغنائم مقسومًا على الأقسام الخمسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فهي منها غير أجنبية عنها)، و"هي منها" جملة من مبتدأ وخبر، وقوله: "غير أجنبية عنها" خبر آخر، و"من" في "منها" اتصالية، أو "غير أجنبية عنها" خبر مبتدأ محذوف، والجملة مبنية للأولى، أي: وهي متصلة بها كائنة منها، وهي غير أجنبية عنها، وإنما كانت بياننًا لأن قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ جملة اسمية شرطية معطوفة على مثلها، وكلتاهما واردتان على الإخبار والإعلام، أي: اعملوا أن ذلك القطع والترك كان بإذن الله، وذلك الفيء كان بتسليط الله لا بسعيكم، لكن لم يعلم كيفية قسمته فبين بهذه الآية القسمة.
قوله: (أن يضعه حيث يضع الخمس من الغنائم)، ومذهب الشافعي بخلافه، فعنده أن يجعل الفيء خمسة أخماس، والخمس الواحد يخمس ويوضع حيث يوضع الخمس من
стр. 8367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغنائم، وبيان ذلك ذكره صاحب "البحر" قال: الأصل في الغنيمة قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، والأصل في الفيء قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبَى﴾ الآية [الحشر: ٧].
واعلم أن الغنائم كانت في شرع من قبلنا لله تعالى، لا تحل لأحد، فتنزل نار من السماء فتأخذها، فحص النبي ﷺ من بينهم بأن أحلت له، قال ﷺ : "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي"، فكانت في صدر الإسلام له خاصة يتفرد بها، وكذا كانت غنائم بدر لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، واستقر أمرها على أن له منها الصفي، فيصطفي من الغنيمة ما شاء من جارية وثوب وعبد وفرس ونحو ذلك، ويكون أربعة أخماسها للغانمين، وخمسها لأهل الخمس، فيقسم على خمسة أسهم، ثم يقسم خمسها على خمسة أسهم؛ منها سهم للرسول ﷺ ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
والآن يجب أن يقسم الفيء على خمسة أسهم كما ذكر في الغنيمة، وخمسه وخمس الغنيمة الذي كان للني ﷺ انتقل بموته إلى المصالح، وأما أربعة أخماسه فالأصح أنها للمقاتلين.
стр. 8368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقلت: حاصل هذا التقرير أن ما في الحشر منسوخ بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، وهو مشكل لأن ما في الأنفال سابق زمانًا على ما في الحشر، فلا ينسخ به. نقل الواحدي عن المفسرين أن بني النضير لما اجلوا عن أوطانهم وتركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله ﷺ أن يخمسها كما فعل بغنائم بدر، فأنزل هذه الآية. وفي رواية محيي السنة: كما فعل بغنائم خبير، ويبعد من حيث النظم والتأليف أن يقال: إن قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ عطف على ما في الأنفال، ليكون خمسه أيضًا مخمسًا، وأدنى ما يبطله: الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾، لأنه راجع إلى ما ترجع إليه الضمائر في الآيات وهي لبني النضير، وما في الأنفال في قضية أخرى، بل الجملة- أعني ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ - عطف على مثلها، أي: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ﴾، وجملة قوله: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ﴾ بيان للجملة السابقة كما ذهب إليه المصنف، ولهذا عزلت عن العاطف، كأنه لما قيل: ﴿ومَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: ما خول الله ورسوله من أموال بني النضير شيء لم يحصلوه بالقتال والغلبة، فلا يقسم قسمة الغنائم، قيل: فكيف يقسم؟ فقيل: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى﴾ إلى آخره أن ذلك العطف أيضًا لا يجدي فيما ذكر، لأن حكم تلك الآية ثابت قبل هذه.
وأقصى ما يقال من جانب الشافعي رحمه الله تعالى أن "ما أفاء الله" الأول إخبار من الله تعالى لا جواب عن قول الصحابة، والثاني: بيان له لكنه مطلق مبهم، وما في الأنفال مقيد بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فيحمل عليه، وما ذكره المفسرون ليس يثبت.
فإن قلت: فما فائدة هذا الإخبار؟
قلت: نفي ما نسخ في خواطر المسلمين أنهم سعوا في تحصيل تلك الأموال بالقتال، كما قال في "التفسير الكبير": إن أموال بني النضير أخذت بعد القتال، لأنهم حوصروا أيامًا وقاتلوا وقتلوا ثم صالحوا على الجلاء، وفي كلام المصنف في أول السورة إشعار بذلك.
стр. 8369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وأَيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ يعني أن سعيكم ذلك لم يكن له مزيد تأثير، بل جرت عادة الله في تسليط جميع رسله على من يشاء، وهذا من جملة ذلك، ومن ثم جيء بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار، وجمع الرسل، فمعناه قريب من معنى قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وعلى هذا معنى الجملة الأولى: لأن المسلمين لما قطعوا النخيل وحرقوها خطر ببالهم أن ذلك فساد في الأرض- كما قال المصنف- وكان في أنفس المسلمين من ذلك شيء فنزلت، فقيل لهم: كان ذلك بإذن الله وأمره، وما يأذن الله ويأمر به لا يكون فسادًا في الحقيقة.
فإن قلت: كيف يحمل على تقييد المطلق؟ فإن مفهوم الغنيمة أخص من مفهوم الفيء، لأنه أعم تناولًا منه.
قال الجوهري: الفيء: الخراج والغنيمة، تقول منه: أفاء الله على المسلمين مال الكفار يفيء إفاءة.
وفي "المغرب": قال أبو عبيد: الغنيمة: ما نيل من أهل الشرك عنوة والحرب قائمة، وحكمه أن يخمس، وسائر ما بعد الخمس للغانمين خاصة، والفيء: ما نيل منهم بعد ما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام، وحكمه أن يكون لكافة المسلمين ولا يخمس. والنفل: ما نفله الغازي أيك يعطاه زائدًا على سهمه، وهو: أن يقول الإمام أو الأمير: "من قتل فله سلبه"، أو قال للسرية: ما أصبتم فهو لكم، أو نصفه أو ربعه، ولا يخمس.
وعن علي بن عيسى: الغنيمة أعم من النفل، والفيء أعم من الغنيمة، لأنه اسم لكل ما صار للمسلمين من أموال أهل الشرك. وقال أبو بكر الرازي: فالغنيمة فيء، والجزية فيء، ومال
стр. 8370
والدولة والدولة؛ بالفتح والضم، وقد قرئ بهما: ما يدول للإنسان، أي يدور من الجد. يقال: دالت له الدولة، وأديل لفلان.
ومعنى قوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾: كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء ليكون لهم بلغة يعيشون بها جدا بين الأغنياء يتكاثرون به. أو كيلا يكون دولة جاهلية بينهم …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهل الصلح فيء، والخراج فيء، لأن ذلك كله مما أفاء الله على المسلمين من المشركين، وعند الفقهاء: كل ما يحل أخذه من أموالهم فهو فيء. تم كلامه.
ويمكن أن تنزل عبارة "الحاوي" على هذا المعنى، بأن يقال: إن قوله: "ما حصل من الكفار" عام خص منه البعض، بعطف "غلة عقارهم" بعد أن وقف على "ما حصل"، وبعض آخر بقوله: "وما حصل بإيجاف خيل فلمسلم"، من حيث عطف الجملة بقي في ذلك العام: "ما جلوا عنه خوفًا من المسلمين إذا سمعوا خبرهم، أو بذلوه كفًا عن قتالهم، وكالجزية وعشور تجاراتهم ونحوه".
قلت: لما كان مفهوم الغنيمة داخلًا في مفهوم الفيء وقد قيدت الخمس في تلك الآية، فينبغي أن يقاس عليها سائرها لجامع كونها أموال الكفار صارت إلى المسلمين، إلى أن ينتهض الصارف القوي، نحو: "من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سلبه" هذا ما يمكن أن يقال، والله أعلم بحقيقة الحال.
قوله: (والدولة والدولة بالفتح والضم)، فالضم: المشهورة، وبالفتح: شاذ، وقيل: هي رواية هشام عن ابن عامر. وقال ابن جني: وهي قراءة أبي جعفر، منهم من لا يفصل بين القراءتين، ومنهم يقول: الفتح في الملك والضم في الملك، "وكان" تامة، أي: كيلا تقع دولة أو تحدث.
стр. 8371
ومعنى الدولة الجاهلية: أن الرؤساء منهم كانوا يستأثرون بالغنيمة لأنهم أهل الرياسة والدولة والغلبة، وكانوا يقولون: " من عزبز". والمعنى: كيلا يكون أخذخ غلبة وأثرة جاهلية. ومنه قول الحسن: اتخذوا عباد الله خولا، ومال الله دولا، يريد: من غلب منهم أخذه واستأثر به.
وقيل: الدولة: ما يتداول، كالغرفة: اسم ما يغترف، يعني: كيلا يكون الفيء شيئًا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء. والدولة- بالفتح-: بمعنى التداول، أي: كيلا يكون ذا تداول بينهم، أو كيلا يكون إمساكه تداولا بينهم، لا يخرجونه إلى الفقراء، وقرئ: (دولة) بالرفع على (كان) التامة كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] يعني كيلا تقع دولة جاهلية ولينقطع أثرها، أو كيلا يكون تداول له بينهم، أو كيلا يكون شيء متعاور بينهم غير مخرج إلى الفقراء. ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ من قسمة غنيمة أو فيء ﴿فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ﴾ عن أخذه منها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: ﴿بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ﴾ يجوز أن يكون صفة لـ ﴿دُولَةً﴾، وأن تكون متعلقة: أي: تداول بين الأغنياء منكم. وقال الزجاج: الدولة بالضم: اسم الشيء الذي يتداول، وبالفتح: الفعل والانتقال من حال إلى حال.
قوله: (من عز بز)، الميداني: أي: من غلب السلب، قالت الخنساء:
كأن لم يكونوا حمى يتقى .... إذ الناس إذ ذاك من عزبزا
قوله: (ويتعاورونه)، بيان لقوله: "يتداوله الأغنياء".
стр. 8372
﴿فَانتَهُوا﴾ عنه ولا تتبعه أنفسكم، ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أن تخالفوه وتتهاونوا بأوامره ونواهيه.
﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾ لمن خالف رسوله، والأجود أن يكون عامًا في كل ما آتى رسول الله ﷺ ونهى عنه، وأمر الفيء داخل في عمومه.
وعن ابن مسعود ﵁: أنه لقي رجلا محرما وعليه ثيابه فقال له: انزع عنك هذا. فقال الرجل: اقرأ علي في هذا آية من كتاب الله. قال: نعم، فقرأها عليه.
[﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ ورِضْوَانًا ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ٨]
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من قوله: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ والمعطوف عليه والذي منع الإبدال من: "لله وللرسول" والمعطوف عليهما،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والأجود أن يكون عامًا في كل ما آتى رسول الله ﷺ ونهى عنه)، لأن الواو فيه ليست بعاطفة ولا تصح، فالجملة تذييل ولذلك عقبه بقوله: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾، وأطلقه ليشمل كل ما يجب أن يتقى، ويدخل في ما سيق له الكلام دخولًا أوليًا، وينصره ما روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات والمفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، وكانت تقرأ القرآن - يقال لها أم يعقوب- فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك قلت: كذا وكذا؟ فقال عبد الله: ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ، وهو في كتاب الله! ! فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدت فيه ما تقول قال: إن كنت قرأتيه لوجدته، قال الله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ الآية.
قوله: (والذي منه الإبدال من: "لله وللرسول" والمعطوف عليهما)، يعني من المجموع وهو جواب عن سؤال مقدر، يعني: لم خصصت الإبدال بقوله: ﴿ولِذِي القُرْبَى﴾، والمعطوف
стр. 8373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل في حكم المعطوف عليه بحكم الانسحاب؟ فقال: أخرجه الدليل.
وقوله: "وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ معناه: وإن صح أن يبدل من الرسول، ويكون ذكر الله للتبرك والتمهيدـ، لكن الله تعالى رفع منزلته من ان يسميه بالفقير.
قال الرغب: المشهور عند العامة أن الفقر الحاجة، وأصله كسر الفقار، من قولهم: فقرته، نحو كبدته، وبهذا النظر سمى الحاجة والداهية فاقرة.
والفقر: أربعة؛ فقد الحسنات في الآخرة، وفقد القناعة في الدنيا، وفقد المقتنى. والغني بحسبه، فمن فقد القناعة والمقتنى فهو الفقير المطلق على سبيل الذم، ومن فقد القناعة دون القنية فهو الغني بالمجاز الفقير بالحقيقة، ومن فقد القنية دون القناعة فإنه يقال له: غني وفقير، وقد ورد: "ليس الغنى بكثرة العرض، وإنما الغنى غنى القلب"، وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ دليل على أن الفقر مذموم، وقال صاحب "التقريب": وفي أن يكون بدلًا من "لذي القربى" نظر، لأنه لابد من اشتراط الفقر في ذوي القربى، وليس بشرط، فليجعل بدلًا فما بعده.
الانتصاف: مذهب الإمام أبي حنيفة أن استحقاق ذوي القربى للفيء مشروط بالفقر، قال إمام الحرمين: أغلط الشافعي الرد على هذا المذهب بأنه تعالى علق الاستحقاق بالقرابة، ولم يشترط الحاجة، فاشتراطها وعدم اعتبار القرابة مضادة ومحادة، واعتذر إمام الحرمين للحنفية بأن الصدقات لما حرمت عليهم كانت فائدة ذكرهم في خمس الفيء والغنائم أنه لا يمتنع صرف ذلك إليهم امتناع صرف الصدقات.
стр. 8374
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم قال: لا نغتر بالاعتذار بأن الآية نص على ثبوت الاستحقاق تشريفًا لهم، فمن علله بالحاجة فوت هذا المعنى، ثم عظمه عليهم بأنهم يرون اشتراط الإيمان في رقبة الكفارة زيادة على النص، وهو نسخ لا يصح بالقياس.
قال الإمام: وكذا اشتراط الفقر في القرابة يكون زيادة على النص، هذا وجه كلام الإمام، وهو متوجه إن أثبتوه قياسًا، وقد أخذوا التقييد من البدل المذكور في الآية، فنقول ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من "المساكين" لا غير، لأنه تعالى أراد وصف المساكين بما يبين استحقاقهم وبعث الأغنياء على إيثارهم، وأن لا يجدوا في صدورهم حاجة مما أوتوا، وقد فصل عنهم قوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ إلى ﴿شَدِيدُ العِقَابِ﴾، طوى ذكرهم توطئة للصفات فذكروا بصفة أخرى مناسبة لأولى، فاشتمل على وصفهم بالمسكنة والفقر جميعًا، ثم تليت صفاتهم بعد بأنهم أخرجوا من ديارهم إلى آخرها، فهذا الذي يرشد إليه السياق، وأواوا القربى ذكروا على الإطلاق، فالأولى بقاؤهم على ذلك، ويؤيد ذلك أن الحنفية يرون الاستثناء إذا تعقب جملا اختص بالأخيرة، فكذا البدل يكفي في صحة عوده إلى الأخير، ولأنه إذا جعل من "ذوي القربى" كان بدل بعض من الكل، إذ فيهم أغنياء، وإن جعل بدلًا من "المساكين" أيضًا كان بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فيكون البدل محتويًا على نوعي البدل، وهو متعذر لتغايرهما، إذ كل واحد يتقاضى ما يأباه الآخر، وعلى هذا إعراب الزجاج الآية، فجعلها بدلًا من "المساكين" خاصة.
وقلت: مذهب المصنف أن الجمل المتعقبة بقيد لا تختص الأخيرة منها به، بل الكل سواء، إلا أن يقوم الدليل بالاختصاص كما نحن بصدده، يدل عليه قوله في سورة النور في الاستثناء:
стр. 8375
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"والذي يقتضيه ظاهر الآية ونظمها أن تكون الجمل الثلاث بمجموعهن جزاء للشرط"، وقوله هاهنا: "إن الله أخرج رسوله من الفقراء، وقوله: وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله تعالى" فنقول نحن أيضًا: إن فعل رسول الله ﷺ والصحابة أخرج ذوي القربى من حكم الفقراء.
روى محيي السنة في سورة الأنفال: أن النبي ﷺ أجرى عطاء العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، والخلفاء بعده كانوا يعطون الأغنياء ولا يفضلون الفقير على الغني. ويمكن أن يجعل إبدالًا بان نبتدأ من قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾. قال صاحب "المرشد" والكواشي: إن الوقف على ﴿شَدِيدُ العِقَابِ﴾ تام. وفي الكواشي: قالوا: وأراه حسنًا إن أضمرت فعلًا أي: اعجبوا ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ولا يجوز اختيارًا إن أبدل ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ من "لذي القربى" وذلك أن سياق الآيات في مدح المهاجرين والأنصار وبذل أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، ومدح التابعين لهم بإحسان، وكيف وقد مدح المهاجرين بأنهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا؟ وعطف ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ﴾ على ﴿المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾؟ وفيه: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، وكذا عطف قول: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ كل هذا إنما يحسن إذا ابتدئ منه، وتكون الآيات متصلات بقوله: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾؛ لأنه لما أمر باتباع سنة الرسول ﷺ ، عجب الناس باتباع هؤلاء السادة سنة الرسول ﷺ بالمهاجرة من أوطانهم والمفارقة عن أهاليهم وأموالهم،
стр. 8376
وإن كان المعنى لرسول الله ﷺ : أن الله أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وأنه يترفع برسول الله عن التسمية بالفقير، وأن الإبدال على ظاهر اللفظ من خلاف الواجب في تعظيم الله ، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم وجهادهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبالتبوؤ بالدار والإيمان، وبالتسوية بما اختص بهم حتى بأزواجهم، كما قال: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وكذا عطف: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ على المهاجرين المعني بهم "التابعون لهم بإحسان" مانع من الإبدال، والذي يؤيد تقدير فعل التعجب- كما ذكره أبو البقاء وتبعه صاحب الكواشي- مجيء قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ﴾ الآيات، مصدرًا بـ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ وهي كلمة التعجب لكون ذكرهم جاء مقابلًا لذكر أضدادهم.
قوله: (أن الله ، أخرج رسوله من الفقراء في قوله: ﴿ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾)، يعني لو كان داخلًا فيهم لم يصح قوله: ﴿ويَنصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، لئلا يلزم أن يكون الرسول ناصرًا لنفسه.
قوله: (وأنه يترفع برسول الله ﷺ عن التسمية بالفقير)، كما لا يجوز أن يوصف الله تعالى بعلامة، لأجل التأنيث لفظًا، لأن فيه سوء أدب.
قوله: (وأن الإبدال على ظاهر اللفظ) يعني: وإن صح إبدال قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ من قوله: "لله" من حيث ظاهر اللفظ، لكن لا يصح من حيث المعنى؛ لما يؤدي إلى خلاف تعظيم الله.
стр. 8377
[﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ٩]
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ معطوف على ﴿المُهَاجِرِينَ﴾، وهم الأنصار.
فإن قلت: ما معنى عطف الإيمان على الدار، ولا يقال: تبوؤا الإيمان؟
قلت: معناه تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، كقوله:
علفتها تبنا وماء باردًا
أو: وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنًا لهم لتمكنهم منه واستقامتهم عليه، كما جعلوا المدنية كذلك. أو أراد دار الهجرة ودار الإيمان، فأقام"لام التعريف" في ﴿الدَّارِ﴾ مقام المضاف إليه، وحذف المضاف من دار الإيمان، ووضع المضاف إليه مقامه، أو سمى المدينة لأنها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان بالإيمان، ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل المهاجرين؛ لأنهم سبقوهم في تبوؤ دار الهجرة والإيمان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان)، وحاصل الوجوه الأربعة يعود إلى عطف الإيمان على الدار إما من باب التقدير أو الانسحاب، والإيمان إما مجرى على حقيقته أو استعارة، ففي الوجه الأول: الإيمان حقيقة والعطف من باب التقدير، لكن يقدر بحسب السابق، (الانسحاب)، والإيمان على الوجه الثاني استعارة مكنية، وعلى الثاني والرابع العطف للانسحاب، وعلى الثالث مجاز أضيف بأدنى ملابسة، وعلى الرابع استعارة مصرحة تحقيقية.
فإن قلت: بين لي مخرج الاستعارتين وتصحيحهما.
قلت: شبه في الوجه الأول الإيمان من حيث إن المؤمنين من الأنصار تمكنوا فيه تمكن المالك
стр. 8378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المتسلط في مكانه ومستقره، بمدينة من المدائن الحصينة، بتوابعها ومرافقه، ثم خيل أن الإيمان بعينها تخييلًا محضًا، فأطلق على المتخيل اسم الإيمان المشبه، وجعلت القرينة نسبة التبوء اللازم للمشبه به إليه على سبيل الاستعارة التخييلية، لتكون مانعة لإرادة الحقيقة، وعلى الرابع شبهت طيبة- أي: مدينة خير الرسل صلوات الله عليه لكونها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان- بالتصديق الصادر من المخلص المحلى بالعمل الصالح، ثم أطلق اسم الإيمان على مدينة الرسول ﷺ بوساطة نسبة التبوء إليه، وهي استعارة مصرحة تحقيقية، لأن المشبه المتروك وهو المدينة حسي، والجامع النجاة من مخاوف الدارين؛ ففي الأول المبالغة والمدح يعود إلى سكان المدينة أصالة، وفي الثاني العكس، والأول أدعى لاقتضاء المقام؛ لأن الكلام وارد في مدح الأنصار الذين بذلوا مهجهم وأموالهم في نصرة الله ونصرة رسوله، وهم الذين آووه ونصروه.
فإن قلت: يلزمك من القول بالانسحاب استعمال الكلمة الواحدة في الحقيقة والمجاز معًا.
قلت: أجعلها مجازًا في مطلق اللزوم والثبات ولا أبالي بذلك كما مر مرارًا.
فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ فإنه يؤدي إلى أن الأنصار سبقوا المهاجرين في الإيمان، ولذلك قال المصنف: "سبقوهم في دار الهجرة والإيمان"، أي: دار الإيمان.
قلت: قال الواحدي: تقدير الآية: والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان، لأن الأنصار لم يؤمنوا قبل المهاجرين، ويمكن أن يقال: إنا ذكرنا أن التقدير أنهم تمكنوا في الإيمان تمكن المالك في ملكه لا يزعجهم عنه منازع، ولا شك أن المهاجرين قبل الهجرة كانوا في تقية وخوف من المشركين، ولذلك هاجروا الهجرتين، ولم يوجد لهم ذلك التمكن إلا بعد الاستقرار في
стр. 8379
وقيل: من قبل هجرتهم، ﴿ولا يَجِدُونَ﴾: ولا يعلمون في أنفسهم ﴿حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ أي: طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، والمحتاج إليه يسمى جاحة؛ يقال: خذ منه حاجتك، وأعطاه من ماله حاجته، يعني: أن نفوسهم لم تتبع ما أعطوا، ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه ﴿ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: خلة، وأصلها: خصاص البيت، وهي فروجه؛ والجملة في موضع الحال، أي: مفروضة خصاصتهم وكان رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير على المهاجرين، ولم يعط الأنصار إلا ثلاثة نفر محتاجين: أبا دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دار الهجرة، وإليه المصنف بقوله: "وقيل: من قبل هجرتهم"، ولذلك لم يزالوا بعد الهجرة في قلة وفقر حتى آساهم الأنصار بأموالهم، وآثرهم بأثمارهم، على ما روينا عن البخاري ومسلم عن أنس قال: قدم المهاجرين من مكة المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسموهم حتى أن أعطوهم أنصاف أثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤونة.
وكافيك بحال أغنى المهاجرين وأكثرهم ثروة عبد الرحمن بن عوف حين قدم المدينة شاهدًا على ذلك، روينا في "صحيح البخاري" عن ابن عوف قال: آخر رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع، فقال لي سعد: إني أكثر الأنصار مالًا، فأقاسمك مالي شرطين، ولي امرأتان فانظر أيتهما شئت حتى أنزل لك عنها، فإذا حلت تزوجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلوني عن السوق. الحديث، ومن ثم حسن التعجب بالفقر في صدر هذه الآية.
قوله: (﴿خَصَاصَةٌ﴾ أي: خلة)، النهاية: الخصاصة: الجوع والضعف، وأصلها الفقر والحاجة إلى الشيء، والجملة في موضع الحال، يعني قوله: ﴿ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
стр. 8380
وقال لهم: " إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة"، فقالت الأنصار: " بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها" فنزلت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: خصاص البيت: فرجه، وعبر عن الفقر الذي لم يسد بالخصاصة، كما عبر عنه بالخلة، والخص: بيت من قصب أو شجر، وذلك لما ترى فيه من الخصاصة، قال: وسمي انثلام الحال خصاصًا وخصاصةً على التشبيه، كما سمي انثلامًا واختلالًا وشعثًا، وخصصت فلانًا وخصني أوليته خصاصتي نحو: خللته وقولهم: وقفتهم على عجري وبجري، وخصان الرجل: خلانه، ثم جعل الخاص مقابلًا للعام في التعارف.
قوله: (بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فنزلت)، والأصح: أنها نزلت في أنصاري اسمه أبو طلحة، على ما روينا عن البخاري مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما عندي غلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت: مثل ذلك: وقلن كلهن مثل ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "من يضيفه يرحمه الله؟ " فقام رجل من الأنصار يقال له: أبو طلحة، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعليهم بشيء ونوميهم، فإذا دخل ضيفنا فأريه أنا نأكل، فإذا أهوى بيده ليأكل فقومي إلى السراج كي تصلحيه فأطفئيه، ففعلت، فقعدوا فأكل الضيف، وباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لقد عجب الله"_ أو "ضحك الله"_ "من فلان وفلانة".
стр. 8381
"الشح" بالضم والكسر، وقد قرئ بهما: اللؤم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، كما قال:
يمارس نفسًا بين جنبيه كزة .... إذا بالمعروف قالت له: مهلا
وقد أضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]. ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ ومن غلب ما أمرته به منه، وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بما أرادوا. وقرئ: (ومن يوق).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي رواية نحوه، وفيها: فأنزل الله ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
قوله: ("الشح بالضم والكسر)، بالضم المشهورة، وبالكسر شاذة.
قوله: (يمارس نفسًا)، البيت، يقال: رجل كز أي: قليل المواتاة، قليل العطاء. الكزازة: الانقباض واليبس، رجل كز اليدين: نحيل: مثل جعد اليدين. يقول: هذا الرجل إذا هم يومًا أن يتسمح بمعروف قال له نفسه: مهلًا، فيطعها ويمنع من الخير.
قوله: (وقد أضيف إلى النفس؛ لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو المنع نفسه)، اعلم أن الفرق بين البخل والشح عسر جدًا، وقد آذن بالفرق في هذا المقام، وأن الشح: اللؤم، وهو غريرة، وأن البخل: المنع نفسه، فهو أعم، لأنه قد يوجد البخل ولا شح ثمة، ولا ينعكس، وعليه ما ورد في "شرح السنة": جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني أخاف أن أكون قد هلكت، قال: ما ذاك؟ قال: أسمع الله، يقول: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وأنا رجل شحيح لا يكاد أن يخرج من يدي شيء، فقال عبد الله:
стр. 8382
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس ذاك بالشح الذي ذكره الله، إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذاك البخل، وبئس الشيء البخل.
وقال ابن جبير: الشح: إدخال الحرام، منع الزكاة.
وعن مسلم عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: "اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءكم واستحلوا محارمهم"، وعن النسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا".
فإذن الشح راسخة يصعب معها على الرجل تأتي المعروف، وتعاطي مكارم الأخلاق، ويفتقر في التخلص منه إلى معونة الله وتوفيقه كما أومأ إليه المصنف.
وروينا عن البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "مثل المنفق والبخيل، كمثل رجلين عليهما جنتان أو جبتان من حديد، من لدن ثدييهما إلى تراقيهما، فإذا أراد المنفق أن ينفق: اتسعت عليه الدرع، أو مرت حتى تجن بنانه، وتعفو أثره، وإذا أراد البخيل أن ينفق: قلصت، ولزمت كل حلقة موضعها حتى أخذته بترقوته أو برقبته".
وإذا صح أن الشح أم الخبائث وأس الرذائل، كان قوله: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ تذييلًا لقوله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ومعناه ما قال لمصنف: "ومن غلب ما أمرته به نفسه، وخالف هواها بمعونة الله وتوفيقه ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ "أي: الذين إن تصورت صفة المفلحين وتحققوا ما هم، فهم هم، لا يعدون تلك الحقيقة.
стр. 8383
[﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ١٠]
﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطفٌ أيضًا على ﴿المُهَاجِرِينَ﴾: وهم الذين هاجروا من بعد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد تحقق لك أن من جعل الإيمان لنفسه ومستقرًا لها، وقطع طعمه من مال الغير وآثر ما يملكه على نفسه كان من المفلحين الفائزين بمباغيهم.
وفي جعل قوله: ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا﴾ كناية عن قطع الطمع، إشارة إلى قطع ذلك الغريزي من سنخه قطعًا لو تكلف التماس أية حاجة كانت، ما وجد لها أثرًا، وفي تتميمه بقوله: ﴿ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ بلوغ إلى الدرجة العليا في الحرية والفتوة، أي: قطعوا الطمع إشارة إلى قلع ذلك عما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم بما ملكوا، وأنشد في ذلك:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ..... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
قوله: (﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ عطف أيضًا على ﴿المُهَاجِرِينَ﴾)، فإن قلت: كيف وصف الأولون بالمهاجرة وابتغاء الفضل والنصرة والصدق، والأنصار بالرسوخ في الإيمان ومحبة الإيواء والسخاوة البالغة حدها، والفلاح في الآجل، واقتصر في مدح هؤلاء على قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا﴾؟
стр. 8384
وقيل: التابعون بإحسان. ﴿غِلًّا﴾ وقرئ: (غمرًا) وهما الحقد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: كفى بهم مدحًا أن يوفقهم على الدعاء لأولئك السادة الكرام، ويمنحهم محبتهم، ويدخلهم في زمرتهم بأخوة الإسلام.
قال الواحدي: ﴿والَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، فذكر أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: غشًا وحسدًا وبغضًا، وكل من لم يترحم على جميع أصحاب محمد وكان في قلبه غل على أحد منهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية، لن الله تعالى رتب المؤمنين ثلاث منازل: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكر، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.
وسمع ابن عباس رجلًا ينال من بعض الصحابة فقال: أمن المهاجرين الأولين أنت؟ قال لا، قال: من الأنصار؟ قال: لا، قال: فأنا أشهد أنك لست من التابعين بإحسان.
قوله: (﴿غِلًا﴾ وقرئ: غمرًا، وهما الحقد)، الراغب: أصل الغلل: تدرع الشيء وتوسطه، ومنه: الغلل للماء الجاري بين الأشجار، فالغل مختص بما يقيد به فتجعل الأعضاء وسطه، والغلالة: ما يلبس من النوعين، فالغل والغلول تدرع الخيانة والعداوة. قال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾، والغلة والغليل: ما يتدرعه الإنسان في داخله من العطش، ومن شدة الوجد والغيظ، ، يقال: فلان شفى غليله، أي: غيظه، والمغلغلة: الرسالة التي تتغلغل وسط القوم.
стр. 8385
[﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ولا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وإن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ولَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ ولَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ﴾ ١١ - ١٢]
﴿لإخْوَانِهِمُ﴾ الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، ولأنهم كانوا يوالونهم ويؤاخونهم، وكانوا معهم على المؤمنين في السر ﴿ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ في قتالكم ﴿أَحَدًا﴾ من رسول الله والمسلمين إن حملنا عليه. أو في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة، ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ أي في مواعيدهم لليهود. وفيه دليل على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيوب.
فإن قلت: كيف قيل: ﴿ولَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ بعد الإخبار بأنهم لا ينصرونهم؟
قلت: معناه: ولئن نصروهم على الفرض والتقدير، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وكما يعلم ما يكون، فهو يعلم ما لا يكون، لو كان كيف يكون.
والمعنى: ولئن نصر المنافقون اليهود لينهز من المنافقون ثم لا ينصرون بعد ذلك، أي: يهلكهم الله تعالى ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم، أو لينهز من اليهود ثم لا ينفعهم نصرة المنافقين.
[﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ * لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن ورَاءِ جُدُرٍ بَاسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ * كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعلم ما لا يكون، لو كان كيف يكون) "ما" مفعول أول، و"كيف" مفعول ثان، يعني: أن الله تعالى يعلم المعدوم إذا فرض وجوده على أي حالة يوجد.
стр. 8386
قَرِيبًا ذَاقُوا وبَالَ أَمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إذْ قَالَ لِلإنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ ١٣ - ١٧]
﴿رَهْبَةً﴾ مصدر "رهب" المبني للمفعول، كأنه قيل: أشد مرهوبية. وقوله: ﴿فِي صُدُورِهِم﴾ دلالة على نفاقهم، يعني: أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله، وأنتم أهيب في صدورهم من الله.
فإن قلت: كأنهم كانوا يرهبون من الله حتى تكون رهبتهم منهم أشد.
قلت: معناه أن رهبتهم في السر منكم أشد من رهبتهم من الله التي يظهرونها لكم، وكانوا يظهرون لهم رهبةً شديدةً من الله، ويجوز أن يريد أن اليهود يخافونكم في صدورهم أشد من خوفهم من الله؛ لأنهم كانوا قومًا أولي بأس ونجدة، فكانوا يتشجعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم، ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ لا يعلمون الله وعظمته حتى يخشوه حق خشيته. ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ لا يقدرون على مقاتلتكم ﴿جَمِيعًا﴾ مجتمعين متساندين، يعني اليهود والمنافقين ﴿إِلَّا﴾ كائنين ﴿فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق والدروب، ﴿أَوْ مِن ورَاءِ جُدُرٍ﴾ دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿رَهْبَةً﴾: مصدر "رهب" المبني للمفعول)، الانتصاف: لأن المخاطبين مرهوب منهم لا راهبون.
قوله: (ويجوز أن يريد أن اليهود يخافونكم)، وحاصل المعنى الأول: أنهم يظهرون لكم خوف الله تعالى، مع أنهم لا يخافونه تعالى، والمعنى الثاني: أنهم يظهرون لكم أنهم لا يخافونكم، مع أنهم يخافونكم، ويخافون الله خوفًا لا يعتد به، ولذلك قال: "حتى يخشوه حق خشيته".
стр. 8387
لقذف الله الرعب في قلوبهم، وأن تأييد الله تعالى ونصرته معكم. وقرئ: (جدر) بالتخفيف، و (جدار)، و (جدر)، و (جدر)، وهما: الجدار.
﴿بَاسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما هو بينهم إذا اقتتلوا؛ ولو قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة؛ لأن الشجاع يجبن، والعزيز يذل عند محاربة الله ورسوله. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ مجتمعين ذوي ألفة واتحاد، ﴿وقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة لا ألفة بينها، يعني: أن بينهم إحنًا وعداوات، فلا يتعاضدون حق التعاضد، ولا يرمون عن قوس واحدة. وهذا تجسير للمؤمنين وتشجيع لقلوبهم على قتالهم. ﴿قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (و"جدار" ز"جدر")، ابن كثير وأبو عمرو: "جدار" بكسر الجيم وفتح الدال وألف، وأمال أبو عمرو فتحة الدال، والباقون: ﴿جُدُرٍ﴾ بضم الجيم والدال.
وقال ابن جني: قرأ أبو رجاء وأبو حية: جدر، بضم الجيم وإسكان الدال.
وقال الزجاج: فمن قرأ ﴿جُدُرٍ﴾ فهو جمع جدار، مثل: حمار وحمر، ومن قرأ بتسكين الدال: حذف الضمة لثقلها، كصحف وصحف، ومن قرأ "جدار" فهو الواحد.
قوله: (﴿قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ أن تشتت القلوب مما يوهن قواهم، ويعين على أرواحهم)، أي: على توهين أرواحهم وفسادها، لأن القلب مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ثم يسري منه الفساد إلى الروح.
стр. 8388
فإن قلت: بم انتصب ﴿قَرِيبًا﴾؟
قلت: بـ"مثل"، على: كوجود مثل أهل بدر قريبًا ﴿ذَاقُوا وبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: إنما خص الأول بـ ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾، والثاني بـ ﴿لاَّ يَعْقِلُونَ﴾، لأن المعنى: خوفكم منكم أشد من خوفهم من الله، لأنهم يعلمون ظاهره ولا يعرفون ما استتر عليهم منه، والفقيه يستدرك من الكلام ظاهره الجلي، وغامضه الخفي، بسرعة فطنته، وجوده قريحته، فلما رهبوا من النبي ﷺ ما لم يرهبوا من الله ، صاروا كمن يعرف ما يشهده، ويجهل ما يغيب عنه، وقيل: ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾: لا يستدركون عظمة الله ويشاهدون جلالة النبي ﷺ ، ولا يعلمون أن ذلك لجلال الله تعالى.
وأما قوله: ﴿لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ جاء بعد قوله: ﴿بَاسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ومعناه: ليس يجمعهم الحق على طريقة واحدة، بل هم أتباع أهوائهم، وهم مختلفون باختلاف آرائهم، ولو عقلوا الرشد من الغي لاجتمعوا على الحق، فاختلافهم لأنهم لا يعقلون ما يدعو إلى طاعة الله، ويهدي إلى الصراط المستقيم، فالحق سبيل واحد مستقيم، والباطل سبل كثيرة يحمل عليها أهواء متشبعة، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
قوله: (بـ"مثل"، على: كوجود)، أي: ﴿قَرِيبًا﴾ متعلق بـ"مثل" في ﴿كَمَثَلِ﴾، على تقدير المضاف وهو العامل، أي: مثلهم كوجود مثل أهل بدر قريبًا، وذلك المثل هو: ﴿ذَاقُوا وبَالَ أَمْرِهِمْ ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال أبو البقاء: ﴿كَمَثَلِ﴾ أي: مثلهم كمثل الذين من قبلهم، و ﴿قَرِيبًا﴾ أي: استقروا من قبلهم زمنًا قريبًا، أو ذاقوا وبال أمرهم قريبًا، أي: عن قريب.
стр. 8389
من قولهم: "كلأ وبيل": وخيم سيئ العاقبة، ذاقوا عذاب القتل في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة عذاب النار. مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر، ثم متاركتهم لهم وإخلافهم ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إذا استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة، والمراد استغواؤه قريشًا يوم بدر؛ وقوله لهم: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] وقرأ ابن مسعود: (خالدان فيها)، على أنه خبر"أن"، و ﴿في النَّارِ﴾ لغو، وعلى القراءة المشهورة: الظرف مستقر، و ﴿خَالِدَيْنِ فِيهَا﴾: حال. وقرئ: (أنا بريء) و (عاقبتهما) بالرفع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كلأ وبيل)، أي: وخيم، الراغب: الوبل والوابل: المطر الثقيل، قيل للأمر الذي يخاف ضرره: وبال، يقال: طعام وبيل، وكلأ وبيل: يخاف وباله.
قوله: (والمراد استغواؤه قريشًا يوم بدر)، اعلم أن التعريف في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ للعهد لا غير، إذ لا يتبادر منه إلا المتعارف شرعًا، وأما ما في "الإنسان" فيحتمل العهد، أي: قريشًا كما قال، ومعنى قوله: ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ﴾: قصد إغواءهم، فدعاهم إلى قتال المسلمين فغووا، لا هذا اللفظ بعينه، وهو المراد من قوله: "المراد استغواؤه" لأن الذي قال لهم يوم بدر هو قوله: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ وقريب منه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]، ويحتمل الجنس على نحو قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] في أن لم يباشر الفعل إلا بعض الجنس، وفي معناه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] قال: "ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله: ﴿إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٤] ".
стр. 8390
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾ ١٨ - ١٩]
كرر الأمر بالتقوى تأكيدًا، أو اتقوا الله في أداء الواجبات؛ لأنه قرن بما هو عمل، واتقوا الله في ترك المعاصي؛ لأنه قرن بما يجري مجرى الوعيد.
والغد: يوم القيامة، سماه باليوم الذي يلي يومك تقريبًا له، وعن الحسن: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد. ونحوه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] يريد: تقريب الزمان الماضي. وقيل: عبر عن الآخرة بالغد كأن الدنيا والآخرة نهاران: يوم وغد.
فإن قلت: ما معنى تنكير النفس والغد؟
قلت: أما تنكير النفس فاستقلال للأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة، كأنه قال: فلتنظر نفس واحدة في ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويعضد الوجه الأول مجموع التمثيل الثاني من غير عاطف ليكون كالإبدال من التمثيل الأول، ولا يحسن الإبدال إلا على اتحاد موقع التمثيلين، فليتدبر فإنه دقيق، ولعله لهذه الدقيقة ولا يجاب أن يكون المشبه به أعرف وأبين وأشهر من المشبه، اختار هذا الوجه على سائر الوجوه التي ذكرها المفسرون.
قوله: (لأنه قرن بما هو عمل)، يعني: كرر ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ إما لمجرد التأكيد، أو كرر ليعلق به ثانيًا غير الأول، فعلق به أولًا: ﴿مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ما قدمت لغد، وهو عبارة عن أعمال الخير: وثانيًا: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، وهو عبارة عن التهديد والوعيد.
قوله: (أما تنكير النفس فاستقلا للأنفس النواظر)، أي: عدهم قليلًا كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، الانتصاف: قال في قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]: المراد بالتنكير التكثير، لأن كل نفس حينئذ، تعلم ما أحضرت لقوله: ﴿يَوْمَ
стр. 8391
وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه. وعن مالك ابن دينار: مكتوب على باب الجنة: وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدمنا، خسرنا ما خلفنا.
﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ نسوا حقه، فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان، حتى لم يسعوا لها بما ينفعهم عنده. أو فأراهم يوم القيامة من الأهوال ما نسوا فيه أنفسهم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠] حتى قيل: إنه من عكس الكلام الذي يقصد به الإفراط، كقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢] وهي بمعنى "كم" فقدر هاهنا ما يطابق الواقع في قلة الناظر في المعاد، فالفعل الذي أسند إلى ﴿نَفْسٌ﴾ ليس في وقوع النظر بل في طلب النظر فهو عام التعلق بكل نفس، قال صاحب "الانتصاف": إن ما ذكره الزمخشري أمكن وأحسن.
وقلت: وأصل الكلام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ وانظروا ما تقدموا لأنفسكم ليوم القيامة، فوضع موضع الضمير ﴿نَفْسٌ﴾ منكورة تقليلًا لها وتقريعًا على قلة نظرها في العاقبة، وأقيم مقام يوم القيامة "غد" منكورًا، تهويلًا كأنه قيل: فلتنظر نفس واحدة لذلك اليوم الهول، ومنه قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨].
وقلت: ويحتمل تعظيمها أي: نفس ناظرة إلى عاقبة أمرها، فيحصل الترقي من ذكر الإيمان إلى التقوى، ثم إلى النظر والتفكر، ثم رشح التقريع بقوله: ﴿ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾. وقال الواحدي ومحيي السنة: لينظر أحدكم أيش الذي قدم لنفسه؟ أعملًا صالحًا ينجيه أم سيئًا يوبقه.
قوله: (فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان)، الانتصاف: بل خلق فيهم النسيان.
стр. 8392
[﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ﴾ ٢٠]
هذا تنبيه للناس وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم، وقلة فكرهم في العاقبة، وتهالكهم على إيثار العاجلة واتباع الشهوات، كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون العظيم بين أصحابهما، وأن الفوز مع أصحاب الجنة؛ فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينهوا عليه، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه، فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف.
وقد استدل أصحاب الشافعي ﵁ بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الكفار لا يملكون أموال المسلمين بالقهر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هذا تنبيه للناس وإيذان) إلى آخره: (كأنهم لا يعرفون الفرق)، اعلم أن هذا التمثيل، أي: ﴿لا يَسْتَوِي﴾ كالتذييل لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ إلى آخره، وذلك أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتقوى التي هي قصارى كرامة الله، كما قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وبالنظر والتيقظ للعاقبة، والأخذ في العمل وما يسره الغد إذا لقيته، ثم نهاهم أن يكونوا من الغافلين الذين نسوا الله وتركوا الحذر، فأهملوا العمل للغد، فامتهنهم الله بالخذلان فأنساهم أنفسهم، حتى رأوا في العاقبة من الأهوال ما نسوا فيها أنفسهم، ذيل الكلام بقوله: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وأَصْحَابُ الجَنَّةِ﴾ مزيدًا للترغيب فيما يزلفهم إلى الله، ويدخلهم دار كرامته، ويجعلهم من أصحابها، والترهيب عما يبعدهم من الله، ويدخلهم دار الإهانة ويجعلهم من أصحابها، ومن ثم دق ولطف استدلال أصحابنا بهذه الآية على أن المسلم لا يقتل بالكافر وحسن كلام القاضي حيث قال: لا يستوي الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة، والذين استمهنوا نفوسهم فاستحقوا النار.
стр. 8393
[﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢١]
هذا تمثل وتخييل، كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقد دل عليه قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ [العنكبوت: ٤٣]، والغرض توبيخ الإنسان على قسوة قلبه، وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن وتدبر قوارعه وزواجره.
وقرئ: (مصدعًا) على الإدغام، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ إشارة إلى هذا المثل وإلى أمثاله في مواضع من التنزيل.
[﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٢٢ - ٢٤]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كما مر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾) أي: في أحد وجهيه، وهو: أن يراد ما كلفه الإنسان من عظمه وثقل محمله، على أنه عرض على أعظم خلق الله من الأجرام وأقواه فأبى حمله، وكذلك مثل حالة عظمة كلام الله المجيد وجلالة تنزيله، وأن شأن القرآن كذا وكذا، بالحالة المفروضة للجبال، وهي حصول صدعها من خشية الله عند نزوله.
قال الواحدي: وبيانه: لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق من خشية الله، والمعنى: أن الجبل مع قساوته وصلابته يتشقق من خشية الله، حذرًا من أن لا يؤدي حق الله في تعظيم القرآن، والكافر مستخف بحقه، معرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها.
وقلت: هذا معنى قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ أي: خاسر به.
стр. 8394
﴿الغَيْبِ﴾ المعدوم ﴿والشَّهَادَةِ﴾: الموجود المدرك كأنه يشاهده. وقيل: ما غاب عن العباد وما شاهدوه. وقيل: السر والعلانية. وقيل: الدنيا والآخرة.
﴿القُدُّوسُ﴾ بالضم والفتح، وقد قرئ بهما: البليغ في النزاهة عما يستقبح. ونظيره: السبوح، وفي تسبيح الملائكة: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. و ﴿السَّلامُ﴾ بمعنى السلامة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما غاب عن العباد)، يريد أن الغيب والشهادة يجوز أن ينسبا إلى الله تعالى وإلى العباد، فعلى الأول يحمل الغيب على المعدوم، ولما كان المعدوم عندهم عبارة عن الشيء الذي يصح أن يعلم ويخبر عنه، قال ذلك، وأما الموجود ففيه ما يصح أن يشاهد وما لا يصح، فجعلت كلها بمنزلة المشاهد لله تعالى، مبالغة في قوله: "كأنه يشاهده"، والوجه هو الثاني، لما يخالف الأول تفسيره قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ [يونس: ١٨] في سورة يونس، وقوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣] في سورة الرعد، اللهم إلا أن يراد بأحدهما المعدوم الممكن، وبالآخر المعدوم الممتنع، ويؤيده تفسير صاحب "المفتاح": ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾: أي بما لا ثبوت له، ولا علم الله معلق به، نفيًا للملزوم، وهو المنبأ به بنفي لازمه، وهو وجوب كونه معلومًا للعالم الذات، لو كان له ثبوت بأي اعتبار كان. فحينئذ جاء التفصيل في قولهم: المعدوم شيء.
قوله: (﴿القُدُّوسُ﴾ بالضم والفتح)، بالضم: المشهورة، والفتح: شاذ، قال ابن جني: فعول في الصفة قليل، وذكر سيبويه: السبوح والقدوس، وإنما باب الفعول الاسم؛ كتنور، وسفود، وعبود.
стр. 8395
ومنه: ﴿دَارُ السَّلَامِ﴾ و ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] وصف به مبالغةً في وصف كونه سليمًا من النقائص، أو في إعطائه السلامة، , ﴿المُؤْمِنُ﴾ واهب الأمن. وقرئ بفتح الميم بمعنى المؤمن به، على حذف الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: المختارون بلفظ صفة السبعين. و ﴿المُهَيْمِنُ﴾: الرقيب على كل شيء، الحافظ له، مفيعل من الأمن؛ إلا أن همزته قلبت هاءً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المؤمن به على حذف الجار، كما تقول في قوم موسى من قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: المختارون) أي: يقول في شأن قوم موسى مستنبطًا من قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾: السبعون المختارون، فجعله صفة لـ"السبعون" ثم يطلق الصفة ويريد الموصوف، كما يطلق المؤمن ويريد المؤمن به، صفة لله تعالى. "المختارون"، هو مقول القول، أو نقول: إنك تصف قوم موسى بقولك: المختارون، وأنت تريد المختار منهم، جريًا على ظاهر قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾، قيل: إذا قلت: آمنت بالله فإنه مخرج منه الصفة مع إيجاز، فنقول: مؤمن به كما في ضرب من المثال، فإن معنى قوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومه، فلو كان حرف الجر مصرحًا به لقلت في صفة القوم: المختار منهم، وإذا لم يكن حرف الجر مصرحًا به لقلت في صفة القوم: المختارون منهم.
قوله: (مفيعل من الأمن، إلا أن همزته قلبت هاء)، قال الزجاج: زعم بعض أهل اللغة أن الهاء بدل من الهمزة، وأن أصله: "المؤيمن"، كما قالوا: إياك وهياك، والتفسير يشهد لهذا القول، لأنه جاء أنه الأمين وجاء أنه الشهيد، فتأويل الشهيد: الأمين في شهادته.
قال حجة الإسلام: المهيمن في حق الله: أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه، وكل مشرف على كنه الأمر مستول
стр. 8396
و ﴿الجَبَّارُ﴾ القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد، أي أجبره، و ﴿المُتَكَبِّرُ﴾ البليغ الكبرياء والعظمة. وقيل: المتكبر عن ظلم عباده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليه، حافظ له، فهو مهيمن عليه، والإشراف يرجع إلى العلم، والاستيلاء على كمال القدرة، والحفظ إلى الفعل، والجامع بين هذه المعاني اسمه المهيمن، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا لله تعالى.
قوله: (و ﴿المُتَكَبِّرُ﴾: البليغ الكبرياء)، قال الأزهري: فإن قيل: التفعل يجيء في باب الصفات لمن يتكلف النعت الذي لا يستحقه، كقوله: يتعظم وليس بعظيم، ويتكبر وليس بكبير، ويتسخى وليس بسخي، فكيف جاز في صفة الخالق؟
والجواب: أن الفعل يجيء على غير معنى التكلف، من ذلك قولهم: فلان يتظلم أي يظلم، وفلان يتظلم أي يشكو ظلامته، ويسأل أن يعان على ظالمه، فإذا جاز أن يكون متفعل في موضع فاعل، جاز أن يكون في موضع فعيل فإنه أخوان. وقيل: إن المتكبر من الكبرياء الذي هو عظمة الله، لا الكبر الذي يذم به المخلوق، فالله استحق الكبرياء لأنه أكبر كبير وأعظم عظيم، ولا يستحقه المخلوق؛ الذي هو مدبر مخلوق من نطفة قذرة ويعود بعد موته جيفة أقذر منها، فهو متعد طوره بادعائه ما ليس له، والله كما وصف نفسه، وفوق ما وصف، فهو متكبر بحق، وغيره مدع ما ليس له.
وقال حجة الإسلام: المتكبر هو: الذي يرى الكل حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد، فإن كانت هذه الرؤية صادقة كان التكبر حقًا، وكان صاحبها متكبرًا حقًا، ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا الله ﵎.
стр. 8397
و ﴿الخَالِقُ﴾ المقدر لما يوجده. و ﴿البَارِئُ﴾ المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة. و ﴿المُصَوِّرُ﴾ الممثل. وعن حاطب بن أبي بلتعة أنه قرأ: (البارئ المصور) بفتح الواو ونصب الراء، أي: الذي يبرأ المصور، أي: يميز ما يصوره بتفاوت الهيئات.
وقرأ ابن مسعود: (وما في الأرض).
عن أبي هريرة ﵁: سألت حبيبي ﷺ عن اسم الله الأعظم فقال: "عليك بآخر الحشر فأكثر قراءته" فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت عليه فأعاد علي.
عن رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿الخَالِقُ﴾ المقدر لما يوجده)، روي عن المصنف: لما كانت إحداثات الله تعالى مقدرة بمقادير الحكمة عبر عن إحداثه بالخلق.
قوله: (عليك بآخر الحشر)، عن أحمد بن حنبل والترمذي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة".
تمت السورة
* * *
стр. 8398
سورة الممتحنة
مدنية، وهي ثلاث عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ ومَا أَعْلَنتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ * إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ١ - ٢]
روي أن مولاةً لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: "أمسلمةً جئت؟ " قالت: لا. قال: "أفمهاجرةً جئت؟ " قالت: لا. قال: "فما جاء بك؟ " قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعني: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجةً شديدةً. فحث عليها بني عند المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردًا، واستحملها كتابًا إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أن رسول ﷺ يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الممتحنة
ثلاث عشرة آية، مدنية بخلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (فبعث رسول الله ﷺ عليًا وعمارًا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد)،
стр. 8399
عليًا وعمارًا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد رضوان الله عليهم وكانوا فرسانًا وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينةً معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع فقال علي ﵁: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، وقال: أخرجي الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها.
وروي أن رسول الله ﷺ أمن جميع الناس يوم الفتح إلا أربعةً: هي أحدهم، فاستحضر رسول الله حاطبًا وقال: "ما حملك عليه؟ " فقال: يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم؛ ولكني كنت امرًا ملصقًا في قريش، وروي: غريرًا فيهم، أي: غريبًا، ولم أكن من أنفسها، وكل من معك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والصحيح ما روى البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى إذا أتينا الروضة … إلى آخره، فيه اختلافات، النهاية: وأصل الظعينة: الراحلة التي يرحل ويظعن عليها، أي: يسار، وقيل للمرأة: الظعينة.
قوله: (من عقاص شعرها)، النهاية: العقيصة: الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور، وأصل العقص: اللي وإدخال أطراف الشعر في أصوله.
قوله: (منذ نصحتك)، النهاية: معنى نصيحة الرسول ﷺ : التصديق بنبوته ورسالته، والانقياد لما أمر به ونهى عنه.
قوله: (غريرًا)، بالغين المعجمة، أي: ملصقًا، ويروى بالعين والراء المهملتين، وهو الأصح.
стр. 8400
من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئًا فصدقه وقبل عذره، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق؛ فقال: "وما يدريك يا عمر، لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم، فنزلت.
عدى"اتخذ" إلى مفعوليه، وهما ﴿عَدُوِّي﴾، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾. والعدو: فعول، من عدا؛ ك"عفو" من"عفا"؛ ولكونه على زنة المصدر أوقع على الجمع إيقاعه على الواحد.
فإن قلت: ﴿تُلْقُونَ﴾ بم يتعلق؟
قلت: يجوز أن يتعلق بـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ حالا من ضميره؛ وبـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ صف'ًله. ويجوز أن يكون استئنافًا.
فإن قلت: إذا جعلته صفةً لـ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وقد جرى على غير من هو له، فأين الضمير البارز وهو قولك: تلقون إليهم أنتم بالمودة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجوهري: العرير: الغريب في الحديث، وبالغين المعجمة: غير المجرب، والأول أصح دراية.
قوله: (لعل الله قد اطلع)، أي: علم أحوالهم في ذلك الوقت ومقادير أعمالهم وما يحصل لهم من الثواب في ذلك اليوم، بحيث يكون غافرًا معه جميع ذنوبهم التي ستوجد، لأن ذلك قطب الأمر، والمراد بقوله: "اعملوا ما شئتم": الذنوب غير المنصوص عليها.
قوله: (استئنافًا)، كأنه لما قيل: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ قالوا: كيف نتخذهم أولياء؟ فقيل: ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾.
стр. 8401
قلت: ذلك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال، لو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف لما كان بد من الضمير البارز؛ والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم، يقال: ألقى خراشي صدره، وأفضى إليه بشقوره.
والباء في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ إما زائدة مؤكدة للتعدي مثلها في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وإما ثابتة على أن مفعول ﴿تُلْقُونَ﴾ محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودة التي بينكم وبينهم.
وكذلك قوله: ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: تفضون إليهم بمودتكم سرًا، أو ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِم﴾ أسرار رسول الله بسبب المودة.
فإن قلت: ﴿وقَدْ كَفَرُوا﴾ حال مماذا؟
قلت: إما من ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وإما من ﴿تُلْقُونَ﴾ أي: لا تتولوهم، أو توادونهم وهذه حالهم. و ﴿يُخْرِجُونَ﴾ استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو حال من ﴿كَفَرُوا﴾.
و﴿أَن تُؤْمِنُوا﴾ تعليل لـ ﴿يُخْرِجُونَ﴾، أي: يخرجونكم لإيمانكم، و ﴿إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ألقى إليه خراشي صدره)، الأساس: ومن المجاز: هو يلقي من صدره خراشي منكرة، وهو النخامة والبلغم، وتقول: ألقى إلى فلان خراشي صدره؛ تريد ما اضمره من الأغمار والإحن وأنواع البث.
قوله: (وأفضى إليه بشقوره)، الجوهري: الشقور: الحاجة، يقال: أقبلته بشقوري، كما يقال: أفضيت إليه بعجري وبجري.
قوله: (أو ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِم﴾ أسرار رسول الله)، هو كقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]، وعلى الأول من باب التضمين؛ ضمن ﴿تُسِرُّونَ﴾ معنى: تفضون، وعدي تعديته.
стр. 8402
متعلق بـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾، بمعنى: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه.
و﴿تُسِرُّونَ﴾ استئناف، ومعناه: أي طائل لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون.
﴿ومَن يَفْعَلْهُ﴾ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري: (لما جاءكم) أي: كفروا لأجل ما جاءكم، بمعى: أن ما كان يجب أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببًا لكفرهم.
﴿إن يَثْقَفُوكُمْ﴾ إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً﴾
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقول النحويين في مثله: هو شرط)، إشارة إلى التفاوت بين قولهم وقوله: " ﴿إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ متعلق بـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ "يعني جوابه محذوف غير منوي، وقد جعل تتميمًا للكلام السابق ومبالغة فيه، كما قال: "لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي"، ولو قيل: إن كنتم أوليائي لا تتولوا أعدائي لم يكن بذاك، لأن الشرط في الأول كالتعليل للنهي، وهو يقتضي حصول مضمونه قبل ذلك، وفي الثاني لمجرد التعليق، يدل عليه قوله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١]: "وهو من الشرط الذي يجيء به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم كانوا أول المؤمنين".
فإن قلت: ما محله؟
قلت: هو حال من فاعل: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أي: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ والحال حال خروجكم في سبيل الله وابتغائكم مرضات الله، ألا ترى إلى قوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٠ - ١٤] على قراءة: (إن) بالكسر: "أي: لا تطع كل حلاف شارطاُ يساره، لأنه إذا أطاع كافرًا لغناه، فكأنه اشترط في الطاعة الغنى"، كيف صرح بالشرط وأبرزه في معرض الحال والتعليل.
قوله: (﴿إن يَثْقَفُوكُمْ﴾ إن يظفروا بكم)، الراغب، الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله،
стр. 8403
خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أوليا، كما أنتم ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ﴾ بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فإذن موادة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم، ونحوه قوله تعالى: ﴿لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨].
فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعًا مثله ثم قال: ﴿ووَدُّوا﴾ بلفظ الماضي؟
قلت: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتةً، كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني: أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعًا: من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومنه قيل: رجل ثقف لقف، أي: حاذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير المثاقفة، ورمح مثقف: مقوم، يقال: ثفقت كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم قال: قد يتجوز فيستعمل في الإدراك، وإن لم يكن معه ثقافة، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١].
قوله: (﴿لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا﴾، يقال: ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحًا، ولا آلوك جهدًا على التضمين، أي: لا أمنعك نصحًا ولا أنقصكه، فالمعنى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم شيئًا إلا فسادًا وشرًا، وهذا يقوي تقرير الجزاء المقدر على ما سيأتي في قوله: ﴿وَوَدُّوا﴾.
قوله: (الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع)، أي: لا فرق بين قولك: إن تكرمني أكرمك، وبين قولك: إن أكرمتني أكرمتك.
قوله: (كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم)، الراغب: الود: محبة الشيء مع تمنيه، ولما كان لهما استعمل في كل واحد منهما، فقيل: وددت فلانًا: إذا أحببته، ووددت الشيء: إذا تمنيته.
стр. 8404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال صاحب "التخليص في المعاني والبيان": في كلام صاحب "الكشاف" نظر دقيق، ولكن في جعل "ودوا" عطفًا على جواب الشرط نظر، لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارًا حاصلة، وإن لم يظفروا بهم، فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة، فالأولى أن يجعل قوله تعالى: ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ عطفًا على الجملة الشرطية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١].
قال المصنف: "عدل بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم بأنهم لا ينصرون".
وأجيب عنه بأن الذي ظننته جزاء وهو قوله تعالى: ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً﴾، أيضًا لا يصلح لذلك، لأن كونهم أعداء حاصل، سواء ظفروا أو لم يظفروا، لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ لكن المراد: إن يظفروا بكم يستوفوا منكم متمناهم الذي هو مقتضى أن يكونوا خالصي العداوة من بسط الأيدي والألسن، والرد إلى الكفر، فعطف "يبسطوا" و"ودوا" على قوله: ﴿يَكُونُوا﴾، على طريقة: أعجبني زيد وكرمه، فيكون كل من بسط الأيدي والألسن والرد إلى الكفر متمناهم لا الارتداد فقط، لكن لما كان ردهم كفارًا كان أشد متمناهم وأهم شيء عندهم، لانحسام مادة العداوة به، صرح بتمنيهم إياه، وعدل إلى لفظ الماضي؛ لبيان الأولوية والأولية.
стр. 8405
وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه.
[﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣]
﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ أي قراباتكم ﴿ولا أَوْلادُكُمْ﴾ الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماةً عليهم، ثم قال: ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ وبين أقاربكم وأولادكم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤]، فما لكم ترفضون حق الله مراعاةً لحق من يفر منكم غدًا؟ خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وتحريره: أنه تعالى لما نهى المسلمين عن اتخاذ من يعاديهم أولياء بقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وأراد أن يخبر عن مطوي سرائرهم من تمنيهم للمسلمين مضار الدنيا والدين، وانتهازهم الفرصة لتحقيق متمناهم قال: ﴿إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً﴾ كما قررناه، فظهر أن الجزاء مقدر وهذا دال عليه، وهو من إطلاق السبب على المسبب، وفي كلامه إشعار بذلك، وهو قوله: "خالصي العداوة ولا يكونوا لكم أولياء"، وعن بعضهم الواو للحال لا للعطف.
قوله: (وتتقربون إليهم محاماة عليهم)، تعريض بحاطب، وقوله: "وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا"، وإليه أشار بقوله: "خطأ رأيهم في موالاة الكفار".
قوله: (خطأ رأيهم) إلى قوله: (أولًا) و (ثانيًا)، إشارة إلى أن قوله: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ الآية، متصل بمجموع الشرط والجزاء، وكلاهما كالتعليل لقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ يعني موالاة الكفار خطأ، سواء نظرتم إلى حالكم وحالهم أو نظرتم إلى حال أقربائكم
следующие страницы →