← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

قلت: ذلك إنما اشترطوه في الأسماء دون الأفعال، لو قيل: أولياء ملقين إليهم بالمودة على الوصف لما كان بد من الضمير البارز؛ والإلقاء عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم، يقال: ألقى خراشي صدره، وأفضى إليه بشقوره. والباء في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ إما زائدة مؤكدة للتعدي مثلها في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وإما ثابتة على أن مفعول ﴿تُلْقُونَ﴾ محذوف، معناه: تلقون إليهم أخبار رسول الله بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وكذلك قوله: ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: تفضون إليهم بمودتكم سرًا، أو ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِم﴾ أسرار رسول الله بسبب المودة. فإن قلت: ﴿وقَدْ كَفَرُوا﴾ حال مماذا؟ قلت: إما من ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ وإما من ﴿تُلْقُونَ﴾ أي: لا تتولوهم، أو توادونهم وهذه حالهم. و ﴿يُخْرِجُونَ﴾ استئناف كالتفسير لكفرهم وعتوهم، أو حال من ﴿كَفَرُوا﴾. و﴿أَن تُؤْمِنُوا﴾ تعليل لـ ﴿يُخْرِجُونَ﴾، أي: يخرجونكم لإيمانكم، و ﴿إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ألقى إليه خراشي صدره)، الأساس: ومن المجاز: هو يلقي من صدره خراشي منكرة، وهو النخامة والبلغم، وتقول: ألقى إلى فلان خراشي صدره؛ تريد ما اضمره من الأغمار والإحن وأنواع البث. قوله: (وأفضى إليه بشقوره)، الجوهري: الشقور: الحاجة، يقال: أقبلته بشقوري، كما يقال: أفضيت إليه بعجري وبجري. قوله: (أو ﴿تُسِرُّونَ إلَيْهِم﴾ أسرار رسول الله)، هو كقوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]، وعلى الأول من باب التضمين؛ ضمن ﴿تُسِرُّونَ﴾ معنى: تفضون، وعدي تعديته.

стр. 8402

متعلق بـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾، بمعنى: لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي. وقول النحويين في مثله: هو شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه. و﴿تُسِرُّونَ﴾ استئناف، ومعناه: أي طائل لكم في إسراركم، وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي لا تفاوت بينهما، وأنا مطلع رسولي على ما تسرون. ﴿ومَن يَفْعَلْهُ﴾ ومن يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق والصواب. وقرأ الجحدري: (لما جاءكم) أي: كفروا لأجل ما جاءكم، بمعى: أن ما كان يجب أن يكون سبب إيمانهم جعلوه سببًا لكفرهم. ﴿إن يَثْقَفُوكُمْ﴾ إن يظفروا بكم ويتمكنوا منكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً﴾ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقول النحويين في مثله: هو شرط)، إشارة إلى التفاوت بين قولهم وقوله: " ﴿إن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ متعلق بـ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ "يعني جوابه محذوف غير منوي، وقد جعل تتميمًا للكلام السابق ومبالغة فيه، كما قال: "لا تتولوا أعدائي إن كنتم أوليائي"، ولو قيل: إن كنتم أوليائي لا تتولوا أعدائي لم يكن بذاك، لأن الشرط في الأول كالتعليل للنهي، وهو يقتضي حصول مضمونه قبل ذلك، وفي الثاني لمجرد التعليق، يدل عليه قوله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٥١]: "وهو من الشرط الذي يجيء به المدل بأمره، المتحقق لصحته، وهم كانوا متحققين أنهم كانوا أول المؤمنين". فإن قلت: ما محله؟ قلت: هو حال من فاعل: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾ أي: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ والحال حال خروجكم في سبيل الله وابتغائكم مرضات الله، ألا ترى إلى قوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٠ - ١٤] على قراءة: (إن) بالكسر: "أي: لا تطع كل حلاف شارطاُ يساره، لأنه إذا أطاع كافرًا لغناه، فكأنه اشترط في الطاعة الغنى"، كيف صرح بالشرط وأبرزه في معرض الحال والتعليل. قوله: (﴿إن يَثْقَفُوكُمْ﴾ إن يظفروا بكم)، الراغب، الثقف: الحذق في إدراك الشيء وفعله،

стр. 8403

خالصي العداوة، ولا يكونوا لكم أوليا، كما أنتم ﴿ويَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ﴾ بالقتال والشتم، وتمنوا لو ترتدون عن دينكم، فإذن موادة أمثالهم ومناصحتهم خطأ عظيم منكم ومغالطة لأنفسكم، ونحوه قوله تعالى: ﴿لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]. فإن قلت: كيف أورد جواب الشرط مضارعًا مثله ثم قال: ﴿ووَدُّوا﴾ بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع في علم الإعراب، فإن فيه نكتةً، كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم، يعني: أنهم يريدون أن يلحقوا بكم مضار الدنيا والدين جميعًا: من قتل الأنفس، وتمزيق الأعراض، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ومنه قيل: رجل ثقف لقف، أي: حاذق في إدراك الشيء وفعله، ومنه استعير المثاقفة، ورمح مثقف: مقوم، يقال: ثفقت كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر، ثم قال: قد يتجوز فيستعمل في الإدراك، وإن لم يكن معه ثقافة، قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. قوله: (﴿لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا﴾، يقال: ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدى إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحًا، ولا آلوك جهدًا على التضمين، أي: لا أمنعك نصحًا ولا أنقصكه، فالمعنى: لو خرجوا فيكم ما زادوكم شيئًا إلا فسادًا وشرًا، وهذا يقوي تقرير الجزاء المقدر على ما سيأتي في قوله: ﴿وَوَدُّوا﴾. قوله: (الماضي وإن كان يجري في باب الشرط مجرى المضارع)، أي: لا فرق بين قولك: إن تكرمني أكرمك، وبين قولك: إن أكرمتني أكرمتك. قوله: (كأنه قيل: وودوا قبل كل شيء كفركم وارتدادكم)، الراغب: الود: محبة الشيء مع تمنيه، ولما كان لهما استعمل في كل واحد منهما، فقيل: وددت فلانًا: إذا أحببته، ووددت الشيء: إذا تمنيته.

стр. 8404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال صاحب "التخليص في المعاني والبيان": في كلام صاحب "الكشاف" نظر دقيق، ولكن في جعل "ودوا" عطفًا على جواب الشرط نظر، لأن ودادتهم أن يرتدوا كفارًا حاصلة، وإن لم يظفروا بهم، فلا يكون في تقييدها بالشرط فائدة، فالأولى أن يجعل قوله تعالى: ﴿ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ عطفًا على الجملة الشرطية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]. قال المصنف: "عدل بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم بأنهم لا ينصرون". وأجيب عنه بأن الذي ظننته جزاء وهو قوله تعالى: ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً﴾، أيضًا لا يصلح لذلك، لأن كونهم أعداء حاصل، سواء ظفروا أو لم يظفروا، لقوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ لكن المراد: إن يظفروا بكم يستوفوا منكم متمناهم الذي هو مقتضى أن يكونوا خالصي العداوة من بسط الأيدي والألسن، والرد إلى الكفر، فعطف "يبسطوا" و"ودوا" على قوله: ﴿يَكُونُوا﴾، على طريقة: أعجبني زيد وكرمه، فيكون كل من بسط الأيدي والألسن والرد إلى الكفر متمناهم لا الارتداد فقط، لكن لما كان ردهم كفارًا كان أشد متمناهم وأهم شيء عندهم، لانحسام مادة العداوة به، صرح بتمنيهم إياه، وعدل إلى لفظ الماضي؛ لبيان الأولوية والأولية.

стр. 8405

وردكم كفارًا أسبق المضار عندهم وأولها؛ لعلمهم أن الدين أعز عليكم من أرواحكم، لأنكم بذالون لها دونه، والعدو أهم شيء عنده أن يقصد أعز شيء عند صاحبه. [﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣] ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ أي قراباتكم ﴿ولا أَوْلادُكُمْ﴾ الذين توالون الكفار من أجلهم وتتقربون إليهم محاماةً عليهم، ثم قال: ﴿يَوْمَ القِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ وبين أقاربكم وأولادكم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ الآية [عبس: ٣٤]، فما لكم ترفضون حق الله مراعاةً لحق من يفر منكم غدًا؟ خطأ رأيهم في موالاة الكفار بما يرجع إلى حال ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وتحريره: أنه تعالى لما نهى المسلمين عن اتخاذ من يعاديهم أولياء بقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وأراد أن يخبر عن مطوي سرائرهم من تمنيهم للمسلمين مضار الدنيا والدين، وانتهازهم الفرصة لتحقيق متمناهم قال: ﴿إن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً﴾ كما قررناه، فظهر أن الجزاء مقدر وهذا دال عليه، وهو من إطلاق السبب على المسبب، وفي كلامه إشعار بذلك، وهو قوله: "خالصي العداوة ولا يكونوا لكم أولياء"، وعن بعضهم الواو للحال لا للعطف. قوله: (وتتقربون إليهم محاماة عليهم)، تعريض بحاطب، وقوله: "وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم غيري، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا"، وإليه أشار بقوله: "خطأ رأيهم في موالاة الكفار". قوله: (خطأ رأيهم) إلى قوله: (أولًا) و (ثانيًا)، إشارة إلى أن قوله: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ الآية، متصل بمجموع الشرط والجزاء، وكلاهما كالتعليل لقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾ يعني موالاة الكفار خطأ، سواء نظرتم إلى حالكم وحالهم أو نظرتم إلى حال أقربائكم

стр. 8406

من والوه أولًا، ثم بما يرجع إلى حال من اقتضى تلك الموالاة ثانيًا؛ ليريهم أن ما أقدموا عليه من أي جهة نظرت فيه وجدته باطلًا. قرئ: (يفصل) و (يفصل)، على البناء للمفعول. و ﴿يَفْصِلُ﴾ و (يُفصِّل)، على البناء للفاعل، وهو الله ، و (نفصل) و (نفصل) بالنون. [﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ومَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ٤ - ٥] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وأولادكم التي اقتضت تلك الموالاة، فهو من باب التقسيم الحاضر، وإليه أشار بقوله: "إن ما أقدموا عليه من أي جهة نظرت فيه وجدته باطلًا". قوله: (بما يرجع)، الباء تتعلق بـ"خطأ"، أي: أن الله قال أولًا: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وبين أن مرجع موالاتهم أنهم إن ظفروا بكم وتمكنوا منكم، يكونوا لكم أعداء خالصي العداوة … إلخ، ثم أتبعه قوله: ﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾، وبين أن مرجع حال قراباتهم وأولادهم الذين يوالون الكفار من أجلهم أنهم لا ينفعونهم يوم القيامة ويفرون منهم. قوله: (قرئ: "يفصل" و"يفصل")، قرأ عاصم: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة، وابن عامر: بضم الياء وفتح الفاء والصاد مشددة، وحمزة والكسائي: كذلك، إلا أنهما كسرا الصاد، والباقون: بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد مخففة، والقراءتان اللتان بالنون شاذتان، ذكرهما الزجاج.

стр. 8407

قرئ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ و (أسوة) وهو اسم المؤتسى به، أي: كان فيهم مذهب حسن مرضي بأن يؤتسى به ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال أبو علي: يذهب أبو الحسن في هذا النحو إلى أن الظرف أقيم مقام الفاعل، وترك على الفتح الذي كان يجري عليه في الكلام منصوبًا، وكذلك يجيء على قياس قوله: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، قال أبو علي: هو على قوله مفتوح، والموضع موضع رفع. قوله: (قرئ: ﴿أُسْوَةٌ﴾ و"إسوة")، بضم الهمزة: عاصم، والباقون: بكسرها. قوله: (وهو اسم المؤتسى به)، روي عن المصنف أنه قال: القدوة والأسوة لكل واحد منهما معنيان؛ أحدهما: الاقتداء والائتساء وهو الأصل، والثاني: المقتدى به والمؤتسى به، والآية تحتمل الأمرين. قوله: (أي: كان فيهم مذهب حسن مرضي)، أي: كان في إبراهيم ومن معه مذهب حسن، قال المصنف: هو كقوله: وفي الرحمن للضعفاء كاف وفي البيضة عشرة أمناء حديد. قلت: هو من باب التجريد، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] جرد من إبراهيم ﵇ ومن معه من يؤتسى به، وهم المؤتسى به. قوله: (وقشروا لهم العصا)، قال الميداني: يضرب في خلوص الود، أي: أظهرت له ما كان في نفسي، ويقال: اقشر له العصا، أي: كاشفه وأظهر له العداوة.

стр. 8408

وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا كفرهم بالله؛ وما دام هذا السبب قائمًا كانت العداوة قائمةً، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده انقلبت العداوة موالاةً، والبغضاء محبةً، والمقت مقةً، فأصبحوا عن محض الإخلاص. ومعنى ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ وبما تعبدون من دون الله: أنا لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شيء. فإن قلت: مم استثني قوله: ﴿إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ﴾؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم ليس إلا بكفرهم بالله)، وهو نظير ما سبق من قولنا: "لما كان ردهم كفارًا أشد متمناهم، وأهم شيء عندهم لانحسام مادة العداوة به"، وفيه إيماء إلى قصة الخليل، والتحريض على الائتساء به وإنما جيء بها بيانًا للمكافأة وانتهازًا للفرصة قبل فرصة الكفار، يعني: إذا كان عداوتهم والضرب والقتل والشتم لأجل أنكم تركتم دينهم وآمنتم بالله، وأنهم إنما يعادونكم لأجل ذلك، وهم مترصدون إظهار كل ذلك، وأهم من ذلك ردكم كفارًا لانحسام مادة العداوة به، فاستبقوا أنتم واقتدوا بخليل الله، فكاشفوهم بالعداوة وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتنا أيضًا ليس إلا كفركم بالله، وما دام هذا السبب قائمًا كانت العداوة قائمة، حتى إن أزلتموه انقلبت العداوة موالاة. قوله: (مقة)، الجوهري: المقة: المحبة، والهاء عوض من الواو، وقد ومقه يمقه بالكسر فيهما، أي: أحبه، فهو وامق. قوله: (إنا لا نعتد بشأنكم)، يريد أنه تعالى أوقع كفرنا على الكفار وعلى معبوديهم، والثاني ظاهر، نحوه قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، والأول مجاز فينبغي أن يعبر بالكفر

стр. 8409

قلت: من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، لأنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ويتخذوه سنةً يستنون بها. فإن قلت: فإن كان قوله ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ مستثنىً من القول الذي هو أسوة حسنة، فما بال قوله: ﴿ومَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ وهو غير حقيق بالاستثناء؟ ! ألا ترى إلى قوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ١٧]؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن معنى يجمع المعنيين، ولا يلزم إرادة الحقيقة والمجاز معًا من لفظ واحد، وذلك هو الاعتداد؛ لاستلزام الكفر بالشيء عدم الاعتداد به. قوله: (من قوله: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، لأنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم)، والظاهر أنه استثناء منقطع من "قوم"، لاختلاف القولين، قال في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آَلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٨ - ٥٩]: "استثناء منقطع من ﴿قَوْمِ﴾؛ لأن القوم موصوفون بالإجرام، فاختلف لذلك الجنسان". قال أبو البقاء: ﴿إلاَّ قَوْلَ﴾، هو استثناء من غير الجنس، أي: لا تأتسوا به في استغفار الكفار. قال صاحب"التيسير": الاستثناء منقطع، وتقديره: لكن ﴿قَوْلَ إبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآية، كان لموعدة وعدها إياه، فظن أنه قد أنجزها، فلما تبين إصراره تبرأ منه، ولا يحل لكم ذلك مع عملكم، وتحقيق القول فيه سبق في سورة مريم. وقال محيي السنة: لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره، إلا في استغفاره لأبيه المشرك، فعلى هذا الاستثناء متصل. قوله: (وهو غير حقيق بالاستثناء)، لأن الاقتداء في هذا القول حسن، ألا ترى إلى

стр. 8410

قلت: أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد: إلى موعد الاستغفار له، وما بعده مبني عليه وتابع له، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلا الاستغفار. فإن قلت: بم اتصل قوله: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾؟ قلت: بما قبل الاستثناء، وهو من جملة الأسوة الحسنة. ويجوز أن يكون المعنى: قولوا: ربنا، أمرًا من الله تعالى للمؤمنين بأن يقولوه، وتعليمًا منه لهم، تتميمًا لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار، والائتساء بإبراهيم وقومه في البراءة منهم، وتنبيهًا على الإنابة إلى الله والاستعاذة به من فتنة أهل الكفر، والاستغفار مما فرط منهم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١]. قوله: (أراد استثناء جملة قوله لأبيه، والقصد: إلى موعد الاستغفار)، يعني: أن الاستثناء مجموع الكلام، لكن بعضه مقصود بالذات، والبعض الآخر تابع له، فيكون: ﴿ومَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ حالًا وتتميمًا لقوله: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وما عليه من بذل الوسع في الاستغفار، ومن ثم جيء بها قسمية. قوله: (بما قبل الاستثناء)، وذلك أنهم لما خاطبوا القوم بقولهم: ﴿وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ ونبهوهم على إظهار العداوة، وقشروا لهم العصا لأجل الدين التجؤوا إلى الله تعالى من كيدهم ومكرهم، وأنابوا إليه واستعاذوا من فتنتهم، وحين بولغ في التوصية بالتأسي بهم ذكر خصلة واحدة يجب الاجتناب عنها، فأورد في خلال الكلام اهتمامًا، وبهذا ظهر وجه قول محيي السنة ﵀: لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في استغفاره لأبيه، وهذا الاستثناء على حد قول السيد الحميري:

стр. 8411

وقرئ: ﴿بُرَآءُ﴾ كـ (شركاء)، و (براء) كـ (ظراف)، و (براء) على إبدال الضم من الكسر، كرخال ورباب. و (براء) على الوصف بالمصدر، والبراء والبراءة كالظماء والظماءة. [﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ٦] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لو خير المنبر فرسانه .... ما اختار إلا منكم فارسا قال صاحب "المفتاح": هذا التقديم والتأخير لما استلزم قصر الصفة قبل تمامها على الموصوف، قل دوره في الاستعمال. وعلى أن يكون: ﴿رَّبَنَا﴾ أمرًا للمؤمنين، يكون متصلًا بمفتتح السورة، وذلك أنه تعالى لما حذر المؤمنين من موالاة أعدائه وأعدائهم، ونسب من يفعل مثل فعلهم إلى الضلالة، وخطأ رأيهم بموالاتهم من جميع الجهات، وهددهم بقوله: ﴿واللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وأراد أن يرشدهم إلى تحري الصواب، والتهدي إلى الطريق القويم قال أولًا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلاَّ قَوْلَ إبْرَاهِيمَ﴾ أي: كافحوا الكفار مكافحة خليل الله والذين معه حيث كاشفوهم بالعداوة، وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء بدل المولاة والمصافاة، وثانيًا: ﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾، أي: اعتذروا إلى الله بإبدال التوكل على الكفار بالتوكل على العزيز الجبار، وبالإبانة إليه في كل حال، والاستعاذة من فتنة أعداء الدين والاستغفار مما فرط منهم من الموالاة. قوله: (وقرئ: ﴿بُرَآءُ﴾ كـ"شركاء") وهي المشهورة، والبواقي شواذ. قال الزجاج: ﴿بُرَآءُ﴾: على فعلاء، مثل ظريف وظرفاء، ومن قرأ "براء" بالمد، فهو كظريف وظراف، ومن قرأ "براء": أبدل الضمة من الكسرة، كرخل ورخال بضم الراء، وقال

стр. 8412

ثم كرر الحث على الائتساء بإبراهيم وقومه تقريرًا وتأكيدًا عليهم، ولذلك جاء به مصدرًا بالقسم؛ لأنه الغاية في التأكيد، وأبدل عن قوله: ﴿لَكُمْ﴾ قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ﴾ وعقبه بقوله: ﴿ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ فلم يترك نوعًا من التأكيد إلا جاء به. [﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً واللَّهُ قَدِيرٌ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٧] ولما نزلت هذه الآيات تشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأبنائهم وجميع أقربائهم من المشركين ومقاطعتهم، فلما رأى الله منهم الجد والصبر على الوجه الشديد، وطول التمني للسبب الذي يبيح لهم الموالاة والمواصلة، رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوه، فلما يسر فتح مكة أظفرهم الله بأمنيتهم، فأسلم قومهم وتم بينهم من التحاب والتصافي ما تم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعضهم: رخال بضم الراء، ويجوز "براء" بفتح الباء، لأنهم يقولون: أنا البراء منك، ويقول الاثنان والثلاثة والمرأة: نحن البراء منك. قوله: (ثم كرر الحث على الائتسام بإبراهيم ﵇ وقومه تكريرًا وتأكيدًا)، ظاهره أن إرادة التكرير لمجرد التأكيد، وذهب الراغب إلى أن التكرير لإناطة معنى زائد حيث قال: إن الإسلام بني أوله على التبرؤ من الآلهة وعبادتها، ومن الأصنام وعبدتها، ألا ترى إلى قول من يشهد بالتوحيد أنه ينفي الآلهة أولًا بقوله: "لا إله" ويثبت ثانيًا بقوله: "إلا الله" الواحد، الذي يحق له العبادة، فقال في "الأسوة" الأولى المتعلقة بالبراءة من الكفار ومن فعلهم: ﴿إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وأنهم يعادونهم إلى أن يؤمنوا، فهذه الأسوة تفصل المؤمن من الكافر، ليتميز عنه في الظاهر، ويتبرأ من صداقته ويتحقق بعداوته.

стр. 8413

وقيل: تزوج رسول الله ﷺ أم حبيبة، فلانت عند ذلك عريكة أبي سفيان، واسترخت شكيمته في العداوة، وكانت أم حبيبة قد أسلمت وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصر وأرادها على النصرانية، فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها، فبعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي فخطبها عليه، وساق عنه إليها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والثانية معناها: ائتسوا بهم لتنالوا من ثوابهم، وتنقلبوا إلى الآخرة كانقلابهم مبشرين بالجنة غير خائفين. وقلت: إنه تعالى لما سلى المسلمين في قطع موالاة أقربائهم الكفار بالائتساء بإبراهيم والذين معه، واستثنى منه استغفاره لأبيه لما لم يظهر له أمارة أو نص من الله بالبراء الكلية منه، كما ظهر للمسلمين، بقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ كما سبق تقريره في سورة مريم، كرر الائتساء به وتركه مطلقًا ليكون صالحًا لجميع ما يجب أن يؤتسى به، يشهد له قوله: ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ بخلافه في الأول حيث أبدل من المؤتسى فيه قوله: ﴿إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ﴾، ليكون تعميمًا بعد تخصيص، وهنا أبدل ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ والْيَوْمَ الآخِرَ﴾ من ﴿لَكُمْ﴾، ليكون مزيد نعت وتحريض على الائتساء به، فحصل من ذلك التأكيد والتقرير مع الشمول والعموم والله أعلم. قوله: (لانت … عريكة أبي سفيان)، النهاية: العريكة: الطبيعة، يقال: فلان لين العريكة: إذا كان سلسًا مطواعًا قليل الخلاف، وفيه، فلان شديد الشكيمة: إذا كان عزيز النفس، أبيا قويًا، وأصله من شكيمة اللجام، فإن قوتها تدل على قوة الفرس. قوله: (وأرادها على النصرانية): الأساس: أراده على الأمر: حمله عليه. قوله: (فخطبها عليه)، هذا ليس من قوله: "نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه"

стр. 8414

مهرها أربع مئة دينار، وبلغ ذلك أباها فقال: ذلك الفحل لا يقدع أنفه. و﴿عَسَى﴾ وعد من الله، على عادات الملوك حيث يقولون في بعض الحوائج: عسى أو لعل، فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك، أو قصد به إطماع المؤمنين، ﴿واللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لمن أسلم من المشركين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وهو أن يخطب الرجل المرأة فتركن إليه ويتفقا على صداق معلوم ويتراضيا ولم يبق إلا العقد، بل من باب التضمين، إذ المعنى: بعث رسول الله ﷺ إلى النجاشي يطلب أن يباشر عقدها على رسول الله ﷺ خاطبًا له إياها، يدل عليه قوله: "ساق عنه"- أي: ساق النجاشي عن رسول الله ﷺ إلى أم حبيبة مئة دينار. قال صاحب "الجامع": وقد اختلف في وقت نكاح رسول الله ﷺ ، إياها، وموضع العقد، وقيل: إنه عقد عليها بأرض الحبشة سنة ست، وزوجها منه النجاشي وأمهرها أربع مئة دينار، وقيل: أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث النبي ﷺ شرحبيل بن حسنة فجاء بها إليه، ودخل بها بالمدينة. قوله: (ذلك الفحل لا يقدع أنفه)، النهاية: يقال: فدعت الفحل وهو أن يكون غير كريم، فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح وغيره ليرتدع وينكف، ويروى بالراء. ومنه حديث زواجه صلوات عليه، قال ورقة بن نوفل: محمد يخطب خديجة، هو الفحل لا يقدع أنفه.

стр. 8415

[﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٨ - ٩] ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ بدل من ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾، وكذلك ﴿أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ من ﴿الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ﴾، والمعنى: لا ينهاكم عن مبرة هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء، وهذا أيضًا رحمة لهم لتشددهم وجدهم في العداوة متقدمة لرحمته بتيسير إسلام قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من ديارهم. وقيل: أراد بهم خزاعة وكانوا صالحوا رسول الله ﷺ على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه. وعن مجاهد: هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا. وقيل: هم النساء والصبيان. وقيل: قدمت على أسماء بنت أبي بكر أمها قتيلة بنت عبد العزى وهي مشركة بهدايا، فلم تقبلها ولم تأذن لها في الدخول، فنزلت، فأمرها رسول الله ﷺ أن تدخلها وتقبل منها، وتكرمها وتحسن إليها، وعن قتادة: نسختها آية القتال. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الميداني: القدع: الكف، يضرب للشريف الذي لا يرد عن مصاهرة ومواصلة. قوله: (متقدمة لرحمته)، إما خبر بعد خبر لقوله: "وهذا أيضًا رحمة"، أو صفة لـ"رحمة"، يعني قوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ﴾ رحمة من الله للعالمين متقدمة على ما وعدهم الله تعالى من تيسير إسلام قومهم بقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً﴾ قال فيه: "فلما رأى الله منهم الجد والصبر وطول التمني للسبب الذي يتيح لهم الموالاة، رحمهم فوعدهم تيسير ما تمنوه". قوله: (قدمت على أسماء بن أبي بكر)، ﵄، عن البخاري ومسلم وأبي داود

стр. 8416

﴿وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ وتفضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، وناهيك بتوصية الله المؤمنين أن يستعلموا القسط مع المشركين به ويتحاموا ظلمهم، مترجمةً عن حال مسلم يجترئ على ظلم أخيه المسلم. [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وإن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ ١٠ - ١١] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ ، قلت: قدمت على أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: "نعم صلي أمك". زاد في رواية عن البخاري ومسلم: فأنزل الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ﴾ الآية. قوله: (وتفضوا إليهم بالقسط)، يريد أن "تقسطوا إليهم" متضمن معنى الإفضاء، وعدي تعديته. قوله: (مترجمة)، نصب تمييزًا، أي: ناهيك بتوصية الله مترجمة، يعني قوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ ثم تذييله بقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ حسبك وكافيك تنبيهًا على قبح صنيع من يجترئ على ظلم أخيه المسلم.

стр. 8417

﴿إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ﴾ سماهن مؤمنات لتصديقهن بألسنتهن ونطقهن بكلمة الشهادة ولم يظهر منهن ما ينافي ذلك، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فابتلوهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على ظنونكم صدق إيمانهن. وكان رسول الله ﷺ يقول للممتحنة: "بالله الذي لا إله إلا هو، ما خرجت من بغض زوج؟ بالله ما خرجت رغبةً عن أرض إلى أرض؟ بالله ما خرجت التماس دنيا؟ بالله ما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله؟ ". ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ﴾ منكم لأنكم لا تكسبون فيه علمًا تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به، ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ العلم الذي تبلغه طاقتكم وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾ فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين؛ لأنه لا حل بين المؤمنة والمشرك. ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور. وذلك أن صلح الحديبية كان على: أن من أتاكم من أهل مكة رد إليهم، ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم؛ وكتبوا بذلك كتابًا وختموه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولم يظهر)، قيل: يجوز أن يكون حالًا من فاعل "تصديقهن"، وأن يكون عطفًا على "تصديقهن". قوله: (لأنه لا حل بين المؤمنة والمشرك)، الانتصاف: يستدل بهذه الآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع لأن الضمير الأول للمؤمنات، والثاني للكفار، وفر الزمخشري من ذلك لأن أبا حنيفة ﵁ لا يرى حملها على نفي الحل بين المؤمنة والكافر، حتى لا يتمحض نسبة الحرمة لكافر، ولا مخلص له، فإن الحل لابد أن يضاف إلى فعل أحدهما أو كليهما، فإن تعلق بكل واحد منهما حصل المقصود، وتعليقه بفعل المرأة دون فعل الرجل يخالف الآية، فإنها صرحت بنفي الحل من الجهتين فكان يكفي: ﴿ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. والحق أن كل واحد من فعلي المؤمنة والكافر ينتفي عنه الحل، أما فعل المؤمنة فتعلق به الحرمة لأنها مخاطبة، وأما

стр. 8418

فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمةً والنبي ﷺ بالحديبية، فأقبل زوجها مسافر المخزومي- وقيل: صيفي بن الراهب- فقال: يا محمد، اردد علي امرأتي، فإنك قد شرطت لنا ترد علينا من أتاك منا، وهذه طينة الكتاب لم تجف، فنزلت، بيانًا لأن الشرط إنما كان في الرجال دون النساء. وعن الضحاك: كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين عهد: أن لا تأتيك منا امرأة ليست على دينك إلا رددتها إلينا، فإن دخلت في دينك ولها زوج أن ترد على زوجها الذي أنفق عليها، وللنبي ﷺ من الشرط مثل ذلك. وعن قتادة: ثم نسخ هذا الحكم وهذا العهد ﴿بَرَاءَةٌ﴾، فاستحلفها رسول الله ﷺ فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر. فإن قلت: كيف سمى الظن علمًا في قوله: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾؟ قلت: إيذانًا بأن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جار مجرى العلم، وأن صاحبه غير داخل في قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فعل الكافر- وهو الوطء مثلًا- فمنفي الحل باعتبار أن هذا الوطء مشتمل على المفسدة فليس الكفار مورد الخطاب، لكن الأئمة أو من قام مقامهم مخاطبون أن يمنعوا هذا الفعل من الوقوع، لكن المخاطب في حق المؤمنة هي، وفي حق الكافر الأئمة، والكافر إذا أظهر الفساد بين المسلمين وجب منعه، لأن الشرع أمر بإخلاء الوجود من المفاسد. وقلت: تحرير ما قال: إن قوله: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، دل بمفهومه أنه لا حل بين المؤمنة والمشرك، فأخذ المصنف به وترك دلالة منطوقة ولا ينفعه ذلك؛ لأن الذهاب إلى دلالة المنطوق أظهر، وإليه أومأ بقوله: "ولا مخلص له"، إلى آخره.

стр. 8419

فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ﴾ وذلك معلوم لا شبهة فيه؟ قلت: فائدته بيان أن لا سبيل لكم إلى ما تطمئن به النفس ويثلج به الصدر من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، فإن ذلك مما استأثر به علام الغيوب، وأن ما يؤدي إليه الامتحان من العلم كاف في ذلك، وأن تكليفكم لا يعدوه. ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات إا آتوهن أجورهن- أي مهورهن-، لأن المهر أجر البضع، ولا يخلو إما أن يراد بها ما كان يدفع إليهن، ليدفعنه إلى أزواجهن فيشترط في إباحة تزوجهن تقديم أدائه، وإما أن يراد أن ذلك إذا دفع إليهن على سبيل القرض، ثم تزوجن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فإن قلت: ما فائدة التغيير بين الجملتين من جعل المسند في الأولى صفة مشبهة، وفي الثانية مضارعًا. قلت: أسند ﴿حِلٌّ﴾ وهو صفة مشبهة إلى ضمير ﴿المُؤْمِنَاتُ﴾ إعلامًا بأن هذا الحكم ثابت فيهن، لا يجوز فيه الإخلال والتغيير من جانبهن، وأسند ﴿يَحِلُّونَ﴾ وهو مضارع إلى ضمير ﴿الكُفَّارِ﴾ إيذانًا بأن هذا الحكم مستمر الامتناع في الأزمنة المستقبلة، لكن قابل للتغيير باستبدال الهدى بالضلال، ونظير هذا الاستمرار ما في قوله تعالى: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فأنه فسر. بقوله: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ثم في كل من الجملتين حكم إعرابي وحكم شرعي؛ ففي الأولى حكم بنفي الحل على المؤمنات وحظر على الكافرين نكاح المؤمنات كما تقول: لا تحل لزيد أكل مال الغير غصبًا، وظهر منه أن الكفار مكلفون بهذا الحكم، وتقرير الجملة الثانية بالعكس من ذلك. قوله: (ولا يخلو إما أن يراد بها)، وإنما نشأت الوجوه الثلاثة من تعليق رفع الجناح بإيتاء أجورهن، وتفسير الأجور؛ أي: لابد من تقدم إيتاء الأجور على عقد النكاح، فإذا فسرت

стр. 8420

على ذلك لم يكن به بأس، وإما أن يبين لهم أن ما أعطي أزواجهن لا يقوم مقام المهر وأنه لا بد من إصداق. وبه احتج أبو حنيفة على أن أحد الزوجين إذا خرج من دار الحرب مسلمًا أو بذمة وبقي الآخر حربيًا وقعت الفرقة، ولا يرى العدة على المهاجرة ويبيح نكاحها إلا أن تكون حاملًا. ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ والعصمة ما يعتصم به عقد وسبب، يعني: إياكم وإياهن، ولا يكن بينكم وبينهن عصمة ولا علقةً زوجية. قال ابن عباس: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها من نسائه، لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأجور بالمهور التي من جانب المسلمين، فيشترط سوق المهر قبل العقد ليدفعنه إلى أزواجهن الكفار، وإذا فسرت الأجور من جهة الأزواج الكفار، فهو إما أن يحمل ما أعطي أزواجهن على الفرض، ليكون بدلًا عن أجورهن بعد العقد، وإليه أشار بقوله: "ثم يتزوجن على ذلك"، وإما أن يحمل على الهبة قيلزم المسلم بعد العقد مهرها، وإليه أشار بقوله: "وأنه لابد من إصداق". قوله: (وقعت الفرقة)، قيل: عند الشافعي ﵁ لا تقع الفرقة إلا بإسلامها، وأما بمجرد الخروج فلا، فإن أسلمت قبل الدخول تنجزت الفرقة، وبعد الدخول توقفت إلى انقضاء العدة، وليس في الآية دلالة على مذهب أبي حنيفة ﵁ لأنها مقيدة بالإيمان. قوله: (فلا يعتدن بها من نسائه)، قيل: عند الشافعي ذلك لأنها كافرة من غير أهل الكتاب أو مرتدة.

стр. 8421

وعن النخعي: هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر. وعن مجاهد: أمرهم بطلاق الباقيات مع الكفار ومفارقتهن ﴿واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ﴾ من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفر ﴿ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ من مهور نسائهم المهاجرات. وقرئ: ﴿ولا تُمْسِكُوا﴾ بالتخفيف، و (لا تمسكوا) بالتثقيل، ولا تمسكوا، أي: ولا تتمسكوا ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ يعني جميع ما ذكر في هذه الآية ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ كلام مستأنف، أو حال من ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ على حذف الضمير، أي: يحكمه الله، أو جعل الحكم حاكمًا على المبالغة. روي أنها لما نزلت هذه الآية أدى المؤمنون ما أمروا به من أداء مهور المهاجرات إلى أزواجهن المشركين، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئًا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزل قوله: ﴿وإن فَاتَكُمْ﴾ وإن سبقكم وانفلت منكم ﴿شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ أحد منهن ﴿إلَى الكُفَّارِ﴾، وهو في قراءة ابن مسعود: أحد. فإن قلت: هل لإيقاع ﴿شَيْءٌ﴾ في هذا الموقع فائدة؟ قلت: نعم، الفائدة فيه: أن لا يغادر شيء من هذا الجنس وإن قل وحقر، غير معوض منه تغليظًا في هذا الحكم وتشديدًا فيه. ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: من العقبة وهي النوبة. شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارةً، وأولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (﴿وَلا تُمْسِكُوا﴾ بالتخفيف)، أبو عمرو: بالتشديد، والباقون: بالتخفيف. قوله: (فنزل قوله: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ﴾)، وفي "المطلع": قال ابن زيد: خرجت امرأة من المسلمين إلى المشركين وأتت امرأة من المشركين فقال القوم: هذه عقبتكم قد أتتكم فنزلت.

стр. 8422

ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر، ﴿فَآتُوا﴾ من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا تؤتوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري: يعطى من صداق من لحق بهم. وقرئ: (فأعقبتم)، (فعقبتم) بالتشديد، (فعقبتم) بالتخفيف _ بفتح القاف وكسرها-، فمعنى (أعقبتم): دخلتم في العقبة، و (عقبتم) من عقبه: إذا قفاه، لأن كل واحد من المتعاقبين يقفي صاحبه، وكذلك (عقبتم) بالتخفيف، يقال: عقبه يعقبه. وعقبتم نحو تبعتم. وقال الزجاج: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، والذي ذهبت زوجته كان يعطى من الغنيمة المهر، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (من فاتته امرأته)، قيل: يعني فاتت امرأة مسلم إلى الكفار ولم يعط الكفار مهرها، فإذا فاتت امرأة كافر إلى المسلمين؛ أي: هاجرت إليهم، وجب على المسلمين أن يعطوا المسلم الذي فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهر زوجها الفائتة من مهر هذه المهاجرة، ليكون كالعوض لمهر زوجه الفائته إلى الكفار، ولا يجوز أن يعطى مهر هذه المهاجرة زوجها الكافر. قوله: (ولا تؤتوه زوجها الكافر)، وفي "المطلع": ليكون قصاصًا، ولهذا قال مجاهد: معنى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: اقتصصتم. قوله: (وقرئ: "فأعقبتم")، قال ابن جني: "فعقبتم": قراءة الأعرج، "فعقبتم" خفيفة: قراءة النخعي والزهري، "فعقبتم" بكسر القاف: قراءة مسروق، وقراءة العامة: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾. قال قطرب: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم عقبًا منهن، يقال: عاقب الرجل شيئًا: إذا أخذ شيئًا، وقرأ مجاهد: "فأعقبتم"، ومعناه: صنعتم بهم مثل ما صنعوا بكم. وعن الأعمش: عقبتم: غنمتم.

стр. 8423

وفسر غيرها من القراءات: فكانت العقبى لكم، أي: فكانت الغلبة لكم حتى غنمتم. وقيل: جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية كانت تحت عمر بن الخطاب وهي أخت أم سلمة، وبروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة وزوجها عمرو بن عبد ود، وهند بنت أبي جهل كانت تحت هشام بن العاص، وكلثوم بنت جرول كانت تحت عمر، فأعطاهم رسول الله ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة. [﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ ولا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ واسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١٢] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وفسر غيرها)، أي: وفسر الزجاج غير القراءة المشهورة- وهي "عاقبتم"- من القراءات الشواذ بقوله: فكانت العقبى لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم. وقلت: والزجاج لما عدد القراءات قال: وجاء في التفسير: فغنمتم وتأويله في اللغة: فكانت العقبى لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم، يعني أن المفسرين أرادوا بتفسيرهم "فعقبتم" بقولهم: فغنمتم من عدوكم: أنه من إقامة السبب مقام المسبب، لأن الغنيمة إنما هي مسببة من غلبة المسلمين، فكأنه قيل: إن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فغنمتم من عدوكم شيئًا، فأعطوا الأزواج من تلك الغنيمة ما أنفقوا عليهن، وقال أيضًا: معنى ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم. أي: إن مضت امرأة منكم إلى الكفار فأتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا في مهورهن، والذي ذهبت زوجته كان يعطى

стр. 8424

﴿ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ وقرئ: (يقتلن)، بالتشديد، يريد: وأد البنات ﴿ولا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ﴾ كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هو ولدي منك، كني بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن الولد الذي تلصقه بزوجها كذبًا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين. ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ فيما تأمرهن به من المحسنات وتنهاهن عنه من المقبحات. وقيل: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ من الغنيمة المهر، ولا ينقص من حقه شيء، قال ابن جني: روينا عن قطرب أنه قال: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم عقبًا منهن، يقال: عاقب الرجل شيئًا: إذا أخذ شيئًا. قوله: (لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين)، ويمكن أن يقال إنما كنى عن الولد الدعي بقوله: ﴿بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وأَرْجُلِهِنَّ﴾ لأن اللواتي كن يظهرن البطون لأزواجهن في بدء الحال، إنما فعلن ذلك امتنانًا عليهم، وكن يبدين في ثاني الحال عند الطلق حتى يضعن الحمل بين أرجلهن أنهن ولدن لهم، فنهين عن ذلك، أي: فلا يفعلن ذلك، فإن ذلك من شعائر الجاهلية الأولى، وهو مناف لشيمة المسلمات المؤمنات تصويرًا لتينك الحالتين، وتهجينًا لما كن يفعلنه. روى الواحدي عن ابن عباس ﵄: لا تلحق بزوجها ولدًا ليس منه. قال الفراء: كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن. وذلك أن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها، وليس المعنى على نهيهن من أن يأتين بولد من الزنى فتنسبه إلى الأزواج، لأن الزنى نفي بقوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾.

стр. 8425

فإن قلت: لو اقتصر على قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ﴾ فقد علم أن رسول الله ﷺ لا يأمر إلا بمعروف؟ قلت: نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب. وروي أن رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء وهو على الصفا وعمر بن الخطاب ﵁ أسفل منه، يبايعهن بأمره ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متقنعة متنكرة خوفًا من رسول الله ﷺ أن يعرفها، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: " أبايعكن على أن لا تشركين بالله شيئًا" فرفعت هند رأسها وقالت: والله لقد عبدنا الأصنام وإنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيناك أخذته على الرجال، تبايع الرجال على الإسلام والجهاد، فقال ﵊: ﴿ولا يَسْرِقْنَ﴾، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات، فما أدري، أتحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي)، يعني: إذا قيد معصية الرسول ﷺ بالمعروف مع جلالة قدره وعلو منزلته، وأنه لا يأمر إلا بالمعروف، فما ظنك بطاعة غيره في المعصية؟ ! قال الزجاج: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قيل: في النوح وتمزيق الثياب وخمس الوجوه ومحادثة الرجال، والجملة أن المعنى: لا يعصينك في جميع ما تأمرهن بالمعروف. قوله: (وإنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيناك أخذته على الرجال)، أنكرت أمر الشرك، يعني تقول للرجال: تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون، وتقول لنا: على أن لا تشركن بالله شيئًا،

стр. 8426

فضحك رسول الله ﷺ وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف- يا نبي الله- عفا الله عنك، فقال: ﴿ولا يَزْنِينَ﴾، فقالت: أو تزني الحرة؟ ! وفي رواية: ما زنت منهن امرأة قط، فقال ﵊: ﴿ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ فقالت: ربيناهم صغارًا وقتلتهم كبارًا فأنتم وهم أعلم. وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر! فضحك عمر حتى استلقى، وتبسم رسول الله ﷺ فقال: ﴿ولا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ فقالت: والله إن البهتان لأمر قبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ فقالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. وقيل في كيفية المبايعة: دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده، ثم غمسن أيديهن. وقيل: صافحهن وكان على يده ثوب قطري. وقيل: كان عمر يصافحهن عنه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أي: الرجال والنساء عبدوا الأصنام، ثم تعيرنا بالشرك، ولا تعير الرجال. قوله: (وقيل في كيفية المبايعة)، والصحيح ما رويناه عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه عن عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: ﴿لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ﴾ وما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة لا يملكها. قوله: (ثوب قطري)، النهاية: قطوى بالواو، وهو ضرب من البرود فيها حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة، وقيل: هي حلل جياد تحمل من قبل البحرين. وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها "قطر" بالراء، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها فكسروا القاف للنسبة وخففوا.

стр. 8427

[﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ﴾ ١٣] روي أن بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم، فقيل لهم: ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ مغضوبًا عليهم ﴿قَدْ يَئِسُوا﴾ من أن يكون لهم حظ في الآخرة لعنادهم رسول الله ﷺ ، وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة. ﴿كَمَا يَئِسَ الكُفَّارُ﴾ من موتاهم أن يبعثوا ويرجعوا أحياء. وقيل: ﴿مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ﴾ بيان للكفار، أي: كما يئس الكفار الذين قبروا من خير الآخرة؛ لأنهم تبينوا قبح حالهم وسوء منقلبهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كانوا يواصلون اليهود)، الانتصاف: يمكن أن تكون هذه الآية من باب الاستطراد، فإنه تعالى لما ذم اليهود استطرد ذمهم بذم المشركين على وجه لا يوجد أفصح ولا أمكن منه. وأقول: إن هذه الآية متصلة بخاتمة قصة المشركين الذين نهى المؤمنين عن اتخاذهم أولياء بقوله: ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ﴾ وهي قوله: ﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكاملون في الظلم، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ﴾ إلى آخره مستطرد؛ فإنه لما جرى حديث المعاملة مع الذين لا يقتلون المسلمين والذين يقاتلونهم وقد أخرجوهم من ديارهم من الأمر بمبرة أولئك، والنهي عن مبرة هؤلاء، أتى بحديث المعاملة مع نسائهم، ولما فرغ من ذلك أوصل الخاتمة بالفاتحة على منوال رد العجز على الصدر من حيث المعنى والله أعلم. قوله: (وقيل: ﴿مِنْ أَصْحَابِ القُبُورِ﴾ بيان القبور)، وعلى الأول: متعلق بـ ﴿يَئِسُوا﴾، وقال صاحب "الكشف": ذكرهما أبو علي.

стр. 8428

عن رسول الله ﷺ : " من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: لعل القول الأخير أوجه، لأن وجه التشبيه فيه أشمل، فإن اليهود ما أنكروا الآخرة، بل أيسوا من خيرها لعنادكم كما قال: "قد يئسوا من أن يكون لهم حظ في الآخرة"، يدخل فيه تخييل حالهم بالموتى في صورة الآيسين من رحمة الله ، وتشبيه يقينهم بيقينهم، لأن يقين الموتى بالآخرة ضروري. تمت السورة والحمد لله وحده. * * *

стр. 8429

سورة الصف مكية، وهي أربع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ * إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ١ - ٤] ﴿لِمَ﴾ هي لام الإضافة داخلة على (ما) الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وفيم، ومم، وعم، وإلام، وعلام. وإنما حذفت الألف؛ لأن (ما) والحرف كشيء واحد، ووقع استعمالهما كثيرًا في كلام المستفهم؛ وقد جاء استعمال الأصل قليلًا، والوقف على زيادة هاء السكت، أو الإسكان، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الصف مكية، وهي أربع عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (والوقف على زيادة هاء السكت)، قال الزجاج: فإذا وقفت عليها قلت: لمه، ولا يوقف عليها لئلا تخالف المصحف، وينبغي للقارئ أن يصلها.

стр. 8430

ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى الوقف، كما سمع: ثلاثة اربعه، بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة. وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد. وروي أن المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد، فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسمعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: قد آذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي ﵇ أنك قتلته، فقال: إنما قتلته لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فنزلت في المنتحل. وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم؛ هذا من أفصح كلام وابلغه في معناه، قصد في ﴿كَبُرَ﴾ التعجب من غير لفظه كقوله: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهذا الكلام يتناول الكذب وإخلاف الموعد)، لف، وقوله: "قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال" إلى آخره نشر للثاني، وقوله: "كان الرجل يقول قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن" نشر للأول. قوله: (ونكى فيهم)، النهاية: يقال: نكيت في العدو وأنكي نكاية فأنا ناك، إذا كثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا لذلك. قوله: (هذا من أفصح الكلام)، "هذا" إشارة إلى قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾، وقوله: "في معناه"

стр. 8431

.. غلت ناب كليب بواؤها ومعنى التعجب: تعظيم الأمر في قلوب السامعين؛ لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله، وأسند إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسيره، دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، لفرط تمكن المقت منه؛ واختير لفظ المقت لأنه أشد البغض وأبلغه ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تنازع فيه "أفصح" و"أبلغ"، وقوله: "قصد" إلى آخر الفصل بيان لبلاغته وفصاحته. قوله: (غلت ناب كليب بواؤها)، أوله: وجارة جساس أبانا بنابها .... كليبًا أي: ما أغلى نابًا بواؤها كليب! البواء: السواء، والناب: الناقة المسنة، ومضى شرح البيت غير مرة. ومثاله في "المطلع": عظم البطن بطنك، ومؤداه: ما أعظم البطن بطنك. قوله: (ومعنى التعجب: تعظيم الأمر)، الراغب: التعجب: حالة تعرض للإنسان عند الجهل بسبب الشيء، ويقال لما لم يعهد مثله: عجب. قوله: (ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسيره)، أي: على تفسير ﴿أَن تَقُولُوا﴾ وقيل: على تفسير هذا الكلام، أعني: كبر أن تقولوا؛ لأن هذا تمييز عن النسبة، ولا يحسن أن يعود الضمير إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾، لأن التمييز ليس عنه، والأول هو الظاهر، لأن الضمير في "أسند" عائد إلى ﴿كَبُرَ﴾ أي: قصد في كبر التعجب من غير لفظه، وأسند إلى ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ونصب ﴿مَقْتًا﴾ على تفسير ﴿أَن تَقُولُوا﴾ ليؤذن بالإبهام، والتفسير: أن قولهم ذلك مقت خالص، وإليه

стр. 8432

ومنه قيل: نكاح المقت، للعقد على الرابة، ولم يقتصر على أن جعل البغض كبيرًا، حتى جعل أشده وأفحشه. و ﴿عِندَ اللَّهِ﴾ أبلغ من ذلك، لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله فقد تم كبره وشدته وانزاحت عنه الشكوك. وعن بعض السلف أنه قيل له: حدثنا، فسكت، ثم قيل له: حدثنا، فقال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل فأستعجل مقت الله! في قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ عقيب ذكر مقت المخلف: دليل على أن المقت قد تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في قتال الكفار فلم يفوا. وقرأ زيد علي: (يقاتلون) _ بفتح التاء_. وقرئ: (يقتلون). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أشار بقوله: "دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص"، فقدم التمييز في الآية على الفاعل، ومثله جائز، قال: أرى كل أرض دمنتها وإن مضت .... لها حجج يزداد طيبا ترابها قال المرزوقي: إن قوله: "طيبًا" تمييز قدم على الفاعل، وليس خلاف في جوازه. قوله: (للعقد على الرابة)، النهاية: في حديث مجاهد: كان يكره أن يتزوج الرجل امرأة رابه، يعني: امرأة زوج أمه، لأنه كان يربيه. قوله: (لأنه إذا ثبت كبر مقته عند الله، فقد تم كبره)، يريد: أن العدول من البغض إلى المقت تتميم لمعنى إرادة البغض، ثم إن التقييد بقوله: ﴿عِندَ اللهِ﴾ تتميم للتتميم ومبالغة فيه. قوله: (دليل على أن المقت تعلق بقول الذين وعدوا الثبات)، الانتصاف: أي: هو بساط لهذا، كما يقول: لا تفعل ما يلصق بك العار، لا تشاتم زيدًا، ليقع النهي مرتين؛ عامًا وخاصًا، فهو أولى من النهي على الخصوص مرتين، فإن ذلك تكرار. وقلت: أراد أنه تخصيص بعد تعميم.

стр. 8433

﴿صَفًا﴾ صافين أنفسهم أو مصفوفين ﴿كَأَنَّهُم﴾ في تراصهم من غير فرجة ولا خلل ﴿بُنْيَانٌ﴾ رص بعضه إلى بعض ورصف. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اعلم أنه لما بولغ في بغض القول إبهامًا جيء بما يحب من الفعل تعريضًا، قوبل البغض بالحب، والقول بالفعل، ووصفه بالبنيان المرصوص، تعريضًا بالقول المتزلزل والوعد المخلف، وأما كيفية اتصاله به، فإن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن ما يلي كلمة النداء والتنبيه من الخطاب معني به جدًا كما سبق في فاتحة البقرة. والخطاب هو قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًا﴾، وقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ تمهيد وتوطئة لهذا الخطاب، وتقدمة تنبيه على أن ما يخالفه مبغوض عند الله، والتقاعد عنه بعد الوعد من أشد البغض، وأكبر المقت عنده، ومما يشد من عضد ذلك أن قطب هذه السورة الكريمة يدور على أمر الجهاد، ألا ترى كيف أعيد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ وختمت بقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، وفيه دليل ظاهر على علو شأن الجهاد ورفعة منزلته عند الله، لأنه ذروة سنام الأمر، وكفى به شاهدًا ما رويناه عن ابي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لوددت أني أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل"، وكان أبو هريرة يقولهن ثلاثًا، أشهد بالله، أخرجه البخاري ومسلم. قوله: (رص بعضه إلى بعض ورصف)، الراغب: كأنما بني بالرصاص، ويقال: رصصته ورصصته وتراصوا في الصلاة، أي: تضايقوا فيها. والرصفة بالتحريك واحد الرصف، وهو حجارة مرصوف بعضها إلى بعض، يقال: رصفت الحجارة في البناء أرصفها بالضم: إذا ضممت بعضها إلى بعض.

стр. 8434

وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص. وعن بعضهم: فيه دليل على فضل القتال راجلًا؛ لأن الفرسان لا يصطفون على هذه الصفة. وقوله: ﴿صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ حالان متداخلتان. [﴿وإذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ ٥] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: يجوز أن يريد استواء نياتهم في الثبات)، وعليه ورد قوله صلوات الله عليه: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا" ثم شبك بين أصابعه، وأخرجه البخاري والإمام أحمد عن أبي موسى، وهذا أوجه ليقيموا الظاهر مع الباطن وسائر الأحوال، ويكون تعريضاُ بما وعدوا من الثبات في قتال الكفار، ويتصل به قصة موسى ﵇ وقومه، ويترتب عليه قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ولهذا عم الأذى بقوله: "كانوا يؤذونه بأنواع الأذى" لإطلاقه. قوله: (وقوله: ﴿صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ حالان متداخلتان)، الانتصاف: يريد أن معنى الأولى مشتمل على الثانية، فإن هيئة التراص هي هيئة الاصطفاف. قال صاحب "الإنصاف": ليس المراد بالتداخل هذا، بل إن الحال الثانية وقعت جزاء من الحال الأولى، لأن معنى ﴿صَفًا﴾: مصطفين، وفيه ضميره، وقوله: ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ﴾ حال من الضمير المذكور، فالحال الثانية داخلة في الأولى، وهي كقوله: ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٢ - ٣]. وقلت: فرق بين الصورتين، فإن قوله: ﴿صَفًا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مشبه ومشبه به، والمشبه به في الحقيقة بيان للمشبه ووصف له؟

стр. 8435

﴿وإذْ﴾ منصوب بإضمار "اذكر"، أو: وحين قال لهم ما قال كان كذا وكذا، ﴿تُؤْذُونَنِي﴾ كانوا يؤذونه بأنواع الأذى من انتقاصه وعيبه في نفسه، وجحود آياته، وعصيانه فيما تعود إليهم منافعه، وعبادتهم البقر، وطلبهم رؤية الله جهرة، والتكذيب الذي هو تضييع حق الله وحقه، ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ﴾ في موضوع الحال، أي: تؤذونني عالمين علمًا يقينا ﴿أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ وقضية علمكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بي؛ لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله، علمًا بأن تعظيمه في تعظيم رسوله، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (كانوا يؤذونه بأنواع الأذى) إلى قوله: (وطلبهم رؤية الله جهرة)، أراد أن قوله: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ إنكار لمطلق الإيذاء، فيصح حمله على الإيذاء في الدين وفي النفس، ولذلك أوقع قوله: ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ حالًا مقررة لجهة الإنكار، وفسره المصنف بقوله: "وقضية عملكم بذلك وموجبه تعظيمي وتوقيري، لا أن تؤذوني وتستهينوا بي، لأن من عرف الله وعظمته عظم رسوله". وذكر الواحدي: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ يعني حين رموه بالأدرة. وهو المراد بقوله: "من انتقاصه وعيبه"، وأما الكلام في طلب الرؤية فانتهاز لفرصة التعصب. وبيان النظم: هو أن الله تعالى لما وبخ المؤمنين الذين ما وفوا بما عاهدوا، وأخلفوا المواعيد تمهيدًا وبساطًا، لقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ﴾ حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان المرصوص في القتال، حذرهم مما لقي قوم موسى من إزاغة القلوب، والحرمان من التوفيق بسبب الأذى، ومما ارتكب قوم عيسى بعد مجيئه بالبينات، من تكذيبه وقولهم فيه: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، ألا ترى كيف جمع الكل في قوله: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ

стр. 8436

ولأن من آذاه كان وعيد الله لا حقا به، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ عن الحق ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ بأن منع الطافه عنهم ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾ لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف. فإن قلت: ما معنى ﴿قَدْ﴾ في قوله ﴿وقَد تَّعْلَمُونَ﴾؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ﴾ أي: قضية الدعوى إلى الإسلام توقير من يدعو إليه، وتوقير حرمته، وإجابة دعوته، والتفادي عن إخلاف المواعيد وعما يؤذيه من القول والفعل؟ قوله: (﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ﴾: لا يلطف بهم)، قال صاحب "الفرائد": لا يهدي من يريد الفسق، وهو من باب ذكر الفعل وإرادة الإرادة، نحو: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقلت: هذا التقدير غير مفتقر إليه، لأن هذه الفاصلة تذييل للآية، وكالتعليل لقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. والمراد بقوله: ﴿زَاغُوا﴾ أذى موسى ﵇. وبيانه: أن القوم لما آذوا موسى ﵇ ورموه بالأدرة زاغوا وفسقوا، وأدى ذلك إلى أن خذلهم الله وطبع على قلوبهم، وهذا التقرير غير ضار لمذهب أهل السنة، لأن ذلك الأذى والفسق كان كسبًا لهم، وقد تقرر أن صغائر الذنوب مستجلبة لكبائرها، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] وأما التذييل الثاني، وهو قوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فهو تقرير لقوله: ﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ﴾ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وغليه أشار بقوله: "وأي الناس أشد ظلمًا ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام، فيجعل إجابته افتراء الكذب على الله"، يعني كان جزاء الداعي القبول والتصديق، فوضعوا موضعه أن كذبوه وسموا ما جاء به سحرًا. وكما روعي في هذين التذييلين هذه المناسبة روعيت في قوله: ﴿ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾، وذلك أن الكفر في الأصل الستر والتغطية، ومن يحاول إطفاء نور الله يحاول إخفاء الحق

стр. 8437

قلت: معناه التوكيد كأنه قال: وتعلمون علمًا يقينا لا شبهة لكم فيه. [﴿وإذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ٦] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وستره، وكذا في قوله: ﴿ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ لأنه مقابل لقوله: ﴿ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وليس دين الحق إلا التوحيد ونفي الشرك. وفي الآيات نرق من وجهين: أحدهما: من الأذى، فإن أذى موسى ﵇ كان في جسده، وأذى عيسى ﵇ في الدين، وأذى نبينا محمد صلوات الله عليه فيهما، فإن نور الله عبارة عنه وعن دينه، لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وقد سبق في التوبة تقرير وجه التشبيه. وثانيهما: في التسلية، يعني: لا تبال بأذى القوم، ولك أسوة بموسى، ولا بتكذيب الكافرين والمشركين كما لو يضر عيسى تكذيبهم، وتمكن من إمضاء ما جاء به من الدين والبشارة بقدومك تمكنك منه، ويظهرك على الدين كله ولو كره المشركون والله أعلم. قوله: (معناه التوكيد)، الانتصاف: "قد" إذا صحبت الماضي صحبها التوقع، قال الخليل: هذا خبر لقوم ينتظرونه، وإذا صحبت المضارع صحبها التكثير كربما، وهو من الكلام الذي قصد فيه الإفراط والمبالغة. قال: قد أترك القرن مصفرًا أنامله فإن قيل: حمله على التكثير في الآية متعذر، لأن العلم معلوم التعلق، لا يتكثر ولا يتقلل. قلنا: المراد تأكيد الفعل وتحققه وبلوغه الغاية في نوعه، وكذا في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾ [الحجر: ٢] ليس معناها إلا تأكد ذلك الودادة لا كثرته وتعدده.

стр. 8438

قيل: إنما قال: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: يا قوم، كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم فيكونوا قومه. والمعنى: أرسلت إليكم في حال تصديقي ما تقدمني ﴿مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ وفي حال تبشيري ﴿بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي﴾ يعني: أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه جميعًا ممن تقديم وتأخر. وقرئ: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ بسكون الياء وفتحها، والخليل وسيبويه يختار ان الفتح. وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم، أمة أحمد؛ حكماء علماء أبرار أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (إنما قال: ﴿يَا بَنِي إسْرَائِيلَ﴾، ولم يقل: "يا قوم" كما قال موسى؛ لأنه لا نسب له فيهم)، الانتصاف: هو كقوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦] لأنه لم يكن منهم. وقلت: يجوز أن يكون للاستعطاف، لمجيء قوله: ﴿مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: إني أرسلت إليكم في حال تصديقي لكتاب نزل إليكم يا بني إسرائيل خاصة. قوله: (وقرئ: ﴿مِن بَعْدِي﴾ بسكون الياء)، بفتح الياء: نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر، والباقون: بسكونها. قوله: (أمة أحمد)، روينا عن البخاري ومسلم ومالك والدرامي عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : "لي خمسة أسماء؛ أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس

стр. 8439

فإن قلت: بم انتصب ﴿مُّصَدِّقًا﴾ و ﴿مُبَشِّرًا﴾؟ أبما في الرسول من معنى الإرسال أم بإليكم؟ قلت: بل بمعنى الإرسال؛ لأن ﴿إلَيْكُم﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئًا لأن حروف الجر لا تعمل بأنفسها، ولكن بما فيها من معنى الفعل؛ فإذا وقعت صلات لم تتضمن معنى فعل، فمن أين تعمل؟ وقرئ: (هذا ساحر مبين). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاقب الذي بعدي نبي". وقد سماه الله رؤوفًا رحيمًا، رواه البخاري في تفسيير هذه الآية. وعن أحمد بن حنبل عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسه بأسماء منها ما حفظنا قال: "أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي الرحمة" قال يزيد: ونبي التوبة، ونبي الملحمة". قال محيي السنة والواحدي: اسمه أحمد يحتمل معنيين: أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي: أنه أكثر حمدًا لله من غيره، والآخر: أنه مبالغة من المفعول، أي: أنه يحمد بما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره. قوله: (وقرئ: "هذا ساحر")، حمزة والكسائي. قوله: (لأن ﴿إِلَيْكُمْ﴾ صلة للرسول، فلا يجوز أن تعمل شيئًا)، لا يريد عملها الذي هو الجزء؛ وإنما يريد أنها لا تعمل عمل الفعل بأنفسها.

стр. 8440

[﴿ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُوَ يُدْعَى إلَى الإسْلامِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٧] وأي الناس أشد ظلمًا ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي له فيه سعادة الدارين، فيجعل مكان إجابته إليه افتراء الكذب على الله، بقوله لكلامه الذي هو دعاء عباده إلى الحق: هذا سحر، لأن السحر كذب وتمويه. وقرأ طلحة بن مصرف: (وهو يدعي)، بمعني: يدعى، دعاه وادعاه، نحو: لمسه والتمسه. وعنه: يدعي، بمعنى يدعو، وهو الله . [﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ٨] أصله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢] كما جاء في سورة براءة، وكأن هذه اللام زيدت مع فعل الإرادة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لأن السحر كذب وتمويه)، فيه إشعار بهذه الآية بقصة عيسى ﵇، وقولهم في الآيات البينات: ﴿هَذَا سِحْرٌ مَبِينٌ﴾ مكرًا وتمويهًا، وإخفاء للحق الجلي. وقلت: وفي إيقاع الإسلام مقابلًا لافتراء الكذب، إيذان باتصالها بقصة محمد صلوات الله عليه، وأن ذكر الإسلام كالتخلص من القصة إلى القصة، ولذلك ذيلت الآية بقوله: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ كأنه قيل: قد علم ظلم أولئك الكفرة بروح الله، وما أرادوا به من المكر والكيد، وعرف أن الله ما هداهم إلى ما أرادوا، بل خذلهم الله ونصر أولياءه كما قال تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ فما ظلم هؤلاء الكفرة لحبيب الله، وما مكرهم به، وكيف يفعل الله به وبهم، قيل: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ إلى آخر الآيتين. قوله: ("وهو يدعي" بمعنى: يدعى)، قال ابن جني: قرأ طلحة بن مصرف: "وهو يدعى إلى الإسلام"، والظاهر: يدعي الإسلام، لكن لما كان معنى "يدعي الإسلام": ينتسب إليه، قال:
следующие страницы →