Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.
стр. 8961
أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديداً رفيعاً مسيرة خمس مئة عام (فَسَوَّاهَا) فعدلها مستوية ملساء، ليس فيها تفاوت ولا فطور. أو فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان. غطش الليل وأغطشه الله، كقولك: ظلم وأظلمه. ويقال أيضاً: أغطش الليل، كما يقال أظلم (وأَخْرَجَ ضُحَاهَا) وأبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وضُحَاهَا) [الشمس: ١] يريد وضوئها. وقولهم: وقت الضحى، للوقت الذي تشرق فيه الشمس ويقوم سلطانها؛ وأضيف الليل والشمس إلى السماء،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفراء: تم الكلام عند قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، وابتدأ من قوله: ﴿بَنَاهَا﴾، الكواشي: ﴿أَمِ السَّمَاءُ﴾ مبتدأ محذوف الخبر، أي: أم السماء أشد؟ وعنده وقف تام إن استأنفت ولم تنصب ﴿بَنَاهَا﴾ تكون "أم" متصلة، وإذا وصل تكون منقطعة، ويكون في الكلام ترق من الأهون إلى الأغلظ.
قوله: (أو فتممها بما علم أنها تتم به)، فعلى الأول: التسوية عبارة عن تعديل ذوات السماوات، وعلى الثاني: عبارة عن إصلاحها بزوائد خارجية، من كونها جعلت مقراً للملائكة المقربين المسبحين، ومسارح نظر المعتبرين، وجعلت مزينة بزينة الكواكب ومنزلاً منها البركات في الأرض وأحكام الدين، لقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢].
قوله: (وأضيف الليل والضحى - ويروى: الليل والشمس - إلى السماء)، يريد أن السماء جعلت كالقبة المضروبة والرواق الممدود، وكالبيت المظلم ليس فيه سراج، والشمس هي السراج المثقب في جوها، فإن قيل: إن الليل ظل الأرض، فيجاب: كم لمرأى الناظر من اعتبار؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] أي: مُزينة في مرأى النظر بالكواكب المضيئة، وبه فسر قول المعري:
صغار الشهب أسرعها انتقالا
стр. 8962
لأن الليل ظلها والشمس هي السراج المثقب في جوها. (مَاءَهَا) عيونها المتفجرة بالماء (ومَرْعَاهَا) ورعيها، وهو في الأصل موضع الرعي. ونصب الأرض والجبال بإضمار (دحا) و (أرسى)، وهو الإضمار على شريطة التفسير. وقرأهما الحسن مرفوعين على الابتداء.
فإن قلت: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معنى (دَحَاهَا) بسطها ومهدها للسكنى، ثم فسر التمهيد بما لا بدّ منه في تأتي سكناها، من تسوية أمر المأكل والمشرب؛ وإمكان القرار عليها، والسكون بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال وإثباتها أوتاداً لها حتى تستقر ويستقر عليها ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: "إنما أضاف الليل والنهار، لأن الليل والنهار إنما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهما إنما يحصلان بسبب حركة الفلك".
قوله: (ورعيها)، الجوهري: "الرعي بالكسر: الكلأ، وبالفتح: المصدر، والمرعى: الرعي والموضع".
قوله: (وقرأهما الحسن مرفوعين)، أي: الأرض والجبال. قال الزجاج: "القراءة بنصب الأرض على معنى: ودحا الأرض بعد ذلك، وفسر هذا المضمر فقال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، وهو أجود من الرفع؛ لأنك أن تعطف بفعل على فعل أحسن".
قوله: (ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سُكناها)، وفي تفسيره لف ونشر، الانتصاف: "هذا الجواب أحسن من الثاني؛ لأنه مناسب لقوله: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (رَفَعَ سَمْكَهَا﴾.
стр. 8963
والثاني: أن يكون (اخْرُجْ) حالاً بإضمار (قد) كقوله: (جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) [النساء: ٩٠] وأراد بـ (مرعاها): ما يأكل الناس والأنعام. واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: (يَرْتَعْ ويَلْعَبْ) [يوسف: ١٢]. والظاهر أنه تغليب، لأنه قوله (مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ) وارد عليه، ومن حقه أن يغلب ذوي العقول على الأنعام، فعكس تجهيلاً؛ وقرئ: (نرتع)، من الرعي؛ ولهذا قيل: دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح؛ لأنه من الماء. (مَتَاعًا لَّكُمْ) فعل ذلك تمتيعاً لكم، (ولأَنْعَامِكُمْ)؛ لأن منفعة ذلك التمهيد واصلة إليهم وإلى أنعامهم.
[(فَإذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبْرَى • يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ مَا سَعَى • وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرَى) ٣٤ - ٣٦].
(الطَّامَّةُ) الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب. وفي أمثالهم: جرى الوادي فطم على القري، وهي القيامة لطمومها على كل هائلة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واستعير الرعي للإنسان)، يعني: استعير الرعي والرتع لتناول الإنسان الطعام، كما يستعار المرسن للأنف، والمشفر للشفة. عن بعضهم: ﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ عبارة عن الأرزاق، جمع الله تعالى جميع ما يُتمتع به في هاتين الكلمتين. ويجوز أن يكون استعارة معنوية. لأن الكلام مع منكري الحشر بشهادة قوله: ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ كما مر قبل أيها المعاندون الداخلون في زمرة البهائم الملزوزون في قرنها في تمتعكم بالدنيا، وذهولكم عن الأخرى.
قوله: (وقُرئ: "نرتع")، أي: بكسر العين، من الارتعاء، افتعال من الرعي.
قوله: (جرى الوادي فطم على القرى)، قال الميداني: "أي: جرى سبيل الوادي فطم، أي: دفن، يقال: طم السيل الركية، أي: دفنها. والقري: مجرى الماء في الروضة والجمع: أقرية، وقريان، يعني: أتى على القرى أي: أهلكه بأن دفنه، يُضرب عند تجاوز الشر حده".
стр. 8964
وقيل: هي النفخة الثانية: وقيل: الساعة التي تساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ) بدل من إذا جاءت، يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، كقوله: (أَحْصَاهُ الله ونَسُوهُ) [المجادلة: ٦]، و «ما» في (مَا سَعَى) موصولة، أو مصدرية (وبُرِّزَتِ): أظهرت. وقرأ أبو نهيك: (وبرزت). (لِمَن يَرَى) للرائين جميعاً، أي: لكل أحد، يعني: أنها تظهر إظهاراً بينا مكشوفاً، يراها أهل الساهرة كلهم، كقوله:
قد بين الصبح لذي عينين
يريد: لكل من له بصر؛ وهو مثل في الأمر المنكشف الذي لا يخفى على أحد. وقرأ ابن مسعود: (لمن رأى). وقرأ عكرمة: (لمن ترى) والضمير للجحيم، كقوله: (إذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) [الفرقان: ١٢] وقيل: لمن ترى يا محمد.
[(فَأَمَّا مَن طَغَى • وآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا • فَإنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَاوَى) ٣٧ - ٣٩]
(فَأَمَّا) جواب (فَإذَا) أي: فإذا جاءت الطامة فإن الأمر كذلك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن بعضهم: يقال: طم شعره، أي: جزه، ويقال: جاء السيل فطم الركية، أي: دفنها فسواها، وكل شيء كثر حتى يعلو فقد طم؛ ذكره في باب فعل يفعل بفتح العين، وذكر في باب فعل يفعل بكسرها يكم طميماً، أي: يعدو عدواً سهلاً.
قوله: (﴿لِمَن يَرَى﴾: للرائين جميعاً)، الانتصاف: "أي: هو أمر ظاهر لا يتوقف إلا على وجود الحاسة لا غير، ولا مانع من الرؤية ولا حاجب عنها".
قوله: (قد بين الصبح لذي عينين)، قال الميداني: "بين هاهنا بمعنى: تبين، يضرب للأمر الذي يظهر كل الظهور".
قوله: (﴿فَأَمَّا﴾ جواب ﴿فَإذَا﴾)، وفي "المطلع": المقدر شيء آخر، أي: فإذا جاءت الطامة، وقع ما لا يدخل تحت الوصف، وقوله: ﴿فَأَمَّا﴾ تفصيل لذلك المقدر.
стр. 8965
والمعنى: فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل: غض الطرف، تريد: طرفك، وليس الألف واللام بدلاً من الإضافة، ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب المأوى، وأنه لا يغض الرجل طرف غيره: تركت الإضافة؛ ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف: للتعريف؛ لأنهما معروفان، و (هِيَ) فصل أو مبتدأ.
[(وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى • فَإنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَاوَى) ٤٠ - ٤١]
(ونَهَى النَّفْسَ) الأمارة بالسوء (عَنِ الهَوَى) المردي، وهو إتباع الشهوات، وزجرها عنه وضبطها بالصبر والتوطين على إيثار الخير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس الألف واللام بدلاً من الإضافة)، قال صاحب "الكشف": قال الكوفي: بل التقدير: مأواه، فقام الألف مقام الضمير.
قوله: (ودخول حرف التعريف في المأوى والطرف: للتعريف؛ لأنهما معروفان)، قال الزجاج: ليس الألف واللام بدلاً من الكاف في الطرف وإن كان المعنى: غض طرفك؛ لأن المخاطب يعلم أنك لا تأمره بعض طرف غيره، قال:
فغض الطرف إنك من نُمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا
قوله: (وزجرها عنه)، عطف تفسيري على ﴿وَنَهَى النَّفْسَ﴾، وقوله: "وضبطها بالصبر"، تفسير هكذا لـ "زجرها". الراغب: "النهي: الزجر عن الشيء، وهو من حيث المعنى لا فرق بين أن يكون بالقول أو بغيره، وما كان بالقول لا فرق بين أن يكون بلفظة افعل، نحو: اجتنب كذا، وبلفظة لا تفعل، ومن حيث اللفظ هو قولهم: لا تفعل كذا، فإذا قيل: لا تفعل فهو نهي من حيث اللفظ والمعنى جميعاً، نحو: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ لم يعن به أن يقول لنفسه: لا تفعل، بل أراد قمعها عن شهوتها،
стр. 8966
وقيل: الآيتان نزلتا في أبي عزير بن عمير ومصعب بن عمير، وقد قتل مصعب أخاه أبا عزير يوم أحد، ووقى رسول الله ﷺ بنفسه حتى نفذت المشاقص في جوفه.
[(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا • فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا • إلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا • إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا • كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) ٤٢ - ٤٦].
(أَيَّانَ مُرْسَاهَا) متى إرساؤها، أي إقامتها، أرادوا: متى يقيمها الله ويثبتها ويكوّنها؟ وقيل أيان منتهاها ومستقرّها، كما أنّ مرسى السفنية مستقرها، حيث تنتهي إليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ودفعها عما نزعت إليه وهمت به، وكذا النهي عن المنكر يكون تارة باليد وتارة باللسان وتارة بالقلب. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] أي: يحث على فعل الخير ويَذُب عن الشر، وذلك بعضه بالعقل الذي ركبه فينا، وبعضه بالشرع الذي شرعه لنا. والإنهاء في الأصل: إبلاغ النهي، ثم صار متعارفاً في كل إبلاغ، فقيل: أنهيت إلى فلان خبر كذا، أي: بلغت به النهاية، ورجل ناهيك كقولك: حسبك، ومعناه أنه غاية فيما تطلبه، وينهاك عن تطلب غيره، وناقة نهية: تناهت سمناً".
قوله: (في أبي عزيز بن عمير ومصعب بن عمير)، أما أبو عزيز بضم العين، مصغر "عزيز"، فليس له ذكر في "الجامع"، وأما مصعب بن عمير، فذكر أنه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف القرشي، من أجلة الصحابة وفُضلائهم، قتل يوم أُحد، وفيه نزل: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. وعن بعضهم: صح "أبو عزيز" بفتح العين وتكرير الزاي، ذكره المصنف في كتاب "متشابه الأسماء".
قوله: (المشاقص)، الجوهري: "المشقص من النصال: ما طال وعرض".
قوله: (كما أن مرسى السفينة: مستقرها)، الانتصاف: "فيه إشعار بثقل اليوم، كقوله
стр. 8967
(فِيمَ أَنتَ) في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم وتعلمهم به، يعني: ما أنت من ذكرها لهم وتبيين وقتها في شيء. وعن عائشة ﵂، لم يزل رسول الله ﷺ يذكر الساعة يسأل عنها حتى نزلت، فهو على هذا تعجب من كثرة ذكره لها، كأنه قيل: في أي شغل واهتمام أنت من ذكرها والسؤال عنها. والمعنى: أنهم يسألونك عنها، فلحرصك على جوابهم لا تزال تذكرها وتسأل عنها، ثم قال: (إلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا) أي: منتهى علمها؛ لم يؤت علمها أحداً من خلقه. وقيل: (فِيمَ) إنكار لسؤالهم، أي: فيما هذا السؤال، ثم قيل: (أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا)، أي: إرسالك وأنت خاتم الأنبياء وآخر الرسل المبعوث في نسم الساعة، ذكر من ذكرها وعلامة من علاماتها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]؛ فلم يطلق الإرساء إلا على ما فيه ثقل كالجبال والسفينة".
قوله: (وتعجب من كثرة ذكره لها، أي: في أي شغل أنت من ذكراها)، الانتصاف: "وفيه ضعف؛ لأن قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] يرده".
قلت: صدق، قال المصنف: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأنك بليغ في السؤال عنها، يعني: يسألونك عنها، لأنهم يزعمون أنك بليغ في السؤال عنها، وليس كما يزعمون.
قوله: (ثم قيل: ﴿أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا﴾)، الانتصاف: "فعلى هذا يوقف على قوله: ﴿فِيمَ﴾ ليفصل بين الكلامين".
قوله: (في نسم الساعة)، الجوهري: "نسم الساعة: حين ابتدأت وأقبلت أوائلها، ونسيم الريح: أولها حين تقبل".
стр. 8968
فكفاهم بذلك دليلاً على دنوها ومشارفتها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها. (إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) أي: لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة الذي لا فائدة لهم في علمه، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون من إنذارك لطفا له في الخشية منها. وقرئ: (منذر) بالتنوين، وهو الأصل؛ والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال؛ فإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة؛ كقولك: هو منذر زيد أمس، أي: كأنهم لم يلبثوا في الدنيا، وقيل: في القبور (إلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).
فإن قلت: كيف صحت إضافة الضحى إلى العشية؟
قلت: لما بينهما من الملابسة لاجتماعهما في نهار واحد.
فإن قلت: فهلا قيل: إلا عشية أو ضحى وما فائدة الإضافة؟
قلت: الدلالة على أن مدة لبثهم كأنها لم تبلغ يوماً كاملاً، ولكن ساعة منه عشيته أو ضحاه؛ فلما ترك اليوم أضافه إلى عشيته، فهو كقوله: (لَّمْ يَلْبَثُوا إلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ) [الأحقاف: ٣٥].
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (وَالنَّازِعَاتِ) كان ممن حبسه الله في القبر والقيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرئ: "مُنذر" بالتنوين)، وهي شاذة. قال الزجاج: "المعنى: إنما أنت في حال إنذار من يخشاها وفيما يستقبل أيضاً، ومفعل وفاعل إذا كانا بمعنى الحال والاستقبال نوناً؛ لأنه حينذ بدل من الفعل، والفعل نكرة، وقد يجوز حذف التنوين على الاستخفاف، والنعتى على ثبوت التنوين، فإذا كان لما مضى فهو غير منون البتة".
قوله: (فهو كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، روي عن المصنف أنه قال: لهذا الكلام أصل، وهو قوله: لم يلبثوا إلا ساعة من نهار عيشته أو ضحاه، فوضع
стр. 8969
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا المختصر مكانه. وقلت: الظاهر أن نسبة ﴿مِّن نَّهَارٍ﴾ إلى ﴿سَاعَةً﴾، وإضافة "ضُحى" إلى "عيشة": للبيان، ولكن المراد التوكيد، وتحقيقهما، نحو: أخذت بيدي ورأيت بعيني؛ لأنه من الإمكان أن يراد بضُحى وساعة: النهار كله مجازاً، وإليه الإشارة بقوله: "كأن لم يبلغ يوماً كاملاً ولكن ساعة منه".
تمت السورة بعون الله وحمده
وصلى الله على مُحمد
* … * … *
стр. 8970
سورة عبس
مكية، وهي إحدى وأربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(عَبَسَ وتَولَّى • أَن جَاءَهُ الأَعْمَى • ومَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى • أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى • أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى • فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى • ومَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى • وأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى • وهُوَ يَخْشَى • فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) ١ - ١٠].
أتى رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم؛ وأم مكتوم أم أبيه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة عبس
مكية، وهي أربعون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أتى رسول الله? ابن أم مكتوم)، الحديث عن مالك بن أنس في "الموطأ"، والترمذي، عن عائشة ﵂، قالت: نزلت ﴿عَبَسَ﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى أتى رسول الله? فجعل يقول: يا رسول الله، أرشدني، وعند رسول الله? رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله? يُعرض عنه ويُقبل على الآخر ويقول: "أترى بما أقول بأساً" فيقول: لا، ففيه أُنزل هذا. والضمير في "ترى": لابن أم مكتوم.
стр. 8971
واسمه عبد الله بن شريح ابن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، وعنده صناديد قريش: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم. فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت. فكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربى، ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين؛ وقال أنس: رأيته يوم القادسية وعليه درع وله راية سوداء. وقرئ: (عبس) بالتشديد للمبالغة؛ ونحوه: كلح في كلح. (أَن جَاءَهُ) منصوب بتولي، أو بعبس، على اختلاف المذهبين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (واسمه: عبد الله بن شريح)، وفي "جامع الأصول": "هو عمرو بن قيس بن زائدة ابن الأصم، والأصم هو جندب بن هرم بن رواحة بن حجر بن معيص بن عامر بن لؤي القُرشي. وقيل: اسمه عبد الله بن عمرو، والأول أكثر وأشهر. وهو ابن أم مكتوم، واسمها: عاتكة بنت عبد الله المخزومية، أسلم قديماً بمكة، استخلفه رسول الله? ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة، وكان ضريراً، مات بالمدينة، وقيل: قُتل شهيداً بالقادسية"، يوم فتح المدائن أيام عمر. والقادسية: موضع بينه وبين الكوفة خمسة عشر - ميلاً. وأما قول المصنف: وأم مكتوم أم أبيه، أي: جدته، فهو وهم، كما سبق. ونص ابن عبد البر في "الاستيعاب" أنه أمه.
قوله: (على اختلاف المذهبين)، أي: في تنازع الفعلين، وحذف الأمر من ﴿أَن جَاءَهُ﴾ للقياس المستمر، لا لكونه مفعولاً له؛ لأنه ليس فاعلاً لفاعل الفعل المعلل.
قوله: (نحوه كلَّح وكلَح)، وفي نسخة: "كلَّح في كلَح".
стр. 8972
ومعناه: عبس؛ لأن جاءه الأعمى. أو أعرض لذلك. وقرئ: (أأن جاءه) بهمزتين وبألف بينهما، ووقف على (عَبَسَ وتَولَّى) ثم ابتدئ، على معنى: الآن جاءه الأعمى فعل ذلك إنكارا عليه؟ وروى أنه ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني. وفي الإخبار عما فرط منه، ثم الإقبال عليه بالخطاب: دليل على زيادة الإنكار، كمن يشكو إلى الناس جانباً جني عليه، تم يقبل على الجاني إذا حمى في الشكاية مواجهاً له بالتوبيخ وإلزام الحجة. وفي ذكر الأعمى نحو من ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرئ: "أأن جاءه"، بهمزتين وألف بينهما)، قال ابن جنى: "قرأها الحسن: وأن، معلقة بمحذوف دل عليه ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، أي أأن جاءه الأعمى أعرض عنه وتولى بوجهه؟ قالوقف إذن على تولى والاستئناف بالاستفهام للإنكار. وأما ﴿أَن﴾ على القراءة العامة فمنصوبة بتولى؛ لأنه الأقرب، ومن أعمل الأول نصبها بعبس وقال: عَبَسَ أن جاءه الأعمى وتولى لذلك، والوجه: إعمال الثاني لقربه. وأما أن تنصبه بمجموع الفعلين فلا".
وقلت: المصنف ذه إلى إعمال الأول بناء على مذهب الكوفيين، حيث قال: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك؛ لأن لطف المعنى معه، فإن الواو إن لم تدل على الترتيب لكن النظم يقتضيه، فلا يناسب أن يقال: تولى لأن جاءه الأعمى وعبس لذلك؛ لأن التولي بعد العبوس كما يشهد له الحال.
قوله: (وفي ذكر الأعمى نحو من ذلك)، يعني: العدول من اسم العلم إلى الوصف مزيد للإنكار وإلزام الحجة، مثل ما في العدول من الغيبة إلى الخطاب، وبيانه: قوله: كأنه يقول: قد استحق عنده العبوس، إلى آخره، أي: أهذا حق الأعمى أهذا حق الضعيف؟ [إلى] آخره؟ وتحريره: أن في إسناد عبس وتولى إلى ضمير الرسول? في حال الغيبة، إشعاراً بأن ذلك مما لا يليق بمنزلة من في صدد الرسالة، لا سيما أنه ما أُرسل إلا رحمة
стр. 8973
كأنه يقول: قد استحق عنده العبوس والإعراض لأنه أعمى، وكان يجب أن يزيده لعماه تعطفاً وترؤفاً وتقريباً وترحيباً، ولقد تأدب الناس بأدب الله في هذا تأدبا حسناً، فقد روي عن سفيان الثوري ﵀ أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء. (ومَا يُدْرِيكَ) وأي شيء يجعلك دارياً بحال هذا الأعمى؟ (لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) أي يتطهر بما يتلقن من الشرائع من بعض أوضار الإثم. (أَوْ يَذَّكَّرُ) أو يتعظ، (فَتَنفَعَهُ) ذكراك، أي: موعظتك؛ وتكون له لطفاً في بعض الطاعات. والمعنى: أنك لا تدري ما هو مترقب منه، من تزك أو تذكر، ولو دريت لما فرط ذلك منك. وقيل: الضمير في (لَعَلَّهُ) للكافر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للعالمين، وأنه لعلى خلق عظيم؛ فكأن العابس والمتولي غيره، ثم التفت يخاطبه قائلاً: وما يُدريك؟ تأنيباً، أي: مثلك بتلك المنزلة لا ينبغي أن يتصدى لغني ويتلهى عن فقير. وكذلك في صفة الأعمى؛ من حيث اعتبار الجبلة النفسانية منقصة توجب الإعراض والتولي عمن هو متصف بها، ومن حيث مرتبتك من الخلق العظيم، قمع النفس، والعمل بمقتضى الخُلُق العظيم لا بمقتضى شهوة النفس، أو في تلك الصفة إشعار باستعمال التعطف والترؤف، والتقريب والترحيب، لا سيما من مثلك، وقد وصفك الله بالخلق العظيم، أو في تلك الصفة من تمهيد العُذر، وأنه أعمى لم يهتد إلى عدم الإقدام بين يديك، وقطع كلامك عن كلام القوم، اعتذار عند الكرام، خصوصاً عند مثلك وكنت للعالمين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وهذه الآيات أيضاً من خُلُقه صلوات الله عليه؛ لأنها تأديب له، وكان خُلُقه القرآن، ثم في معنى الترجي الذي يعطيه ﴿لَعَلَّهُ﴾ تمهيد عُذر له صلوات الله عليه، جبراً لذلك الخطاب المشتمل على التوبيخ، يعني: أعذرناك لأنك حريص على إسلام القوم، فأدى اجتهادك إلى أن تُقبل عليهم وتُعرض عن الأعمى، ولو دريت ذلك ما فرطت ذلك، أي: وإن كان خفياً عليك يا رسول الله، كأن الله تعالى يعتذر من رسوله? . لله در المصنف ودركه أمثال هذه الرموز الجليلة!
قوله: (الضمير في ﴿لَعَلَّهُ﴾ للكافر)، فعلى هذا ﴿لَعَلَّ﴾ راجع إلى رسول الله ﷺ ،
стр. 8974
يعني أنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام، أو يتذكر فتقربه الذكرى إلى قبول الحق؛ وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن. وقرئ: (فتنفعه) بالرفع عطفاً على (يَذَّكَّرُ)، وبالنصب جواباً لـ «لعل»، كقوله: (فَأَطَّلِعَ إلَى إلَهِ مُوسَى) [غافر: ٣٧]، (تَصَدَّى) تتعرض بالإقبال عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولذلك قال: "طمعت في أن يتزكى"، وإن ما طمعت فيه كائن، وعلى الأول راجع إلى الله تعالى، إما مجازاً على سبيل الرمز للقطع؛ لأن ﴿لَعَلَّ﴾ من مثل كلام الجبابرة قطع في حصول المطموع فيه، أو تمثيلاً وأنه تعالى يعامل معاملة من يطمع ويرجو، وإلى الأخير الإشارة: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، أي: يتطهر بما يتلقن من الشرائع من بعض أو ضار الإثم، وإدخال لفظ "بعض" في الموضعين، للهضم من حقه، والإيذان بأن المطلوب التطهر أو الطاعة وإن حصل البعض منهما، والتفادي عن فواتهما وإن كان عن البعض، والله أعلم.
قوله: (وقُرئ: "فتنفعه" بالرفع)، عاصم: بالنصب، والباقون: برفعها.
قوله: (﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾)، قال صاحب "المفتاح": "وسبب توليد ﴿لَعَلَّ﴾ معنى التمني في قولهم: لعلي سأحُج فأزورك بالنصب، هو بعد المرجو عن الحصول". وهذه القراءة تقوي مذهب من قال: إن الضمير في ﴿لَعَلَّهُ﴾ للكافر؛ لأن المعنى: ما يُدريك أن ما طمعت فيه وتمنيت من إسلام القوم كائن؟ لأنه مما لا يمكن حصوله، وليس ذلك إلا طمع فارغ، وينصره التفصيل بعده، وهو ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾، ﴿وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى﴾؛ لأنه يقتضي أن يكون للكافر أيضاً ذكر في المجمل.
قوله: (﴿تَصَدَّى﴾: تتعرض بالإقبال)، في "المطلع": أي: تقبل عليه بوجهك وتميل إليه.
стр. 8975
والمصاداة: المعارضة؛ وقرئ: (تصدى) بالتشديد، بإدغام التاء في الصاد. وقرأ أبو جعفر: (تصدى)، بضم التاء، أي: تعرض. ومعناه: يدعوك داع إلى التصدي له، من الحرص والتهالك على إسلامه، وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام (إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ) [الشورى: ٤٨]، (يَسْعَى) يسرع في طلب الخير (وهُوَ يَخْشَى) الله أو يخشى الكفار، وأذاهم في إتيانك. وقيل: جاء وليس معه قائد، فهو يخشى الكبوة. (تَلَهَّى) تتشاغل، من: لهى عنه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمصاداة: المعارضة)، الراغب: الصدى: صوت يرجع من مكان صقيل. والتصدية: كل صوت يجرى مجرى الصدى في أن لا غناء فيه. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] أي: غناءً، ما يوردونه غناء التصدي ومكاء الطير. والتصدي: أن يقابل الشيء مقابلة الصدى، أي: الصوت الراجع من الجبل، قال تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى﴾.
قوله: (وقُرئ: "تصدى"، بالتشديد)، الحرميان، والباقون: بالتخفيف. قال الزجاج: "الأصل في التخفيف: تتصدى، حذفت الثانية لاجتماع تاءين. وفي التشديد أيضاً: تتصدى، فالتاء أيضاً أُدغمت في الصاد لقرب المخرجين".
قوله: (وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام)، وجعل ما نافية، والجملة: حال مقررة لجهة الإشكال، وجعلها الزجاج استفهامية، أي: أي شيء عليك في أن لا يسلم من تدعوه إلى الإسلام؟ .
قوله: (﴿تَلَهَّى﴾: تتشاغل، من: لهى عنه)، الراغب: "اللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، يقال: لهوت بكذا ولهيت عن كذا: اشتغلت عنه بلهو، ويعبر عن كل ما به استمتاع: باللهو".
стр. 8976
والتهى، وتلهى. وقرأ طلحة بن مصرف: (تتلهى)، وقرأ أبو جعفر: (تلهى) أي: يلهيك شأن الصناديد.
فإن قلت: قوله: (فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى)، (فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) كأن فيه اختصاصاً.
قلت: نعم، ومعناه: إنكار التصدي والتلهي عليه، أي: مثلك خصوصاً لا ينبغي له أن يتصدى للغني ويتلهى عن الفقير.
[(كَلاَّ إنَّهَا تَذْكِرَةٌ • فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ • فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ • مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ • بِأَيْدِي سَفَرَةٍ • كِرَامٍ بَرَرَةٍ) ١١ - ١٦].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرأ أبو جعفر: "تُلهى")، قال ابن جني: "وكذلك قرأ: "تُصدى" بضم التاء وفتح الصاد. المعنى: يدعوك داع من زينة الدنيا وشارتها إلى التصدي له والإقبال عليه، وعلى ذلك تُلهى، أي: تُصرف عنه ويزوي وجهك دونه؛ لأنه لا غنى عنده ولا ظاهر معه، فخرج مخرج التنبيه للنبي? ".
وفي "المطلع": تُلهى على بناء المفعول من التلهية. الجوهري: "لهاه به تلهية، أي: علله كما يتعلل الصبي بشيء من الطعام يتجزى به عن اللبن".
قوله: (نعم، ومعناه إنكار التصدي)، اعلم أن نحو: "أنا عرفت" يحتمل التخصيص وتقوي الحكم، وإذا أريد التخصيص يُقدر تقديم الفاعل المعنوي على عامله، ولا بد من قيام قرينة ترجح أحد الاحتمالين. وقرينة الاختصاص هاهنا إضمار حرف الإنكار قبل الضمير المؤذن بأن الكلام في الفاعل لا في الفعل، وإليه الإشارة بقوله: إنكار التصدي والتلهي عليه، ولما بين لفظة "أنت" و "مثل" في مثل هذا التركيب من الملازمة، جعل "أنت" كناية عن المثل في قوله: "مثلك خصوصاً لا ينبغي أن يتصدى للغني ويتلهى عن الفقير".
стр. 8977
(كَلاَّ) ردع عن المعاتب عليه، وعن معاودة مثله، (إنَّهَا تَذْكِرَةٌ) أي: موعظة يجب الاتعاظ والعمل بموجبها. (فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ) أي: كان حافظاً له غير ناس، وذكر الضمير؛ لأنّ التذكرة في معنى الذكر والوعظ. (فِي صُحُفٍ) صفة لتذكرة، يعني: أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح، (مُّكَرَّمَةٍ) عند الله (مَرْفُوعَةٍ) في السماء. أو مرفوعة المقدار، (مُّطَهَّرَةٍ) منزهة عن أيدي الشياطين، لا يمسها إلا أيدي ملائكة مطهرين. (سَفَرَةٍ) كتبة ينتسخون الكتب من اللوح. (بَرَرَةٍ) أتقياء. وقيل: هي صحف الأنبياء، كقوله: (إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى) [الأعلى: ١٨] وقيل السفرة: القراء. وقيل: أصحاب رسول الله ﷺ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿فِي صُحُفٍ﴾: صفة لتذكرة)، قيل للمصنف: قوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ اعتراض؟ قال: لا؛ لأن من شرط الاعتراض أن يكون بواو وبدون واو، فأما بالفاء فلا، ولكنه حث على الذكر والتذكرة، أي: فتذكرها، وعلى كل مسلم أيضاً يجب ذلك.
وقلت: أراد أنه استطراد، وبيانه: أنه لما خاطب النبي? بذلك الخطاب الهائل قيل: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: أن تلك المعاتبة موعظة للسامعين؛ فإن النبي? بجلالته إذا عوتب بذلك الخطاب الفظيع لذلك التصدي والتلهي، فما بال غيره؟ وإذا كان كذلك، فتذكرها أيها السامع. وكان من الظاهر أن يؤخر قوله: ﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ عن وصف التذكرة، فقدم لشدة العناية بها، ولعظم الحادثة عظم الكتب ووصفها بتلك الأوصاف العظيمة، ثم قيل: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾، فجمع في ألفاظ قليلة معاني كثيرة، ثم فصل بقوله: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، إلى آخره.
قوله: ﴿بَرَرَةٍ﴾: أتقياء)، وعن بعضهم: قيل: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، لأنه لو لم يكن لهم من الكلام إلا هذه الواحدة لكفت به، وهي أنهم مع غنيتهم وأنهم في أعلى عليين، يستغفرون للمؤمنين ويذكرون خيرهم، وأنت لا تذكر أخاك إلا بالسوء والقُبح.
стр. 8978
[(قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ • مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ • مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ • ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ • ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ • ثُمَّ إذَا شَاءَ أَنشَرَهُ • كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) ١٧ - ٢٣]
(قُتِلَ الإنسَانُ) دعاء عليه، وهي من أشنع دعواتهم؛ لأن القتل قصارى شدائد الدنيا وفظائعها. و (مَا أَكْفَرَهُ) تعجب من إفراطه في كفران نعمة الله، ولا ترى أسلوباً أغلظ منه. ولا أخشن مساً، ولا أدل على سخط، ولا أبعد شوطاً في المذمة، مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للائمة على قصر متنه، ثم أخذ في وصف حاله من ابتداء حدوثه إلى أن انتهى، وما هو مغمور فيه من أصول النعم وفروعها، وما هو غارز فيه رأسه من الكفران والغمط، وقلة الالتفات، إلى ما يتقلب فيه وإلى ما يجب عليه من القيام بالشكر. (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) من أي شيء حقير مهين خلقه؟ ثم بين ذلك الشيء بقوله: (مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ) فهيأه لما يصلح له ويختص به. ونحوه (وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: ٢]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا أجمع للائمة على قصر متنه)، اللائمة: الملائمة. قال الإمام: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ﴾: تنبيه على أنهم استحقوا أعظم أنواع العقاب عُرفاً، وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ تنبيه على أنهم اتصفوا بأعظم أنواع القبائح والمنكرات شرعاً.
قوله: (غارز فيه رأسه)، كناية عن الانهماك في الشيء والذهاب عما عليه. الأساس: "فلان غارز رأسه في سنة، وما طلع السماك إلا غارزاً ذنبه في برد، وهو الأعزل، يطلع لخمس خلت من تشرين الأول".
قوله: (ونحوه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾)، يعني: مثله في عطف ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ على ﴿وَخَلَقَ﴾، والخلق والتقدير شيء واحد، لكن المراد من التقدير هاهنا التهيؤ والاستعداد، قال: المعنى: أنه أحدث كل شيء إحداثاُ مراعي فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما
стр. 8979
نصب «السبيل» بإضمار (يسر) وفسره بـ (يسر) والمعنى: ثم سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، أو السبيل الذي يختار سلوكه من طريقى الخير والشر بإقداره وتمكينه، كقوله: (إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) [الإنسان: ٣]، وعن ابن عباس ﵄: بين له سبيل الخير والشر. (فَأَقْبَرَهُ) فجعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعله مطروحاً على وجه الأرض جزرا للسباع والطير كسائر الحيوان. يقال: قبر الميت إذا دفنه، وأقبره الميت. إذا أمره أن يقبره ومكنه منه. ومنه قول من قال للحجاج: أقبرنا صالحاً، (أَنشَرَهُ) أنشأه النشأة الأخرى، وقرئ: (نشره). (كَلاَّ) ردع للإنسان عما هو عليه، (لَمَّا يَقْضِ) لم يقض بعد، مع تطاول الزمان وامتداده من لدن آدم إلى هذه الغاية،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصلح له، مثاله: أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المستوي الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا. وينطبق على هذا قوله: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾، على تأويل ابن عباس: ثم بين له سبيل الخير والشر، كما قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣]. ويشكل إذا قيل: السبيل: مخرجه من بطن أمه من حيث النظم.
قوله: (جزراً للسباع)، الجوهري: "جرز السباع: اللحم الذي تأكله، يقال: تركوهم جزراً، بالتحريك: إذا قتلوهم".
قوله: (أقبرنا صالحاً)، الجوهري: "أقبرته، أي: أمرت بأن يقبر. قال تميم للحجاج: أقبرنا صالحاً، وكان قد قتله وصلبه، أي: ائذن لنا في أن نقبره، فقال لهم: دونكموه. قال ابن السِّكّيت: أقبرته، أي: صيرت له قبراً يدفن فيه". وقيل: هو القابر، وأنشد للأعشى:
لو أسندت ميتاً إلى نحرها عاش ولم يُنقل إلى قابر
قوله: (وامتداده من لدن آدم إلى هذه الغاية)، هذا معنى التوقع في لفظ "لما"؛ رويناه
стр. 8980
(مَا أَمَرَه) الله حتى يخرج عن جميع أوامره، يعني: أن إنساناً لم يخل من تقصير قط.
[(فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إلَى طَعَامِهِ • أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَبًا • ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًا • فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًا • وعِنَبًا وقَضْبًا • وزَيْتُونًا ونَخْلاً • وحَدَائِقَ غُلْبًا • وفَاكِهَةً وأَبًا • مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ) ٢٤ - ٣٢].
ولما عدد النعم في نفسه، أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه، فقال: (فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إلَى طَعَامِهِ) إلى مطعمه الذي يعيش به كيف دبرنا أمره، (أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ) يعني الغيث. قرئ بالكسر على الاستئناف، وبالفتح على البدل من الطعام. وقرأ الحسين بن علي ﵄: (أنى صببنا) بالإمالة على معنى: فلينظر الإنسان كيف صببنا الماء. و (ثُمَّ شَقَقْنَا): من شق الأرض بالنبات ويجوز أن يكون من شقها بالكراب على البقر؛ وأسند الشك إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في "صحيح البخاري" عن مجاهد: "لا يقضي أحد ما أُمر به"، أي: لم يقض أحد جميع ما كان مفروضاً؛ لأن الإنسان لا ينفك عن التقصير.
قوله: (﴿مَا أَمَرَهُ﴾ الله)، قال صاحب "الكشف": "الأصل: ما أمره الله فحذف الباء ثم حذف الهاء الأولى، فصار: ما أمره، فالهاء الباقية للموصولة، والمحذوفة للإنسان".
قوله: (قُرئ بالكسر على الاستئناف)، الكوفيون: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا﴾ بفتح الهمزة، والباقون: بكسرها.
قوله: (وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب)، الانتصاف: ما رأيت كاليوم عبداً ينازع ربه بقوله: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا﴾ حقيقة، يجعله مجازاًّ ويضيفها إلى الحراث حقيقة.
стр. 8981
و «الحب»: كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما. و «القضب»: الرطبة، والمقضاب: أرضه، سمي بمصدر قضبه إذا قطعه؛ لأنه يقضب مرة بعد مرة (وحَدَائِقَ غُلْبًا) يحتمل أن يجعل كل حديقة غلباء، فيريد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها، كما تقول: حديقة ضخمة، وأن يجعل شجرها غلباً، أي: عظاماً غلاظاً. والأصل في الوصف بالغلب: الرقاب؛ فاستعير؛ قال عمرو بن معد يكرب:
يمشى بها غلب الرقاب كأنهم … بزل كسين من الكحيل جلالا
والأب: المرعى؛ لأنه يؤب أي يؤم وينتجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من نحو الحنطة والشعير)، الراغب: "الحب والحبة: في الحنطة والشعير ونحوهما من المطعومات، والحب والحبة: في بروز الرياحين".
قوله: (والأصل في الوصف بالغُلب: الرِّقاب، فاستعير)، وهو من استعارة المرسن لأنف الإنسان.
قوله: (يمشي بها غُلب الرِّقاب) البيت، الضمير في "بها": عائد إلى الخيل أو الكتيبة غُلْب الرِّقاب، أي غلاظ الأعناق. والبزل: جمع البازل، وهو يطلق على الذكور والإناث من الإبل إذا فطر نابه، إذا جعل الضمير للكتيبة كانت الباء تجريدية، وقيل: يصف أرضاً مأسدة، يقول: يمشي بهذه الأرض أسود غلاظ العُنق، كأنها نوق كسين جلالاً من القطران.
قوله: (والأب: المرعى)، الراغب: "الأب: المرعى المتهييء للرعي، من قولهم: أب لكذا: إذا تهيأ، وأب إلى وطنه: إذا نزع إليه نزوعاً: تهيأ لقصده. وإبان ذلك: فعلان منه، وهو الزمان المهيأ لفعله ومجيئه".
стр. 8982
والأبّ والأمّ أخوان قال:
جذمنا قيسٌ ونجد دارنا … ولنا الأبّ به والمكرع
وعن أبى بكرٍ الصديق ﵁ أنه سئل عن الأب فقال: أيّ سماءٍ تظلني، وأيّ أرضٍ تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا علم لي به. وعن عمر ﵁: أنه قرأ هذه الآية فقال: كل هذا قد عرفنا، فما الأب؟ ثم رفض عصاً كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكلف، وما عليك يا ابن أمّ عمر أن لا تدرى ما الأب، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا فدعوه.
فإن قلت: فهذا يشبه النهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والأب والأم) بفتح الهمزة فيهما (أخوان)، أي: مثلان في معنى القصد.
قوله: (جُذمنا قيس) البيت، الجذم: الأصل، والمكرع: المنهل. يقال: كرعوا فيها أي: تناولوا الماء بأفواهمم، روي عن المصنف: كرعت الإبل: غيبت أكارعها، يقول: أصلنا من قبيلة قيس، ومنهلنا ومرعانا نجد.
قوله: (وعن عمر ﵁، أنه قرأ هذه الآية)، روينا في "صحيح البخاري"، عن أنس أن عمر قرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، قال: فما الأب؟ ثم قال: ما كُلفنا - أو قال: ما أُمِرنا - بهذا.
قوله: (كل هذا)، أي: من الحب والعنب والقضب والزيتون والنخل، ثم رفض عصاه، أشار برفض عصاه إلى: أن ارفضوا هذا.
стр. 8983
قلت: لم يذهب إلى ذلك، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل، وكان التشاغل بشيءٍ من العلم لا يعمل به تكلفاً عندهم؛ فأراد أنّ الآية مسوقةٌ في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره، وقد علم من فحوى الآية أنّ الأب بعض ما أنبته الله للإنسان متاعاً له أو لإنعامه؛ فعليك بما هو أهم من النهوض بالشكر لله على ما تبين لك ولم يشكل مما عدّد من نعمه، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسمٌ له، واكتف بالمعرفة الجملية إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت، ثم وصى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن.
[(فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ) ٣٢ - ٤١].
يقال: صخّ لحديثه، مثل: أصاخ له، فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فوصفت النفخة بالصاخة مجازاً)، الراغب: "الصاخة: شدة صوت ذي النطق، يقال: صخ يصخ فهو صاخ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾: عبارة عن القيامة"، وقال الزجاج: "الصاخة هي الصخة التي تكون عندها القيامة، تصخ الأسماع، أي: تصمها فلا تسمع إلا ما تدعي به أحيائها. ثم فسر في أي وقت تجيء فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ﴾، ثم وصف أحوال المؤمنين والكافرين بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ الآية". وقال أبو البقاء: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ﴾: العامل فيها جوابها، وهو معنى قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ﴾، وقال المصنف في
стр. 8984
لأنّ الناس يصخون لها، يَفِرُّ منهم لاشتغاله بما هو مدفوعٌ إليه، ولعلمه أنهم لا يغنون عنه شيئاً؛ وبدأ بالأخ، ثم بالأبوين؛ لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين؛ لأنهم أقرب وأحب؛ كأنه قال: يفرّ من أخيه، بل من أبويه، بل من صاحبته وبنيه. وقيل: يفرّ منهم حذراً من مطالبتهم بالتبعات. يقول الأخ: لم تواسني بمالك، والأبوان: قصرت في برنا، والصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون: لم تعلمنا ولم ترشدنا، وقيل: أوّل من يفرّ من أخيه: هابيل؛ ومن أبويه: إبراهيم، ومن صاحبته: نوحٌ ولوط؛ ومن ابنه: نوح، (يُغْنِيهِ) يكفيه في الاهتمام به. وقرئ: (يعنيه)، أي: يهمه، (مُسْفِرَةٌ) مضيئةٌ متهللة، من أسفر الصبح: إذا أضاء. وعن ابن عباسٍ ﵄: من قيام الليل؛ لما روى في الحديث: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»، وعن الضحاك: من آثار الوضوء، وقيل: من طول ما اغبرت في سبيل الله (غَبَرَةٌ) غبارٌ يعلوها، (قَتَرَةٌ) سوادٌ كالدخان؛ ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، كما ترى من وجوه الزنوج إذا اغبرت؛ وكأن الله يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة، كما جمعوا الفجور إلى الكفر.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة (عبس وتولى) جاء يوم القيامة ووجهه ضاحكٌ مستبشر».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ [النازعات: ٣٤]: [﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾]: بدل من "إذا جاءت"، يعني: إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها وكان قد نسيها، فالمعنى: فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه.
قوله: (بما هو مدفوع إليه)، أي: من الأمور القادحة التي تثقله كقوله تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]. الأساس: دفعت إلى أمر كذا، وأنا مدفوع إليه: مضطر.
تمت السورة
стр. 8985
سورة التكوير
مكية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ • وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ • وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ • وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ • وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ • وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ • وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ • وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ • بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ • وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ • وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ • وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ • وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ • عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) ١ ـ ١٤].
في التكوير وجهان: أن يكون من كوّرت العمامة إذا لففتها، أي: يلف ضوءها لفاً فيذهب انبساطه وانتشاره في الآفاق، وهو عبارةٌ عن إزالتها والذهاب بها؛ لأنها ما دامت باقيةً كان ضياؤها منبسطاً غير ملفوف. أو يكون لفها عبارةً عن رفعها وسترها؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة التكوير
مكية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أو يكون لفها)، عطف على قوله: أي: يلف ضوءها لفاً، وقوله: "وأن يكون من: طعنه"، عطف على قوله: "أن يكون من كُورت العمامة"، وهو الوجه الثاني، وكلا
стр. 8986
لأنّ الثوب إذا أريد رفعه لف وطوي؛ ونحوه قوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّماء) [الأنبياء: ١٠٤ َ] وأن يكون من طعنه فجوّره وكوّره: إذا ألقاه، أي: تلقى وتطرح عن فلكها، كما وصفت النجوم بالانكدار. فإن قلت: ارتفاع الشمس على الابتداء أو الفاعلية؟
قلت: بل على الفاعلية، رافعها فعلٌ مضمرٌ يفسره كوّرت؛ لأنّ «إذا» يطلب الفعل لما فيه من معنى الشرط (انْكَدَرَتْ) انقضت، قال:
أبصر خربان فضاءٍ فانكدر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوجهين كناية. الراغب: "كور الشيء: إدارته وضم بعضه إلى بعض، ككور العمامة. وطعنه فكوره: إذا ألقاه مجتمعاً".
قوله: (فجوره)، بالجيم، الجوهري: "ضربه فجوره، أي: صرعه، مثل: كوره، فتجور".
قوله: (﴿انكَدَرَتْ﴾: انقضت)، الراغب: "الكدر: ضد الصفاء، يقال: عيش كدر، والكدرة: في اللون خاصة، والكدرة في الماء والعيش، والانكدار: تغير من انتشار الشيء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾. وانكدار القوم على كذا: إذا قصدوا متناثرين عليه".
قوله: (أبصر خربان فضاء فانكدر)، قبله في "المطلع":
تقضى البازي إذا البازي كسر داني جناحيه من الطور فمر
انقضت: هوت. خربان: جمع خرب، وهو ذكر الحبارى، فانكدر، أي أبصر البازي الحُبارى فانقض وسقط عليه. والشعر للعجاج يمدح عمر بن معمر.
стр. 8987
ويروى في الشمس والنجوم: أنها تطرح في جهنم ليراها من عبدها كما قال: (إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) [الأنبياء: ٩٨]، (سُيِّرَتْ) أي على وجه الأرض وأبعدت، أو سيرت في الجوّ تسيير السحاب كقوله (وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ) [النمل: ٨٨]. والعشار في جمع عشراء، كالنفاس في جمع نفساء: وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم هو اسمها إلى أن تضع لتمام السنة، وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزها. (عُطِّلَتْ) تركت مسيبة مهملة. وقيل: عطلها أهلها عن الحلب والصر، لاشتغالهم بأنفسهم. وقرئ: (عطلت) بالتخفيف. (حُشِرَتْ) جمعت من كل ناحية؛ قال قتادة: يحشر كل شيءٍ حتى الذباب للقصاص. وقيل: إذا قضى بينها ردّت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرورٌ لبنى آدم وإعجابٌ بصورته، كالطاوس ونحوه. وعن ابن عباسٍ ﵄: حشرها موتها. يقال: إذا أجحفت السنة بالناس وأموالهم حشرتهم السنة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿عُطِّلَتْ﴾: تُركت مُسيبة)، الراغب: "العطل: فقدان الزينة والشغل، يقال: عطلت المرأة فهي عَطِل وعاطل، وعطلته من الحلي ومن العمل فتعطل، قال تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ [الحج: ٤٥]، ويقال لمن يجعل العالم بجهله وبزعمه فارغاً عن صانع أتقنه وزينة: معطل، وعطل الدار عن ساكنيها والإبل عن راعيها".
قوله: (يُحشر كل شيء حتى الذباب)، عن مسلم والترمذي، عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال النبي? : "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" وزاد أحمد بن حنبل: وحتى الدرة من الدرة".
قوله: (إذا أجحفت السنة)، بالجيم والحاء المهملة. الأساس: "أجحف بهم الدهر: استأصلهم، وأجحفهم فلان: كلفهم ما لا يطاق، وسنة مجحفة".
стр. 8988
وقرئ (حشرت) بالتشديد. (سُجِّرَتْ) قرئ بالتخفيف والتشديد، من سجر التنور: إذا ملأه بالحطب، أي: ملئت وفجر بعضها إلى بعضٍ حتى تعود بحراً واحداً. وقيل: ملئت نيراناً تضطرم لتعذيب أهل النار. وعن الحسن: يذهب ماؤها فلا تبقى فيها قطرة. (زُوِّجَتْ) قرنت كل نفسٍ بشكلها، وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد. وقيل بكتبها وأعمالها. وعن الحسن هو كقوله: (وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً) [الواقعة: ٧] وقيل: نفوس المؤمنين بالحور، ونفوس الكافرين بالشياطين. وأد يئد مقلوبٌ من آد يؤود: إذا أثقل. قال الله تعالى: (وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما) [البقرة: ٢٥٥]؛ لأنه إثقالٌ بالتراب: كان الرجل إذا ولدت له بنتٌ فأراد أن يستحييها: ألبسها جبةً من صوفٍ أو شعرٍ ترعى له الإبل والغنم في البادية؛ وإن أراد قتلها تركها، حتى إذا كانت سداسيةً فيقول لأمها: طيبيها وزينيها، حتى أذهب بها إلى أحمائها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿سُجِّرَتْ﴾ قُرئ بالتخفيف والتشديد)، ابن كثير وأبو عمرو: بالتخفيف، والباقون: بالتشديد.
قوله: (قُرنت كل نفس بشكلها)، في "الكواشي": يُقرن الصالح بالصالح في الجنة، ويُقرن الطالح بالطالح في النار.
قوله: (وعن الحسن: هو كقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾)، فالأزواج على هذا: الأصناف، قال: يقال للأصناف التي بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض: أزواج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ [طه: ١٣١].
قوله: (فأراد أن يستجيبها)، هو من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩].
قوله: (سُداسية)، أي: بلغت قامتها ستة أشبار، وعمرها ست سنين.
الأساس: "إزار سديس وسداسي: ست أذرع، وأسدس البعير: ألقى سديسه".
стр. 8989
وقد حفر لها بئراً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها: انظري فيها، ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض. وقيل: كانت الحامل إذا أقربت حفرت حفرةً فتمخضت على رأس الحفرة؛ فإذا ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت ابناً حبسته.
فإن قلت: ما حملهم على وأد البنات؟
قلت: الخوف من لحوق العار بهم من أجلهنّ، أو الخوف من الإملاق، كما قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) [الإسراء: ٣١]، وكانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به، فهو أحق بهنّ. وصعصعة بن ناجية ممن منع الوأد؛ فيه افتخر الفرزدق في قوله:
ومنّا الّذي منع الوائدات … فأحيا الوئيد فلم توأد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومنا الذي) البيت، وفي رواية:
وجدي الذي
الوئيد: فعيل بمعنى مفعول، فلذا لم يؤنث. روي أن صعصعة جد الفرزدق قدم على رسول الله? ، فعرض عليه الإسلام، فقال له: يا رسول الله، عملت أعمالاً في الجاهلية، فهل لي فيها أجر؟ أحييت ثلاث مئة وستين من الموءودة، واشتريت كل واحدة منها بناقتين عشراوين وجمل، قال رسول الله? : "هذا باب من البر ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام"، وبه افتخر الفرزدق، والله أعلم بصحبته.
وعد صاحب "الاستيعاب" صعصعة جد الفرزدق في الصحابة، وقال: روى عنه
стр. 8990
فإن قلت: فما معنى سؤال الموءودة عن ذنبها الذي قتلت به؛ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها؟
قلت: سؤالها وجوابها تبكيتٌ لقاتلها، نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى: (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتخذوني) إلى قوله: (سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) [المائدة: ١١٦]. وقرئ: (سألت)، أي: خاصمت عن نفسها، وسألت الله أو قاتلها؛ وإنما قيل (قُتِلَتْ) بناءً على أن الكلام إخبارٌ عنها؛ ولو حكي ما خوطبت به حين سئلت. فقيل: قتلت أو كلامها حين سئلت لقيل: قتلت. وقرأ ابن عباسٍ ﵄: (قتلت)، على الحكاية، وقرئ (قتلت) بالتشديد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طفيل بن عمرو، وابنه عقال بن صعصعة، وروى عنه الحسن، وكان من أشراف بني تميم وكان في الجاهلية يفتدي الموءودات من بني تميم، وقال الفرزدق فيه:
وجدي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم تُوأد
قوله: (فما معنى سؤال الموءودة؟ ) الفاء دلت على إنكار على كلامه السابق، أي: ذكرت أن موجب الوأد؛ إما خوف العار أو الإملاق، لا من ذنب صدر عنها، فما معنى سؤال الموءودة، إلى آخره.
قوله: (تبكيت لقائلها)، الأساس: "بكته بالحجة وبكته: غلبه، يقال: بكته حتى أسكته". وتقريره أن المجني عليه إذا سُئل بمحضر من الجاني ونُسب إليه الجناية دون الجاني، كان ذلك بعثاً للجاني على التفكر في حال نفسه وحال المجني عليه، فيعثر على براءة ساحة صاحبه، وعلى أنه هو المستحق لكل نكال فيفحم، وهذا نوع من الاستدراج واقع على طريق التعريض.
стр. 8991
وفيه دليلٌ بينٌ على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يستحق إلا بالذنب، وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموؤودة من الذنب: فما أقبح به، وهو الذي لا يظلم مثقال ذرّةٍ أن يكرّ عليها بعد هذا التبكيت فيفعل بها ما تنسى عنده فعل المبكت من العذاب الشديد السرمد! وعن ابن عباسٍ ﵄ أنه سئل عن ذلك، فاحتجّ بهذه الآية. (نُشِرَتْ) قرئ بالتخفيف والتشديد، يريد: صحف الأعمال؛ تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب. عن قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تطوى على عملك، ثم تنشر يوم القيامة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وفيه دليل بين على أن أطفال المشركين لا يُعذبون)، ودليله أنه إذا بكت الله الكافرين ببراءة الموءودة من الذنب، فما أقبح به، وهو الذي لا يَظلم مثقال ذرة، أن يكر عليها بعد ذلك هذا التبكيت! وهو مبني على مسألة الحسن والقُبح العقلي. وروينا خلافه عن البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله? عن أولاد المشركين، فقال: "الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين". تفسيره ما روى أبو داود، عن عائشة ﵂، قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: "من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين. قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ فقال: "من آبائهم"، أي: متصلين بهم، كقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٨]. وفي "مسند" الإمام أحمد بن حنبل: سألت خديجة عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله? : "هما في النار".
قوله: (﴿نُشِرَتْ﴾ قُرئ بالتخفيف)، نافع وعاصم وابن عامر، والباقون: بتشديدها.
стр. 8992
فلينظر رجلٌ ما يملى في صحيفته. وعن عمر ﵁ أنه كان إذا قرأها قال: إليك يساق الأمر يا ابن آدم. وعن النبي ﷺ أنه قال: «يحشر الناس عراةً حفاةً»، فقالت أمّ سلمة: كيف بالنساء؟ فقال: شغل الناس يا أمّ سلمة. قالت: وما شغلهم؟ قال: "نشر الصحف فيها مثاقيل الذرّ ومثاقيل الخردل". ويجوز أن يراد: نشرت بين أصحابها، أي فرقت بينهم. وعن مرثد بن وداعة: إذا كان يوم القيامة تطايرت الصحف من تحت العرش، فتقع صحيفة المؤمن في يده في جنةٍ عالية، وتقع صحيفة الكافر في يده في سمومٍ وحميم، أي مكتوبٌ فيها ذلك، وهي صحفٌ غير صحف الأعمال. (كُشِطَتْ) كشفت وأزيلت، كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء. وقرأ ابن مسعودٍ (قشطت) واعتقاب الكاف والقاف كثير. يقال: لبكت الثريد ولبقته، والكافور والقافور. (سُعِّرَتْ) أو قدت إيقاداً شديداً، وقرئ: (سعرت) بالتشديد للمبالغة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يُحشر الناس عُراة)، الحديث من رواية الترمذي، عن ابن عباس، أن النبي? قال: "تحشرون حفاة عراة غُرلاً". فقالت امرأة: أيبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة، لكل امرئٍ منهم يومئذٍ شأن يغنيه". وعن البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂، قلت: الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: "الأمر أشد من أن يُهمهم ذلك".
قوله: (لبكت الثريد ولبقته)، الأساس: "لبق طعامه ولبقه، يلبقه، مثل: لبكه: إذا خلطه ولينه، ومنه: رجل لبق ولبيق: [لين] الأخلاق لطيف ظريف".
قوله: (وقُرئ ﴿سُعِّرَتْ﴾ بالتشديد)، نافع وحفص وابن ذكوان، والباقون: بالتخفيف.
стр. 8993
قيل: سعرها غضب الله تعالى وخطايا بني آدم، (أُزْلِفَتْ) أدنيت من المتقين، كقوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) [ق: ٣١]، قيل: هذه اثنتا عشرة خصلة؛ ست منها في الدنيا، وست في الآخرة.
و(عَلِمَتْ) هو عامل النصب في (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) وفيما عطف عليه. فإن قلت: كل نفسٍ تعلم ما أحضرت، كقوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) [آل عمران: ٣٠]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ست منها في الدنيا)، وهي من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، (وست في الآخرة)، وهي من قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾.
قوله: (و ﴿عَلِمَتْ﴾ هو عامل النصب في ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾)، قال الزجاج: "التقدير: إذا كانت هذه الأشياء، علمت كل نفس ما أحضرت من خير أو شر تُجزى به". وقال صاحب "الكشف": "هذه اثنتا عشرة خصالاً: من قوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ﴾، كلها مضافة إلى الجمل، لم يتم بها الكلام، وإنما إتمامه بما عمل فيها من قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾، فهي جملة من فعل وفاعل، ثم ابتدأ فأقسم، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾، وتمامه آخر السورة؛ لأن قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ جواب القسم".
قوله: (كقوله: ﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠])، الراغب: "الحضر: خلاف البدو، والحضارة والحضارة: السكون بالحضر، كالبداوة والبداوة، ثم جُعل ذلك [اسماً] لشهادة مكان أو إنسان أو غيره. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، نحو: جاء أحدكم الموت، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ
стр. 8994
لا نفسٌ واحدةٌ، فما معنى قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ)؟
قلت: هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٨]، فذلك من باب الكناية، أي: أن يحضرني الجن، وكني عن المجنون بالمحتضر وعمن حضره الموت بذلك".
قوله: ﴿مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا﴾، أي: مُشاهداً مُعايناً عنده.
قوله: (لا نفس واحدة)، يعني: نفس في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات، فلا يُفيد العموم والمقام يقتضيه. وأجاب الإمام بجوابين، أحدهما: ما ذكره المصنف ثم قال: "وهذا كمن يسأل عالماً عن مسألة ظاهرية ويقول له: هل عندك شيء فيها؟ فيقول ربما حضر شيء، وغرضه الإشارة إلى أن ما عنده في تلك المسألة، ما لا يقوم به غيره، وثانيهما: لعل الكفار كانوا يُتعبون أنفسهم في الدنيا فيما يعتقدونه طاعات، ثم بدا لهم يوم القيامة خلاف ذلك".
وقلت: والتنوين في ﴿نَفْسٌ﴾ إذن: للنوع، أي: علمت نفس كافرة أن ما حسبته طاعة كان وبالاً عليها، ويؤيده قوله: ﴿وَإِذَاالْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾. وأما الواحدي ومحيي السنة فقد قالا: "علمت كل نفس ما أحضرت من خير أو شر"، وقال القاضي: "نفس في معنى العموم، كقولهم: تمرة خير من جرادة".
قوله: (يقصدون به الإفراط فيما يُعكس عنه)، أي: يقصدون الإفراط في الشيء الذي يجعل الكلام معكوساً عنه، مثاله: ﴿نَفْسٌ﴾ فيما نحن بصدده، فإنها تُفيد القلَّة وضعت موضع الكثرة تعكيساً، لإرادة الإفراط في الكثرة.
стр. 8995
ومنه قوله : (رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ) [الحجر: ٢] ومعناه: معنى كم، وأبلغ منه وقول القائل:
قد أترك القرن مصفرّا أنامله
وتقول لبعض قوّاد العساكر: كم عندك من الفرسان؟ فيقول: رب فارسٍ عندي. أولا تعدم عندي فارساً، وعنده المقانب: وقصده بذلك التمادي في تكثير فرسانه. ولكنه أراد إظهار براءته من التزيد، وأنه ممن يقلل كثير ما عنده، فضلاً أن يتزيد، فجاء بلفظ التقليل، ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قد أترك القرن مُصفراً أنامله)، تمامه:
كأن أثوابه مُجَّت بفرصاد
القرن: مثلك في الشجاعة. مُصفراً أنامله: كناية عن القتل. ومجَّ الماء من فيه: رمى به، الفرصاد: التوت. يقول: أترك قرني في المعركة مقتولاً مُلطخ الثوب بالدم. أراد بالتقليل في قوله: "قد أترك القِرن"، التكثير لمقام المدح.
قوله: (المقانب)، الجوهري: "المقنب: ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل".
قوله: (ففهم منه معنى الكثرة على الصحة واليقين)، وذلك أن العكس في الكلام إنما يُصار إليه للمبالغة، والمتكلم إنما يتمكن منه إذا لم يُنازع فيما عكس فيه، وأنه كالمجمع عليه بقرائن الأحوال، ولذلك قال: وتقول لبعض قُواد العساكر، وعليه قوله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢].
стр. 8996
وعن ابن مسعود ﵁، أنّ قارئاً قرأها عنده، فلما بلغ (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) قال: وانقطاع ظهرياه!
[(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) ١٥ - ١٨].
(بِالْخُنَّسِ) الرواجع، بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوله، و (الْجَوارِ) السيارة. و (الْكُنَّسِ) الغيب، من كنس الوحشي: إذا دخل كناسه. قيل: هي الدراري الخمسة: بهرام، وزحل، وعطارد، والزهرة، والمشترى، تجرى مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس؛ فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب، تخنس بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل: أي تطلع في أماكنها، كالوحش في كنسها، عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر. قال العجاج:
حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقيل: (عسعس): إذا أقبل ظلامه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعطارد والزُّهرة)، عن بعضهم: صح الزُّهَرة، بفتح الهاء.
قوله: (حتى إذا الصُّبح لها تنفَّسا) البيت، الضمير في "عنها" و"لها" و"ليلها": للمفازة. وانجاب: انكشف، وانجابت السحابة: انكشفت.
قوله: (وقيل: ﴿عَسْعَسَ﴾: إذا أقبل ظلامه)، قال الواحدي: " ﴿عَسْعَسَ﴾: أدبر وذهب، وقال الحسن: أقبل بظلامه، وهو من الأضداد. ويدل على أن المراد هاهنا أدبر قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، أي: امتد ضوؤه حتى يصير نهاراً"، ولمن يقول بالأول أن يقول: إن التقابل لا يحصل إلا إذا فُسر بأقبل. وعن بعضهم: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أقبل وأدبر، وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه، فالعسعسة والعساس: رقة الظلام، وذلك في طرفي الليل، والعَس والعسس: نفض الليل من أهل الريبة، فجعل ذلك نفساً له على المجاز بأدنى ملابسة. وقال الإمام: "ويجوز
стр. 8997
فإن قلت: ما معنى تنفس الصبح؟
قلت: إذا أقبل الصبح: أقبل بإقباله روحٌ ونسيم، فجعل ذلك نفساً له على المجاز وقيل: تنفس الصبح.
[(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ١٩ - ٢١].
(إِنَّهُ) الضمير للقرآن، (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) هو جبريل صلوات الله عليه، (ذِي قُوَّةٍ) كقوله تعالى: (شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ) [النجم: ٥ ـ ٦]؛ لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن، قال: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) ليدل على عظم منزلته ومكانته (ثَمَّ) إشارةٌ إلى الظرف المذكور، أعنى: عند ذي العرش، على أنه عند الله مطاعٌ في ملائكته المقرّبين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه. وقرئ: (ثم) تعظيماً للأمانة، وبياناً لأنها أفضل صفاته المعدودة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يشبه النهار الذي غشيه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي يخنس، وإذا تنفس يجد راحة، فالصبح لما تخلص من الظلام، كأنه تخلص من كربه، وهو استعارة لطيفة".
قوله: (لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن)، يعني: وصف جبريل بقوله: ﴿مَكِينٍ﴾، وخص من أوصاف الله ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾، ليدل على عظم منزلة جبريل عند الله ومكانته؛ لأن حال الشخص يتفاوت بتفاوت حال من له عنده المنزلة، فمرتبة من يُلازم السلطان عند سرير الملك، مُباين لمرتبة من يلازمه عند الوضوء. قال القاضي: "معنى قوله: ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: عند الله ذي مكانة".
قال الإمام: معنى: ﴿مَكِينٍ﴾: ذي الجاه الذي يُعطى ما سأل، يقال: مُكن فلان، بالضم، عند فلان، مكانة.
قوله: (بياناً لأنها أفضل صفاته)؛ لن ثم للتراخي في المرتبة هاهنا.
стр. 8998
[(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) ٢٢].
(وَما صاحِبُكُمْ) يعنى: محمداً ﷺ (بِمَجْنُونٍ) كما تبهته الكفرة، وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكان جبريل ﵇ وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته أفضل الإنس محمد ﷺ ، إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما، وقايست بين قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)، وبين قوله: (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكان جبريل … ومُباينة منزلة لمنزلة أفضل الإنس)، الانتصاف: "ما يرضى له جبريل هذا التفسير المقتضي لتنقيص البشير النذير، السراج المنير، وقد قيل: الرسول الكريم محمد صلوات الله عليه، ولو كان جبريل، وقيل بتفضيل الملائكة مثلاً، لما جاز أيضاً؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تنقيص أحد منهم بتعيين من يفضل عليه بعينه، وفي معناه: "لا تُفضلوني على يونس بن متى"، فلو قلت: زيد أفضل أهل عصره لما شق [على أحد، بخلاف] ما إذا قلت: هو أفضل منك أيها المخاطب. وهذه الصفات إذا سُلمت لجبريل في حق نبينا في آخر الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الآية: ٤٠] ".
وإن قيل: هو جبريل: رد بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]. والزمخشري وافق هناك. وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾، لا نزاع أن جبريل أقوى، وقوله: ﴿مُّطَاعٍ﴾، فطاعة الملائكة لنبينا ظاهرة، فقال له ملك الجبال: إن الله أمرني أن أُطيعك، فإن أمرتني أن أُطبق عليهم الأخشبين فعلت. وله الشفاعة: العامة والخاصة. وأما أنه أمين فقوله صلوات الله عليه: "إني أمين في السماء أمين في الأرض".
стр. 8999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام ما معناه: "كما أنه أجرى على جبريل هذه الصفات هاهنا، أجرى على نبينا صلوات الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، فإفراد أحد الشخصين بالذكر وإجراء صفاته عليه، لا يدل على انتفاء تلك الصفات عن الآخر".
وقال القاضي: "استدلاله ضعيف، إذ المقصود من ذلك رد قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما".
وقلت: سيقت الآيات لبيان شأن الكتاب، حيث جعل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ مقسماً عليه بالأقسام السابقة فذُكر محمد صلوات الله عليه، وجبريل ﵇ تابع لذكره، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣]؛ لأنهم كانوا يقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه كاهن، وشاعر، فرد الله عليهم بهذه الآيات، يعني: أنه صلوات الله عليه يتلقى هذا القرآن من لدُن حكيم عليم، بواسطة ملك مقرب، ومن صفاته أنه كيت وكيت، لا من جني متمرد رجيم كما يفترونه، ولذا فالموازنة إذن بين الجني والملك، لا بين محمد صلوات الله عليه والملك.
وأما تسميته مجنوناً في قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، فعلى المشاكلة وإطباق الجواب على ما سُمع منهم، ويؤيده قول الزجاج: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ جواب القسم، أي: أقسم بهذه الأشياء أن القرآن نزل به جبريل وأن صاحبكم ليس بمجنون؛ لأنهم قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. تم كلامه.
стр. 9000
[(وَلَقَدْ رءاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) ٢٣ ـ ٢٥].
(وَلَقَدْ رَأَىهُ) ولقد رأى رسول الله ﷺ جبريل، (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) بمطلع الشمس الأعلى، (وَما هُوَ) وما محمد على ما يخبر به من الغيب، من رؤية جبريل والوحي إليه وغير ذلك، (بِظَنِين) بمتهمٍ من الظنة وهي التهمة. وقرئ: (بضنينٍ)، من الضنّ وهو البخل أي: لا يبخل بالوحي فيزوى بعضه غير مبلغه؛ أو يسأل تعليمه فلا يعلمه؛ وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبىّ بالضاد، وكان رسول الله ﷺ يقرأ بهما.
وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ؛ فإنّ أكثر العجم لا يفرّقون بين الحرفين، وإن فرقوا ففرقاً غير صواب، وبينهما بونٌ بعيد؛ فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم إنك إن أمعنت النظر، وقفت على أن في إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماجاً لتعظيم الرسول? ، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش، بأن جعل السفير بينه وبينه، مثل هذا الملك المُقرب المُطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة إلى رسول الله? رفعة منزلته، كالقول في قوله: ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل كما سبق والله أعلم.
قوله: (هو في مصحف عبد الله بالظاء)، ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: بالظاء، والباقون: بالضاد.
следующие страницы →