Полный текст (9 345 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.
стр. 8996
وعن ابن مسعود ﵁، أنّ قارئاً قرأها عنده، فلما بلغ (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) قال: وانقطاع ظهرياه!
[(فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) ١٥ - ١٨].
(بِالْخُنَّسِ) الرواجع، بينا ترى النجم في آخر البرج إذ كرّ راجعاً إلى أوله، و (الْجَوارِ) السيارة. و (الْكُنَّسِ) الغيب، من كنس الوحشي: إذا دخل كناسه. قيل: هي الدراري الخمسة: بهرام، وزحل، وعطارد، والزهرة، والمشترى، تجرى مع الشمس والقمر، وترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس؛ فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب، تخنس بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل: أي تطلع في أماكنها، كالوحش في كنسها، عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر. قال العجاج:
حتّى إذا الصّبح لها تنفّسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وقيل: (عسعس): إذا أقبل ظلامه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وعطارد والزُّهرة)، عن بعضهم: صح الزُّهَرة، بفتح الهاء.
قوله: (حتى إذا الصُّبح لها تنفَّسا) البيت، الضمير في "عنها" و"لها" و"ليلها": للمفازة. وانجاب: انكشف، وانجابت السحابة: انكشفت.
قوله: (وقيل: ﴿عَسْعَسَ﴾: إذا أقبل ظلامه)، قال الواحدي: " ﴿عَسْعَسَ﴾: أدبر وذهب، وقال الحسن: أقبل بظلامه، وهو من الأضداد. ويدل على أن المراد هاهنا أدبر قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، أي: امتد ضوؤه حتى يصير نهاراً"، ولمن يقول بالأول أن يقول: إن التقابل لا يحصل إلا إذا فُسر بأقبل. وعن بعضهم: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أقبل وأدبر، وذلك في مبدأ الليل ومنتهاه، فالعسعسة والعساس: رقة الظلام، وذلك في طرفي الليل، والعَس والعسس: نفض الليل من أهل الريبة، فجعل ذلك نفساً له على المجاز بأدنى ملابسة. وقال الإمام: "ويجوز
стр. 8997
فإن قلت: ما معنى تنفس الصبح؟
قلت: إذا أقبل الصبح: أقبل بإقباله روحٌ ونسيم، فجعل ذلك نفساً له على المجاز وقيل: تنفس الصبح.
[(إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) ١٩ - ٢١].
(إِنَّهُ) الضمير للقرآن، (لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) هو جبريل صلوات الله عليه، (ذِي قُوَّةٍ) كقوله تعالى: (شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ) [النجم: ٥ ـ ٦]؛ لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن، قال: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ) ليدل على عظم منزلته ومكانته (ثَمَّ) إشارةٌ إلى الظرف المذكور، أعنى: عند ذي العرش، على أنه عند الله مطاعٌ في ملائكته المقرّبين يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه. وقرئ: (ثم) تعظيماً للأمانة، وبياناً لأنها أفضل صفاته المعدودة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يشبه النهار الذي غشيه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي يخنس، وإذا تنفس يجد راحة، فالصبح لما تخلص من الظلام، كأنه تخلص من كربه، وهو استعارة لطيفة".
قوله: (لما كانت حال المكانة على حسب حال الممكن)، يعني: وصف جبريل بقوله: ﴿مَكِينٍ﴾، وخص من أوصاف الله ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾، ليدل على عظم منزلة جبريل عند الله ومكانته؛ لأن حال الشخص يتفاوت بتفاوت حال من له عنده المنزلة، فمرتبة من يُلازم السلطان عند سرير الملك، مُباين لمرتبة من يلازمه عند الوضوء. قال القاضي: "معنى قوله: ﴿عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾: عند الله ذي مكانة".
قال الإمام: معنى: ﴿مَكِينٍ﴾: ذي الجاه الذي يُعطى ما سأل، يقال: مُكن فلان، بالضم، عند فلان، مكانة.
قوله: (بياناً لأنها أفضل صفاته)؛ لن ثم للتراخي في المرتبة هاهنا.
стр. 8998
[(وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) ٢٢].
(وَما صاحِبُكُمْ) يعنى: محمداً ﷺ (بِمَجْنُونٍ) كما تبهته الكفرة، وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكان جبريل ﵇ وفضله على الملائكة، ومباينة منزلته أفضل الإنس محمد ﷺ ، إذا وازنت بين الذكرين حين قرن بينهما، وقايست بين قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)، وبين قوله: (وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وناهيك بهذا دليلاً على جلالة مكان جبريل … ومُباينة منزلة لمنزلة أفضل الإنس)، الانتصاف: "ما يرضى له جبريل هذا التفسير المقتضي لتنقيص البشير النذير، السراج المنير، وقد قيل: الرسول الكريم محمد صلوات الله عليه، ولو كان جبريل، وقيل بتفضيل الملائكة مثلاً، لما جاز أيضاً؛ لأنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تنقيص أحد منهم بتعيين من يفضل عليه بعينه، وفي معناه: "لا تُفضلوني على يونس بن متى"، فلو قلت: زيد أفضل أهل عصره لما شق [على أحد، بخلاف] ما إذا قلت: هو أفضل منك أيها المخاطب. وهذه الصفات إذا سُلمت لجبريل في حق نبينا في آخر الحاقة: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الآية: ٤٠] ".
وإن قيل: هو جبريل: رد بقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة: ٤١]. والزمخشري وافق هناك. وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾، لا نزاع أن جبريل أقوى، وقوله: ﴿مُّطَاعٍ﴾، فطاعة الملائكة لنبينا ظاهرة، فقال له ملك الجبال: إن الله أمرني أن أُطيعك، فإن أمرتني أن أُطبق عليهم الأخشبين فعلت. وله الشفاعة: العامة والخاصة. وأما أنه أمين فقوله صلوات الله عليه: "إني أمين في السماء أمين في الأرض".
стр. 8999
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام ما معناه: "كما أنه أجرى على جبريل هذه الصفات هاهنا، أجرى على نبينا صلوات الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]، فإفراد أحد الشخصين بالذكر وإجراء صفاته عليه، لا يدل على انتفاء تلك الصفات عن الآخر".
وقال القاضي: "استدلاله ضعيف، إذ المقصود من ذلك رد قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما".
وقلت: سيقت الآيات لبيان شأن الكتاب، حيث جعل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ مقسماً عليه بالأقسام السابقة فذُكر محمد صلوات الله عليه، وجبريل ﵇ تابع لذكره، ونحوه قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٣]؛ لأنهم كانوا يقولون تارة: إنه مجنون، وأخرى: إنه كاهن، وشاعر، فرد الله عليهم بهذه الآيات، يعني: أنه صلوات الله عليه يتلقى هذا القرآن من لدُن حكيم عليم، بواسطة ملك مقرب، ومن صفاته أنه كيت وكيت، لا من جني متمرد رجيم كما يفترونه، ولذا فالموازنة إذن بين الجني والملك، لا بين محمد صلوات الله عليه والملك.
وأما تسميته مجنوناً في قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾، فعلى المشاكلة وإطباق الجواب على ما سُمع منهم، ويؤيده قول الزجاج: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾ جواب القسم، أي: أقسم بهذه الأشياء أن القرآن نزل به جبريل وأن صاحبكم ليس بمجنون؛ لأنهم قالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. تم كلامه.
стр. 9000
[(وَلَقَدْ رءاهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ * وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) ٢٣ ـ ٢٥].
(وَلَقَدْ رَأَىهُ) ولقد رأى رسول الله ﷺ جبريل، (بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ) بمطلع الشمس الأعلى، (وَما هُوَ) وما محمد على ما يخبر به من الغيب، من رؤية جبريل والوحي إليه وغير ذلك، (بِظَنِين) بمتهمٍ من الظنة وهي التهمة. وقرئ: (بضنينٍ)، من الضنّ وهو البخل أي: لا يبخل بالوحي فيزوى بعضه غير مبلغه؛ أو يسأل تعليمه فلا يعلمه؛ وهو في مصحف عبد الله بالظاء، وفي مصحف أبىّ بالضاد، وكان رسول الله ﷺ يقرأ بهما.
وإتقان الفصل بين الضاد والظاء واجب، ومعرفة مخرجيهما مما لا بد منه للقارئ؛ فإنّ أكثر العجم لا يفرّقون بين الحرفين، وإن فرقوا ففرقاً غير صواب، وبينهما بونٌ بعيد؛ فإن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان، .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم إنك إن أمعنت النظر، وقفت على أن في إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماجاً لتعظيم الرسول? ، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش، بأن جعل السفير بينه وبينه، مثل هذا الملك المُقرب المُطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة إلى رسول الله? رفعة منزلته، كالقول في قوله: ﴿ذِي الْعَرْشِ﴾ بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل كما سبق والله أعلم.
قوله: (هو في مصحف عبد الله بالظاء)، ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: بالظاء، والباقون: بالضاد.
стр. 9001
وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وكان عمر بن الخطاب ﵁ أضبط، يعمل بكلتا يديه، وكان يخرج الضاد من جانبي لسانه، وهي أحد الأحرف الشجرية أخت الجيم والشين. وأما الظاء فمخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهي أحد الأحرف الذولقية أخت الذال والثاء. ولو استوى الحرفان لما ثبتت في هذه الكلمة قراءتان اثنتان، واختلافٌ بين جبلين من جبال العلم والقراءة، ولما اختلف المعنى والاشتقاق والتركيب.
فإن قلت: فإن وضع المصلى أحد الحرفين مكان صاحبه؟
قلت: هو كواضع الذال مكان الجيم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أحد الأحرف الشجرية)، الجوهري: الشجر: ما بين اللحيين، وذلق اللسان: طرفه. وقال الخليل: إن الذلاقة في المنطق إنما هي بطرف أسلة اللسان، وهي مُستدقه.
قوله: (واختلاف بين جبلين من جبال العلم والقراءة)، يعني: عبد الله بن مسعود وأُبي ابن كعب. تشبيههما بجبلين، إشارة إلى رسوخهما في العلم، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧].
قوله: (والاشتقاق والتركيب)، التركيب من حيث إن الظنين: فعيل بمعنى مفعول، والضنين: اسم فاعل. نسبتهما بجبلين، إشارة إلى رسوخهما في العلم، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧].
قوله: (هو كواضع الذال مكان الجيم)، كنى بهذا بطلان صلاة من بدل الظاء بالضاد، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وجاء في كتاب "الروضة" جواز الإبدال، وقال الإمام: "والمختار الجواز لعُسر التمييز وشدة الاشتباه؛ لأنهما من المجهورة ومن الرِّخوة ومن
стр. 9002
والثاء مكان الشين، لأن التفاوت بين الضاد والظاء كالتفاوت بين أخواتهما. (وَما هُوَ) وما القرآن، (بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ) أي: بقول بعض المسترقة للسمع، وبوحيهم إلى أوليائهم من الكهنة.
[(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَما تَشاءوُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) ٢٦ - ٢٩].
(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) استضلالٌ لهم كما يقال لتارك الجادّة اعتسافاً أو ذهاباً في بنيات الطريق: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل (لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ) بدلٌ من (للعالمين)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المطبقة، ولأن النطق بالضاد مخصوص بالعرب، لما روى: "أنا أفصح من نطق بالضاد"، فلو اعتبر الفرق بينهما لوقع السؤال عنه في زمن الرسول? وزمن الصحابة، لا سيما عند دخول العجم في الإسلام، ولو وقع لثقل، فلما لم ينقل علم أن التمييز ليس في محل التكليف".
قوله: (كالتفاوت بين أخواتهما)، قال: ذكرت العرب ثلاث لغات في حُظظ بظاءين، وحُضض بضادين، وحُضظ بضاد بعدها ظاء، فلو اتحد الحرفان لما كان لروايتهم فيها ثلاث لغات معنى، وينادى عليه: الخَولان الخَولان؛ لأنه يجلب من بلاد خَولان، وهو دواء للعين تُطلى به الأجفان ولا يُدخل في العين.
قوله: (في بنيات الطريق)، الجوهري: "هي الطرق الصغار تتشعب من الجادة".
стр. 9003
وإنما أبدلوا منهم لأنّ الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعظين جميعاً (وَما تَشاءوُنَ) الاستقامة يا من يشاؤها إلا بتوفيق الله ولطفه. أو: وما تشاؤونها أنتم يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "إذا الشمس كورت" أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو: وما تشاءونها أنتم)، وإنما غير العبارة، بأن زاد في الثاني كلمة النفي في (من لا يشاؤها)، ولفظة ﴿أَنتُمْ﴾؛ لأن الخطاب في قوله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ﴾ إما عام وعليه الوجه الأول، وإما خاص والمخاطبون هم المار ذكرهم في قوله: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾، وعليه الوجه الثاني، ولذلك سجل على عنادهم بقوله: "يا من لا يشاؤها إلا بقسر الله وإلجائه".
قال الإمام: "إن مشيئة الاستقامة موقوفة على مشيئة الله؛ لأن مشيئة العبد مُحدثة، فلا بد لحدوثها من مشيئة أخرى، فأفعال العباد في طرفي ثبوتها وانتفائها موقوفة على مشيئة الله، وقول المعتزلة: إن هذه المشيئة مخصوصة بمشيئة القسر والإلجاء ضعيف؛ لأنا بينا أن المشيئة الاختيارية حادثة، ولا بد من محدث يُحدثها والله أعلم".
تمت السورة
بعون الله وحسن توفيقه
وصلى الله على محمد
* … * … *
стр. 9004
سورة انفطرت
مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) ١ - ٥].
(انْفَطَرَتْ) انشقت، (البحار فُجِّرَتْ) فتح بعضها إلى بعض، فاختلط العذب بالمالح، وزال البرزخ الذي بينهما، وصارت البحار بحراً واحداً. وروى أنّ الأرض تنشف الماء بعد امتلاء البحار، فتصير مستوية، وهو معنى التسجير عند الحسن. وقرئ: (فجرت) بالتخفيف، وقرأ مجاهد: فجرت على البناء للفاعل والتخفيف، بمعنى: بغت لزوال البرزخ نظراً إلى قوله تعالى: (لا يَبْغِيانِ) [الرحمن: ٢٠] لأنّ البغي والفجور أخوان. بعثر وبحثر بمعنى، وهما مركبان من البعث والبحث مع راءٍ مضمومةٍ إليهما. والمعنى: يحثت وأخرج موتاها. وقيل: لبراءة المبعثرة؛ لأنها بعثرت أسرار المنافقين.
[(يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) ٦ - ٨]
فإن قلت: ما معنى قوله: (ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ)؟ وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة ﴿انفَطَرَتْ﴾
مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (وكيف طابق الوصف بالكرم إنكار الاغترار به؟ )، يعني: أن قوله: ﴿مَا غَرَّكَ﴾: إنكار
стр. 9005
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الغرور، ووجود الغرور حُكم يصح ترتبه على وصف الكرم؛ لأنه مناسب، فكيف أنكره؟ يدل على المناسبة حديث عليٍّ ﵁ مع غلامه. وأجاب أن وصف الكرم في الآية مُقيد مقرون بقوله: ﴿خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، ومعناه: أنه تكرم على الإنسان بأن أخرجه من العدم إلى الوجود أولاً، ثم تفضل عليه ثانياً بأن مكنه من العمل، وعرضه للثواب والعقاب، ليعرف حق تلك النعمة ويشكر ربه، فلما قصر فيه وغفل عنه أنكر عليه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (الَّذِي خَلَقَكَ﴾، يعني: من حق الإنسان أن لا يغتر بهذا الكرم، بل يجتهد في العمل ويقابل تلك النعمة بالشكر ولا يقول: قد أحسن الله إليّ حيث أوجدني من العدم، كذلك يحسن إليَّ إذا أنا مِتُّ فيغفر لي، وهو المراد من قوله: "اغتراراً بالتفضل الأول".
وحاصله: أنه تعيير وتوبيخ، وليس بإطماع، فقوله: "وبتفضله" عطف على "بتكرم الله"، و"حتى": غاية "أن لا يغتر". وقوله: "أن يتفضل": مفعول "يطمع"، و"اغتراراً": علة لقوله: "حتى يطمع أن يتفضل عليه بالثواب". وقوله: "فإنه مُنكر"، مسبب عن قوله: "إن حق الإنسان أن لا يغتر"، إلى آخره. وقوله: "وقيل: للفضيل" جواب عن سؤال مقدر، يعني: إذا كان القيد ما ذكرت، فكيف قيده فُضيل بالستور المرخاة. وأجاب: أن كلامه مبني على الاعتراف بالقصور لا على الاعتذار؛ لأن فُضيلاً كان يغلب عليه الخوف، وأنشد صاحب "المطلع" لمحمد بن السماك في المعنى:
يا كاتم الذنب أما تستحي [و] الله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله وستره طول مساويكا
قال صاحب "الانتصاف": "هذه جعجعة فارغة، فالآية في الكفار لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ
стр. 9006
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، وتخليدهم حق ولكن ليس واجباً على الله، ويجوز عقلاً أن لا يُخلد الكافر وأن يدخله الجنة لولا ورود السمع، فالله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد".
وقلت: الحق العموم في الآية كما ذهب إليه المصنف. وقال الإمام: "في الإنسان قولان، أحدهما: أنه الكافر، لقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، والثاني: أنه متناول لجميع العُصاة، وهو الأقرب؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ".
وقلت: والنظم يساعد عليه، وذلك أن قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، كالاعتراض بين قرينتي الجمع والتقسيم. فإن قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، عام اشتمل على الفُجار والأبرار، وقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾، تقسيم تضمن معنى التفريق، فإنه تعالى لما بين أحوال القيامة بانفطار السماء وانتثار الكواكب وانفجار الأبحر والبعث عن القبور، ثم إطلاع كل نفس: برها وفاجرها على عملها، خيرها وشرها، نبه جنس الإنسان عن رقدة الغفلة وسنة الجهالة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ﴾، يعني: أيها الغافل، وراءك هذا الخطب الجسيم والخطر العظيم، وأنت قد اغتررت بما تكرم عليك ربك حيث خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، فاشتغلت بذلك عن التزود لدار القرار، وأخلدت إلى دار الغرور، ولما كان مؤدى هذه الغفلة، الاغترار إلى الذهول عن المستقر الأصلي، نزله منزلة التكديب بيوم الدين، حتى أضرب عنه بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، وهذا كما ترى من حال المتمادي في أمور الدنيا من المتسمين بالإسلام، إذا سمع شيئاً من أمر الآخرة تقبض واشمأز لغاية انهماكه في لذات العاجلة. ونظيره في تهديد المطففين: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤]، جعلهم
стр. 9007
وإنما يغتر بالكريم، كما يروى عن على ﵁ أنه صاح بغلام له كرّاتٍ فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب، فقال له: مالك لم تجبني؟ قال: لثقتي بحلمك وأمنى من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه. وقالوا: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه.
قلت: معناه أنّ حق الإنسان أن لا يغتر بتكرم الله عليه، حيث خلقه حياً لينفعه، وبتفضله عليه بذلك حتى يطمع بعد ما مكنه وكلفه فعصى وكفر النعمة المتفضل بها، أن يتفضل عليه بالثواب وطرح العقاب، اغتراراً بالتفضل الأوّل، فإنه منكرٌ خارجٌ من حد الحكمة، ولهذا قال رسول الله ﷺ لما تلاها: «غرّه جهله»، وقال عمر ﵁: غرّه حمقه وجهله، وقال الحسن: غره والله شيطانه الخبيث، أي: زين له المعاصي وقال له: افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أوّلاً وهو متفضلٌ عليك آخراً، حتى ورطه، وقيل للفضيل ابن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال لك: "ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ"ماذا تقول؟ قال أقول: غرتني ستورك المرخاة. وهذا على سبيل الاعتراف بالخطأ في الاغترار بالستر، وليس باعتذارٍ كما يظنه الطماع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسوأ حالاً من الكفار؛ لأنه تعالى أثبت للكفار ظناً في قوله: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] ونفاه عنهم. قال القاضي: " ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي: أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه؟ وذكر ﴿الْكَرِيمِ﴾ للمبالغة في المنع عن الاغترار، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم، وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام؟ وعن الاشتغال بما به يغُرُه الشيطان، ويقول: افعل ما شئت، فربك كريم لا يُعذب أحداً ولا يُعاجل بالعقوبة. وللدلالة على أن كثرة كرمه، تستدعي الجِدَّ في الطاعة لا الانهماك في المعصية اغتراراً بكرمه. وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾، صفة ثانية مقررة للربوبية، مبنية للكرم، منبهة على أن من قدر على ذلك أولاً، قدر عليه ثانياً".
قوله: (كما يظنه الطماع)، قيل: "ما": مصدرية، والضمير في "يظنه" يعود إلى الظن،
стр. 9008
ويظن به قصاص الحشوية ويروون عن أئمتهم: إنما قال: (بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) دون سائر صفاته، ليلقن عبده الجواب حتى يقول: غرّني كرم الكريم. وقرأ سعيد بن جبير: (ما أغرّك) إما على التعجب، وإما على الاستفهام؛ من قولك: غرّ الرجل فهو غارّ: إذا غفل، من قولك: بيتهم العدوّ وهم غارّون، وأغرّه غيره: جعله غاراً. (فَسَوَّاكَ) فجعلك سوياً سالم الأعضاء، (فَعَدَلَكَ) فصيرك معتدلاً متناسب الخلق من غير تفاوتٍ فيه، فلم يجعل إحدى اليدين أطول، ولا إحدى العينين أوسع، ولا بعض الأعضاء أبيض وبعضها أسود، ولا بعض الشعر فاحماً وبعضه أشقر. أو جعلك معتدل الخلق تمشى قائما لا كالبهائم. وقرئ: (فعدلك) بالتخفيف، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون بمعنى المشدّد، أي: عدل بعض أعضائك ببعضٍ حتى اعتدلت. والثاني: (فَعَدَلَكَ) فصرفك؛ يقال: عدله عن الطريق يعنى: فعدلك عن خلقة غيرك وخلقك خلقةً حسنةً مفارقةً لسائر الخلق. أو فعدلك إلى بعض الأشكال والهيئات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي: ليس باعتذار مثل ظن الطماع ذلك الظن، كما في قولك: عبد الله أظنه منطلق، أي: أظن الظن، منطلق. ولا يجوز أن تكون موصولة، والعائد الضمير؛ لأنه يلزم اقتصار الظن على أحد مفعوليه، وهو غير جائز. وأما ما ذكر في مواضع من هذا الكتاب أن أحد مفعولي حسب محذوف، فهو فيما إذا كان الفاعل والمفعول شيئاً واحداً في المعنى، كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ﴾ [النور: ٥٧]، وقد صرح بهذا الشرط في كتابه، حيث قال: "الأصل: لا تحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوغ ذلك، أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر الاتنين عن ذكر الثالث".
قوله: (وقُرئ: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ بالتخفيف)، الكوفيون، والباقون: بالتشديد.
стр. 9009
(ما) في (ما شاءَ) مزيدة، أي: ركبك في أيّ صورةٍ اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلقة في الحسن والقبح والطول والقصر، والذكورة والأنوثة، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه.
فإن قلت: هلا عطفت هذه الجملة كما عطف ما قبلها؟
قلت: لأنها بيانٌ لعدلك.
فإن قلت: بم يتعلق الجار؟
قلت: يجوز أن يتعلق بركبك على معنى: وضعك في بعض الصور ومكنك فيه، وبمحذوف أي: ركبك حاصلاً في بعض الصور؛ ومحله النصب على الحال إن علق بمحذوف، ويجوز أن يتعلق بعدلك، ويكون في «أيّ» معنى التعجب، أي فعدلك في صورةٍ عجيبة، ثم قال: ما شاء ركبك. أي ركبك ما شاء من التراكيب، يعنى تركيباً حسناً.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هلا عُطفت هذه الجملة؟ )، أي: قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، أي: لِمَ لَمْ يقل: ففي أي صورة، أو: فركَّبك في أي صورة؟ كما عطف ما قبلها، أي: قوله: ﴿فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾.
قوله: (ويجوز أن يتعلق بعَدَلَك)، عطف على قوله: "يجوز أن يتعلق بـ ﴿رَكَّبَكَ﴾ "، وعلى الأول إما صلة له وضمن "ركب" معنى "وضع"، أو حال من المنصوب فيه، وعلى التقديرين الجملة بيان للجملة الأولى، وعلى الوجه الثاني ﴿مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ بيان، فإنه لما قيل: ﴿فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾ على التعجب، والتنكير للتفخيم، قيل: ما ذلك التعديل المفخم العجيب الشأن، وأجيب: لا يحيط الوصف بذلك، فإنه كما شاء الله ركبك، ولا يعلم ذلك إلا هو.
قال صاحب "الكشف": ﴿مَّا﴾ صلة زائدة، و ﴿شَاءَ﴾: في موضع الجر صفة لـ ﴿صُورَةٍ﴾، و ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾: صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾، أي: عدلك وركبك في أي صورة شاء، فحُذف لكون
стр. 9010
[(كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ) ٩ - ١٢].
(كَلَّا) ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به، وهو موجب الشكر والطاعة، إلى عكسهما الذي هو الكفر والمعصية. ثم قال: (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) أصلا وهو الجزاء، أو دين الإسلام. فلا تصدّقون ثواباً ولا عقاباً وهو شر من الطمع المنكر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجملة الثانية بياناً للأولى. وقال: وقيل: ما: شرطية، وشاء: في موضع الجزم، وركبك: جواب الشرط، ولا يكون الجار على هذا صلة ﴿رَكَّبَكَ﴾؛ لأنه يقال: إن تضرب زيداً أضرب عمراً، لا يجوز تقديم "عَمراً" على إن، فوجب أن تكون ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ﴾: صلة مُضمر، ولا تكون من صلة "عدلك"؛ لأنه استفهام، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. فعلى هذا، في كلام المصنف إشكال؛ لأنه جعله من صلة عدلك في الوجه الأخير. والجواب: التقدير: فعدلك فيما يقال في حقه: أي صورة ما شاء ركبك.
قوله: (﴿كَلَّا﴾ ارتدعوا عن الاغترار بكرم الله)، يعني: ﴿كَلَّا﴾: ردع، لما دل عليه قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. وقوله: إلى عكسهما، متعلق بقوله: "والتسلق به". وقوله: "وهو موجب الشكر والطاعة"، حال، أي: انتهوا عن الاغترار بكرم الله والتسلق به إلى الكفران والمعصية، والحال أن التسلق بكرم الله موجب الشكر والطاعة.
قوله: (وهو شر من الطمع المنكر)، يعني: في قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ كما سبق، ففيه ترَقٍّ من الأهون إلى الأغلظ. قال القاضي: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾: "إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم".
الراغب: "بل هاهنا التصحيح الثاني وإبطال الأول، كأنه قيل: ليس هنا ما يقتضي أن يغرهم به تعالى، ولكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه".
стр. 9011
(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ) تحقيق لما يكذبون به من الجزاء، يعنى أنكم تكذبون بالجزاء والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها. وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيمٌ لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، ويجازى به الملائكة الكرام الحفظة الكتبة. وفيه إنذارٌ وتهويلٌ وتشويرٌ للعصاة ولطفٌ للمؤمنين. وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدّها من آية على الغافلين!
[(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) ١٣ - ١٦].
(وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ) كقوله: (وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها) [المائدة: ٣٧]، ويجوز أن يراد: يصلون النار يوم الدين وما يغيبون عنها قبل ذلك،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (تحقيق لما يكذبون به من الجزاء)، بيان "ما"، أي أن قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾، يقرر أن المراد بالدين هو الجزاء لا دين الإسلام، لأن الحفظة لا يكتبون الجزاء، فيكون قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾: حالاً مقررة لجهة الإشكال، وإليه الإشارة بقوله: إنكم تكذبون بالجزاء، والكاتبون عليكم أعمالكم.
قوله: (وتشوير للعصاة)، الجوهري: "شورت الرجل فتشور، أي: أخجلته فخجل".
قوله: (﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة: ٣٧])، قال في تفسيره: " ﴿هُمْ﴾ دلت على قوة أمرهم فيما أسند إليهم، لا على الاختصاص" بناء على مذهبه. والوجهان اللذان ذكرهما هاهنا، ذكرهما فراراً من معنى الاختصاص الذي يؤدي إليه مذهب أهل الحق ولا محيد له عنه؛ لأن إيلاء الضمير حرف النفي يدل على أن الكلام في الفاعل، لا في الفعل، والمسألة متفق عليها، وقد استقصيناها في البقرة.
стр. 9012
يعني: في قبورهم، وقيل: أخبر الله في هذه السورة أنّ لابن آدم ثلاث حالات: حال الحياة التي يحفظ فيها عمله، وحال الآخرة التي يجازى فيها، وحال البرزخ وهو قوله: (وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ).
[(وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) ١٧ - ١٩].
يعنى أن أمر يوم الدين بحيث لا ندرك دراية دارٍ كنهه في الهول والشدّة، وكيفما تصورته فهو فوق ذلك وعلى أضعافه، والتكرير لزيادة التهويل، ثم أجمل القول في وصفه فقال: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً) أي: لا تستطيع دفعاً عنها ولا نفعاً لها بوجه، ولا أمر إلا لله وحده. من رفع فغلى البدل من (يوم الدين)، ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يعني: في قبورهم)، والواو على هذا: للعطف، فيقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، أي: إنهم الآن ليسوا بغائبين عن الجحيم، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وعلى الأول: للحال.
قوله: (إن أمر يوم الدين بحيث لا تُدرك دراية دار)، وعن بعضهم: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا للاستبعاد، والاستفهام في "ما" للاستنكار، وجعل ذلك مستبعداً مستنكراً.
قوله: (ولا أمر إلا لله وحده)، الأمر: واحد الأمور، لا واحد الأوامر، قال الواحدي عن قتادة: "ليس أحد يقضي شيئاً أو يضع شيئاً إلا رب العالمين"، ولذلك عقب المصنف قوله: ولا أمر إلا لله وحده، قوله: أي: لا يستطيع دفعاً عنها ولا نفعاً لها بوجه.
قوله: (من رفع فعلى البدل)، ابن كثي وأبو عمرو، والباقون: بنصبها.
стр. 9013
أو على: هو يومٌ لا تملك. ومن نصب فبإضمار يدانون؛ لأنّ الدين يدل عليه، أو بإضمار اذكر. ويجوز أن يفتح لإضافته إلى غير متمكنٍ وهو في محل الرفع.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ "إذا السماء انفطرت" كتب الله له بعدد كل قطرةٍ من السماء حسنة وبعدد كل قبرٍ حسنةً».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لإضافته إلى غير متمكن)، قال الزجاج: "هو مبني على الفتح لإضافته إلى قوله: ﴿لَا تَمْلِكُ﴾؛ لأن ما يُضاف إلى غير المتمكن قد يُبني على الفتح وإن كان في موضع رفع أو جر"، والله تعالى أعلم.
تمت السورة
بعون الله وتوفيقه
والحمد لله رب العالمين
* … * … *
стр. 9014
سورة المطففين
مختلف فيها، وهي ست وثلاثون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) ١ - ٦].
التطفيف: البخس في الكيل والوزن، لأنّ ما يبخس شيء طفيفٌ حقير .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة المطففين
ست وثلاثون آية، مكية بخلاف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (لأن ما يُبخس شيء طفيف حقير)، تعليل للتسمية، وكان من الظاهر أن يقال: لأن كل ما يُطفف يُبخس، قال الزجاج: "إنما قيل للفاعل: مُطفف لأنه لا يكادي يُسرف في المكيال والميزان إلا الشيء الحقير الطفيف، وأُخذ من طف الشيء، وهو جانبه".
стр. 9015
وروي أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وكانوا من أخبث الناس كيلاً، فنزلت، فأحسنوا الكيل. وقيل: قدمها وبها رجلٌ يعرف بأبي جهينة ومعه صاعان: يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. وقيل: كان أهل المدينة تجاراً يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، فنزلت. فخرج رسول الله ﷺ فقرأها عليهم، وقال: «خمسٌ بخمسٍ» قيل: يا رسول الله، وما خمسٌ بخمسٍ؟ قال: «ما نقض قومٌ العهد إلا سلط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "الطفيف: الشيء النزر، ومنه الطفافة: لما لا يعتد به، وطفف الكيل: قلل نصيب المكيل له في إيفائه واستيفائه".
قوله: (وكانوا من أخبث الناس كيلاً)، روى ابن ماجه، عن ابن عباس، أن رسول الله? لما قدم المدينة كانوا أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾؛ فأحسنوا الكيل بعد ذلك.
قوله: (المنابذة والملامسة والمخاطرة)، النهاية: المنابذة في البيع هو أن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلىَّ الثوب، أو أَنبِذه إليك، ليجب البيع. وقيل: هو أن يقول: إذا انتبذت إليك الحصاة وجب البيع، فيكون البيع مُعاطاة من غير عقد، ولا يصح أن يقال: نبذت الشيء أو لمست ثوبك فقد وجب البيع. وقال: والخطر بالتحريك، في الأصل: الرَّهن، وما يخاطر عليه، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومنزلة. وقيل: المخاطرة: بيع الغرر، مثل بيع الطير في الهواء والسمك في الماء.
стр. 9016
ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر». وعن على ﵁: أنه مر برجل يزن الزعفران وقد أرجح فقال له: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت. كأنه أمره بالتسوية أولاً ليعتادها ويفصل الواجب من النفل. وعن ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين، بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان؛ وخص الأعاجم؛ لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعاً وكانا مفرّقين في الحرمين: كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون، وعن ابن عمر أنه كان يمر بالبائع فيقول له: اتق الله وأوف الكيل، فإنّ المطففين يوقفون يوم القيامة لعظمة الرحمن حتى إن العرق ليلجمهم. وعن عكرمة: أشهد أنّ كل كيالٍ ووزانٍ في النار. فقيل له: إنّ ابنك كيالٌ أو وزانٌ؛ فقال: أشهد أنه في النار. وعن أبىّ ﵁: لا تلتمس الحوائج ممن رزقه في رؤوس المكاييل وألسن الموازين، لما كان اكتيالهم من الناس اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم: أبدل «على» مكان «من» للدلالة على ذلك. ويجوز أن يتعلق «على» بـ "يستوفون"، ويقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: يستوفون على الناس خاصة؛ فأما أنفسهم فيستوفون لها؛ وقال الفراء «من» و «على» يعتقبان في هذا الموضع؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويفصل الواجب من النَّفل)، أي: يُميزه منه، ويفرق بينهما.
قوله: (ليلجمهم)، النهاية: "يبلغ العرق منهم ما يُلجمهم، أي: يصل إلى أفواههم، فيصير لهم بمنزلة اللجام يمنعهم عن الكلام".
قوله: (ويتحامل فيه عليهم)، الأساس: "تحاملت الشيء: حملته على مشقة، وتحام عليَّ فلان: لم يعدل"، يريد أن ﴿اكْتَالُوا﴾ مما يعدي بمن، فلما ضمن معنى التحامل، كقولك: تحامل عليَّ فلان، عُدي بعلى. وفي "المطلع": كانوا متمكنين من الاحتيال في الأخذ مستوفى في الكيل بزعزة المكيال وميله بقوة وضغط.
стр. 9017
لأنه حق عليه؛ فإذا قال اكتلت عليك، فكأنه قال: أخذت ما عليك؛ وإذا قال: اكتلت منك، فكقوله: استوفيت منك. والضمير في (كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ) ضميرٌ منصوبٌ راجعٌ إلى الناس، وفيه وجهان: أن يراد كالوا لهم أو وزنوا لهم؛ فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال:
ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً … ولقد نهيتك عن نبات الأوبر
والحريص يصيدك لا الجواد،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أن يراد: كالوا لهم)، يقال: كلت الطعام، ويقال: كالك أي: كال لك، وكال المُعطي واكتال الآخذ.
قوله: (ولقد جنيتك أكمؤاً وعساقلاً)، البيت. أكمؤاً: جمع كمأة على غير قياس، وفي "المجمل": العساقل: ضرب من الكمأة، الواحد عُسقول، وبنات الأوبر: كمأة صغار على لون التراب رديء، قيل: يُضرب المثل بها، فيقال: إن بني فلان [مثل] بنات أبر، يُظن أن فيهم خيراً ولا خير فيهم؟
قوله: (والحريص يصيدك لا الجواد)، قيل: المعنى: الحريص يصيد لك لا الفرس الجواد، أي: إنما تحصل الأشياء بالحرص والجد لا بمجرد الاستعداد. وقال الميداني: "أراد أن الذي له هوى وحرص على شأنك هو الذي يقوم به، لا القوي عليه ولا هوى له فيك، يُضرب لمن يستغنى عن الوصية لشدة عنايته بك".
стр. 9018
بمعنى: جنيت لك، ويصيد لك. وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يصح أن يكون ضميراً مرفوعاً للمطففين؛ لأنّ الكلام يخرج به إلى نظمٍ فاسد؛ وذلك أنّ المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا أعطوهم أخسروا؛ وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهو كلام متنافرٌ، لأنّ الحديث واقعٌ في الفعل لا في المباشر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والمضاف هو المكيل أو الموزون)، أي: كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم.
قوله: (وهو كلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر)، أي: الحديث في أن هذا الفعل، وهو الإخسار، يصدر منهم، لا أن غيرهم لا يُخسرون.
الانتصاف: "لا تنافر فيه، ولا يجعل هذا العامل في الضمير ليكون دالاً على المباشرة، بل المعنى: إذا كان الكيل من جهة غيرهم استوفوه، وإذا كان من جهتهم خاصة أخسروه، سواء باشروه أم لا. ويدل على أن الضمير لا يُعطي المباشرة أنك تقول: الأمراء هم الذين يُقيمون الحدود لا السوقة، وإن كانوا لا يباشرونه".
وقلت: هذا بمعزل عن مقصد المصنف؛ لأنه يريد أن الضمير إذا جُعل للمطففين أفاد التركيب معنى الحصر، لما يؤدي تقديم الفاعل المعنوي على عامله في قوله: هم يخسرون إلى معنى الاختصاص وأن الخُسران واقع، وإنما الكلام في فاعله ومباشره أنه: هم أو غيرهم، فقيل: ﴿يُخْسِرُونَ﴾ ليفيد ما قال: هم على الخصوص أخسروا دون غيرهم، وليس الكلام إلا في الإخبار عنهم أنهم يُخسرون، فلو أُريد ذلك لخرج الكلام عن مقابلة ما قبله، إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع لا في الاختصاص، هذا هو المراد، فظن صاحب
стр. 9019
والتعلق في إبطاله بخط المصحف، وأنّ الألف التي تكتب بعد واو الجمع غير ثابتة فيه: ركيكٌ؛ لأنّ خط المصحف لم يراع في كثيرٍ منه حدّ المصطلح عليه في علم الخط، على أنى رأيت في الكتب المخطوطة بأيدي الأئمة المتقنين هذه الألف مرفوضةً لكونها غير ثابتةٍ في اللفظ والمعنى جميعاً؛ لأن الواو وحدها معطيةٌ معنى الجمع، وإنما كتبت هذه الألف تفرقةً بين واو الجمع وغيرها في نحو قولك: هم لم يدعوا، وهو يدعو؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الانتصاف" أن غرض المصنف أن الإتيان بالضمير حينئذ لدفع الإسناد المجازي، وإسناد الفعل إلى غير المباشر. لكن الجواب: أن ليس بواجب حينئذ أن يجعل التركيب من باب التقديم ليفيد التخصيص، لاحتمال أن يكون من باب تقوى الحكم، والتقدير أنهم إذا أخذوا من الناس استوفوا وإذا أعطوهم أخسروا البتة، فأفاد أن اهتمامهم بالإخسار بالدفع أتم من اهتمامهم في الاستيفاء عند الأخذ؛ لأن به يظهر أثر الربح، وعليه قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]، حيث خص البيع دون الشراء على أحد الوجوه. ثم يقال: إن معنى التخصيص من قوله: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٦] في السورة السابقة قطعي، لإيلاء حرف النفي الفاعل المعنوي، ولما كان مُخالفاً لمذهبه ذهب إلى أنه مثل ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ﴾، في قوة أمرهم فيما أُسند إليهم، لا في الاختصاص، وهاهنا احتمل الأمرين، فقام مقام قرينة إرادة تقوى الحكم، فينبغي أن يرجح جانبها.
قوله: (والتعلق في إبطاله) وهو مبتدأ، وقوله: "ركيك" خبره، أي: التعلق في إبطال كون الضمير منصوباً عائداً إلى الناس بخط المصحف ركيك، والجملة عطف من حيث المعنى على جملة قوله: "لأن الكلام يخرج به إلى نظم فاسد"، إلى آخره، عنى به قول الزجاج حيث قال: "الاختيار أن يكون ﴿هُم﴾ في موضع نصب، بمعنى: كالوا لهم، ولو كانت على معنى كالوا، ثم جاءت ﴿هُم﴾ تأكيداً، لكان في المصحف الألف مُثبتة".
стр. 9020
فمن لم يثبتها قال: المعنى كافٍ في التفرقة بينهما. وعن عيسى بن عمر وحمزة: أنهما كانا يرتكبان ذلك، أي يجعلان الضميرين للمطففين، ويقفان عند الواوين وقيفة يبينان بها ما أرادا.
فإن قلت: هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل أَوْ (وَزَنُوهُمْ)؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الضميرين للمطففين ويقفان عند الواوين وقيفة)، هذا يدل على أنهما جعلاهم في الموضعين مبتدأ، فالوجه أن يكون الخبر من أحدهما محذوفاً، أي: إذا كالوهم يُخسرون، وإذا وزنوهم يُخسرون. قال الزجاج: "منهم من يجعل ﴿هُم﴾ تأكيداً لما في كالوا، فيجوز أن يقف على: كالوا"، وكذا في "الكواشي". وقال أبو البقاء: "إنه ضمير منفصل مؤكد لضمير الفاعل، فعلى هذا يُكتبان بالألف".
قوله: (هلا قيل: أو اتزنوا، كما قيل: ﴿أَو وَّزَنُوهُمْ﴾؟ )، أي: لِمَ لَمْ يوازن بين القرينتين؟ بأن يقال: إذا اكتالوا على الناس، أو اتزنوا عليهم يستوفون، لمكان قوله: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؟ أجاب: أنه أتى على ما كانوا عليه، وتُعُورف من أحوالهم؛ لأنهم كانوا لا يأخذون ما يُكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين. قال الزجاج: "المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، وكذلك إذا اتزنوا استوفوا الوزن، ولم يذكر إذا اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع بما يُكال ويوزن".
يريد أنه استغنى عن ذكر إحدى القرينتين بالأخرى بدلالة القرينة الآتية عليها. وقلت: الذين إذا اكتالوا إما أن يكون صفة مخصصة أو كاشفة أو جارية على الذم، فعلى الأول لا ينبغي ذكر الوزن؛ لأن سبب النزول - كما سبق - في قوم مخصوصين وفي فعل مخصوص وهو الكيل، وعلى الثاني: كلام الزجاج؛ لأن معنى التطفيف: البخس في الكيل
стр. 9021
قلت: كأن المطففين كانوا لا يأخذون ما يكال ويوزن إلا بالمكاييل دون الموازين لتمكنهم بالاكتيال من الاستيفاء والسرقة؛ لأنهم يدعدعون ويحتالون في الملء، وإذا أعطوا كالوا أو وزنوا لتمكنهم من البخس في النوعين جميعاً. (يُخْسِرُونَ) ينقصون. يقال: خسر الميزان وأخسره، (أَلا يَظُنُّ) إنكارٌ وتعجيبٌ عظيمٌ من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) ومحاسبون على مقدار الذرّة والخردلة. وعن قتادة: أوف يا ابن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك. وعن الفضيل: بخس الميزان سواد الوجه يوم القيامة. وعن عبد الملك بن مروان: أن أعرابياً قال له: قد سمعت ما قال الله في المطففين: أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيلٍ ولا وزن. وفي هذا الإنكار والتعجيب وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والوزن، فيدخل في هذا العام من نزلت فيهم الآية دخولاً أولياً، وعلى الثالث: يكون ذكر الوزن لمزيد الذم، يعني: إذا اتفق أحياناً لهم وزن بما هو قانون العدل، لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾، يُخسرون أيضاً.
قوله: (ويُزَعزِعُون)، ويُروى: ويُدعدعون. الجوهري: "الدعدعة: تحريك المكيال ونحوه ليسعه الشيء، ودعدعت الشيء: ملأته".
قوله: (وفي هذا الإنكار والتعجيب)، يعني: الهمزة الداخلة على النافية: للإنكار والتعجيب. قال أبو البقاء: ﴿أَلَا﴾ ليست للتنبيه؛ لأن ما بعد حرف التنبيه مثبت، وهاهنا نفي، فدل كلمة الظن على التجهيل، واسم الإشارة على التبعيد، ووصف القيامة بيوم عظيم، ثم إبداله بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على استعظام ما يستحقرونه وأن الحكمة اقتضت أن لا يهمل ذرة ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (وَمَن يَعْمَلْ
стр. 9022
ووصفه ذاته برب العالمين: بيانٌ بليغٌ لعظم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط، والعمل على السوية والعدل في كل أخذٍ وإعطاء، بل في كل قولٍ وعمل، وقيل: الظنّ بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وفي تخصيص رب العالمين من بين سائر الصفات إشعار بالمالكية والتربية، فلا يمتنع عليه الظالم القوي، ولا يترك حق المظلوم الضعيف. وليس ذلك كله لأجل التطفيف من حيث هو التطفيف، بل من حيث إن الميزان قانون العدل والاستقامة، وهو الحكمة في الخلق والتكليف والحشر والنشر، ومن تطفف حاول إبطال حكمة الله في الدارين. قال الإمام: "اعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم، وبه قامت السموات والأرض، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧ - ٩]، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
وعن بعضهم: الغرض من هذه التعظيمات كلها، تعظيم التطفيف من حيث إن الميزان قانون العدل، كما إذا قال الحالف: والله الطالب الغالب الحي القيوم الذي لا يَخفّى عليه شيء لا أفعل. هذا تعظيم للمقسم عليه لا تعظيم للمقسم به.
قوله: (وقيل: الظن بمعنى اليقين، والوجه ما ذكر)، من أن المراد الإنكار والتعجيب، وأن المعنى أنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخميناً أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة، فإذا لا يدخل اليقين في المعنى. وعن بعضهم: أُلحق باخس حقوق الناس بالكفار بقوله: ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾، كقوله تعالى حكاية عن ظنهم: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]، بل جعلهم أسوأ حالاً من الكفار؛ لأنه أثبت للكفار ظناً ولم يثبت لهؤلاء. وفي اسم الإشارة إشارة إلى الشتيمة.
стр. 9023
ونصب (يَوْمَ يَقُومُ) بـ (مبعوثون). وقرئ: بالجر بدلاً من (يَوْمٍ عَظِيمٍ). وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ قوله: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ). بكى نحيبا وامتنع من قراءة ما بعده.
[(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ) ٧ - ٩].
(كَلَّا) ردعهم عما كانوا عليه من التطفيف والغفلة عن ذكر البعث والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم. وكتاب الفجار: ما يكتب من أعمالهم.
فإن قلت: قد أخبر الله عن كتاب الفجار بأنه في سجين، وفسر سجيناً بكتابٍ مرقوم؛ فكأنه قيل: إن كتابهم في كتابٍ مرقوم. فما معناه؟
قلت: (سِجِّينٍ) كتابٍ جامعٍ هو ديوان الشر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿سِجِّينٍ﴾: كتاب جامع)، تلخيصه ما قال الإمام: "وأي استبعاد في كون أحد الكتابين في الآخر، إما بأن يوضع كتاب الفُجار في الكتاب الذي هو الأصل المرجوع إليه في تفصيل أحوال الأشقياء، أو بأن ينقل ما في كتاب الفُجار إلى ذلك الكتاب المسمى بالسجين، قال القفال: "كتاب مرقوم": ليس غير السجين، والتقدير: كتاب الفجار لفي سجين، وإن كتاب الفجار كتاب مرقوم، وقد وصف كتاب الفُجار بوصفين، ويكون قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ اعتراضاً".
وقال الإمام: "وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد من الكتاب الكتابة، والمعنى: أن كتابة الفجار، أي، كتابة أعمالهم في سجين، ثم وصف السجين بأنه كتاب مرقوم فيه جميع أعمال الفجار".
стр. 9024
دوّن الله فيه أعمال الشياطين وأعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو كتابٌ مرقومٌ مسطورٌ بين الكتابة، أو معلمٌ يعلم من رآه أنه لا خير فيه، فالمعنى أن ما كتب من أعمال الفجار مثبتٌ في ذلك الديوان، وسمى سجيناً: فعيلاً من السجن، وهو الحبس والتضييق، لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو لأنه مطروحٌ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى صاحب "الكشف" عن أبي علي أنه قال في هاتين الآيتين: إن قوله: ﴿كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾: خبر مبتدأ مُضمر، أي: وما أدراك ما سجين؟ كتاب، أي: هو كتاب، أي: موضع كتاب، وكذا "عِليون"، هو موضع كتاب، فحُذف المبتدأ والمضاف جميعاً، ولا بد منه؛ لأنه ثبت بالدليل أن "عِلّيين" مكان.
روينا عن الترمذي وأبي داود، عن أبي سعيد الخُدري، أن رسول الله? قال: "إن أهل الدرجات العُلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الساطع من أُفق السماء، وإن أبا بكر وعُمر منهم وأنعما". وفي لفظ أبي داود: "إن الرجل من أهل عِليين ليشرف على أهل الجنة فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دُري".
قال صاحب "الجامع": "أنعم فلان النظر في الأمر: إذا بالغ في تدبره والتفكر فيه وزاد فيه، وأحسن فلان إليّ وأنعم، أي: أفضل وزاد في الإحسان، أي: هما منهم وزادا في هذا الأمر وتناهيا فيه إلى غايته. والكوكب الدري هو الكبير المضيء، كأنه نُسب إلى الدّرِّ تشبيهاً".
قوله: (أو لأنه مطروح)، وجه آخر في تعليل التسمية، يعني: سُمِّي كتاب الفُجار سجيناً تسمية للسبب باسم المسبب، أو تسمية للحال باسم المحل. روى الواحدي بإسناده، أن الفلق: جُب في جهنم مُغطى، وسجين: جُبٌّ في جهنم مفتوح.
стр. 9025
كما روي تحت الأرض السابعة في مكانٍ وحشٍ مظلم، وهو مسكن إبليس وذرّيته استهانة به وإذالة، وليشهده الشياطين المدحورون، كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقرّبون.
فإن قلت: فما "سجينٌ"، أصفةٌ هو أم اسم؟
قلت: بل هو اسم علمٍ منقولٍ من وصفٍ كحاتم. وهو منصرفٌ لأنه ليس فيه إلا سببٌ واحدٌ وهو التعريف.
[(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) ١٠ - ١٧].
(الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ) مما وصف به للذم لا للبيان،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (استهانة به وإذالة وليشهده الشياطين)، كلها مفعول له لقوله: مطروح، أتى باللام في الثالث، لأنه ليس فعلاً لفاعل الفعل المعلل. وقوله: "كما رُوي" معترض بين الظرف وعامله، وهو قوله: "تحت الأرض". والإذالة: الإهانة، وفي الحديث: نهى عن إذالة الخيل، وهي امتهانها بالعمل والحمل عليها.
قوله: (المدحورون)، أي: المبعدون والمطرودون. الجوهري: "الدحور: الطرد والإبعاد".
قوله: (﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ مما وصف به للذم لا للبيان)، يعني: ليس قوله: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ صفة كاشفة للمكذبين لكونهم معلومين، ولا هي فارقة، لأنه لم يُرد تمييزهم عن غيرهم. بل مرفوع أو منصوب على الذم. ويجوز أن يُبدل ليُناط به قوله: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾، أي: متجاوز عن النظر. قال في "التقليد": حين استقصر قدرة الله فأعلمه، فاستحال الإعادة. أثيم: مُنهمك في الشهوات الخادعة، بحيث أشغلتع عما وراءها وحملته على الارتكاب لما عداها. و ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: من فرط جهله وإعراضه عن الحق، فلا تنفعه شواهد النقل كما لا تنفعه دلائل العقل.
стр. 9026
كقولك: فعل ذلك فلانٌ الفاسقٌ الخبيث. (كَلَّا) ردعٌ للمعتدى الأثيم عن قوله: (رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ) ركبها كما يركب الصدأ وغلب عليها: وهو أن يصر على الكبائر ويسوّف التوبة حتى يطبع على قلبه، فلا يقبل الخير ولا يميل إليه. وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسودّ القلب. يقال: ران عليه الذنب وغان عليه، ريناً وغيناً، والغين: الغيم، ويقال: ران فيه النوم رسخ فيه، ورانت به الخمر: ذهبت به. وقرئ: بإدغام اللام في الراء وبالإظهار، والإدغام أجود، وأميلت الألف وفخمت. (كَلَّا) ردعٌ عن الكسب الرائن على قلوبهم. وكونهم محجوبين عنه: تمثيلٌ للاستخفاف بهم وإهانتهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ردع للمعتدي الأثيم عن قوله)، أي: قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال الإمام: "ليس الأمر كما يقول من أن ذلك أساطير الأولين، بل أفعالهم الماضية صارت سبباً لحصول الدين في قلوبهم".
قوله: (الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة أن رسول الله? قال: "إن العبد إذا أخطأ خطيئة نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإذا نزع واستغفر وتاب صُقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكره الله تعالى في كتابه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ ".
قوله: (وقُرئ بإدغام اللام في الراء)، أبو بكر وحمزة والكسائي: ﴿بَلْ رَانَ﴾، بإمالة فتحة الراء، والباقون: بتفخيمها، وحفص: يسكت على اللام من ﴿بَلْ﴾. قال الزجاج: "والإدغام في الراء أجود، لقُرب مخرج اللام من الراء، ولغلبة الراء على اللام، وإظهار اللام جائز؛ لأن اللام من كلمة والراء من أُخرى".
قوله: (وكونهم محجوبين عن ربهم: تمثيل للاستخفاف بهم)، أي: مُثلت حالهم في إهانتهم
стр. 9027
لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم، ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم. قال:
إذا اعتروا باب ذي عبيةٍ رجبوا … والنّاس من بين مرجوبٍ ومحجوب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند الله وإنزال السُّخط عليهم بحال من يُحجب عن بعض السلاطين لذلك. "الانتصاف": "هي عند أهل السنة على حقيقتها، وهي من أدلة الرؤية. لما خص الله الكفار بالحجاب، دل على أنه مرفوع عن الأبرار، ولا معنى لرفع الحجاب إلا الإدراك، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ .
وقلت - والعلم عند الله-: ويساعده النظم؛ لأن قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، مقابل لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، والسجين - كما فسره المصنف، وعليه أكثر المفسرين -: هو تحت الأرض السابعة، وهو مسكن إبليس وذريته، ولذلك قوبل بقوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فيكون قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ مقابلاً لقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾. وقوله: ﴿يَنظُرُونَ﴾ مطلق، ليس فيه أنهم ينظرون إلى ماذا، فدل قوله: محجوبون عن ربهم، على أنهم غير محجوبين عنه. ويؤيده قوله : ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾؛ لأن في معنى قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾؛ لأنه في معنى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]. وروى محيي السنة أنه سُئل مالك عن هذه الآية، قال: "لما حُجب أعداؤه فلم يروه تجلي لأوليائه حتى رأوه. وقال الشافعي: فيها دلالة على أن أولياء الله يرون الله، وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا".
قوله: (إذا اعتروا باب ذي عُبية) البيت، ذي عُبِّيَّة، أي: ذي كبر ونحوه، فُعلية من
стр. 9028
عن ابن عباسٍ وقتادة وابن أبى مليكة: محجوبين عن رحمته، وعن ابن كيسان: عن كرامته.
[(كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) ١٨ - ٢١].
(كَلَّا) ردعٌ عن التكذيب. وكتاب الأبرار: ما كتب من أعمالهم. وعليون: علمٌ لديوان الخير الذي دوّن فيه كل ما عملته الملائكة وصلحاء الثقلين، منقولٌ من جمع «علىّ» فعيلٌ من العلو، كسجين من السجن، سمى بذلك إمّا لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإمّا لأنه مرفوعٌ في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون، تكريماً له وتعظيماً. روى: «إن الملائكة لتصعد بعمل العبد فيستقلونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله من سلطانه أوحى إليهم: إنكم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وأنه أخلص عمله فاجعلوه في عليين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العُباب، وهو الارتفاع، أي: ذي تكبر، من قوله: صلوات الله عليه، "يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عُبية الجاهلية وتعاظمها". رواه الترمذي عن ابن عمر، يقال: فلان تعروه الأضياف وتعتريه، أي: تغشاه، ويقال: رجبته، بالكسر، أي: هبته وعظمته فهو مرجوب بالجيم، وبه سمِّي رجب؛ لأنهم كانوا يعظمونه. ومعنى قوله: "الناس من بين مرجوب ومحجوب"، أي: يُؤذن على الملوك الوجهاء المكرمون، ويُحجب عنهم الأدنياء المهانون.
قوله: (وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة)، الراغب: "قيل: عِليون: اسم أشرف الجنان، كما أن سجين: اسم شر النيران. وقيل: بل ذلك في الحقيقة اسم سُكانها، وهذا أقرب في العربية إذ كان هذا الجمع يختص بالناطقين. قال: والواحد علي نحو بِطِّيخ، ومعناه: فإن الأبرار في جُملة هؤلاء، فيكون ذلك كقوله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] ".
стр. 9029
فقد غفرت له؛ وإنها لتصعد بعمل العبد فيزكونه، فإذا انتهوا به إلى ما شاء الله أوحى إليهم: أنتم الحفظة على عبدي وأنا الرقيب على ما في قلبه، وإنه لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين».
[(إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ) ٢٢ - ٢٨].
(الْأَرائِكِ) الأسرة في الحجال، (يَنْظُرُونَ) إلى ما شاءوا مدّ أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما أولاهم الله من النعمة والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار، وما تحجب الحجال أبصارهم عن الإدراك، (نَضْرَةَ النَّعِيمِ) بهجة التنعم وماءه ورونقه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الأسرة في الحجال)، الجوهري: "الحجلة، بالتحريك: واحد حجال العروس، وهو بيت يُزين بالثياب والأسرة والستور". وعن بعضهم: لا يقال: أريكة إلا للسرير الذي يكون في الكِلَّة، أو شيء يكون في الكلة، والكلة: الستر الرقيق.
قوله: (وما تحجب الحجال أبصارهم)، يُنظر إلى معنى ما سبق في من يضادهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾، فيقال: إذا لم يمنع الحجال أبصارهم عما يستبعد في المشاهد بل يستحيل، وهو أن ينظروا إلى جميع ما أولاهم الله من النعمة والكرامةة من مسافة في غاية البعد مع مانع الحجاب، وإلى أعدائهم يُعذبون في النار، فأي بُعد في أن ينظروا إلى ما هو المقصد الأسنى؟
روينا عن الإمام أحمد بن حنبل والترمذي، عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله? قال: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسُرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غُدوة وعَشية"، ثم قرأ? : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
стр. 9030
كما ترى في وجوه الأغنياء وأهل الترفه، وقرئ: (تعرف) على البناء للمفعول، (ونضرة النعيم) بالرفع. "الرحيق": الشراب الخالص الذي لا غش فيه "مَخْتُومٍ" تختم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسكٍ مكان الطينة. وقيل (خِتامُهُ مِسْكٌ) مقطعه رائحة مسكٍ إذا شرب. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم مزاجه بالمسك. وقرئ: (خاتمه)،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وروى السلمي عن ابن عطاء: "على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف، وعلى أرائك القُربة ينظرون إلى الرءوف. وقال جعفر في قوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾: تبقى لذة النظر تتلألأ مثل الشمس في وجوههم. وقال الجريري في ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾: يشربون صرفاً على بساط القرب في مجلس الأنس، وفي رياض القُدس، بكأس الرضا على مُشاهدة الحق".
قوله: (وقُرئ: "خاتمه")، الكسائي، والباقون: ﴿خِتَامُهُ﴾، وقراءة الكسائي تؤيد تفسير القفال على ما رواه الإمام عنه، أنه قال: "يحتملأن هؤلاء يُسقون من شراب مختوم، قد خُتم عليه تكريماً له بالصيانة على ما جرت به العادة من ختم ما يُكرم ويُصان. ويُفهم منه أن هناك خمراً تجري منها أنها كما قال: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، إلا أن هذا المختوم أشرف من الجاري".
وقلت: ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، وأن الساقي إذا كان ملكاً كان الشراب مصوناً مختوماً، ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. ويمكن أن يقال: إن قوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾، عطف على قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾. والتسنيم هم المعني بالشراب الذي هو أرفع شراب في الجنة. وقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ في حكم المتأخر، قدم لمكان العناية بشأنه. قال في قوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩]: مستثنى من قوله: ﴿فَمَن شَرِبَ
стр. 9031
بفتح التاء وكسرها، أي: ما يختم به ويقطع (فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) فليرتغب المرتغبون. (تَسْنِيمٍ) علم لعينٍ بعينها: سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه: إمّا لأنها أرفع شرابٍ في الجنة وإمّا لأنها تأتيهم من فوق، على ما روى أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم. و (عَيْناً) نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال، وقيل: هي للمقربين، يشربونها صرفا. وتمزج لسائر أهل الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قُدمت للعناية، كما قُدم ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، وإنما قلنا: إنه في حكم المتأخر؛ لأن المشار إليه بذلك جميع ما سبق من قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ إلى آخره.
وفائدة التقديم: الترغيب والحث على التحري والاجتهاد وإيثار ذلك على طلب العاجلة والمسابقة فيه، ولذلك قدم الظرف، أي: وفي ذلك وخص التنافس مع بناء التفاعل.
النهاية: "التنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نفسه، ونافست في الشيء منافسة ونفاساً: إذا رغبت فيه". وقال بعضهم: ارتغب وتراغب بمعنى إلا أن ارتغب أكثر. وقلت: الفاء في ﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾ جواب شرط محذوف، أي: وما كان فليتنافس المتنافسون في ذلك، فقدم الظرف للاهتمام، ويجوز أن يقدر: وفي ذلك: ليتنافس المتنافسون، وعلى الأول ورد قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ١ - ٣]، وعلى الثاني قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
قوله: (نصب على الحال)، أي: جارياً، وذو الحال: تسنيم، وهو علم للماء. وقيل: يشرب بها، الباء: زائدة، وقيل: ظرف، وقيل: بمعنى "من".
стр. 9032
[(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) ٢٩ - ٣٣]
هم مشركو مكة: أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم: كانوا يضحكون
من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم. وقيل: جاء على ابن أبى طالب رضى الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل علىّ إلى رسول الله ﷺ . (يَتَغامَزُونَ) يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. (فَكِهِينَ) ملتذين بذكرهم والسخرية منهم، أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال. (وَما أُرْسِلُوا) على المسلمين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رأينا اليوم الأصلع)، وفي النسخ المتعددة: ربنا اليوم، أي: رأسُنا اليوم الأصلع، مرفوعاً.
قوله: (﴿فَكِهِينَ﴾) قراءة حفص، والباقون: فاكهين.
قوله: (أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال)، قال الإمام: "أي: هم على ضلال في ترك التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يُدرى هل له وجود أم لا. ومعنى ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: أن الله لم يبعث الكفار رُقباء على المؤمنين يحفظون عملهم عليهم، ويتفقدون ما يصنعونه فيعيبون عليهم ما يعتقدونه ويُسمونهم. ضُلالاً. ويعضده قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾، أي: ينظرون إلى جميع ما أولاهم الله من
стр. 9033
(حَافِظِينَ) موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم؛ وهذا تهكم بهم. أو هو من جملة قول الكفار، وإنهم إذا رأوا المسلمين قالوا: إن هؤلاء لضالون؛ وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام وجدهم في ذلك.
[(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ • عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ • هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ٣٤ - ٣٦]
(عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) حال من (يَضْحَكُونَ) أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه وهم على الأرائك آمنون. وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها؛ فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك المؤمنون منهم. (ثوبه) و (أثابه) بمعنى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النعمة والكرامة الأبدية، وينظرون إلى أعدائهم يُعذبون في النار، وإلى ما أورثهم الله التُّرفة والتنعم بتلك النعم من العقاب السرمدية، ويقال للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار على عملهم، لا سيما على ما كانوا يضحكون منكم ويستهزئون بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة مزيداً لسرورهم وتبجحهم، وتشويراً لأعدائهم وتشميتاً بهم؟
قوله: ("ثوبه" و "أثابه" بمعنى)، عن المبرد: ثوب: فعل، من الثواب، أي: رجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو شر. والثواب قد يستعمل في المكافأة مطلقاً. قال الإمام: والأولى أن يُحمل على التهكم.
стр. 9034
إذا جازاه قال أوس:
سأجزيك أو يجزيك عنى مثوب … وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقرئ بإدغام اللام في التاء.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «المطففين» سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سأجزيك) البيت، يُخاطب الشاعر محبوبته، وهي سليمة بنت فضالة.
قوله: (بإدغام اللام في الثاء)، حمزة والكسائي وهشام.
تمت السورة
* … * … *
стр. 9035
سورة انشقت
مكية، وهي خمس وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ • وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وحُقَّتْ • وإذَا الأَرْضُ مُدَّتْ • وأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتَخَلَّتْ • وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وحُقَّتْ) ١ - ٥]
حذف جواب (إذا) ليذهب المقدر كل مذهب. أو اكتفاءً بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار. وقيل: جوابها ما دل عليه (فَمُلاقِيهِ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الانشقاق
خمس وعشرون آية، مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (جوابها ما دل عليه ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾)، قال الإمام: "فعلى هذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ معترض، وهو كقول القائل: إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان، ترى عند ذلك ما عملت من خير وشر، أي: إذا كان يوم القيامة لقى الإنسان عمله".
следующие страницы →