Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.
стр. 9031
بفتح التاء وكسرها، أي: ما يختم به ويقطع (فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ) فليرتغب المرتغبون. (تَسْنِيمٍ) علم لعينٍ بعينها: سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه: إمّا لأنها أرفع شرابٍ في الجنة وإمّا لأنها تأتيهم من فوق، على ما روى أنها تجرى في الهواء متسنمة فتنصب في أوانيهم. و (عَيْناً) نصب على المدح. وقال الزجاج: نصب على الحال، وقيل: هي للمقربين، يشربونها صرفا. وتمزج لسائر أهل الجنة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾، والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قُدمت للعناية، كما قُدم ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ [المائدة: ٦٩]، وإنما قلنا: إنه في حكم المتأخر؛ لأن المشار إليه بذلك جميع ما سبق من قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ إلى آخره.
وفائدة التقديم: الترغيب والحث على التحري والاجتهاد وإيثار ذلك على طلب العاجلة والمسابقة فيه، ولذلك قدم الظرف، أي: وفي ذلك وخص التنافس مع بناء التفاعل.
النهاية: "التنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء النفيس الجيد في نفسه، ونافست في الشيء منافسة ونفاساً: إذا رغبت فيه". وقال بعضهم: ارتغب وتراغب بمعنى إلا أن ارتغب أكثر. وقلت: الفاء في ﴿فَلْيَتَنَافَسِ﴾ جواب شرط محذوف، أي: وما كان فليتنافس المتنافسون في ذلك، فقدم الظرف للاهتمام، ويجوز أن يقدر: وفي ذلك: ليتنافس المتنافسون، وعلى الأول ورد قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ١ - ٣]، وعلى الثاني قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨].
قوله: (نصب على الحال)، أي: جارياً، وذو الحال: تسنيم، وهو علم للماء. وقيل: يشرب بها، الباء: زائدة، وقيل: ظرف، وقيل: بمعنى "من".
стр. 9032
[(إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ) ٢٩ - ٣٣]
هم مشركو مكة: أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأشياعهم: كانوا يضحكون
من عمار وصهيب وخباب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين ويستهزؤن بهم. وقيل: جاء على ابن أبى طالب رضى الله عنه في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكوا منه، فنزلت قبل أن يصل علىّ إلى رسول الله ﷺ . (يَتَغامَزُونَ) يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. (فَكِهِينَ) ملتذين بذكرهم والسخرية منهم، أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال. (وَما أُرْسِلُوا) على المسلمين،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (رأينا اليوم الأصلع)، وفي النسخ المتعددة: ربنا اليوم، أي: رأسُنا اليوم الأصلع، مرفوعاً.
قوله: (﴿فَكِهِينَ﴾) قراءة حفص، والباقون: فاكهين.
قوله: (أي: ينسبون المسلمين إلى الضلال)، قال الإمام: "أي: هم على ضلال في ترك التنعم الحاضر بسبب طلب ثواب لا يُدرى هل له وجود أم لا. ومعنى ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾: أن الله لم يبعث الكفار رُقباء على المؤمنين يحفظون عملهم عليهم، ويتفقدون ما يصنعونه فيعيبون عليهم ما يعتقدونه ويُسمونهم. ضُلالاً. ويعضده قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾، أي: ينظرون إلى جميع ما أولاهم الله من
стр. 9033
(حَافِظِينَ) موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم؛ وهذا تهكم بهم. أو هو من جملة قول الكفار، وإنهم إذا رأوا المسلمين قالوا: إن هؤلاء لضالون؛ وإنهم لم يرسلوا عليهم حافظين إنكاراً لصدّهم إياهم عن الشرك، ودعائهم إلى الإسلام وجدهم في ذلك.
[(فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ • عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ • هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ٣٤ - ٣٦]
(عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) حال من (يَضْحَكُونَ) أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والكبر، ومن ألوان العذاب بعد النعيم والترفه وهم على الأرائك آمنون. وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: اخرجوا إليها؛ فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم، يفعل ذلك بهم مرارا، فيضحك المؤمنون منهم. (ثوبه) و (أثابه) بمعنى،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النعمة والكرامة الأبدية، وينظرون إلى أعدائهم يُعذبون في النار، وإلى ما أورثهم الله التُّرفة والتنعم بتلك النعم من العقاب السرمدية، ويقال للمؤمنين: هل جازينا هؤلاء الكفار على عملهم، لا سيما على ما كانوا يضحكون منكم ويستهزئون بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة مزيداً لسرورهم وتبجحهم، وتشويراً لأعدائهم وتشميتاً بهم؟
قوله: ("ثوبه" و "أثابه" بمعنى)، عن المبرد: ثوب: فعل، من الثواب، أي: رجع إلى فاعله جزاء ما عمله من خير أو شر. والثواب قد يستعمل في المكافأة مطلقاً. قال الإمام: والأولى أن يُحمل على التهكم.
стр. 9034
إذا جازاه قال أوس:
سأجزيك أو يجزيك عنى مثوب … وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي
وقرئ بإدغام اللام في التاء.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «المطففين» سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (سأجزيك) البيت، يُخاطب الشاعر محبوبته، وهي سليمة بنت فضالة.
قوله: (بإدغام اللام في الثاء)، حمزة والكسائي وهشام.
تمت السورة
* … * … *
стр. 9035
سورة انشقت
مكية، وهي خمس وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(إذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ • وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وحُقَّتْ • وإذَا الأَرْضُ مُدَّتْ • وأَلْقَتْ مَا فِيهَا وتَخَلَّتْ • وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وحُقَّتْ) ١ - ٥]
حذف جواب (إذا) ليذهب المقدر كل مذهب. أو اكتفاءً بما علم في مثلها من سورتي التكوير والانفطار. وقيل: جوابها ما دل عليه (فَمُلاقِيهِ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الانشقاق
خمس وعشرون آية، مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (جوابها ما دل عليه ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾)، قال الإمام: "فعلى هذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ﴾ معترض، وهو كقول القائل: إذا كان كذا وكذا يا أيها الإنسان، ترى عند ذلك ما عملت من خير وشر، أي: إذا كان يوم القيامة لقى الإنسان عمله".
стр. 9036
أي إذا السماء انشقت لاقى الإنسان كدحه. ومعناه: إذا انشقت بالغمام، كقوله تعالى: (ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) [الفرقان: ٢٥]، وعن على ﵁: تنشق من المجرة. أذن له: استمع له. ومنه قوله ﵇: «ما أذن الله لشيء كاذنه لنبي يتغنى بالقرآن»، وقول حجاف بن حكيم:
أذنت لكم لما سمعت هريركم
والمعنى: أنها فعلت في انقيادها لله حين أراد انشقاقها فعل المطواع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومعناه: إذا انشقت بالغمام)، عن بعضهم: نظيره: انشق الأرض بالنبات، والباء للدلالة، ويكون في ذلك الغمام ملائكة العذاب، وكان ذلك أشد وأفظع، حيث جاء العذاب من موضع الخير، وقلت: والأظهر أن يُراد أن الملائكة ينزلون وبأيديهم صحائف الأعمال، لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِي﴾.
قوله: (تنشق من المجرة)، الجوهري: "المجرة: التي في السماء، سُميت بذلك لأنها كأثر المجر". قال ابن قُتيبة في كتاب "الأنواء": "المجرة: شُرُج السماء كشرج القُبة، وهي: ما يُرى في الشتاء أول الليل في ناحية السماء، وفي الصيف في أول الليل في وسط السماء، تنتقل في آخر الليل في غير موضعها، ويقال إن النجوم تقاربت في المجرة فطُمس بعضهم، فصارت كأنها سحائب".
قوله: (ما أذن الله لنبي)، الحديث. رواه الشيخان وأبو داود والدرامي والنسائي، عن أبي هريرة ﵁. ومعناه: ما استمع إلى شيء كاستماعه إلى صوت نبي قرأ الكتاب المنزل عليه، أي: لا يعتد لشيء كاعتداده إلى هذا.
قوله: (والمعنى: أنها فعلت في انقيادها)، يريد: أن إذن السماء للانشقاق تمثيل، على
стр. 9037
الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المطاع أنصت له وأذعن ولم يأب ولم يمتنع، كقوله: (أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: ١١]. (وحُقَّتْ) من قولك هو محقوق بكذا وحقيق به، يعني: وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع، ومعناه الإيذان بأن القادر الذات يجب أن يتأتى له كل مقدور ويحق ذلك. (مُدَّتْ) من مد الشيء فامتد: وهو أن تزال جبالها وآكامها وكل أمت فيها، حتى تمتد وتنبسط ويستوي ظهرها، كما قال تعالى: (قَاعًا صَفْصَفًا • لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا ولا أَمْتًا) [طه: ١٠٦ - ١٠٧]، وعن ابن عباس ﵄: مدت مد الأديم العكاظي؛ لأن الأديم إذا مد زال انثناء فيه وأمت واستوى، أو من مده بمعنى أمده، أي: زيدت سعة وبسطة. (وأَلْقَتْ مَا فِيهَا) ورمت بما في جوفها مما دفن فيها من الموتى والكنوز، (وتَخَلَّتْ) وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منوال قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. قال الإمام: "المعنى: لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله في شقها وتفريق أجزائها، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع؛ إذا ورد عليه الأمر من جهة مالكه أذعن ولم يمتنع لذلك". قوله: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلاً.
قوله: (بأن القادر الذات)، الانتصاف: "ما باله لا يقول: الذي عمت قدرته الكائنات، فيُثبت لله تعالى صفة الكمال؟ وإنما قوله: القادر الذات ميل إلى البدعة".
قوله: (وكل أمت)، الجوهري: "الأمت: المكان المرتفع. والأمت التلال الصغار".
قوله: (العُكاظي)، النهاية: "العكاظ: موضع بقرب مكة كانت تُقام بها في الجاهلية سوق يقيمون فيها أياماً".
стр. 9038
كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو، كما يقال: تكرم الكريم، وترحم الرحيم: إذا بلغا جهدهما في الكرم والرحمة، وتكلفا فوق ما في طبعهما. (وأَذِنَتْ لِرَبِّهَا) في إلقاء ما في بطنها وتخليها.
[(يَا أَيُّهَا الإنسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ • فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ • فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا • ويَنقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا • وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ ورَاءَ ظَهْرِهِ • فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا • ويَصْلَى سَعِيرًا • إنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا • إنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ • بَلَى إنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) ٦ - ١٥]
الكدح: جهد النفس في العمل والكد فيه حتى يؤثر فيها، من كدح جلده: إذا خدشه. ومعنى: (كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ) جاهد إلى لقاء ربك، وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء (فَمُلاقِيهِ) فملاق له لا مجالة لا مفر لك منه، وقيل: الضمير في (ملاقيه) للكدح (يسيراً)، سهلاً هيناً لا يناقش فيه ولا يعترض بما يسوؤه ويشق عليه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الكدح: جهد النفس في العمل)، الراغب: "الكدح: السعي والعناء، قد يستعمل استعمال الكدم في الأسنان. قال الخليل: الكدح دون الكدم".
قوله: (من الحال الممثلة باللقاء)، قال في العنكبوت: "لقاء الله مثل للوصول إلى العاقبة، من تلقى ملك الموت والبعث والحساب والجزاء. مُثلت تلك الحال، بحال عبد قدم على سيده بعد عهد طويل، وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر، فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضى من أفعاله، أو بضد ذلك لما سخط منها".
قوله: (وقيل: الضمير في "مُلاقيه" للكدح)، وهو على تقدير حذف مضاف، أي: فمُلاق جزاء كدحك من خير وشر، وعلى هذا قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ﴾ إلى آخره تفصيل له،
стр. 9039
كما يناقش أصحاب الشمال. وعن عائشة ﵂: هو أن يعرف ذنوبه، ثم يتجاوز عنه. وعن النبي ﷺ أنه قال: «من يحاسب يعذب، فقيل يا رسول الله: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا). قال ذلكم العرض، من نوقش في الحساب عذب». (إلَى أَهْلِهِ) إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو إلى فريق المؤمنين، أو إلى أهله في الجنة من الحور العين (ورَاءَ ظَهْرِهِ) قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل تخلع يده اليسرى من وراء ظهره، (يَدْعُو ثُبُورًا) يقول: يا ثبوراه. والثبور: الهلاك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨] إلى آخره. وعلى الأول الضمير: لله ، أي: إنك عامل باجتهاد إلى وقت الموت فملاق ربك. قال الإمام: "وفي الآية نكتة لطيفة، وهي أنها تدل على وجوب الكدح والتعب للمؤمن بانتهاء هذه الحياة الدنيوية، ويحصل بعد ذلك محض سعادة الأبدية".
وقلت: ومن ثم قالوا: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥].
قوله: (من يحاسب يُعذب)، الحديث من رواية الشيخين والترمذي وأبي داود، عن عائشة ﵂، أن النبي? قال: "ليس أحد يُحاسب إلا هلك"، قلت: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، أليس الله يقول: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: "ذلك العرض يعرضون، ومن نُوقش الحساب هلك".
النهاية: "نوقش، أي: من استقصى في محاسبته وحوقق. وأصل المناقشة من نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه، وقد نقشها وانتقشها".
стр. 9040
وقرئ: (ويصلى سعيراً)، كقوله: (وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [الواقعة: ٩٤]، ويصلى: بضم الياء والتخفيف، كقوله: (ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ) [النساء: ١١٥]. (فِي أَهْلِهِ) فِيما أَهْلِهِ فيما بين ظهرانيهم، أو معهم، على أنهم كانوا جميعا مسرورين، يعني: أنه كان في الدنيا مترفاً بطراً مستبشرا كعادة الفجار الذين لا يهمهم أمر الآخرة ولا يفكرون في العواقب. ولم يكن كئيباً حزيناً متفكرا كعادة الصلحاء والمتقين وحكاية الله عنهم (إنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) [الطور: ٢٦]. (ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ) لن يرجع إلى الله تعالى تكذيباً بالمعاد. يقال: لا يحور ولا يحول، أي: لا يرجع ولا يتغير. قال لبيد:
يحور رمادا بعد إذ هو ساطع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرئ: "ويصلى سعيراً")، أبو عمرو وعاصم وحمزة: بفتح الياء وإسكان الصاد مخففاً، والباقون: بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام.
قوله: (مُترفاً)، الجوهري: "أترفته النعمة: أطغته".
قوله: (وحكاية الله)، بالجر: عطف على عادة الصلحاء، أي: ولم يكن كئيباً حزيناً كما حكى الله عنهم، أي: عن المتقين.
قوله: (يحور رماداً بعد إذ هو ساطع)، أوله:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه
стр. 9041
وعن ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى يحور حتى سمعت أعرابية تقول لبنية لها: حوري، أي: ارجعي. (بَلَى) إيجاب لما بعد النفي في (لَّن يَحُورَ) أي: بلى ليحورن، (إنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا) وبأعماله لا ينساها ولا تخفى عليه، فلا بد أن يرجعه ويجازيه عليها. وقيل: نزلت الآيتان في أبي سلمة بن عبد الأشد وأخيه الأسود بن عبد الأشد.
[(فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ • واللَّيْلِ ومَا وسَقَ • والْقَمَرِ إذَا اتَّسَقَ • لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ) ١٦ - ١٩]
الشفق: الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء، إلا ما يروى عن أبى حنيفة ﵁ في إحدى الروايتين: أنه البياض. وروى أسد بن عمرو: أنه رجع عنه، سمى لرقته، ومنه الشفقة على الإنسان: رقة القلب عليه، (ومَا وسَقَ) وما جمع وضم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقال: شهاب ساطع، أي: مرتفع ملتهب.
قوله: (في أبي سلمة بن عبد الأشد)، في "الكشاف": "الأشد بالشين المعجمة. وفي "جامع الأصول": بالسين المهملة. "هو أبو سلمة بن [عبد] الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القُرشي، ابن عمة النبي? ، وكان زوج أُم سلمة قبل النبي? ".
قوله: (﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمع)، الراغب: "الوسق: جمع المتفرق، وسمي قدر معلوم من الحمل كحمل البعير: وسقا، وقيل: هو ستون صاعاً. قوله: ﴿وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾، قيل: وما جمع من الظلام، وقيل: عبارة عن طوارق الليل. والوسيقة: الإبل المجموعة، والاتساق: الاجتماع والاطراد".
стр. 9042
يقال: وسقه فاتسق واستوسق. قال:
مستوسقات لو يجدن سائقا
ونظيره في وقوع افتعل واستفعل مطاوعين: اتسع واستوسع. ومعناه: وما جمعه وستره وآوى إليه من الدواب وغيرها. (إذَا اتَّسَقَ) إذا اجتمع واستوى ليلة أربع عشرة. قرئ: (لتركبن)، على خطاب الإنسان في (يَا أَيُّهَا الإنسَانُ)، و (لتركبن)، بالضم على خطاب الجنس،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مستوسقات لو يجدن سائقاً)، أول الرجز في "المطلع":
إن لنا قلائصاً نقانقاً
النقنق: الظليم، وهو ذكر النعام.
قوله: (و ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾، بالضم: على خطاب الجنس)، الكسائي وابن كثير وحمزة: على الخطاب، والباقون: بضم الباء الموحدة، وبكسر الباء: شاذ، قال محيي السنة: "لتركبن بفتح الباء: خطاب لرسول الله? . قال الشعبي ﵀ ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها ويجوز درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله والرفعة". وقال صاحب "الكشف": "عن" بمعنى "بعد"، كقولهم: سادوك كابراً عن كابر، أي: بعد كابر، قال الذبياني:
بقية قدر من قدور تورثت لآل الجلاح كابراً بعد كابر
стр. 9043
لأن النداء للجنس؛ ولتركبن بالكسر على خطاب النفس، وليركبن بالياء على: ليركبن الإنسان. والطبق: ما طابق غيره. يقال: ما هذا بطبق لذا، أي: لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء الطبق. وإطباق الثرى: ما تطابق منه، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي "التيسير": عن ابن عباس وابن مسعود: أي: لتركبن يا محمد أطباق السماء ليلة الإسراء، وهي بشارة بالمعراج. وقال الإمام: وذلك بشارة لرسول الله? بصعوده إلى السموات لمشاهدة ملكوتها وإجلال الملائكة إياه فيها، قال الله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣، نوح: ١٥]، وهو مروي عن ابن عباس وابن مسعود؛ فقوله: "عن طبق"، أي: "بعد طبق"، قال:
مازلت أقطع منهلاً عن منهل حتى أنخت ببات عبد الواحد
وقلت: ويؤيد هذا الوجه التوكيد بالجملة القسمية، والتعقيب بالإنكارية بقوله ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؟ ، وقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾.
قوله: (والطبق: ما طابق غيره)، الراغب: "المطابقة من الأسماء المتضايفة، وهو أن تجعل الشيء فوق آخر بقدره، ومنه: طابقت النعل. ثم يستعمل الطباق فيما يكون فوق الآخر تارة، وفيما يوافق غيره تارة، كسائر الأشياء الموضوعة لمعنيين، ثم يستعمل لأحدهما بدون الآخر كالكأس والرواية ونحوهما، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، وقال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ﴾، أي: يترقى منزلاً عن منزل، وذلك إشارة إلى أحوال الإنسان من ترقيه في أحوال شتى في الدنيا، نحو ما أشار إليه بقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [فاطر: ١١]، وأحوال شتى في الآخرة من النشور والبعث والحساب وجواز الصراط، إلى حين المُستقر إلى أحد الدارين".
стр. 9044
ومنه قوله عز وعلا: (طَبَقًا عَن طَبَقٍ) أي حالاً بعد حال: كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول، ويجوز أن يكون جمع طبقة وهي المرتبة، من قولهم: هو على طبقات، ومنه: طبق الظهر لفقاره. الواحدة: طبقة، على معنى: لتركبن أحوالاً بعد أحوال، هي طبقات في الشدة بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة وأهوالها.
فإن قلت: ما محل عن طبق؟
قلت: النصب على أنه صفة لـ (طبقاً)، أي: طبقاً مجاوزاً لطبق، أو حال من الضمير في لتركبن، أي: لتركبن طبقاً مجاوزين لطبق. أو مجاوزاً. أو مجاوزة، على حسب القراءة. وعن مكحول: كل عشرين عاماً تجدون أمراً لم تكونوا عليه.
[(فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ • وإذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ • بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ • واللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ • فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ • إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) ٢٠ - ٢٥]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وهي الموت وما بعده)، هذا هو الذي يقتضيه النظم وترتب الفاء في ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ على قوله: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٥].
قوله: (على حسب القراءة)، يعني في ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ من الضم والفتح والكسر، فقوله: ﴿مُجاوزين﴾ على قراءة الضم، والخطاب للجنس، وقوله: "مُجازاً" على قراءة الباء بالفتح؛ على أن الخطاب للرسول? ، و (ليركبن) بالياء كذلك، وقوله: (مُجاوزة) بكسر الواو، على أن (لتركبن) بكسر الباء، والخطاب للنفس.
قوله: (تجدون أمراً لم تكونوا عليه)، يجدون: بفتح الياء وكسر الجيم والدال مخففة، ويروى: "تجدون"، بضم التاء الفوقانية وكسر الجيم والدال مُشددة، من: أجده، أي: جعله جديداً. الجوهري: "تجدد الشيء صار جديداً، وأجده وجدده واستجده: صيره جديداً".
стр. 9045
(يَسْجُدُونَ) لا يستكينون ولا يخضعون. وقيل. قرأ رسول الله ﷺ ذات يوم (واسْجُدْ واقْتَرِبْ) [العلق: ١٩] فسجد هو ومن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت. وبه احتج أبو حنيفة ﵁ على وجوب السجدة. وعن ابن عباس: ليس في المفصل سجدة. وعن أبى هريرة ﵁: أنه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وعن أنس: صليت خلف أبى بكر وعمر وعثمان فسجدوا. وعن الحسن: هي غير واجبة (الَّذِينَ كَفَرُوا) إشارة إلى المذكورين. (بِمَا يُوعُونَ) بما يجمعون في صدورهم ويضمرون من الكفر والحسد والبغي والبغضاء، أو بما يجمعون في صحفهم من أعمال السوء ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليس في المفصل)، عن بعضهم: قيل اسم للسابع في أكثر الأحوال، وقيل: من: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ [محمد: ١].
قوله: (وعن أبي هريرة أنه سجد فيها)، روينا عن الشيخين وأبي داود والنسائي، عن أبي سلمة: "رأيت أبا هريرة قرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ فسجد فيها، وقال: لو لم أر النبي? ، سجد، لم أسجد".
وفي رواية: سجد أبو بكر وعمر في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ومن هو خير منهما. وهو سنة عند الشافعي في المفصل، على الجديد.
стр. 9046
(إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا) استثناء منقطع.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «انشقت» أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: استثناء منقطع)، وقال أبو البقاء: "ويجوز أن يكون متصلاً، وأن يكون منقطعاً". وقيل: التقدير: فبشر الناس. وقلت: ليس بذاك، لأن الضمير راجع إلى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وضع موضع المظهر، للإشعار بأنهم لا يؤمنون ولا يسجدون عند قراءة القرآن عليهم، لأنهم كافرون مكذبون.
تمت السورة
حامداً لله ومُصلياً
* … * … *
стр. 9047
سورة البروج
مكية، وهي ثنتان وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ • والْيَوْمِ المَوْعُودِ • وشَاهِدٍ ومَشْهُودٍ) ١ - ٣]
هي البروج الاثنا عشر، وهي قصور السماء على التشبيه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة البروج
مكية، وهي ثنتان وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (على التشبيه)، أي: تشبيه السماء بسور المدينة؛ فإنه ذو أبراج، الأساس: "لها وجه مسرج، وعليها ثوب مبرج، وهو الذي عليه تصاوير كبروج السور".
الراغب: "البروج: القصور. وسمي بروج النجوم بها لمنازلها المختصة بها، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، وثوب مبرج: صور عليه بروج، واعتبر حُسنه، فقيل: تبرجت المرأة، أي: تشبهت به في إظهار المحاسن. وقيل: ظهرت من بُرجها، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] ".
стр. 9048
وقيل: البروجِ: النجوم التي هي منازل القمر. وقيل: عظام الكواكب. سميت بروجاً لظهورها. وقيل: أبواب السماء. (والْيَوْمِ المَوْعُودِ) يوم القيامة. (وشَاهِدٍ ومَشْهُودٍ) يعني: وشاهد في ذلك اليوم ومشهود فيه. والمراد بالشاهد: من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود: ما في ذلك اليوم من عجائبه. وطريق تنكيرهما: إما ما ذكرته في قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) [التكوير: ١٤] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود. وإما الإبهام في الوصف، كأنه قيل: وشاهد مشهود لا يكتنه وصفهما. وقد اضطربت أقاويل المفسرين فيهما؛ فقيل: الشاهد والمشهود: محمد ﷺ ، ويوم القيامة. وقيل: عيسى وأمته، لقوله: (وكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ) [المائدة: ١١٧] وقيل: أمة محمد، وسائر الأمم. وقيل: يوم التروية، ويوم عرفة، وقيل: يوم عرفة، ويوم الجمعة. وقيل: الحجر الأسود والحجيج، وقيل: الأيام والليالي، وبنو آدم. وعن الحسن: ما من يوم إلا وينادي: إنى يوم جديد وإني على ما يعمل في شهيد؛ فاغتمنى، فلو غابت شمس لم تدركني إلى يوم القيامة؛ وقيل: الحفظة وبنو آدم. وقيل: الأنبياء ومحمد ﵇
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال الإمام وصاحب "التيسير" والقاضي: "وهي البروج الاثنا عشر، تسير الشمس فيها في سنة، والقمر في شهر، وقد تعلقت بها مصالح ومنافع، فأقسم بها إظهاراً لقدرها".
وأما قوله: (البروج: النجوم التي هي منازل القمر)، فيرجع إلى المعنى الأول، لأن البروج الاثنى عشر منقسمة إلى ثمان وعشرين منزلاً. وقال الواحدي: "البروج: النجوم، أو منازلها".
قوله: (سُميت بروجاً لظهورها)، مأخوذ من التبرج، وهو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال.
قوله: (وقد اضطربت أقاويل المفسرين فيهما)، والضابط أن الشاهد قد يحمل على الذي يشهد للمدعي على المدعى عليه، أو على الحاضر نحو: فلان شاهد مجلس فلان، ضد غائب.
стр. 9049
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والمشهود أيضاً قد يُحمل على المشهود عليه، أو على المشهود فيه. وكل واحد منهما إما حقيقي أو مجازي، وفيه وجوه:
أ- أن الشاهد محمد? ، والمشهود يوم القيامة. روى محيي السنة عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: الشاهد محمد? ، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
ب- الشاهد عيسى ﵇، والمشهود أُمته، وهو من قوله: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧].
ج- الشاهد أمة محمد? ، والمشهود سائر الأمم، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].
د- الشاهد يوم التروية، والمشهود يوم عرفة، رواه محيي السنة عن سعيد بن المسيب. وعن بعضهم: وصف يوم التروية بصفة أهله، لأنه مشهود عليهم.
هـ- الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم الجمعة، رواه الإمام عن سعيد بن المسيب مُرسلاً.
و- الشاهد الحجر والمشهود الحجيج، لعله أُخذ مما روي أن الحجر الأسود يشهد لمن استلمه يوم القيامة.
ز- الشاهد الأيام والليالي، والمشهود بنو آدم، وهو من قول الحسن كما رواه.
стр. 9050
[(قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ • النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ • إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ • وهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ • ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ • الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) ٤ - ٩]
فإن قلت: أين جواب القسم؟
قلت: محذوف يدل عليه قوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ) كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون، يعني كفار قريش كما لعن أصحاب الأخدود؛ وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان، وإلحاق أنواع الأذى، وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، كما قيل: قتل أصحاب الأخدود وقتل: دعاء عليهم، كقوله: (قُتِلَ الإنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عيس: ١٧]، وقرئ: (قتل) بالتشديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (محذوف)، أي: جواب القسم أنهم ملعونون. فعلى هذا، ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ لا يكون دعاء عليهم، بل هي كلمة تعجب، يُعجب الناس من عنادهم وشدة شكيمتهم ومبالغتهم في تعذيب المؤمنين، فيكون كناية عن كونهم ملعونين، كما يقول قائله: لله ما أشجعه! يدل على قوله: "و ﴿قُتِلَ﴾: دعاء عليه". قال الإمام: "كان مشركو قريش يؤذون المؤمنين على حسب ما اشتهرت به الأخبار عن مبالغتهم في إيذاء عمار وبلال".
وروى الإمام عن الزجاج والأخفش، "أن جواب القسم: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، واللام مضمرة كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا … قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ١، ٩]، أي: لقد أفلح. وقيل: الجواب: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، وقيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: إن الأمر حق في الجزاء".
стр. 9051
والأخدود: الخد في الأرض وهو الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق. ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان. روي عن النبي ﷺ أنه قال: كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان الراهب أحبّ إليك من الساحر فاقتلها؛ فقتلها، فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربى، فغضب فعذبه. فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقد بالمنشار وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجب بالقوم، فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه، فدعا فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان)، عن بعضهم: أي: غابت ودخلت قوائم فرس سُراقة بن جعشم، حين اتبع رسول الله? حين خرج من الغار.
النهاية: "وفي حديث المحرم: "فوقصت به ناقته في أخاقيق جُرذان فمات". الوقص: كسر العنق، والباء في "به" كقولك: خذِ الخطام وخذْ بالخطام. ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن: وقص الرجل فهو موقوص. والأخاقيق: شقوق في الأرض كالأخاديد، وأحدها أُخقوق، يقال: خق في الأرض، صححه الأزهري".
قوله: (عن النبي? : كان لبعض الملوك)، هذا حديث طويل، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل، ومسلم، والترمذي عن صهيب، مع زيادات واختلافات، يطول ذكره.
قوله: (إلى قُرقور فلججوه)، النهاية: "القرقور: هو السفينة العظيمة، وجمعها قراقير".
стр. 9052
فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات؛ فقال الناس: آمنا برب الغلام؛ فقيل للملك: نزل بك ما كنت تحذر؛ فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه، اصبري فإنك على الحق؛ فاقتحمت. وقيل: قال لها قعي ولا تنافقي. وقيل: قال لها: ما هي إلا غميضة فصبرت.
وعن علي ﵁: أنهم حين اختلفوا في أحكام المجوس قال: هم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم فسكر، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس، إن الله أحل نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: إن الله حرمه؛ فخطب فلم يقبلوا منه فقالت له: ابسط فيهم السوط؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلججوه: أي أدخلوه في لجة البحر. وروى عن المصنف أنه قال: هو سفينة صغيرة، وأهل جدة يقولون: سنبوك، وجمعه سنابيك.
قوله: (فاقتحمت)، أي: رمت نفسها من غير روية.
قوله: (قفي)، ويروى: "قعي".
قوله: (وما هي إلا غُميضة)، يقال: أغمض عينها، وغمضها: إذا أطبق أجفانها، والضمير أي: هي، قيل: يعود إلى النار، يعني: ليس العذاب بتلك النار إلا زماناً قليلاً قدر إطباق أجفان العين، ويمكن أن يقال: إن الضمير للقصة، أي: ليس الأمر إلا قدر إطباق العين.
стр. 9053
فلم يقبلوا؛ فقالت له: ابسط فيهم السيف، فلم يقبلوا؛ فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها؛ فهم الذين أرادهم الله بقوله: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ).
وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى ﵇، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفاً في الأخاديد، وقيل: سبعين ألفاً؛ وذكر أن طول الأخدود، أربعون ذراعاً وعرضه اثنا عشر ذراعاً. وعن النبي ﷺ : أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء. (النَّارِ) بدل اشتمال من الأخدود، (ذَاتِ الوَقُودِ) وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، وقرئ: (الوقود)، بالضم (إِذْ) ظرف لقتل، أي لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها. ومعنى (عَلَيْهَا) على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كقوله:
وبات على النار النّدى والمحلق
وكما تقول: مرت عليه، تريد: مستعلياً لمكان يدنو منه، ومعنى شهادتهم على إحراق المؤمنين: أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهوداً يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحداً منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من جهد البلاء)، أي: من شدة البلاء والتكليف فوق الطاقة.
قوله: (وبات على النار النَّدى والمحلق)، أوله:
تُشب لمقرورين يصطليانها
تُشب: تُوقد، المقرور: من أصابه البرد، والمحلق: اسم رجل مضى شرحه غير مرة.
стр. 9054
ويجوز أن يراد: أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، يؤدون شهادتهم يوم القيامة (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النور: ٢٤]، (ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ) وما عابوا منهم، وما أنكروا إلا الإيمان، كقوله:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
قال ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلا … أنهم يحلمون إن غضبوا
وقرأ أبو حيوة: (نقموا) بالكسر، والفصيح هو الفتح. وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزا غالباً قادرا يخشى عقابه حميداً منعماً، يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه، (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ) فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقديراً؛ لأن (مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم)، تمامه:
بهن فُلول من قراع الكتائب
مضى شرحه.
قوله: (ما نقموا) البيت، أي: ما أنكروا من بني أمية إلا ما هو أصل الشرف والسيادة، وهو الحلم عند الغضب، وكظم الغيظ.
قوله: (تقريراً، لأن ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾)، "لأن" صلة "تقريراً"، وهو مفعول له، لقوله: "وذكر
стр. 9055
هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي، وإن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب، (واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) وعيد لهم، يعني أنه علم ما فعلوا، وهو مجازيهم عليه.
[(إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ولَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ • إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ) ١٠ - ١١]
ويجوز أن يريد بالذين فتنوا: أصحاب الأخدود خاصة، وبالذين آمنوا: المطروحين في الأخدود. ومعنى فتنوهم عذبوهم بالنار وأحرقوهم، (فَلَهُمْ) في الآخرة، (عَذَابُ جَهَنَّمَ) بكفرهم، (ولَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ) وهي نار أخرى عظيمة تتسع كما يتسع الحريق بإحراقهم المؤمنين. أو لهم عذاب جهنم في الآخرة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأوصاف"، يعني: إنما لم يكتف بقوله ﴿إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا﴾، وذكر اسم الله وأجرى عليه تلك الأوصاف العظيمة، ليقرر أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم، وصف عظيم له جلاله، وأن من قصد صاحبه بالانتقام والعيب كان مبطلاً مبالغاً في الغيّ، فإن من يضاد الحق الأبلج، يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يعدله عذاب.
قوله: (كما يتسع الحريق بإحراقهم)، الأساس: "أحرقه بالنار وحرقته، واحترق ووقع الحريق في داره".
يريد أن عطف ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ على ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ يقتضي المغايرة، فيحمل الأول على أنهم استحقوه لكفرهم، والثاني على أنهم كما أحرقوا المؤمنين يُحرقون بنار تشبه الحريق المشاهد في الاتساع، وأخّر عذاب الدنيا عن عذاب الآخرة مراعاة للفواصل؛ قال الإمام في الوجه الأول: "لما كان عذال جهنم بالنسبة إلى عذاب الحريق كلا عذاب، لأنه قد اجتمع فيه أنواع الإحراق، قيل له: عذاب الحريق".
стр. 9056
ولهم عذاب الحريق في الدنيا، لما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. ويجوز أن يريد: الذين فتنوا المؤمنين، أي: بلوهم بالأذى على العموم؛ والمؤمنين: المفتونين؛ وأن للفاتنين عذابين في الآخرة: لكفرهم، ولفتنتهم.
[(إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ • إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ • وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ • ذُو العَرْشِ المَجِيدُ • فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ) ١٢ - ١٦]
البطش: الأخذ بالعنف؛ فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم: وهو بطشه بالجبابرة والظلمة، وأخذهم بالعذاب والانتقام، (إنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ) أي يبدئ البطش ويعيده. يعني: يبطش بهم في الدنيا وفي الآخرة، أو دل باقتداره على الإبداء والاعادة على شدة بطشه، وأوعد الكفرة بأنه يعيدهم كما أبدأهم ليبطش بهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يريد: الذين فتنوا المؤمنين، أي: بلوهم بالأذى على العموم)، معنى الآية تذييل للكلام السابق، وتوكيد لمعنى قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾. وعلى الوجه السابق وهو أن يراد: بـ ﴿الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ أصحاب الأخدود خاصة، وبـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المطروحين، يكون لمجرد معنى ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، من باب المظهر الذي وضع أقيم موضع المضمر.
قوله: (أو دل باقتداره على الإبداء)، يريد أن قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، استئناف على بيان موجب شدة البطش، ولما كان ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ مُطلقين، تركهما في هذا الوجه على إطلاقهما، لإفادة أنه يُبدئ المخلوقات كلها ويعيدها بأسرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]. فمن كان كذلك كان قادراً على الإطلاق، وكان بطشه شديداً لاقتداره العظيم. وصرح بالمفعول في الوجهين: أما في الأول، فالمفعول البطش لدلالة ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾، وأما في الثاني فضمير الكفرة المار ذكرهم، ليؤذن بضرب من الوعيد كما قال.
стр. 9057
إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالاعادة، وقرئ: (يبدأ). (الوَدُودُ) الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود: من إعطائهم ما أرادوا. وقرئ: (ذى العرش) صفة لربك، وقرئ: (المجيد) بالجر صفة للعرش. ومجد الله عظمته. (فَعَّالٌ) خبر مبتدأ محذوف. وإنما قيل: فعال؛ لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود)، أي: استعار لذاته صفة الودادة على سبيل التمثيل، قال الإمام: "الودود: المحب، وهو قول أكثر المفسرين، قال الكلبي: الودود: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء. وقال الأزهري: يجوز أن يكون الودود فعولاً بمعنى مفعولاً، كركوب وحلوب، يعني أن عباده الصالحين يُحبونه لما عرفوا من كماله في ذاته وصفاته وأفعاله، وكلتا الصفتين مدح، لأنه تعالى إذا أحب عباده المخلصين فلإفضاله، وإن أحبوه فلجزيل إحسانه".
قوله: (وقُرئ: "المجيد" بالجر)، حمزة والكسائي، والباقون: بالرفع.
قوله: (خبر مبتدأ محذوف)، وعن بعضهم: كأنه فصله لفصل المجرورين والتنكير، وقلت: إنما فصله لأنه كالفذلكة للأوصاف السابقة والخاتمة لها، ونُكرت لضرب من التعظيم، يتلاشى عنده الأوهام والعقول.
قوله: (وإنما قيل: فعال، لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة)، "الانتصاف": "لا فاعل إلا هو، وبهذا تنتظم الآية، فإن أكثر ما أراد الله تعالى عند المعتزلة لم يكن تعالى الله عن ذلك، وهب أنا أعرضنا عن أدلتنا، أليس قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ يقتضي العموم، وأنه تعالى يفعل ما يريد؟ ".
стр. 9058
[(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ • فِرْعَوْنَ وثَمُودَ • بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ • واللَّهُ مِن ورَائِهِم مُّحِيطٌ • بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ • فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) ١٧ - ٢٢]
(فِرْعَوْنَ وثَمُودَ) بدل من الجنود، وأراد بفرعون إياه وآله، كما في قوله: (مِّن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ) [يونس: ٨٣]، والمعنى: قد عرفت تكذيب تلك الجنود الرسل وما نزل بهم لتكذيبهم. (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا) من قومك (فِي تَكْذِيبٍ) أي: تكذيب واستيجاب للعذاب، والله عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم لا يعجزونه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن اقتضاء مذهبه يخالف تفسيره؛ فإنهم يقولون: الله يريد من العباد الإيمان والطاعة، ولا يريد الكفر والمعصية، ولا شك أن الثاني أكثر وقوعاً. وأيضاً إن العباد إذا كانوا فاعلين لأفعالهم مستقلين في خلقها، فكأن الكثرة فيها.
وقال الإمام: "احتج أصحابنا بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال، قالوا: لا خلاف في أنه يريد الإيمان من المكلف، فوجب أن يكون فاعلاً له، وإذا كان فاعلاً للإيمان، وجب أن يكون فاعلاً للكفر ضرورة، لأنه لا قائل بالفرق. وقال القفال: الفعّال لما يريد: يفعل ما يريد على ما يراه، ولا اعتراض عليه، ولا يغلبه غالب، فيُدخل من يشاء الجنة لا يمنعه مانع، ويُدخل أعداءه النار لا ينصرهم منه ناصر".
قوله: (قد عرفت تكذيب تلك الجنود)، تفسير لقوله ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفيه أن ﴿هَلْ﴾ هاهنا بمعنى ﴿قَدْ﴾، وضُمن معنى التعجب بدلالة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، ليفيد الترقي من التعجيب إلى التعجب في الإضراب الأول، والترقي من التكذيب إلى التكذيب في الإضراب الثاني. بيان ذلك قوله: "إن أمرهم أعجب من أمر أولئك، لأنهم سمعوا بقصصهم"، إلى قوله: "وكذبوا أشد من تكذيبهم".
والمبالغة في الثاني تفهم من التنكير في قوله ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾، ثم ترقى وقال: دع تكذيبهم بذلك، فإن هاهنا ما هو أطَمّ منه، وهو تكذيبهم بهذا القرآن المجيد المثبت في اللوح المحفوظ.
стр. 9059
والإحاطة بهم من ورائهم: مثل لأنهم لا يفوتونه، كما لا يفوت فائت الشيء المحيط به. ومعنى الاضراب: أن أمرهم أعجب من أمر أولئك؛ لأنهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم، ورأوا آثار هلاكهم ولم يعتبروا، وكذبوا أشد من تكذيبهم. (بَلْ هُوَ) أي: بل هذا الذي كذبوا به (قُرْآنٌ مَّجِيدٌ) شريف عالي الطبقة في الكتب وفي نظمه وإعجازه. وقرئ: (قرآن مجيد) بالإضافة، أي: قرآن رب مجيد. وقرأ يحيى بن يعمر: (في لوح) واللوح: الهواء، يعني: اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح (مَّحْفُوظٍ) من وصول الشياطين إليه، وقرئ: (محفوظ) بالرفع صفة القرآن.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «البروج» أعطاه الله بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في الدنيا عشر حسنات».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأنهم لا يفوتونه)، اللام صلة "مثل"، وليست للتعليل، أي: مثل لعدم الفوات.
قوله: (وقُرئ: "محفوظ" بالرفع)، قرأها نافع.
قوله: (وكل يوم عرفة)، عرفة: علم للموقف. عن بعضهم: إنما صُرفت هاهنا لأنه أراد تنكير اليوم، ولا طريق إليه إلا بتنكير المضاف إليه.
تمت السورة
* … * … *
стр. 9060
سورة الطارق
مكية، وهي سبع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(وَالسَّمَاءِ والطَّارِقِ • ومَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ • النَّجْمُ الثَّاقِبُ) ١ - ٣]
(النَّجْمُ الثَّاقِبُ) المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، كما قيل: دريء؛ لأنه يدرؤه، أي: يدفعه. ووصف بالطارق؛ لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلاً: طارق: أو لأنه يطرق الجني، أي يصكه. والمراد: جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (للآتي ليلاً)، أي: كما يقال لمن يأتي في الليل: طارق، كذلك يقال للنجم الطالع في الليل: طارق.
قوله: (أو لأنه يطرق الجني، أي: يصكه)، أي: يضربه. الراغب: "الطرق في الأصل الضَّرب، إلا أنه أخص، لأنه ضرب توقع كطرق الحديد بالمطرقة، ويتوسع فيه توسعهم في
стр. 9061
فإن قلت: ما يشبه قوله: (ومَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ • النَّجْمُ الثَّاقِبُ) إلا ترجمة كلمة بأخرى، فبين لي أي فائدة تحته؟
قلت: أراد الله عز من قائل: أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيماً له، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبه على ذلك فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو الطارق، ثم قال: (ومَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ)، ثم فسره بقوله: (النَّجْمُ الثَّاقِبُ) كل هذا إظهار لفخامة شأنه، كما قال: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ • وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] روي: أن أبا طالب كان عند رسول الله ﷺ ، فانحط نجم، فامتلأ ماء ثم نوراً، فجزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال ﵇: «هذا نجم رمى به، وهو آية من آيات الله»، فعجب أبو طالب، فنزلت.
[(إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ) ٤]
فإن قلت: ما جواب القسم؟
قلت: (إن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)؛ لأن (إن) لا تخلو فيمن قرأ: (لَّمَّا) مشددة، بمعنى: إلا أن تكون نافية. وفيمن قرأها مخففة_على أن (ما) صلة_تكون مخففة من الثقيلة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضرب. وسمي الماء الكدر طرقاً لطرقه الدواب بالرِّجل، والطارق السالك للطريق، لكن في المتعارف خُص بالآتي ليلاً، وعُبر عن النجم بالطارق لاختصاص ظهوره بالليل، وعن الحوادث التي تأتي بالليل بالطوارق".
قوله: (فانحط نجم)، الأساس: "ناقة حطوط: سريعة السير، وحطت في سيرها وانحطت".
قوله: (لا تخلو فيمن قرأ: ﴿لَّمَّا﴾ مشددة)، قرأ عاصم وابن عامر وحمزة: مشددة، والباقون: مخففة؛ فإن قُرئ "لمَّا" مشددة، يكون "إنْ" في قوله ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ﴾ نافية على تقدير: ما كل نفس
стр. 9062
وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم، حافظ مهيمن عليها رقيب، وهو الله (وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) [الأحزاب: ٥٢]، (وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا) [النساء: ٨٥]، وقيل: ملك يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكسب من خير وشر. وروي عن النبي ﷺ : «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين».
[(فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ مِمَّ خُلِقَ • خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ • يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ) ٥ - ٧]
فإن قلت: ما وجه اتصال قوله (فَلْيَنظُرِ) بما قبله؟
قلت: وجه اتصاله به، أنه لما ذكر أن على كل نفسٍ حافظاً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلا عليها حافظ. وإذا قُرئ مخففة تكون "إنْ" مخففة من الثقيلة، و"ما" في "لما" صلة، أي: إن كل نفس لعليها حافظ، وأيتهما كانت، فهي مما يتلقى به القسم. قال الزجاج: "استعملت "لما" في موضع "إلا" في موضعين، أحدهما هذا، والآخر في باب القسم، تقول: سألتك لما فعلت، بمعنى: إلا فعلت".
قوله: (وجه اتصاله [به] أنه لما ذكر)، وتحريره أنه تعالى لما أثبت أن على كل نفس حافظاً، يكتب أعمالها دقيقها وجليلها، خيرها وشرها على التوكيد القسمي، عُلم أنه تعالى ما خلق الخلق سُدى وعبثاً، بل خلقهم لأمر خطير وخطب عظيم، وما ذاك إلا ليعرفوا مالكهم وخالقهم، ويعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وعُلم منه أنه لا بد من ثواب المطيع وعقاب العاصي، ومن الرجوع إلى المالك العادل للوصول إلى ما لكل منهما، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [يونس: ٤].
فمن أنكر ذلك، فلينظر إلى نفسه ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، وهو المراد من قوله: "أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أول أمره"، إلى قوله "ولا يُملي على حافظه من الأعمال إلا ما يَسُرُه في عاقبته".
стр. 9063
أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أول أمره ونشأته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته؛ و (مِمَّ خُلِقَ) استفهام جوابه (خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ) والدفق: صب فيه دفع. ومعنى دافق: النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللابن والتامر، أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه، ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدئ في خلقه، (مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرَائِبِ) من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فظهر من هذا التقدير أن الفاء في ﴿فَلْيَنظُرِ﴾ فصيحة تُفصح عن هذه المقدرات، مثلها في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، بعد قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١].
قوله: (الدفق: صب فيه دفع)، عن بعضهم: ﴿مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾، أي: سائل بسرعة، ومنه استعير: جاؤوا دُفقة، وبعير أدفق، أي: سريع.
قوله: (وترائب المرأة، وهي عظام الصدر)، قال الإمام: "طعن [في هذه الآية] الملحدة، خذلهم الله وأبادهم، وقالوا: إن المني إنما يتولد من فضلة الهضم الرابع، وينفصل من جميع أجزاء البدن، فيأخذ من كل عضو طبيعته وخاصيته، مستعداً لأن يتولد منه مثل تلك الأعضاء. فإن كان المراد أن معظم أجزاء المني يتولد هناك فهو ضعيف، لأن معظمه
стр. 9064
وقرئ: (الصلب) بفتحتين، و (الصلب) بضمتين. وفيه أربع لغات: صلب، وصلب، وصلب وصالب. قال العجاج:
في صلب مثل العنان المؤدم
وقيل: العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة.
[(إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ • يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ • فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا نَاصِرٍ) ٨ - ١٠]
(إنَّهُ) الضمير للخالق، لدلالة خلق عليه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنما يتولد من الدماغ. وإن كان المراد أن مُستقر المني هناك فضعيف أيضاً، لأن مستقره أوعية المني، وهي عروق تلتف بعضها ببعض عند البيضتين".
وأجاب أن "لا شك أن أعظم الأعضاء معونة الدماغ، ومنه النخاع في الصلب، وشعب نازلة إلى مقدم البدن وهي التَّريبة؛ على أن كلامهم محض الوهم والظن الضعيف، وكلام الله المجيد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".
قوله: (وقُرئ: "الصَّلب" بفتحتين)، ﴿الصُّلْبِ﴾: بضم الصاد وسكون اللام: هي المشهورة، والبواقي: شواذ.
قوله: (في صلب مثل العنان المؤدم)، أوله:
ريا العظام فخمة المخدم
يصف صلب امرأة باللين. فخمة المخدم: عظيمة الساق، والعنان: السير الذي يأخذه
стр. 9065
ومعناه: إن ذلك الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفة (عَلَى رَجْعِهِ) على إعادته خصوصاً (لَقَادِرٌ) لبين القدرة لا يلتاث عليه ولا يعجز عنه. كقوله:
إنني لفقير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراكب بيده. المؤدم: أي المتخذ من الأديم. وعن بعضهم: جاء الصُّلب، بضمتين، وقد قُرئ به، واستشهد بقول الشاعر.
قوله: (وما معناه: إن ذلك الذي خلق الإنسان)، يعني: إن في مجيء الفعل مجهولاً أولاً، والإضمار قبل الذكر ثانياً، الدلالة على أن الكلام من باب إرخاء العنان. أي: ما أقول: إنني أنا المبدئ والمعيد، بل أقول: إن ذلك الذي تعورف عندكم واشتهر وتقرون أنه الخالق، هو القادر على الإعادة؛ فجيء بإن واللام وتنكير الخبر، ليدل على رد بليغ، وعلى إنكار مبالغ عنهم، بأنه لا حشر ولا نشر، بل إما تعطيل أو أمر آخر كما اختلف فيه المبطلون.
يعني: لا تتعلق القدرة بشيء من الأشياء، إلا بإعادة الأرواح إلى الأجساد، ومن ثم نص على قوله: "على إعادته خصوصاً ﴿لَقَادِرٌ﴾؛ قال الإمام: "الضمير في ﴿إِنَّهُ﴾ للخالق، مع أنه لم يتقدم ذكره، لأنه قد تقرر في بدائه العقول، أن القادر على هذه التصرفات هو الله تعالى، ولذلك كان كالمذكور".
قوله: (لا يلتاث عليه)، الجوهري: "الالتياث: الاختلاط والالتفات، يقال: التاثت الخطوب والتاثت برأس القلم شعرة". يعني: دل التنكير في ﴿لَقَادِرٌ﴾ على كمال القدرة، كما التنكير في قول الشاعر:
لئن كان يهدي برد أنيابه العلا لأفقر مني، إنني لفقير
يريد: بليغ الفقر جداً، ومضى شرحه في "البقرة".
стр. 9066
(يَوْمَ تُبْلَى) منصوب بـ (رَجْعِهِ)، ومن جعل الضمير في (رَجْعِهِ) للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو الإحليل، أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بمضمر (تُبْلَى السَّرَائِرُ) ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال. وبلاؤها: تعرفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿يَوْمَ تُبْلَى﴾ منصوب بـ ﴿رَجْعِهِي﴾)، قال صاحب "الكشف": "لا يجوز أن ينتصب به، للفصل بين الصلة والموصول بقوله ﴿لَقَادِرٌ﴾، ولا ينتصب أيضاً بقوله: ﴿قَادِرٌ﴾ " لأنه تعالى قادر في كل الأوقات؛ فإذن ينتصب بمُضمر دل عليه قوله ﴿رَجْعِهِي﴾، أي: بعثه يوم تبلى السرائر. وإن شت بمضمر دل عليه قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. ومنع أبو البقاء أن يكون منصوباً بـ ﴿رَجْعِهِي﴾ للعلة المذكورة، وأجاز أن يكون منصوباً بـ ﴿قَادِرٌ﴾. ويمكن أن يقال: إن الفصل غير مانع لأنه في تقدير التأخير، قُدم مُراعاة للفواصل، على أن الظرف اتسعوا فيه ما لم يتسعوا في غيره.
قوله: (ومن جعل الضمير في ﴿رَجْعِهِي﴾ للماء، وفسَّره برجعه إلى مخرجه) إلى قوله (نصب الظرف بمضمر)، وفي "معالم التنزيل"، قال مجاهد: على رجعه: رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء إلى الصُّلب الذي خرج منه، وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماءً كما كان من قبل لقادر، وقال قتادة: إن الله على بعث الإنسان وإعادته بعد الموت قادر، وهذا أولالأقاويل لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وذلك يوم القيامة، لأنه مردود إلى قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: يوم تبلى ما كتب عليه الملك من أعمال الخير والشر، وكانت خفية عليه وعلى الناس، فحينئذ لا يقدر على دفع ذلك بنفسه، ولا له ناصر يدفع عنه غير الله.
قوله: (نصب الظرف بمضمر)، أي: بـ "اذكر" قبله، أو بقوله: "كان كيت وكيت" بعده.
стр. 9067
وعن الحسن أنه سمع رجلاً ينشد:
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا … سريرة ود يوم تبلى السرائر
فقال: ما أغفله عما في (وَالسَّمَاءِ والطَّارِقِ)! (فَمَا لَهُ) فما للإنسان، (مِن قُوَّةٍ) من منعة في نفسه يمتنع بها (ولا نَاصِرٍ) ولا مانع يمنعه.
[(والسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ • والأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ • إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ • ومَا هُوَ بِالْهَزْلِ) ١١ - ١٤]
سمي المطر رجعاً، كما سمي أوباً قال:
رباء شمّاء لا يأوى لقلتها … إلا السحاب وإلا الأوب والسبل
تسمية بمصدري: رجع، وآب؛ وذلك أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقال: ما أغفله عما في ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾)، يعني: يشتغل بالشدائد ولا يتفطن لها، إذ لو عقل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾، شغله عن هذه المحبة، لكنه ذُهل عن تلك الشؤون حتى تكلم بهذا. روي عن ابن عمر ﵄: "يُبدي الله تعالى يوم القيامة كل خير وشر، فيكون إما زيناً في الوجوه أو شيناً فيها". يعني: من حفظها كان وجهه مشرقاً، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
قوله: (رباء شماء) البيت، وفي "المطلع": زناء، بالزاي والنون المشددة، من: زنأ في الجبل: إذا صعد فيه. ويروى: "رباء"، بالراء والباء الموحدة من تحت، يقال من: ربأ: الرَّبيئة: الديدبان، إذا صعد المربأ وهو المرقب. تم كلامه.
الشمم: ارتفاع الأنف، والنعت منه الأشم. وقيل: شماء مضاف إليه، والسبل: المطر الجود. يصف الهضبة بالارتفاع، والمعنى: هذا الرجل رباء قلعة شماء.
قوله: (كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض)، لعل هذه الوجه غير مرضي، لأن هذا الزعم باطل، وقد مر بطلانه في "البقرة"، ولم يذكره الإمام ولا المفسرون.
стр. 9068
أو أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً، وأوباً ليرجع ويؤب. وقيل: لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً. قالت الخنساء:
كالرجع في المدجنة السارية
والصدع: ما يتصدّع عنه الأرض من النبات (إنَّهُ) الضمير للقرآن، (فَصْلٌ) فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له فرقان (ومَا هُوَ بِالْهَزْلِ) يعني: أنه جد كله لا هوادة فيه. ومن حقه وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيباً في الصدور،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالرجع في المدجنة الساريه)، أوله:
يوم الوداع ترى دموعاً جاريه
المُدجنة: السحابة المظلمة، والسارية من السحاب: ما بين الغادية والرائحة.
قوله: (﴿إِنَّهُ﴾: الضمير للقرآن)، روى الإمام عن القفال أنه قال: "إن المعنى أن ما أخبرتكم به من قُدرتي على إحيائكم يوم تُبلى فيه سراركم، قول حق وكلام فصل"، ثم قال الإمام: "هذا أولى، لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أحرى".
وقلت: ويؤيده قضية النظم، وهو أنه تعالى لما بدأ في مفتتح السورة بما دل على إثبات الحشر، وأكده بالإقسام بالنجم الثاقب، ثنى بالإقسام بقوله: لإثبات ذلك المطلوب تشديداً وتقريراً، ولذلك نفى الهزل، وعبر عن إنكارهم بالكيد والحيلة والتلبيس على العوام، قال الإمام: "الكيد: هو إلقاء الشبهات، كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، قال: ﴿مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ".
قوله: (لا هوادة فيه)، الأساس: "بينهم مُهاودة وهوادة، وما في فلان هوادة: رفق ولين".
قوله: (ومن حقه)، وهو خبر، والمبتدأ: "أن يكون مهيباً"، "وقد وصفه الله تعالى بذلك":
стр. 9069
معظماً في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه، وأن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى أن جبار السموات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده وبوعده، حتى إن لم يستفزه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جادا غير هازل، فقد نعى الله ذلك على المشركين في قوله: (وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ • وأَنتُمْ سَامِدُونَ) [النجم: ٦٠ - ٦١]، (والْغَوْا فِيهِ) [فصلت: ٢٦].
[(إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا • وأَكِيدُ كَيْدًا • فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) ١٥ - ١٧].
(إنَّهُمْ) يعني أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق، وأنا أقابلهم بكيدي: من استدراجي لهم وانتظاري بهم الميقات الذي وقته للانتصار منهم، (فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ) يعني: لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حال من الضمير المجرور في "حقه"، يريد أنه من المعلوم أن القرآن كله جد وليس بهزل؛ وإنما وصفه الله تعالى بذلك، ليكون مهيباً في الصدور، معظماً في القلوب. روينا عن الترمذي والدرامي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، قال: "سمعت رسول الله? يقول: إنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله". الحديث.
قوله: (يترفع به قارئه)، أي: يُعظه بأن لا يشتغل بما يخالف تعظيمه، من الإلمام بالهزل، والتفكه بالمزاح. "الأساس": "دخلت عليه فلم يرفع لي رأساً، ورفعت له غاية فسما إليها".
قوله: (أن يُلم)، أي: أن ينزل. الجوهري: "قد ألم به، أي: نزل به".
قوله: (وأن يلقي ذهنه)، عطف على قوله: أن يكون مهيباً" على سبيل البيان، يدل عليه قوله: "أن جبار السموات يخاطبه"، أي: به، لا على قوله: "أن يلمّ" لفساد المعنى.
стр. 9070
(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي إمهالاً يسيراً؛ وكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «الطارق»، أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: إمهالاً يسيراً)، جعله صفة مصدر محذوف، ومنه قوله: ضعه رويداً، أي: وضعاً رويداً؛ قال الإمام: "واعلم أن رُويد": إما اسم للأمر كقولك: رويد زيداً، أي: خله ودعه وارفق به، ولا تنصرف فيه حينئذ لأنه غير متمكن. أو يكون بمنزلة سائر المصادر، تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرب زيد. أو يكون نعتاً منصوباً، أي: إمهالاً يسيراً، أو يكون حالاً، أي: أمهلهم غير مستعجل، قال أبو عبيدة: تكبيره: رود، وأنشد:
يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته كأنه ثمل يمشي على رود
أي: على مهل ورفق وتؤدة. وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال: "رويد زيداً، يريد: أرود زيداً، وأمهله، وأرفق به".
قوله: (وكرر وخالف بين اللفظتين)، يعني: مَهِّل وأَمْهِل، ومعناهما واحد والباب مختلف. ولما كان الأصل في التكرار الموافقة، فلما خولف آذن أنه لأمر ما؛ فقوله: "لزيادة التسكين"، يتعلق بكل واحد من التكرير والمخالفة، فكأنه قيل: كرر وخالف لمزيد، مزيد التسكين منه.
تمت السورة
بعون الله
* … * … *
следующие страницы →