Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.
стр. 9066
(يَوْمَ تُبْلَى) منصوب بـ (رَجْعِهِ)، ومن جعل الضمير في (رَجْعِهِ) للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو الإحليل، أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بمضمر (تُبْلَى السَّرَائِرُ) ما أسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفي من الأعمال. وبلاؤها: تعرفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿يَوْمَ تُبْلَى﴾ منصوب بـ ﴿رَجْعِهِي﴾)، قال صاحب "الكشف": "لا يجوز أن ينتصب به، للفصل بين الصلة والموصول بقوله ﴿لَقَادِرٌ﴾، ولا ينتصب أيضاً بقوله: ﴿قَادِرٌ﴾ " لأنه تعالى قادر في كل الأوقات؛ فإذن ينتصب بمُضمر دل عليه قوله ﴿رَجْعِهِي﴾، أي: بعثه يوم تبلى السرائر. وإن شت بمضمر دل عليه قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾. ومنع أبو البقاء أن يكون منصوباً بـ ﴿رَجْعِهِي﴾ للعلة المذكورة، وأجاز أن يكون منصوباً بـ ﴿قَادِرٌ﴾. ويمكن أن يقال: إن الفصل غير مانع لأنه في تقدير التأخير، قُدم مُراعاة للفواصل، على أن الظرف اتسعوا فيه ما لم يتسعوا في غيره.
قوله: (ومن جعل الضمير في ﴿رَجْعِهِي﴾ للماء، وفسَّره برجعه إلى مخرجه) إلى قوله (نصب الظرف بمضمر)، وفي "معالم التنزيل"، قال مجاهد: على رجعه: رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء إلى الصُّلب الذي خرج منه، وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماءً كما كان من قبل لقادر، وقال قتادة: إن الله على بعث الإنسان وإعادته بعد الموت قادر، وهذا أولالأقاويل لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وذلك يوم القيامة، لأنه مردود إلى قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾، أي: يوم تبلى ما كتب عليه الملك من أعمال الخير والشر، وكانت خفية عليه وعلى الناس، فحينئذ لا يقدر على دفع ذلك بنفسه، ولا له ناصر يدفع عنه غير الله.
قوله: (نصب الظرف بمضمر)، أي: بـ "اذكر" قبله، أو بقوله: "كان كيت وكيت" بعده.
стр. 9067
وعن الحسن أنه سمع رجلاً ينشد:
سيبقى لها في مضمر القلب والحشا … سريرة ود يوم تبلى السرائر
فقال: ما أغفله عما في (وَالسَّمَاءِ والطَّارِقِ)! (فَمَا لَهُ) فما للإنسان، (مِن قُوَّةٍ) من منعة في نفسه يمتنع بها (ولا نَاصِرٍ) ولا مانع يمنعه.
[(والسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ • والأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ • إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ • ومَا هُوَ بِالْهَزْلِ) ١١ - ١٤]
سمي المطر رجعاً، كما سمي أوباً قال:
رباء شمّاء لا يأوى لقلتها … إلا السحاب وإلا الأوب والسبل
تسمية بمصدري: رجع، وآب؛ وذلك أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فقال: ما أغفله عما في ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾)، يعني: يشتغل بالشدائد ولا يتفطن لها، إذ لو عقل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾، شغله عن هذه المحبة، لكنه ذُهل عن تلك الشؤون حتى تكلم بهذا. روي عن ابن عمر ﵄: "يُبدي الله تعالى يوم القيامة كل خير وشر، فيكون إما زيناً في الوجوه أو شيناً فيها". يعني: من حفظها كان وجهه مشرقاً، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
قوله: (رباء شماء) البيت، وفي "المطلع": زناء، بالزاي والنون المشددة، من: زنأ في الجبل: إذا صعد فيه. ويروى: "رباء"، بالراء والباء الموحدة من تحت، يقال من: ربأ: الرَّبيئة: الديدبان، إذا صعد المربأ وهو المرقب. تم كلامه.
الشمم: ارتفاع الأنف، والنعت منه الأشم. وقيل: شماء مضاف إليه، والسبل: المطر الجود. يصف الهضبة بالارتفاع، والمعنى: هذا الرجل رباء قلعة شماء.
قوله: (كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض)، لعل هذه الوجه غير مرضي، لأن هذا الزعم باطل، وقد مر بطلانه في "البقرة"، ولم يذكره الإمام ولا المفسرون.
стр. 9068
أو أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً، وأوباً ليرجع ويؤب. وقيل: لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً. قالت الخنساء:
كالرجع في المدجنة السارية
والصدع: ما يتصدّع عنه الأرض من النبات (إنَّهُ) الضمير للقرآن، (فَصْلٌ) فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له فرقان (ومَا هُوَ بِالْهَزْلِ) يعني: أنه جد كله لا هوادة فيه. ومن حقه وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيباً في الصدور،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كالرجع في المدجنة الساريه)، أوله:
يوم الوداع ترى دموعاً جاريه
المُدجنة: السحابة المظلمة، والسارية من السحاب: ما بين الغادية والرائحة.
قوله: (﴿إِنَّهُ﴾: الضمير للقرآن)، روى الإمام عن القفال أنه قال: "إن المعنى أن ما أخبرتكم به من قُدرتي على إحيائكم يوم تُبلى فيه سراركم، قول حق وكلام فصل"، ثم قال الإمام: "هذا أولى، لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أحرى".
وقلت: ويؤيده قضية النظم، وهو أنه تعالى لما بدأ في مفتتح السورة بما دل على إثبات الحشر، وأكده بالإقسام بالنجم الثاقب، ثنى بالإقسام بقوله: لإثبات ذلك المطلوب تشديداً وتقريراً، ولذلك نفى الهزل، وعبر عن إنكارهم بالكيد والحيلة والتلبيس على العوام، قال الإمام: "الكيد: هو إلقاء الشبهات، كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، قال: ﴿مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ".
قوله: (لا هوادة فيه)، الأساس: "بينهم مُهاودة وهوادة، وما في فلان هوادة: رفق ولين".
قوله: (ومن حقه)، وهو خبر، والمبتدأ: "أن يكون مهيباً"، "وقد وصفه الله تعالى بذلك":
стр. 9069
معظماً في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه، وأن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقي ذهنه إلى أن جبار السموات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده وبوعده، حتى إن لم يستفزه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جادا غير هازل، فقد نعى الله ذلك على المشركين في قوله: (وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ • وأَنتُمْ سَامِدُونَ) [النجم: ٦٠ - ٦١]، (والْغَوْا فِيهِ) [فصلت: ٢٦].
[(إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا • وأَكِيدُ كَيْدًا • فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) ١٥ - ١٧].
(إنَّهُمْ) يعني أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق، وأنا أقابلهم بكيدي: من استدراجي لهم وانتظاري بهم الميقات الذي وقته للانتصار منهم، (فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ) يعني: لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حال من الضمير المجرور في "حقه"، يريد أنه من المعلوم أن القرآن كله جد وليس بهزل؛ وإنما وصفه الله تعالى بذلك، ليكون مهيباً في الصدور، معظماً في القلوب. روينا عن الترمذي والدرامي، عن الحارث الأعور، عن علي ﵁، قال: "سمعت رسول الله? يقول: إنها ستكون فتنة. قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحُكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله". الحديث.
قوله: (يترفع به قارئه)، أي: يُعظه بأن لا يشتغل بما يخالف تعظيمه، من الإلمام بالهزل، والتفكه بالمزاح. "الأساس": "دخلت عليه فلم يرفع لي رأساً، ورفعت له غاية فسما إليها".
قوله: (أن يُلم)، أي: أن ينزل. الجوهري: "قد ألم به، أي: نزل به".
قوله: (وأن يلقي ذهنه)، عطف على قوله: أن يكون مهيباً" على سبيل البيان، يدل عليه قوله: "أن جبار السموات يخاطبه"، أي: به، لا على قوله: "أن يلمّ" لفساد المعنى.
стр. 9070
(أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي إمهالاً يسيراً؛ وكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «الطارق»، أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أي: إمهالاً يسيراً)، جعله صفة مصدر محذوف، ومنه قوله: ضعه رويداً، أي: وضعاً رويداً؛ قال الإمام: "واعلم أن رُويد": إما اسم للأمر كقولك: رويد زيداً، أي: خله ودعه وارفق به، ولا تنصرف فيه حينئذ لأنه غير متمكن. أو يكون بمنزلة سائر المصادر، تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرب زيد. أو يكون نعتاً منصوباً، أي: إمهالاً يسيراً، أو يكون حالاً، أي: أمهلهم غير مستعجل، قال أبو عبيدة: تكبيره: رود، وأنشد:
يمشي ولا تكلم البطحاء مشيته كأنه ثمل يمشي على رود
أي: على مهل ورفق وتؤدة. وذكر أبو علي في باب أسماء الأفعال: "رويد زيداً، يريد: أرود زيداً، وأمهله، وأرفق به".
قوله: (وكرر وخالف بين اللفظتين)، يعني: مَهِّل وأَمْهِل، ومعناهما واحد والباب مختلف. ولما كان الأصل في التكرار الموافقة، فلما خولف آذن أنه لأمر ما؛ فقوله: "لزيادة التسكين"، يتعلق بكل واحد من التكرير والمخالفة، فكأنه قيل: كرر وخالف لمزيد، مزيد التسكين منه.
تمت السورة
بعون الله
* … * … *
стр. 9071
سورة الأعلى
مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى • الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى • والَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى • والَّذِي أَخْرَجَ المَرْعَى • فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) ١ - ٥]
تسبيح اسمه عز وعلا: تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني التي هي إلحاد في أسمائه، كالجبر والتشبيه ونحو ذلك، مثل أن يفسر (الأَعْلَى) بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان والاستواء على العرش حقيقة؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الأعلى
مكية، وهي تسع عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (مثل أن يفسر ﴿الْأَعْلَى﴾)، متصل بقوله: "تنزيهه"، أي: تسبيح اسمه: تنزيهه عما لا يصح فيه، مثل أن يفسر ﴿الْأَعْلَى﴾ بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار، لا بمعنى العلو في المكان.
الراغب: "العلو ضد السفل، والعلو: الارتفاع، وقد علا يعلو علواً، وعلي يعلى علاءً فهو علي؛ فـ "علا" بالفتح: في الأمكنة والأجسام أكثر، والعلي هو الرفيع القدر، من: علي، وإذا
стр. 9072
وأن يصان عن الابتذال والذكر، لا على وجه الخشوع والتعظيم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصف الله تعالى به، فمعناه أنه يعلو أن يحيط به وصف الواصفين، بل علم العارفين، وعلى ذلك يقال: تعالى، نحو: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]. وتخصيص لفظ التفاعل مبالغة ذلك، لا على سبيل التكليف كما يكون من البشر. وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، أي: أعلى من أن يقاس به أو يعتبر بغيره".
قوله: (وأن يصان عن الابتذال)، عطف على قوله: "تنزيهه"، أي: تسبيح اسمه: تنزيه ذاته عما لا يصح فيه من المعاني، وأن يصان اسمه من أن يبتذل، وأن يُذكر إلا على وجه التعظيم. ويجوز أن يُعطف على (أن يفسر)، على أن يجعل من اللف التقدير، بأن يقال: تسبيح اسمه: تنزيهه عما لا يصح فيه من المعاني، وعما لا يليق باسمه من خلاف التعظيم، فالاسم على الأول مُقحم كما في قول القائل:
إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما
وإلى المعنى الأول ينظر قول محيي السنة: "قال قوم: نزه ربك عما يصفه الملحدون، جعلوا الاسم صلة؛ يحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحداً، لأن أحداً لا يقول: سبحان اسم الله، بل: سبحان الله". وإلى المعنى الثاني، يُلمح قوله: "وقال الآخرون: نزه تسمية ربك، بأن تذكره وأنت له معظم ولذكره محترم، جعلوا الاسم بمعنى التسمية".
стр. 9073
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الإمام: "إنه كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب".
وقال القاضي في "شرح المصابيح": "قال مشايخنا: التسمية هو اللفظ الدال على المسمى، والاسم هو المعنى المسمى به"، كما أن الوصف قد يطلق ويراد به اللفظ، كذلك الاسم يطلق ويراد به المسمى، إطلاقاً لاسم الدال على المدلول، وعليه اصطلحت النحاة. ويدل على أنه للمعنى دون اللفظ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، و ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [يوسف: ٤٠]؛ فإن من المعلوم أن عبدة الأصنام ما عبدوا اللفظ وإنما عبدوا المسمى.
وقالت المعتزلة: الاسم هو التسمية دون المسمى. قال حجة الإسلام: "الاسم هو اللفظ الدال على المعنى بالوضع لغة، والمسمى هو المعنى الموضوع له، والتسمية: وضع اللفظ وإطلاقه".
وقال الراغب: "ما ذكر من الخلاف في أن الاسم، هل هو المسمى أو هو غيره؟ كلاهما صحيح؛ فإن من قال: إن الاسم وهو زيد أو عمرو هو المسمى، نظر إلى قولهم: رأيت زيداً، وزيد رجل صالح، فإن زيداً هاهنا عبارة عن المسمى، والرؤية به تعلقت. ومن قال: هو غير المسمى، نظر إلى نحو قولهم: سميت ابني زيداً، وزيد اسم حسن، فإنه عنى أني سميت ابني بهذا اللفظ، وأن هذا اللفظ محكوم عليه بالحُسن. فإذن، قولك: زيد حسن، لفظ مشترك يصح أن يعني به أن هذا اللفظ حسن، وأن يعنى به أن المسمى حسن. وأما تصور من قال: لو كان الاسم هو المسمى، لكان من قال: النار أحرقت فمه، فهو بعيد، لأن عاقلاً لا يقول: إن زيداً الذي هو زاي، وياء، ودال، هو الشخص".
стр. 9074
ويجوز أن يكون (الأَعْلَى) صفة للرب، والاسم؛ وقرأ علي ﵁: سبحان ربي الأعلى. وفي الحديث لما نزلت: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ)، قال رسول الله ﷺ : «اجعلوها في سجودكم»، فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال: «اجعلوها في سجودكم»، وكانوا يقولون في الركوع: اللهم لك ركعت، وفي السجود: اللهم لك سجدت. (خَلَقَ فَسَوَّى) أي خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتاً غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم، وأنه صنعة حكيم (قَدَّرَ فَهَدَى) قدر لكل حيوان ما يصلحه، فهداه إليه وعرفه وجه الانتفاع به؛ يحكى أن الأفعى إذا أتت عليها ألف سنة عميت،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
واعلم أن المصنف قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِي﴾ [الأعراف: ١٨٠]: "ولله الأوصاف الحسنى، وهي الوصف بالعدل والإحسان وانتفاء الشبه بالخلق. وذروا الذين يلحدون في أوصافه، فيصفونه بمشية القبائح، وخلق الفحشاء والمنكر، وبما يدخل في التشبيه كالرؤية ونحوها". وأخفى هذه المعاني في قوله: "هي إلحاد في أسمائه كالجبر والتشبيه ونحو ذلك" هاهنا.
ونحن معاشر أهل السنة، ننزه أسمائه بأن نمجده بأسمائه الحسنى الواردة في النقل الصحيح، وننزه صفاته بأن لا نخوض فيها من تلقاء أنفسنا، بل نصفه بما جاء في الكتاب والسنة، بعد أن نعتقد أنه تعالى ليس كمثله شيء.
قوله: (عن الابتذال)، الجوهري: "ابتذال الثوب وغيره: امتهانه، والتبذل: ترك التصاون".
قوله: (وفي الحديث: لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤])، الحديث رواه أبو داود وابن ماجه والدرامي، عن عقبة بن عامر، وليس فيه: "وكانوا يقولون" إلى آخره.
стр. 9075
وقد ألهمها الله أن مسح العين بورق الرازيانج الغض يرد إليها بصرها، فربما كانت في برية بينها وبين الريف مسيرة أيام فتطوي تلك المسافة على طولها وعلى عماها حتى تهجم في بعض البساتين على شجرة الرازيانج لا تخطئها، فتحك بها عينيها وترجع باصرة بإذن الله. وهدايات الله للإنسان إلى مالا يحد من مصالحه وما لا يحصر من حوائجه في أغذيته وأدويته، وفي أبواب دنياه ودينه، وإلهامات البهائم والطيور وهوام الأرض: باب واسع، وشوط بطين، لا يحيط به وصف واصف، فسبحان ربي الأعلى. وقرئ: (قدر) بالتخفيف. (أَحْوَى) صفة لـ «غثاء»، أي: (أَخْرَجَ المَرْعَى) أنبته. (فَجَعَلَهُ) بعد خضرته ورفيفه، (غُثَاءً أَحْوَى) دربنا أسود. ويجوز أن يكون (أَحْوَى) حالاً من (المَرْعَى)، .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وشوط بطين)، الأساس: "ومن المجاز: شأو بطين، أي: بعيد، قال كعب بن زهير:
فبصبصن بين أداني الغضا وبين عُنيزة شأواً بطينا
وتباطن المكان: تباعد. بصبص الكلب وتبصبص: حرك ذنبه، والتبصبص: التملق.
قوله: (وقُرئ: "قدر" بالتخفيف)، الكسائي، والباقون: بالتشديد.
قوله: (ورفيفه)، الجوهري: "رف لونه يرف - بالكسر- رفاً ورفيفاً، أي: برق وتلألأ. ثوب وشجر رفيف: إذا تندت".
قوله: (دريناً أسود)، الجوهري: "الدرين: حطام المرعى إذا قدم، وهو ما يلي من الحشيش، قل ما ينتفع به الإبل".
قوله: (ويجوز أن يكون ﴿أَحْوَى﴾ حالاً من ﴿الْمَرْعَى﴾)، قال صاحب "الكشف": ﴿أَحْوَى﴾ فسروه على وجهين: أحدهما: أسود يابساً، والثاني: أخضر يضرب إلى السواد لشدة الري.
стр. 9076
أي: أخرجه أحوى أسود من شدة الخضرة والري، (فَجَعَلَهُ غُثَاءً) بعد حويه.
[(سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى • إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ومَا يَخْفَى) ٦ - ٧]
بشره الله بإعطاء آية بينة، وهي: أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه، (إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ) فذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته، كقوله: (أَوْ نُنسِهَا) [البقرة: ١٠٦] وقيل: كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل، فقيل: لا تعجل، فإن جبريل مأمور بأن يقرأه عليك قراءة مكررة إلى أن تحفظه؛ ثم لا تنساه إلا ما شاء الله، ثم تذكره بعد النسيان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فعلى الثاني: في الكلام تقديم وتأخير؛ إذ التقدير: الذي أخرج المرعى أحوى، أي: أخضر، فجعله غثاءً، ولا يكون ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾ فصلاً بين الصلة ومتعلقه، لأن قوله: ﴿فَجَعَلَهُ﴾ أيضاً في الصلة، والفصل بين الصلة وبعضها جائز.
هذا هو المراد من قول أبي البقاء: "قيل: ﴿أَحْوَى﴾ حال من ﴿الْمَرْعَى﴾، أي: أخرج المرعى أخضر، ثم صيره غثاءً؛ فقدم بعض الصلة"، ومن ثم قدر المصنف: فجعله غثاءً بعد حوته.
قوله: (فيحفظه ولا ينساه ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾)، اعلم أنه أجرى ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ تارة على حقيقية الاستثناء، وأخرى على المجاز. أما الأول فعلى وجوه:
أحدها: قوله: "فيحفظه ولا ينساه ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ". والمراد بالنسيان على هذا ما هو قسيم النسخ، من رفع الحكم والتلاوة، كما قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ويلحق بهذا الوجه الوجه الأخير، وهو قوله: " ﴿فَلَا تَنسَى﴾، على النهي"، كقوله: "إلا ما شاء الله أن ينسيكهه برفع تلاوته للمصلحة".
وثانيها: قوله: "أن تحفظه ثم لا تنساه إلا ما شاء الله"، فإن النسيان على هذا هو المتعارف، ولما كان المراد منه: لا ينساه نسياناً كلياً كما قال في الوجه الأول.
стр. 9077
أو قال: إلا ما شاء الله، يعني: القلة والندرة، كما روي أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسب أبى أنها نسخت، فسأله فقال: نسيتها أو قال: إلا ما شاء الله، الغرض نفي النسيان رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهيمي فيما أملك إلا فيما شاء الله، ولا يقصد استثناء شيء، وهو من استعمال القلة في معنى النفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفرق بين الوجه الأول والثاني، هو أن الإقراء على الأول محمول على رعاية مصالح الدين، فالأنسب أن الإنسان يُحمل على ما يجب أن يُنسى كالنسخ. وعلى الثاني كان الإقراء الحفظ، فاحتيج إلى التكرار؛ وإنما تكرر لأن يستقر ولا يُنسى فيتذكر، وإليه أشار بقوله: "ثم تذكره بعد النسيان".
وثالثها: قوله: "قال: إلا ما شاء الله، يعني: القلة والنُّدرة"، أي: أصل الحكم، أي لا ينساه البتة، لأن النسيان غير مطلوب أصالة، قال الإمام: "ويشترط أن لا يكون ذلك القليل من واجبات الشرع، بل من الآداب والسنن، لأنه لو نسى شيئاً من الواجبات لاختل أمر الشرع".
وأما الثاني، فقوله: "قال: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، والغرض نفي النسيان"، وذلك على سبيل المبالغة، أي أنه تعالى لم يشأ النسيان، فلا يقع على مذهبه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩]، قال المصنف: "عودهم في ملتهم مما لن يشاءه الله"، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَايْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، قال: " ﴿إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في معنى كلمة: تأبيد، كأنه قيل: لا تقولنه أبداً".
قوله: (وهو من استعمال القلة في معنى النفي)، مثاله: قل رجل يقول كذا، أي: ما رجل يقول كذا.
стр. 9078
وقيل: قوله (فَلا تَنسَى) على النهي، والألف مزيدة للفاصلة، كقوله: (السَّبِيلا) [الأحزاب: ٦٧] يعني: فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه، إلا ما شاء الله أن ينسيكه برفع تلاوته للمصلحة، (إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ) يعني: أنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل ﵇ مخافة التفلت، والله يعلم جهرك معه وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، فلا تفعل، فأنا أكفيك ما تخافه. أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وبطن من أحوالكم، وما هو مصلحة لكم في دينكم ومفسدة فيه، فينسى من الوحي ما يشاء؛ ويترك محفوظاً ما يشاء.
[(ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى • فَذَكِّرْ إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى • سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى • ويَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى • الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الكُبْرَى • ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا ولا يَحْيَى) ٨ - ١٣]
(ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) معطوف على (سَنُقْرِئُكَ) وقوله: (إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ ومَا يَخْفَى) اعتراض، ومعناه: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: قوله ﴿فَلَا تَنسَى﴾ على النهي، والألف مزيدة)، قال أبو علي: "نهاه عن التشاغل والإهمال المؤديين إلى نسيان ما يقرأ، لأن النسيان ليس بفعل الناسي فينهي عنه لأنه من فعل الله، فيحدثه عند إهمال تكريره وترك مراعاته". وقلت: ونحوه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقولهم: لا أُرينك هاهنا، وإليه الإشارة بقوله: "فلا تغفل قراءته وتكريره فتنساه".
قوله: (﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ اعتراض)، فعلى الوجه الأول: هو كالتعليل لما ورد عليه قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾، وإليه الإشارة بقوله: "إنك تجهر بالقراءة" إلى قوله: "فلا تغفل، فأنا أكفيك ما تخافه". وعلى الثاني: توكيد لمضمون الكلام السابق من مفتتح السورة واللاحق إلى مختتمها، لأنها محتوية على الأمور الدنيوية والأخروية، ولذلك عمم المعنى
стр. 9079
يعني: حفظ الوحي. وقيل للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذاً. وقيل: نوفقك لعمل الجنة.
فإن قلت: كان الرسول ﷺ مأموراً بالذكرى نفعت أو لم تنفع، فما معنى اشتراط النفع؟
قلت: هو على وجهين، أحدهما: أن رسول الله ﷺ قد استفرغ مجهوده في تذكيرهم، وما كانوا يزيدون على زيادة الذكرى إلا عتوا وطغياناً، وكان النبي ﷺ يتلظى حسرة وتلهفاً، ويزداد جداً في تذكيرهم وحرصاً عليه، فقيل له: (ومَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وعِيدِ) [ق: ٤٥]، فاعرض عنهم وقل سلام،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال: "يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم" إلى آخره، فيكون الخطاب في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ لكل أحد، ويقويه ما روينا من حديث عقبة بن عامر: "لما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: اجعلوها في سجودكم.
والوجه الأول، وهو ن يختص الخطاب برسول الله? ، أظهر وأوفق لتأليف النظم، لما ذكر أن نبي الله? ، كان يعجل بالقراءة إذا لقنه جبريل ﵇، فقيل له: لا تعجل، وسبح باسم ربك الأعلى الذي له تلك القدرة الكاملة من الخلق والتسوية وكيت وكيت، وله ذلك العلم الشامل من الإحاطة بالسر وأخفى. ثم عقب الأمر بقوله بالتسبيح ما كان مهتماً بشأنه من الخلق من قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾، ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾، جزاءً لالتجائه إلى القادر على كل مقدور والعالم بكل معلوم، ووسط أحد الوصفين، أعني العلم، بين المعطوفين، لكونه أقرب من الآخر إلى المقصود، وإليه الإشارة بقوله: "والله يعلم جهرك معه، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر"، ثم أتبع ذلك ما هو مبعوث به ومرسل إلى الخلق لأجله من قوله: "فذكِّر".
قوله: (﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، فأعرض عنهم وقل: سلام)، أي: أعرض عن هؤلاء الذين كررت التذكير معهم، وألزمت الحجة عليهم، وذكر لمن ينفع التذكير
стр. 9080
(فَذَكِّرْ إن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) وذلك بعد إلزام الحجة بتكرير التذكير. والثاني: أن يكون ظاهره شرطاً، ومعناه ذما للمذكرين، وإخباراً عن حالهم، واستبعاداً لتأثير الذكرى فيهم، وتسجيلاً عليهم بالطبع على قلوبهم، كما تقول للواعظ: عظ المكاسين إن سمعوا منك. قاصداً بهذا الشرط استبعاد ذلك، وأنه لن يكون،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معهم ممن يخاف وعيد الله، فيطابقه قوله: ﴿وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].
وقلت: النظم يساعد قول الواحدي ومحيي السنة، قالا: "عِظْ يا محمد أهل مكة إن نفع التذكير أو لم ينفع، لأنه صلوات الله عليه بُعث مبلغاً للإنذار، فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع، تأكيداً للحجة واكتساباً للمثوبة، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ليوافق قوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ [الأعلى: ١٠ - ١٢] ".
قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾، يعني: منك التذكير، ومنهم الإقبال والقبول أو الاجتناب والإباء، وللأولين الفلاح والنجاح، وللآخرين الصَّلْي بالنار الكبرى. "واعلم أن الناس في أمر المعاد على ثلاثة أقسام: منهم من قطع بصحته، ومنهم من جوز وجوده، ولكنه غير قاطع فيه لا بالنفي ولا بالإثبات، ومنهم من أصر على إنكاره. والقسمان الأولان ينتفعون بالتذكير بخلاف الثالث، ولذلك قال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾. ولما كان الانتفاع بالذكرى مبنياً على حصول الخشية في القلب، وصفات القلوب مما لا اطلاع لأحد عليها، وجب على الرسول تعميم الدعوة تحصيلاً للمقصود، لأن المقصود تذكير من ينتفع بالتذكير، ولا سبيل إليه إلا بتعميم التذكير"، هذا تلخيص كلام الإمام.
قوله: (المكاسين)، أي: العشارين، الجوهري: "المكاس: العشار، والمكس: ما يأخذه العشار".
стр. 9081
(سَيَذَّكَّرُ) فيقبل التذكرة وينتفع بها، (مَن يَخْشَى) الله وسوء العاقبة، فينظر ويفكر حتى يقوده النظر إلى إتباع الحق: فأما هؤلاء فغير خاشين ولا ناظرين، فلا تأمل أن يقبلوا منك (ويَتَجَنَّبُهَا) ويتجنب الذكرى ويتحاماها، (الأَشْقَى) الكافر؛ لأنه أشقى من الفاسق. أو الذي هو أشقى الكفرة لتوغله في عداوة رسول الله ﷺ . وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة. (النَّارَ الكُبْرَى) السفلى من أطباق النار، وقيل: (الكُبْرَى) نار جهنم. والصغرى: نار الدنيا. وقيل: (ثُمَّ) لأن الترجح بين الحياة والموت أفظع من الصلي، فهو متراخ عنه في مراتب الشدة؛ والمعنى: لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
[(قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى • وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى • بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا • والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقَى) ١٤ - ١٧]
(تَزَكَّى) تطهر من الشرك والمعاصي، أو تطهر للصلاة، أو تكثر من التقوى، من الزكاء وهو النماء. أو تفعل من الزكاة، كتصدق من الصدقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لأن الترجح)، الترجح: التردد، الأساس: "ترجحح في القول: تميل فيه"، قال الزجاج: "لا يموت موتاً يستريح به من العذاب، ولا يحيى حياة يجد معها روح الحياة".
قوله: (﴿تَزَكَّى﴾: تطهر من الشرك والمعاصي)، قال الإمام: "هذا التفسير متعين، لأن مراتب أعمال المكلف ثلاث: أولها: إزالة العقائد الفاسدة عن القلب، وإليه الإشارة بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾. وثانيها: استحضار معرفة الله وصفاته وأسمائه، وهو المراد من قوله: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِي﴾. وثالثها: الاشتغال بخدمة الله ، وإليه الإشارة بقوله: ﴿فَصَلَّى﴾، لأن من تخلى عن الرذائل وتحلى بالفضائل، لا بد أن يظهر في جوارحه نور ذلك بالخضوع والخشوع".
قوله: (أو تكثر من التقوى: من الزكاء)، قال الزجاج: "ومعنى ﴿تَزَكَّى﴾: تكثر من تقوى الله، ومعنى الزاكي: النامي الكثير".
стр. 9082
(فَصَلَّى) أي: الصلوات الخمس، نحو قوله: (وأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَاةَ) [البقرة: ١٧٧]، وعن ابن مسعود: رحم الله امرأ تصدق وصلى. وعن علي ﵁ أنه التصدق بصدقة الفطر وقال: لا أبالي أن لا أجد في كتابي غيرها، لقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) أي: أعطى زكاة الفطر، فتوجه إلى المصلى، فصلى صلاة العيد، وذكر اسم ربه فكبر تكبيرة الافتتاح. وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة معطوفة عليها، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه . وعن ابن عباس ﵁: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (نحو قوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧])، قال الإمام: "وفيه إشكال، لأن عادة الله تقديم الصلاة على الزكاة، والأولى: تزكى من الشرك والمعاصى ثم صلى، أو تطهر للصلاة ثم صلى".
قوله: (أي: أعطى زكاة الفطر، فتوجه إلى المصلى)، قال الإمام: "وفيه إشكال لأن السورة مكية بالإجماع، ولم يكن حينئذ عيد ولا فطر". وفي "البسيط": "لا يمتنع أن يقال: إن الله تعالى أخبر عما سيكون".
قوله: (وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة معطوفة عليها)، قال الإمام: "إن الآية دلت على مدح من ذكر اسم الله فصلى عقيبه، وليس فيها أنها تكبيرة الإحرام، ولعل المراد: ذكر الله بقلبه وذكر ثوابه وعقابه، فدعاه ذلك إلى فعل الصلاة".
стр. 9083
وعن الضحاك: وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد (بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا) فلا تفعلون ما تفلحون به. وقرئ: (يؤثرون) على الغيبة. ويعضد الأولى قراءة ابن مسعود: بل أنتم تؤثرون. (خَيْرٌ وأَبْقَى) أفضل في نفسها وأنعم وأدوم. وعن عمر ﵁: ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب.
[(إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى • صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى) ١٨ - ١٩]
(هَذَا) إشارة إلى قوله: (قَدْ أَفْلَحَ) إلى (وأَبْقَى) يعني أن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف. وقيل: إلى ما في السورة كلها. وروي: عن أبي ذر ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : كم أنزل الله من كتاب؟ فقال: مائة وأربعة كتب، منها على آدم: عشر صحف، وعلى شيث: خمسون صحيفة، وعلى أخنوخ وهو إدريس: ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم: عشر صحائف والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان. وقيل: إن في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظاً للسانه، عارفاً بزمانه، مقبلاً على شأنه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ("يؤثرون" على الغيبة)، أبو عمرو: بالياء التحتانية، والباقون: بالتاء. وعلى الغيبة الضمير لأهل مكة، أُمر رسول الله? بالتذكير نفع أم لم ينفع، ثم أضرب عنه بقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، ولذلك لا ينجع فيهم الترغيب والترهيب.
وعلى الخطاب عام لكل أحد، والمضروب عنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾، أي: أنتم، يا بني آدم، تؤثرون الحياة الدنيا، لأنه من جبلتكم كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (وَتَذَرُونَ الْأخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢١]، فلا تفعلون ما تفلحون به.
قوله: (إلا كنفجة أرنب)، النهاية: "وفي الحديث: "ما الأُولى عند الآخرة إلا كنَفْجة أرنب"، أي: كوثبته من مجثمه، يريد تقليل مدتها".
стр. 9084
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الأعلى، أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد».
وكان إذا قرأها قال: سبحان ربي الأعلى، وكان علي وابن عباس يقولان ذلك، وكان يحبها وقال: أول من قال (سبحان ربي الأعلى): مكيائيل ﵇.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وكان يحبها)، أي: الرسول? .
تمت السورة
* … * … *
стр. 9085
سورة الغاشية
مكية، وهي ست وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ • وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ • عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ • تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً • تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ • لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلاَّ مِن ضَرِيعٍ • لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ) ١ - ٧]
(الغَاشِيَةِ) الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها. يعني القيامة، من قوله: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ) [العنكبوت: ٥٥]، وقيل: النار، من قوله: (وتَغْشَى وجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم: ٥٠]، (ومِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) [الأعراف: ٤١]، (يَوْمَئِذٍ) يوم إذ غشيت، (خَاشِعَةٌ) ذليلة. (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) تعمل في النار عملاً تتعب فيه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الغاشية
مكية، وهي ست وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (تعمل في النار عملاً)، ذكر في قوله: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ وجوهاً ثلاثةً: الأول مبني على أن العمل والتعب كلاهما في الآخرة، والثاني أن العمل في الدنيا والنصب في الآخرة، والثالث أن العمل والنصب كلاهما في الآخرة. وفي أن يكون العمل والنصب في لدنيا إشكال، لأن ﴿خَاشِعَةٌ (عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ أخبار لـ ﴿وُجُوهٌ﴾، وقد قُيدت بقوله ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛
стр. 9086
وهو جرها السلاسل والأغلال، وخوضها في النار كما تخوض الإبل في الوحل، وارتقاؤها دائبة في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها. وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت، فهي في نصب منها في الآخرة، وقيل: عملت ونصبت في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة. من قوله: (وقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ) [الفرقان: ٢٣]. (وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: ١٠٤]، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) [آل عمران: ٢٢] وقيل: هم أصحاب الصوامع، ومعناه: أنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب، والتهجد الواصب. وقرئ: (عاملة ناصبة) على الشتم. قرئ: (تَصْلَى) بفتح التاء. و (تصلى) بضمها. وتصلى بالتشديد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالوجه أن يُجعلا خبرين لمبتدأ محذوف، حكاية عن الحال الماضية كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: ١٨]، كأنه تعالى يخبر عن أحوالهم في القيامة على سبيل الحكاية عن الحال الماضية.
قوله: (دائبة)، الجوهري: "دأب في عمله، أي: جد وتعب، دأباً ودؤوباً فهو دائب، والدائبان: الليل والنهار".
قوله: (وهبوطها)، عطف على "ارتقاؤها"، و"في صعود" خبره. كما أن "في حدود منها" خبر "هبوطها"، و "دائبة" حال من الضمير في الجار والمجرور. والجملتان مُبينتان لتشبيه العامل بخوض الإبل في الوحل.
قوله: (الواصب)، الجوهري: "وصب الشيء يصب وصوباً: إذا دام"، أي: ما نفعها هذه الأفعال لأنها لم تكن مع الإيمان.
قوله: (وقرئ: ﴿تَصْلَى﴾، بفتح التاء)، أبو عمرو وأبو بكر: بضم التاء، والباقون: بفتحها، وبالتشديد: شاذ.
стр. 9087
وقيل: المصلى عند العرب: أن يحفروا حفيراً فيجمعوا فيه جمراً كثيراً، ثم يعمدوا إلى شاة فيدسوها وسطه، فأما ما يشوى فوق الجمر أو على المقلى أو في التنور، فلا يسمى مصلياً. (آنِيَةٍ) متناهية في الحر، كقوله: (وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) [الرحمن: ٣٣]. الضريع: يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس تحامته الإبل وهو سم قاتل، قال أبو ذؤيب:
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى … وعاد ضريعاً بأن عنه النّحائص
وقال:
وحبسن في هزم الضريع فكلها … حدباء دامية اليدين حرود
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقيل: المصلى عند العرب أن يحفروا حفيراً)، قيل على هذا: معنى الآية معنى قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، ﴿لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦].
قوله: (رعى الشِّبرق) البيت، إذا ذوى: أي ذبل. النحوص: الأتان الحائل.
قوله: (وحبسن)، البيت، الهزم: ما يبس وتكسر من الضريع. وناقة حدباء: إذا بدا عظم وركها، والحرود: قليلة اللبن؛ يصف نوقاً حُبسن في مرعى سوء غير ناجع، وهزلن، وكلهن داميات الأيدي من وضعها على الضريع ذي الشوك، عُصبن من سوء الحال، أو قليلة اللبن.
стр. 9088
فإن قلت: كيف قيل (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلاَّ مِن ضَرِيعٍ) وفي الحاقة (ولا طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ) [الحاقة: ٣٦] قلت: العذاب ألوان، والمعذبون طبقات؛ فمنهم. أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع: (لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ). (لا يُسْمِنُ) مرفوع المحل أو مجروره على وصف طعام، أو ضريع، يعني: أن طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس، وإنما هو شوك، والشوك مما ترعاه الإبل وتتولع به. وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه. ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه: وهما إماطة الجوع، وإفادة القوّة والسمن في البدن. أو أريد: أن لا طعام لهم أصلاً: لأن الضريع ليس بطعام للبهائم فضلاً عن الإنس؛ لأن الطعام ما أشبع أو أسمن، وهو منهما بمعزل، كما تقول: ليس لفلان ظل إلا الشمس، تريد: نفي الظل على التوكيد. وقيل: قالت كفار قريش: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا فنزلت (لا يُسْمِنُ) فلا يخلو: إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك وهو الظاهر، فيرد قولهم بنفي السمن والشبع، وإما أن يصدقوا فيكون المعنى: أن طعامهم من ضريع ليس من جنس ضريعكم، إنما هو من ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع.
[(وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ • لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ • فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ • لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً • فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ • فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ • وأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ • ونَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ • وزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) ٨ - ١٦]
(نَّاعِمَةٌ) ذات بهجة وحسن، كقوله: (تَعْرِفُ فِي وجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ) [المطففين: ٢٤] أو متنعمة. (لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) رضيت بعملها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب. (عَالِيَةٍ) من علو المكان أو المقدار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فلا يخلو إما أن يتكذبوا ويتعنتوا بذلك) إلى آخره، الانتصاف: "فعلى الأول يكون صفة لازمة شارحة لحقيقة الضريع، وعلى الثاني صفة مخصصة".
стр. 9089
(لا تَسْمَعُ) يا مخاطب، أو الوجوه، (لاغِيَةً) أي: لغواً، أو كلمة ذات لغو، أو نفساً تلغو، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿لَّا تَسْمَعُ﴾ يا مخاطب)، أي: هو من الخطاب العام، كقوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
قوله: (أو كلمة ذات لغو)، قيل: يريد أن لغواً يجوز أن يكون مصدراً أو صفةً، فإن كان صفةً؛ فإما صفة "كلمة"، أي: كلمة ذات لغو، وإما صفة "نفس" وهو ظاهر، قال صاحب "الكشف": "لاغيةً: لغواً، كالعافية والعاقبة".
قوله: (لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة)، قال الإمام: وهو قول الزجاج، وقال القفال: "أهل الجنة منزهون عن اللغو لأنها منزل جيران الله، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم يكون مبرءاً عن اللغو". وقلت: ومن ثم وصف علي بن أبي طالب ﵁، مجلس رسول الله? بقوله: "لا تُثني فلتاته"، أي: لا فلتات ولا إنثاء.
стр. 9090
وقرئ: (لا تسمع) على البناء للمفعول بالتاء والياء. (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) يريد عيوناً في غاية الكثرة، كقوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) [التكوير: ١٤]، (مَّرْفُوعَةٌ) من رفعة المقدار أو السمك، ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم. وقيل: مخبوءة لهم، من رفع الشيء إذا خبأه. .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: "لا تُسمع" على البناء للمفعول)، ابن كثير وأبو عمرو: بالياء التحتانية. و "لاغية" بالرفع، ونافع: كذلك إلا بالتاء. والباقون: بالتاء المفتوحة، و ﴿لَاغِيَةً﴾ بالنصب.
قوله: (يريد عيوناً في غاية الكثرة كقوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤])، قال في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤]: "هو من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه". وقلت: هذا التعكيس يجيء: تارة على التهكم نحو قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، وأخرى على التلميح كمان نحن بصدده، وقول الشاعر:
قد أترك القرن مُصفراً أنامله
وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
стр. 9091
(مَّوْضُوعَةٌ) كلما أرادوها وجدوها موضوعة بين أيديهم عتيدة حاضرة، لا يحتاجون إلى أن يدعوا بها. أو موضوعة على حافات العيون معدة للشرب. ويجوز أن يراد: موضوعة عن حد الكبار، أوساط بين الصغر والكبر، كقوله: (قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) [الإنسان: ١٦] (مَصْفُوفَةٌ) بعضها إلى جنب بعض، مساند ومطارح، أينما أراد أن يجلس على مسورة واستند إلى أخرى. (وزَرَابِيُّ) وبسط عراض فاخرة. وقيل: هي الطنافس التي لها خمل رقيق. جمع زربية، (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة أو مفرقة في المجالس.
[(أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ • وإلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ • وإلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ • وإلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ • فَذَكِّرْ إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ • لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ • إلاَّ مَن تَوَلَّى وكَفَرَ • فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ • إنَّ إلَيْنَا إيَابَهُمْ • ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) ١٧ - ٢٦]
(أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ) نظر اعتبار، (كَيْفَ خُلِقَتْ) خلقاً عجيباً، دالاً على تقدير مقدر، شاهداً بتدبير مدبر، حيث خلقها للنهوض بالأثقال وجرها إلى البلاد الشاحطة فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمّتها: لا تعاز ضعيفاً ولا تمانع صغيراً،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جلس على مسورة)، جزاءٌ للشرط، أي: النمارق بعضها مساند وبعضها مطارح، أي: مفارش، أينما أراد أن يجلس جلس على وسادة مثل الفراش، وأُسند إلى وسادة لأن النمارق الوسائد مطلقاً، قال الواحدي: "نمارق: وسائد، على قول الجميع، واحدها نُمرقة بضم النون، وعن الفراء: نِمْرقة، بكسر النون".
قوله: (على مسورة)، الأساس: "جلس على المسورة وجلسوا على المساور، وهي الوسائد".
стр. 9092
وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار. وعن بعض الحكماء، أنه حدث عن البعير وبديع خلقه، وقد نشأ في بلاد لا إبل بها، ففكر ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، وحين أراد بها أن تكون سفائن البر صبرها على احتمال العطش؛ حتى إن أظماءها لترتفع إلى العشر فصاعداً، وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز مما لا يرعاه سائر البهائم. وعن سعيد بن جبير قال: لقيت شريحاً القاضي فقلت: أين تريد؟ قال: أريد الكناسة: قلت: وما تصنع بها؟ قال: أنظر إلى الإبل كيف خلقت.
فإن قلت: كيف حسن ذكر الإبل مع السماء والجبال والأرض ولا مناسبة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (برأها)، أي: خلقها. الجوهري: "برأ الله الخلق برءاً، والبرية: الخلق". قال المصنف: "البارئ: هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت".
قوله: (لتنوء بالأثقال)، الجوهري: "ناء بالحمل: إذا نهض به مثقلاً، وناء به الحمل إذا أثقله". يعني: الحكمة في خلق طول أعناقها، اقتدارها على النهوض بالأحمال الثقيلة؛ فإن الأعناق وعليها الرؤوس مع تلك الأثقال، كالقرسطون تجعل فيه القناطير، ويجعل في أقصاه مقدار يسير، فيوازي ذلك الثقيل باستعانة الطول فيه.
قوله: (لترتفع إلى العشر)، الجوهري: "العشر بالكسر: ما بين الوردين، وهو ثمانية أيام، لأنها ترد اليوم العاشر. وكذلك الأظماء كلها بالكسر. وليس لها بعد العشر اسم إلا في العشرين، فإذا وردت يوم العشرين قيل: ظمؤها عِشْران، وهو ثمانية عشر يوماً. فإذا جاوزت العشرين فليس لها تسمية، فإنما حوازي بالحاء والزاي. حوز الإبل: ساقها إلى الماء.
قوله: (الكناسة)، الجوهري: "هي القمامة، وهي اسم موضع في الكوفة".
стр. 9093
قلت: قد انتظم هذه الأشياء نظر العرب في أوديتهم وبواديهم؛ فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم، ولم يدع من زعم أن الإبل السحاب إلى قوله إلا طلب المناسبة، ولعله لم يرد أن الإبل من أسماء السحاب، كالغمام والمزن والرباب والغيم والغين، وغير ذلك، وإنما رأى السحاب مشبهاً بالإبل كثيراً في أشعارهم، فجوز أن يراد بها السحاب على طريق التشبيه والمجاز. (كَيْفَ رُفِعَتْ) رفعاً بعيد المدى بالإمساك وبغير عمد. (كَيْفَ نُصِبَتْ) نصباً ثابتاً، فهي راسخة لا تميل ولا تزول، (كَيْفَ سُطِحَتْ) سطحاً بتمهيد وتوطئة، فهي مهاد للمتقلب عليها. وقرأ علي بن أبى طالب ﵁: خلقت، ورفعت، ونصبت، وسطحت، على البناء للفاعل وتاء الضمير، والتقدير: فعلتها، فحذف المفعول. وعن هرون الرشيد أنه قرأ: (سطحت) بالتشديد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إلا طلب المناسبة)، استثناء مفرغ، أي: لم يدعه شيء إلا طلب المناسبة.
قوله: (على طريق التشبيه والمجاز)، والمجاز عطف على طريق البيان، أي المجاز الذي يقع على طريق التشبيه، وهو الاستعارة، أي: استعار الإبل للسحاب بعد التشبيه به، والقرينة انضمامه مع السماء والجبال.
قوله: (بلا مساك)، الجوهري: "يقال فيه: إمساك ومساك ومساكة، أي: بُخل".
قوله: ("سُطِّحت" بالتشديد)، قال ابن جني: "وإنما جاز التضعيف بالتكرير، من قبل أن الأرض بسيطة فسيحة، فالعمل فيها مكرر على قدر سعتها، كقولك: قُطعت الشاة، لأنها أعضاء يختص بكل عضو منها عمل".
стр. 9094
والمعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول ﷺ ويؤمنوا به ويستعدوا للقائه. أي: لا ينظرون، فذكرهم ولا تلح عليهم، ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يذكرون، (إنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) كقوله: (إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ) [الشورى: ٤٨]. (لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ) بمتسلط،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث)، بيان لتوافق نظم الآيات بفاتحة السورة، وأن الخطاب بقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ مع العرب، وأن هذه الأشياء المذكورة منتظمة على حسب عُرفهم، وما ثبت في متخيلاتهم في أوديتهم وبواديهم، نبهتهم أولاً بقوله ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفخم المستفهم منه وعظمه؛ إذ المعنى: تنبهوا لهذا الأمر الخطير والخطب الجسيم، وهُبوا من رقدة الغفلة، فخوفهم بالصلي في النار وبإطعام الضريع، ولما كان حديثاً مناسباً للإبل كما قال، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطباً، وأراد أن يقرر ذلك، أتى تنبيه آخر على سبيل النظر، ليضم شاهد العقل مع شاهد النص، وأسس الدلائل والشواهد على حسب ما ألفوه في بواديهم وأوديتهم، وعدل من الخطاب إلى الغيبة توبيخاً لهم وتنبيهاً على مظان الافتكار، فقال: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى آخره. قال الإمام: "لعل الحكمة في ذكر هذه الأشياء المتباينة على أن هذا الوجه من الاستدلال، غير مختص بنوع دون نوع، بل هو عام في الكل كقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِي﴾ [الإسراء: ٤٤]، ولو ذكر نوعاً أو نوعين وراعى بينهما المناسبة لم يكن كذلك، بل ذكر أموراً متباعدة جداً، ليؤذن بأن الأجرام العلوية والسفلية، عظيمها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، متساوية في الدلالة على الصانع الحكيم. وهذا وجه حسن مقبول وعليه الاعتماد".
قوله: (﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾: بمتسلط)، الجوهري: "المصيطر والمسيطر: المسلط على الشيء
стр. 9095
كقوله: (ومَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق: ٤٥] وقيل: هو في لغة تميم مفتوح الطاء؛ على أن (سيطر) متعد عندهم وقولهم: تسيطر يدل عليه. (مَن تَوَلَّى) استثناء منقطع، أي: لست بمستول عليهم، ولكن من تولى (وكَفَرَ) منهم؛ فإن لله الولاية والقهر. فهو يعذبه (العَذَابَ الأَكْبَرَ) الذي هو عذاب جهنم. وقيل: هو استثناء من قوله: (فَذَكِّرْ) أي: فذكر إلا من انقطع طمعك من إيمانه وتولى، فاستحق العذاب الأكبر وما بينهما اعتراض. وقرئ: (ألا من تولى) على التنبيه. وفي قراءة ابن مسعود: (فإنه يعذبه). ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليشرف عليه ويتعهد أحواله ويكتب عمله. وأصله من السطر، لأن الكتاب مُسطر، والذي يفعله مسطر ومسيطر، يقال: سيطرت علينا".
قوله: (وقولهم: تُسيطر)، قيل: لما جاء "تُسيطر" بمعنى: تسلط، دل على أن "مسيطر" متعد، كما قالوا: دحرج وتدحرج.
قوله: (وقيل: هو استثناء من قوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾)، الكواشي: "هو استثناء متصل، أي: فذكر إلا من لا مطمع لك في إيمانه"، وقال القاضي: "الاستثناء متصل؛ فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا، وما بينهما اعتراض".
وقلت: كأنه قيل: لست عليهم بمسيطر، أي بمتسلط بالقتل والجهاد إلا من تولى وكفر. وقال القاضي: "وما يدل على ترجح الاستثناء المنقطع، قراءة من قرأ: ألا، على التنبيه".
قوله: (وقرئ: "ألا من تولى")، قال ابن جني: "قرأ ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة وزيد ابن علي: ألا، بالتخفيف، وهو افتتاح كلام، و"من" شرط وجوابه "فيعذبه الله"، كقولهم: من قام فيضربه زيد، أي: فهو يضربه زيد، أي: من يتول ويكفر به فهو يعذبه الله".
стр. 9096
وقرأ أبو جعفر المدني (إيابهم) بالتشديد. ووجهه أن يكون (فيعالاً) مصدر (أيب) فيعل من الإياب. أو أن يكون أصله أواباً: فعالاً من أوب، ثم قيل: إيواباً كديوان في دوان، ثم فعل به ما فعل بأصل: سيد وميت.
فإن قلت: ما معنى تقديم الظرف؟
قلت: معناه التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وأن حسابهم ليس بواجب إلا عليه، وهو الذي يحاسب على النقير والقطمير. ومعنى الوجوب: الوجوب في الحكمة.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة «الغاشية»، حاسبه الله حساباً يسيراً».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما فعل بأصل سيد)، أي سيود، جعل الواو ياء لكسرة ما قبله وأدغم في الياء، كذا جعل الواو في إيواب ياء وأدغم، قال الزجاج: "أُدغمت الياء في الواو، وانقلبت الواو ياء لأنها سبقت بسكون".
قوله: (التشديد في الوعيد)، وذلك أنه تعالى علل قوله: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ بقوله ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾، والتفت فيه من الغيبة إلى الحكاية، ومن الاسم الجامع إلى صيغة الكبرياء والجبروت، وقدم الظرفين على عامليهما، وإليه الإشارة بقوله: "ليس إلا إلى الجبار المقتدر".
الانتصاف: "وفي "ثم" الدلالة على أن الحساب أشد من الإياب، لأنه موجب العذاب وبدوه".
قوله: (ومعنى الوجوب الوجوب في الحكمة)، الانتصاف: "أخطأ على عادته في قاعدته،
стр. 9097
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا يجب على الله شيء".
وقال الإمام: "محاسبة الكفار إنما تكون لإيصال العقاب إليهم، وذلك حق على الله، ولا يجب على المالك أن يستوفي حق نفسه. ومعنى الوجوب: امتناع وقوع الخلف من الله تعالى بحكم الوعد".
تمت السورة
بحمد الله
* … * … *
стр. 9098
سورة الفجر
مكية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(وَالْفَجْرِ • ولَيَالٍ عَشْرٍ • والشَّفْعِ والْوَتْرِ • واللَّيْلِ إذَا يَسْرِ • هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ) ١ - ٥].
أقسم بالفجر كما أقسم بالصبح في قوله: (والصُّبْحِ إذَا أَسْفَرَ) [المدثر: ٣٤]، (والصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ) [التكوير: ١٨]، وقيل: بصلاة الفجر. أراد بالليالي العشر: عشر ذى الحجة.
فإن قلت: فما بالها منكرة من بين ما أقسم به؟
قلت: لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي: العشر بعض منها. أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الفجر
مكية، وهي تسع وعشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أو مخصوصة بفضيلة ليست لغيرها)، يريد أن التنكير للتفخيم والتهويل، وعلى الأول للتقليل؛ فقوله: "بعض منها" بدل من "ليال" إلى آخره، فقسم الأزمان عشراً عشراً وجعله جنساً، وأراد بها بعضاً منها.
стр. 9099
فإن قلت: فهلا عرفت بلام العهد، لأنها ليال معلومة معهودة؟
قلت: لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير؛ ولأن الأحسن أن تكون اللامات متجانسة، ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية. وبالشفع والوتر: إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها. ويجوز أن يكون شفعها يوم النحر، ووترها يوم عرفة، لأنه تاسع أيامها وذاك عاشرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه فسرهما بذلك. .......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لو فعل ذلك لم تستقل بمعنى الفضيلة)، يعني: لو عرفت الليالي احتجت لما يراد من اختصاصها بالفضيلة إلى مزيد انضمام قرينة خارجية بخلاف التنكير؛ فإن دلالته على الفضيلة بنفسه؛ لأنه موضوع له مستقل به؛ ولأنها لو عُرفت لم تتميز عن المذكورات فيما قصد منها وانخرطت في سلكها، ولو خصصت منها بشيء من غير تغيير، لدخل في حد اللغز، وهو المراد من قوله: "الأحسن أن تكون اللامات متجانسة ليكون الكلام أبعد من الألغاز والتعمية".
قوله: (وبالشفع)، معطوف على قوله: (بالليالي العشر).
قوله: (أنه فسرهما بذلك)، روينا عن الإمام أحمد بن حنبل، عن النبي? ، قال: "إن العشر هي عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر". وروى الإمام أحمد والترمذي، عن عمران بن حصين، أن رسول الله? سُئل عن الشفع والوتر، قال: "الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر".
وقلت: هذا هو التفسير الذي لا محيد عنه، وجملة القول ما قاله القاضي: "فلعله تعالى أفردهما بالذكر من أنواع المدلول، لما رآهما أظهر مدخلاً في الدين، أو مناسبة لما قبلهما، أو أكثر منفعة موجبة للشكر، أو أبين دلالة على التوحيد".
стр. 9100
وقد أكثروا في الشفع والوتر حتى كادوا يستوعبون أجناس ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه، وبعد ما أقسم بالليالي المخصوصة أقسم بالليل على العموم. (إذَا يَسْرِ) إذا يمضي؛ كقوله: (واللَّيْلِ إذْ أَدْبَرَ) بالمدثر: ٣٣]، (واللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ) [التكوير: ١٧]. وقرئ: (والْوَتْرِ) بفتح الواو،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الراغب: "الشفع ضم الشيء إلى مثله، ويقال للمشفوع شفع، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: قيل: الشفع المخلوقات من حيث إنها مركبات، كما قال : ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]، والوتر: هو الله تعالى من حيث إن له الوحدة من كل وجه، والشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى منه".
قوله: (قليل الطائل)، الأساس: "وما حليت بطائل: بفائدة، وهذا أمر غير طائل، للدون من الأمر".
قوله: (بالتلهي عنه)، الأساس: "لهيت عنه وتلهيت والتهيت: شُغلت وأعرضت".
قوله: (إذا يمضي، كقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧])، قال القاضي: "التقييد بذلك لما في التفاوت من قوة الدلالة على كمال القدرة، ووفور النعمة. أو يسري فيه: من قولهم: صلى المقام". وقلت: وخلاصة التقييد أنه تتميم لمعنى القدرة أو النعمة.
قوله: (﴿وَالْوَتْرِ﴾ بفتح الواو)، حمزة والكسائي: بالكسر، والباقون: بفتحها. قال صاحب
стр. 9101
وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده. وقرئ: (الوتر) بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: (والفجر)، و (الوتر)، و (يسر)؛ بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلاً من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر بالإضافة، يريد: وليال أيام عشر. وياء (يَسْرِ) تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة، وقيل: معنى (يَسْرِ) يسرى فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"المطلع": "هما لغتان في العدد، والفتح لغة أهل الحجاز. وأما الوتر بمعنى التِّرة، فبالكسر لا غير". النهاية: "التِّرة: النقص، وقيل: التبعة، والتاء فيه عوض من الواو المحذوفة، مثل: وعدته عِدة".
قوله: (اكتفاء عنها بالكسرة)، قال الزجاج: "حذف الياء أحب إليِّ من إثباتها، لأن القراءة بذلك أكثر، والفواصل تحذف معها الياءات، ويدل عليها الكسرات". وقال محيي السنة: "من أثبت الياء فلأنها لام الفعل، والفعل لا تُحذف منه في الوقف، نحو: هو يقضي، وأنا أقضي". وقال أبو علي: "إن الفواصل والقوافي من مظنة الوقف، والوقف موضع تغيير تُغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان والإشمام والرَّوم، فغير هذه الحروف المشابهة بالزيادة، أولى بالحذف".
قوله: (وقيل: معنى ﴿يَسْرِ﴾: يُسرى فيه)، روى محيي السنة أن الأخفش سئل عن العلة
стр. 9102
(هَلْ فِي ذَلِكَ) أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء (قَسَمٌ) أي مقسم به، (لذي حجر) يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل؛ لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلاً ونهية؛ لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها؛ والمقسم عليه محذوف وهو (ليعذبن) يدل عليه قوله: (أَلَمْ تَرَ) [الفجر: ٦]، إلى قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) [الفجر: ١٣].
[(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ • إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ • الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ • وثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ • وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ • الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ • فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ • فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ • إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ٦ - ١٤]
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد، كما يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في سقوط الياء، قال: الليل لا يَسري، ولكن يُسرى فيه، فهو مصروف؛ فلما صرفه بخسه حظه من الإعراب، كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يقل: بغية؛ لأنه صرف من: باغية".
قوله: (أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه)، في ذكر مثله أيضاً تعظيم، لأنه نحو قولك: مثلك يجود، والمعنى: قسم عظيم مُكف ومقنع في القسم، قال الإمام: "دل الاستفهام على التأكيد كمن ذكر حجة بالغة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ والمعنى: من كان ذا لُب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء، فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه".
стр. 9103
ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليداً بناه أوله … أدرك عاداً وقبلها إرما
فإرم في قوله: (إرَمَ) عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل: (إرَمَ) بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها، ويدل عليه قراءة ابن الزبير (بعاد إرم) على الإضافة وتقديره: بعاد أهل إرم، كقوله: (واسْأَلِ القَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث. وقرأ الحسن: (بعاد إرم)، مفتوحتين. وقرئ: (بعاد إرم) بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ: (بورقكم). وقرئ: (بعاد إرم ذات العماد)، بإضافة إرم إلى ذات العماد. والإرم: العلم، يعني: بعاد أهل أعلام ذات العماد. و (ذَاتِ العِمَادِ) اسم المدينة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مجداً تليداً) البيت، "أوله" مبتدأ، و"أدرك" الخبر؛ أي: حاز مجداً قديماً. والتالد والتلاد ما ورث الرجل من آبائه، بناه أوله، أي: أبوه أدرك عاداً، أي: أدرك المجد عاداً، أراد قدم مجده.
قوله: ("أرم"، بسكون الراء)، الأَرْم: لغة في الأَرَم بمعنى العلم، فمن قرأ بسكون الراء، فهو تخفيف أَرم بكسر الراء، والإيرم أيضاً علم.
قوله: (أهل أعلام ذات العماد)، قال الإمام: "قيل: ذات العماد، لأنهم كانوا أهل البناء الرفيع، وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها، ويبنون فوقها القصور، قال تعالى في وصفهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨]، أي: علامةً وبناءً رفيعاً".
الراغب: "الإرَم: علم يبني من الحجارة، وجمعه آرام، وقيل للحجارة: أُرَّم، ومنه قيل للمتغيظ: يحرق الأُرَّم. وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إشارة إلى أعلامها المرفوعة المزخرفة،
стр. 9104
وقرئ: (بعاد إرم ذات العماد) أي جعل الله ذات العماد رميماً بدلاً من فعل ربك؛ وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلاً. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد؛ فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاث مئة سنة، وكان عمره تسع مئة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة؛ ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته؛ فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له؛ ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا) مثل عاد، (فِي البِلادِ) عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربع مئة ذراع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما بها أَرِم وأريم، أي: أحد. وأصله اللازم للازم، وخص به النفي كقولهم: ما بها ديار، وأصله للمقيم في الدار".
قوله: (بعاد أرم ذات العماد)، المشهورة: بتنوين "عادٍ"، وفتح الميم في ﴿إِرَمَ﴾، والبواقي: شواذ.
стр. 9105
وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا)، أي: لم يخلق الله مثلها. (جَابُوا الصَّخْرَ) قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً، كقوله: (وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا) [الشعراء: ١٤٩] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفاً وسبع مئة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية. (الَّذِينَ طَغَوْا) أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على: هم الذين طغوا، أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومضاربهم التي كانوا يضربونها)، المغرب: "وضرب الخيمة، وهو المضرب للقُبة؛ بفتح الميم وكسر الراء، ومنه: كانت مضارب رسول الله في الحل ومُصلاه في الحرم".
قوله: (ضبَّ عليه السوط وغشاه وقنعه)، نقل الإمام عن القاضي: "شبه عذابه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه". وقال الواحدي: "وأجاد الزجاج في تفسير هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم العذاب".
الأساس: "ومن المجاز: قنعت رأسه بالعصا وبالسوط".
следующие страницы →