Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9101–9140 · переход к 9106.
стр. 9101
وهما لغتان كالحبر والحبر في العدد، وفي الترة: الكسر وحده. وقرئ: (الوتر) بفتح الواو وكسر التاء: رواها يونس عن أبى عمرو، وقرئ: (والفجر)، و (الوتر)، و (يسر)؛ بالتنوين، وهو التنوين الذي يقع بدلاً من حرف الإطلاق. وعن ابن عباس: وليال عشر بالإضافة، يريد: وليال أيام عشر. وياء (يَسْرِ) تحذف في الدرج، اكتفاء عنها بالكسرة، وأما في الوقف فتحذف مع الكسرة، وقيل: معنى (يَسْرِ) يسرى فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"المطلع": "هما لغتان في العدد، والفتح لغة أهل الحجاز. وأما الوتر بمعنى التِّرة، فبالكسر لا غير". النهاية: "التِّرة: النقص، وقيل: التبعة، والتاء فيه عوض من الواو المحذوفة، مثل: وعدته عِدة".
قوله: (اكتفاء عنها بالكسرة)، قال الزجاج: "حذف الياء أحب إليِّ من إثباتها، لأن القراءة بذلك أكثر، والفواصل تحذف معها الياءات، ويدل عليها الكسرات". وقال محيي السنة: "من أثبت الياء فلأنها لام الفعل، والفعل لا تُحذف منه في الوقف، نحو: هو يقضي، وأنا أقضي". وقال أبو علي: "إن الفواصل والقوافي من مظنة الوقف، والوقف موضع تغيير تُغير فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف والإسكان والإشمام والرَّوم، فغير هذه الحروف المشابهة بالزيادة، أولى بالحذف".
قوله: (وقيل: معنى ﴿يَسْرِ﴾: يُسرى فيه)، روى محيي السنة أن الأخفش سئل عن العلة
стр. 9102
(هَلْ فِي ذَلِكَ) أي فيما أقسمت به من هذه الأشياء (قَسَمٌ) أي مقسم به، (لذي حجر) يريد: هل يحق عنده أن تعظم بالإقسام بها. أو: هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه. والحجر: العقل؛ لأنه يحجر عن التهافت فيما لا ينبغي، كما سمي عقلاً ونهية؛ لأنه يعقل وينهى. وحصاة: من الإحصاء وهو الضبط. وقال الفراء: يقال: إنه لذو حجر، إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها؛ والمقسم عليه محذوف وهو (ليعذبن) يدل عليه قوله: (أَلَمْ تَرَ) [الفجر: ٦]، إلى قوله: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ) [الفجر: ١٣].
[(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ • إرَمَ ذَاتِ العِمَادِ • الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ • وثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ • وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ • الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ • فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ • فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ • إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) ٦ - ١٤]
قيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: عاد، كما يقال لبني هاشم: هاشم. ثم قيل للأوّلين منهم عاد الأولى وإرم، تسمية لهم باسم جدهم،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في سقوط الياء، قال: الليل لا يَسري، ولكن يُسرى فيه، فهو مصروف؛ فلما صرفه بخسه حظه من الإعراب، كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، ولم يقل: بغية؛ لأنه صرف من: باغية".
قوله: (أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه)، في ذكر مثله أيضاً تعظيم، لأنه نحو قولك: مثلك يجود، والمعنى: قسم عظيم مُكف ومقنع في القسم، قال الإمام: "دل الاستفهام على التأكيد كمن ذكر حجة بالغة، ثم قال: هل فيما ذكرته حجة؟ والمعنى: من كان ذا لُب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء، فيه عجائب ودلائل على التوحيد والربوبية، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه".
стр. 9103
ولمن بعدهم: عاد الأخيرة. قال ابن الرقيات:
مجدا تليداً بناه أوله … أدرك عاداً وقبلها إرما
فإرم في قوله: (إرَمَ) عطف بيان لعاد، وإيذان بأنهم عاد الأولى القديمة. وقيل: (إرَمَ) بلدتهم وأرضهم التي كانوا فيها، ويدل عليه قراءة ابن الزبير (بعاد إرم) على الإضافة وتقديره: بعاد أهل إرم، كقوله: (واسْأَلِ القَرْيَةَ) [يوسف: ٨٢]، ولم تنصرف قبيلة كانت أو أرضاً للتعريف والتأنيث. وقرأ الحسن: (بعاد إرم)، مفتوحتين. وقرئ: (بعاد إرم) بسكون الراء على التخفيف، كما قرئ: (بورقكم). وقرئ: (بعاد إرم ذات العماد)، بإضافة إرم إلى ذات العماد. والإرم: العلم، يعني: بعاد أهل أعلام ذات العماد. و (ذَاتِ العِمَادِ) اسم المدينة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (مجداً تليداً) البيت، "أوله" مبتدأ، و"أدرك" الخبر؛ أي: حاز مجداً قديماً. والتالد والتلاد ما ورث الرجل من آبائه، بناه أوله، أي: أبوه أدرك عاداً، أي: أدرك المجد عاداً، أراد قدم مجده.
قوله: ("أرم"، بسكون الراء)، الأَرْم: لغة في الأَرَم بمعنى العلم، فمن قرأ بسكون الراء، فهو تخفيف أَرم بكسر الراء، والإيرم أيضاً علم.
قوله: (أهل أعلام ذات العماد)، قال الإمام: "قيل: ذات العماد، لأنهم كانوا أهل البناء الرفيع، وكانوا يعالجون الأعمدة فينصبونها، ويبنون فوقها القصور، قال تعالى في وصفهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾ [الشعراء: ١٢٨]، أي: علامةً وبناءً رفيعاً".
الراغب: "الإرَم: علم يبني من الحجارة، وجمعه آرام، وقيل للحجارة: أُرَّم، ومنه قيل للمتغيظ: يحرق الأُرَّم. وقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إشارة إلى أعلامها المرفوعة المزخرفة،
стр. 9104
وقرئ: (بعاد إرم ذات العماد) أي جعل الله ذات العماد رميماً بدلاً من فعل ربك؛ وذات العماد إذا كانت صفة للقبيلة، فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، ومنه قولهم: رجل معمد وعمدان: إذا كان طويلاً. وقيل: ذات البناء الرفيع، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد؛ فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فقال أبنى مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاث مئة سنة، وكان عمره تسع مئة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة؛ ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته؛ فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره، فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له؛ ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل. (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا) مثل عاد، (فِي البِلادِ) عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربع مئة ذراع،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما بها أَرِم وأريم، أي: أحد. وأصله اللازم للازم، وخص به النفي كقولهم: ما بها ديار، وأصله للمقيم في الدار".
قوله: (بعاد أرم ذات العماد)، المشهورة: بتنوين "عادٍ"، وفتح الميم في ﴿إِرَمَ﴾، والبواقي: شواذ.
стр. 9105
وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها فيلقيها على الحي فيهلكهم، أو لم يخلق مثل مدينة شداد في جميع بلاد الدنيا. وقرأ ابن الزبير: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا)، أي: لم يخلق الله مثلها. (جَابُوا الصَّخْرَ) قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتاً، كقوله: (وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا) [الشعراء: ١٤٩] قيل: أول من نحت الجبال والصخور والرخام: ثمود، وبنوا ألفاً وسبع مئة مدينة كلها من الحجارة. قيل له: ذو الأوتاد، لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد، كما فعل بماشطة بنته وبآسية. (الَّذِينَ طَغَوْا) أحسن الوجوه فيه أن يكون في محل النصب على الذم، ويجوز أن يكون مرفوعاً على: هم الذين طغوا، أو مجروراً على وصف المذكورين عاد وثمود وفرعون يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط: إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة، كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ومضاربهم التي كانوا يضربونها)، المغرب: "وضرب الخيمة، وهو المضرب للقُبة؛ بفتح الميم وكسر الراء، ومنه: كانت مضارب رسول الله في الحل ومُصلاه في الحرم".
قوله: (ضبَّ عليه السوط وغشاه وقنعه)، نقل الإمام عن القاضي: "شبه عذابه بصب السوط الذي يتواتر على المضروب فيهلكه". وقال الواحدي: "وأجاد الزجاج في تفسير هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم العذاب".
الأساس: "ومن المجاز: قنعت رأسه بالعصا وبالسوط".
стр. 9106
وعن عمرو بن عبيد: كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطاً كثيرة، فأخذهم بسوط منها. المرصاد: المكان الذي يترتب فيه الرصد، مفعال من: رصده، كالميقات من: وقته. وهذا مثل لإرصاده. العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه. وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. وعن عمرو بن عبيد ﵀ أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية فقال: إن ربك لبالمرصاد يا فلان، عرض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله دره أي أسد فراس كان بين ثوبيه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (المرصاد: المكان الذي ترقب فيه)، الراغب: "الرصد: الاستعداد للترقب، يقال: رصد له، وترصد وأرصدته له، قال تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] ".
قوله: (وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه)، يعني أن قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ استعارة تمثيلية؛ شبه حالة كونه تعالى حفيظاً لأعمال العباد، ومترقباً لها ومجازياً عليها على النقير والقطمير، ولا محيد للعباد عن أن لا يكون مصيرهم إلا إليه، بحالة من قعد على طريق السائلة يترصد، ولا غناء لهم عن عبور البهائم، ثم استعمل هنا ما كان مستعملاً هناك. وروى الواحدي عن الكلبي أنه قال: "لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد شيءٌ".
قوله: (أي أسد فراس كان بين ثوبيه)، فيه مبالغات ولها مراتب؛ ففي الدرجة الرابعة: هو أسد، على ما تقرر في مراتب التشبيه. ثم فيه أسد على التجريد، كقولك: رأيت فيك أسداً. ثم أسد بين ثوبيه على الكناية، كما تقول: المجد بين ثوبيه. ثم أي أسد على التفخيم
стр. 9107
يدق الظلمة بإنكاره، ويقصع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه.
[(فَأَمَّا الإنسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ • وأَمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) ١٥ - ١٦]
فإن قلت: بم اتصل قوله: (فَأَمَّا الإنسَانُ)؟
قلت: بقوله: (رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة والسعي للعاقبة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي؛ فأما الإنسان فلا يريد ذلك ولا يهمه إلا العاجلة وما يلذه وينعمه فيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والتعظيم. ثم وصفه بفراس وفيه مبالغتان: البناء ومعنى التتميم، لأنه كالترشيح للتشبيه. ثم إقحام "كان" للدلالة على أن هذا الوصف لازم، كالخلقي لقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. وعمرو هذا كان معتزلياً، طعن فيه مسلم في "صحيحه"، وقد ذكرنا نبذاً من أخباره في سورة الكهف.
قوله: (ويقصع)، "قصعت الرجل قصعاً: صغرته وحقرته، وقصعت هامته إذا ضربتها بُبسط كفك".
قوله: (كأنه قيل: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة)، الانتصاف: "هذا من فاسد الاعتقاد، ويُغير بأن يقال: لا يطلب ولا يأمر عباده إلا بالطاعة". وقلت: خلاصة الجواب أن الفاء في ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ﴾، رابطة بين الكلامين، ومؤذنة بالبون بين الأمرين المتنافين، وذلك أنه تعالى يطلب من العباد الطاعة والعبادة، وهو بالمرصاد كالمترقب الذي لا يفوته شيء من أعمال عباده، فيحاسبهم على النقير والقطمير ويجازيهم عليها، والإنسان غافل مولع بالتلهي، ومنغمس في أمور العاجلة، إن أصابه نصيب من الدنيا اطمأن إليه، وإن جاوزه حظ منها ضجر وقنط.
стр. 9108
فإن قلت: فكيف توازن قوله، (فَأَمَّا الإنسَانُ إذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ) وقوله: (وأَمَّا إذَا مَا ابْتَلاهُ)، وحق التوازن أن يتقابل الواقعان بعد أما وأما، تقول: أما الإنسان فكفور، وأما الملك فشكور. أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك؛ وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك؟
قلت: هما متوازنان من حيث إنّ التقدير: وأما هو إذا ما ابتلاه ربه؛ وذلك أن قوله: (فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ) خبر المبتدأ الذي هو الإنسان، ودخول الفاء لما في (أما) من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمن وقت الابتلاء، فوجب أن يكون (فَيَقُولُ) الثاني خبراً لمبتدأ واجب تقديره.
فإن قلت: كيف سمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره ابتلاء؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فكيف توازن قوله ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ﴾)، تقرير السؤال أن "أما" كلمة تفصيل، ولا يجيء إلا متعدداً، ومن شرط مدخولها التوازن بين الفقرتين، والتقابل بينهما؛ فإن كان بعد الأولى اسماً، فالواجب بعد الثانية الاسم نحو قولك: أما الكافر فكفور، وأما المؤمن فشكور. وإن كان شرطاً فشرطاً نحو قولك: أما إذا أحسنت إلى زيد فهو محسن إليك، وأما إذا أسأت إليه فهو مسيء إليك. وأما الاسم بعد الأولى والشرط بعد الثانية، فلا توازن بينهما كما في الآية. وأجاب أن الموازنة حاصلة، لأن "أما" التفصيلية تقتضي أن يكون مدخولها مبتدأ وخبره مقيد بالفاء. و"إذا" هاهنا ليست بشرط، بل هي ظرف، و ﴿فَيَقُولُ﴾ خبر المبتدأ، ودخول الفاء لتضمن "أمّا" معنى الشرط، وعلى هذا قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾، فينبغي أن يقدر مبتدأ وهو ضمير "الإنسان"، وإليه الإشارة بقوله: "فوجب أن يكون ﴿فَيَقُولُ﴾ الثاني خبراً لمبتدأ واجب تقديره".
стр. 9109
قلت: لأن كل واحد منهما اختبار للعبد، فإذا بسط له فقد اختبر حاله أيشكر أم يكفر؟ وإذا قدر عليه فقد اختبر حاله أيصبر أم يجزع؟ فالحكمة فيهما واحد، ونحوه قوله تعالى: (ونَبْلُوكُم بِالشَّرِّ والْخَيْرِ فِتْنَةً) [الأنبياء: ٣٥].
فإن قلت: هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه، كما قال فأكرمه ونعمه؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هلا قال: فأهانه وقدر عليه رزقه)، يعني: وجه التوافق بين القرينتين أن يقال: فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرمني. وأما إذا ما ابتلاه ربه فأهانه وقدر عليه رزقه، فيقول: ربي أهانني. فلم ترك مردوف ﴿قُدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾، وهو "فأهانه"؟
وخلاصة الجواب: أن سعة الرزق، إن عُد إكراماً، لكن تضييقه ليس بإهانة. وقلت: الأمر عند العارفين والمحققين بالعكس، قال الزجاج: "هذا يعني به الكافر، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة حظوظ الدنيا وقلته. وصفة المؤمن أن الإكرام عنده توفيق الله إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة". فإذن: التقدير ما ذكره محيي السنة: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه بالنعمة، فأكرمه بالمال ووسع عليه، فيقول: ربي أكرمني بما أعطاني. وأما إذا ما ابتلاه بالفقر، فقدر عليه رزقه، أي: أعطاه ما يكفيه أو ضيق عليه، فيقول: ربي أذلني بالفقر". ويعضده ما رويناه عن سيد الخلق أنه قال: "عَرض عليَّ ربي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب، أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". أخرجه الترمذي عن أبي أمامة.
قال حجة الإسلام: "بلغنا أنهم كانوا إذا سُلك بهم سبيل الرخاء حزنوا وأشفقوا، وقالوا: ما لنا والدنيا؟ وما يراد بنا؟ فكأنهم كانوا على جناح خوف. وإذا سُلك بهم سبيل
стр. 9110
قلت: لأن البسط إكرام من الله لعبده بإنعامه عليه متفضلا من غير سابقة، وأما التقدير فليس بإهانة له؛ لأن الإخلال بالتفضل لا يكون إهانة، ولكن تركا للكرامة، وقد يكون المولى مكرما لعبده ومهيناً له، وغير مكرم ولا مهين؛ وإذا أهدى لك زيد هدية قلت: أكرمني بالهدية، ولا تقول: أهانني ولا أكرمني إذا لم يهد لك.
فإن قلت: فقد قال: (فَأَكْرَمَهُ) فصحح إكرامه وأثبته، ثم أنكر قوله: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) وذمه عليه، كما أنكر قوله: (أَهَانَنِ) وذمّه عليه.
قلت: فيه جوابان، أحدهما: أنه إنما أنكر قوله ربى أكرمن وذمّه عليه؛
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البلاء فرحوا واستبشروا وقالوا: الآن يتعاهدنا ربنا". ويؤيد هذا التأويل كلمة الردع في قوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾.
قال محيي السنة: "رد الله على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة. المعنى أن الإكرام والإهانة لا يدوران على المال والسعة، لأنه تعالى يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، وإنما يكرم المرء بطاعته، ويهينه بمعصيته" ثم أضرب إلى ذم ما أورثهم غناهم وسعتهم من محبة المال والتمتع بألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة ومنع الحقوق عن المستحقين بقوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، أي: دع ذلك القول وانظر إلى هذا الفعل. الانتصاف: "في تخصيصه البسط أنه إكرام من الله من غير سابقة، بناءً على أصله الفاسد؛ لأن كل نعمة من الله كذلك".
قوله: (فيه جوابان)، أما الجواب الأول فتلخيصه: أن انصباب قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾ غير انصباب ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾؛ لأن المعنى بقوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾، أن الله أعطاه ما أعطاه على
стр. 9111
لأنه قال على قصد خلاف ما صححه الله عليه وأثبته، وهو قصده إلى أن الله أعطاه ما أعطاه إكراماً له مستحقاً مستوجباً على عادة افتخارهم وجلالة أقدارهم عندهم، كقوله: (إنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) [القصص: ٧٨]،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجه التفضل ابتداءً، من غير أن يستوجبه بالتقوى بناءً على مذهبه. وبقوله "أكرمني"، أن الله أعطاني ما أعطاني لا على وجه التفضل باستحقاق نسبي وحسبي. والثاني أنهما متوافقان، وأن الثاني تقرير للأول، لكن المنكر قوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾.
الانتصاف: "في الإضراب بقوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾، إشعار بإبطال الجواب الثاني، لأنه ذهب إلى أن قوله "ربي أكرمني" غير مذموم، لأن معنى قوله ﴿لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ الآية، أن للغني المكرن ببسط الرزق حالتين: إحداهما اعتقاده أن إكرام الله له عن استحقاق، والثانية، وهي أشد، وهو أن لا يعرف بها الإكرام أصلاً، فيكون جاحداً لا يؤدي حق الله فيها".
قوله: (مستحقاً ومستوجباً)، بكسر الحاء والجيم، ويروى بفتحهما. قيل: هو إما حال من مفعول "أعطاه"، أو من الضمير في "له" لأنه مفعول "إكراماً"، وقوله: "على عادة افتخارهم"، بدل من قوله: "على قصد خلاف ما صححه الله تعالى عليه"، أي: قاله على عادة افتخارهم. وقوله: "إنما أعطاه الله" حال من الضمير في "قاله". وقوله: "مما لا يعتد الله" بيان سابقة، أي: أعطاه الله على وجه التفضل من غير أن يسبق منه ما لا يدخل في الاعتداد من الكرامة إلا بذلك وهو التقوى. هذا المعنى مقتبس من قوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، ولذلك قال: "دون الأنساب والأحساب"، أي: لم يسبق منه تقوى يستحق به المعطى مما أعطاه الله. وأما الأنساب والأحساب فلا مدخل له في الاستحقاق. الانتصاف: "القدرية أيضاً يرون أن التعظيم الأعظم في الآخرة حق مستحق".
стр. 9112
وإنما أعطاه الله على وجه التفضل من غير استيجاب منه له ولا سابقة مما لا يعتدّ الله إلا به، وهو التقوى دون الأنساب والأحساب التي كانوا يفتخرون بها ويرون استحقاق الكرامة من أجلها. والثاني: أن ينساق الإنكار والذّمّ إلى قوله: (رَبِّي أَهانَنِ)، يعنى أنه إذا تفضل عليه بالخير وأكرم به اعترف بتفضل الله وإكرامه، وإذا لم يتفضل عليه سمى ترك التفضل هوانا وليس بهوان، ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله (فَأَكْرَمَهُ). وقرئ: (فقدر) بالتخفيف والتشديد. وأكرمن، وأهانن: بسكون النون في الوقف، فيمن ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة.
[(كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَاكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا) ١٧ - ٢٠]
(كَلَّا) ردع للإنسان عن قوله. ثم قال: بل هناك شرّ من القول «٣». وهو: أنّ الله يكرمهم بكثرة المال، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقد والمبرّة، وحض أهله على طعام المسكين ويأكلونه أكل الأنعام، ويحبونه فيشحون به وقرئ: يكرمون، وما بعده بالياء والتاء .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويعضد هذا الوجه ذكر الإكرام في قوله: ﴿فَأَكْرَمَهُ﴾)، يعني: أن الله تعالى أثبت له الإكرام؛ فقوله ﴿أَكْرَمَنِ﴾ تقرير لذلك، فلا يكون منكراً ولم تثبت له الإهانة، ولم يقل: فأهانه؛ فيكون قوله: ﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾ منكراً.
قوله: (وقرئ: ﴿فَقَدَرَ﴾، بالتخفيف والتشديد)، ابن عامر: بالتشديد، والباقون: بالتخفيف.
قوله: ("يُكرمون" وما بعده بالياء والتاء)، أبو عمرو: بالياء التحتانية فيها، والباقون: بالتاء.
стр. 9113
وقرئ: (تحاضون) أي: يحض بعضكم بعضًا: وفي قراءة ابن مسعود: (ولا تحاضون) بضم التاء، من المحاضة. (أَكْلًا لَمًّا) ذا لمّ وهو الجمع بين الحلال والحرام. قال الحطيئة:
إذا كان لمّا يتبع الذّمّ ربّه … فلا قدّس الرّحمن تلك الطّواحنا
يعنى: أنهم يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم. وقيل كانوا لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم. وقيل: يأكلون ما جمعه الميت من الظلمة، وهو عالم بذلك فيلم في الأكل بين حلاله وحرامه. ويجوز أن يذمّ الوارث الذي ظفر بالمال سهلًا مهلًا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقرئ: ﴿تَحَاضُّونَ﴾)، بفتح التاء: الكوفيون، أي: تتحاضون، بحذف إحدى التاءين. والباقون: بغير ألف.
قوله: (إذا كان لماً) البيت، فلا قدس: فلا طهر، والطواحن من الأضراس التي تسمى الأرحاء، تقول إذا كان الأكل اللم، أي: كأكل الأنعام من غير تمييز بين الحلال والحرام: يتبع صاحبه ذم الناس، فلا طهر تلك الأسنان التي تطحن ذلك المأكول.
قوله: (من الظلمة)، قيل: أراد بها الميت الظالم، أي: الذي من الظلمة، وفي نسخة: المظلمة.
قوله: (مهلاً)، تابع لـ "سهلاً"، نصل حالاً، أي: حال الرفق والسهولة.
قوله: (فيسرف)، عطف على قوله: "ظفر"، أي: الذي ظفر بالمال فهو يسرف، كقولك: الذي جاءني فيسرع.
стр. 9114
ويأكله أكلًا واسعًا جامعًا بين ألوان المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الورّاث البطالون. (حُبًّا جَمًّا) كثيرًا شديدًا مع الحرص والشره ومنع الحقوق.
[(كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ)] ٢١ - ٢٦ [
(كَلَّا) ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم. ثم أتى بالوعيد وذكر تحسرهم على ما فرّطوا فيه حين لا تنفع الحسرة؛ ويومئذ بدل من (إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ) وعامل النصب فيهما (يتذكر). (دَكًّا دَكًّا) دكًا بعد دك. كقوله: حسبته بابًا بابًا، أي: كرّر عليها الدك حتى عادت هباًء منبثًا. فإن قلت: ما معنى إسناد المجيء إلى الله، والحركة والانتقال إنما يجوزان على من كان في جهة؟
قلت: هو تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه: مثلت حاله في ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة، ما لا يظهر بحضور عساكره كلها ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (دكاً بعد دك، كقوله: حسبته باباً باباً)، أي: التكرير للاستيعاب، قال ابن الحاجب: "يثبت له حسابه باباً باباً، أي مفصلاً. والعرب تكرر الشيء مرتين، فتستوعب تفصيل جميع جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ المكرر، فإذا قلت: بينت له الكتاب باباً باباً، فمعناه: بينت له مفصلاً باعتبار أبوابه"، وإليه الإشارة بقوله: "حتى عادت هباءً منبثاً".
قوله: (عن بكرة أبيهم)، عن بعضهم: كان لزان عشرة بنين يُغيرون ويصيدون، فخرجوا يوماً فأناخوا في بعض المراعي، فهجم عليهم العدو فقتلهم وجعل رؤوسهم في
стр. 9115
(صَفًّا صَفًّا) ينزل ملائكة كل سماٍء فيصطفون صفًا بعد صف محدقين بالجن والإنس. (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) كقوله: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ)] النازعات: ٣٦ [وروى: أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله ﷺ وعرف في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه، فأخبروا عليًا ﵁، فجاء فاحتضنه من خلفه وقبله بين عاتقيه؛ ثم قال: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي ما الذي حدث اليوم، وما الذي غيّرك؟ فتلا عليه الآية. فقال على: كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملٍك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردهً لو تركت لأحرقت أهل الجمع.
[(يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسَانُ) أي: يتذكر ما فرّط فيه، أو يتعظ، (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) ومن أين له منفعة الذكرى، لا بد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين: يوم (يتذكر)، وبين (وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى) تناٍف وتناقض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مخلاة، فحملتها ناقة لزبان تدعى الدُّهيم، فجاءت إلى بيت زبان، فلما رأى المخلاة قال: أصاب بني بيض النعام، فضرب بيده فيها فأخرج رأساً منها، فقال: آخر البزِّ على القلوص، يعني: لا تُصيبون بزاً آخر، فذهب مثلاً. وقال الناس: جاؤوا على بكرة أبيهم، أي: ناقة أبيهم. الجوهري: "جاؤوا على بَكرة أبيهم: يضرب للجماعة إذا جاؤوا معاً، ولم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بَكرة في الحقيقة".
قوله: (بأبي أنت وأمي)، النهاية: "الباء في "بأبي" متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم، فيكون ما بعده مرفوعاً تقديره: أنت مُفدى بأبي وأمي. وقيل: هو فعل وما بعده منصوب، أي: فديتك بأبي وأمي، وحذف هذا المقدر لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به".
قوله: (فبين [يوم] ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ وبين ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ تنافٍ وتناقض)، لأنه تعالى
стр. 9116
(قَدَّمْتُ لِحَياتِي) هذه، وهي حياة الآخرة، أو وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لعشر لياٍل خلون من رجب؛ وهذا أبين دليٍل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقًا بقصدهم وإرادتهم، وأنهم لم يكونوا محجوبين عن الطاعات مجبرين على المعاصي، كمذهب أهل الأهواء والبدع، وإلا فما معنى التحسر؟ قرئ بالفتح: (يعذب ويوثق)، وهي قراءة رسول الله ﷺ . وعن أبى عمرو أنه رجع إليها في آخر عمره. والضمير للإنسان الموصوف. وقيل: هو أبىّ بن خلف أي: لا يعذب أحد مثل عذابه،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أثبت له التذكير أولاً، ثم نفاه عنه آخراً في آنٍ واحد، نحو قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧]. قال الزجاج ورواه محيي السنة: "يومئذ يظهر الإنسان التوبة، ومن أين له التوبة؟ ".
قوله: (وهذا أبين دليل على أن الاختيار كان في أيديهم ومعلقاً بقصدهم)، قال الإمام: "هذا التحسرر على فعلهم الذي كان مسنداً إليهم ظاهراً، وتحقيقه: ليت الله وفقني على فعل الطاعة".
قوله: (قرئ بالفتح: "يعذَّب" و"يوثَق")، الكسائي، والباقون: بكسرهما.
قوله: (والضمير للإنسان الموصوف)، قال أبو علي: "وضع العذاب موضع التعذيب في هذا القول، كما وضع العطاء موضع الإعطاء في قول القائل:
وبعد عطائك المئة
стр. 9117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فالمصدر الذي هو عذاب مضاف إلى المفعول به. والوثاق أيضاً في موضع الإيثاق". وقال ابن الحاجب في "الأمالي": "العامل في الظرف "يعذب"، وقد جاء ما بعد النفي عاملاً في الظرف في مواضع، والضمير في "عذابه" في قراءة الكسر للإنسان المتقدم ذكره، ولا يحسن أن يكون لله، لأن المعنى: لا يعذب يوم القيامة عذاب الله أحد، فلا يقوى المعنى لما سيق له، وهو تعظيم عذاب الله لهذا الإنسان أكثر من عذاب غيره".
وقلت: ويوافقه أيضاً معنى القراءة بالفتح ويساعده النظم؛ فإن المعنى: كل واحد من الزبانية يعذب أهل النار أنواعاً من الأعذبة، لكن لا يعذب أحد منهم أحداً عذاباً مثل عذاب هذا الإنسان، الذي طغى وتكبر وتجبر، وقابل إكرام الله إياه وإفضاله بالكفران، ومنع من إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين، بل أكل نصيبه ونصيب الأيتام من الميراث أكلاً لماً كالأنعام، وأحب المال حباً جماً شديداً مع الشره والحرص، فكما جمع بين هذه الرذائل، يُجمع له بين ما لا نهاية له من التنكيل.
ويمكن أن يقال: إن المراد بالإنسان أُمية بن خلف وذووه لما قال، وقيل: هو أمية بن خلف، وكما قال: إن قوله ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ﴾، متصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. وتحريره أنه تعالى لما بين ما فعل بأولئك الطغاة من قوم عاد وثمود وفرعون، حيث صب عليهم سوط عذاب، أتبعه قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ تخلصاً. أي: فعل بأولئك ما فعل، وهو ترصد هؤلاء الكفار الذين طغوا على أفضل البشر وسيد الرسل، وامتنعوا مما جاء به من المر بمكارم الأخلاق ومعالي الأمور، والنهي عن سَفسافها ورذائلها، فيصب عليهم في الدنيا سوط عذاب، ويعذبهم في الآخرة عذاباً فوق كل عذاب، وإليه لمح بقوله: "لتناهيه في كفره وعناده".
стр. 9118
ولا يوثق بالسلاسل والأغلال مثل وثاقه؛ لتناهيه في كفره وعناده، أو لا يحمل عذاب الإنسان أحد، كقوله: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)] الإسراء: ١٥ [. وقرئ: بالكسر، والضمير لله تعالى؛ أي: لا يتولى عذاب الله أحد؛ لأنّ الأمر لله وحده في ذلك اليوم، أو للإنسان؛ أي: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه.
[(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي)] ٢٧ - ٣٠ [.
(يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) على إرادة القول، أي: يقول الله للمؤمن: (يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ) إمّا أن يكلمه إكرامًا له كما كلم موسى صلوات الله عليه، أو على لسان ملك. و (الْمُطْمَئِنَّةُ) الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك، ويشهد للتفسير الأوّل، قراءة أبىّ بن كعب: (يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ثلج اليقين)، الأساس: "ومن المجاز: ثُلج فؤاده وثَلجت فؤاده بالخير، والحمد لله على بلج الحق وثلج اليقين". يريد: أن في قلق الشك واضطراب القلق سُخونة، وفي ضده برودة.
قوله: (ويشهد للتفسير الأول قراءة أُبي بن كعب)، وقلت: النظم أيضاً يساعد عليه، لأن في قوله ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، إشعاراً بأن النفس الأمارة بالسوء، تصير حينئذ لوامة، لقوله: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، قال:
وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
فحكمه أن لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، وحكم النفس المطمئنة حينئذ
стр. 9119
فإن قلت: متى يقال لها ذلك؟ قلت: إمّا عند الموت، وإمّا عند البعث، وإمّا عند دخول الجنة. على معنى: ارجعي إلى موعد ربك (راضِيَةً) بما أوتيت، (مَرْضِيَّةً) عند الله، (فَادْخُلِي فِي عِبادِي) في جملة عبادي الصالحين، وانتظمي في سلكهم، (وَادْخُلِي جَنَّتِي) معهم، وقيل: النفس الروح. ومعناه: فادخلي في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس: (فادخلي في عبدي). وقرأ ابن مسعود: (في جسد عبدي). وقرأ أبى: (ائتي ربك راضيةً مرضيةً، ادخلي في عبدي) وقيل: نزلت في حمزة بن عبد المطلب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن يقال لها: ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي. والذي عليه ظاهر كلام الإمام إيثار المعنى الثاني لقوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، لأن النفس الزكية إذا أخذت في الترقي في سلسلة الأسباب والمسببات، لا تقف إلا عند مقطع الحاجات، ولا تطمئن إلا إليه.
قال ابن عطاء: "النفس المطمئنة هي العارفة بالله الذي لا تصبر عن الله طرفة عين"، وقال القاسم: "يا أيها الروح المتصلة بالحق، اطمأننت ورضيت بما قُضي لك وعليك، ارجعي إلى الذي زينك بهذه الزينة العظيمة، حتى يُصلحك للرجوع منه إليه".
قوله: (﴿فَادْخُلِي [فِي عِبَادِي]﴾ في جملة عبادي الصالحين)، قال الإمام: "هذه حالة شريفة، لأن الأرواح القدسية تكون كالمرايا المصقولة، فإذا انضم بعضها إلى بعض تنعكس الأشعة، فيظهر في كل منها ما لكلها، فتكون سبباً لتكامل السعادات وتعاظم الدرجات، وذلك هو السعادة الروحانية". وقلت: ومن ثم جيء على وجه التتميم بالسعادة الجسمانية، وقيل: وادخلي جنتي.
стр. 9120
وقيل: في خبيب بن عدى الذي صلبه أهل مكة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال: اللهم إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك، فحوّل الله وجهه نحوها، فلم يستطع أحد أن يحوّله، والظاهر العموم.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "الفجر" في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام، كانت له نورًا يوم القيامة».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في خُبيب بن عدي)، في "جامع الأصول": "هو أنصاري أوسي شهد بدراً، وأُسر في غزوة الرجيع، فانطلقوا إلى مكة فاشتراه بنو الحارث بن نوفل، وكان قد قتل الحارث يوم بدر كافراً، فأقام عندهم أسيراً، ثم صلبوه في التنعيم". وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة حديثاً طويلاً فيه.
تمت السورة
بعون الله وبحمده
* … * … *
стр. 9121
سورة البلد
مكية، وهي عشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ)] ١ - ٧ [
أقسم سبحانه بالبلد الحرام وما بعده على أن الإنسان خلق مغمورًا في مكابدة المشاق والشدائد؛ واعترض بين القسم والمقسم عليه بقوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ) يعنى: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك يستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم. عن شرحبيل: يحرّمون أن يقتلوا بها صيدًا ويعضدوا بها شجرةً، ويستحلون إخراجك وقتلك وفيه تثبيت من رسول الله ﷺ ، وبعث على احتمال ما كان يكابد من أهل مكة، وتعجيب من حالهم في عداوته، أو سلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بالقسم ببلده،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة البلد
مكية، وهي عشرون آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (أو سلي رسول الله? )، عطف على قوله: "أقسم بالبلد الحرام"، وفائدة القسم على الأول راجعة إلى تعظيم مُكابدة الإنسان المشاق والشدائد، ثم اعترض بين القسم والمقسوم عليه مكابدة النبي? ، توكيداً لتلك المكابدة ولإرادة ذلك التعظيم.
стр. 9122
على أن الإنسان لا يخلو من مقاساة الشدائد؛ واعترض بأن وعده فتح مكة تتميمًا للتسلية والتنفيس عنه. فقال: وأنت حل بهذا البلد، يعنى: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر. وذلك أنّ الله فتح عليه مكة وأحلها له، وما فتحت على أحٍد قبله ولا أحلت له فأحل ما شاء وحرّم ما شاء؛ قتل ابن خطٍل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقبس بن صبابة وغيرهما، وحرّم دار أبى سفيان، ثم قال: "إنّ الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحل لأحٍد قبلي ولن تحل لأحٍد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعةً من نهار، فلا يعضد شجرها،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فسر "وأنت حِلٌ" بقوله: "إن مثلك على عظم حُرمتك"، وجعله من باب: أنت تجود، وقد مر غير مرة أن "أنت"، إذا بُني عليه الخبر في مقام التعظيم، نظير "مثل" في: مثلك يجود. وفائدة الاعتراض إرادة التثبيت من الرسول? ، لجعل حاله مؤكدة للحكم العام الذي عليه جبلة جنس الإنسان، وتعجيب من حال كفار مكة حيث صلحت أن يستشهد بها لذلك. وعلى الثاني راجعة إلى تعظيم المقسم به، ثم إلى تعظيم الرسول? تسلية، ولذلك أتى بلفظة "هذا" دلالة على كمال التمييز كقوله:
هذا أبو الصقر فرداً من محاسنه
ولا شك أن ترك استحلال البلد تعظيم شأنه، ثم أكد تلك الحُرمة بقوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، أي: أنت على الخصوص تستحله دون غيرك لجلالة شأنك، كما جاء: "لم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي"؛ و"أنت" على هذا من باب التقديم للاختصاص، نحو: أنا عرفت، ولذلك كانت المعترضة تتميماً للتسلية، قال الواحدي: "إن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حراماً، فوعد نبيه? أن يحلها له يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده ويكون بها حِلاً".
قوله: (فلا يعضد شجرها)، النهاية: "يعضد: يقطع، يقال: عضدت الشجر أعضده
стр. 9123
ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد. فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيوننا وقبورنا وبيوتنا؛ فقال ﷺ : «إلا الإذخر».
فإن قلت: أين نظير قوله: (وَأَنْتَ حِلٌّ) في معنى الاستقبال؟
قلت: قوله : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)] الزمر: ٣٠ [ومثله واسع في كلام العباد، تقول لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو، وهو في كلام الله أوسع؛ لأنّ الأحوال المستقبلة عنده كالحاضرة المشاهدة. وكفاك دليلًا قاطعًا على أنه للاستقبال، وأن تفسيره بالحال محال: أن السورة بالاتفاق مكية، وأين الهجرة عن وقت نزولها، فما بال الفتح؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عضداً. والخلا مقصور: النبات الرقيق ما دام رطباً، واختلاؤه: قطعه، وأخلت الأرض: كثر خلاها، فإذا يبس فهو حشيش. القين: الحداد".
قوله: (إلا لمنشد)، المنشد: المعرف. عن بعضهم: تأويل الحديث على قول أبي حنيفة ﵁، تأكيد لئلا يُظن أن حكم لُقَطَة مكة بخلافه في سائر البلدان. وعلى قول الشافعي ﵁، تخصيص مكة بهذا الحكم، وهو أنه لا يجوز لأحد أخذ اللُّقَطَة إلا لمنشد، بخلاف سائر البلدان. القين: الحدّاد.
قوله: (عن وقت نزولها)، قيل: هو متعلق بقوله "أين" من حيث المعنى، لأنه استفهام إنكار عن مقاربة الهجرة وقت نزول الآية، فكأنه قيل: بعدت الهجرة عن وقت نزلوها بعداً، وإن كانت الهجرة بعيدة فكيف بالفتح؟ وإذا ثبت أن وقت نزول الآية بعيد عن الفتح، فلا يكون قوله ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ بمعنى الحال، ويجوز أن يكون حالاً مقدرة وإن كانت جملة، وقد مر في سورة هود عند قوله ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، اعتراض وجواب.
стр. 9124
فإن قلت: ما المراد بوالٍد وما ولد؟
قلت: رسول الله ﵌ ومن ولده، أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه وحرم أبيه إبراهيم ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه.
فإن قلت: لم نكر؟
قلت: للإبهام المستقل بالمدح والتعجب.
فإن قلت: هلا قيل ومن ولد؟
قلت: فيه ما في قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ)] آل عمران: ٣٦ [أي: بأي شيٍء وضعت، يعنى موضوعًا عجيب الشأن. وقيل: هما آدم وولده. وقيل: كل والٍد وولد.
والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدًا، فهو أكبد: إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعٍب ومشقة. ومنه اشتقت المكابدة، كما قيل: كبته بمعنى أهلكه. وأصله: كبده، إذا أصاب كبده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (هو مسقط رأسه)، الأساس: "ومن المجاز: هذا البلد مسقط رأسي، وفلان يحن إلى مسقطه"، قال:
خرجنا جميعاً من مساقط رؤسنا على ثقة منا بجود ابن عامر
قوله: (وبمن ولده وبه)، أي: بمن ولده، أي: بإسماعيل وبه، أي: بالرسول? .
قوله: (فيه ما في قوله ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦])، يعني: أوثر "ما" على "من" لإرادة الوصف، ليفيد في مقام المدح ما لا يكتنه كُنهه من التعظيم.
стр. 9125
قال لبيد:
يا عين هلّا بكيت أربد إذ … قمنا وقام الخصوم في كبد
أي: في شدة الأمر وصعوبة الخطب. والضمير في (أَيَحْسَبُ) لبعض صناديد قريش الذي كان رسول الله ﷺ يكابد منهم ما يكابد. والمعنى: أيظن هذا الصنديد القوى في قومه المتضعف للمؤمنين: أن لن تقوم قيامة، ولن يقدر على الانتقام منه وعلى مكافأته بما هو عليه، ثم ذكر ما يقوله في ذلك اليوم، أنه يقول: (أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً) يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونها مكارم، ويدعونها معالي ومفاخر، (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) حين كان ينفق ما ينفق رئاء الناس وافتخارًا بينهم، يعنى: أن الله كان يراه وكان عليه رقيبًا. ويجوز أن يكون الضمير للإنسان،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يا عين هلا بكيت) البيت، قبله:
ما إن تعري المنون من أحد لا والد مُشفق ولا ولد
يرثي لبيد أخاه أربد بن ربيعة، وهو الذي جاء النبي? مع عامر بن الطفيل، فدعا رسول الله? عليهما، فأربد أصابته صاعقة، وأصاب عامراً طاعونٌ، فقال: أغُدة كغُدة البعير، والموت في بيت سلولية؟ !
قوله: (هذا الصنديد)، النهاية: "كل عظيم غالب صنديد، والجمع: الصناديد، وهو عظماء القوم ورؤوسهم".
قوله: (ويجوز أن يكون الضمير للإنسان)، عطف على قوله: "والضمير في ﴿أَيَحْسَبُ﴾ لبعض صناديد قريش"، ولما دل اختلاف مرجع الضميرين على اختلاف المعنى، قال: "على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد"، إلى آخره. فحصل من هذا الاختلاف إشكال، وهو أنه جًعل الضمير للصناديد، لم فرعه على المعنيين السابقين في أول السورة؟ وحين جُعل
стр. 9126
على أن يكون المعنى: أقسم بهذا البلد الشريف، ومن شرفه أنك حل به مما يقترفه أهله من المآثم متحرٌج بريٌء، فهو حقيق بأن أعظمه بقسمي به (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ) أي: في مرض، وهو مرض القلب وفساد الباطن، يريد: الذين علم الله منهم حين خلقهم أنهم لا يؤمنون ولا يعملون الصالحات. وقيل: الذي يحسب أن لن يقدر عليه أحد هو أبو الأشد، وكان قويًا يبسط له الأديم العكاظي فيقوم عليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا، فلا ينزع إلا قطعًا ويبقى موضع قدميه. وقيل: الوليد بن المغيرة. (لُبَداً) قرى: بالضم والكسر: جمع لبدةٍ ولبدة، وهو ما تلبد يريد الكثرة: وقرئ: (لبدا) بضمتين: جمع لبود. ولبدا: بالتشديد جمع لا بد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الضمير للإنسان لم كان المعنى ما ذكره وما وقع الاستفهام في ﴿أَيَحْسَبُ﴾ على التقديرين؟ ولم خص قوله: ﴿وَأَنتَ حِلٌّ﴾ على هذا بما خصه؟ ويمكن أن يقال: إن الكبد إذا فسر بالمشاق والشدائد رجع المعنى إلى مقاساة الرسول? من القوم المكابد؛ فحينئذ يكون ﴿أَيَحْسَبُ﴾ وراداً على توبيخ القوم، فيجب أن يكونوا أقواماً مخصوصين. وإذا فُسرت المكابدة بمرض القلب والعقائد الفاسدة، فالواجب أن يراد من جنس الإنسان الموصوف به. والمناسب على هذا أن يجعل ﴿وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، توكيداً لبراءة ساحته صلوات الله عليه من هذه المكابدة، ومما اقترفوه من المآثم وأمراض القلب، وكالتعليل لتعظيم المقسم به. ولذلك قال: "ومن شرفه أنك حِلٌ به مما يقترفه أهله من المآثم".
قوله: (من المآثم)، الأساس: "وتخرج من كذا: تأثَّم، ووقع في الحرج وهو ضيق المأثم"؛ فقوله: (حل به متحرج بريء)، أخبار مترادفة.
قوله: (وقيل: الذي يحسب)، مردود إلى قوله: "والضمير في "يحسب" لبعض صناديد قريش"، وتعيين للمُبهم.
قوله: (ولُبداً، بالتشديد، جمع لابِد)، قال ابن جني: "هي قراءة أبي جعفر، ويجوز أن
стр. 9127
[(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ)] ٨ - ١٦ [
(أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ) يبصر بهما المرئيات، (وَلِساناً) يترجم به عن ضمائره، (وَشَفَتَيْنِ) يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك، (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) أي: طريقي الخير والشر. وقيل: الثديين. (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) يعنى: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون بلفظ واحد، مثل: زُمل، وجباء. وبلفظ جمع نحو قائم وقوم، وصائم وصوم". الزمل بالزاي: الجبان الضعيف.
قوله: (﴿النَّجْدَيْنِ﴾: أي: طريقي الخير والشر)، قال الزجاج: " ﴿النَّجْدَيْنِ﴾: الطريقين الواضحين، والنجد: المرتفع من الأرض. المعنى: ألم نبين له طريقي الخير والشر بياناً كبيان الطريقين العاليتين".
قوله: (وقيل: الثديين)، في "المطلع": "الثديين مما تُقسم به العرب، فتقول: أما ونجديها ما فعلت، تريد: وثديي الأم، لأنهما كالنجدين للبطن، وهو كالغور".
قوله: (﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، يعني: فلم يشكر تلك الأيادي والأنعام بمعاجلة الأعمال الصالحة)، قال محيي السنة: "ذِكر العقبة هاهنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة"، وإليه الإشارة بقوله: "جعل الصالحة:
стр. 9128
ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير؛ بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضى النافع عند الله، لا أن يهلك مالًا لبدًا في الرياء والفخار، فيكون مثله (كمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ)] آل عمران: ١١٧ [الآية.
فإن قلت: قل ما تقع (لا) الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله:
فأي أمر سيّئ لأفعله
لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عقبة، وعملها: اقتحاماً لها"، قال صاحب "الفرائد": "هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله ألبتة، فلا بد من التكلف وحمل المشقة على النفس. والذي توافقه النفس هو الافتخار والمراءاة، فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾، والمراد بيان الإنفاق المفيد، وإن ذلك الإنفاق مُضر". وقلت: في التمثيل بالعقبة بعد ذكر النجدين ترشيح، ثم التقريع عليه بالاقتحام تربية لتلك المبالغة.
قوله: (قل ما تقع "لا" الداخلة على الماضي إلا مكررة)، الراغب: " (لا): يستعمل في العدم المحض، نحو: زيد لا عالم، وهو يدل على كونه جاهلاً، وذلك يكون للنفي. و (لا): ويستعمل في الأزمنة الثلاثة، ومع الاسم والفعل، غير أنه إذا نُفي به الماضي، فإما أن لا يؤتى بعده بالفعل، نحو أن يقال لك: هل خرجت؟ فتقول: لا، أي: لا خرجت. ولكن قل ما يذكر بعده الماضي، إلا إذا فُصل بينهما بشيء نحو: لا رجل ضربت ولا امرأة، أو يكون عطفاً نحو: ما خرجت ولا ركبت، أو عند تكرير نحو: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وعند الدعاء نحو: لا كان ولا أفلح، ونحو ذلك. ومما نُفي به المستقبل قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، وقد حُمل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١]. وقوله: ﴿وَمَا
стр. 9129
قلت: هي متكررة في المعنى؛ لأن معنى (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) فلا فك رقبةً، ولا أطعم مسكينًا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. وقال الزجاج قوله: (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) يدل على معنى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)، ولا آمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥]، يصح أن يكون في موضع الحال، أي: ما لكم غير مقاتلين. وقد يكرر ﴿لَا﴾ في المتضادين ويراد إثبات الأمر فيهما جميعاً، نحو: زيد ليس بمقيم ولا ظاعن، أي: يكون تارة كذا وتارة كذا. وقد يقال ذلك ويراد إثبات حالة بينهما، نحو أن يقال: ليس بأبيض ولا أسود، وقوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]، فقد قيل: معناه: إنها شرقية وغربية، وقيل: معناه: مصونة عن الإفراط والتفريط".
قوله: (ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك)، يريد أن المفسِّر والمفسَّر واحد؛ فإن قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ منفي عن تلك العقبة، لأن المعرَّف باللام إذا أعيد معرفاً كان الثاني عين الأول، فتكون الجملة معترضة مُقحمة لبيان العقبة، مقررة لبيان معنى الإبهام والتفسير؛ فإن ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ مفسر بقوله ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (أَوْ إِطْعَامٌ﴾، والمفسَّر منفي، والمفسِّر كذلك لاتحادهما في الاعتبار، كأنه قيل: غلا فك رقبة، ولا أطعم مسكيناً.
قوله: (وقال الزجاج: قوله ﴿ثُمَّ كَانَ﴾)، هذا وجه آخر، وصورة كلامه أنه قال: "قلما يتكلم العرب في مثل هذا المكان إلا بـ (لا) مرتين أو أكثر، فلا تقول: لا جئتني، تريد: ما جئتني. وإن قلت: لا جئتني ولا زُرتني صلح. وهذا التكرير هاهنا موجود، لأن قوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل عليه، كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمن". وقلت: فعلى هذا يكون من اللف التقديري، لأن الضمير في ﴿كَانَ﴾ للمذكور، ولا يمكن الإيمان داخلاً
стр. 9130
والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدةٍ ومشقةٍ. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبةً، وعملها: اقتحامًا لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن: عقبة والله شديدة، مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوّه الشيطان. وفك الرقبة: تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها: أن تعين في تخليصها من قود أو غرم، والعتق والصدقة من أفاضل الأعمال. وعن أبى حنيفة ﵁: أن العتق أفضل من الصدقة، وعند صاحبيه الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبى حنيفة لتقديم العتق على الصدقة. وعن الشعبي في رجٍل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذي قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل، لأن النبي ﷺ قال: «من فك رقبةً فك الله بكل عضٍو منها عضوًا منه من النار"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحت مفهوم العقبة المعبرة عن الأعمال الصالحة، وعلى الأول داخل تحتها جزء منها، لكنه أشرفها. ونُقل عن أبي على الفاري أنه رد قول الزجاج، وقال: "إذا كانت "لا" بمعنى "لم"، كان التكرير غير واجب، وإن تكررت في موضع نحو ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾، فهو كتكرير ﴿وَلَمْ﴾ نحو: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ".
قوله: (وفي الحديث أن رجلاً قال)، الحديث رواه محيي السنة في "شرح السنة"، عن البراء بن عازب.
قوله: (من فك رقبة)، الحديث من رواية البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال النبي? : "من أعتق رقبة مسلمة، أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار، حتى فرجه بفرجه".
стр. 9131
قرئ: (فك رقبةٍ أو إطعام) على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: (فك رقبة) أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة. وقوله: (وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ) اعتراض، ومعناه: أنك لم تدركنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي. وترب: إذا افتقر، ومعناه: التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أي: صار ذا ماٍل كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وقُرئ: "فك رقبة")، ابن كثير وأبو عمرو والكسائي: "فك"، بفتح الكاف، "رقبة": بالنصب، "أو أطعم": بفتح الهمزة وحذف الألف. والباقون: برفع الكاف والخفض وكسر الهمزة وألف بعد العين.
قال أبو البقاء: " ﴿مَا الْعَقَبَةُ﴾: ما اقتحام العقبة؟ لأنه فسره بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾؛ وهو فعل، سواء كان بلفظ الفعل، أو بلفظ المصدر. والعقبة: عين، فلا يفَّر بالفعل، فمن قرأ: "فك … أو أطعم"، فسر المصدر بالجملة الفعلية لدلالتها عليه. ومن قرأ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (أَوْ إِطْعَامٌ﴾، كان التقدير: هو فك رقبة، والمصدر مضاف إلى المفعول، و ﴿إِطْعَامٌ﴾ غير مضاف إلى المفعول، ولا ضمير فيها، لأن المصدر لا يتحمل الضمير. وذهب بعض البصريين إلى أن المصدر إذا عمل في المفعول، كان فيه ضمير كالضمير في اسم الفاعل. و ﴿يَتِيمًا﴾: مفعول (إطعام) ". والمصنف أيضاً أشار إلى هذا حيث قال: "لأن معنى ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً".
قوله: (يقال: فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي)، قال الزجاج: "وزيد قرابتي قبيح، لأن
стр. 9132
وعن النبي ﷺ في قوله: (ذا مَتْرَبَةٍ) الذي مأواه المزابل، ووصف اليوم بذي مسغبةٍ نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب: ذو نصب. وقرأ الحسن: (ذا مسغبة) نصبه بإطعام. ومعناه: أو إطعام في يوٍم من الأيام ذا مسغبة.
[(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ)] ١٧ - ٢٠ [
(ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) جاء بـ (ثم) لتراخى الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت؛ لأنّ الإيمان هو السابق المقدّم على غيره،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القرابة مصدر"، قال:
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور
قوله: (ووصف اليوم بذي مسغبة)، أي: على النسبة، قيل: معناه أنه ثابت له وحاصل. روى الإمام عن الحسن أنه قال: "يوم يُحرص فيه [على] الإطعام، وقال أبو علي: معناه ما قالوا في قولهم: ليله نائم ونهاره صائم، أي: ذو نوم، وذو صوم".
قوله: (جاء بـ ﴿ثُمَّ﴾ لتراخي الإيمان وتباعده في الرُتبة والفضيلة عن العتق والصدقة، لا في الوقت)، ويجوز أن تُجرى على حقيقتها، قال صاحب "الكشف": "يجوز أن يكون
стр. 9133
ولا يثبت عمل صالح إلا به. والمرحمة: الرحمة، أي: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الإيمان والثبات عليه. أو بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن التي يبتلى بها المؤمن، وبأن يكونوا متراحمين متعاطفين، أو بما يؤدى إلى رحمة الله. الميمنة والمشأمة: اليمين والشمال، أو اليمن والشؤم، أي: الميامين على أنفسهم والمشائيم عليهنّ. قرئ: (موصدة) بالواو والهمزة، من: وصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته وأغلقته. وعن أبى بكر بن عياش: لنا إمام يهمز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لترتيب خبر على خبر، كقوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، قال الإمام في وجه: إن من أتى بهذه القرية تقرباً إلى الله تعالى، قبل إيمانه بمحمد صلوات الله عليه، ثم آمن به يُثاب عليه".
وقلت: على هذا، "كان" بمعنى "صار"، ويؤيده ما روينا عن البخاري عن حكيم بن حزام، أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية، من صلة وعتاقة وصدقة، هل لي فيها أجر؟ قال حكيم: قال رسول? : أسلمت على ما سلف من خير".
قوله: (أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على الإيمان والثبات عليه)، قال الإمام: "هذا يدل على أنه يجب على المؤمن، أن يدل الناس على طريق الحق، ويمنعهم من سلوك طريق الباطل؛ وأن الأصل في التصوف أمران: صدق مع الحق، وخُلق مع الخلق".
وقلت: وفيه تحريض على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 9134
(مؤصدة)؛ فأشتهي أن أسدّ أذني إذا سمعته.
عن رسول الله ﷺ : «من قرأ لا أقسم بهذا البلد" أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (﴿مُّؤْصَدَةٌ﴾)، حمزة وحفص وأبو عمرو: بالهمزة، وحمزة إذا وقف أبدلها واواً. والباقون: بغير همز. في "الكواشي": "من همز جعل من: آصدت الباب: أطبقته. ومن لم يهمز جعل مخفف: آصدت، أبدل الهمزة واواً للضمن قبلها، أو من أوصدت بمعنى آصدت؛ ففاء الفعل واو، فلا يُهمز اسم المفعول، إذ لا أصل له في الهمزة".
تمت السورة
بعون الله
* … * … *
стр. 9135
سورة الشمس
مكية، وهي خمس عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[(وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)] ١ - ١٠ [
ضحاها: ضوءها إذا أشرقت وقام سلطانها؛ ولذلك قيل: وقت الضحى، وكأن وجهه شمس الضحى. وقيل: الضحوة ارتفاع النهار،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سورة الشمس
مكية، وهي خمس عشرة آية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله: (ضُحاها: ضوؤها إذا أشرقت)، في: المطلع": "عن مجاهد والكلبي: وضحاها: ضوؤها إذا أشرقت وارتفعت، والإشراق بعد الشروق، لأن الشروق الطلوع، ثم الضحوة، ولذلك قيل: كأن وجهه شمس الضحى".
قوله: (ولذلك)، أي: ولأجل أن المراد بضحاها ضوؤها وإشراقها، أضيف الوقت إليه، فقيل: وقت الضحى، كما يقال: وقت الإشراق.
стр. 9136
والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف، (إِذا تَلاها) طالعًا عند غروبها آخذًا من نورها؛ وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور. (إِذا جَلَّاها) عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة؛ يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء. إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (آخذاً من نورها؛ وذلك في النصف الأول من الشهر)، قال الفراء: "إن القمر يأخذ الضوء من الشمس، يقال: فلا يتبع فلاناً في كذا، أي: يأخذ منه". وفي "الوسيط": ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: تبعها؛ يقال: تلا يتلو تُلواً، إذا تبع. قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقال الإمام: "تلاها في الضياء، أي صار كالقائم مقام الشمس في الإنارة، وذلك في الليالي البيض".
الراغب: "تلاه: تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما، وذلك تارة يكون بالجسم وترة بالاقتداء في الحكم، ومصدره تِلو وتُلو. وتارة بالقراءة وتدبر المعنى ومصدره تلاوة، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾؛ فإنما يراد به هاهنا الاقتداء والمرتبة، وذلك أنه فيما يقال: إن القمر يقتبس النور من الشمس، وهو لها بمنزلة الخليفة".
قوله: (عند انتفاخ النهار)، الأساس: "ومن المجاز: انتفخ النهار: علا".
قوله: (إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق)، قال الإمام: "يغشى الليل فيُزيل ضوءها، وذلك يقوي القول: إن الضمير في ﴿جَلَّاهَا﴾ للشمس، لتتفق الفواصل، وليطابق بين قوله
стр. 9137
فإن قلت: الأمر في نصب (إذا) معضل: لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفةً فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه.
قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحًا كليًا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمةً مقام الفعل والباء سادّةً مسدهما معًا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل والجار جميعًا، كما تقول: ضرب زيد عمرًا، وبكر خالدًا؛ فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. .........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، وبين قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، فلما حسن جعل الليل يغشى الشمس، يحسن أن النهار يجليها. وقال القفال: وهذه الأقسام الأربعة دائرة مع الشمس بحسب أوصافها".
قوله: (مررت أمس بزيد)، أمس: منصوب بـ "مررت"، وزيد: مجرور بالباء؛ فإذا قلت: واليوم عمرو، فقد نصبت اليوم، وجررت عمراً بالواو، وقد جعلت هذه الواو نائبة عن "مررت" وعن الباء. ولا يجوز جعل الضعيف نائباً عن قويين.
قوله: (على استكراهه)، قال صاحب "المطلع": "يعني أن الخليل وسيبويه استقرءا كلام العرب، فعلما أن لا بد لكل قسم من مُقسَم عليه، لأنه هو المطلوب بالقسم؛ فلو زعمت أن الكل قَسم، فقد جئت بأقسام كثيرة ليس لكل واحد مقسم عليه على حدة. وقد سبق القول فيه في فواتح البقرة مشبعاً".
قوله: (أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل)، وعن بعضهم: الأصل: أقسمت بالله؛ فهاهنا تصير الواو نائباً عن الفعل المضمر في "إذا"، ونائباً عن الباء في "الليل"، وإنما لم يجز إظهار الفعل مع الواو، لأن الباء تلصق كل شيء، والواو لا تلصق إلا فعل القسم، فطلباً
стр. 9138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للاختصاص أُضمر الفعل معها، لأن الواو فرع عن الباء. وقال ابن الحاجب: "يلزم من مجيء الواو حذف الفعل، كأنهم جعلوها عوضاً من الباء والفعل معاً، ومن ثم أجيب: لما استدل على جواز العطف على عاملين بقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢]، بأن واو القسم جرت مجرى الباء والفعل معاً، فصح إعمالها بالاعتبارين، وكانت كأنها عامل واحد، أي: عامل واحد له معمولان، نحو: ضرب زيداً عمراً وبكراً خالداً، ولا خلاف في جواز ذلك".
وقال صاحب "اللُّباب": "ما ذكره صاحب "الكشاف" لطيف، ولكن يرد عليه مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٨]، حيث صرح العاملين وليس هناك شيء ناب عنهما وعمل علمهما، والأحسن عندي أن "إذا" هاهنا قد انسلخ للظرفية، ويكون منصوب المحل بدلاً من الليل، كأنه قيل: والليل وقت غشيانه، قال:
وبعد غد يا لهف من غدٍ إذا راح أصحابي ولست برائح
حيث أبدل "إذا" من "غد"، أو على حذف مضاف نحو: وغشيان الليل إذا يغشى، و"إذا" ظرف لهذا المضاف، ولا يحسن إعمال فعل القسم فيه إذ القسم مطلق وليس بمقيد بوقت من الأوقات، لصحة الكلام واستقامته في النهار".
وقال صاحب "الانتصاف": "أجاز ابن الحاجب العطف على عاملين، وجعل هذه الآية حجته في مخالفة سيبويه، ورد جواب الزمخشري في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] بأنه لم يستمر في التكوير، وكان يستحسن من نفسه هذا الاستنباط. ويمكن أن يقال: إن الواو
стр. 9139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] واو القسم، وفي ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] عاطفة، فيطرد ما قال الزمخشري". فإن قيل: خالفتم سيبويه؛ فإنه لا يرى الواو المتعقبة للقسم ابتداء قسم، بل عاطفة، وقد جعلتم الواو الأولى المتعقبة لباء القسم، وهي في ﴿بِالْخُنَّسِ﴾، قسماً. قلنا: إنما تكلم سيبويه في واو تعقبت قسماً بالواو، فأما إذا جاءت الواو بعد الباء فلم يذكره؛ فإن الذي ذكره سيبويه فيه تكرار الواو في معنى واحد، وهو مُستكره بخلاف هذا، ألا ترى أنه لو صدر القسم بالواو ثم تلاه قسم بالباء، لتحتم كونهما قسمين. وأيضاً فكان المانع لسيبويه من جعل الواو الثانية قسماً مستقلاً، مجيء الجواب واحداً، واحتياج الواو الأولى إلى محذوف؛ فالعطف يغني عن تقدير محذوف، فلا يلزم اطراده في الباء التي هي أصل للقسم، لا سيما مع التصريح بفعل القسم وتأكيده بزيادة "لا"؛ ففي مجموع ذلك ما يغني عن إفراده بجواب، ولا كذلك الواو، فإنها ضعيفة المكنة في القسم بالنسبة إلى الباء، فلا يلزم من حذف جواب، ويصح الدلالة عليه حذف جواب دونه في الوضوح. فهنا نكثة خصت إيراد السؤال بالواو الثانية في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] دون الثالثة، لأنه لا يلزم منها العطف على عاملين؛ لأنا نجعلها نائبة عن الباء، ونجعل "إذا" فيها منصوبة بالفعل مباشرة، إذ لم يتقدم في جملة الفعل ظرف يُعطف عليه "إذا"، فهو كقولك: مررت بزيد وعمرو اليوم، فاليوم منصوب بالفعل مباشرة؛ فمرورك بزيد غير مطلق غير مقيد بظرف، فالمقيد به عمرو خاصة، فالظرف وإن عمل فيه الفعل مباشرة، فهو مقيد للقسم بالليل لا للقسم بالخُنَّس".
قال الدار الحديثي: "إن الواو في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨]، وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٨]، للقسم لا للعطف، وجواب أحد القسمين محذوف، وهو أسهل تحملاً من ارتكاب العطف على عاملين".
стр. 9140
جعلت (ما) مصدريةً في قوله: (وَما بَناها) (وَما طَحاها) (وَما سَوَّاها)، وليس بالوجه لقوله: (فَأَلْهَمَها) وما يؤدى إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جعلت (ما) مصدرية في قوله ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾)، روى الواحدي عن عطاء: "والذي بناها، والكلبي: ومن بناها. وقال الفراء زالزجاج: (ما): بمعنى المصدر". الراغب: "تسوية الشيء: جعله سواء، إما في الرفعة أو الضعة. قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧]، أي: جعل خلقك على ما اقتضت الحكمة، وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، فإشارة إلى القوى التي جعلها مقومة للنفس، فنُسب الفعل إليها، لأن الفعل كما يصح أن ينسب إلى الفاعل، يصح أن ينسب إلى الآلة، نحو: سيف قاطع، وهذا أولى من قول من قال: أراد ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، يعني: الله، لأن "ما" لا يعبر به عن الله، إذ هو موضوع للجنس، ولم يرد [به] سمع يصح".
قوله: (وما يؤدي إليه من فساد النظم)، وذلك أن ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ لله تعالى، والفاء فيه للترتيب؛ فلا يجوز: ونفس وتسويتها فألهمها الله، فلا بد من ذلك التقدير، فإذن يوجب النظم السري الموافقة بين سائر القرائن.
قال الإمام: "أورد القاضي عبد الجبار هذا القول وأبى إلا أن يكون مصدراً، لما يلزم من تقديم الأقسام بغير الله على أقسامه بنفسع ".
وأجاب الإمام عنه "بأن أعظم المحسوسات الشمس، فذكرها الله تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر ذاته المقدسة ووصفها بصفات ثلاث، ليحظى العقل بإدراك جلال اللع وعظمته كما يليق به، والحس لا ينازعه، فكان ذلك طريقاً إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إلى بيداء أوج كبريائه".
следующие страницы →