← Тафсир

Тафсир · id 20891

فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)

الطيبي

Полный текст (9 345 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

والضحى فوق ذلك. والضحاء بالفتح والمد: إذا امتد النهار وقرب أن ينتصف، (إِذا تَلاها) طالعًا عند غروبها آخذًا من نورها؛ وذلك في النصف الأوّل من الشهر. وقيل: إذا استدار فتلاها في الضياء والنور. (إِذا جَلَّاها) عند انتفاخ النهار وانبساطه، لأن الشمس تنجلي في ذلك الوقت تمام الانجلاء. وقيل: الضمير للظلمة، أو للدنيا، أو للأرض، وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة؛ يريدون الغداة، وأرسلت: يريدون السماء. إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (آخذاً من نورها؛ وذلك في النصف الأول من الشهر)، قال الفراء: "إن القمر يأخذ الضوء من الشمس، يقال: فلا يتبع فلاناً في كذا، أي: يأخذ منه". وفي "الوسيط": ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾: تبعها؛ يقال: تلا يتلو تُلواً، إذا تبع. قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقال الإمام: "تلاها في الضياء، أي صار كالقائم مقام الشمس في الإنارة، وذلك في الليالي البيض". الراغب: "تلاه: تبعه متابعة ليس بينهما ما ليس منهما، وذلك تارة يكون بالجسم وترة بالاقتداء في الحكم، ومصدره تِلو وتُلو. وتارة بالقراءة وتدبر المعنى ومصدره تلاوة، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾؛ فإنما يراد به هاهنا الاقتداء والمرتبة، وذلك أنه فيما يقال: إن القمر يقتبس النور من الشمس، وهو لها بمنزلة الخليفة". قوله: (عند انتفاخ النهار)، الأساس: "ومن المجاز: انتفخ النهار: علا". قوله: (إذا يغشاها، فتغيب وتظلم الآفاق)، قال الإمام: "يغشى الليل فيُزيل ضوءها، وذلك يقوي القول: إن الضمير في ﴿جَلَّاهَا﴾ للشمس، لتتفق الفواصل، وليطابق بين قوله

стр. 9137

فإن قلت: الأمر في نصب (إذا) معضل: لأنك لا تخلو إما أن تجعل الواوات عاطفةً فتنصب بها وتجر، فتقع في العطف على عاملين في نحو قولك: مررت أمس بزيد، واليوم عمرو. وإما أن تجعلهن للقسم، فتقع فيما اتفق الخليل وسيبويه على استكراهه. قلت: الجواب فيه أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل إطراحًا كليًا، فكان لها شأن خلاف شأن الباء، حيث أبرز معها الفعل وأضمر، فكانت الواو قائمةً مقام الفعل والباء سادّةً مسدهما معًا، والواوات العواطف نوائب عن هذه الواو، فحققن أن يكون عوامل على الفعل والجار جميعًا، كما تقول: ضرب زيد عمرًا، وبكر خالدًا؛ فترفع بالواو وتنصب لقيامها مقام ضرب الذي هو عاملهما. ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، وبين قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، فلما حسن جعل الليل يغشى الشمس، يحسن أن النهار يجليها. وقال القفال: وهذه الأقسام الأربعة دائرة مع الشمس بحسب أوصافها". قوله: (مررت أمس بزيد)، أمس: منصوب بـ "مررت"، وزيد: مجرور بالباء؛ فإذا قلت: واليوم عمرو، فقد نصبت اليوم، وجررت عمراً بالواو، وقد جعلت هذه الواو نائبة عن "مررت" وعن الباء. ولا يجوز جعل الضعيف نائباً عن قويين. قوله: (على استكراهه)، قال صاحب "المطلع": "يعني أن الخليل وسيبويه استقرءا كلام العرب، فعلما أن لا بد لكل قسم من مُقسَم عليه، لأنه هو المطلوب بالقسم؛ فلو زعمت أن الكل قَسم، فقد جئت بأقسام كثيرة ليس لكل واحد مقسم عليه على حدة. وقد سبق القول فيه في فواتح البقرة مشبعاً". قوله: (أن واو القسم مطرح معها إبراز الفعل)، وعن بعضهم: الأصل: أقسمت بالله؛ فهاهنا تصير الواو نائباً عن الفعل المضمر في "إذا"، ونائباً عن الباء في "الليل"، وإنما لم يجز إظهار الفعل مع الواو، لأن الباء تلصق كل شيء، والواو لا تلصق إلا فعل القسم، فطلباً

стр. 9138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ للاختصاص أُضمر الفعل معها، لأن الواو فرع عن الباء. وقال ابن الحاجب: "يلزم من مجيء الواو حذف الفعل، كأنهم جعلوها عوضاً من الباء والفعل معاً، ومن ثم أجيب: لما استدل على جواز العطف على عاملين بقوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١ - ٢]، بأن واو القسم جرت مجرى الباء والفعل معاً، فصح إعمالها بالاعتبارين، وكانت كأنها عامل واحد، أي: عامل واحد له معمولان، نحو: ضرب زيداً عمراً وبكراً خالداً، ولا خلاف في جواز ذلك". وقال صاحب "اللُّباب": "ما ذكره صاحب "الكشاف" لطيف، ولكن يرد عليه مثل قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٨]، حيث صرح العاملين وليس هناك شيء ناب عنهما وعمل علمهما، والأحسن عندي أن "إذا" هاهنا قد انسلخ للظرفية، ويكون منصوب المحل بدلاً من الليل، كأنه قيل: والليل وقت غشيانه، قال: وبعد غد يا لهف من غدٍ إذا راح أصحابي ولست برائح حيث أبدل "إذا" من "غد"، أو على حذف مضاف نحو: وغشيان الليل إذا يغشى، و"إذا" ظرف لهذا المضاف، ولا يحسن إعمال فعل القسم فيه إذ القسم مطلق وليس بمقيد بوقت من الأوقات، لصحة الكلام واستقامته في النهار". وقال صاحب "الانتصاف": "أجاز ابن الحاجب العطف على عاملين، وجعل هذه الآية حجته في مخالفة سيبويه، ورد جواب الزمخشري في ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] بأنه لم يستمر في التكوير، وكان يستحسن من نفسه هذا الاستنباط. ويمكن أن يقال: إن الواو

стр. 9139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] واو القسم، وفي ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] عاطفة، فيطرد ما قال الزمخشري". فإن قيل: خالفتم سيبويه؛ فإنه لا يرى الواو المتعقبة للقسم ابتداء قسم، بل عاطفة، وقد جعلتم الواو الأولى المتعقبة لباء القسم، وهي في ﴿بِالْخُنَّسِ﴾، قسماً. قلنا: إنما تكلم سيبويه في واو تعقبت قسماً بالواو، فأما إذا جاءت الواو بعد الباء فلم يذكره؛ فإن الذي ذكره سيبويه فيه تكرار الواو في معنى واحد، وهو مُستكره بخلاف هذا، ألا ترى أنه لو صدر القسم بالواو ثم تلاه قسم بالباء، لتحتم كونهما قسمين. وأيضاً فكان المانع لسيبويه من جعل الواو الثانية قسماً مستقلاً، مجيء الجواب واحداً، واحتياج الواو الأولى إلى محذوف؛ فالعطف يغني عن تقدير محذوف، فلا يلزم اطراده في الباء التي هي أصل للقسم، لا سيما مع التصريح بفعل القسم وتأكيده بزيادة "لا"؛ ففي مجموع ذلك ما يغني عن إفراده بجواب، ولا كذلك الواو، فإنها ضعيفة المكنة في القسم بالنسبة إلى الباء، فلا يلزم من حذف جواب، ويصح الدلالة عليه حذف جواب دونه في الوضوح. فهنا نكثة خصت إيراد السؤال بالواو الثانية في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] دون الثالثة، لأنه لا يلزم منها العطف على عاملين؛ لأنا نجعلها نائبة عن الباء، ونجعل "إذا" فيها منصوبة بالفعل مباشرة، إذ لم يتقدم في جملة الفعل ظرف يُعطف عليه "إذا"، فهو كقولك: مررت بزيد وعمرو اليوم، فاليوم منصوب بالفعل مباشرة؛ فمرورك بزيد غير مطلق غير مقيد بظرف، فالمقيد به عمرو خاصة، فالظرف وإن عمل فيه الفعل مباشرة، فهو مقيد للقسم بالليل لا للقسم بالخُنَّس". قال الدار الحديثي: "إن الواو في قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨]، وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (وَالَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٦ - ١٨]، للقسم لا للعطف، وجواب أحد القسمين محذوف، وهو أسهل تحملاً من ارتكاب العطف على عاملين".

стр. 9140

جعلت (ما) مصدريةً في قوله: (وَما بَناها) (وَما طَحاها) (وَما سَوَّاها)، وليس بالوجه لقوله: (فَأَلْهَمَها) وما يؤدى إليه من فساد النظم، والوجه أن تكون موصولة، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (جعلت (ما) مصدرية في قوله ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾)، روى الواحدي عن عطاء: "والذي بناها، والكلبي: ومن بناها. وقال الفراء زالزجاج: (ما): بمعنى المصدر". الراغب: "تسوية الشيء: جعله سواء، إما في الرفعة أو الضعة. قوله تعالى ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ﴾ [الانفطار: ٧]، أي: جعل خلقك على ما اقتضت الحكمة، وقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، فإشارة إلى القوى التي جعلها مقومة للنفس، فنُسب الفعل إليها، لأن الفعل كما يصح أن ينسب إلى الفاعل، يصح أن ينسب إلى الآلة، نحو: سيف قاطع، وهذا أولى من قول من قال: أراد ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، يعني: الله، لأن "ما" لا يعبر به عن الله، إذ هو موضوع للجنس، ولم يرد [به] سمع يصح". قوله: (وما يؤدي إليه من فساد النظم)، وذلك أن ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾ لله تعالى، والفاء فيه للترتيب؛ فلا يجوز: ونفس وتسويتها فألهمها الله، فلا بد من ذلك التقدير، فإذن يوجب النظم السري الموافقة بين سائر القرائن. قال الإمام: "أورد القاضي عبد الجبار هذا القول وأبى إلا أن يكون مصدراً، لما يلزم من تقديم الأقسام بغير الله على أقسامه بنفسع ". وأجاب الإمام عنه "بأن أعظم المحسوسات الشمس، فذكرها الله تعالى مع أوصافها الأربعة الدالة على عظمها، ثم ذكر ذاته المقدسة ووصفها بصفات ثلاث، ليحظى العقل بإدراك جلال اللع وعظمته كما يليق به، والحس لا ينازعه، فكان ذلك طريقاً إلى جذب العقل من حضيض عالم المحسوسات، إلى بيداء أوج كبريائه".

стр. 9141

وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية، كأنه قيل: والسماء، والقادر العظيم الذي بناها، ونفس، والحكيم الباهر الحكمة الذي سواها، وفي كلامهم: سبحان ما سخركن لنا. فإن قلت: لم نكرت النفس؟ قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يريد نفسًا خاصةً من بين النفوس وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس. والثاني: أن يريد كل نفٍس وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة في قوله: (عَلِمَتْ نَفْسٌ) [التكوير: ١٤] ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (لإرادة معنى الوصفية)، لأن (ما) يستعمل في الصفات، إذا أردت أن تسأل عن صفو زيد، فقلت: ما زيد؟ والجواب عنه: فقيه أم طبيب. وإذا سألت عن ذاته فقل: من هو؟ والجواب عنه: إنه زيد. قوله: (الباهر الحكمة الذي سواها)، قال الإمام: "تسويتها: تعديل أعضائها على ما يشهد به علم التشريح، وإعطائها القوة السامعة والباصرة والمخيلة والمفكرة والمذكرة، على ما يشهد به علم النفس". وبهذه الدقيقة خص المصنف تفسير "ما" في ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ بصفة الحكمة. قوله: (سبحان ما سخركن لنا)، يخاطب النساء، وفي "سبحان" ما في معنى التعجب؛ يتعجب من كونهم مسخرات للرجال، قال الزجاج: "قيل: "ما" هاهنا بمعنى "من"، وحكي عن أهل الحجاز: سبحان ما سبحت له". قوله: (وينكر للتكثير على الطريقة المذكورة)، وهي أنه من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه. ويجوز أن يكون التنكير فيه للتعظيم والتفخيم، قال الإمام: "يريد

стр. 9142

ومعنى إلهام الفجور والتقوى: إفهامهما وإعقالهما، وأنّ أحدهما حسن والآخر قبيح، وتمكينه من اختيار ما شاء منهما بدليل قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) فجعله فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نفساً خاصةً من بين النفوس، وهي النفس القدسية النبوية، وذلك أن كل كثرة لا بد لها من وحدة تكون هي الرئيس؛ فالمركبات جنس تحته أنواع، ورئيسها الحيوان، والحيوان جنس تحته أنواع، ورئيسها الإنسان، والإنسان أصناف ورئيسهم النبي، والأنبياء كثيرون، ورئيسهم المصطفى صلوات الله عليه". قوله: (بدليل قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾)، يريد أنه لما أسند التزكية والتدسية إلى ذي النفس، عُلم أنه متمكن من اختيار ما شاء من الفجور والتقوى، وعُلم أن المراد من إلهام الفجور والتقوى، إفهام الله لا خلقهما. الانتصاف: "دس في كلامه نوعين من الباطل: أحدهما: تفسير "ألهمها" بقوله: "أفهمها الفجور والتقوى، وأن أحدهما حسن والآخر قبيح". وظن الحسن والقبيح مُدركين للأحكام، إلا أنا لا ننكر أن العقل يدرك الأحكام الشرعية، بل لا بد في كل حكم شرعي من مقدمة عقلية موصلة إلى العقيدة، وسمعية دالة على خصوص الحكم. وثانيهما: وهي التي كشف القناع عنها، وهي أن التزكية والتدسية ليستا مخلوقتين لله تعالى، وذكر فيها مجرد دعوى مقرونة بسفاهة. فنقول: لا شك أن الضمير يمكن عوده إلى الله تعالى وإلى ذي النفس، لكن عوده إلى الله تعالى أولى لوجهين: أحدهما: أن الجمل سيقت سياقة واحدة من قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، وضمائرها

стр. 9143

والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كلها تعود إلى الله تعالى بالاتفاق، ولم يجر لغير الله تعالى ذكر. ومن ادعى عود الضمير إلى ذي النفس، فإنما يتمحله من حيث المعنى، وعود الضمير إلى ما جرى نطقاً أولى. والثاني: أن الفعل في الآية التي استشهد بها، وهي قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، مطاوع "زكي"، فهذا أولى أن يدل لنا، وأن المعنى: قد أفلح من زكاه الله فتزكى، وعنده الفاعل في الآيتين واحد، وأضاف إليه الفعلين المختلفين، ويُحتاج في تصحيحه تعدد اعتبار ونحن عنه في غنى، ونحن لا ننكر أن تُضاف التزكية والتدسية إلى العبد لأنه فاعلهما، كما يضاف إليه طاعته ومعصيته؛ لأن له عندنا قدرة مقارنة، بل ننفي أن تكون قدرة العبد مؤثرة خالقة". قوله: (والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور)، راعى في التقدير معنى اللف والنشر مع الطباق المعنوي، ونبه به على التقابل المعنوي بين قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، وأنهما متفرعان على قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، وقد لمح من القرينتين معنة قوله? : "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله". أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس، لأن الكياسة تقتضي الفلاح، وأن يفوز صاحبها ببغيه، ومن أتبع نفسه هواها خاب وخسر: وإنما قلنا: إن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾، متفرع على قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، لأن الأفعال الاختيارية موقوفة على حصول داعية مخلوقة لله تعالى، فليجرب العاقل نفسه، فإنه ربما يكون ذاهلاً عن شيء، فتقع صورته في قلبه، وينبعث منه ميل، ويترتب على الميل حركة الأعضاء، فيصدر منه الفعل.

стр. 9144

وأصل دسى: دسس، كما قيل في تقضض: تقضى. وسئل ابن عباٍس عنه فقال: أتقرأ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)] الأعلى: ١٤ [(وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)] طه: ١١١ [. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الواحدي وصاحب "المطلع": "الإلهام أن يوقع في القلب التوفيق والخذلان؛ فإذا أوقع في قلب عبد شيئاً، فقد ألزمه ذلك الشيء"، روينا عن البخاري ومسلم وأبي داود، عن عمران بن حصين، أن رجلين من مُزينة أتيا رسول الله? ، فقالا: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه، أشيء قُضي عليهم ومضى فيهم، من قدر قد سبق، أو فيما يُستقبلون به مما أتاهم به نبيهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: لا بل شيء قُضي عليهم ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. قوله: (وسئل ابن عباس عنه)، أي: عن فاعل زكى ودسى. وأجاب: أن فاعل ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، وفاعل ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وفاعل ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١]، وفاعل ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ سواء، أي: الضمير المستتر في ﴿زَكَّاهَا﴾، عائد إلى "من"، والبارز إلى النفس، وكذا في ﴿دَسَّاهَا﴾. ولما كان ظاهر هذا التأويل موافقاً لمذهبه، قال: "وأما قول من زعم أن الضمير في "زكى" و"دسَّي" لله، فمن تعكيس القدرية"، وهو كلام خارج عن جراءة عظيمة، لما روينا عن مسلم والنسائي، عن زيد بن أرقم، أن رسول الله? ، قال: "اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها". وروى الواحدي عن ابن عباس أنه قال: "قد أفلحت نفس زكاها الله تعالى، وأصلحها وطهرها ووفقها للطاعة، وخابت وخسرت نفس أضلها الله وأغواها"، ونحو منه في "معالم التنزيل". وقد تقرر عند صاحب "الانتصاف"، أن النظم لا يساعد إلا هذا التأويل.

стр. 9145

وأما قول من زعم أنّ الضمير في زكى ودسي لله تعالى، وأنّ تأنيث الراجع إلى من؛ لأنه في معنى النفس: فمن تعكيس القدرية الذين يورّكون على الله قدرًا هو بريء منه ومتعاٍل عنه، ويحيون لياليهم في تمحل فاحشةٍ ينسبونها إليه. فإن قلت: فأين جواب القسم؟ قلت: هو محذوف تقديره: ليدمدمنّ الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله ﷺ ، كما دمدم على ثمود؛ لأنهم كذبوا صالحًا. وأما (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) فكلام تابع لقوله: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الراغب: "تزكية الإنسان نفسه ضربان: أحدهما بالفعل وهو محمود، وإليه قصد بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. والثاني بالقول، وأما قول كتزكية العدل غيره، وهو مذموم أن يفعل الإنسان بنفسه، قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. ونهيه عن ذلك تأديب لقبح مدح الإنسان نفسه عقلاً وشرعاً، ولذلك قيل: لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقاً؟ قال: مدح الرجل نفسه". وقال أيضاً: "الخيبة: فوت المطلوب، قال تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ ". قوله: (يُوركون)، أي: ينسبون ويُضيفون إليه. الجوهري: "ورك فلان ذنبه على غيره: أي قرفه به". قوله: (تقديره: ليُدمدمن الله عليهم)، قال الزجاج: "الجواب: قد أفلح، أي: لقد أفلح؛ حذفت اللام لطول الكلام"، وتبعه القاضي ثم قال: "كأنه لما أراد به الحث على تكميل

стр. 9146

[(كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها)] ١١ - ١٥ [ الباء في (بِطَغْواها) مثلها في: كتبت بالقلم. والطغوى من الطغيان: فصلوا بين الاسم والصفة في فعلى من بنات الياء، بأن قلبوا الياء واوًا في الاسم، وتركوا القلب في الصفة، فقالوا: امرأة خزيي وصديا، يعنى: فعلت التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله. وقيل: كذبت بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى كقوله: (فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ)] الحاقة: ٥ [، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النفس والمبالغة فيه، أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع، ووجوب ذاته وكمال صفاته، الذي هو أقصى درجات القوة النظرية، ويذكرهم عظائم آلائه، ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه، الذي هو منتهى كمالات القوة العملية. وقيل: استطرد بذكر بعض أحوال النفس، والجواب محذوف تقديره: لَيُدمْدمن الله"، إلى آخره. كأنه رجح قول الزجاج على قول المصنف. فعلى هذا: يكون قوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]، كلاماً تابعاً على سبيل الاستطراد لقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾؛ فإن الطغيان أعظم أنواع التدسية، وعلى تأويل المصنف: استطراد لجواب القسم على طريق التشبيه. قوله: (خزيا وصديا)، "خَزْيا" من: خزي الرجل؛ إذا استحيا، والصدى: العطش، يقال: رجل صد وامرأة صديا. قوله: (وقيل: كذبت بما أوعدت به)، عطف على قوله: "الباء في ﴿بِطَغْوَاهَا﴾: مثلها في قوله: كتبت بالقلم" فالباء مثل قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ويؤيد الأول قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.

стр. 9147

وقرأ الحسن: (بطغواها) بضم الطاء كالحسنى والرجعى في المصادر. (إِذِ انْبَعَثَ) منصوب بكذبت، أو بالطغوى. و (أَشْقاها) قدار بن سالف. ويجوز أن يكونوا جماعة، والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته. بين الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وكان يجوز أن يقال: أشقوها، كما تقول: أفاضلهم. والضمير في (لَهُمْ) يجوز أن يكون للأشقين والتفضيل في الشقاوة، لأنّ من تولى الفقر وباشره كانت شقاوته أظهر وأبلغ. و (ناقَةَ اللَّهِ) نصب على التحذير، كقولك الأسد الأسد، والصبي الصبي، بإضمار: ذروا أو احذروا عقرها، (وَسُقْياها) فلا تزووها عنها، ولا تستأثروا بها عليها، (فَكَذَّبُوهُ) فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ) فأطلق عليهم العذاب، وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة: إذا ألبسها الشحم، (بِذَنْبِهِمْ) بسبب ذنبهم. وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب، فعلى كل مذنٍب أن يعتبر ويحذر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والتوحيد لتسويتك في أفعل التفضيل إذا أضفته)، تقول: هذان أفضل الناس، وهؤلاء أفضلهم. قوله: (نصب على التحذير)، أي: اتركوا العَقْر والسُّقيا؛ يقال: سقيته وأسقيته، والاسم: السُّقيا، أي: احذروا سُقيا الناقة، فلا تمنعوا سقياها. قوله: (ولا تستأثروا بها)، أي: بسُقياها على الناقة؛ يقال: استأثر بالشيء، أي: استبد به. قوله: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾: فأطبق عليهم)، الراغب: "دمدم عليهم ربهم: أهلكهم وأزعجهم، وقيل: الدَّمدمة حكاية صوت الهرة، ومنه: دمدم فلان في كلامه، والدِّمام: يُطلى به، وبعير مُدمدم بالشحم".

стр. 9148

(فَسَوَّاها) الضمير للدمدمة، أي: فسوّاها بينهم لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم. (وَلا يَخافُ عُقْباها) أي: عاقبتها وتبعتها؛ كما يخاف كل معاقٍب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء. ويجوز أن يكون الضمير لثمود على معنى: فسواها بالأرض، أو في الهلاك، ولا يخاف عقبى هلاكها. وفي مصاحف أهل المدينة والشام: فلا يخاف. وفي قراءة النبي ﵌: ولم يخف. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "الشمس"، فكأنما تصدق بكل شيٍء طلعت عليه الشمس والقمر». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (في مصاحف أهل المدينة والشام)، أهل المدنة: نافع، (والشام): ابن عامر. والله أعلم. تمت السورة * … * … *

стр. 9149

سورة الليل مكية، وهي إحدى وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)] ١ - ٤ [. المغشي: إما الشمس من قوله: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها)] الشمس: ٤ [وإما النهار من قوله: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ)] الرعد: ٣ [وإما كل شيٍء يواريه بظلامه من قوله: (إِذا وَقَبَ)] الفلق: ٣ [. (تَجَلَّى) ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين وتكشف بطلوع الشمس، (وَما خَلَقَ) والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماٍء واحد، وقيل: هما آدم ﵇ وحواء. وفي قراءة النبي ﷺ : (والذكر والأنثى). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة الليل مكية، وهي إحدى وعشرون آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (من قوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾)، الجوهري: "وقب الظلام: دخل على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣] ". قوله: (وفي قراءة النبي? )، رواها البخاري ومسلم والترمذي، عن عبد الله بن مسعود وعن أبي الدرداء عن النبي? . قال ابن جني: " ﴿الذكر والأنثى﴾ بغير ﴿وَمَا

стр. 9150

وقرأ ابن مسعود: (والذي خلق الذكر والأنثى). وعن الكسائي: (وما خلق الذكر والأنثى) بالجر على أنه بدل من محل "ما خَلَقَ"، بمعنى: وما خلقه الله، أي: ومخلوق الله الذكر والأنثى. وجاز إضمار اسم الله؛ لأنه معلوم لانفراده بالخلق، إذ لا خالق سواه. وقيل: إنّ الله لم يخلق خلقًا من ذوى الأرواح ليس بذكٍر ولا أنثى. والخنثى، وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكٍل، معلوم بالذكورة أو الأنوثة؛ فلو حلف بالطلاق أنه لم يلق يومه ذكرًا ولا أنثى، ولقد لقي خنثى مشكلًا: كان خانثًا؛ لأنه في الحقيقة إمّا ذكرًا أو أنثى، وإن كان مشكلًا عندنا. "شَتَّى" جمع شتيٍت، أي: إنّ مساعيكم أشتات مختلفة، وبيان اختلافهما فيما فصل على أثره. [(فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى)] ٥ - ٧ [ (أَعْطى) يعنى حقوق ماله، (وَاتَّقى) الله فلم يعصه. (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى) بالخصلة الحسنى، وهي الإيمان. أو بالملة الحسنى، وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى: وهي الجنة. (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) فسنهيئه لها من يسر الفرس للركوب إذا أسرجها وألجمها. ومنه قوله ﵇: «كل ميسر لما خلق له». ......... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خَلَقَ﴾: قراءة النبي ﷺ ، وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء، وهي شاهدة لقراءة من قرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾، بجر ﴿الذّكرِ﴾ لكونه بدلاً من ﴿مَا﴾ ". قوله: (فَسَنُهيِّئُه لها)، عن بعضهم: تيسر، كذا. واستيسر: أي: تسهل وتهيأ، وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾ [المزمل: ٢٠]، ويسرت كذا، أي: سهلته وهيأته، قال تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾. قوله: (كل ميسر لما خُلق له)، الحديث من رواية البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجه، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله? : "ما منكم من أحد إلا وكُتب مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا،

стр. 9151

والمعنى فسنلطف به ونوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها، من قوله: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ)] الأنعام: ١٢٥ [. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ فكل ميسر لما خُلق له". أما من كان من أهل السعادة، فسيصير لعمل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة، فسيصير لعمل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، الآيتين. وما أدري كيف أورد هذا الحديث هاهنا، وهو يهدم قاعدة مذهبه. الانتصاف: "هلا أطال لسانه في هذا المقام، لكن قصره الحق، فتراه يتأول الكلام بخلق اللُّطف والخذلان، ويحمله على ما لا يحتمله". روى محيي السنة عن الخطابي أنه قال: "قولهم: أفلا نتكل على كتابنا؟ مطالبة منهم بأمر يوجب تعطيل العبودية، وروم أن يتخذوا حجة لأنفسهم في ترك العمل، فأعلمهم النبي? بقوله: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له، بأمرين لا يُبطل أحدهما بالآخر: باطن هو العلة الموجبة في حُكم الربوبية، وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية، وهو أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم. ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب؛ فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة، والظاهر البادي سبباً مخيلاً، وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم، أن الظاهر منهما لا يترك بسبب الباطن". وقلت: تلخيصه: عليكم بشأن العبودية وما خُلقتم لأجله وأُمرتم به، وكِلوا أمور الربوبية المغيبة إلى صاحبها، فلا عليكم بشأنها، والله أعلم. قوله: (حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه وأهونها)، روينا عن أبي داود، عن سالم قال: قال رجل من خزاعة: "ليتني صليت فاسترحت! فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال: سمعت

стр. 9152

[(وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى)] ٨ - ١١ [. (وَاسْتَغْنى) وزهد فيما عند الله كأنه مستغٍن عنه فلم يتقه. أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة؛ لأنه في مقابلة (وَاتَّقى). (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) فسنخذله ونمنعه الألطاف، حتى تكون الطاعة أعسر شيٍء عليه وأشدّه، من قوله: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ)] الأنعام: ١٢٥ [أو سمى طريقة الخير باليسرى، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ رسول الله ﷺ ، يقول: أقم الصلاة يا بلال، أرحنا". وفي "الجامع"؛ أنه? ، كان يستروح بأدائها من شغل القلب بها. وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له لأنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعباً، فكأنه يستريح بالصلاة من مناجاة الله، ولهذا قال ﵊: "وقرة عيني في الصلاة"، وما أقرب الراحة من قُرة العين! . قوله: (كأنه مُستغن عنه فلم يتقه)، يعني: الذي يقتضيه التقابل أن يقال: وأما من بخل ولم يتق، لقوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، لكن وضع موضعه ﴿وَاسْتَغْنَى﴾، لما وقع مقابلاً لقوله: ﴿أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، يقدر تارة: استغنى عن الله، وأخرى: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأن مقابل له، لأن المتقي ﴿مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، فإن له الجنة، وكان ذلك سبباً لأن يقال في حقه: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. قوله: (أو سمى طريقة الخير)، عطف على قوله: "والمعنى: فسنلطف به"؛ فاليُسرى

стр. 9153

لأنّ عاقبتها اليسر؛ وطريقة الشر العسرى، لأن عاقبتها العسر. أو أراد بهما طريقي الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. وقيل: نزلتا في أبى بكٍر ﵁، وفي أبى سفيان بن حرٍب. (وَما يُغْنِي عَنْهُ) استفهام في معنى الإنكار، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ والعُسرى على الأول محمولتان على الطاعة، سُميت بهما لأنه تعالى يسرها على المكلف بمنح الألطاف، أو عسرها عليه بالخذلان، قال القفال: "هو من قوله تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فلما سمى الألطاف الداعية إلى الطاعة بتيسير اليُسرى، سمى ترك هذه الألطاف بتيسير العُسرى". وقال الإمام: "المعنى بتيسير اليُسرى: تسهيلها على من أراده تعالى، حتى لا يعتريه من الكسل والتثاقل ما يعتري المرائي والمنافق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]، و ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ [التوبة: ٣٨] ". وعلى الثاني مفسرتان بالطاعة والمعصية، وهو أحسن طباقاً بالحديث المروي: "كل ميسر لما خُلق له" إلى آخره، وأقرب إلى وصول أهل السنة، كما أن الأول أقرب إلى أصولهم. وقال الإمام: "كل ما أدت عاقبته إلى الراحة والأمور المحمودة، فذلك اليُسرى، وهو وصف كل الطاعات. وكل ما أدت عاقبته إلى التعب والردى، فذلك العُسرى، وهو وصف كل المعاصي. واستدل الأصحاب بهذه الآية على صحة قولهم في التوفيق والخذلان. وأما وجه تأنيث اليُسرى والعُسرى، فإن كان المراد منهما جماعة الأعمال فذلك طاهر، وإن كان المراد عملاً واحداً، يرجع التأنيث إلى الحالة أو الفعلة، ويجوز أن يراد الطريقة، أي: اليُسرى والعُسرى". قوله: (نزلتا في أبي بكر ﵁، وفي أبي سفيان)، وروى الواحدي ومحيي السنة،

стр. 9154

أو نفي، (تَرَدَّى) تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: الموت. أو تردّى في الحفرة إذا قبر، أو تردى في قعر جهنم. [(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى)] ١٢ - ١٣ [. (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع. (وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى) أي: ثواب الدّارين للمهتدى، كقوله: (وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)] العنكبوت: ٢٧ [. [(فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى)] ١٤ - ٢١ [. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، اشترى بلالاً من أمية بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله إلى قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، سعى أبي بكر وأمية. وروى الإمام عن القفال أن السورة نزلت في أبي بكر الصديق وإنفاقع على المسلمين، وفي أمية بن خلف وبُخله وكفره بالله تعالى، لكن معانيها عامة لقوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. وقلت: دل على العموم الحديث الذي رويناه عن الأئمة. قوله: (إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا)، قال القاضي: "إن علينا الإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا، أو إن علينا بيان طريقة الهدى لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] ". وقال الزجاج: "علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال".

стр. 9155

وقرأ أبو الزبير: (تتلظى). فإن قلت: كيف قال: (لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) وقد علم أن كل شقيّ يصلاها، وكل تقيّ يجنبها، لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء، وإن زعمت أنه نكر النار فأراد نارًا بعينها مخصوصة بالأشقى، فما تصنع بقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) فقد علم أن أفسق المسلمين يجنب تلك النار المخصوصة، لا الأتقى منهم خاصة؟ قلت: الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيٍم من المشركين وعظيٍم من المؤمنين، فأريد أن يبالغ في صفتيهما المتناقضتين فقيل: الأشقى، وجعل مختصًا بالصلى، كأن النار لم تخلق إلا له. وقيل: الأتقى، وجعل مختصا بالنجاة، كأن الجنة لم تخلق إلا له. وقيل: هما أبو جهل أو أمية بن خلف، وأبو بكر ﵁. (يَتَزَكَّى) من الزكاء، أي: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يريد به رياًء ولا سمعة. أو يتفعل من الزكاة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين)، يعني أبا بكر ﵁، وأُمية بن خلف قبحه الله كما سبق. الانتصاف: "بُني على مفهوم الآية لورود صيغة التخصيص، وحاصل جوابه أن التخصيص له فائدة سوى النفي عما عدا المخصص وهي المقابلة، وهذا يلاحظ ما لحظه الشافعي في قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية فإنه لم يقل بمفهوم حصرها، بل جعل فائدة المقابلة الرد لأحكام الجاهلية لا نفي ما عدا المحصور، والزمخشري

стр. 9156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خاصة ضاق ذرعه في هذه الآية حذراً على قاعدته، ويأبى الله إلا نقضها، فنقول: الصَّلي في اللغة: أن يحفروا حفيراً فيجمعوا فيه جمراً كثيراً، ثم يعمدوا إلى شاة فيسدوها وسطه؛ فأما ما يُشوى فوق الجمر، أو على المقلى، أو في التنور، فلا يسمى مصلياً. هذا بعينه ذكره الزمخشري في سورة الغاشية؛ فالتصلية أشد أنواع التعذيب. والناس عندنا ثلاثة أنواع: مؤمن فائز، ومؤمن عاص، وكافر. فالفائز يطفئ نوره لهب النار، والعاصي يُعذب في الطبقة الأولى، حتى إن منهم من تبلغ النار إلى كعبيه، وأشدهم من تصل إلى موضع سجوده، ولا يُعذب أحد من المؤمنين بين أطباقها بالصَّلي؛ فلا يصلاها إلا الكافر، وسيُجنبها الأتقى بالكلية لا يسمع حسيسها، فالعاصي ليس بأتقى ولا أشقى؛ فلا يصلاها ولا يُجنبها، بل يعذب بغير الصَّلى". وقلت: ويؤيد هذا التأويل اللفظتان، أعني ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ و ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾، فإن إحداهما دلت على معنى البُحبوحة، والأخرى على المعنى البعيد، ولذلك قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. النهاية: "في حديث عمر ﵁، قال: "عليكم بالجنبة فإنها عفاف"، قال الهروي: يقول اجتنبوا النساء ولا تقربوا ناحيتهن، يقال: رجل ذو جَنبة، أي: ذو اعتزال عن الناس متجنب لهم".

стр. 9157

فإن قلت: ما محل يتزكى؟ قلت: هو على وجهين: إن جعلته بدلًا من (يُؤْتِي) فلا محل له؛ لأنه داخل في حكم الصلة، والصلات لا محل لها. وإن جعلته حالًا من الضمير في (يُؤْتِي) فمحله النصب. (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) مستثنًى من غير جنسه وهو النعمة أي: ما لأحٍد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارًا. وقرأ يحيى بن وثاب: (إلا ابتغاء وجه ربه) بالرفع: على لغة من يقول: ما في الدار أحد إلا حمار، وأنشد في اللغتين قول بشر بن أبى حازم: أضحت خلاء قفارا لا أنيس بها … إلا الجآذر والظّلمان تختلف وقول القائل: وبلدة ليس بها أنيس … إلّا اليعافير وإلّا العيس ويجوز أن يكون (ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ) مفعولًا له على المعنى، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (والصلات لا محل لها)، قيل: لأن الصلة بعض الاسم، وبعض الاسم لا محل له، ولأن الصلة ليست بقائمة مقام المفرد. قوله: (على لغة من يقول)، وهي لغة بني تميم، وسبق تقريره في النمل. قوله: (أضحت خلاء) البيت، بعده: وقفت فيها قلوصي كي تجاوبني أو يُخبر الرَّسم عنهم آية صرفوا القفار: جمع قفر، وهي الخالي من المفاوز. والجآذر: أولاد البقر. والظلمان: جمع الظليم، وهو ذكر النعام. قوله: (ويجوز أن يكون ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ﴾)، مفعولاً له) وعلى هذا المستثنى داخل في المستثنى منه حقيقة، لأن المعنى: لا يؤتي ماله لأمر من الأمور، إلا ابتغاء وجه ربه.

стр. 9158

لأنّ معنى الكلام: لا يؤتى ماله إلا ابتغاء وجه ربه، لا لمكافأة نعمةٍ. (وَلَسَوْفَ يَرْضى) موعد بالثواب الذي يرضيه ويقرّ عينه. وعن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "والليل"، أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر ويسر له اليسر». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقوله: (لا لمكافأة نعمة)، توكيد للاستثناء. والتركيب مما رده صاحب "المفتاح". تمت السورة حامداً لله ومُصلياً * … * … *

стр. 9159

سورة (والضحى) مكية، وهي إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)] ١ - ٣ [ المراد بالضحى: وقت الضحى، وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي شعاعها ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ مكية، وهي إحدى عشرة آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس)، الراغب: "الضحى: انبساط الشمس وامتداد النهار، وسمي الوقت به، قال تعالى: ﴿وَالضُّحَى (وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. وضحى يضحى: تعرض للشمس، وضاحية كل شيء: ناحيته البارزة. الأضحية جمعها أضاحي، وقيل: ضحية وضحايا، وأضحاة وأضحى، وتسميتها بذلك في الشرع لما ورد: "من ذبح قبل صلاتنا هذه فليُعِد".

стр. 9160

وقيل: إنما خص وقت الضحى بالقسم؛ لأنها الساعة التي كلم فيها موسى ﵇، وألقى فيها السحرة سجدًا، لقوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)] طه: ٥٩ [وقيل: أريد بالضحى: النهار، ........ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: إنما خُص وقت الضحى بالقسم، لأنها الساعة التي كُلم فيها موسى ﵇، وسُئلت عنه وعن قوله: ﴿وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، فأجبت: إنه من باب قوله: وثناياك إنها إغريض وذلك أن المشركين لما قالوا: إن محمداً ودعه ربه وقلاه، قيل له: كيف يودعك ويقليك وأنت خصصت بوجوب ما تقر عينك من الصلاة في هذين الوقتين، كقوله تعالى ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله? : "كتب علي النحر ولم يُكتب عليكم، وأُمرت بصلاة الضحى ولم تُؤمروا بها"، رواه الدارقطني في كتاب "المجتني" عن ابن عباس، وهما الوقتان اللذان يخلو [فيهما] المحب مع المحبوب، يعني: وحق قربك عندنا، وزُلفاك لدينا، إنا ما ودعناك ولا قليناك. ثم لا يخلو تعلق الوداع بالضحوة والقلي بالليل من لطيفة، قال ابن عطاء: "ما حجبك عن قُربه حين بعثك إلى خلقه".

стр. 9161

بيانه قوله: (أَنْ يَاتِيَهُمْ بَاسُنا ضُحًى)] الأعراف: ٩٨ [في مقابلة (بَياتاً). (سَجى) سكن وركد ظلامه. وقيل: ليلة ساجية: ساكنة الريح. وقيل معناه: سكون الناس والأصوات فيه. وسجا البحر: سكنت أمواجه. وطرف ساٍج: ساكن فاتر. (ما وَدَّعَكَ) جواب القسم، ومعناه: ما قطعك قطع المودع. وقرئ: بالتخفيف، يعني: ما تركك، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وقيل: ليلة ساجية: ساكنة الريح)، بيان لما سبق. ويجوز أن يكون وجهاً آخر، قال في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [غافر: ٦١]: "الليل يجوز أن يوصف بالسكون على الحقيقة، ألا ترى إلى قولهم: ليل ساج، وساكن لا ريح فيه". قوله: (وقرئ بالتخفيف، يعني: ما تركك)، قال ابن جني: "وهي قراءة النبي? وعروة ابن الزبير، وهي قليلة الاستعمال، قال سيبويه: استغنوا عن وذر وودع بقولهم: ترك، على أنها جاءت في شعر أبي الأسود، وأنشدناه أبو علي: ليت شعري عن خليلي ما الذي غاله في الحُب حتى ودعه إلا أنهم قد استعملوا مضارعه". وقلت: وقد جاء في شعر المتنبي: يَشُقكم بقناها كل سَلْهَبة والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع وإنما حسن هذه القراءة الموافقة بين الكلمتين، كأنه قيل: ما تركك وما قلاك، ومُؤدى معنى المشهورة إلى هذا، لأن التوديع أمارة المحبة، وقصدهم غاية البغض، ولذلك قال: "التوديع: مبالغة في الوداع"، ونظيره ما جاء في الحديث: "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا

стр. 9162

قال: وثمّ ودعنا آل عمرو وعامر … فرائس أطراف المثقّفة السّمر والتوديع: مبالغة في الودع؛ لأنّ من ودّعك مفارقًا فقد بالغ في تركك. روى أنّ الوحي قد تأخر عن رسول الله ﷺ أيامًا، فقال المشركون: إنّ محمدًا ودعه ربه وقلاه. وقيل: إنّ أم جميٍل امرأة أبى لهب قالت له: يا محمد، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الترك ما تركوكم"، لما في كل من الفقرتين من رد العجز على الصدر، وفي كليهما من صنعة الترصيع ما جبر منه. قوله: (وثم ودعنا آل عمرو) البيت، ودعنا: تركنا. فرائس: جمع فريسة، وهي صيد الأسود. والمثقفة: الرماح المقومة. والسُّمر: جمع أسمر، وهو لونه؛ يقول: تركنا في ذلك المقام قتلى آل عمرو وآل عامر، فرائس أطراف الرماح مجروحين مقتولين. قوله: (وقيل: إن أم جميل)، عن البخاري ومسلم والترمذي، عن جندب قال: اشتكى رسول الله? ، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، فلم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فنزلت. وفي رواية: أبطأ جبريل ﵇ على رسول الله? ، فقال المشركون: قد وُدِّع محمد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾.

стр. 9163

ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت. حذف الضمير من (قَلى) كحذفه من (الذَّاكِراتِ) في قوله: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ)] الأحزاب: ٣٥ [يريد: والذاكراتة ونحوه: (فَآوى، فَهَدى، فَأَغْنى)، وهو اختصار لفظي لظهور المحذوف. [(وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)] ٤ - ٥ [ فإن قلت: كيف اتصل قوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) بما قبله؟ قلت: لما كان في ضمن نفى التوديع والقلي، أنّ الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله ولا ترى كرامةً أعظم من ذلك ولا نعمةً أجل منه: أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك وأجل، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وهو اختصار لفظي)، يعني: اختصر وحذف المفعول ليوافق الفواصل بدلالة: "ما ودعك" عليه. قوله: (لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك)، قال الإمام: "ويمكن أن يقال: إن المعنى: ولأحوال الآتية خير لك من الماضية، كانه تعالى وعده بأنه سيزيده كل يوم عزاً إلى عز، ومنصباً إلى منصب". وقال الإمام أيضاً: "لما نزلت ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، حصل له بهذا تشريف عظيم، فكأنه استعظم ذلك، فقيل له: ﴿وَلَلْأخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى﴾، يعني: هذا التشريف وإن كان عظيماً، إلا ما لك عند الله في الآخرة أعظم وأعلى". وقلت: ويمكن أن يقال: وللآخرة خير لك في الاتصال والمحبة من الأولى، فيكتسب المعطوف من المعطوف عليه هذا المعنى، كما اكتسب المعطوف عليه منه معنى الأولية؛ فإن ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ و ﴿وَمَا قَلَى﴾، معناه: قربك وأحبك في الدنيا، بدليل "وللآخرة"؛ وإن معنى ﴿خَيْرٌ لَّكَ﴾، خير فيما يزلفك ويمنحك المحبة، بدلالة ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ و ﴿وَمَا قَلَى﴾، إذ لا ينبغي أن يشاب

стр. 9164

وهو السبق والتقدّم على جميع أنبياء الله ورسله، وشهادة أمته على سائر الأمم، ورفع درجات المؤمنين وإعلاء مراتبهم بشفاعته، وغير ذلك من الكرامات السنية. (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) موعد شامل لما أعطاه في الدنيا من الفلج والظفر بأعدائه يوم بدٍر ويوم فتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجًا، والغلبة على قريظة والنضير وإجلائهم، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وهدم بأيديهم من ممالك الجبابرة وأنهبهم من كنوز الأكاسرة، وما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب من الرعب وتهيب الإسلام، وفشوّ الدعوة واستيلاء المسلمين، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الاتصال والمحبة بمعنى آخر للطفهما، ويكون قوله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، معطياً جميع ما أحصاه المصنف وما لا يُحصى لإطلاقه. وأيضاً يتصل ﴿وَالضُّحَى (وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾، بهذه الآية اتصاله بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، فتصير الآيات من التثاني، ويتحقق فيها معنى المثاني. قوله: (وإعلاء مراتبهم بشفاعته)، الانتصاف: "وإخراج العُصاة من النار بشفاعته". قوله: (من الفلج)، بالجيم. الجوهري: "الفلج: الظَّفَر والفوز". النهاية: "وقد فلج أصحابه وعلى أصحابه: إذا غلبهم، والاسم: الفلج، بضم الفاء". قوله: (وما فتح على خلفائه)، عطف على "ما أعطاه"، و"ما" موصولة، والعائد محذوف، وكذا قوله: "وما قذف". قوله: (وأنهبهم)، أي: جعلهم متمكنين من النهب. و"أنهب" متعد إلى مفعولين، وحذف أحدهما وهو العائد إلى الموصول، أي: لما أنهبوه، يقال: أنهب الرجل ماله الناس. قوله: (وفشو الدعوة)، قيل: هو عطف على "ما" لا على "الإسلام". الرعب، "إذ ليس مما قُذف في القلوب، وفيه نظر لما سيجيء".

стр. 9165

ولما ادّخر له من الثواب الذي لا يعلم كنهه إلا الله. قال ابن عباٍس ﵄: له في الجنة ألف قصٍر من لؤلٍؤ أبيض ترابه المسك. فإن قلت: ما هذه اللام الداخلة على سوف؟ قلت: هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف تقديره: ولأنت سوف يعطيك، كما ذكرنا في: لا أقسم، أن المعنى: لأنا أقسم؛ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (ولما ادخر له من الثواب)، عطف على قوله: (لما أعطاه في الدنيا). واعلم أنه راعى في هذه المعطوفات ترتيباً غريباً، لأن الموعد إما أمر يتعلق بالدنيا أو بالآخرة؛ فما يتعلق بالدنيا: أما ما يختص به صلوات الله عليه، فهو الذي أراده بقوله: "من الفلج والظفر بأعدائه". أو بخلفائه الراشدين، فهو قوله: "ما فتح في أقطار الأرض من المدائن". أو بأمته من بعده، فهو المراد كم قوله: "ما قذف في قلوب أهل الشرق والغرب"، إلى قوله: "واستيلاء المسلمين"، لأن ما يختص بالأمة إما النهب أو الإستيلاء، لأنهم ما فتحوا المشرف والمغرب. ولما فرغ من ذكر أحوال الدنيا وشرع في أحوال الآخرة، أعاد اللام في المعطوف ليؤذن بالفرق بين المعطوفات، فظهر من هذا أن قوله: "وفشو الدعوة"، عطف على "الإسلام"، أي: تهيب فشو الدعوة والاستيلاء. قوله: (هي لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف)، قال ابن الحاجب: "هي لام التأكيد وليست لام الابتداء. وقول من قال: إنها لام الابتداء دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ فاسد، لأن اللام مع المبتدأ كـ "قد" مع الفعل و "إن" مع الاسم، فكما لا يحذف الاسم والفعل وتبقى "إن" و"قد"، كذلك لا تبقى اللام بعد حذف الاسم. وأيضاً اللام في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [النحل: ١٢٤]، لمجرد التأكيد، مثلها في قولك: إن زيداً لقائم، ولا يصح أن تكون للحال، لأن المعنى هو الاستقبال. وقد صرح في "مفصله": "ويجوز عندنا: إن زيداً لسوف يقوم، ولا يجيزه الكوفيون"، ولو كانت للحال لتناقض مع (سوف) ".

стр. 9166

وذلك أنها لا تخلو من أن تكون لام قسٍم أو ابتداٍء؛ فلام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التأكيد، فبقى أن تكون لام ابتداٍء، ولام الابتداء لا تدخل إلا على الجملة من المبتدأ والخبر، فلا بد من تقدير مبتدأ وخبر، وأن يكون أصله: ولأنت سوف يعطيك. فإن قلت: ما معنى الجمع بين حرفي التوكيد والتأخير؟ قلت: معناه أن العطاء كائن لا محالة وإن تأخر، لما في التأخير من المصلحة. [(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى)] ٦ - ٨ [ عدّد عليه نعمه وأياديه، وأنه لم يخله منها من أول تربيه وابتداء نشئه، ترشيحًا لما أراد به؛ ليقيس المترقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير والكرامة، ولا يضيق صدره ولا يقل صبره. و (أَلَمْ يَجِدْكَ) من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا وجد. والمعنى: ألم تكن يتيمًا، وذلك أنّ أباه مات وهو جنين قد أتت عليه ستة أشهر، وماتت أمّه، وهو ابن ثماني سنين، فكفله عمه أبو طالب، وعطفه الله عليه فأحسن تربيته. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وقلت: قد نص في "مريم" أن اللام مخلصة للتأكيد، ولا بأس بحذف المبتدأ، والفرق بين هذه اللام و"إن" و"قد"، أنهما مؤثران في المدخول عليه مع التوكيد بخلاف هذه اللام، لأن مقتضاها أن تؤكد مضمون الجملة لا غير، وهو باق وإن حُذف المبتدأ. قوله: (بين حرفي التوكيد والتأخير)، أي اللام و"سوف". قوله: (ترشيحاً لما أراد به)، الأساس: "ومن المجاز: هو مرشح للخلافة، وأصله ترشيح الظبية ولدها تعوده المشي". قيل: "ترشيحاً" مفعول له، لقوله: "فلم يُخله"، أو لقوله: "عدد عليه نعمه".

стр. 9167

ومن بدع التفاسير: أنه من قولهم: درّة يتيمة، وأن المعنى: ألم يجدك واحدًا في قريٍش عديم النظير فآواك. وقرئ: (فأوى) هو على معنيين: إما من أواه بمعنى آواه؛ سمع بعض الرعاة يقول: أين آوى هذه الموقسة وإما من: أوى له؛ إذا رحمه، (ضَالًّا) معناه الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (أين آوي هذه الموقسة؟ )، آوي: فعل مضارع من: أوي. الجوهري: "إن بالبعير لوقساً، إذا قارفه شيء من الجرب، فهو بعير موقوس". قوله: (الضلال عن علم الشرائع وما طريقه السمع)، قال الواحدي: "أكثر المفسرين: وجدك ضالاً عن معالم النبوة وأحكام الشريعة، غافلاً عنها فهداك إليها، ودليله قوله: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وقوله: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وهو اختيار الزجاج"، وسيجيءفي سورة "الكافرون"، أنه? قبل البعثة على أي ملة كان. وقال الجُنيد: "وجدك متحيراً في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ﴾ [النحل: ٤٤]. وقال بعضهم: وجدك غافلاً بقدر نفسك، فأشرفك على عظيم محلك، وأيضاً وجدك ضالاً عن معنى محض المودة، فسقاك كأساً منم شراب القُربة والمودة، فهداك به إلى معرفته. وقال جعفر الصادق: كنت ضالاً عن محبتي لك في الأزل، فممنت عليك بمعرفتي. وقال الجريري: وجدك متردداً في غوامض معاني المحبة، فهداك بلطفه لها". وقلت: هذا ملائم لمعنى الفاتحة. الراغب: "الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية. ويقال الضلال لكل عدول عن النهج، عمداً كان أو سهواً، يسيراً طان أو كثيراً، فإن الطريق المستقيم المرتضى صعب جداً، ولذا قال? : "استقيموا ولن تُحصوا"، وقال بعضهم: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة؛ فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى المقرطس من المرمى،

стр. 9168

كقوله: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ)] الشورى: ٥٢ [. وقيل: ضل في صباه في بعض شعاب مكة، فردّه أبو جهٍل إلى عبد المطلب. وقيل: أضلته حليمة عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لتردّه على عبد المطلب. وقيل: ضل في طريق الشام حين خرج به أبو طالب. فهداك: فعرفك القرآن والشرائع، أو فأزال ضلالك عن جدك وعمك. ومن قال: كان على أمر قومه أربعين سنة، فإن أراد أنه كان على خلوهم عن العلوم السمعية، فنعم؛ وإن أراد أنه كان على دينهم وكفرهم، فمعاذ الله؛ والأنبياء يجب أن يكونوا معصومين قبل النبوّة وبعدها من الكبائر والصغائر الشائنة، فما بال الكفر والجهل بالصانع؟ (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ)] يوسف: ٣٨ [وكفى بالنبي نقيصة عند الكفار أن يسبق له كفر. (عائِلًا) فقيرًا. وقرئ: (عيلا) كما قرئ: (سيحات)، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ وما عداه من الجوانب كلها ضلال. فإذا كان الضلال ترك المستقيم عمداً أو سهواً، قليلاً أو كثيراً، صح أن يستعمل الضلال في من يكون منه خطأ ما، ولذلك نُسب إلى الأنبياء والكفار، وإن كان بينهما بون بعيد، قال في حق نبينا صلوات الله عليه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ وقال أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وقال موسى ﵇: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، أي من الساهين، وقال تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: تنسى. وأما الضلال في معرفة وحدانية الله ومعرفة النبوة ونحوهما، فهو الضلال البعيد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِي﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ". قوله: (كما قرئ: "سيحات")، يعني: قرئ بدل ﴿سَائِحَاتٍ﴾: "سَيِّحات"، وإنما شبهه بذلك لأنه جعل فيها "فيعل" مكان "فاعل".

стр. 9169

وعديمًا، (فَأَغْنى) فأغناك بمال خديجة. أو بما أفاء عليك من الغنائم. قال ﵇: «جعل رزقي تحت ظل رمحي» وقيل: قنعك وأغنى قلبك. [(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)] ٩ - ١١ [ (فَلا تَقْهَرْ) فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه. وفي قراءة ابن مسعود: (فلا تكهر) وهو أن يعبس في وجهه. وفلان ذو كهرورة: عابس الوجه. ومنه الحديث: فبأبي وأمي هو، ما كهرني. النهر، والنهم: الزجر. عن النبي ﷺ : «إذا رددت السائل ثلاثًا فلم يرجع، فلا عليك أن تزبره». وقيل: أما إنه ليس بالسائل المستجدي، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (وعديماً)، أي: وقرئ: عديماً، وفي "الموضح" أنها قراءة ابن مسعود. قوله: (فبأبي وأمي هو، ما كهرني)، الحديث من رواية مسلم وأبي داود والنسائي، عن معاوية بن الحكم السُّلمي، قال: "بينما أنا أصلي مع رسول الله? ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكل أماه! ما شأنكم تنظرون؟ وجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمتونني سكت. فلما صلى رسول الله? ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، فقال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيئ من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح والتكبير". قوله: (أن تزبره)، الجوهري: "الزبر: الزحر والمنع، يقال: زَبَره يزبُره بالضم: إذا انتهره". قوله: (أما إنه ليس بالسائل المستجدي)، أي: لم يرد بهذا السائل من يطلب الجدوى، أي: العطاء، ولكن أُريد به طالب العلم.

стр. 9170

ولكن طالب العلم: إذا جاء فلا تنهره. التحديث بنعمة الله: شكرها وإشاعتها، يريد: ما ذكره من نعمة الإيواء والهداية والإغناء وما عدا ذلك. وعن مجاهد: بالقرآن، فحدث: أقرئه، وبلغ ما أرسلت به. وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح يقول: رزقني الله البارحة خيرًا: قرأت كذا وصليت كذا، فإذا قيل له: يا أبا فراس مثلك يقول مثل هذا؟ قال: يقول الله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)] الضحى: ١١ [وأنتم تقولون: لا تحدث بنعمة الله. وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف، وأن يقتدي به غيره، وأمن على نفسه الفتنة. والستر أفضل، ولو لم يكن فيه إلا التشبه بأهل الرياء والسمعة لكفى به. وفي قراءة على ﵁: (فخبر) والمعنى: أنك كنت يتيمًا، وضالًا وعائلًا، فآواك الله، وهداك: وأغناك؛ فمهما يكن من شيٍء وعلى ما خيلت فلا تنس نعمة الله عليك في هذه الثلاث. واقتد بالله، فتعطف على اليتيم وآوه، فقد ذقت اليتم وهوانه، ورأيت كيف فعل الله بك؛ وترحم على السائل وتفقده بمعروفك ولا تزجره عن بابك، كما رحمك ربك فأغناك بعد الفقر؛ وحدّث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتديًا بالله في أن هداه من الضلال. عن رسول الله ﷺ : «من قرأ سورة "والضحى"، جعله الله فيمن يرضى لمحمٍد أن يشفع له، وعشر حسناٍت يكتبها الله له بعدد كل يتيٍم وسائٍل». ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قوله: (عن عبد الله بن غالب)، في "الكاشف في أسماء الرجال": "هو عبد الله بن غالب البصري الحُداني، بضم الحاء المهملة والنون، كان عابداً واعظاً قانتاً متبتلاً، روى عن أبي سعيد الخدري ﵁، وروى عنه قتادة والقاسم بن فضل. قتل يوم الجماجم في سنة ثلاث وثمانين". قوله: (فمهمايكن من شيء)، يريد أن موقع "أما" مع مدخولها بعد قوله ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ

стр. 9171

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يَتِيمًا فَآوَى﴾، موقع الحكم الذي ترتب على الوصف المناسب، فيجب المداومة عليه، لأن معنى "أما" الشرطية على تفسير سيبويه، في نحو قولهم: أما زيد فذاهب، هو: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب. وفائدته التوكيد، يعني أنه لا محالة ذاهب، وأنه منه عزيمة، ولذلك قال: "وعلى ما خَيَّلت، أي: النفس، فلا تنس رحمة الله". وقيل: فاعل "ما خَيَّلت" الحال، أي: على أي حال كنت، يقولون: افعل على ما خَيَّلته، أي: ما شُبهت الحال. واعلم أن في كلامه إشعاراً بأن قوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، جاء مقابلاً لقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، وقوله: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، مقابلاً لقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، لقوله: "وترحم على السائل كما رحمك ربك فأغناك". وأما قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فجيء على العموم، فدخل تحته مفهوم القرينة الثانية، وهو قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ أول شيء، وإليه الإشارة بقوله: "وحدث بنعمة الله كلها، ويدخل تحته هدايته الضلال، وتعليمه الشرائع والقرآن، مقتدياً بالله في أن هداه من الضلال". وقلت: الظاهر أن المراد بالسائل طالب العلم لا المستجدي، ولذلك أتى بكلمة التنبيه وحرف الاستدراك في قوله: "أما إنه ليس بالسائل المستجدي، ولكن طالب العلم"؛ فالجمل الثلاث المصدرة بـ "أما"، كالتفصيل لتلك الحالات الثلاث على الترتيب، ولذلك أتى بالفاء في الأولى، وعطف الآخران عليها بالواو. نعم، الثالثة من الجوامع التي تشتمل على المذكورات وغير المذكورات. ويؤيد هذا التأويل، ما رواه الإمام عن الحسن أنه قال: "المراد من السائل من يسأل العلم، ونظيره من وجه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: ١]، وحينئذ يحصل الترتيب،

стр. 9172

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لأنه تعالى قال أولاً: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، ثم اعتبر هذا الترتيب فأوصاه برعاية حق اليتيم، ثم برعاية من يسأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشكر نعم الله عليه". فإن قلت: ما الحكمة في تأخير حق الله عن حق اليتيم والسائل؟ قلنا: فيه وجوه: أحدها كأنه يقول: أنا غني وهما محتاجان، وتقديم المحتاج أولى. وثانيها أنه وضع في حظهما الفعل ورضي لنفسه بالقول. وثالثها أن المقصود من جميع الطاعات استغراق القلب في ذكر الله فختمت به. وأُوثر ﴿فَحَدِّثْ﴾ على "فخبِّر"، ليكون ذلك عنده حديثاً لا ينساه، ويوجده ساعة غب ساعة؛ قاله الإمام. تمت السورة * … * … *

стр. 9173

سورة (ألم نشرح) مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [(أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ)] ١ - ٤ [ استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك؛ ولذلك عطف عليه (وضعنا) اعتبارًا للمعنى. ومعنى: شرحنا صدرك: فسحناه حتى وسع هموم النبوّة ودعوة الثقلين جميعًا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ مكية، وهي ثماني آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: (فأفاد إثبات الشرح وإيجابه)، أي: أنكر عدم الشرح، فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح، لأن الهمزة للإنكار، والإنكار نفي، والنفي إذا دخل على النفي عاد إثباتاً، ولا يجوز جعل الهزة للتقرير. قوله: (فسحناه حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين جميعاً)، فإن قلت: لم فسر هاهنا شرح الصدر أجمع وأشرح من تفسيره في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥]، حيث قال: "لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغي، عرف أنه كُلف أمراً عظيماً وخطباً جسيماً،

стр. 9174

أو حتى احتمل المكاره التي يتعرض لك بها كفار قومك وغيرهم، أو فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. وعن الحسن: مليء حكمةً وعلمًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط وصدر فسيح، فاستوهب ربه أن يشرح صدره؟ ". قلت: إن الهموم بقدر الهمم، ونعم ما قال الصاحب: وقائلة لم عزتك الهموم وأمرك ممتثل في الأمم؟ فقلت: ذريني على غُصتي فإن الهموم بقدر الهمم ولكل مقام مقال؛ فإن الكليم حين بعث إلى فرعون الطاغي، طلب الانشراح كما قال: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٤ - ٢٥]، والحبيب لما طُلب إلى مقام ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]، قيل له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، كما يجيء في حديث مالك بن صعصعة. وقال جعفر الصادق: "ألم نشرح لك صدرك لمشاهدتي ومُطالعتي. وقال ابن عطاء: ألم نخل سرك عن الكل، فغبت عن مشاهدة الكون وما سوى الحق، فشرح صدرك للنظر، وشرح صدر موسى للكلام. وقال سهل: ألم نوسع صدرك بنور الرسالة، فجعلناه معدناً للحقائق". قوله: (وعن الحسن: مُلئ حكمة وعلماً)، لعله يشير إلى ما رويناه عن البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن مالك بن صعصعة، عن النبي? : "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان، فأُتيت بطست من ذهب فيها ماء زمزم، فشُرح صدري إلى كذا وكذا. قال قتادة: يعني لأنس: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، قال: فاستخرج قلبي فغُسل بماء زمزم، ثم أُعيد مكانه، ثم حُشي إيماناً وحكمة، ثم أُتي بدابة دون البغل وفوق الحمار" الحديث بطوله.

стр. 9175

وعن أبي جعفر المنصور أنه قرأ: (ألم نشرح لك) بفتح الحاء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قال الإمام: "لا يبعد أن يكون حصول الدم الأسود الذي غسلوه من قلبه صلوات الله عليه، علامة الميل والركون إلى المعاصي والتحجم عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة كون صاحبة مواظباً على الطاعات محترزاً عن السيئات، يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد". الراغب: " أصل الشرح بسط اللحم ونحوه، يقال: شرحت اللحم وشرحته، ومنه شرح الصدر، وهو بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه". قوله: (قرأ: "ألم نشرح" بفتح الحاء)، أصله: "نشرحن"، فحذف وأبقى فتحة الحاء دليلاً على النون في "المنتقى"، قال ابن جنى: "رويت عن أبي جعفر المنصور: "ألم نشرح"، بفتح الحاء، قال ابن مجاهد: "هذا غير جائز أصلاً". وقال ابن جني: "ظاهر الأمر ومألوف الاستعمال ما ذكره ابن مجاهد، لكن جاء مثل هذا فيما قرأت على أبي علي في نوادر أبي زيد: من أي يومي من الموت أفر أيوم لم يُقدر أم يوم قُدر؟ قيل: أراد: لم يُقدرن، بالنون الخفيفة، وحذفها عندنا غير جائز، لأن نون التأكيد أشبه شيء به الإسهاب والإطناب، لا الإيجاز والاختصار. وفي نوادر أبي زيد أيضاً بيت آخر، ويقال إنه مصنوع، وهو قوله: اضرب عنك الهموم طارقها ضربك بالسيف قونس الفرس
следующие страницы →