Полный текст (647 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وتظهر ثمرته فيما إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا أربعا فأن قلنا أن المفرق لا يجمع وهو الأصح أوقعنا الثلاث لأن قوله إلا أربعا استثناء من كل منهما وهو باطل للاستغراق وأن جمعنا المفرق فكأنه قال ستا إلا أربعا فتقع اثنتان هـ.
أما قران اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوى المذكور
يعني: أن القرآن بين لفظ الجملتين أو الجمل أو المفردين أو المفردات لا يوجب التسوية بينهما في غير الحكم المذكور هذا هو المشهور، ومذهب الجمهور خلافا لبعض أصحابنا والمزني من الشافعية وأبي يوسف من الحنفية في قولهم يقتضي التسوية في ذلك، وعليه تكون العمرة واجبة كالحج لقرانها معه في قوله تعالى ﴿وأتمو الحج والعمرة لله﴾ مع أن الحكم المذكور معهما وجوب الإتمام قال ابن عباس ﵄ لما سئل عن وجوب العمرة: إنما لقرينته في كتاب الله تعالي، وقال ما من أحد إلا وعليه حجة وعمرة وإنما جعلت المفردات كالجمل وأن لم أر من تعرض إلا للجمل لتمثيلهم بالمفردات كالآية المذكورة مع أن التسوية بينهما أولى. والذي في كتب الحنيفة تخصص تسوية بالجمل الناقصة نحو (فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف واسهدوا) فالجملتان كجملة واحدة والإشهاد في المفارقة غير واجب فكذا في الرجعة بخلاف نحو قوله أقيموا الصلاة وآتو الزكاة فأن كلا من الجملتين مستقلة فلا يقتضي ثبوت حكم في إحداهما ثبوته في الأخرى، أي فلا يقال لا تجب الزكاة فيما للصبي كما لا تجب عليه الصلاة.
ومنه ما كان من الشرط اعد ... للكل عند الجل أو وفقا تفد
يعني: أن من المخصص المتصل ما شابه من أدوات الشرط أن بكسر وسكون أي شابههما في تضمن معناها كذا ولو وجوازم فعلين فالمراد بالشرط اداته مع دخولهما لأنهما إلى الآن على التخصيص أو المراد به تعليق حصول مضمون جملة بحصول مضمون جملة أخرى.
стр. 247
اعلم أن الشرط المذكور هو الشرط اللغوي وهو المخصص المتصل لا الشرط العقلي كالحياة للعلم ولا شرعي كالطهارة لصحة الصلاة ولا العادي كنصب السلك لصعود السطح وإنما كان الأول لغويا لأن أهل اللغة وضعوا نحو أن دخلت الدار فأنت طالق يدل على أن ما دخلت عليه أن هو الشرط الآخر المعلق عليه هو الجزاء وتسمية الشرط اللغوي شرطا والشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم إنما هو بالنظر إلى أصل وضعه وهو شرط بحسب الأصل ثم غلب استعماله بالسببية فيلزم من وجوده الوجود وإنما خص الكلام هنا بالشرط اللغوي لأنه المخصص المتصل إذ غيره لا يكون إلا منفصلا وإن كان قد يخصص. واستشكل تعريف الشرط بأنه ما يلزم من عدمه ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم وذلك شامل للركن إذ يلزم من عدم تكبيرة الإحرام مثلا عدم الصلاة والا يلزم من وجودها، ودجودها فهو غير مانع وأجاب في الآيات البينات بأنه تعريف بالأعم وقد أجازه إلا قدمون وبأن ما بمعنى خارج بقرينة اشتهار الشرط للخارج لا الداخل.
قوله أعد إلخ يعني أن الشرط يعود لكل الجمل المتقدمة عند الجمهور وقيل يعود لها اتفاقا ووجه عوده للكل أن الشرط له صدر الكلام فهو متقدم على مشروطه تقديرا لأن مشروطه دليل الجواب عند البصريين أو هو الجواب عند الكوفيين وضعف بأن الشرط مقدر تقديمه على ما يرجع إليه فلو كان للأخيرة قدم عليها فقط دون الجميع فلا يصح فارقا بين الشرط والاستثناء. مثاله أكره بني تميم وأحسن إلى ربيعة وأخلع على مضر إن جاؤك.
أخرج به وأن على النصف سما ... كالقوم أكرم أن يكونوا كرما
يعني: أنه يجوز الإخراج بالشرط وأن كان المخرج أكثر من النصف نحو أكرم القوم أن يكونوا كرماء واللؤماء أكثر قال السبكي ويجوز إخراج الأكثر به وفاقا وفي حكاية الوفاق تجوز لما قدمه من القول بأنه لابد أن يبقى قريب من دملوله العام. قال المحلى إلا أن يريد وفاق من خالف في الاستثناء فقط فالمراد حينئذ حقيقة الوفاق إلا
стр. 248
أنه وفاق مخصوص وعلى التحوز أراد بالوفاق قول الأكثر فهو قريب من الوفاق قال حلولو وإلا قرب في الجواب أن يحمل ما في التخصيص على ما سوى الشرط.
وأن ترتب علي شرطين ... شيء فبالحصول للشرطين
يعني: أنه إذا ترتب مشروط على شرطين على وجه الجمع بينهما فلا يحصل إلا بحصول ذينك الشرطين معا نحو إن دخلت الدار وكلمت زيدا فأنت طالق ولا مفهوم للتثنية فالشروط كذلك.
وأن على البدل قد تعلقا ... فبحصول واحد تحققا
يعني: أنه إذا علق مشروط على شرطين على سبيل البدل نحو أن كلمت زيدا أو أن دخلت الدار فأنت طالق فأن المعلق يحصل بحصول أحد الأمرين فقط قوله تحقق بالبناء للمفعول أي وجدت حقيقة. ذكر هذه المسألة والت قبلها في شرح التنقيح.
ومنه في الإخراج والعود يرى ... كالشرط قل وصف وأن قبل جرى
يعني: أن الوصف مخصص متصل نحو أكرم بني تميم الفقهاء خرج بالفقهاء غيرهم وهو كالشرط في جواز إخراج الأكثر وفي العود إلى جميع المفردات اتفاقا وإلى جميع الجمل المتقدمة على الأصح هذا حيث تأخر الوصف نحو وقفت هذا على أولادي وأولادهم المحتاجين بل وأن جرى الوصف أولا نحو وقفت هذا على محتاجي أولادي وأولادهم فيعود الوصف الأول للأولاد مع أولادهم وفي الثاني إلى أولاد الأولاد مع الأولا.
وحيثما مخصص توسطا ... خصصه بما يلي من ضبحا
стр. 249
يعني: أن المخصص المتصل المتوسط من صفه واستثناء وشرط وغاية فقد خصصه بعضهم بما قبله كالسبكي قال في الصفة فالمتوسطة ما وليها أيضا والسبكي قال بعد أن تعود إلى ما وليها أيضا والسبكي قال ما قال بعد أن قال لا نعلم فيه نقلا. وقال في الآيات البينات: وسكت المصنف يعني السبكي عن بيان حكم المتوسط من غير الصفة كالاستثناء والشرط والغاية، والظاهر أن الحكم واحد هـ.
وقد صار الشافعي إلى أن الطعام يعطي لمساكين الحرم عملا بقوله تعالى في الهدى ﴿هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين﴾ فقد جعل ما ذكر في الأول يجري فيما يعده وضبط الشيء حفظه.
ومنه عاية عموم يشمل ... لو كان تصريح به لا يحصل
حصل من باب مصر يعني: أن الغاية من قسم المخصص المتصل والغاية منتهى الشيء، والمراد بالغاية غاية صحبها عموم بحيث يشملها من جهة الحكم إذا لم تذكر سواء تقدمت الغاية كأن تقول إلى أن يفسق أولادي وقفت بستاني على أولادي إلى أن يفسقوا فلو لم تأت الغاية لكان وقفا عليهم فسقوا أم لا وكذا قوله تعالى ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ قوله غاية عموم مضاف ومضاف إليه. وقولنا يشملها من جهة الحكم يعني: ومن جهة لتناول أيضا، وعند الآتيان فيها لا يشملها إلا من جهة التناول فقط لأنه عام مخصوص
وما لتحقيق العموم فدع ... نحو سلام هي حتى مطلع
أي دع التخصيص بالغاية المذكورة لتحقيق العموم فيما قبلها إذ ليست مخصصة والتي لتحقيق العموم فيما قبلها قد تكون غير مشمولة لما قبلها كقوله تعالى ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ وقد تكون مشمولة له كما لو قيل: سلام هي إلى آخرها لأن الليلة شاملة لجميع أجزائها، فعلم أن المراد بالعام هنا أعم من العام المحدود أولا الذي هو لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر.
стр. 250
تنبيه مقتضى كلام شهاب الدين عميرة أن المراد بالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية هو الفعل كالسفر في قولهم سافرت من البصرة إلى الكوفة لا محل الفعل من مكان أو زمان وقال الرضى أن المراد بالغاية المسافة.
وهي لما قبل خلا تعود ... وكونها لما تلى بعيد
يعني: أن الغاية تعود لجميع ما تقدمها مما يمكن عودها له على رأي الأكثر والقول بأنها تعود لما وليته فقط بعيد لضعفه وقولنا مما يكن إحترازًا عما لا يمكن عودها له فلا تعود له اتفاقًا كسائر المخصوصات.
وبدل البعض من الكل يفي ... مخصصًا لدى أناس فاعرف
يعني: أن بدل البعض من الكل ذكره من المخصصات المتصلة أناس من الأصوليين الإمام الشافعي وابن الحاجب، نحو أكرم الناس العلماء. وفي قصيدة أبي حيان التي امتدح بها الشافعي أنه الذي استنبط علم الأصول وأنه الذي يقول بتخصيص العموم ببدل البعض وبدل الإشتمال نحو أعجبني أهل المجلس حديثهم فإنه يرجع إلى بدل البعض. قال السبكي ولم يذكر الأكثرون وهو به الشيخ الإمام لأن المبدل منه في نية الطرح فلا تحقق فيه لمحل يخرج منه فلا تخصيص به فكأن المبدل منه معدوم حقيقة وكأن البدل ذكر ابتداء وهذا لا يجرى في الاستثناء لأن المستثنى منه ليس في نية الطرح بل هو المقصود بالذات.
وسم مستقله منفصلاً ... للحس والعقل نماه الفضلا
هذا هو القسم الثاني وهو المخصص المنفصل وهو ما يستقل بنفسه من لفظ أو غيره، ومعنى استقلاله بنفسه أنه لا يحتاج إلى ذكر
стр. 251
العام معه. وبدئنا بغير اللفظ لقلته وهو حسي ونعني به غير الدليل السمعي من المشاهد واللمس والذوق والسمع غير الدليل السمي كما في قوله تعالى في الريح المرسلة على عاد ((تدمر كل شيء)) فإننا ندرك بالمشاهدة ما لا تدمير فيه أي هلاك كالسماء.
وعقلي كما في قوله تعالى ((الله خالق كل شيء)) فليس خالقًا لنفسه لاستحالته عقلاً. فالتخصيص بالعقل هو أن يكون العقل مانعًا من ثبوت الحكم لذلك المخصوص أي المخرج من العام.
والتخصيص بالحسن هو أن يكون الحسن كالمشاهدة مانعًا مما ذكر؟
وخصص الكتاب والحديث به ... أو بالحديث مطلقًا فلتنتبه
خصص أمر للإباحة يعني: أنه يجوز تخصيص كل من الكتاب والحديث بكل واحد منهما وهذا وما بعده هو قسم المخصص اللفظي المنفصل أما تخصيص الكتاب به فكما في قوله تعالى ((والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)) خص من جهة شموله للحوامل بقوله تعالى ((وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)) ومن جهة شموله لغير المدخول بهن بقوله تعالى ((فما لكم عليهن من دة تعتدونها)) كما خص قوله تعالى ((والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا)) بقوله ((وأولات الأحمال)) الآية ومنع بعض الظاهرية تخصيص الكتاب به لأن التخصيص تبيين فلا يحصل إلا بالحديث لقوله تعالى ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)) ورد بأنه تبيينه يصدق لما نزل إليه من القرآن والحديث وكذا يجوز تخصيص الحديث متواترًا كان أو آحادًا كان قولاً أو فعلاً أو تقريرًا بالقرآن كما في خبر الحاكم وغيره (ما قطع من حي فهو ميت) خص عمومه بقوله تعالى ((ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها)) الآية وكذا يجوز تخصيص الحديث به كانا متواترين أو آحادًا أو مختلفين كما في حديث (فيما سقت السماء العشر) خص بقوله (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) وكذا يجوز تخصيص القرآن بالحديث ولو كان خبر آحاد قال في التنقيح: ويجوز عندنا وعند الشافعي وأبي حنيفة تخصيص
стр. 252
الكتاب بخبر الواحد، كما أشار له بقوله مطلقًا يعني متواترًا كان أم لا فيجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد عند الجمهور مطلقًا وقيل لا مطلقًا وإلا لترك القطعى بالظنى وأجيب بأن محل التخصيص دلالة العام وهي ظنية والعمل بالظنيين أولى من إلغاء أحدهما وبالوقوع أيضًا كتخصيص (يوصيكم الله في أولادكم) الشامل للأنبياء وللكافر بقوله ﷺ (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) وبقوله (لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) ثالث الأقوال لابن أبان:
يجوز أن خص بقطعي كالعقل.
واعتبر الإجماع جل الناس ... وقسمي المفهوم كالقياس
يعني: أن الجمهور جوزوا تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع ومنع ذلك أهل الظاهر كقوله تعالى ((أو ما ملكت إيمانكم)) أخرج منه بالإجماع أخت الرضاع وموطوءة الآباء والأبناء قاله في التنقيح وشرحه، إلا أن هذه الأمثلة مخرجة بالكتاب أيضًا، إلا أن يقال يصح الاستشهاد بها من جهة كونها إجماعية مع أن التخصيص في الحقيقة بدليل الإجماع لا به ولذا لم يذكره السبكي.
قوله وقسمي المفهوم يعني أنه يجوز تخصيص الكتاب والسنة بمفهوم الموافقة أي باللفظ الدال عليه وسواء كان أولى أو مساويًا. وقد نقل السبكي في شرح المختصر الإجماع على جوازه وصرح به الآمدي، ودليل جوازه أن أعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما وقد وقع في حديث البخاري (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) العرض بقوله مطلني والعقوبة بالحبس خص بقوله تعالى ((فلا تقل لهما أف)) ففحواه تحريم أذاهما بالحبس فلا يحبس الوالد بدين الولد ولا فرق بين الأب والأم قال في المدينة: ولا يحسبان في دينه وكذا يجوز التخصيص بمفهوم المخالفة في الأرجح أي باللفظ الدال عليه وقيل لا لأن دلالة العام على ما دل عليه المفهوم بالمنطوق وهو مقدم على المفهوم وهو الذي نقله الباجي عن أكثر أصحابنا ويجاب بأن المقدم عليه منطوق خاص لا ما هو من أفراد العام فالمفهوم مقدم عليه لأن
стр. 253
إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كتخصيص حديث (في أربعين شاة) بمفهوم حديث في الغنم السائمة زكاة عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة.
قوله كالقياس يعني: أنه يجوز التخصيص لكتاب أو سنة بالقياس المسند إلى نص خاص ولو كان خبر واحد، وبه قال الأئمة الأربعة والأشعري والجمهور كتخصيص قوله تعالى ((الزانية والزاني)) الآية بقوله ((فإن اتين بفاحشة فعليهن)) الآية والحق العبد بالأمة في التشطير خلافًا للرازي من الشافعية من منعه مطلقًا وللجبائي من المعتزلة في منعه إن كان خفيًا، ولعيسى بن ابان من الحنفية أن لم يخص مطلقًا إلى غير ذلك من الأقوال.
(والعرف حيث قارن الخطاب). العرف بالنصب معطوف على الإجماع يعني أن نصوص الشريعة لا يخصصها من العوائد إلا ما كان مقارنًا لها في الوجود عند النطق بها. أما الطارية بعدها فلا تخصصها.
قال في التنقيح: وعندنا العوائد مخصصة للعموم. قال الإمام: إن علم وجودها في زمن الخطاب وهو متجه اه.
وكذلك تخصص غير النصوص الشرعية فإذا وقع البيع حمل الثمن على العادة الحاضرة في النقد لا على ما يطرأ من العادة بعده، قال في شرح التنقيح وكذلك النذر والإقرار والوصية إذا تأخرت العوائد عنها لا تعتبر اه.
(ودع ضمير البعض والأسبابا): أي اترك التخصيص برجوع الضمير إلى بعض أفراد العام لأنه لا يخصص في مذهب مالك والأكثر واختاره ابن الحاجب وغيره. وعن الشافي وأكثر الحنفية تخصيصه به وظاهر كلام ابن الحاجب أن إعادة ظاهرة الظاهر كإعادة الضمير وقال الرهوني: الظاهر أنه يحمل في الظاهر على المعهود كقوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ثم قال بعد ذلك: ((وبعولتهن أحق بردهن، فالضمير في بعولتهن وفي بردهن راجع للرجعيات ويشمل قوله: ((والمطلقات)) معهن البوائن وقيل: لا يشملهن ويؤخذ
стр. 254
حكمهن من دليل آخر، قوله: والا سبابًا، أي دع التخصيص بصور الأسباب التي ورد لأجلها العام فلا يختص العام بها بل يبقى على عمومه كما هو المشهور عن مالك والشافعي، وقيل: يقصر على سببه قال الأبهري وهو مذهب مالك ومحل الخلاف إذا لم تدل قرينة على قصره عليه وإلا اختص به بلا خلاف كقوله ﵊ عند رؤية الرجل الذي ظلل عليه (ليس من البر الصيام في السفر) وكذا لا خلاف في عمومه إذا دلت قرينة على التعميم كقوله تعالى ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) الآية، فإن سببها رجل سرق رداء صفوان ابن أمية فالإتيان بالسارقة معه قرينة دالة على التعميم ومثال المختلف فيه حديث الترمذي وغيره (قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة- وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن- فقال أن الماء طهور لا ينجسه شيء) أي مما ذكر وغيره وقيل مما ذكر وهو ساكت عن غيره فمن عمم نظر لظاهر اللفظ ومن قصره على السبب نظر لوروده فيه وبضاعة بالضم والكسر اسم لصاحب البير أو لموضعها والحيض بكسر الحاء المهملة وفتح المثناة مخففة الخرق التي يمسح بها دم الحيض والملقى له السيول أو الريح أو المنافقون والنتن بمعنى المنتن وذكر ما وافقه من مفرده يعني: فلتترك أيضًا التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام قال في التنقيح: وذكر بعض العموم لا يخصصه خلافًا لأبي ثور يعني: أنه قال يقصره على ذلك البعض بمفهومه إذ لا فائدة لذكره إلا ذلك، ورد بأن مفهوم اللقب ليس بحجة عند الجمهور وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام وهذه المسألة أعم من مسألة عطف الخاص على العام والعكس فالمراد على أن يحكم على الخاص بما حكم به على العام سواء ذكرا في لفظ واحد كقوله تعالى ((حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)) أو ذكر كل على حدته كحديث الترمذي وغيره (أيما أهاب دبغ فقد طهر) مع حديث مسلم (أنه ﷺ مر بشاة ميتة فقال هلا أخذتم أهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا أنها ميتة فقال إنما حرم أكلها) قال بعضهم الانتفاع يستلزم الطهارة لأن إطلاق الانتفاع يستلزم ذلك إذ من أفراده ما يتوقف على الطهارة كالصلاة فيه أو عليه وإرادة بعض الانتفاعات من غير بيان مما لا فائدة فيه قاله في الآيات البينات وأبو
стр. 255
ثور نقل عنه في التمهيد أنه يخرج بالحديث الثاني ما لايؤكل لحمه وفي المحصول عنه انه يخرج به غير جلود الشياه.
تنبيهان: الأول قول بعضهم أن قوله تعالى: ((فيهما فاكهة ونخل ورمان)) عطف خاص وهو الرمان على عام. إن أراد العام والخاص اللغويين فصحيح وإن أراد الاصطلاحين فلا لأن الأول مطلق والثاني مقيد، ورد القرافي في استدلال بعضهم بنهيه ﵊ عن بيع ما لم يضمن ونهيه عن بيع الطعام قبل قبضه بأن الأول مطلق والثاني مقيد والمطلق يحمل على المقيد.
قال القرافي: هذا غلط بل هذا من ذكر بعض أنواع العام وهو لا يخصص وإنما التقييد زيادة قيد على الماهية نحو (تحرير رقبة) وفي آية أخرى (تحرير رقبة مؤمنة).
الثاني: ناظر إسحاق بن راهوية الشافعي وأحمد بن حنبل حاضر في جلود الميتة إذا دبغت فقال الشافعي دباغها طهورها واستدل بأنه ﷺ مر بشاه ميتة فقال هل انتفعتم بجلدها فقال إسحاق حديث ابن عليم كتب إلينا ﷺ قبل موته بشهر لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب أشبه أن يكون ناسخاً للحديث الأول لأن هذا قبل موته بشهر فقال الشافعي هذا الكتاب وذلك سماع فقال إسحاق: كتب ﷺ إلى كسرى وقيصر وكان حجة عليهم عند الله فسكت الشافعي فرجع أحمد إلى حديث إسحاق وأفتى به ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي أهـ. من الطبقات السبكية. (ومذهب الراوي على المعتمد).
مذهب النصب معطوف هو وقوله وذكر والأسباب على ضمير البعض يعني: أن قول الراوي للعام بخلافه لا يخصصه ولو كان من الراوي صحابيا. قال في التنقيح: ومذهب الراوي لا يخضض عند مالك والشافعي خلافاً لبعض أصحابنا وبعض أصحاب الشافي هـ. وقيل: إن كان صحابياً خصص مذهبه بخلاف التابعي واختاره القرافي. ومعنى تخصيصه له قصره على ما عدا محل المخالفة، حجة القول الثاني أن المخالفة لا تصدر إلا عن دليل واجب من جهة أهل القول الأول الذين هم مالك والجمهور بأن الدليل في ظن
стр. 256
المخالف لا في نفس الأمر وليس ليغره إتباعه فيه لأن المجتهد لا يقلد مجتهدًا مع أن الأصل بقاء العام على عمومه وحجة التفصيل أن الصحابي إذا خالف مرويه دل ذلك على أنه أطلع منه ﷺ على قرينة حالية دلت على تخصيص ذلك العام وأنه ﵇ أطلق العام وأراد به الخاص وحده والتابعي الذي لم يشاهده لا يتأتي فيه ذلك مثاله حديث البخاري من رواية ابن عباس (من بدل دينه فاقتلواه) مع قوله أن ثبت عنه ان المرتدة لا تقتل.
وقولنا أن ثبت عنه إشارة إلى تضعيفه فان في سنده عبد الله بن عيسي الجزري فانه كذاب يضع الأحاديث ويحتمل أنه يرى أن من الشرطية لا تتناول المؤنث فلا تكون مخالفة في المتدة أن ثبت من التخصيص لمرويه قاله المحشيان.
واجزم بادخال ذوات السبب ... وأرو عن الإمام ظنا تصب
أما كون العام لا يقصر على صورة السبب التي ورد عليها فقد تقدم والمراد هنا أنها تدخل في ذلك العام جزماً أي قطعا عند الأكثر لوروده فيها لكنها قطعية بالقرينة لا بالوضع والمراد القرينة القطعية وإلا فمطلق القرينة لا يفيد القطع.
قوله وأرو أم من الراوية يعني: أن القرافي روى عن الإمام مالك أن دخول صورة السبب ظني ويعزي إلى الحنفية لدخولها في العام فعلى أنها قطعية لا تخرج منه بالاجتهاد وعلى القول الآخر بالعكس واستشكل محل الخلاف لأنه إن كان فرض المسألة وجود قرينة قطعية على ارادة السبب فكيف يسوغ القول بظن الدخول وإن كان غرضها انتفاء القرينة المذكورة فكيف يسوغ القول بالقطع وإن كان فرضها أعمل من وجود تلك القرينة وعدم وجودها فلا وجه لإطلاق واحد من القولين وأجاب في الآيات البينات بما لفظه اللهم إلا أن يكون منشأ الخلاف أن ورد العام بعد وجود ذلك السبب هل هو قرينة قطعية عادة على دخول أولا فادعي الجمهور الأول فلذا قالوا بقطعية الدخول والشيخ الإمام الثاني فلذا بظنيته.
стр. 257
واعلم أن قول أبي حنيفة أن ولد الأمة المستفرشة لا يظن إلا بالإقرار ليس إخراجا لصورة السبب من قوله ﷺ : الولد للفراش في أمة ابن زمعة المختصم فيها عبد ابن زمعة وسعد بن أبي وقاص لا ن الفراش عند أبي حنيفة هو المنكوحة وأم الولد وإطلاق الفراش في الحديث على وليده زمعة بعد قول عبد ابن زمعة ولد على فراش أبي لا يستلزم كون الأمة مطلقاً فراشاً لجواز كونها كانت أم ولده وقد قيل به ويشعر به أيضا لفظه وليده فعلية بمعني فاعله من الولادة قاله الكمال بن الهمام خلافاً للمحلي من أنه يلزم على قول أبي حنيفة أنه لا يلحق إلا بالإقرار إخراج صورة السبب من العام بناء على أن لازم المذهب يعد مذهبا.
وجاء في تخصيص ما قد جاورا ... في الرسم ما يعم خلف النظرا
خلف فاعل جاء والنظر بمعنى: المتناظرين في العلم جمع نظير والجمع بضم ففتح يعني أن المالكية اختلفوا إذا ذكرت آية خاصة في القرآن ثم تبعها في الرسم أي الوضع عام وأن تأخر عنها النزول هل يبقي العام على عمومه او يقصر على الخاص المذكور قبله كما إذا ذكر الله فاعل محرم ثم يقول بعد ذكره إنه لا يفلح الظالمون أو يذكر فاعل مأمور ثم يقول بعد ذكره إن الله مع المحسنين قاله في شرح التنقيح. وعلى إبقاءه على عمومه قال تقى الدين السبكي: إنه يقرب من ورود العام على سبب الخاص بمقتضي المناسبة بين التالي والمتلو وعليه فهل يكون كالسبب في دعوى القطع او يكون كسائر العمومات قال: والحق أنه رتبه متوسطة دون السبب وفوق العموم المجرد بخلاف مالو تتقدم العام. قال في الآيات البيانات وكان وجهة انتفاء شبه الخاص حينئذ بصورة السبب إذ وضعها أن تتقدم هي على العام ثم يرد العام عليها بخلاف ما لو تأخرت عنه فيعمل به فيها لكن لا تكون قطعية الدخول لأن العام لم يرد لأجلها أهـ. وقال أيضاً لا يبعد أن التقييد بالقرآن ليس بشرط في هذا الحكم وإن ذلك يجرى أيضاً في السنة قلت: ويكون المراد المتلو في النزول لا في الرسم أو في الرسم بعد تدوين السنة وليس في هذه المسألة استدلال بالقرآن في الذكر
стр. 258
على توافق الأحكام وإن عدة الكوارني منه وقال بعضهم إن هذه المسألة قليلة الجدوى لأن النص على الخاص بخصوصه يعني عن إلحاقه بصورة السبب لأنه كما أن كون الشيء صورة السبب يمنع عند الجمهور من إخراجه بالاجتهاد من العموم فالنص عليه بخصوصه مانع من إلغائه وعدم العمل به بل هو أولى بذلك.
وأجيب بأن في الجمع بينهما من القوة ما ليس لأحدهما حتى يقدم الخاص على خاص آخر عارضة لم يدخل في ذلك العام ولكن العام تالياً له في الرسم قاله في الآيات البيانات.
وإن أتى ما خص بعد العمل ... نسخ والغير مخصصا جلى
يعني: أنه إذا تعارض دليلان أحدهما خاص والآخر عام وتأخر الخاص عن أول وقت العمل بالعام نسخ الخاص العام بالنسبة إلى ما تعارض فيه وإنما لم يجعل مخصصاً له لأن التخصيص بيان المراد من العام وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع قاله المحشى وفي غير ذلك بأن تأخر الخاص عن الخطاب بالعام دون العمل أو تأخير العام عن الخاص مطلقاً أو تقارناً بأن عقب أحدهما الآخر أو جهل تاريخهما خصص الخاص العام.
وإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتما معتبر
يعني: أن الدليلين إذا كان بينهما عوم وخصوص من وجه فالمعتبر الترجيح بينهما كحديث البخاري: ((من بدل دينه فاقتلواه)) وحديث الصحيحين أنه ﷺ ((نهى عن قتل النساء)) فالأول عام في الرجال والنساء خاص في أهل الردة والثاني خاص في النساء عام في الحربيات والمرتدات، قلت يرجح الثاني باتفاق الشيخين عليه وكقوله تعالى ((وأن تجمعوا بين الأختين)) مع قوله ((أو ما ملكت أيمانكم)) فيترجح الأول بأنه لم يدخله تخصيص على الصحيح بخلاف الآخر فإنه مخصوص بالإجماع في ذات المحرم.
стр. 259
المقيد والمطلق
إنما يذكر أهل الفن المطلق والمقيد عقب العام والخاص لشبههما بهما إذا المطلق عام عموما بدليل المقيد مع المطلق بمنزلة الخاص مع العام مع اتفاقهما فيما به التخصيص والتقييد عن كتاب وسنة وغيرهما كما سيأتي.
فما على معناه زيد مسجلا ... معنى لغيره اعتقده الأولا.
ما منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده وقوله على معناه متعلق بزيد، ومسجلا مفعول مطلق ومعنى نائب عن الفاعل بفعل نعت له يعني أن كل لفظ مفرد زيد على معناه أي مسماه معنى آخر لغير ذلك اللفظ فهو الأول أي المقيد نحو رقبة مؤمنة، وإنسان صالح وحيوان ناطق بخلاف إنسان حيوان قال في الآيات البينات: أن المسمي يطلق على المفهوم الذي هو لمعنى وعلى أما صدق الذي هو الإفراد ومعنى مسجلا أنه لا فرق بين ذكر القيد وتقديره قال التنقيح: والحاصل أن كل حقيقة اعتبرت من حيث هي فهي مطلقة وإن اعتبرت مضافة إلى غيرها فهي مقيدة هـ ..
وما على الذات بلا قيد يدل ... فمطلق وباسم جنس قد عقل
يعنى: أن المطلق واسم الجنس كل منهما هو اللفظ الدال على الماهية أي الجنس الشامل للجنس عند المناطقة والنوع والصنف عنده نحو حيوان وإنسان وعرب ولابد أن تكون دلالته على الماهية بلا قيد أي مقيد به من وحدة وتعيين خارجي أو ذهني عند اللقاني وعليه فعلم الجنس ليس من المطلق وهو عند صاحب الآيات البينات له حكم المطلق فقوله بلا قيد مخرج للمعرفة لأنها تدل عليها مع وحدة
стр. 260
معينة وللنكرة لأنها تدل عليها مع وحدة غير معينة فالمطلق لا يدل على شيء من قيود الماهية وإن تحققت في الواقع.
(وما على الواحد شارع النكرة).
ما مبتدأ وعلى الواحد متعلق بدل محذوف وجمله شاع نعت للواحد لأنه نكره في المعنى والنكرة خبر يعني أن النكرة هي لفظ دال على واحد شائع في جنسه أي في أفراد جنسه بمعني صدقه بكل واحد منها على البدل والمراد بالوحدة الشائعة فردية معنى اللفظ المنتشرة فيشمل المثني والمجموع أيضاً إذ المعنى كل منهما فردية لدلالة الأولى على شيئين منتشرين ودلالة الثاني على أشياء منتشرة فاللفظ في المطلق والنكرة واحد وإنما الفرق باعتبار القصد لأن الواضع وضعه مشتركا بين الماهية والفرد وعلى الفرق بينهما أسلوب المنطقين والأصوليين والفقهاء فالمطلق عند المنطقين موضوع القضية الطبيعية لأنه مطلق عن التقييد بالكلية والجزئية نحو الحيوان كلى والنكرة قد تكون موضوع الجزئية وقد تكون موضوع الكلية نحو بعض من الإنسان حيوان وكل إنسان حيوان وإما الأًصوليون فان اللفظ اذا اعتبرت دلالته على الماهية بلا قيد يسمي مطلقاً واسم جنس أو مع قيد الوحدة الشائعة في جنسه يسمى نكرة وأما الفقهاء فالفرق بينهما بما يذكر في البيت بعد هذا. مثال الشائع في جنسه رقبة في قوله تعالى: ((فتحرير رقبة)).
والاتحاد بعضه قد نصره.
يعني: أن بعض أهل الوصول قد نصروا يد قول ابن الحاجب والآمدى بالاتحاد بين المطلق ولانكرة في سياق الإثبات العارية من الاستغراق دونها في سياق النفي ودون دات الاستغراق نحو كل رجل فإنهما للعموم فالمطلق عندهما ما دل على واحد شائع في جنسه فخرج الدال على واحد شائع في نوعه نحو رقبة مؤمنة وينكر أن دلالته على الماهية بلا قيد وهو الموافق لكلام أهل العربية والتسمية عليه بالمطلق لمقابلة المقيد وسبب تعريفهما له بما ذكر أن الفرد هو
стр. 261
الموجود في الخارج والأحكام إنما تتعلق به دون الماهية إذ لا وجود لها في العقل ومراد الجمهور أن الماهية بلا قيد تصح أن تكون مناط التكليف إذ هي بلاه موجود بوجود أفرادها فلا فرق إلا من جهة الدلالة بالمطابقة أو الالتزام ومن ثم قالا: الأمر بالماهية أمر بجزئي وقيل بكل جزئي لأن إسقاط القيد يؤذن بالعموم وعليه يكون الأمر من صيغ العموم.
عليه طالق إذا كان ذكر ... فولدت لاثنين عند ذي النظر
يعني: أنه ينبني على الفرق بين المطلق والنكرة اختلاف الفقهاء فيمن قال لامرأته الحامل إن كل حملك ذكرا فأنت طالق فولدت ذكرين قيل لا تطلق نظراً للتنظير المشعر بالتوحيد وقيل تطلق حملاً على الإطلاق.
بما يخصص العموم قيد ... ودع لما كان سواه تقتدي
يعني: أنه يقيد المطلق بكل ما يخصص العام من كتاب وسنة وقياس ومفهوم وما لا فلا فيقيد الكتاب بالكتاب والسنة بالسنة والكتاب ويقيدان بالقياس وبالمفهومين وفعله ﷺ وتقريره وتقرير الإجماع بخلاف مذهب الراوي وذكر بعض جزئيات المطلق على الأصح في الجميع غير مفهوم الموافقة فلا خلاف في التقيد به.
وحمل مطلق على ذاك وجب ... أن فيهما اتحد حكم والسبب.
يعني: أن المطلق والمقيد يزيدان على العام والخاص إنهما أن اتحد حكمهما وسببهما وجب حمل المطلق على المقيد لأن مفهوم المخالفة حجة عندنا والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما كإطلاق الغنم في حديث ((في أربعين شاة شاة)) وتقييدها في حديث ((في الغنم
стр. 262
السائمة الزكاة)) فالمقيد مبين أنه المراد من ذلك المطلق وقال ﷺ مرة ((لانكاح إلا بولي وشهود)) ومرة ((إلا بولي وشاهدي عدل)) وتقديم مالك رحمه الله تعالى المطلق على المقيد في الغنم إنما هو لدليل آخر وحمل المطلق على المقيد محله ما إذا تأخر المقيد عن وقت الخطاب بالمطلق دون العمل أو تأخر المطلق عن المقيد مطلقاً أو تقارنًا أو جهل تاريخهما وإلا فهو ما أشار له بقوله.
وإن يكن تأخر المقيد ... عن عمل فالنسخ فيه يعهد.
بالبناء للمفعول أي يعرف يعني: أن المقيد إذا تأخر عن وقت العمل بالمطلق والموضوع بحالة من اتحاد حكمهما وسبهما فالمقيد ناسخ للمطلق بالنسبة إلى صدقه بغير القيد كما لو قال ﵇ في القتل اعتنق رقبة فأعتق كافرة ثم قال اعتق رقبة مؤمنة فقد نسخ جواز عتق الكافرة قال في الآيات البينات: أما إذا سبق أحدهما ولم يتعين ثم نسى فيحتمل التوقف ويحتمل حمل المطلق على المقيد لأنه يمكن الجمع بالحمل والأصل عدم السبب المقتضى لإلغاء احدهما كما هو لازم النسخ وإما إدخال ذلك في جهل التاريخ فبعيد. هـ.
تنبيه: قال الابي: بضم الهمزة وتشديد الباء نسبة إلى أبة قرية من أعمال تونس أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين أما في حديث واحد بطريقين فمن زيادة العدل وهي مقبولة اتفاقا إذا علم تعدد المجلس أو جهل على طريقة الأبياري.
وإن يكون أمر ونهي قيدا ... فمطلق بضد ما قد وجدا
بالبناء للمفعول في الفعلين يعني أنه إذا كان أحد اللفظين أمراً والآخر نهياً نحو اعتق رقبة، لا تعتق رقبة كافرة، أعتق رقبة مؤمنة، لا تعتق رقبة، فالمطلق مقيد بضد الصفة في المقيد ليجتمعا فالمطلق في المثال الأول مقيد بالإيمان وفي الثاني بالكفر.
стр. 263
وحيثما اتحد واحد فلا ... يحمله عليه جل العقلا
يعني: أنه إذا اتحد اللفظان في واحد من السبب والحكم دون الآخر فلا يحمل جل المالكية المطلق على المقيد فأل للعهد الذهني لتخصيص النظام بأصولهم سواء كان أمرين أو نهيين او متخالفين كاطلاق الرقبة في كفارة الظهار وتقييدها في القتل بالإيمان فيبقي المطلق على إطلاقه لاختلاف السبب، وكئاية الوضوء المقيدة بالمرافق وآية التيمم المطلقة لاختلاف الحكم من مسح المطلق وغسل المقيد بالمرافق. وقال بعض أصحابنا والشافعي يحمل المطلق على المقيد.
تنبيهات: الأول اللفظ الواحد قد يوصف بالإطلاق والعموم من جهتين فيثبت له أحكام الإطلاق من جهته وأحكام العموم من جهته كلفظ الأيدي في الآية فانه مطلق من جهة مقدار اليد عام في أفرادها وإنما كان مطلقاً لأن الشارع أطلقها أي اليد في مواضع مع إرادة جميعها إلى المنكب تارة وبعضها أخرى. الثاني قال القرافى الإطلاق والتقييد إضافيان فرب لفظ مطلق بالنسبة إلى لفظ مقيد بالنسبة إلى آخر. الثالث الإطلاق والتقييد اسمان للألفاظ باعتبار معانيها لا أسماء للمعاني باعتبار ألفاظها فيقال لفظ مطلق ولفظ مقيد ولا يقال معنى مطلق أو مقيد قاله القرافي.
стр. 264
التأويل والمحكم والمجمل
كل منهما بصيغة اسم المفعول وثانيهما ساكن، والتأويل من المئال قال في التنقيح أما لأنه يؤول إلى الظاهرة بسبب الدليل العاضد أو لأن العقل يؤول إلى فهمه بعد فهم الظاهر هـ. أي يرجع، لأن آل بمعنى رجع ومئال الأمر مرجعه.
(حمل لظاهر على المرجوح)
هذا تفسير التأويل في الاصطلاح أي: هو حمل وقرينة جعل الضمير الأول، وإن كان الأصل رجوعه للأقرب ذكر كل واحد مما بعده يعني: أن التأويل هو حامل اللفظ الظاهر في معني على معنى آخر مرجوح أي ضعيف لدليل، كالأسد راجح في الحيوان المفترس مجاز في الرجل الشجاع فخرج حمل النص على معنى مجازي بدليل وحمل المشترك على أحد معنييه فلا يسميان تأويلا اصطلاح، وكذا حمل المجمل، وإنما عبر في التأويل بالمصدر وفي تالييه باسم المفعول جريا على غالب استعمال أهل الفن ولا يعترض على الحد بأن فيه حذف لفظة لدليل لأن الحذف لقرينة واضحة جائز في التعريف والقرينة ما يأتي من أن حمل لا لدليل لعب لا تأويل، وبذك تتضح صحة حد السبكي وفساد زعم الفساد، قال في الآيات البينات متصلا به على أن التعريف بالأعم أجازه إلا قدمون وغير واحد من محققي المتأخرين.
(واقسمه للفاسد والصحيح).
يعني: أن التأويل منقسم إلى تأويل صحيح وهو مقبول، وتأويل فاسد وهو مردود عند معتقد فساده.
صحيحة وهو القريب ما حمل ... مع قوة الدليل عند المستدل
стр. 265
حمل مبنى للمفعول وعند متعلق بالدليل لا بقوة يعني: أن التأويل الصحيح وهو التأويل القريب هو ما كان فيه دليل إرادة المعنى الخفي قويًا في نفس الأمر اعتقد الحامل صحته أم لا والمراد بالخفي مقابل الظاهر فتارة يعبر عنه بالخفي وتارة بالمرجوح وتارة بالضعيف قوله:
قوة الدليل عند المستدل، معناه قوة دليل المستدل.
(وغيره الفاسد والبعيد).
يعني: أن غير الصحيح وهو ما كان فيه دليل إرادة المعنى المرجوح ضعيفًا هو التأويل البعيد وهو التأويل الفاسد أعني ضعيفًا في نفس الأمر اعتقد الحامل قوته وصحته أم لا، وتعريف القريب والبعيد بما رأيت تبعث فيه البرماوي وعند المحلي والزركشي تبعًا للعضد أن القريب ما يترجح الخفي فيه على الظاهر بأدنى دليل أي أدنى أمر يدل على رجحانه عليه والبعيد ما لا يترجح على الظاهر إلا بأقوى منه أي من الظاهر بحيث يقدم على الظاهر إذا عارضه. مثال التأويل القريب تأويل قوله تعالى: ((إذا قمتم إلى الصلاة)) بالعزم على القيام إليها وجه قربه رجحانه بالتنظير بنحو قوله تعالى: ((فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله)).
(وما خلا فلعبا يفيد)
لعبا مفعول يفيد، يعني: أن ما كان الحمل فيه على المعنى المرجوح لغير دليل أصلا فهو لعب لا يسمى تأويلاً في الإصطلاح إن انتفى الدليل والواقع واعتقاد الحامل وكذا إن أنتفى في اعتقاده دون الواقع فهو لعب أيضًا بحسب اعتقاده، قاله في الآيات البينات ثم قال فيه أنه إن انتفى في الواقع دون اعتقاده فالمتجه فيه أنه لا يوصف باللعب لأن اللعب من أوصاف الحامل ولم يصدر منه ما يقتضيه بل هذا القسم داخل في قوله: أو لما يظن دليلاً ففاسد هـ. يعني قول السبكي.
قلت من اللعب حمل بعض المبتدعة آيات من كتاب الله تعالى وأحاديث من أحاديثه ﷺ على معان بعيدة بلا دليل، وذلك كفر لأنه لعب بجانب الربوبية والنبوءة ومدار الردة على
стр. 266
انتهاك حرمة الربوبية والرسالية والملكية مع أن الأخيرين داخلان في الأول.
والخلف في فهم الكتاب صير ... إياه تأويلاً لدى المختصر
الخلف بالنصب على الإشتغال وصير فعل أمر كسر للوزن وإنفصال إياه للضرورة والمختصر بلفظ اسم المفعول يعني أن صاحب المختصر وهو خليل ابن اسحاق المالكي يسمى اختلاف شراح المدونة في فهمها تأويلاً. أما تسمية حملها على المحتمل المرجوح تأويلاً فموافق لاصطلاح الأصوليين وذلك هو الغالب عند الفقهاء أي موافقة اصطلاحهم لاصطلاح أهل الأصول لأن علم الأصول إنما وضع ليبنى عليه علم الفقه وأما تسمية حملها على الظاهر تأويلاً بمجرد اصطلاح أصطلحه ولا مشاحة في الاصطلاح بناء على أن اللغات غير توقيفية والمراد بالكتاب المدونة لغلبتها على سائر الكتب عند فقهاء المالكية كما غلب القرآن على غيره في خطاب الشرع، وكما غلب كتاب سيبويه عند النحاة فإذا أطلق الكتاب في عرف كل من ذكر فالمراد به ما ذكر.
فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لأئح سماة البعد
جعل مبتدأ ولائح خبره، وسماة فاعل لائح.
هذا شروع في ذكر أمثلة من التأويل البعيد يعني: أن من التأويل البعيد حمل الحنفية لفظ المسكين في قوله تعالى: ((فإطعام ستين مسكينًا)) على المد أي إطعام ستين مدا فيجوز إعطاؤه لمسكين واحد في ستين يوما كما يجوز إعطاؤه ستين مسكينا في يوم واحد لأن القصد بإعطائه دفع الحاجة ودفع حاجة الواحد في ستين يوما كدفع حاجة الستين في يوم واحد ووجه بعده عند المالكية والشافعية كما قال العضد أنهم جعلوا المعدوم وهو طعام ستين مذكورا بحسب الإرادة والموجود وهو إطعام ستين عدما بحسب الإرادة مع إمكان أن المذكور هو المراد لأنه يمكن أن يقصد إطعام الستين دون واحد في ستين يوماً لفضل
стр. 267
الجماعة وبركتهم وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسنين فيكون أقرب إلى الإجابة ولعل فيهم مستجابا بخلاف الواحد هـ. والتضافر بالضاد المعجمة الساقطة والظاء المعجمة المشالة كما في إضاءة الأدموس التعاون قوله للمحسن أي المكفر لعل الله يغفر ذنبه وإنما كان أقرب إلى الإجابة لأنه كما قال في النقود قلما يخلو جمع من المسلمين من ولي من أولياء الله تعالى مستجاب الدعوة مغتنم الهمة.
كحمل مرآة على الصغيرة ... وما ينافي الحرة الكبيرة
يعني: إن من التأويل البعيد حمل الحنفية قوله ﷺ : ((أيما إمرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ثلاث مرات، وفي رواية فإن أصاب فلها مهر مثلما بما أصاب منها))، وفي السنن الأربع بلفظ فنكاحها باطل فنكاحها باطل حملوه على الصغيرة أي الصبية وعلى ما ينافي الحرة الكبيرة من الأمة والمكاتبة، حمله بعضهم على الصغيرة لصحة تزويج البالغة نفسها عندهم قياسا على الرجل وقياسا على المال فاعترض بأن الصغيرة لا تسمى إمرأة في لسان العرب فحمله بعض آخر على الأمة فاعترض بقوله فلها مهر مثلها ومهر الأمة لسيدها فحمله بعضهم على المكاتبة لأن لها مهرها ووجه بعده على كل أنه قصر للعام المؤكد عمومه بما على صورة نادرة مع ظهور قصد الشارع عموه في كل مرأة لأن عقدها لنفسها لا يليق بمحاسن العادة ووجه ظهوره في العموم أن ترك الاستفسال ينزل منزلة العموم وإن لم يكن اللفظ صريحا فيه فكيف واللفظ هنا صريح فيه لأن أيا نكرة في سياق الشرط فتعم، وفي شرح البرهان للمازري أن تأكد العموم يمنع تخصيصه وهو هنا مؤكد بما الزائدة فيزداد بعده ويزداد البعد أيضا بتأكيد لفظ البطلان بتكريره ثلاثا لأنه يؤتى به لدفع إحتمال السهو والتجوز وقد حسن الترمدي الحديث وصححه ابن حبان ورد ما روى عن الزهري من تضعيف.
وحمل ما روى في الصيام ... على القضاء مع الإلتزام
стр. 268
يعني: أن من التأويل البعيد حمل الحنفية حديث ((لا صيام لمن لم يبيت)) أي الصوم من الليل على القضاء والنذر وهو المراد بالالتزام، ولفظ أبي داوود: ((من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)) ومن في قوله من الليل إبتدائية وبمعنى في لصحة النفل ورمضان بنية من النهار عندهم وإنما أولوه بذلك لمعارض صح عندهم في النفل في رمضان، أما النفل فما روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها: ((دخل النبي ﷺ ذات يوم فقال هل عندكم شيء فقلنا لا: فقال إني صائم))، وأما رمضان فحديث في كتب الحنفية أنه ﷺ قال بعدما شهد الأعرابي برؤية الهلال: ((ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه ومن لم يكن أكل فليصم)) وجه بعده بأنه قصر للعام النص في العموم على صورة نادرة لندرة القضاء والنذر بالنسبة إلى الصوم المأمور به في أصل الشرع مع أن حديث الأعرابي لم يجده ابن حجر وقد رواه الدارقطني وأبو يعلى على وجه لا يخالف حديث: ((لا صيام لمن لم يبيت)) وهو أنه لما شهد الأعرابي عنده ﷺ ليلة شهر رمضان أمر أن ينادي مناد أن يصوموا غدا وحديث النفل يمكن حمله على الصوم اللغوي.
(وذو وضوح محكم).
يعني: أن المحكم هو اللفظ المتضح الدلالة على معناه وذلك المتضح إما نص وإما ظاهر ويأتي المحكم بمعنى غير المنسوخ ومنه: ((آيات محكمات)) ويأتي بمعنى المتقن ومنه: ((أحكمت آياته)) أي أتقنت فلا يتطرق إليها خلل من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى.
والمجمل * هو الذي المراد منه يجهل.
ذالمجمل ما له دلالة غير واضحة من قول أو فعل فخرج اللفظ المهمل إذ لا دلالة له وخرج المبين لأن دلالته واضحة وعرفه في التنقيح بأنه الدائر بين احتمالين بسبب الوضع وهو المشترك أو من جهة العقل كالمتواطئ بالنسبة إلى جزيئاته فكل مشترك مجمل وليس كل مجمل مشتركا هو قوله بين احتمالين يريد أو احتمالات والمجمل مأخوذ من الجمل وهو الخلط والجمع قوله كالمتواطئ إلخ ...
стр. 269
يعني أن لفظ الإنسان لا يتعين منه فرد مخصوص كزيد مثلا دون مخصوص آخر كعمرو مثلا وكون المشترك مجملا هو مذهب المالكية عند تجرده من القرينة المعممة أو المخصصة لكن يحمل على معنييه أو معانيه جميعا إحتياطا عند الباقلاني كذا نقله عنه الرازي والذي في تقريبه: أنه لا يجوز حمله عليهما ولا على أحدهما أما المشترك المقترن بالبيان والمجاز فخارجان عن المجمل على الإطلاق كما صرح به العضد ومثل ابن الحاجب الفعل المجمل بقيامه ﷺ تاركا التشهد الأول يحتمل العمد فيكون غير واجب والسهو فلا يدل على عدم الوجوب، واعترض بأن ترك العود إليه يدل على الأول، وأجيب بأن ترك العود إليه بيان لإجماله وهو من البيان بالفعل لأن الترك كف النفس وهو فعل.
وما به استأثر علم الخالق ... فذا تشابه عليه أطلق
ذا من قوله ذا تشابه مفعول أطلق، يعني: أن اللفظ إذا استأثر أي اختص الله تعالى بعلم معناه فلم يتضح لنا يسمى متشابها وتقسيم اللفظ إلى محكم ومتشابه مأخوذ من قوله تعالى: ((آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات)) فمنهم من جعل القسمة ثنائية ولعله اقتداء بظاهر الآية، فاللفظ إما محكم، وإما متشابه، وعليه فالمراد بالظاهر ما يشمل الظاهر بالقرائن وحينئذ فالمجمل أن قامت عليه قرينة فهو من المحكم وإلا فمن المتشابه ومنهم من يجعلها ثلاثية كصاحب المنار في أصول الحنفية فإنه عد المجمل والمحكم والمتشابه من أقسام اللفظ وفسر شارحه وهو مؤلفه المجمل بما أدرك ببيان والمتشابه خلافه يعني ما لم يدرك أصلا، قلت وعليه فالمشترك المقترن ببيان من المجمل والمتشابه منه الآيات والأحاديث المثبتة للصفات المستحيلة عليه تعالى، والخلف يؤولونها بناء على القول الثاني من أن الوقف على ((في العلم)).
وإن يكن علم به من عبد ... فذاك ليس من طريق العهد
стр. 270
يعني: أن المتشابه إذا حصل العلم به لعبد ولى فذلك العلم ليس من طريق العهد أي المعرفة المعهودة التي هي الاكتسابية فلا ينافي اختصاصه تعالى به على مذهب الجمهور من أن الوقف على قوله تعالى: ((إلا الله)) وعلى أن الوقف على ((في العلم)) يعلمه الراسخون في العلم بالاكتساب واستنظره ابن الحاجب وصححه النوور لأن الخطاب بما لايفهم بعيد، فالضمير المجرور بالباء للمتشابه ويطلق المتشابه مرادا به ما تماثلت أبعاضه والقرآن بهذا المعنى كله متشابه قال تعالى: ((الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها)) أي متشابه الإبعاض في الإعجاز وصحة المعنى والدلالة ونحو ذلك وقول السبكي وقد يطلع عليه بعض أصفيائه يحتمل أن يكون المراد بالاطلاع إنما هو من جهة الكشف لا بطريق الاكتساب ويكون ماشيا على مذهب الجمهور من أن المتشابه ما استأثر الله تعالى به فلا يعلمه أحد من جهة الاكتساب والتعلم ويحتمل أنه يريد الاطلاع عليه بالتعلم والاكتساب ويكون ماشيا على غير مذهب الجمهور.
وقد يجي الإجمال من وجه ومن ... وجه يراه ذا بيان من فطن
فطن مثلث الطاء لكن الأولى فيه حينئذ الكسر أو الضم، يعني: أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملا من وجه آخر كقوله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده))، فإنه واضح في الحق مجمل في مقداره لاحتماله النصف أو غيره والمأول متضح المعنى بالنسبة إلى المعنى الراجح غير متضحة بالنسبة إلى المعنى المرجوح هذا بالنظر إلى ذاته وقد يحتف به من القرائن ما يصيره راجحا على المعنى الراجح أولا.
والنفي للصلاة والنكاح ... والشبه محكم لدى الصحاح
الشبه بكسر فسكون بمعنى الشبه بالتحريك وهو مجرور معطوف على الصلاة ومحكم خبر النفي، يعني: أن اللفظ النافي لذات الصلاة أو ذات النكاح أو شبههما محكم أي متضح المعنى لا إجمال فيه لدى
стр. 271
الكتب الصحيحة أي عند أهلها لتحقيقهم كحديث الصحيحين: ((لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)) وكحديث ((لا صلاة إلا بطهور)) وحديث ((لا صلاة لجار المسجد)) وكحديث صححه الترمذي وغيره ((لا نكاح إلا بولي)) لدلاتها على نفي الصحة لأنها المجاز الأقرب لنفي الذات ولظهور لا صلاة لجار المسجد في الكمال صرفت تلك الأمثلة عن الحقيقة لامتناعها لوجود الصلاة بلا فاتحة أو بلا طهور أو من جار المسجد في غيره أو النكاح حسا ووجه قرب نفي الصحة من نفي الذات أن ما انتفت صحته لا يعتقد به كالمعدوم بخلاف ما انتفى كما له فقد يعتد به وقال الباقلاني أن الجميع مجمل لتردده بين نفي الصحة ونفي الكمال ولا مرجح لواحد منهما والمرجح عند الجمهور هو قرب نفي الصحة من نفي الذات.
والعكس في جداره ويعفوا ... والقرء في منع إجتماع فاقفوا
العكس مبتدأ خبره قوله في جداره ويعفوا والقرء بالضم والفتح معطوفان على جداره، وقوله فاقفوا معناه اتبع القول بالعكس وهو الإجمال في الثلاثة يعني أن الإجمال ثابت في حديث الصحيحين ((لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره)) لتردد الضمير في جداره بين عوده إلى الجار وإلى الأحد روى خشبة بالإفراد منونا والأكثر على أنه بالجمع مضافا وعليه فالخاء والشين مضمومتان وعلى الإفراد فهو بالتحريك لكن إن صح ما رواه أحمد مرفوعا للجار أن يضع خشبة على جدار غيره وإن كره كان معينا للرجوع إلى الأحد فلا إجمال، وكذلك الإجمال ثابت في قوله تعالى: ((أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح)) لتردده بين الزوج والولي وقد حمله ملك على الولي، والشافعي على الزوج، لما قام عندهما على أن المراد أحد محملى اللفظ ولا يخرج اللفظ بذلك عن اتصافه بالإجمال وكذلك الإجمال ثابت في المشترك مثل القرء في منع إجتماع وفي بمعنى عند أي عند منع الجمع بين معنييه ولا قرينة لوضع القرء للطهر والحيض وقد حمله ملك والشافعي وفاقا لجماعة من الصحابة والتابعين على الطهر وحمله أبو حنيفة وفاقا لجماعة منا الصحابة والتابعين على الحيض.
стр. 272
البيان
بمعنى التبين أي فعل المبين بكسر التحتية المشددة والمبين بفتح الياء نقيض المجمل فهو المتضح الدلالة قاله العضد، وللبيان معنيان آخران غير التبيين أحدهما أنه يطلق على ما حصل به التبيين وهو الدليل والثاني أنه يطلق على محل التبيين وهو المدلول وبالنظر إلى المعاني الثلاثة اختلف تفسير العلماء له.
تصيير مشكل من الجلي.
تصيير خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير عائد إلى البيان يعني أن البيان بمعنى التبيين هو: إخراج شيء مشكل أي مجمل من قول أو فعل من حال أشكاله وعدم فهم معناه إلى حال إتضاح معناه وفهمه بنصب ما يدل عليه من حال أو مقال فالإتيان بالظاهر من غير سبق أشكال لا يسمى بيانا إصطلاحا وإن كان يسماه لغة فهذا الظاهر لا مجمل ولا مبين فثبتت الواسطة بينهما وهو التحقيق، قال في الآيات البينات ولا أشكال في إثبات الواسطة فإنها أمر إصلاحي لا مشاحة فيه.
وهو واجب على النبي ... إذا أريد فهمه ...
يعني: أن بيان المشكل واجب على النبي ﷺ بناء على عدم جواز التكليف بالحمل لكن إنما يجب إذا أريد أي طلب من شخص فهمه المشكل ليعمي به كأحكام الصلاة أو ليفتى به كأحكام الحيض في جانب الرجال إذا كانوا مع نساء لا يتأتى منهن العلم بما كلفن به من الدليل وإلا وجب عليهن العلم بتحصيل ما كلفن به لأنهن حينئذ كالرجال في ذلك.
تنيبه: أعلم أن النبي ﷺ واجب عليه بيان المباح والمندوب كما يجب عليه بيان الواجب لوجوب تبليغ الجميع.
стр. 273
وهو بما ... من الدليل مطلقا يجلو العما
يعني: أن البيان يكون بكل ما يجلو العمى أي الخلفاء والإشكال من الدليل مطلقا أي سواء كان عقليا أو حسيا أو شرعيا أو عرفيا أو قرينة مقال أو فعلا يشعر بالبيان.
مثال البيان بالدليل العقلي قوله تعالى: ((خالق كل شيء)) بين العقل استحالة تعلق هذا النص بذاته تعالى وصفاته ومثاله بالحسي قوله تعالى: ((تدمر كل شيء)) بين الحس أن السماوات والأرض ونحوهما مما هو مشاهد أنها لم تدمره وهذان المثالان من البيان اللغوي لا الاصطلاحي لأنه إتيان بالظاهر من غير سبق أشكال.
ومثاله بالقول قوله ﵇: ((فيما سقت السماء العشر)) بين قوله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده)) ومثاله بالفعل بيانه ﵊: (ولله على الناس حج البيت)) فحجه ﵊ وبيان جبريل للنبي ﷺ أوقات الصلاة بأن صلى به. ومثاله بالقرائن كما في أدلة وجوب الصلاة ونحوها فإن الصحابة علموا معانيها بالقرائن، والقرائن منها حال وهي داخلة في الأفعال، ومنها قرينة فقال وهي داخلة في القول.
وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد
القاصر فاعل بين والسند والدلالة بالجر بناء على جواز إضافة حيث للمفرد، يعني أنه يجوز تبيين القاصر من جهة السند ما هو أقوى منه من جهته فيبين معلوم المتن كالمتواتر بمضمونه كالخبر الأحاد كبيان الأمر بالزكاة الوارد في القرآن بخبر الأحاد أعني قوله: ((فيما سقت الماء العشر)) الحديث وكذا يبين الأضعف دلالة ما هو أقوى منه دلالة كبيان المنطوق بالمفهوم قال حلولو أنه لا يشترط في المبين بكسر الياء أن يكون أقوى دلالة أو سندا من المبين بالفتح إما معلوم الدلالة فلا يتصور بيانه بمضمونها لأن معلومها لإخفاء فيه ليحتاج للبيان بل هو أوضح من المظنون قاله في الآيات البينات، قال الكوراني أن المبين إن كان عاما أو مطلقا فيشترط أن يكون بيانه أقوى لأنه يرفع العموم
стр. 274
الظاهر والإطلاق وشرط الرافع أن يكون أقوى وأما المجمل فلا يشترط أن يكون بيانه أقوى بل يحصل بأدنى دلالة لأن المجمل لما كان محتملا للمعنيين على السواء فإذا انضم إلى أحد الاحتمالين أدنى مرجح كفاه قلت هذا حسن إلا أنه فرض الكلام في أعم من بيان المجمل مع أن الكلام إنما هو فيه وما ذكر من بيتين القاصر الأقوى هو المعتمد ومذهب الجمهور، وقيل يجب أن يكون أقوى دلالة أو سندا وهو اختيار ابن الحاجب.
وأجبن عند بعض علما ... إذا وجوب ذي الخفاء عما
يعني: أن القاضي نقل عن بعضهم وهم العراقيون أن المبين بالفتح إذا عم وجوبه سائر المكلفين كالصلاة يجب أن يكون بيانه معلوما أي مقطوعا به بالتواتر وإلا قبل في بيانه خبر الآحاد وقال الآمدي لابد أن يكون المخصص أو المقيد أقوى من دلالة العموم عل صورة التخصيص ومن دلالة المطلق على صورة التقييد كما تقدم في كلام الكوراني.
والقول والفعل إذا توافقا ... فأنم تلبيان للذي قد سبقا
بفتح باء سبق يعني: أنه إذا ورد بعد المجمل قول وفعل كل منهما صالح للبيان فأن اتفقا أي لم يزد أحدهما على الآخر كما لو طاف بعد نزول قوله تعالى ((ولله على الناس حج البيت)) طوافا واحدا وأمر بطواف واحد فالمتقدم منهما هو البيان لحصوله به والثاني تأكيد له.
وأن يزد فعل فالقول أنتسب ... والفعل يقتضي بلا قيد طلب
بفتح سين أنتسب والفعل مبتدأ خبره جملة يقتضي وطلبا مفعوله وقف عليه بالسكون على لغة ربيعة، تكلم في البيت وفيما بعده على
стр. 275
مفهوم قوله إذا توافقا يعني إذ زاد على مقتضى القول كما لو أمر بعد نزول آية الحج بطواف واحد وطاف طوافين فالبيان منسوب للقول والفعل الزائد يقتضي طلبا أي وجوبا أو ندبا في حقه ﷺ دون أمته حال كون ذلك الفعل غير مقيد بتقدم أو تأخر أي سواء تقدم الفعل على القول أو تأخر جمعا بين الدليلين.
تنبيه: ظاهر عبارة بعضهم أي الأول من الطوافين ليس بيانا ولا مؤكدا له بل أتى به لمحض الامتثال، ويحتمل أنه مؤكد له وهو ظاهر في تأخره قاله في الآيات البينات.
والقول في العكس هو المبين ... وفعله التخفيف فيه بين
يعني: أن القول إذ زاد على الفعل كأن طاف طوافا وأمر بائنين كان هو البيان والفعل الناقص تخفيف في حقه ﷺ تأخر الفعل أو تقدم.
تأخر البيان عن وقت العمل ... وقوعه عند المجيز ما حصل
يعني: أن تأخير البيان لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الفعل أي الزمان الذي وقته الشارع لفعل ذلك الفعل إلى حد لا يبقى بعد البيان من الوقت ما يسع الفعل مع ما يتوقف عليه غير واقع عند من إجازة بناء على جواز التكليف بالمحال وابن العربي بني جوازه على أنه من إسقاط الحكم في حق المكلف، قال في الآيات البينات لا يقال بل وقع كما في صبح ليلة الإسراء لأنا نقول صبح ليلة الإسراء لم يجب إطلاقا لأن وجوبها كان مشروطا بالبيان قبل فوات وقتها ولم نبين له ﷺ ولهذا لم يفعلها أداء ولا قضاء، وأما لأن الوجوب إنما كان لظهر ذلك اليوم فيما بعده دون ما قبله ومن هنا يعلم أن الكلام في غير الوجوب المعلق على البيان أما هو فلا يتصور فيه تأخير البيان عن وقت الفعل ومن ثم قال ينبغي أن يراد بالفعل ما يشمل فعل اللسان
стр. 276
وهو القول وفعل القلب كالاعتقاد لظهور أنه قد يكلف بذلك في وقت معين.
تأخير للاحتياج واقع ..
يعني: أن تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الاحتياج إلى العمل به وهو المعبر عنه بوقت الفعل واقع عند الجمهور سواء كان للمبين بالفتح ظاهر كعام يبين تخصيصه ومعلق يبين تقييده ودال على حكم يبين نسخه أو لا، وهو المجمل، كمشترك بين أحد معنييه أو معانيه، وكمتواطئ يبين أحد ما صدقاته مثلا.
أعلم أن المتواطئ أعم مطلقا من المطلق لأنه يدل على الماهية بلا قيد كالمطلق وعلى الفرد المنتشر كانكرة بناء على تغاير المطلق والنكرة فجعل المطلق من المجمل الذي له ظاهر مسلم وجعل المتواطئ من المجمل الذي ليس له ظاهر تبع فيه السبكي والمحلي المحصول وتعقبه الاصبهاني في شرحه بأن المتواطئ له ظاهر وهو القدر المشترك ولو في ضمن الأفراد من غير تعيين وعدم ظهور المتواطئ الذي من أفراده المطلق إنما هو بالنسبة للأفراد المعينة أما بالنسبة للقدر المشترك فكالمطلق.
وبعضنا هو لذاك مانع
الإشارة إلى تأخير البيان للحاجة يعني أن بعض المالكية مانع ذلك وفاقا للحنفية والمعتزلة وبعض الشافعية لإخلاله بفهم المراد عند الخطاب والمراد بالإخلال فهم غير المراد فيما له ظاهر وعدم فهم المراد فيما لا ظاهر له هذا في غير النسخ وأما فيه ففهم دوام الحكم، وقال الجمهور: أن لله تعالى أن يفعل في ملكه ما يشاء، ودليل الوقوع قوله في قصة بقرة بني إسرائيل ((أنها بقرة لا فارض ولا بكر)) ثم قال: ((أنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين)) ثم قال: ((أنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها))،
стр. 277
وفيه تأخير بعض البيان عن بعض، فالبقرة مطلقة ثم بين تقييدها بما في أجوبة أسئلتهم، ومنع العضد كونها بقرة معينة بل هي بقرة ما فلا تحتاج إلى بيان فيتأخر بدليل: ((يأمركم أن تذبحوا بقرة)) وهو ظاهر في بقرة غير معينة فيحمل عليها، وبدليل قول ابن عباس وهو رئيس المفسرين لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، المراد منه وعورض بأنها لو لم تكن معينة لكان إيجاب المعينة بعد إيجاب المطلقة نسخا للإيجاب الأول، وأهل العلم لم يجعلوا ذلك من قبيل النسخ، ومن أدلة الوقوع قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵊: ((إني أرى في المنام)) .. الخ أي أني أمرت بذبحك وهذا حكم ظاهر الدوام ثم بين نسخة بقوله: ((وفديناه بذبح عظيم)) أي بدلالته على النسخ لا أنه الناسخ.
وقيل بالمنع بما كالمطلق ..
الباء من قوله بما ظرفية القولان الأولان مطلقان فعند الجمهور يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل فيما له ظاهر أم لا، تقدم البيان الإجمالي كأن يقول هذا العام مخصوص وهذا المطلق، مقيد وهذا الحكم منسوخ أم لم يتقدم تأخر بعض البيان عن بعض أم لا والقول الثاني قانع في جميع الأحوال، وقال أبو الحسين البصري من المعتزلة: يمتنع أن لم يتقدم البيان الإجمالي فيما له ظاهر وهذا مبني على التحسين والتقبيح العقليين وذلك باطل عندنا وأبو الحسين يقول الجهل البسيط لا يخلو البشر عنه استحالة الإحاطة عليه والجهل المركب أعظم ففسره لتركيبه من جهلين مع إمكان السلامة منه فيجوز على الله تعالى إيقاع عبده في البسيط لخفته وعدم إمكان السلامة منه دون المركب لفرط قبحه مع إمكان السلامة منه فما لا ظاهر له إذا تأخر بيانه إلى الحاجة إنما يوقع العبد في الجهل البسيط وهو جهل مراد الله تعالى به وما له ظاهر كالعموم المراد به الخصوص فمتى تأخر اعتقد السامع أن مراد الله به ظاهره وليس مرادا فجهل وجهل أنه جهل باختصار قوله وقيل بالمنع الخ يعني أن كثيرا من الحنفية وبعض الفقهاء فرقوا بين أن يكون للمبين ظاهر فيمتنع تأخيره إلى وقت الحاجة وبين ما لا ظاهر له كمجمل فيجوز لإيقاعه المخاطب في
стр. 278
فهم غير المراد بخلافه في المجمل قال المحشي يقال عليه يندفع هذا المحظور باقتران البيان الإجمالي بالخطاب فلا يمتنع حينئذ تأخير البيان التفصيلي وهذا الكلام من المحشي واقع على سبيل الفرض وهو تخصيص بعض صور النزاع بالحجاج.
ثم بعكسه لدى البعض انطلق.
هذا قو آخر مفصل على عكس التفصيل السابق حكاه الابياري في شرح البرهان وهو أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الفعل فيما له ظاهر ولا يجوز فيما لا ظاهر له وعلله بأن للعام فائدة في الجملة بخلاف المجمل.
تنبيه: إطلاقهم البيان على التخصيص والتقييد ونحوهما أما أن تقول سموه بيانا جريا على اللغة أو نقول هو اصطلاح لبعضهم كما يشير إليه كلام بعض حواشي المحلى ولا مشاحة في الاصطلاح نعم صرح القرافي في التنقيح بأن ذلك يسمى بيانا حيث قال المبين أما بنفسه كالنصوص والظواهر الخ وقال في موضع آخر فالمبين هو اللفظ الدال على معنى أما بالأصالة وأما بعد البيان فالظاهر أن هذا التعبير جار منه على الاصطلاح.
وجائز تأخير تبليغ له.
الضمير المجرور عائد على وقت العمل، يعني: أنه يجوز للنبي ﷺ تأخير تبليغ ما يوحي إليه إلى وقت الاحتجاج للعمل به ولا فرق بين القرآن وغيره، وقيل لا يجوز لقوله تعالى ((بلغ ما أنزل إليك من ربك)) بناء على أن الأمر للفور لأن وجوب التبليغ معلوم بالعقل ضرورة فلا فائدة للأمر به إلا الفور، وأجاب الجمهور بأن فائدته تأييد العقل بالنقل، قلت: وبانا لا نسلم علم وجوب التبليغ بالعقل لأن ذلك مبني على أن العقل يحسن ويقبح وهو ضعيف وإنما أجاز المالكية وجمهور غيرهم تأخير التبليغ لانتفاء المحذور السابق فيه وهو الإخلال بفهم المراد منه عند الخطاب والمراد تأخير
стр. 279
تبليغ الأصل لا البيان فقد تقدم وكلام ابن لحاجب والإمام الرازي والآمدي يقتضي المنع في القرآن قطعا أي بلا خلاف لأنه متعبد بتلاوته ولم يؤخر ﷺ تبليغه بخلاف غيره لما علم أنه كان يسأل عن الحكم فيجيب تارة مما عنده ويقف تارة حتى ينزل الوحي فقد كان ما يجيب به حاصلا عنده قبل السؤال وآخر تبليغه إلى السؤال ابحث فيه باحتمال أن تكون الإجابة عن اجتهاد فلا يدل. وأجيب بأن الاجتهاد يحتاج لزمن عقب السؤال، يقع فيه مع أنه كان يجيب فورا قبل مضي ذلك الزمن بل متصلا بالسؤال كما هو معلوم ولو في البعض قاله في الآيات البينات.
ودرء ما يخشى أبي تعجيه
درء بفتح الدال مبتدأ خبره جملة أبي تعجيله ويخشى مبني للمفعول، يعني أنه قد يمنع تعجيل التبليغ ويجب تأخيره إلى وقت الحاجة درء أي دفعا لمفسدة حاصلة في تعجيله فلو أمر ﷺ بقتال أهل مكة بعد سنة من الهجرة وجب تأخير تبليغ ذلك للناس لئلا يستعد العدو إذا علم ويعظم الفساد ولذلك لما أراد ﵊ قتالهم قطع الأخبار عنهم حتى دهمهم وكان ذلك أيسر لقتالهم وقهرهم.
ونسبة الجهل لذي وجود ... بما يخصص من الموجود
نسبة مبتدأ خبره من الموجود أي الواقع والذي وجود متعلق بنسبة، وبما متعلق بالجهل ويخصص بكسر الصاد، يعني أن المختار عند القائلين بمنع تأخير البيان إلى وقت الحاجة جواز وقوع أن يسمع المكلف الموجود عند وجود مخصص العام ولا يعلم بذات المخصص بكسر الصاد أولا بوصف أنه مخصص مع علمه بذاته وعدم علم المكلف بالمخصص شامل لما إذا علم بعض المكلفين به ولم يعلمه البعض الآخر إلا أنه تمكن من العلم فهو بمنزلة العالم لتقصيره وشامل لما إذا لم يبلغ أحدا من المكلفين لكنهم لما تمكنوا من البحث كانوا لتقصيرهم
стр. 280
بمنزلة من بلغه قاله في الآيات البينات. والمقيد والمبين بالكسر فيهما كالمخصص في جواز وقوع ما ذكر وخرج بالموجود من ليس موجودا من المكلفين حالة ورود المخصص فإنه لا يشترط علمه به اتفاقا ومقابل المختار، يقول: لا يجوز ذلك في المخصص والمقيد والمبين السمعيات لما فيه من تأخير الإعلام بالبيان، وأجيب بأن المحذور تأخير البيان وهو منتف هنا قال شهاب الدين عميرة لأنه بينه لبعض المكلفين أي لأن أكثر أحكام الشرع كانت كذلك فإنه ﷺ لم يبلغ كل أحد بل بلغ البعض واكتفى بتمكن الباقي بقوله ﵇ ليبلغ الشاهد الغائب وكذا رسله المبعوثون إلى النواحي لتبليغ الأحكام ولم يبلغوا كل فرد بل أبلغوا البعض واكتفوا بتمكن الباقي، ومحل الخلاف هو أن يمضي زمن يمكن فيه البحث عن المخصص، أما المخصص العقلي فجائزان لا يعلم المكلف ذاته أو يعلمها ولا يعلم أنه مخصص لذلك العام وجعل اللقاني الخلاف المذكور غير مختص بالمانعين تأخير البيان إلى وقت الحاجة بل وكذلك عند المجيزين أبطله في الآيات البينات ودليل الجواز والوقوع أن بعض الصحابة لم يسمع المخصص السمعي إلا بعد حين كفاطمة رضي الله تعالى عنها طلبت ميراثها منه ﷺ لعموم قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم فاحتج عليها أبو بكر رضي الله تعالى عنه بقوله ﵇ لا نورث ما تركناه صدقة.
стр. 281
النسخ
يكون لغة بمعنى الرفع والإزالة ومنه نسخت الشمس الظل ونسخت الريح آثار القوم وبمعنى النقل والتحويل ومنه تناسخ المواريث وتناسخ الأرواح وقيل حقيقة في الرفع مجاز في النقل واصطلاحا هو ما أشار له بقوله:
رفع لحكم أو بيان الزمن ... بمحكم القرآن أو بالسنن
رفع خبر مبتدأ محذوف أي هو رفع وبيان معطوف على خبر، والسنن جمع سنة بالضم، يعني: أن النسخ قال القاضي أبو بكر الباقلاني منا: أنه رفع الحكم الثابت بطريان الحكم اللاحق المضاد له مع تراخيه عنه لأن الله تعالى شرع الحكم السابق دائما على خلقه إلى قيام الساعة والحكم الثاني الناسخ اقتضى عدم دوام الحكم الأول فعدم الحكم الأول مضاف إلى وجود الحكم الثاني، واحترز بقوله مع تراخيه عما لو قال فعلوا لا تفعلوا مثلا فليس بنسخ مع أنه لا يكون في كلام الشارع التهافت واختار بعضهم هذا القول لشموله النسخ قبل التمكن من الفعل الذي هو جائز على الصحيح وذهب جمهور الفقهاء وغيرهم إلى أن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم السابق بالخطاب الثاني لا رافع لحكم الخطاب بل الخطاب الأول انتهى بذاته وخلف بدله الخطاب الثاني لأن الله تعالى شرع الحكم إلى وقت ورود الناسخ، فالخطاب الأول يدل بظهوره على الدوام فلما ورد الناسخ تبين عدم الدوام فعدم الحكم الأول ليس مضافا لوجود الحكم الثاني لأنه كان مغيبا إلى غاية معلةمة لله تعالى غير معلومة عندنا وإنما نعلمها نحن بورود الحكم المتأخر المضاد للحكم الأول فيرجع النسخ في هذا المذهب إلى التخصيص في الأزمان وهذا الخلاف هو فرع اختلافهم في أن زوال الأعراض بالذات أو بالضد فمن قال ببقائها قال أنما ينعدم الضد
стр. 282
المتقدم بطريان الطاري ولولاه لبقي، ومن لم يقل بالبقاء قال: ينعدم بنفسه ثم يحدث الضد الطاري قال في الآيات البينات: ونظيره الخلاف في الحدث هل الوضوء ينتقض به أو ينتهي بنفسه وجه شمول القول الأول للنسخ قبل حضور وقت العمل به وذلك يمنع كون النسخ عبارة عن انتهاء مدة العبادة لأن بيان انتهاء مدة العبادة إنما يكون بعد حصول المدة فقبل حصولها يستحيل بيان انتهائها ..
فإن قيل: يتصور النسخ قبل التمكين على القول الثاني أيضا بأن يقع النسخ بعد دخول الوقت قبل مضي زمن يمكن فيه الفعل فالجواب كما في الآيات البينات أنه على تسليم صدقة بذلك يبقى النسخ قبل دخول الوقت، فكونه رفعا أعم مطلقا من كونه بيانا لانتهاء أمد الحكم كما رأيت وهو التحقيق خلاف ما ذهب إليه بعضهم من أن التعريفين متلازمان لأنه إذا رفع تعلق الحكم فقد بين انتهاؤه وإذا ببين انتهاؤه فقد رفع تعلقه.
قوله بمحكم القرآن الخ المراد بالحكم المتضح المعنى فخرجت الإباحة الأصلية كشربهم الخمر في صدر الإسلام قبل أن يرد في إباحتها نص من تقرير أو غيره كما تقدم في قولنا: وما من البراءة الأصلية الخ، وخرج الرفع بالموت والجنون والغفلة ولا نسخ بالعقل وقول الإمام من سقط رجلاه نسخ غسلهما مدخول أي فيه دخل بفتح فسكون وبالتحريك فإن قيل: أن تفسير النسخ برفع الحكم لا يشمل نسخ بعض القرآن، تلاوة لا حكما إذ ليس رفعا لحكم فلا يكون جامعا فالجواب كما في حواشي العضد للسعد ومثله في الآيات البينات أن النسخ تلاوة فقط معناه نسخ حرفه قراءته على الجنب ومسه على المحدث ونحو ذلك وهذه أحكام فنسخ التلاوة كنسخ الحكم فيصدق عليه التعريف فإن قيل: ينافي ذلك قولهم نسخ تلاوة لا حكما أجيب بأن لا منافاة لأن مرادهم بالحكم المنفي حكم خاص وهو مدلول اللفظ لا مطلقا والمراد بقولهم رفع الحكم رفع تعلقه بالفعل لا رفعه في نفسه لأن الخطاب قديم فلا يرتفع.
стр. 283
(فلم يكن بالعقل .. )
يعني أن النسخ لا يكون بالعقل كما تقدم في شرح البيت قبل هذا.
أو مجرد الإجماع بل ينمي إلى المستند.
يعني أن الإجماع لا ينسخ به لأنه أنما ينعقد بعد وفاته ﷺ إذ في حياته الحجة في قوله دونهم ولا نسخ بعد وفاته لكن ينسب النسخ غلى مستند الإجماع بفتح النون فالدليل الذي استند الإجماع إليه في مخالفتهم النص هو الناسخ، وكما أن الإجماع لا ينسخ به كذلك لا ينسخه هو غيره وكما لا ينسخ الكتاب والسنة بالإجماع كذلك لا يخصصان به ولا يقيدان فمعنى قولهم يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر فالمخصص في الحقيقة هو سند الإجماع ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وأن جهلوا المخصص فالمراد إجماع على التخصيص لا التخصيص بالإجماع من الآيات البينات ملخص.
ومنع نسخ النص بالقياس ... هو الذي ارتضاه جل الناس
يعني: أن نسخ النص بالقياس لا يجوز شرعا عند الأكثر واختاره القاضي والباجي وهو مذهب الشافعي حذرا من تقديمه على النص الذي هو أصل له في الجملة، ومقابل قول الجمهور ثلاثة أقوال، أحدها أنه يجوز شرعا مطلقا لإسناده إلى النص الدال على علية العلة مع حكم الأصل فكان ذلك النص هو الناسخ كما لو ورد نص بإباحة التفاضل في الأرز ثم ورد نص آخر بتحريم التفاضل في البر، فالقياس يمنع التفاضل في الأرز لوجود الطعم فيه الذي هو علة الربا عند الشافعية وهذا القول صححه السبكي لكنه خلاف ما عليه جمهور أصحابهم من المنع مطلقا منهم الصيرفي والكيا وابن الصباغ وسلم الرازي وأبو منصور البغدادي وابن السمعاني فأنهم قالوا أن القياس
стр. 284
لا ينسخ به نص ولا إجماع ولم يقل مجيز بنسخ النص بالنص في القياس مثل ما قالوا في الإجماع لأن نستند الإجماع صدر من الشارع قبل اتفاق المجتهدين وبمجرد صدوره عند تحقق النسخ وأن تأخر اطلاعنا عليه فلذلك قالوا أن الإجماع لا ينسخ به بخلاف القياس فإن مستنده الذي هو دليل أصله لم يدل على نقيص حكم النص المنسوخ ولا رفعه وإنما الدال على ذلك إلحاق ذلك الفرع الذي هو محل الحكم المنسوخ بذلك الأصل في حكمه فمع قطع النظر عن ذلك الإلحاق الذي هو القياس لا يثبت نقيض حكم النص المنسوخ ولا يتحقق رفعه ولهذا قالوا: أن نفس القياس ناسخ قاله في الآيات البينات. الثاني يجوز أن كان القياس جليا ومنه المساوي بخلاف الجنس لضعفه.
الثالث يجوز أن كان القياس في زمنه ﷺ والعلة منصوصة بخلاف ما علته مستنبطة لضعفه وما وجد بعد زمنه لانتفاء النسخ حينئذ.
ونسخ بعض الذكر مطلقا ورد.
يعني: أنه قد وقع في الشرع نسخ بعض الذكر آي القرآن تلاوة وحكما أحدهما فقط وقيل: لا يجوز نسخ بعضه شرعا ككله.
الجمع على منع نسخ تلاوته أو أحكامه شرعا وهو جائز عقلا وحكم نسخ جميع السنة كحكم نسخ جميع القرآن، مثال نسخ التلاوة والحكم ما روى مسلم عن عائشة ﵂ كان فيما نزل آي من القرآن عشر رضعات معلومات أي يحرمن فنسخن تلاوة وحكما عند مالك وتلاوة فقط عند الشافعي، ومثال منسوخ التلاوة وحكما عند مالك وتلاوة فقط عند الشافعي، ومثال منسوخ التلاوة فقط الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة والمراد بالشيخ والشيخة المحصنان لأمره ﷺ برجم المحصنين وست وستون آية ناسخ ومنسوخ والمراد بنسخ الحكم نسخ العمل به واختلف في منسوخ التلاوة، فقال ابن الحاجب الأشبه جواز حمل المحدث له وقال الآمدي من الحنابلة إلا شبه المنع.
стр. 285
والنسخ بالنص لنص معتمد.
أي قوى مشهور جوازا أو وقوعا على تفصي يأتي، أما نسخ القرآن بالقرآن فالصحيح جوازه ووقوعه كنسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر وأما نسخ السنة متواترة أو آحادا بالسنة المتواترة أو نسخ الآحاد بالآحاد فجائز اتفاقا أو عند الأكثر وقال الأسنوي: احتلفوا في وقوعه على مذهبين وممن ذكر الاتفاق على جوازه الأمدي في الأحكام ومنتهى السؤال وعبارة السبكي وابن الحاجب توهم أن الخلاف في الجواز ويدل له أن القاضي حكى عن بعضهم أنه منعه عقلا ولا فرق في هذا كله بين القرآن والسنة المتواترة والخلاف في وقوع نسخ المتواترة بالآحاد يدل بالأولى على وقوعه بالمتواترة لمثلها أو للآحاد وأما نسخ القرآن للسنة متواترة أم لا فجائز وواقع على الصحيح ودليل الجواز قوله تعالى: ((ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)) وأن خص من عمومه ما نسخ أو بين بغير القرآن، ويجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة على الصحيح ومذهب الجمهور وقوعه ووجه منع نسخ المتواترة بالآحاد أن المتواتر مقطوع به والآحاد مظنون والنسخ إبطال وشرط المبطل أن يكون مساويا أو أقوى بخلاف الرفع فإنه يحصل لأدنى دافع وأجيب بوجهين: الأول أن محل النسخ الحكم ودلالة القرآن عليه ظنية، والثاني تضعيف القول بأن المبطل لابد أن يكون أقوى أو مساويا بأوجه منها ما ذكره القاضي في مختصر التقريب بأنا نقول وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع فما يضرنا التردد في أصل الحديث مع أنا نعلم قطعا وجوب العمل به ومنها أنا لا نسلم أن المقطوع لا يدفع بالمظنون لأن انتفاء الأحكام قبل ورود الشرع مقطوع به عندنا وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوع به عند آخرين ثم إذا نقل خبر عنه ﷺ يثبت العمل به ويرتفع ما تقرر قبل ورود الشرع ذكره القاضي أيضا.
فولنا ودلالة القرآن عليه ظنية فإن قيل يؤخذ منه منع نسخ التلاوة بالآحاد لأن نسخها يتضمن إسقاط قرآنيتها وهي ثابتة قطعا فلا تنسخ بالآحاد فالجواب منع ذلك كما في الآيات البينات بأن الثابت
следующие страницы →