Полный текст (647 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
النسخ
يكون لغة بمعنى الرفع والإزالة ومنه نسخت الشمس الظل ونسخت الريح آثار القوم وبمعنى النقل والتحويل ومنه تناسخ المواريث وتناسخ الأرواح وقيل حقيقة في الرفع مجاز في النقل واصطلاحا هو ما أشار له بقوله:
رفع لحكم أو بيان الزمن ... بمحكم القرآن أو بالسنن
رفع خبر مبتدأ محذوف أي هو رفع وبيان معطوف على خبر، والسنن جمع سنة بالضم، يعني: أن النسخ قال القاضي أبو بكر الباقلاني منا: أنه رفع الحكم الثابت بطريان الحكم اللاحق المضاد له مع تراخيه عنه لأن الله تعالى شرع الحكم السابق دائما على خلقه إلى قيام الساعة والحكم الثاني الناسخ اقتضى عدم دوام الحكم الأول فعدم الحكم الأول مضاف إلى وجود الحكم الثاني، واحترز بقوله مع تراخيه عما لو قال فعلوا لا تفعلوا مثلا فليس بنسخ مع أنه لا يكون في كلام الشارع التهافت واختار بعضهم هذا القول لشموله النسخ قبل التمكن من الفعل الذي هو جائز على الصحيح وذهب جمهور الفقهاء وغيرهم إلى أن النسخ بيان لانتهاء زمان الحكم السابق بالخطاب الثاني لا رافع لحكم الخطاب بل الخطاب الأول انتهى بذاته وخلف بدله الخطاب الثاني لأن الله تعالى شرع الحكم إلى وقت ورود الناسخ، فالخطاب الأول يدل بظهوره على الدوام فلما ورد الناسخ تبين عدم الدوام فعدم الحكم الأول ليس مضافا لوجود الحكم الثاني لأنه كان مغيبا إلى غاية معلةمة لله تعالى غير معلومة عندنا وإنما نعلمها نحن بورود الحكم المتأخر المضاد للحكم الأول فيرجع النسخ في هذا المذهب إلى التخصيص في الأزمان وهذا الخلاف هو فرع اختلافهم في أن زوال الأعراض بالذات أو بالضد فمن قال ببقائها قال أنما ينعدم الضد
стр. 282
المتقدم بطريان الطاري ولولاه لبقي، ومن لم يقل بالبقاء قال: ينعدم بنفسه ثم يحدث الضد الطاري قال في الآيات البينات: ونظيره الخلاف في الحدث هل الوضوء ينتقض به أو ينتهي بنفسه وجه شمول القول الأول للنسخ قبل حضور وقت العمل به وذلك يمنع كون النسخ عبارة عن انتهاء مدة العبادة لأن بيان انتهاء مدة العبادة إنما يكون بعد حصول المدة فقبل حصولها يستحيل بيان انتهائها ..
فإن قيل: يتصور النسخ قبل التمكين على القول الثاني أيضا بأن يقع النسخ بعد دخول الوقت قبل مضي زمن يمكن فيه الفعل فالجواب كما في الآيات البينات أنه على تسليم صدقة بذلك يبقى النسخ قبل دخول الوقت، فكونه رفعا أعم مطلقا من كونه بيانا لانتهاء أمد الحكم كما رأيت وهو التحقيق خلاف ما ذهب إليه بعضهم من أن التعريفين متلازمان لأنه إذا رفع تعلق الحكم فقد بين انتهاؤه وإذا ببين انتهاؤه فقد رفع تعلقه.
قوله بمحكم القرآن الخ المراد بالحكم المتضح المعنى فخرجت الإباحة الأصلية كشربهم الخمر في صدر الإسلام قبل أن يرد في إباحتها نص من تقرير أو غيره كما تقدم في قولنا: وما من البراءة الأصلية الخ، وخرج الرفع بالموت والجنون والغفلة ولا نسخ بالعقل وقول الإمام من سقط رجلاه نسخ غسلهما مدخول أي فيه دخل بفتح فسكون وبالتحريك فإن قيل: أن تفسير النسخ برفع الحكم لا يشمل نسخ بعض القرآن، تلاوة لا حكما إذ ليس رفعا لحكم فلا يكون جامعا فالجواب كما في حواشي العضد للسعد ومثله في الآيات البينات أن النسخ تلاوة فقط معناه نسخ حرفه قراءته على الجنب ومسه على المحدث ونحو ذلك وهذه أحكام فنسخ التلاوة كنسخ الحكم فيصدق عليه التعريف فإن قيل: ينافي ذلك قولهم نسخ تلاوة لا حكما أجيب بأن لا منافاة لأن مرادهم بالحكم المنفي حكم خاص وهو مدلول اللفظ لا مطلقا والمراد بقولهم رفع الحكم رفع تعلقه بالفعل لا رفعه في نفسه لأن الخطاب قديم فلا يرتفع.
стр. 283
(فلم يكن بالعقل .. )
يعني أن النسخ لا يكون بالعقل كما تقدم في شرح البيت قبل هذا.
أو مجرد الإجماع بل ينمي إلى المستند.
يعني أن الإجماع لا ينسخ به لأنه أنما ينعقد بعد وفاته ﷺ إذ في حياته الحجة في قوله دونهم ولا نسخ بعد وفاته لكن ينسب النسخ غلى مستند الإجماع بفتح النون فالدليل الذي استند الإجماع إليه في مخالفتهم النص هو الناسخ، وكما أن الإجماع لا ينسخ به كذلك لا ينسخه هو غيره وكما لا ينسخ الكتاب والسنة بالإجماع كذلك لا يخصصان به ولا يقيدان فمعنى قولهم يجوز تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر فالمخصص في الحقيقة هو سند الإجماع ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وأن جهلوا المخصص فالمراد إجماع على التخصيص لا التخصيص بالإجماع من الآيات البينات ملخص.
ومنع نسخ النص بالقياس ... هو الذي ارتضاه جل الناس
يعني: أن نسخ النص بالقياس لا يجوز شرعا عند الأكثر واختاره القاضي والباجي وهو مذهب الشافعي حذرا من تقديمه على النص الذي هو أصل له في الجملة، ومقابل قول الجمهور ثلاثة أقوال، أحدها أنه يجوز شرعا مطلقا لإسناده إلى النص الدال على علية العلة مع حكم الأصل فكان ذلك النص هو الناسخ كما لو ورد نص بإباحة التفاضل في الأرز ثم ورد نص آخر بتحريم التفاضل في البر، فالقياس يمنع التفاضل في الأرز لوجود الطعم فيه الذي هو علة الربا عند الشافعية وهذا القول صححه السبكي لكنه خلاف ما عليه جمهور أصحابهم من المنع مطلقا منهم الصيرفي والكيا وابن الصباغ وسلم الرازي وأبو منصور البغدادي وابن السمعاني فأنهم قالوا أن القياس
стр. 284
لا ينسخ به نص ولا إجماع ولم يقل مجيز بنسخ النص بالنص في القياس مثل ما قالوا في الإجماع لأن نستند الإجماع صدر من الشارع قبل اتفاق المجتهدين وبمجرد صدوره عند تحقق النسخ وأن تأخر اطلاعنا عليه فلذلك قالوا أن الإجماع لا ينسخ به بخلاف القياس فإن مستنده الذي هو دليل أصله لم يدل على نقيص حكم النص المنسوخ ولا رفعه وإنما الدال على ذلك إلحاق ذلك الفرع الذي هو محل الحكم المنسوخ بذلك الأصل في حكمه فمع قطع النظر عن ذلك الإلحاق الذي هو القياس لا يثبت نقيض حكم النص المنسوخ ولا يتحقق رفعه ولهذا قالوا: أن نفس القياس ناسخ قاله في الآيات البينات. الثاني يجوز أن كان القياس جليا ومنه المساوي بخلاف الجنس لضعفه.
الثالث يجوز أن كان القياس في زمنه ﷺ والعلة منصوصة بخلاف ما علته مستنبطة لضعفه وما وجد بعد زمنه لانتفاء النسخ حينئذ.
ونسخ بعض الذكر مطلقا ورد.
يعني: أنه قد وقع في الشرع نسخ بعض الذكر آي القرآن تلاوة وحكما أحدهما فقط وقيل: لا يجوز نسخ بعضه شرعا ككله.
الجمع على منع نسخ تلاوته أو أحكامه شرعا وهو جائز عقلا وحكم نسخ جميع السنة كحكم نسخ جميع القرآن، مثال نسخ التلاوة والحكم ما روى مسلم عن عائشة ﵂ كان فيما نزل آي من القرآن عشر رضعات معلومات أي يحرمن فنسخن تلاوة وحكما عند مالك وتلاوة فقط عند الشافعي، ومثال منسوخ التلاوة وحكما عند مالك وتلاوة فقط عند الشافعي، ومثال منسوخ التلاوة فقط الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة والمراد بالشيخ والشيخة المحصنان لأمره ﷺ برجم المحصنين وست وستون آية ناسخ ومنسوخ والمراد بنسخ الحكم نسخ العمل به واختلف في منسوخ التلاوة، فقال ابن الحاجب الأشبه جواز حمل المحدث له وقال الآمدي من الحنابلة إلا شبه المنع.
стр. 285
والنسخ بالنص لنص معتمد.
أي قوى مشهور جوازا أو وقوعا على تفصي يأتي، أما نسخ القرآن بالقرآن فالصحيح جوازه ووقوعه كنسخ الاعتداد بالحول بأربعة أشهر وعشر وأما نسخ السنة متواترة أو آحادا بالسنة المتواترة أو نسخ الآحاد بالآحاد فجائز اتفاقا أو عند الأكثر وقال الأسنوي: احتلفوا في وقوعه على مذهبين وممن ذكر الاتفاق على جوازه الأمدي في الأحكام ومنتهى السؤال وعبارة السبكي وابن الحاجب توهم أن الخلاف في الجواز ويدل له أن القاضي حكى عن بعضهم أنه منعه عقلا ولا فرق في هذا كله بين القرآن والسنة المتواترة والخلاف في وقوع نسخ المتواترة بالآحاد يدل بالأولى على وقوعه بالمتواترة لمثلها أو للآحاد وأما نسخ القرآن للسنة متواترة أم لا فجائز وواقع على الصحيح ودليل الجواز قوله تعالى: ((ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)) وأن خص من عمومه ما نسخ أو بين بغير القرآن، ويجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة على الصحيح ومذهب الجمهور وقوعه ووجه منع نسخ المتواترة بالآحاد أن المتواتر مقطوع به والآحاد مظنون والنسخ إبطال وشرط المبطل أن يكون مساويا أو أقوى بخلاف الرفع فإنه يحصل لأدنى دافع وأجيب بوجهين: الأول أن محل النسخ الحكم ودلالة القرآن عليه ظنية، والثاني تضعيف القول بأن المبطل لابد أن يكون أقوى أو مساويا بأوجه منها ما ذكره القاضي في مختصر التقريب بأنا نقول وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع فما يضرنا التردد في أصل الحديث مع أنا نعلم قطعا وجوب العمل به ومنها أنا لا نسلم أن المقطوع لا يدفع بالمظنون لأن انتفاء الأحكام قبل ورود الشرع مقطوع به عندنا وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوع به عند آخرين ثم إذا نقل خبر عنه ﷺ يثبت العمل به ويرتفع ما تقرر قبل ورود الشرع ذكره القاضي أيضا.
فولنا ودلالة القرآن عليه ظنية فإن قيل يؤخذ منه منع نسخ التلاوة بالآحاد لأن نسخها يتضمن إسقاط قرآنيتها وهي ثابتة قطعا فلا تنسخ بالآحاد فالجواب منع ذلك كما في الآيات البينات بأن الثابت
стр. 286
بالقطع هو أصل قرآنيتها لا دوامها الذي ينسخ بالآحاد على تقدير القول به هو الثاني دون الأول.
والنسخ بالآحاد للكتاب ... ليس بواقع على صواب
يعني أن نسخ القرآن بخبر الآحاد وإن كان جائزًا فليس بواقع على الصواب أي الصحيح وهذا مستثنى مما دل عليه البيت قبله قال السبكي: والحق لم يقع إلا بالمتواترة بخلاف نسخ القرآن والسنة المتواترة بالآحاد كنسخ حديث «لا وصية لوارث» لقوله تعالى: (كتب عليهم إذا حضر أحدكم الموت) إلى (والأقربين) وكنسخ نهيه ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع لقوله: (قل لا أجد فيما أوحي إلي) الآية وكنسخ حديث «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» لقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) واحتج أيضًا القائلون بالوقوع بأنه يخصص فينسخ وأجاب النافون للوقوع بعدم تسليم كون ذلك ونحوه غير متواتر للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقرابتهم من زمان النبي ﷺ قلت: وذلك لا يكفي بالنسبة إلى أهل الأعصار المتأخرة بكثير إذ التواتر يشترط في كل الطبقات كما هو معلوم إلا أن يقال المدار هنا في التواتر وغيره على زمانه ﵇. وممن قال بالوقوع الباجي منا وعليه مشى القرافي في «التنقيح» وأهل الظاهر والغزالي.
(وينسخ الخف بما له ثقل) الخف بكسر الخاء المعجمة بمعنى الخفيف وثقل بكسر ففتح يعني أنه يجوز نسخ الخفيف من الأحكام ببدل أثقل منه وقال بعض المعتزلة لا يجوز إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر وأجبت بأنه إن سلم رعاية المصلحة في مشروعية الأحكام فلا يسلم عدم المصلحة في ذلك لأن من فوائده كثرة الثواب وقد تكون له فائدة في علمه تعالى كما يسقمهم بعد الصحة ويضعفهم بعد القوة لا كنا لا نسلم رعاية المصلحة إلا تفضلا لا وجوبا وقد وقع كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية بتعيين الصوم ومن النسخ
стр. 287
بالأثقل نسخ الحبس في البيوت بالجلد والرجم ووافق الظاهرية بعض المعتزلة في المنع محتجين بقوله تعالى: ((نأت بخير منها أو مثلها)) وبقوله ((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)). وأجيب عن الأول بأن الأثقل قد يكون أفضل بكثرة الثواب وإصلاحه لأخلاقه ومعاده ومعاشه وعن الثاني بحمله على اليسر في الآخرة ولا خلاف في جواز النسخ بالأخف والمساوي.
(وقد يجيء عاريا من البدل)
يعني أن النسخ يجوز بلا بدل أصلا عند الجمهور خلافا لبعض المعتزلة في الجواز وللشافعي في الوقوع، حجة المعتزلة عدم المصلحة فيه وأجيب بأنها الراحة من التكليف مثال وقوعه نسخ وجوب تقديم الصدقة على مناجاة الرسول إذ لا بدل لوجوبه فيرجع الأمر إلى ما كان قبله مما دل عليه الدليل العام من تحريم الفعل أن كان مضرة وأباحته إن كان منفعة وأجيب من جهة المانع بعدم تسليم أنه لا بدل للوجوب بل بدله الجواز الصادق هنا بالإباحة والاستحباب فالقائل بالوقوع معترف بأن الأمر في نسخ الوجوب يرجع إلى مقتضى الدليل العام وأن ذلك المقتضى ليس من البدل المراد هنا وإلا كان مناقضا لقوله بالوقوع. والشافعي القائل أن النسخ لا يقع إلا ببدل لا يكفي عنده ما هو مقتضى الدليل العام بل لابد عنده أن يكون البدل مستفادا من النسخ نصا أو اقتضاء: ((إذا ناجيتم الرسول)) من قبيل الاقتضاء فإن قضية رفع الوجوب بقاء الجواز أي عدم الحرج الصادق بالإباحة والاستحباب بخلاف ما دل عليه الدليل العام فليس مفادا من النسخ لا نصا ولا اقتضاء بل هو أمر منفصل عنه البتة قاله في الآيات البينات.
حاصلة أن النسخ لم يعد البدل نصا أو اقتضاء كما تقرر يكون محل الخلاف حتى يكون ممتنعا عند المعتزلة وأن ثبت حكم آخر بمقتضى الدليل العام لكن ما نقل السبكي في شرح المنهاج عن القاضي حيث قال واستدل القاضي في مختصر التقريب على تجويز نسخ الشيء لا إلى بدل بأنا نجوز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملة فلا نجوز
стр. 288
ارتفاع عبادة لا بعينها لا إلى بدل أولى والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يجوزون ارتفاع التكليف فلهذا خالفونا في المسألة فهذا مثار الخلاف في هذه المسألة قد يقتضي خلاف ذلك لأنه حيث ثبت حكم بمقتضى الدليل العام لم يلزم ارتفاع التكليف قاله في الآيات البينات، ومن حجج المانعين قوله تعالى: ((ما ننسخ من آية أو ننسهانات بخير منها أو مثلها)) وأجيب بأن الجواب لا يجب أن يكون ممكنا فضلا عن أن يكون واقعا نحو أن كان الواحد نصف العشرة فالعشرة اثنان.
وانسخ من قبل وقوع الفعل ... جاء وقوعا في صحيح النقل
النسخ مبتدأ، وجملة جاء وقوعا خبره، ووقوعا تمييز محول عن الفاعل.
منهم من يعبر عن هذه المسألة بنسخ الفعل قبل التمكن منه ومنهم من يعبر بالنسخ قبل الفعل ومنهم من يقول قبل وقت الفعل أو قبل مجيء وقته يعني أنه يجوز على الصحيح نسخ الفعل قبل التمكن منه بأن أمر به فورا فنسخ قبل الشروع فيه أو غيره على التراخي ولم يدخل وقته أو دخل ولم يخص منه زمن يسع الفعل أو كان الفعل يتكرر مرارا ففعل ثم نسخ كنسخ القبلة وفاقا للمعتزلة في هذه الأخيرة لحصول مصلحة الفعل بتلك المرات الواقعة في الأزمنة الماضية ومنعوا الثلاث قبلها لعدم حصول المصلحة قال القرافي وأما بعد الشروع وقبل الكمال فلم أر فيه نقلا ومقتضى مذهبنا جواز النسخ فيه وفي غيره وتعليل المعتزلة المنع بعدم حصول المصلحة قريب من تعليل بعضهم له بعدم استقرار التكليف لأن هذا مبني على ذلك أي على وجوب ظهور المصلحة للعقل في أفعال الله تعالى وهو ممنوع عند أهل السنة ولهذا أجابوا بأنه يكفي للنسخ وجود أصل التكليف وأن لم يستقر والصواب في تفسير استقرار التكليف ما فسره به الكمال من أنه يكون بدخول الوقت ومضي زمن يسع الفعل قال في الآيات البينات وهو ظاهر لأن معنى استقرار التكليف من سقوطه مما يعرض من نحو جنون أن إغماء وذلك متوقف على مضي الزمن المذكور إذ بعد
стр. 289
مضيه تلزم العبادة وأن عرض ما ذكر قبل فعلها واستغرق الوقت بخلاف ما قبل مضيه فإن عروض ما ذكر يسقطها إذ استغرق الوقت ومن أدلة وقوع النسخ قبل التمكن قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇ ((يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك)) ثم نسخ بقوله تعالى ((وفديناه بذبح عظيم)) ومنها رفع الصلوات الخمسين ليلة الإسراء بالخمس والذبيح قول الأكثر أنه إسحاق لكنه سرى إليهم من أهل الكتاب حسدا للعرب أن يكون جدهم الذبيح والصواب أنه إسماعيل لأن البشارة بإسحاق معطوفة على البشارة بالغلام المذبوح ولقوله ﷺ : ((أنا ابن الذبيحين)) والأصل الحقيقة ولأن ذلك كان بمكة وكانا قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا أيام ابن الزبير ولم يكن إسحاق بمكة ويروي عن خلق كثير من الصحابة والتابعين وكونه إسحاق مردود بأكثر من عشرين وجها وأما نسخ الفعل بعد خروج وقته بلا عمل فمتفق على جوازه كما صرح به الآمدي في الأحكام لكن جزم ابن الحاجب بأنه لا يجوز واقتضى كلامه الاتفاق عليه قال في الآيات لبينات بعد ذكر تصريح الآمدي بالاتفاق على الجواز ما نصه وهذا يتأتى إذا صرح بوجوب القضاء أو قلنا الأمر بالأداء يستلزمه ويجوز النسخ في الوقت بعد مضي زمن يسعه عند الجميع إلا الكرخي من الحنفية فغنه قال لا يجوز النسخ قبل الفعل، سواء مضي من الوقت مقدار ما يسعه أم لا (وجاز بالفحوى) يعني أن النسخ بمفهوم الموافقة بقسميه جائز بالاتفاق عند الآمدي والرازي وحكي أبو إسحاق الشيرازي قولا بمنع النسخ به بناء على أنه قياس لمحل الفحوى على محل المنطوق والقياس لا يجوز النسخ به.
ونسخه بلا ... أصل وعكسه جوازه انجلا
ورأى الأكثرين الاستلزام
نسخه مبتدأ وعكسه معطوف عليه وجوازه مبتدأ ثان وجملة جلا المبتدأ والثاني وخبره خبر عن الأول يعني أنه يجوز نسخ الفحوى أي مفهوم الموافقة بقسميه ولو بالفحوى دون نسخ أصله الذي هو
стр. 290
المنطوق وكذا عكسه وهو نسخ الأصل دونه على الصحيح فيهما لأن الفحوى وأصله مدلولان متغايران مجاز نسخ كل واحد منهما فقط كنسخ تحريم ضرب الوالدين دون تحريم التأفيف والعكي فلا ارتباط عقلا بين حكمين من هذه الأحكام بحيث يمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر بل الارتباط بينهما إنما هو بمعنى التبعية في الدلالة والانتقال من المنطوق إلى الفحوى وهو لا يوجب اللزوم في الحكم قال سعد الدين التفتزاني ولو سلم فعند الإطلاق دون التنصيص كما إذا قيل اقتل فلانا ولا تستخف به قوله ورأى الأكثرين الاستلزام يعني أن ما مضي من جواز نسخ كل من المنطوق ومفهوم الموافقة دون الآخر مبني على عدم استلزام كل منهما الآخر وأن مذهب الأكثرين هو الاستلام فلا يجوز نسخ واحد منهما دون الآخر لن الفحوى لازم لأصله وتابع له ورفع اللازم يستلزم رفع الملزوم ورف المتبوع يستلزم رفع التابع أما نسخهما معا فجائز اتفاقا.
(وبالمخالفة لا يرام)
يعني أن النسخ بمفهوم المخالفة لا يقصد لعدم جوازه لضعفها عن مقاومة النص.
وهي عن الأصل لها تجرد ... في النسخ وانعكاسه مستبعد
يعني: أنه يجوز المخالفة أي الحكم المفهوم على طريق المخالفة دون نسخ الأصل وهو حكم المنطوق وأحرى في الجواز إذا نسخت مع أصلها مثال نسخها دونه حديث إنما الماء من الماء فإن المنسوخ مفهومه وهو عدم لزوم الغسل عند عدم الإنزال ومثال نسخهما معا أن ينسخ مثلا وجوب الزكاة في السائمة ونفيه في المعلوفة عند القائل به قوله وانعكاسه الخ يعني أن الأصل وهو حكم المنطوق دون المخالفة أمر بعيد فالظاهر منعه لأنها تابعة له فترتفع بارتفاعه ولا يرتفع هو بارتفاعها واستشكل منع نسخ الأصل دونها مع جواز نسخ الأصل دون الفحوى فلابد من التسوية بينهما في الجواز والامتناع أو من إبداء
стр. 291
فرق واضح بينهما فإن العلة المذكورة لمنع نسخ الأصل دونها غير مسلمة وما أراد بسط ذلك فليطالع الآيات البينات. وقيل يجوز نسخ الأصل دونها.
ويجب الرفع لحكم الفرع ... أن حكم أصله يرى ذا رفع
يعني: أن المختار أن حكم الأصل المقيس عليه إذا نسخ لا يبقى مع نسخه حكم الفرع المقيس لانتفاء العلة التي ثبت بها بانتفاء حكم الأصل وقالت الحنفية يبقى لأن القياس مظهر له لا مثبت مثاله على ما حكاه الباجي عنهم جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض بالقياس على شهادتهم على المسلمين في السفر ثم نسخت شهادتهم على المسلمين وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض قال الإبياري والخلاف في المسألة مبني على الخلاف في حكم الأصل هذا يضاف إلى العلة أو المضاف إلى العلة إنما هو حكم الفرع كما يقوله الحنفية فنسخ حكم الأصل ليس نسخا للعلة المضاف إليها حكم الفرع وإسقاط حكم الفرع لنسخ حكم الأصل سماه بعضهم نسخا والأحسن أن لا يسماه وذلك لأن مورد النسخ حكم الأصل ثم يترتب انتفاء حكم الفرع وعلى أنه يسماه نقول كما في الآيات البينات تسلط الناسخ على الحكمين معا ورفعهما معا لكن على أن حكم الفرع لا يبقى مع نسخ حكم الأصل يشكل جواز نسخ الأصل دون الفحوى بناء على أن دلالتهما قياسية قال في الآيات البينات. ويمكن أن يجاب بأن ثبوت الحكم في الفحوى أقوى من ثبوته هنا بدليل انه قيل أنها منطوق.
وينسخ الإنشا ولو مؤبدا ... والقيد في الفعل أو الحكم بداً
مؤبدا بفتح الموحدة والقيد مبتدأ خيره جملة بدا وقوله في الفعل يتعلق بالخبر والحكم معطوف على الفعل يعني أنه يجوز نسخ الإنشاء ولا خلاف في جوازه ووقوعه في الجملة ولو قيد بالتأبيد وغيره عند الجمهور سواء كان القيد في الفعل نحو صوموا أبدا صوموا حتما أو في
стр. 292
الحكم نحو الصوم واجب مستمر أبدا أو واجب مستمر إذا قاله إنشاء لا خبرا فسيأتي ويتبين بورود الناسخ أن المراد أفعلوا إلى وجوده كما يقال لازم غريمك أبدا أي إلى أن يعطي الحق فإن قيل ذلك التقدير خلاف الظاهر فلابد له من قرينة، قلنا القرينة ظهور أن التكليف متوقف على مشيئة الشارع وأن له رفعه متى أراد حيث ثبت إمكان رفعه على أنه لا حاجة هنا إلى قرينة لأن المكلف مطالب بالمكلف به مطلقا إلى أن يعلم سقوطه عنه.
وفي الأخير منع ابن الحاجب ... كمستمر بعد صوم واجب
يعني أن ابن الحاجب من المالكية وفاقا لقوم من الحنفية منعوا النسخ في الأخير وهو ما كان التأبيد فيه قيدا للحكم كان يقول الشارع أمرتم بصوم واجب مستمر أو الصوم واجب مستمر أبداً إذا قاله على سبيل الإنشاء لا الخبر لأن القيد هنا للحكم وهو الوجوب والاستمرار فلا يجوز نسخه عند ابن الحاجب ومن تبعه ولعل وجهه أن الحكم كلام نفسي بخلاف صوموا أبدا فإن التأبيد قيد الواجب وهو الصوم الذي هو فعل المكلف فلذا جاز نسخه عندهم وأجيب من جهة الجمهور بعدم الفارق لأنه إذا كان المراد بقوله الصوم واجب مستمر الإنشاء كان بمعنى صوموا صوما مستمرا أو صوموا أبدا وإنما يظهؤ الفرق بين كون التأبيد قيدا للواجب أو لو كان المراد به الخبر وهو محل وفاق قاله المحشي.
ونسخ الأخبار بإيجاب خبر ... بناقض يجوز لا نسخ الخبر
يعني أنه يجوز نسخ إيجاب الأخبار بشيء بإيجاب الأخبار بناقض ذلك الشيء أي نقيضه قوله ونسخ الأخبار على حذف مضاف كما رأيت وقوله خبر آخر الشرط الأول بمعنى الأخبار كان يوجب الأخبار بقيام زيد ثم يوجب الأخبار بعدم قيامه قبل الأخبار كان يوجب الأخبار بقيام زيد ثم يوجب الأخبار بعدن قيامه قبل الأخبار بقيامه ومنعته المعتزلة فيما إذا كان المخبر به لا يتغير كحدوث العالم لأن الإخبار
стр. 293
المذكور كذب والتكليف بالكذب قبيح بناء على قاعدة التحسين والتقبيح ووجوب رعاية المصالح في أفعاله تعالى وجميع ذلك باطل عند أهل السنة مع أنه قد يدعو التكليف بالكذب غرض للمكلف صحيح فلا يكون قبيحا وقد ذكر الفقهاء مسائل يجب فيها الكذب وقد يندب وقد يكره ونظمها بعضهم بقوله:
لقد أوجبوا زورا لإنقاذ مسلم ... وقال له إ هو بالجوز يطلب
ويكره تطيبا لخاطر أهله ... وإما بإرهاب العدو فيندب
وجاز لإصلاح ويحرم ما سوى ... أولاء فذا نظم لهن مهذب
قوله بإيجاب الأخبار بنقيضه خرج به مجرد نسخة من غير إيجاب الأخبار لنقيضه كما لو قال أخبر وأعن العالم بأنه حادث ثم قال لا تخبروا عنه بشيء البتة فلا خلاف في جوازه قاله في الآيات البينات ومثله لحاولوا قوله لا نسخ الخبر أي لا يجوز نسخ مدلول الخبر بخلاف لفظه فجائز لقولنا ونسخ بعض الذكر مطلقا ورد، قال السبكي: ويجوز على الصحيح نسخ بعض القرآن تلاوة وحكما أو أحدهما فقط وإنما منعوا نسخ مدلول الخبر وإن كان مما يتغير لنه يوهم الكذب أي يوقعه في الوهم أي أن الذهن والكذب على الله تعالى محال واعترض بأن نسخ الأمر يوهم البدء أي الظهور بعد الخفاء وهو محال على الله تعالى أيضا فلو كان مجرد الإيهام مانعا لامتنع النسخ هنا أيضا قال في الآيات البينات فإن قالوا النهي الذي ينسخ الأمر دال على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت قلنا الناسخ للخبر أيضا دال على أن الخبر المنسوخ لم يتناول تلك الصورة. وأجيب بأن الإيهام الذي في الأمر هو الإيهام المنافي للتحقيق والذي في الخبر هو الإيهام المجامع للتحقق (وكل حكم قابل له).
стр. 294
يعني أنه يجوز عند الجمهور عقلا نسخ جميع الأحكام من وجوب وندب وتحريم وكراهة وإباحة شرعية ويبقى الأمر في الجميع على الإباحة الأصلية أي المأخوذة من براءة العقل وهي ليست بحكم شرعي كما تقدم ومنع الغزالي إلى نسخ جميع التكاليف لتوقف معرفة النسخ والناسخ وهو الله تعالى ومعرفة الدليل الدال على النسخ وهي من التكاليف فلا يتأتى نسخها وأجاب ابن الحاجب بأنه بحصول تلك المعرفة ينتهي التكليف بها فيصدق أنه لم يبق تكليف وهو المقصود بنسخ جميع التكاليف فلا نزاع في المعنى لأن الذي ادعاه الجمهور جواز ارتفاع جميع التكاليف عقلا بعضها بطريق النسخ وبعضها وهو وجوب معرفة النسخ والناسخ بالإتيان بالمأمور به والغزالي لا يخالف في ذلك والذي ادعاه الغزالي انه لا يمكن رفع جميعها بطريق النسخ بما فيه من التسلسل والجمهور لا يخالفون في ذلك ويدخل في نسخ كل الأحكام نسخ تلاوة جميع القرآن لما تقدم من رجوع نسخها إلى نسخ الحكم ولا ينافي ذلك الإجماع على منع نسخ كل القرآن لدى امتناع شرعي والمراد بالجواز الجواز العقلي قاله في الآيات البينات ومنعت المعتزلة نسخ ما كان حسنا لذاته أو قبيحا لها، الأول مثل معرفة الله تعالى وهو العلم بوجوده ووحدانيته واتصافه بصفاته ومثل العلة وسكر المنعم فهذا لا يجوز نسخ وجوبه والثاني مثل الظلم والكفر والكذب فهذا لا يجوز نسخ تحريمه لأن هذا لا يتغير بتغيير الأزمان بناء منهم على أصلهم الباطل أعني التحسين والتقبيح العلقيي.
وفي ... نفي الوقوع الاتفاق قد نفى
الاتفاق مبتدأ خبره جملة قفى بالبناء للمفعول والجار والمجرور يتعلقان بالاتفاق يعني أن الاتفاق أي الإجماع على عدم وقوع نسخ جميع التكاليف إجماع مقفو أي متبع مسلم.
هل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه إلى الموجود
стр. 295
يعني أنهم اختلفوا هل يستقل الحكم في حق المكلفين بنفس وروده أي تبليغ جبريل النبي إياه ﷺ وقبل بلوغه الأمة قيل: يستقل أي يثبت بمعنى الاستقرار في الذمة لا بمعنى طلب الامتثال كما صلاة ونحوها أولاً أما من يمكنه علم الشرائع فقضاؤها واجب عليه في النائم وقت الصلاة فإنها مستقرة في ذمته مع أنه غير مخاطب بها وقيل لا يثبت الحكم في حق المكلفين حتى يبلغه من النبي ﷺ لعدم عملهم به أما قبل بلوغه النبي فلا يثبت في حقهم اتفاقا إذا كان قبل بلوغه جبريل فإن كان بين التبليغين فكذلك على الصواب وينبني على الخلاف رفع الخمسين صلاة ليلة الإسراء هل يسمى نسخاً أولاً والذي عليه الجمهور واختاره ابن الحاجب والسبكي أن الناسخ قبل تبليغه ﷺ الأمة لا يثبت في حقهم.
أعلم أن أن هذه المسألة فرضها بعضهم كالسبكي في ورود الناسخ قبل تبليغه ﷺ الأمة وفرضها عياض في أول الوكالة من التنبهات فيما هو أعلم من النسخ وإياه تبعت في النظم تربية للفائدة.
فالعزل بالموت أو العزل عرض ... كذا قضاء جاهل للمفترض
المفترض بفتح الراء يعني أنه ينبني على الخلاف المذكور عزل الوكيل أو الخطيب هل يكون بنفس موت الموكل أو المولى إذا حصل موت وبمجرد العزل إذا عزل احدهما بناء على أن الحكم يثبت بنفس الورود قبل البلاغ أولاً يثبت العزول بمجرد ما ذكر بل حتى يبلغهما العزل فيه خلاف، فائدته هل يمضي تصرف الوكيل قبل علمه بالعزل أو يرد قال خليل: وانعزل بموت موكله أن علم- والأفتا ويلان وفي عزله بعزله ولم يعلم خلاف. قوله عرض معناه ظهر بناء الخلاف عليه وهو خبر العزل الأول لا الثاني فإنه معطوف على الموت قوله كذا قضاء الخ معناه ينبني على الخلاف أيضا هل يقضي الجاهل بالشرائع لكونه أسلم بدار الكفر أو نشأ على شاهق جبل ما فاته من الفرائض من صلاة ونحوها أولاً، أما من يمكنه علم الشرائع، فقضاؤها واجب عليه وإن لم تبلغه.
стр. 296
وليس نسخا كل ما أفادا ... فيما رسى بالنص الازديادا
كل اسم وليس نسخا خبرها والازدياد مفعول أفاد يعني أن ملكا وأكثر أصحابه والشافعية والحنابلة لا يكون كل ما أفاد الازدياد أي الزيادة على ما ثبت بالنص نسخا عندهم للمزيد عليه لعدم منافاة الزيادة وما لا ينافي لا يكون ناسخاً أي رافعا للحكم الشرعي ومن شرط النسخ التنافي بحيث لا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ والمراد زيادة جزء من العبادة أو زيادة شرط لها مثال زيادة الجزء زيادة التقريب في حد الزنا وزيادة ركعتين بناء على أن الصلاة فرضت ركعتين ومثال زيادة الشرط زيادة الإيمان في صفات رقبة الكفارة خلافا للحنفية في قولهم أن تلك الزيادة نسخ واحتجوا بان السلام كان واجبا بعد الركعتين فبطل صلك وصار في موضع آخر وهو بعد الأربع فقد بطل حكم شرعي، وأجيب بان السلام يجب فيه أن يكون آخر الصلاة ثنائية كانت أو ثلاثية أو رباعية وكونه في آخر الصلاة لم يبطل، بل هو باق على حاله واحتجوا أيضا بأجزاء الركعتين الأوليين قبل والأجزاء حكم شرعي وقد ارتفع فيكون رفعه نسخا وبإباحة الأفعال بعد الركعتين ومع الزيادة بطلت هذه الإباحة والإباحة حكم شرعي ارتفع فيكون رفعه نسخا وأجيب عن الأول بأن معنى الأجزاء أنه لم يبق شيء آخر واجب على المكلف وذلك إشارة إلى عدم التكليف وعدم التكليف حكم عقلي لا شرعي والحكم العقلي رفعه ليس نسخا، بدليل أو وجوب العبادة ابتداء رافع للحكم العقلي رفعه ليس نسخا، بدليل أن وجوب العبادة ابتداء رافع للحكم العقلي الذي هو البراءة الأصلية وليس ذلك نسخا إجماعا قاله القرافي في شرح تنقيحه وأجيب عن الثاني بأن إباحة الاشتغال بعد الركعتين تابع لكونه ما وجب عليه شيء آخر وكونه ما وجب عليه شيء آخر إشارة إلى نفي الحكم الشرعي وبراءة الذمة التي هي حكم عقلي فلا يكون رفعه نسخا قاله فيه أيضا وكذا يقال أن زيادة التقريب رافعة لعدم وجوبة وعدم الوجوب حكم عقلي وتقييد الرقبة بالإيمان رافع لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها وذلك حكم عقلي فلا يكون رفعه نسخا كما تقدم وأما زيادة عبادة مستقلة مجانيسة كصلاة سادسة فليس محل خلاف للحنفية وإن خالف
стр. 297
فيه بعض أهل العراق وإنما جعل الحنفية الوتر ناسخًا حيث اعتقدوا وجوبه لما فيه من نسخ، قوله تعالى: (حافظوا على الصلاة الوسطى) فقد ذهبت المحافظة على الوسطى بصيرورتها غير وسطى لأن الصلاة صارت ستاً وكل عدد زوج لا توسط فيه وطلب المحافظة حكم شرعي قد ارتفع فيكون رفعه نسخًا وهذا بناء على أن تسميتها وسطى لتوسطها بين عددين وقيل لتوسطها بين الليل والنهار فهي الصبح وقيل لتوسطها بين الأعداد الثنائية الرباعية فهي المغرب، وأما زيادة عبادة مستقلة غير متجانسة كالحج زيد على العبادات في آخر الإسلام فليست نسخًا لما تقدمه من العبادات إجماعًا وقد صرح الآمدي وابن الحاجب في «المنتهى» بأن نسخ سنة من سنن العبادة لا يكون نسخًا لها ومثار الخلاف بين الجمهور والحنفية هل رفعت الزيادة حكمًا شرعيًا فعند الجمهور لا فليست بنسخ وعند الحنفية نعم نظرًا إلى أن الأمر بما دونها اقتضى تركها فالنص المثبت لها رافع لحكم ذلك المقتضى وأجاب الجمهور بعدم تسليم اقتضائه تركها والمقتضى الترك غيره كالبراءة الأصلية فعند الجمهور غير رافعة أبدًا لحكم شرعي وعند الحنفية رافعة أبدًا له وعند بعضهم ترفعه تارة وتارة لا، فلذلك قال إن غيرت حكم المزيد عليه شرعًا حتى صار وجوده وحده كالعدم كزيادة ركعة في الفجر فنسخ وإلا فلا كزيادة أربعين في حد الخمر واختاره القاضي هنا.
والنقض للجزء أو الشرط انتقى ... نسخة للساقط لا للذبقى
يعني أن نقص جزء العبادة كركعة من الصلاة ونقص الشرط كالطهارة مثلاً انتفى بالبناء للمفعول أي اختير كونه نسخًا للساقط دون الباقي لأن الساقط هو الذي يترك وهذا مذهب المالكية والجمهور وقيل أنه نسخ لهما إلى بدل هو ذلك الناقص لجوازه أو وجوبه بعد تحريمه والجمهور يقولون أن إثبات الحكم للكل كإثباته للعموم فكما أن إخراج صورة من العموم لا يقدح كذلك إخراج جزء أو شرط.
الإجماع والنص على النسخ ولو ... تضمنا كلا معرفا رأوا
стр. 298
الإجماع مبتدأ خبره جملة رأوا والنص معطوف على المبتدأ وكلا مفعول رأوا الأول ومعرفا بكسر الراء مفعوله الثاني أي معرفا للناسخ هذا شروع فيما يعرف به النسخ وما لا يعرف به يتعين الناسخ للشيء بتأخره عنه مع أنه لا يمكن الجمع بينهما وإلا وجب الجمع والعلم بتأخره يحصل بالإجماع بأن يجمعوا على أنه متأخر عنه لما قام عندهم على تأخره يحصل بالإجماع بأن يجمعوا على أنه متأخر عنه لما قام عندهم على تأخره أو يجمعوا على أن هذا ناسخ لذلك ومثله ابن السماع بنسخ وجوب الزكاة غيرها من الحقوق المالية وكذا يحصل العلم بتأخره بنص الشارع على نسخه نصا صريحا بل ولو كان بدلالة التضمن والالتزام مثال الأول أن يقول هذا ناسخ لذلك ومثال النص عليه التزاما قوله ﷺ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة أو هذا بعد هذا لكن في هذا الأخير بشرط أن لا يمكن الجمع ومنه النص على خلاف الأول بأن يذكر الشيء على خلاف ما ذكره فيه أولا بحيث لا يمكن الجمع حتى يصح النسخ كأن يقول في شيء أنه مباح ثم يقول فيه أنه حرام وإلا بمطلق الخلاف لا يقتضي المنافاة المصححة للنسخ كما لو قال في شيء أنه جائز ثم قال فيه أنه واجب فإن الوجوب خلاف الجواز مع أنه لا ينسخ لا مكان الجمع بينهما لأن الجواز يصدق بالوجوب قاله في الآيات البينات ومثله قول التنقيح يعرف أي النسخ بالنص على الرفع أو على ثبوت النقيض أو الضد.
كذلك يعرف لدى المحرر ... فالمنع للجمع مع التأخر
كقول رأوا سابق المحرر بكسر الراء معناه المحقق يعني أن النسخ يعرف عندهم بامتناع الجمع بين الدليلين مع العلم بالمتأخر منهما فالمتأخر ناسخ كقول رأو هذا سابق على ذلك وفي معناه ما لو رتب بثم كما في صحيح مسلم عن علي كرم الله وجهه قام النبي ﷺ في الجنازة ثم قعد وقول جابر رضي الله تعالى عنه كان آخر الأمرين من فعله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار.
стр. 299
والمحكي ... بما يضاهي المدني والمكي
قوله والمحكي معطوف على قول رأو فهو من أمثلة ما علك المتأخر فيه يعني أن مما يعلم به التأخر ذكرهم الشيء بنحو هذا مكي وهذا مدني وهذا قبل الهجرة وهذا بعدها أو هذا كان عام ست والآخر عام سبع أو كان هذا في غزوة كذا والآخر غزوة كذا إذ الغزوات معلومات السنين لكن ما اختلف في ترتبه منها لا يدل ذكره على التأخر حتى يثبت به النسخ (وقوله الناسخ) يجر قوله عطفا على قول رأو والناسخ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الناسخ يعني أن مما يعلم به التأخر ويثبت به النسخ قول الراوي فيما علم نسخه وجهل ناسخه هذا هو الناسخ لذلك سواء قاله بالتعريف أو التنكير بخلاف قوله هذا ناسخ أو الناسخ لما لم يعلم بنسخه فلا يثبت به النسخ خلافا لمن قال يثبت به مطلقا ولمن قال يثبت إذا قال هذا منسوخ فإن قال هذا ناسخ لهذا لم يثبت به النسخ وردهما الجمهور بأن قوله ذلك قد يكون عن اجتهاد لا يوافق عليه وفرق بين قبول قول الراوي هذا سابق على ذلك وعدم قبول قوله فيما لم يعلم نسخه هذا ناسخ على مذهب الأكثر بما ذكره في الآيات البينات ولفظه: قد يفرق بين قبول ذلك وعدم قبول. قوله: هذا ناسخ كما سيأتي بأن هذا أقرب إلى التحقيق لن العادة أن دعوى السبق لا تكون إلا عن طريق صحيح بخلاف دعوى النسخ يكثر كونها عن اجتهاد واعتماد قرائن قد تخطئ وقد لا يقول بها غير الراوي. ولا فرق بين الراوي الصحابي وغيره.
والتأثير دع ... بوفق واحد للأصل تتبع
التأثير مفعول دع وقوله بوفق متعلق بالتأثير وللأصل متعلق بوقف وتتبع بالبناء للمفعول مجزوم لأنه جواب الأمر أي أترك التأثير في التأخير بموافقة واحد من النصين للأصل أي براءة الذمة يعني أن كون أحد النصين على براءة الذمة لا يدل على كونه متأخرا عن المخالف لها حتى يثبت النسخ به لذلك المخالف لها خلافا لمن زعم ذلك نظراً إلى أن الأصل مخالفة الشرع لها ورد بأنه لا يلزم لجواز العكس.
стр. 300
وكون رواية الصحابي يكتفي
كون بالجر عطفاً على قوله وفق والصحابي نعت رواية ويقتفي خبر لكون مفعوله محذوف أي يقتفي غيره ويتبعه في الإسلام، يعني أن كون أحد الراويين متأخر الإسلام لا يؤثر في التأخر فلا يكون حديثه متأخراً عن حديث متقدم الإسلام حتى ينسخه إذ لا يلزم من تأخر إسلامه تأخر مرويه كحديث أبي هريرة المتأخر الإسلام في الوضوء من مس الذكر مع حديث طلق ما لم تنقطع صحبة الأول قبل صحبة الثاني ولا تأثير أيضاً بحداثة سن الراوي.
(ومثله تأخر في المصحف)؟
يعني أن تأخر أحد الآيتين في المصحف عن الأخرى مثل تأخر إسلام الراوي في كون كل منهما لا يثبت به التأخر حتى ينسخ الآخر كآية العدة بالحول مع آية العدة بأربعة أشهر وعشر خلافاً لمن زعم أن تأخر إسلام الراوي يؤثر في تأخر مروية وكذا ثبوت إحدى الآيتين في المصحف بعد الأخرى نظرا إلى أنه الظاهر في الأول وأن الأصل موافقة الوضع للنزول في الثاني وأجيب بعدم وجوب ذلك لجواز العكس قال في الآيات البينات قد يجاب بأنه يكفي أن ذلك هو الظاهر والنسخ يكفي فيه الظاهر بدليل النسخ بحبر الواحد إلا أن يمنع أن ذلك هو الظاهر. قلت لا يستطيع أحد أن يمنعه لأنه هو الغالب هو الظاهر الراجح كما يدل عليه كلام صاحب الآيات البينات ويحتمل أنه لا يثبت بالاحتمال ولو راجحاً كما يدل عليه كلام المحلي.
كمل القسم الأول من كتاب نشر البنود بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه الجميل ويتلوه بحول الله وقوته القسم الثاني وأوله.
"كتاب السنة"
стр. 301
كتاب السنة
وهي لغة الطريق وتطلق شرعًا على المشروع من واجب ومندوب ومباح وتطلق في اصطلاح فقهاء المالكية على ما أمر به ﷺ وواظب عليه وأظهره ولم يوجبه وتطلق في اصطلاح الشافعية على ما كان نفلاً منقولاً عنه ﷺ وفي اصطلاح الأصوليين على ما ذكره بقوله:
وهي ما انضاف إلى الرسول ... من صفة كليس بالطويل
والقول والفعل وفي الفعل انحصر ... تقريره كذي الحديث والخبر
تقدمت مباحث الأقوال التي تشارك السنة فيها الكتاب والكلام هنا في غير ذلك يعني أن السنة هي ما يضاف إلى النبي ﷺ من صفة ككونه ليس بالطويل ولا بالقصير ومن قول وفعل ومن الفعل الإشارة كإشارته ﷺ لكعب بن مالك أن يضع الشطر من دين له على ابن أبي حدرد ومن الأفعال الهم إذ هو فعل نفس كالكف عن الإنكار فإذا هم بفعل وعاق عنه عائق كان مطلوباً شرعاً لأنه لا يهم إلا بحق كما هم بتنكيس الرداء في الاستسقاء فثقل عليه فتركه فلذلك استحبه الشافعي ومالك عملاً بما في الأثر من أنه جعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين ودخول الهم في الأفعال يقتضي دخول غيره من الأفعال القلبية كالقصود بخلاف الاعتقادات والعلوم (فليس) أفعالاً على التحقيق بل هي انفعالات
стр. 302
وقال القرافي أن الهم خفي فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل فيكون الاستدلال بأحدهما فلا يحتاج إلى ذكره وأجيب بعدم تسليم الحصر في قوله فلا يطلع عليه إلا بقول أو فعل بل قد يطلع عليه بقرائن حالية والاستدلال حينئذ إنما هو به مع إن الإطلاع عليه بأحدهما والاستدلال بأحدهما لا يمنع كونه من أفراد السنة وصحة الاستدلال به نفسه فإن قيل يمكن الاقتصار على الأفعال لشمولها الأقوال لأنها أفعال اللسان كما أن الهم فعل القلب أجيب إنما ذكروها لئلا يتوهم خروجها لعدم تبادرها عرفا من الأفعال قوله وفي الفعل الخ يعني أن تقريره ﷺ داخل في الأفعال دخول انحصار بحيث لا يخرج شيء منه عنها وتقريره أن يعلم أن أحدا فعل شيئا ولم ينكره عليه قوله كذي الحديث والخبر يعني أن الحديث والخبر كذا أي السنة في كون كل منهما هو المضاف إليه ﷺ من صفة أو قول وفعل قال في الآيات البينات عند قول السبكي وهو أقوال سيدنا محمد ﷺ وأفعاله ظاهره أن مسمى السنة المجموع المتناول السائر الأقوال والأفعال وغيرهما مما قرروه وهذا نظير ما قدمه من جعل مسمى القرآن المجموع الشامل لسائر أجزائه وظاهره أنها أيضا كالقرآن تطلق على المفهوم الكلي الصادق بكل قول أو فعل أو غيرهما والمراد بغيرهما مما قدروه يعني به الهم والإشارة إلا أنهما داخلان في الأفعال لا غير لها
والأنبياء عصموا مما نهوا ... عنه
ببناء الفعلين للمفعول العصمة بالكسر تخصيص القدرة بالطاعة فلا يخلق له قدرة على المعصية وهي واجبة لجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقد أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب
стр. 303
عصمتهم من تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه كدعوى الرسالة وما يبلغونه عن الله تعالى الخلائق وصدور الكذب عنهم فيما ذكر سهوا أو نسيانا منعه الأكثرون وما سوى الكذب في التبليغ فإن كان كفرا فقد اجتمعت الأمة على عصمتهم من الكبائر عمدا ومخالف الجمهور الحشوية واختلف أهل الحق هل المانع لوقوع الكبائر منهم عمدا العقل أو السمع وأما المعتزلة فالعقل وأن كان سهوا فالمختار العصمة منها وأما الصغائر عمدا أو سهوا فقد جوزها الجمهور عقلا لكنها لا تقع منهم غير صغائر الخسة فلا يجوز وقوعها منهم لا عمدا ولا سهوا والمراد بالصدور المنفي في قول السبكي الأنبياء معصومون لا يصدر عنهم الخ الوقوع.
فائدة
قال القرافي النقائص مستحيلة على الله تعالى والمعاصي مستحيلة على الأنبياء وعلى الملائكة وعلى مجموع الأمة المحمدية وأفراد الأمة كل واحد منهم قد استحال منه صدور المعاصي التي لم يقدر عليها فاشترك الجميع في امتناع صدور النقائص منهم ولكل واحد من هذه المواطن ضابط فأما امتناع النقائص عليه تعالى فاجتمع فيه أمور أحدها أنه لذاته وجب له ذلك غير معلل بشيء وثانيها أنه لما كان كذلك علم الله تعالى ذلك فوجب ذلك لأجل العلم ولما علمه أخبر عنه فصار واجبا لأجل الخير وأما عصمة الأنبياء والملائكة ﵈ ومجموع الأمة فالاستحالة في حقهم والعصمة من باب واحد وهو أن معناها أخبار الله تعالى النفساني واللساني أي الوارد على السنة الأنبياء عن جعلهم كذلك واجتمع مع ذلك علم الله تعالى بذلك وإرادته له فاستحالة المعصية
стр. 304
عليهم وعصمتهم نشأت عن الأمور الأربعة وأما عصمة الصحابة وآحاد الأمة الذين لم يصدر عنهم معاص فلأمور العلم والإرادة والخبر النفساني لأنه من لوازم العلم وهو معنى قولهم كل عالم مخبر عن معلومة وليس في حقهم خبر لساني أي لم ينزل الله تعالى نصا في أن فلانا لا يصدر منه كذا من المعاصي، بتصرف فيه، قوله مما نهوا عنه يعني ولو كان النبي للتنزيه لندور صدور المكروه من الولي فضلا عن النبي ﷺ ولظاهر حاله قال ابن رشد والمازري أن المكروه لا يصدر منهم أصلا وقائل ذلك يؤدب وقاله ابن شعبان:
ولم يكن لهم تفكه
بجائز بل ذاك للتشريع ... أو نية الزلفى من الرفيع
يعني أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يفعلون جائزا للتفكه أي التلذذ والميل إلى الدنيا بل إنما يفعلونه تشريعا لاممهم أو يفعلونه بنية الزلفى أي القرب من الرفيع جل وعلا كالأكل والشرب بنية التقوى على العبادة وإذا كان الأولياء الكمل لا يفعلون مباحا إلا بنية تجعله قربة ولذلك كان الشاذلي يقول أو ذي وردى من النوم فالأنبياء أولى وأحرى بذلك
فالصمت للنبي عن فعل علم ... به جواز الفعل منه قد فهم
الصمت مبتدأ وجواز مبتدأ ثاني وجملة فهم بالتركيب خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول وعلم بالبناء للفاعل يعني إذا ثبتت العصمة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام علم أن سيدنا محمدا ﷺ لا يقر أحدا مميزا ولو غير مكلف على باطل من فعل أو قول
стр. 305
أو اعتقاد لأن الباطل قبيح شرعا وأن صدر من غير المكلف ولا يجوز تمكين غير المكلف منه وإن لم يأثم به ولأنه يوهم من جهل حكم ذلك الفعل بل لا يبعد أن المكروه وخلاف الأولى كذلك قاله في الآيات البينات وإنما كان ﷺ لا يقر على باطل كغيره من الأنبياء لوجوب تغيير المنكر عليهم مطلقا ويسقط عن غيرهم إذا خاف على نفسه، وإذا كان الأمر كذلك فإذا فعل أحد فعلا وعلم به النبي ﷺ برؤية أو غيرها علم منه جواز ذلك الفعل في حق الفاعل وغيره لأن الأصل استواء الناس في الأحكام حتى تثبت الخصوصية هذا مذهب الجمهور وقال القاضي في حق الفاعل فقط إذ لا صيغة للسكوت حتى يعم وقالت المعتزلة إلا في حق من يغريه الإنكار ورد بأنه يجب الإنكار عليه ليزول توهم الإباحة وقال إمام الحرمين من الشافعية إلا في حق الكافر ولو منافقا بناء على عدم تكليفهم بالفروع وسكت عما إذا كان اعتقادا وقيل إلا في حق الكافر غير المنافق لأنه ﵊ كان ينكر على المنافقين والجواز المدلول عليه بالسكوت يحتمل الإباحة والندب والوجوب وحمله بعضهم على الإباحة فقط:
وربما يفعل للمكروه ... مبينا أنه للتنزيه
فصار في جانبه من القرب ... كالنهي أن يشرب من فم القرب
يعني أن النبي ﷺ قد يفعل المكروه المنهي عنه مبينا بذلك الفعل أن المنهي للتنزيه لا للتحريم فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها لما فيه من البيان وذلك كنهيه عن الشرب من أفواه القرب بكسر القاف وقد شرب منها:
стр. 306
وفعله المركوز في الجبلة ... كالأكل والشرب فليس ملة
من غير لمح الوصف
الجبلة بكسرتين وتشديد اللام الخلقة والملة بكسر الميم الشريعة يعني أن ما كان من أفعاله ﷺ مركوزا في الجبلة التي لا يخلو الإنسان عنها كالقيام والقعود والأكل والشرب لا يعد ذلك ملة أي شريعة نتأسى به فيها بل هو عند الباجي للإباحة في حقنا لأنها القدر المحقق والحرام والمكروه منتفيان عنه وقال بعض أصحابنا أنه للاستحباب في حقنا لاستحباب التأسي به ومحل كونه ليس ملة إنما هو مع قطع النظر إلى صفة ذلك الفعل أما مع النظر إليها فمندوب كما حكاه الباجي عن بعض أهل المذهب ونعني بصفته الحالة الواردة عنه ﵊ في ذلك كالأكل باليمين.
والأكل مما يليه والذي احتمل ... شرعا ففيه قل تردد حصل
فالحج راكبا عليه يجري ... كضجعة بعد صلاة الفجر
ما تقدم الجبلي المحض وما هنا الجبلي غير المحض أعني به المحتمل للجبلي والشرعي بأن كانت الجبلة تقتضيه في نفسها لكنه وقع متعلقا بعبادة بأن وقع فيها أو في وسيلتها كالركوب في الحج والذهاب إلى العيد بأن وقع فيها أو في وسيلتها كالركوب في الحج والذهاب إلى العيد في طريق والرجوع في أخرى والضجعة بين صلاة الفجر وصلاة الصبح على شقه الأيمن كان ﷺ يضجعها ودخوله مكة من كداء بالفتح والمد وخروجه من كدى بالضم والقصر ونزوله بالمصحب وقع في ذلك ونحوه تردد أي خلاف ناشئ عن القولين في تعارض الأصل الذي هو عدم التكليف والظاهر الذي هو بعثه للتشريع
стр. 307
والركوب أفضل عندنا على معروف المذهب إلا في السعي والطواف فالمشي فيهما واجب وقال سند واللخمي أن المشي في الحج أفضل للمشقة وركوبه ﷺ فيه جبلي ومعروف مذهبنا أن الضجعة للاستراحة لا للتشريع ويستحب عندنا الرجوع في طريق غير الأولى في العيد وكذا دخول مكة من كداء بالفتح والخروج من كدى بالضم والقصر وكذا النزول بالمصحب بعد الانصراف من منى والضمير المجرور بعلى راجع إلى التردد:
وغيره وحكمه جلى ... فالاستوا فيه هو القوى
(من غير تخصيص) يعني أن غير الجبلي من أفعاله ﷺ والحال أن حكمه من وجوب ونذب وإباحة جلى أي معلوم فاستواء الأمة فيه معه قوى مشهور لأنه مذهب الجمهور وغيره ضعيف وقال ابن خلاد من المعتزلة أنها مثله فيه إذا كان عبادة فقط وقيل لا مطلقا ويكون كمجهول الصفة الآتي أما ما كان مختصا به ﷺ كزيادة في النكاح على أربع نسوة ووجوب التهجد والوتر والضحى والأضحى بحضر إلى غير ذلك من خصائصه التي ذكرها الشيخ خليل في مختصره فلسنا متعبدين به على الوجه الذي تعبد هو به وإلا فقد تعبدنا به نحن على وجه آخر كالضحى والمشاورة فإنه تعبد بهما على وجه الوجوب وتعبدنا بهما نحن على وجه النذب قاله زكرياء والمراد إنا لسنا متعبدين به من حيث فعله بمعنى أن فعله لا يكون سببا لتعبدنا فلا ينافي تعلق التعبد به باعتبار غير الفعل كالقول ففعله للضحى على وجه الوجوب لم يؤثر في تعبدنا به لكنه أمرنا به بالقول فتعبدنا به باعتبار قوله لا باعتبار فعله الذي الكلام فيه. قاله في الآيات البينات
стр. 308
وبالنص يرى ... وبالبيان وامتثال ظهرا
يرى بالبناء للمفعول نائبه ضمير الحكم وبالنص متعلق يرى وقوله بالبيان متعلق بظهر وقوله وامتثال معطوف على البيان تكلم في البيت قبل هذا على أن الفعل الغير الجبلي إذا علم حكمه تستوي فيه الأمة معه ﷺ وتكلم هنا على ما تعرف به صفته أي حكمه فذكر أنه يعرف بالنص على حكمه كقوله مثلا: هذا واجب وبالبيان والامتثال الدال على وجوب أو ندب أو إباحة فيكون حكمه حكم المبين أو الممتثل صورة البيان أن لا تعلم صفة المأمور به فيفعله فتعلم صفته كقطعه للسارق من الكوع المبين لمحل القطع وصورة الامتثال أن يكون المأمور به معلوما فيأتي به لامتثال الأمر به كما لو تصدق بدرهم امتثالا لإيجاب التصدق به فعلم وجوبه من وقوعه امتثالا ومن فوائد استفادة الحكم من الامتثال مع استفادته من الأمر أيضا تأكيد ثبوت الحكم حيث استفيد من كل من الأمر والفعل ومنها دفع توهم توقف أجزاء المأمور به على بعض الوجوه.
وللوجوب علم النداء ... كذاك قد وسم بالقضاء
علم بالتحريك مبتدأ خبره للوجوب والعلم بمعنى العلامة وإضافته للنداء الذي هو الأذان بيانية أي العلامة التي هي النداء يعني أن الآذان يعلم به وجوب الصلاة لأنه ثبت بالاستقراء أن ما يؤذن لها واجبة بخلاف ما لا يؤذن لها كصلاة العيدين والاستسقاء فعدم الآذان يدل على عدم الوجوب إلا لدليل كما في النذر قوله كذلك قد وسم بالبناء للمفعول وتخفيف السين أي ميز وعرف
стр. 309
الوجوب بعلامة هي القضاء إلا الفجر قال خليل: "ولا يقضي غير فرض إلا هي فللزول" خلافا للشافعي القائل بوجوب قضاء العيدين وكل نافلة لها سبب.
والترك أن جلب للتعزير ... وسم للاستقرا من البصير
يعني أن ترك الشيء إذا كان ذلك الترك فيه تعزير أي عقوبة للتارك مما يدل على وجوب فعل ذلك الشيء قوله واسم بفتح فسكون معناه علامة على الوجوب لاستقراء أهل البصر والخبرة أحواله ﷺ فلم يروه يعزر إلا على ترك واجب لأن تركه معصية قال خليل وعزر الإمام لمعصية الله تعالى والمعصية هي فعل الحرام أو ترك الواجب.
وما تمحض لقصد القرب ... عن قيد الإيجاب فيسمي الندب
ما من قوله وما تمحض مصدرية يعني أن تمحض الفعل لقصد التقرب به إلى الله تعالى هو علامة تخص الندب عن غيره من الأحكام بأن تدل قرينة على قصد القربة بذلك الفعل مجردا عن قيد الوجوب بأن ينتفي دليل الوجوب وقرينته إذ لا يخفى أن جعل مجرد قصد القربة إمارة هو من حيث كونه مدلول القرينة وإلا فقصد القربة أمر باطن لا إطلاع عليه قاله المحشي والمتمحض لقصد القربة يكون صلاة أو صوما أو ذكرا أو غير ذلك من التطوعات.
وكل ما الصفة فيه تجهل ... فللوجوب في الأصح يجعل
تجهل ويجعل بالبناء للمفعول يعني أن ما كان من أفعاله ﷺ مجهول الصفة أي مجهول الحكم فإنه يحمل على
стр. 310
الوجوب لأنه الأحوط وأبعد من لحوق الإثم إذ على احتمال الندب والإباحة لا يقتضي ترك الفعل إثما وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإثم ونعني أنه للوجوب في حقه ﷺ وحقنا وكونه للوجوب هو الأصح وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك والأبهري وابن القصار وبعض الشافعية وأكثر أصحابنا وبعض الحنفية وبعض الحنابلة وقد تعقب كونه للوجوب بمنع كونه موضع احتياط إذ الاحتياط إنما يشرع حيث تقدم وجوب كما في الصلاة المنسية من الخمس إذ لم يعلم عينها أو كان ثبوته هو الأصل كوجوب صوم اليوم الموفى الثلاثين إذا لم ير هلال شوال لأن الأصل بقاء رمضان وأما ماحتمل غير ذلك ولا وجوب ولا أصل فيه فليس موضع احتياط كصوم يوم الشك في هلال رمضان وللقول بالوجوب أدلة متعددة أوردها ابن الحاجب منها قوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) أي ما دلكم عليه بالقول والفعل فاقبلوه ومنها قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
وقيل مع قصد التقرب وإن ... فقد فهو بالإباحة قمن
بكسر الميم وفتحها بمعنى حقيق يعني أن الباجي قال أن فعله ﷺ الذي جهلت صفته يحمل على الوجوب أن ظهر قصد القربة وإن لم يظهر فهو للإباحة وذكر حلولوا عن بعض أصحابنا أنه أن ظهر قصد القربة فللنذب وإلا فللاباحة والقول الأول القائل بالوجوب وسواء عنده ظهر قصد القربة أم لا ومجامعة قصد القربة للوجوب يريدون به هنا قصد القربة بيان الفعل للأمة لا قصد القربة بنفس الفعل فإن ذلك من أمارات الندب كما تقدم قوله فهو بالإباحة أي لأن الأصل عدم الطلب وإنما دلت الآية
стр. 311
على حسن التأسي والمباح حسن شرعا وقد قرر السبكي في شرح المناهج أن الآية تدل لوجوب ولا ندب ولا إباحة (وقد روى عن مالك الأخير) بسكون ياء روى وعدم تنوين مالك للوزن يعني أن إمام الحرمين والأموي رويا عن إمامنا مالك رحمه الله تعالى إن مجهول الصفة يحمل على الإباحة (والوقف للقاضي نمى البصير) يعني أن البصير بعزو الأقوال إلى أهلها نمى ونسب التوقف عن القول بواحد من الأقوال المتقدمة إلى القاضي أبي بكر الباقلاني منا وجعلهم الوقف قولا بناء على أن الشك حكم والقول بالوقف محكي عن بعض الشافعية أيضا
والناسخ الأخير أن تقابلا ... فعل وقول متكررا جلا
الألف في تقابلا ألف الإطلاق ومتكررا حال من ضمير القول المستتر في جلا بمعنى ظهر يعني أن الناسخ في حقه ﷺ هو المتأخر من القول والفعل عند تقابلهما أي تخالفهما إذا كان القول متكررا أي دل دليل على تكرر مدلوله والقول خاص به كان يقول يجب على صوم يوم عاشوراء ي كل سنة، وأفطر فيه وكون الناسخ هو المتأخر ظاهر في تأخر الفعل، وكذا في تقدمه لدلالة الفعل على الجواز المستمر، فإن لم يدل دليل على تكرر مقتضى القول فلا نسخ في تأخر الفعل دون تقدمه فإن القول يكون ناسخا له، لما تقدم من دلالة الفعل على الجواز المستمر، وقال العضد: إن دلالة الفعل لا عموم فيها، وغاية ما فيها إطلاق، فإن جهل المتأخر منهما فهو المذكور في قوله:
والرأي عند جهله ذو خلف ... بين مرجح ورأى الوقف
стр. 312
يعني أن رأى الأصوليين عند جهل المتقدم من القول والفعل مختلف فمنهم من يرجح القول لأنه أقوى دلالة من الفعل لوضعه لها والفعل إنما يدل بقرينة لأن له محامل فلابد من أمر يعين بعضها ولأنه أعم دلالة من الفعل إذ يعم الموجود والمعدوم والمعقول والمحسوس بخلاف الفعل فإنه يختص بالموجود المحسوس ولأن دلالة الفعل متفق عليها ودلالة الفعل مختلف فيها، والمتفق عليه أولى بالاعتبار وقيل يرجح الفعل لأنه أقوى في البيان بدليل أنه يبين به القول وقيل بالوقف عن ترجيح واحد منهما، على الآخر في حقه لاستوائهما في احتمال تقدم كل منهما على الآخر ولا تعارض في حقنا حيث دل دليل على تأسينا به في الفعل لعدم تناول القول لنا قوله: مرجح بكسر الجيم.
والقول أن خص بنا تعارضا ... فينا فقط والناسخ الذي مضى
أن بالتأسي أذن الدليل ... والجهل فيه ذلك التفصيل
يعني أن القول والفعل يتعارضان في حقنا دونه ﷺ إذا كان القول خاصا بنا كان قال يجب عليكم صوم عاشوراء في كل سنة وأفطر فيه في سنة بعد القول، أو قبله، وإذا تعارضا في حقنا فالناسخ هو الذي مضى أي تقدم ذكره وهو المتأخر إذا علم وتعارضهما في حقنا مشروط بأن يدل دليل على وجوب تأسينا أي اقتدائنا به في الفعل فلا معارضة بينهما في حقنا، والتعارض بين شيئين هو تقابلهما على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر أو بعض مقتضاه، قوله: والجهل الخ يعني أنه إذا جهل المتأخر منهما كان فيه التفصيل المتقدم من ترجيح بعض القول وبعض للفعل وذهاب بعض إلى الوقف
وإن يعم غيره والاقتدا ... به له نص فما قبل بدا
стр. 313
فاعل يعم ضمير القول وغير مفعوله والجواب جملة ما قبل بدا وجملة الاقتدا به الخ معترضة يعني أن القول إذا عمه ﷺ مع غيره فالحاصل هو ما ذكر قبل من نسخ المتأخر للمتقدم إذا علم ومن الخلاف عند جهله في حقنا بشرط أن يدل نص أي دليل على اقتدائنا به في ذلك الفعل مثاله أن يقول يجب على وعليكم صوم عاشوراء في كل سنة وأفطر فيه في سنة وإن لم يدل دليل على وجوب تاسينا به في الفعل فلا معارضة في حقنا والمعارضة في حقه ثابتة مطلقا.
في حقه القول بفعل خصا ... أن يك فيه القول ليس نصا
يعني أن الفعل يخصص القول في حقه أن يكن القول العام فيه ظاهرا فيه لا نصا كان قال يجب على كل أحد صوم عاشوراء وأفطر فيه في سنة تقدم الفعل أو تأخر وجهل التاريخ ولا نسخ حينئذ لأن التخصيص أهون منه لما فيه من أعمال الدليلين لأنه رفع للبغض والنسخ رفع للجميع فهو دونه في مخالفته أصل استصحاب حكم العام قولنا ولا نسخ حينئذ قيده المحشي بقوله إلا أن يكون العام سابقا وقد دخل وقته ثم جاء الفعل المخالف له أهـ.
ولم يكن تعارض الأفعال ... في كل حالة من الأحوال
يعني أن ابن الحاجب والرهوني وغيرهما صرحوا بأن لا تعارض بين الفعل والفعل في كل حالة من الحالات أي تماثل الفعلان أو اختلفا أمكن الجمع بينهما أولا إذ الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا لا كليا حتى ينافي فعلا آخر فجائز أن يقع الفعل واجبا في وقت وفي وقت آخر بخلافه ومثله للعضد حيث قال أن دلالة الفعل لا عموم فيها
стр. 314
وغاية ما فيها إطلاق وما ذكره المحلى من دلالة الفعل على الجواز المستمر دون القول مخالف لما تقدم ومخالف لما قيد به السبكي في غير جمع الجوامع معارضة الفعل للقول فيما إذا كان الفعل متقدما بأن يدل دليل على تكرار الفعل بخلاف ما إذا كان متأخرا فإنه وإن لم يدل دليل على تكراره ينسخ عموم القول المتقدم وأيضا دلالة الفعل على الجواز المستمر ليست وضعية وبحث في قول المحلى لدلالة الفعل على الجواز المستمر بأنه لم دل ذلك عليه ولم يدل عليه القول مع إن كلا منهما ليس فيه صيغة عموم وعلى أن الفعل يدل على الجواز المستمر يحتمل جواز تعارض الفعلين أخذا بظاهر هذا الكلام ويحتمل خلافه قاله في الآيات البينات.
وإن يك القول بحكم لامعا ... فآخر الفعلين كان رافعا
قوله بحكم يتعلق بقوله لامعا أي واردا بثبوت الحكم يعني أن ما ذكر من عدم تعارض الفعلين إنما هو إذا لم يقترن بالفعلين قول يدل على ثبوت الحكم وإلا كان آخر الفعلين رافعا للأول أي ناسخا له على ما صححه الابياري كقوله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" ورأوه صلى صلاة الخوف على صفات متعددة وهي سبعة فالحالة الأخيرة ناسخة لما قبلها (والكل عند بعضهم صحيح) هذا قول ثان في المسألة يعني أنه يصح الكل أي الإيقاع على كل وجه من تلك الوجوه عند بعضهم الذي هو القاضي وللشافعي ميل إليه وعليه يجوز أن تصلى صلاة الخوف على كل من تلك الصفات السبع ويجوز قبض اليدين في الفريضة وإرسالهما (ومالك عنه روى الترجيح) بإسكان ياء روى يعني إن مالكا والشافعي مثله قال يطلب الترجيح بين تلك الأفعال فيقدم ما هو أقرب لهيئة الصلاة ومن
стр. 315
الترجيح كون أحد الفعلين أقرب للعبودية والخشوع كوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة لكن مالكا رجح إرسالهما لما فيه من تقلييل الأفعال.
وحيثما قد عدم المصير ... إليه فالأولى هو التخيير
بضم عين عدم يعني إنه إذا عدم المصير إلى الترجيح بأن لم يوجد مرجح لأحد الفعلين على الآخر فالأولى والأفضل هو التخيير بين الفعلين فافعل أيهما شئت فإن ذلك خير من التعطيل وإلغاء العمل بواحد منهما.
ولم يكن مكلفا بشرع ... صلى عليه الله قبل الوضع
يعني أن النبي ﷺ ليس مكلفا بفتح اللام بشرع من قبله من الأنبياء قبل الوضع أي نزول الوحي إليه عند مالك وأصحابه واختلف في النفي هل هو بالنقل أو بالعقل.
وهو والأمة بعد كلفا ... إلا إذا التكليف بالنص انتفى
يعني أنه هو وأمته مكلفون بعد نزول الوحي إليه بشرع من قبله عند مالك وجمهور أصحابه وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة ما لم يرد دليل على عدم التكليف به فلا تكليف (وقيل لا) يعني أن بعضهم ذهب إلى عدم تكليفه هو وأمته بشرع من قبلهم بعد نزول الوحي فمشهور المذهب كما في المنتقى للباجي أن شرع من قبلنا شرع لنا والمشهور عند الشافعية أنه ليس شرعا لنا وهو اختيار السبكي.
стр. 316
والخلف فيما شرعا ... ولم يكن ذاع إليه سمعا
ببناء شرع وسمع للمفعول يعني أن اختلافهم في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا إنما هو فيما ثبت في شرعنا إنه شرع للأنبياء قبلنا ولم يكن داع إليه أي الأمر بالاقتداء بهم فيه مسموع ووارد في شرعنا أما ما لم يعلم أنه شرع للأنبياء إلا بقول أممهم فليس شرعا إنا اتفاقا وكذا لا اختلاف فيما أمرنا به في شرعنا كمدلول قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها إن النفس بالنفس) الآية، لقوله ﷺ لأنس كتاب الله القصاص فإن ذلك شرع لنا اتفاقا.
والخلاف في مثل: ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) هل يستدل به على جواز الضمان والمشهور عندنا الجواز وهذه المسألة ذكرها السبكي ولفظه اختلف هل كان الرسول ﷺ متعبدا قبل النبوءة بشرع واختلف المثبت فقيل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وما ثبت أنه شرع أقوال إلى أن قال وبعد النبوءة المنع.
ومفهم الباطل من كل خبر ... في الوضع أو نقص من الراوي انحصر
يعني أن كل خبر عنه ﷺ أفهم الباطل ولم يقبل التأويل فهو إما موضوع أو نقص منه من جهة راوية لفظ يزيل الباطل فمن الأول ما روى أن الله تعالى خلق نفسه فإنه يوهم حدوثه وقد دل العقل القاطع على استحالته عليه تعالى.
стр. 317
ومن الثاني ما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال صلى بنا النبي ﷺ صلاة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقي ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد قال ابن عمر فوهل الناس في مقالته بفتح الهاء أي غلطوا حيث لم يسمعوا لفظه اليوم فظنوا انقراض جميع الناس على رأس مائة سنة ويوافقه في إثبات لفظة اليوم حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: "لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" ومعنى منفوسة مولودة احترز به عن الملائكة وعن إبليس دون ذريته فإنها مولودة على الصحيح ويجاب عن الخضر وإلياس عليهما الصلاة والسلام بأن المراد من كان ظاهرا مثلكم ويتصرف تصرفكم.
والوضع للنسيان والترهيب ... والغلط التنفير والترغيب
يعني أن سبب الوضع للحديث بأن يكذب به على النبي ﷺ يكون لأجل النسيان من الراوي لما رواه فيذكر غيره ظانا إنه المروي ويكون لأجل الترهيب عن المعصية والترغيب في الطاعة فقد وضعت الكرامية في ذلك أحاديث كثيرة ويكون لأجل الغلط من الراوي بأن يسبق لسانه إلى غير ما رواه أو يضع مكانه ما يظن أنه يؤدي معناه ويكون لأجل التنفير كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول لتنفير العقلاء عن شريعته المطهرة ومنه ما وضعته الباطنية في دخائل القرآن لكي يخبر بها ضعيف الإيمان فلا يحد تلك المنفعة فيسوء ظنه بصدق القرآن وذلك كفر، قوله: التنفير هو بحذف العاطف وهو أولى من قول السبكي أو افتراء لأن
стр. 318
الافتراء قسم من الوضع لا سبب له والكلام في أسبابه وقد يكون الوضع لغير ما ذكر فقد كان جماعة يضعون القصص المستغربة يتوصلون بذكرها أو كتابتها إلى أخذ شيء من الدنيا يعدون ذلك ارتزاقا قاله المحشي:
وبعد أن بعث خير العرب ... دعوى النبوءة أمها للكذب
يعني أن من الأخبار ما هو مقطوع بكذبه كادعاء النبوءة أو الرسالة بعد بعثته ﷺ من غير أن يطالب بدليل لثبوت القاطع الذي هو الإجماع على أنه خاتم النبيين ولنص القرآن قال تعالى: "ولكن رسول الله وخاتم النبيين" وأما قبل نزول الآية فلا يقطع بكذب مدعيها إلا إذا لم يأت بمعجزة دالة على صدقه أو بخبر صادق أنه نبي أو رسول
وما انتفى وجوده من نص ... عند ذوى الحديث بعد الفحص
ما من قوله ما انتفى معطوف على الضمير مفعول إنم أي إنم للكذب كل نص أي حديث لم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرجال بعد الفحص بفتح فسكون أي بحث رجال الحديث عنه وتفتيشهم لقضاء العادة بكذب ناقله وقيل لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدق ناقله وهذا بعد تدوين الأحاديث أما قبل ذلك كما في عصر الصحابة فيجوز أن يروي أحدهم ما ليس عند غيره (وبعض ما ينسب للنبي) بنصب بعض عطفا على مفعول انم أي أنسب بعض الأحاديث المروية عنه ﷺ للكذب قطعا أي لم يقلها لأنه روى أنه قال سيكذب على فإن قال ذلك فلابد من وقوعه وإلا فقد كذب عليه به وهذا حديث لا يعرف له إسناد ولهذا اشترط
стр. 319
الرواة العدالة وأسقطوا أحاديث كثيرة تنسب إليه ﷺ ولولا أن بعضها مكذوب به لما حسن ذلك التحرز والتثبت قال السبكي فإن قلت لا يلزم وقوع الكذب في الماضي الذي هو المدعى لأنه قال سيكذب على بصيغة المضارع فيجوز أن يقع في المستقبل قلت السين الداخلة على يكذب وأن دلت على استقبال فإنما تدل على استقبال قليل بخلاف سوق كما نصوا عليه وقد حصل هذا الاستقبال القليل بزيادة هـ، قال في الآيات البينات ومراده بالماضي في قوله لا يلزم وقوع الكذب في الماضي ما تقدم على زمن المصنف يعني السبكي الذي هو زمن قطعه بكذب بعض المنسوب إليه ﷺ وبالمستقبل في قوله فيجوز أن يقع في المستقبل ما تأخر عن زمن ذلك الخبر الصادق بأن يكون قرب الساعة هـ
وخبر الاحاد في السنى
حيث دواعى نقله تواترا ... نرى لها لو قاله تقررا
بنصب خبر عطفا على الضمير مفعول أنم ودواعي مبتدأ وتواترا تمييز، وجملة: نرى لها تقررا أي حصولا وثبوتا خبر المبتدأ وقوله لو قاله معترض أي أنم للكذب الخبر المنقول بالآحاد إذا كانت الأمور الدواعي أي الحاملة على نقله تواترا موجودة على تقدير أخباره له كسقوط الخطيب عن المنبر يوم الجمعة ولم يخبر به إلا واحد فإنه مقطوع بكذبه لمخالفته للعادة وبهذا يثبت عندنا أن القرآن لم يأت أحد بمثله إذ لو كان لنقل إلينا تواترا مع أنه لم ينقل آحادا فضلا عن التواتر خلافا للرافضة في قولهم لا يقطع بكذبه لتجويز العقل صدقه وقد قالوا بصدق ما رووه منه في إمامة علي رضي
стр. 320
الله تعالى عنه نحو أنت الخليفة من بعدي مشبهين له بما لم يتواتر من المعجزات كجنين الجذع وتسبيح الحصى وتسليم الحجر واجبت بأنها كانت متواترة واستغنى عن تواترها إلى الآن بتواتر القرآن الذي وقع التحدي به بخلاف ما يذكر في إمامة علي فإنه لو كان ما خفي على الصحابة الذين بايعوا أبا بكر رضي الله تعالى عنه والأمور التي تحمل على نقله تواترا كونه غربيا أو مهما في الدين كوجوب الصلاة والصيام والزكاة وتحريم الخمر وكالإمامة.
واقطع بصدق خبر التواتر وسو بين مسلم وكار واللفظ والمعنى
يعني أن من الأخبار ما هو مقطوع بصدقه كالخبر المتواتر والتواتر لغة مجيء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما ومن ذلك قوله تعالى: (ثم أرسلنا رسلنا تترا) أي واحدا بعد واحد بفترة، وقال بعضهم: مشتق من الوتر والوتر قد يتوالى وقد يتباعد واصطلاحا سيأتي بعد هذا البيت والقطع بصدق المتواتر ضروري لا نظري خلافا لإمام الحرمين والغزالي من الشافعية ولا فرق بين كون المخبرين مسلمين أو كفارا أو فاسقين أو صالحين وقيل يشترط الإسلام وقيل تشترط العدالة وكذا لا فرق بين التواتر اللفظي والمعنوي فإن اتفق الجمع الآتي ذكره في اللفظ والمعنى فهو اللفظي وإن اختلفوا فيهما مع وجود معنى كلي فهو المعنوي كما إذا أخبر واحد عن حاتم أنه أعطى دينارا وآخر أنه أعطى فرسا وآخر أنه أعطى بعيرا وهكذا فقد اتفقوا على معنى كلي هو الإعطاء وحجة الجمهور القائلين أن العلم الحاصل من الخبر المتواتر ضروري هي إنا نجد ذلك
следующие страницы →