← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20892

نشر البنود على مراقي السعود

الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم

Полный текст (647 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

والتفصيل ... أحداثه منعه الدليل يعني أن أحداث التفصيل بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر حرام لما فيه من خرق الإجماع لأنه إتباع غير سبيل المؤمنين المتوعد عليه ولأن عدم التفصيل بين مسألتين يستلزم الاتفاق على امتناعه وقال بعضهم يمتنع إن خرق ويجوز إن لم يخرق ويلزم الخرق في صورتين: الأولى أن يصرحوا بعدم الفرق بينهما. الثانية أن يتحد الجامع بينهما الذي هو العلة كتوريث العمة والخالة فإن العلماء بين مورث لهما ومانع لهما والجامع بينهما الذي هو العلة عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام فلا يجوز منع واحدة وتوريث أخرى فإن التفصيل بينهما خارق لإجماعهم في الصورة الأولى نصا وفي الثانية التزاما إذ توريث أحداهما دون الأخرى يستلزم أن العلة ليست كونهما من ذوى الأرحام وإلا لما استبدت به واحدة دون الأخرى وتلك العلة مجمع عليها وإن لم ينصوا على عدم الفرق ولم يتحد الجامع جاز التفصيل كقول مالك والشافعي بوجوب الزكاة في مال الصبي دون الحلي المباح وقد قيل تجب فيهما وقيل لا تجب فيهما فالمفصل موافق لمن لم يفصل في بعض ما قاله والعلة هنا متعددة إذ هي في الأولى مال صبي وفي الثانية حلى مباح والفرق بين مسألة أحداث القول الثالث وبين مسألة أحداث التفصيل هو أن متعلق الأقوال في الأولى واحد ومتعلق التفصيل متعدد وهذا هو المشهور وقال ولي الدين إن الأولى مفروضة في الأعم من كون المحل متحدا أو متعددا فلا يرد ما قاله شهاب الدين عميرة أن الأولى تغني عن الثانية كما اقتصر عليه ابن الحاجب لتوهمه اتحاد

стр. 387

المسألتين ولذلك احتيج إلى التصريح بهما دفعا لذلك التوهم وما يقصد به دفع التوهم من المطلوب المتأكد لاسيما إذا قوى كما هنا قال في الآيات البينات ويخرج منه جواب آخر وهو أنه لما اختلف تصوير المسألتين في كلامهم كان الاقتصار على أحداهما موهما أيهاما قويا ترك الأخرى وإن حكمها بخلاف حكم المذكورة وهذا يقتضي تأكد الجمع بينهما دفعا لذلك الإيهام هـ وردة الأمة لا الجهل لما ... عدم تكليف به قد علما بنصب ردة عطفا على مفعول منع والجهل معطوف على ردة وعدم مبتدأ خبره علم بالتركيب والجملة صلة ما يعني أن الدليل السمعي منع ارتداد الأمة كلها في عصر والدليل السمعي هو قوله ﷺ "لا تجمع أمتي على ضلالة" وأيضا فإنهم أجمعوا على استمرار الإيمان فلو ارتدت كلها في عصر كان خرقا لذلك الإجماع وخرقه ممنوع والخرق يصدق بالقول والفعل كما يصدق الإجماع بهما وقيل بجواز ارتدادهم كلهم في عصر شرعا كما يجوز عقلا ولا يمنع الحديث من ذلك لانتفاء صدق الأمة حينئذ عليهم وأجيبت بأن معنى الحديث لا يجمعهم الله على أن يوجد منهم ما يضلون به الصادق بالارتداد قوله لا الجهل الخ أي لا يمنع الدليل السمعي كالعقلي اتفاق الأمة في عصر على جهل ما لم تكلف بمعرفته على الأصح لعدم الخطأ فيه كالتفصيل بين عمار وحذيفة رضي الله تعالى عنهما وقيل يمتنع وإلا كان الجهل سبيلا لها فيجب إتباعها فيه وهو باطل وأجيب بمنع كونه سبيلا لها إذ سبيل الشخص ما يختاره من قول أو فعل وعدم العلم بالشيء ليس من ذلك إما اتفاقها على جهل ما كلفت به فممنوع اتفاقا قال حلولو وقد تردد

стр. 388

الأئمة في الأدلة الدالة على عصمة الأمة من الخطأ في القول والفتيا هل تدل على عصمتهم في الفعل أولا رأى القاضي أنها لا تدل وليسوا بمعصومين في الفعل ورأى الإمام أنهم معصومون فيه كالعصمة في القول واختاره الأبياري ولكن قال الدلالة على ذلك ظنية لا قطعية هـ. والاتفاق على منع اتفاقها على جهل ما كلفت به ذكره المحلى وأورد عليه قول السبكي وفي بقاء المجمل غير معين، ثالثها الأصح لا يبقي المكلف بمعرفته أي ليعمل به فإنه يفيد قولا بجواز بقائه المستلزم للجهل به إلا أن يقال لا يلزم من عدم تبيينه الجهل به لجواز أن يعلم بطريق ما وإن لم يبينه الشارع أو يقال المراد هنا بما كلفت به ما تعلق بها على وجه التنجيز كما أجاب بهما في الآيات البينات، ولا يعارض له دليل، يعني أنه علم من جهة خرق الإجماع إن الإجماع بناء على الصحيح من أنه قطعي لا يعارضه دليل لا قطعي ولا ظني إذ لا تعارض بين قاطعين لا استحالة ذلك ولا بين قاطع ومظنون لإلغاء المظنون في مقابلة القاطع والمراد لا يعارضه معارضة يعتد بها بحيث توجب توقفا وإلا فلا مانع من وجود دليل ظني يدل على خلافه دلالة ظنية وقولنا بناء على الصحيح من أنه قطعي نحترز به عن الظني كالسكوتي فيعارضه الدليل كسائر الظنيات، ويظهر الدليل والتأويل، ببناء يظهر للمفعول يعني أنه علم من حرمة خرق الإجماع جواز أحداث أي إظهار دليل للحكم أو تأويل الدليل ليوافق غيره أو أحداث علة لحكم غير ما ذكروه من الدليل والتأويل والعلة لجواز تعدد ما ذكر ولو كان علة بناء على جواز تعددها ولا يحدث ما ذكر إلا إذا لم يخرق الإجماع لأن العلماء في كل عصر يستخرجون الأدلة والتأويلات من غير نكير وذلك إجماع سكوتي ولا يجوز الأحداث المذكور إذا كان خارقا بأن قالوا مثلا لا دليل ولا

стр. 389

علة ولا تأويل غير ما ذكرناه وقيل لا يجوز أحداث ما ذكر مطلقا لأنه من سبيل غير المؤمنين المتوعد على إتباعه وأجيب بأن المتوعد عليه ما خالف سبيلهم لا ما لم يتعرضوا له كما نحن فيه، ووجه الارتباط بين حرمة الخرق وجواز الأحداث المذكور حتى يكون الثاني معلومات من الأول أنه يفهم من حرمة الخرق جواز ما لا خرق فيه إلا لمقتض آخر ولا مقتضى هنا في الواقع أو بالنظر للأصل قاله في الآيات البينات والمراد بالأحداث المذكور الإظهار لا حقيقة الأحداث لوجود الدليل والعلة والتأويل في نفس الأمر وهو ظاهر أن حمل التأويل على وصف الدليل أعني كونه مؤولا أي مصروفا عن ظاهره فإن حمل على ما هو وصف المجتهد فحقيقة الأحداث متحققة بالنسبة إليه ويكون الأحداث مستعملا في معنييه نعم لو كان الدليل القياس وفسر بفعل المجتهد بالفعل كان أحداثا حقيقة. وقد منه على ما خالفا ... إن كان بالقطع يرى متصفا يعني أنه يجب تقديم الإجماع على ما خالفه من الأدلة إن كان الإجماع قطعيا قال في التنقيح وهو مقدم على الكتاب والسنة والقياس وقال في شرحه لأن الكتاب يقبل النسخ والتأويل وكذلك السنة والقياس يحتمل قيام المعارض وخفاؤه الذي مع وجوده يبطل القياس وفوات شرط من شروطه والإجماع معصوم قطعي ليس فيه احتمال هـ والإجماع القطعي فسره بقوله: وهو المشاهد أو المنقول ... بعدد التواتر المقول نعت للمنقول ومعناه الملفوظ به احترازا عن الإجماع السكوتي بأن الكتاب والسنة يقدمان عليه واحترز بعدد التواتر عما نقل

стр. 390

آحادا وإن كان حجة فإنه ظني قال القرافي في شرح التنقيح عقب كلامه السابق وهذا الإجماع المراد هنا هو الإجماع النطقي اللفظي المشاهد أو المنقول بالتواتر وأما أنواع الإجماعات الظنية كالسكوني ونحوه فإن الكتاب يقدم عليه هـ والإجماع المشاهد هو الذي لا واسطة فيه بينك وبين المجمعين وذلك قريب من التعذر في هذا القرن الثالث عشر وإن كانت الأرض لا تخلوا عن قائم مجتهد وما ذكره القرافي من تقويم الإجماع القاطع على ما ذكر يعضد ما في كلام ابن الحاجب وشراحه من التصريح بتقديم الإجماع على النص القاطع فإنه قال ومنها أي من الأدلة على أن الإجماع حجة قطعية أنهم أجمعوا على تقديمه على القاطع أي النص القاطع كما أفصح به الاصبهاني هـ قال في الآيات البينات أي أنهم أجمعوا على أن القاطع يقدم على غيره فلو لم يكن الإجماع الذي قدموه على النص القاطع قاطعا للزم تقديمه مع كونه غير قاطع على النص القاطع وحينئذ يكون الإجماع على تقديمه معارضا لإجماعهم على أن القاطع مقدم على غيره وذلك باطل ثم قال ولا يخفى أن تقديمه على النص القاطع فرع التعارض فهو قاطع عارضه قاطع وهو مناف لقول المصنف أي السبكي وأنه لا يعارضه دليل إذ لا تعارض بين قاطعين والجواب عندي أن كلام ابن الحاجب في نص قاطع المتن لتواتر سنده لا في قاطع الدلالة بناء على وجوده وإن الأدلة النقلية قد تفيد اليقين بانضمام تواتر أو غيره فالنص قطعي الدلالة لا يعارض الإجماع القطعي ويدل لما قلت قول القرافي المتقدم لأن الكتاب يقبل النسخ الخ وفي انقسامها لقسمين وكل ... في قوله مخط تردد نقل الضمير في انقسامها لامة الإجابة وقوله وكل مبتدأ خبره مخط منونا على الطاء بعد حذف الهمزة تخفيفا وفي قوله متعلق بمخط

стр. 391

وتردد مبتدأ ونقل بالبناء للمفعول صفة للمبتدأ وفي انقسامها خبره يعني أنه نقل عن الأصوليين تردد أي خلاف بالمنع والجواز في انقسام الأمة إلى فرقتين في كل من مسألتين متشابهتين كل من الفرقتين مخطئ في مسألة من المسألتين مثار الخلاف هل أخطأت الامة نظرا إلى ما في مجموع المسألتين فيمتنع ما ذكر لانتفاء الخطأ عنها بالأدلة السابقة وعليه الأكثر أو لم يخطأ إلا بعضها نظرا إلى كل مسألة على حدة فلا يمتنع وقال المحلى أنه الأقرب ورجحه الأمدي وقولنا متشابهتين تحرير لمحل النزاع فإن المسألة لها ثلاث حالات حالان متفق عليهما وحالة مختلف فيها فالمتفق عليهما اتفاقهم على الخطأ في المسألة الواحدة من الوجه الواحد لا يجوز إجماعا واتفاقهم على الخطأ في مسألتين متباينتين مطلقا يجوز إجماعا فخطأ المالكية والشافعية في مسألة من الجنايات والحنفية والحنابلة في مسألة من العبادات لم يقل أحد فاستحالته والمختلف فيه المسألة الواحدة ذات وجهين نحو المانع من الميراث غير أنه ينقسم إلى قسمين وقتل فهو يجوز أن يخطئ بعض في أحد القسمين فيقول القاتل يرث والعبد لا يرث فيخطئ في الأول دون الثاني ويقول الآخر العبد يرث والقاتل لا يرث فيخطئ في الأول دون الثاني فيكون القسمان من الأمة قد أخطأ في قسمين لشيء واحد فمن لاحظ اجتماع الخطأ في شيء واحد باعتبار أصل المانع المنقسم منع المسألة ومن لاحظ تنوع الأقسام وتعددها وأعرض عن المنقسم جوز ذلك فإنه في شيئين من نوع أنظره من قوله فإن المسألة لها ثلاث حالات إلى هنا في الآيات البينات وجعل من سكت مثل من أقر ... فيه خلاف بينهم قد اشتهر فالاحتجاج بالسكوت نمى ... تفريعه عليه من تقدما

стр. 392

يعني أن أهل المذهب وغيرهم اختلفوا في السكوت هل هو كالإقرار أولا وربما قالوا هل يعد السكوت رضي أولا عبارتان المراد منهما واحد ولذلك ذكر من تقدم وهم أهل الأصول تفريع الخلاف في الاحتجاج بالإجماع السكوتي على ذلك الخلاف الذي هو في السكوت هل هو رضي أولا. قال في التنقيح وإذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون فعند الشافعي والإمام أي الرازي ليس بحجة ولا إجماع وعند الجبائي إجماع وحجة بعد انقراض العصر وعند أبي هاشم ليس بإجماع وهو حجة وعند أبي علي ابن أبي هريرة إن كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة وإن كان غيره فهو إجماع وحجة هـ. ولا أدري لم لم يعز قولا من تلك الأقوال لأهل المذهب مع أن كتابه موضوع بالذات لبيان أصول مالك ومع أن أهل المذهب لابد أن يقولوا ببعض هذه الأقوال اتفاقا أو اختلافا والخلاف في ذلك معروف في المذهب وقد ذكر حلولو إن كونه ليس بحجة ولا إجماع هو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني منا ثم قال القرافي في الشرح حجة. الأول أن السكوت قد يكون لأنه في مهلة النظر أو يعتقد أن قول خصمه مما يمكن أن يذهب إليه ذاهب أو يعتقد أن كل مجتهد مصيب أو هو عنده منكر ولكن يعتقد أن غيره قام بالإنكار عليه أو يعتقد أن إنكاره لا يفيد ومع هذه الاحتمالات لا يقال الساكت موافق للقائل وهو معنى قول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول وإذا لم يكن إجماعا فلا يكون حجة لأن قول بعض الأمة ليس بحجة وحجة الجبائي أن السكوت ظاهر في الرضى لاسيما مع طول المدة ولذلك قال ﵇ في البكر وأذنها صماتها، وإذا كان الساكت موافقا كان إجماعا وحجة عملا بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة وحجة أبي

стр. 393

هاشم أنه ليس إجماعا لاحتمال السكوت ما تقدم من غير الموافقة وإما أنه حجة فإنه يفيد الظن والظن حجة لقوله ﵇ أمرت أن أقضى بالظاهر، وقياسا على المدارك الظنية حجة أبي علي أن الحاكم يتبع أحكامه ما يطلع عليه من أمور رعيته فربما علم في حق بعضهم ما يقتضي عدم سماع دعواه لأمر باطن يعلمه وظاهر الحال يقتضي أنه مخالف للإجماع وكذلك في تحليفه وإقراره وغير ذلك مما انعقد الإجماع على قبوله وإما المفتى فإنما يفتى بناء على المدارك الشرعية وهي معلومة عند غيره فإذا رآه خالفها نبهه هـ وهو بفقد السخط والضد حرى ... مع مضى مهلة للنظر السخط بالضم والمهملة بالضم المدة بالضم يعني أن محل النزاع في سكوت من سكت إنما هو إذا فقد ما يدل على السخط والإنكار لقول المتكلمين وإلا فليس إجماعا اتفاقا وكذلك إذا ظهر منه الرضي بذلك فهو إجماع اتفاقا ولابد أن تمضى مهلة أي مدة يمكن فيها نظر الساكتين في المسألة وإلا فليس بإجماع اتفاقا وإنما فسرنا المهلة بالمدة لأنها عدة وآلة للنظر من حيث أنه لم يمكن إلا بمضيها ولابد من بلوغ الكل ولابد أن تكون المسألة تكليفية وإلا فليس برضى اتفاقا كالتفضيل بين عمار وحذيفة ومحل الخلاف أيضا إنما هو قبل استقرار المذاهب كما صرح به ابن الحاجب والرهوني لأن السكوت بعده لا يدل على الوافقة إذ العادة جارية بإنكار ذلك قوله وهو عائد إلى السكوت مبتدأ خبره حرى بمعنى حقيق ويفقد متعلق بحرى ولا يكفر الذي قد اتبع ... إنكار الإجماع وبيس ما ابتدع يعني أنه لا يكفر من اتبع واعتقد كون الإجماع ليس حجة لكن

стр. 394

ذلك بدعة شنيعة وهفوة فظيعة وقائل ذلك النظام من المعتزلة والشيعة والخوارج والقائلون بحجيته الجمهور وإنما لم يكفر منكر حجيته لأنه لم يثبت عنده الأدلة السمعية الدالة على وجوب متابعة الإجماع فلم يتحقق منه كفر لأنه لم يكذب صاحب الشريعة فحيث جحد كونه حجة بعدما ثبت عنده ورود خطاب الشرع بوجوب متابعة الإجماع كان مكذبا لتلك النصوص والمكذب كافر فلذلك كفر جاحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة وعليه نبه بقوله: والكافر الجاحد ما قد أجمعا ... عليه مما علمه قد وقعا عن الضروري من الديني يعني أنهم كفروا إجماعا جاحد الحكم المجمع عليه المعلوم أي المقطوع بكونه من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة وتحريم الخمر والزنا ولو كان مندوبا أو جائزا كحلية البيع والإجارة لكن قيده عياض وابن عرفة وغيرهما بغير حديث عهد بالإسلام وأما هو فلا يكفر بإنكاره ما ذكر والمعلوم بالضرورة هو ما يعرفه الخواص والعوام من غير قبول للتشكيك فالتحق بالضروريات فبان لك أن الضرورة في قولهم المعلوم من الدين بالضرورة ليس معناها استقلال العقل بالإدراك دون الدليل لأن أحكام الشرع عند أهل السنة لا يعرف شيء منها إلا بدليل سمعي ولكن لما كان ما اشترك خواص أهل الدين وعوامهم في معرفته مع عدم قبول التشكيك شبيها بالمعلوم ضرورة في عدم قبول التشكيك وعموم العلم أطلق عليه أنه معلوم بالضرورة لهذه المشابهة وقولنا فالتحق بالضروريات أعني في إطلاق ما ذكر عليه وإنما كفر جاحد ما ذكر لأن جحده يستلزم تكذيب النبي ﷺ فيه لأن سنده القطعي يصيره كمباشرة

стр. 395

السماع منه ﷺ فالمجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة ليس التكفير بإنكاره لكونه إنكار مجمع عليه بل لكونه إنكار معلوم من الدين ضرورة فلم ينقل إلا مدى وابن الحاجب عن أحد عدم التكفير بإنكاره بل نقلا إنكار إسناد التكفير إلى كونه مجمعا عليه واتفقوا على أن إنكار حكم الإجماع الظني لا يوجب التكفير ولا يكفر جاحد المجمع عليه المعلوم من غير الدين بالضرورة اتفاقا كوجود بغداد ومثله المشهور في القوى ... إن كان منصوصا يعني أنه يكفر بإنكار الحكم المجمع عليه المشهور بين الناس المنصوص عليه بالكتاب والسنة على القول القوي أي الصحيح لما تقدم وقيل لا يكفر لجواز أن يخفي عليه مثاله عند المحلى حلية البيع والظاهر أنه مما علم من الدين بالضرورة كما عند حلولو واستدل المحشي لكونه لا يكفر بأن متكلمي أهل السنة عرفوا الكفر بأنه إنكار ما علم بالضرورة من دين سيدنا محمد ﷺ كما أنهم عرفوا الإيمان بأنه التصديق بما علم ضرورة أنه من دين سيدنا محمد ﷺ ولا واسطة عندهم بين الإيمان والكفر والتصديق والإنكار كلاهما أمر قلبي أقام الشارع ما يدل عليه من قول أو فعل مقامه ولو كان إنكارا المشهور الذي لم يعلم ضرورة كفرا لكان التعريف غير جامع هـ. وفي الغير اختلف ... إن قدم العهد بالإسلام السلف قدم بضم الدال والسلف فاعل اختلف يعني أن من سلف من أهل الأصول اختلفوا في تكفير جاحد المجمع عليه من الدين المشهور غير

стр. 396

المنصوص عليه قيل يكفر لشهرته وقيل لا يكفر لجواز أن يخفى عليه وهذا في قديم العهد بالإسلام أما حديث العهد به فلا يكفر إذا جحد المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة فضلاً عن غيره ولا يكفر جاحد المجمع عليه الخفي بأن لا يعرفه إلا الخواص كفساد الحج بالجماع قبل الوقوف بعرفة ولو كان الخفي منصوصاً عليه كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فإنه قضى به النبي ﷺ كما رواه البخاري. كتاب القياس وهو الكتاب الرابع وهو لغة: التقدير والتسوية يقال قاس الجرح بالميل بالكسر أي المرود إذا قدر عمقه به ولهذا سمي الميل مقياسًا ويقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه والنظر في هذا الكتاب قال الفهري من أهم أصول الفقه إذ هو أصل الرأي وينبوع الفقه ومنه تتشعب الفروع وعلم الخلاف وبه تعلم الأحكام والوقائع التي لا نهاية لها فإن اعتقاد المحققين أنه لا تخلو واقعة من حكم ومواقع النصوص والإجماع محصورة روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: الاستحسان أي الاجتهاد تسعة أعشار العلم والقياس اصطلاحا ذكره في قوله. بحمل معلومٍ على ما قد علم ... للاستوا في علة الحكم وسم وسم بالواو مبنياً للمفعول بمعنى ميز وعرف يتعلق به قوله مجمل وعلى ما قد علم يتعلق بحمل وكذا قوله للاستواء وقوله في علة الحكم يتعلق بالاستواء يعني أن القياس في الاصطلاح هو حمل معلوم على معلوم أي إلحاقه به في حكمه لمساواة المحمول للمحمول عليه في علة حكمه بأن توجد بتمامها في المحمول وذلك سر التعبير

стр. 397

بالاستواء دون الاشتراك الواقع في عبارة بعضهم لأن الاشتراك لا يستلزم وجود المعنى بتمامه وإنما عبرنا بالمعلوم دون الشيء ليتناول الموجود والمعدوم والمراد بالعلم مطلق الإدراك وإن كان ظنا قوله حمل معلوم أورد عليه أن الحمل فعل الحامل فيكون القياس فعل المجتهد مع أن القياس دليل نصبه الشرع نظر فيه المجتهد أم لا كالنص فلا ينطبق التعريف عليه ولا على شيء منه فاللائق تعريفه بما اختاره الأمدي وابن الحاجب من أنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه قال المحشي وقد يجاب بأن كونه فعل المجتهد لا ينافي أن ينصبه الشرع دليلا إذ لا مانع أن ينصب الشرع حمل المجتهد من حيث هو أي الحمل الذي من شأنه أن يصدر عن المجتهد للاستواء في علة الحكم دليلا على أن حكم الفرع في حقه وحق مقلديه ما وقع الحمل فيه من حل أو حرمة هـ. ووجه العدول عن تعريف الأمدي وابن الحاجب أن الفرع والأصل إنما يعقلان بعد معرفة القياس فتعريف القياس بهما فيه دور والدور من مبطلات الحدود وقوله حمل معلوم الخ يحترز به عن ثبوت الحكم بالنص فلا يسمي قياسا وأورد أيضا على تعريف القياس بالحمل المذكور بأن فيه جعل الحمل جنسا للقياس مع أنه غير صادق عليه لأنه ثمرة القياس ولا شيء من ثمرة القياس بقياس. وأجاب السبكي بأنه اعتراض ضعيف لأن المراد بالحمل التسوية لا ثبوت الحكم في الفرع والتسوية نفس القيام لا ثمرته هـ وقد قال قيل ذلك بعد أن ذكر أن بعضهم قال القياس إثبات حكم معلوم لمعلوم وبعضهم قال إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم ما نصه قال أبي رحمه الله تعالى وإذا تؤمل كل منهما وجد حد القاضي أولى منه لأن إثبات الحكم في الفرع نتيجة القياس لا عينه لأنك تقول الحق هذا بهذا

стр. 398

فأثبت حكمه له وحقيقة الإلحاق اعتقاد المساواة فأول ما يحصل في نفس القائس العلة المقتضية للمساواة ثم ينشأ عنها اعتقاد المساواة والقياس هو هذا الاعتقاد والحكم مستند إليه وهو حكم المعتقد في نفسه بما اعتقده من مساواة أحد الأمرين للآخر وهو إلحاقه به في الجهة المذكورة وهي ثبوت ذلك الحكم أو نفيه هـ. فالحمل والإلحاق عبارة عن وجوب المساواة كما للعضد أو عن المساواة كما للكرماني والسبكي صاحب جمع الجوامع أو عن اعتقاد المساواة كما تقدم عن والده وإن ثمرته والمستدل به عليه هو ثبوت الحكم في الفرع أنظره في الآيات البينات تنبيه تسمية الحمل المذكور قياسا من باب تسمية اللفظ ببعض مسمياته كتسمية الدابة بالفرس فالقياس على هذا حقيقة عرفية مجاز لغوي. وإن ترد شموله لما فسد ... فزد لدى الحامل والزيد أسد أي أصوب يعني أنه إذا خص المحدود بالقياس الصحيح اقتصر على ما ذكر في البيت قبل هذا لأن الماهية قد تحد بقيد كونها صحيحة وما ذكر لا يدل إلا على الصحيح لانصراف المساواة المطلقة إلى المساواة في نفس الأمر وإن أريد شموله للقياس زيد في الحد عند الحامل فقيل حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل فإن الماهية قد تحد من حيث هي. قال القرافي في شرح التنقيح: ومعنى قولنا ليندرج القياس الفاسد أنا لو قلنا لاشتراكهما في علة الحكم لم يتناول ذلك إلا العلة المرادة لصاحب الشرع فالقياس بغيرها يلزم أن لا يكون قياسا لكن لما وقع الخلاف في الربا هل علته الطعم أو القوت أو الكيل أو غير

стр. 399

ذلك أي كالمالية من المذاهب في العلل وقاس كل إمام بعلته التي اعتقدها اجمعنا على أن الجميع أقيسة شرعية لأنا إن قلنا إن كل مجتهد مصيب فظاهر وإن قلنا المصيب واحد فلم يتعين أن يكون الجميع أقيسة شرعية مع أن جميع تلك العلل ليست مرادة لصاحب الشرع فالقائس بغير علة صاحب الشرع قياسه فاسد وهو قياس فلذلك قلنا عند المثبت ليتناول جميع العلل كانت علة صاحب الشرع أم لا هـ. وقد تبعنا في النظم للسبكي الماشي في تعريف القياس على مذهب المخطئة وهم القائلون أن المصيب واحد فالمعتبر عندهم في صحة القياس مساواته في نفس الأمر فإن لم يساو ما في نفس الأمر فهو فاسد وإن ساوى في ظن المجتهد وإما المصوبة وهم القائلون كل مجتهد مصيب فالصحيح عندهم هو ما حصلت فيه المساواة في نظر المجتهد سواء ثبتت في نفس الأمر أم لا فحقهم إن يقولوا في تعريف الصحيح هو مساواة فرع لأصل في نظر المجتهد حتى لو تبين غلط القياس ووجب الرجوع عنه لم يقدح عندهم في صحته بل ذلك انقطاع الحكم لدليل صحيح آخر حدث وكان قبل حدوثه القياس الأول صحيحا وإن زالت صحته بخلاف المخطئة فإنهم لا يرون ما ظهر غلطه ووجب الرجوع عنه محكوما بصحته إلى زمان ظهور غلطه بل مما كان فاسدا وتبين فساده فقد رأيت حد الطائفتين للقياس الصحيح فلو أريد إدخال الفاسد عندهما مع الصحيح في الحد لم تشترط المساواة لا في نفس الأمر ولا في نظر المجتهد وقيل أنه تشبيه فرع بأصل لأنه قد يكون مطابقا لحصول الشبه وقد لا يكون لعدمه وقد يكون المشبه يرى ذلك وقد لا يراه.

стр. 400

قوله والزيد أسد من السداد بالسين المهملة يعني أن زيادة عند الحامل أصوب لأنه لابد منه في تعريف الصحيح على مذهب المصوبة وأما على مذهب المخطئة فإنه لا يذكر لإدخال الفاسد والأكثر تعريف الشيء بما يشمل صحيحه وفاسده ولذا يقولون مثلا صلاة صحيحة وصلاة فاسدة لأنهم عرفوها بما يشمل الأمرين حيث قالوا قربة فعلية ذات إحرام وسلام أو سجود فقط. وقال ابن عرفة والمعرف حقيقته المعروضة للصحة أو الفساد فالمعرف مبتدأ وحقيقته مبتدأ ثان والمعروضة خبر. تنبيه: قال المحلى والفاسد قبل ظهور فساده معمول به كالصحيح هـ. لما قرر أنه يعتبر في القياس الصحيح المساواة في نفس الأمر خاف أن يتوهم أنه لا يجوز العمل بالقياس حتى تتحقق صحته بتحقق المساواة في نفس الأمر فبين أنه يكفى في العمل ظن صحته ويحتمل أن يكون الغرض منه بيان أنه من أفراد الصحيح ظاهرا دفعا لتوهم خروجه وهو ما فهمه شهاب الدين عميرة قال قوله معمول به أي فهو صحيح في الظاهر هـ. لكن كونه من أفراد الصحيح ليس مجزوما به كما فهمه بل فيه احتمالان. تنبيه آخر: قال في الآيات البينات ظاهره أي ظاهر كلام المحلى أنه ظهور فساده لا ينقض ما مضى من العمل به لكن يتجه فيه أن صدر من مجتهد تفصيل يعلم مما يأتي في مبحث تغيير الاجتهاد فإن صدر من غيره كمقاد مما يأتي في مبحث تغيير الاجتهاد فإن صدر من غيره كمقاد قاس على أصل أمامه ثم تبين فساد قياسه اتجه نقض ما مضى هـ.

стр. 401

والحامل المطلق والمقيد، بصيغة اسم المفعول فيهما يعني أن الذي يجوز له حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه هو المجتهد المطلق وكذلك المجتهد المقيد والمراد به مجتهد المذهب وهو المتمكن من تخريج الوجوه على نصوص إمامه وستأتي أبحاث المجتهدين عند ذكرهم في كتاب الاجتهاد وهو قبل ما رواه الواحد يعني أنه إذا تعارض القياس وخبر الآحاد قدم القياس قال في التنقيح وهو مقدم على خبر الواحد عند مالك لأن الخبر إنما ورد لتحصيل الحكم والقياس متضمن للحكمة فيقدم على الخبر هـ. والمانع من ذلك يقول إن القياس فرع النص والفرع لا يقدم على أصله بيان كون القياس فرع النص أن القياس لم يكن حجة إلا بالنص وكون المقيس عليه لابد أن يكون منصوصا عليه وإما كون الفرع لا يقدم على أصله فلأنه لو قدم عليه لأبطل أصله وإذا بطل أصله بطل هو وأجيب بأن النصوص التي هي أصل القياس غير النص الذي قدم عليه القياس فلم يتقدم الفرع على أصله بل على غير أصله. وقبله القطعي من نص ومن ... إجماعهم عند جميع من فطن فطن مثلث الطاء لكن الأولى في البيت قراءته بالكسر أو الضم يعني أن كلا من النص والإجماع القطعيين يقدم على القياس الظني والقطعيان لا يتعارضان وسيأتي القطعي من القياس والظني. وما روى من ذمه فقد عنى ... به الذي على الفساد قد بني أفعاله الثلاثة مبنية للمفعول يعني أن ما روى عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم من ذم القياس محمول كما قال القرافي على

стр. 402

القياس الفاسد الوضع لمخالفته النص ومن شرط القياس أن لا يخالف النص والمروى منه ما هو في ذم خصوص القياس ومنه ما هو في ذم مطلق الرأي. فالأول كقول علي كرم الله تعالى وجهه كما في شرح التنقيح لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره. وقوله ﷺ تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا. ومثال الثاني ما ثبت أن الصحابة كانوا يذمون الرأي أي القياس كقول الصديق رضي الله تعالى عنه أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي وقال عمر رضي الله تعالى عنه إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث فضلوا وأضلوا، فالمراد الأقيسة الفاسدة والآراء الفاسدة، جمعا بينهما وبين ما جاء في الدلالة على العمل به كإجماع الصحابة على العمل به وكقول عمر لأبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما أعرف الأشباه والنظائر وما اختلج في صدرك فألحقه بما هو أشبه بالحق. قال القرافي وهذا هو عين القياس وقد نبه ﵊ على القياس في مواضع. والحد والكفارة التقدير ... جوازه فيها هو المشهور التقدير معطوف على الحد بمحذوف يعني أن جواز القياس في الثلاثة والعمل به هو مشهور مذهبنا ومنعه أبو حنيفة فقد نقل القرافي عن الباجي وابن القصار من المالكية اختيار جريانه في الحدود والكفارات والتقديرات.

стр. 403

مثاله في الحدود قياس اللائط على الزاني بجامع إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا وقياس النباش على السارق في القطع بجامع أخذ مال الغير من حرز مثله خفية. ومثاله في الكفارات اشتراط الإيمان في رقبة الظهار قياسا على رقبة القتل بجامع إن كلا منهما كفارة. ومثاله في التقديرات جعل أقل الصداق ربع دينار قياس على إباحة قطع اليد في السرقة بجامع إن كلا منهما فيه استباحة عضو واحتج المانع بأنها لا يدرك فيها المعنى وأجيب بأنه يدرك في بعضها فيجري فيه القياس. ورخصة بعكسها والسبب مبتدأ خبره محذوف أي والسبب كذلك في كونه بعكسها يعني أن الرخصة والسبب أي الشرط والمانع بعكس الثلاثة المذكورة في البيت قبل هذا فإن المشهور فيها عندنا عدم جواز القياس فيها. قال في التنقيح المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب كقياس اللواط على الزنا في الحد لأنه لا يحسن أن يقال في طلوع الشمس أنه موجب للعبادة كغروبها هـ ودليل المانع له في الأسباب جار في الشروط والموانع والدليل هو كون القياس فيها يخرجها عن أن تكون كذلك إذ قد يكون السبب والشرط والمانع هو المعنى المشترك بينها وبين المقيس عليه لا خصوص المقيس عليه والمقيس والمراد تعليل المنع باستلزام القياس نفي السببية وما عطف عليها عن خصوص المقيس والمقيس عليه لا نفي المعنى المشترك عن خصوص ما ذكر. قال في الآيات البينات صورة القياس في الشروط أن يشترط شيء في أمر فيلحق بذلك آخر في كونه شرطا لذلك الأمر فيؤول الحال

стр. 404

إلى أن الشرط أحد الأمرين ويظهر بالقياس أن النص على اشتراط الشيء الأول لكونه ما صدق الشرط في جزئية من جزئياته لا لكونه بعينه هو الشرط وهكذا في الباقي هـ أي في الأسباب والموانع مثال السبب قياس التسبب في القتل بالإكراه على التسبب فيه بالشهادة ومثاله في الشرط قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب على الرؤية ومثاله في المانع قياس النسيان للماء في الرحل على المانع من استعماله حسا كالسبع واللص وأجرى القرافى الخلاف في الاستثناء بإرادة الله تعالى أو بقضائه هل يتنزل منزلة الاستثناء بالمشيئة أو لا على الخلاف في القياس في الأسباب وقال إن حجة الجواز أن السببية حكم شرعي فجاز القياس فيها كسائر الأحكام وأما الرخص فقد حكي المالكية عن مالك قولين في جواز القياس عليها والمشهور إنها لا تتعدى محلها وخرجوا على القولين فروعا كثيرة منها لبس خف على خف أعنى أنها لا تتعدى محلها إلى مثل معناه كقياس عادم الماء في الحضر على عادمه في السفر في جواز التيمم للنافلة وتعدى إلى أقوى منه اتفاقا وتمنع تعديتها إلى الأدنى اتفاقا قال القرافي في شرح التنقيح حجة المنع إن الرخص مخالفة للدليل فالقول بالقياس عليها يؤدى إلى كثرة مخالفة الدليل فوجب أن لا يجوز حجة الجواز أن الدليل إنما يخالفه صاحب الشرع لمصلحة تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملا بالاستقراء وتقديم الأرجح هو شأن صاحب الشرع وهو مقتضى الدليل فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها شرع الحكم في صورة وجب أن يخالف الدليل لها عملا برجحانها فنحن حينئذ كثرنا موافقة الدليل لا مخالفته هـ. وغيرها للاتفاق ينسب يعني أن جواز القياس والاحتجاج به في غير المذكورات أمر متفق عليه عند أهل المذهب ونعني بالغير الأمور

стр. 405

الدنيوية والأحكام الشرعية قال القرافي في التنقيح وهو حجة عند مالك وجميع العلماء خلافا للظاهرية وقال أيضا وهو حجة في الدنيويات اتفاقا كمداواة الأمراض أي والأغذية بأن يقاس أحد الشيئين على الآخر فيما علم له من إفادته دفع المرض المخصوص مثلا لمساواته له في المعنى الذي بسببه أفاد ذلك الدفع قال في الآيات ووجه كون القياس في نحو الأدوية قياسا في الأمور الدنيوية أنه ليس المطلوب به حكما شرعيا بل ثبوت نفع هذا الشيء لذلك المرض مثلا وذلك أمر دنيوي هـ. نعم يمكن أن يكون المطلوب به حكما شرعيا لأنه إذا ثبت كونه دواء جاز للعارف بذلك أن يداوي به غيره أي جاز شرعا وإذا نشأ عنه عطب لم يضمن. تنبيه: كون القياس من الأدلة الشرعية لا ينافي أن يكون في الأمور الدنيوية. وإن نمى للعرف ما كالطهر ... أو المحيض فهو فيه يجري يعني أن القياس يجوز جريانه في الأمور العادية إذا كانت منضبطة أي لا تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة والبقاع كأقل الطهر وأكثر الحيض وأثله وأقل الحمل فهذه لانضباطها يجوز القياس عليها كما يجوز التعليل بها كما يأتي في قوله ومن شروط الوصف الانضباط فيقاس النفاس على الحيض في أنه أقله قطرة عندنا أو يوم وليلة عند الشافعية وإذا لم ينضبط العادي لا يجوز القياس عليه فيرجع إلى قول المخبر الصادق من ذوات الحيض والنفاس والحمل ومن له إطلاع على أحوالهن.

стр. 406

وهذا القسم الثاني الذي قلنا لا يجوز القياس فيه هو الظاهر من مراد قول القرافي في التنقيح لا يدخل القياس فيما طريقه الخلقة والعادة كالحيض هـ. لأنه قال في شرحه لا يمكن أن تقول فلانة تحيض عشرة أيام وينقطع دمها فوجب أن تكون الأخرى كذلك قياسا عليها فإن هذه الأمور تتبع الطباع والأمزجة والعوائد في الأقاليم فرب إقليم يغلب عليه معنى لا يغلب على غيره من الأقاليم هـ. فأي وجه لمنعه إذا كان منضبطا وهذا التفصيل ذكره أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع وقال الباجي لا يصح القياس في الأمور العادية إلا أن تكون عليها إمارة كالحيض فيجوز هـ. بخلاف ما لا إمارة فيه لأن أشباهه غير معلومة لا ظنا ولا قطعا. أركانه أي أركان القياس وهي أربعة مقيس ومقيس عليه ومعنى مشترك بينهما وهو العلة وحكم المقيس عليه وأركان الشيء أجزاؤه الداخلة فيه التي يتركب منها حقيقة كما تقدم والي عد أركانه الأربعة أشار بقوله: الأصل حكمه وما قد شبها ... وعلة رابعها فانتبها أي هي الأصل وسيأتي وحكم الأصل والمشبه وهو الفرع وهو المحل المشبه بالأصل وقيل حكم ذلك المحل قوله وعلة رابعها مبتدأ وخبره مقدم.

стр. 407

والحكم أو محله أو ما يدل ... تأصيل كل واحد مما نقل بالبناء للمفعول يعني أنهم اختلفوا في الأصل الذي هو أحد أركان القياس الأربعة فقبل الحكم أي حكم المشبه به وبه قال الإمام الرازي وقيل المحل أي محل الحكم أي المقيس عليه وهو قول الفقهاء وبعض المتكلمين وقيل أن الأصل هو دليل الحكم في المحل المشبه به وبه قال جمهور المتكلمين فالمحل هو الخمر مثلا وحكمه هو التحريم ودليله آية إنما الخمر والميسر قال ابن الحاجب الأصل ما بيني عليه غيره فلا بعد في الجميع لأن الفرع بيني على حكم الأصل وعلى دليله وعلى محله. وقس عليه دون شرط نص ... يجيزه بالنوع أو بالشخص يعني أنه يجوز القياس على الأصل الذي يقاس عليه دون اشتراط نص أي دليل على جواز القياس على ذلك الأصل لا باعتبار توعه فيجوز القياس في مسائل البيع مثلا دون دليل خاص يدل على جواز القياس فيه ولا باعتبار شخصه هذا مذهب الجمهور وخالف عثمان البتي فقال باشتراط أحد الأمرين مثاله باعتبار الشخص قياس أنت حرام على أنت طالق فإنه قد ثبت فيصح قياس خلية أو برية على أنت طالق في لزوم الطلاق به والبتي بفتح الموحدة بعدها مثناه فوقية نسبة إلى بيع البتوت جمع بت وهي الثباب كان يبيعها بالبصرة وذكر ابن الاثير أن نسبته إلى البت موضع بنواحي البصرة في زمن أبي حنيفة. وحكم الأصل قد يكون ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا وعلة وجودها الوفاق ... عليه يأبي شرطه الحذاق علة مبتدأ ووجودها مبتدأ ثان والوفاق مبتدأ ثالث وجملة يأبى

стр. 408

شرطه الحذاق خبر الثالث وهو وخبره خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول وعليه متعلق بالوفاق يعني أنه لا يشترط عند الحذاق أي المحققين من أهل الأصول الإجماع على وجود العلة في الأصل فيصح القياس على أصل اختلف في وجود العلة فيه خلافا لبشر المريسي في قوله لابد من الاتفاق على أن حكم الأصل معلل ومن الاتفاق على وجود العلة في الأصل ويقوم مقام الاتفاق على تعليل حكم الأصل النص على غير تلك العلة في الأصل والمريسي نسبة إلى مريس كشريف قرية من قرى مصر وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة كان بشر من أكابر المبتدعة إلا أنه أخذ الفقه علي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة وحكم الأصل قد يكون ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا هذا شروع في الكلام على الركن الثاني من أركان القياس وهو حكم الأصل يعني أن ابن رشد ذكر في المقدمات أن مذهب مالك وأصحابه جواز كون حكم الأصل ملحقا أي مقيسا على أصل آخر لما حقق أي ثبت من وجوب اعتبار الأدنى أي الأقرب فلا يصح البناء على الأبعد فإذا ثبت الحكم في فرع صار أصلا يقاس عليه بعلة أخرى مستنبطة منه وكذا القول في الفرع الثاني والثالث وما بعده قال ابن رشد ولم يختلفوا فيه على ما يوجد في كتبهم من قياس المسائل بعضها على بعض فقول السبكي الثاني حكم الأصل ومن شرطه ثبوته بغير القياس خلاف مذهبنا. مستلحق الشرعي هو الشرعي ... وغيره لغيره مرعى الشرعي الأول بسكون الياء للوزن والأصل فيه التشديد كما في الذي بعده يعني أن حكم الأصل لابد أن يكون شرعيا لا لغويا ولا عقليا

стр. 409

غير شرعي إذا استلحق حكما شرعيا فإن كان المطلوب إثباته غير ذلك بناء على جواز القياس في العقليات واللغويات فلابد أن يكون حكم الأصل غير شرعي وهذا معنى قوله وغيره لغيره مرعى بفتح الميم أي محفوظ ومروى عن أهل الأصول والنفي الأصلي ليس بحكم شرعي على المختار كما تقدم في المقدمة وإنما قلنا ولا عقليا غير شرعي لأن العقليات قد تكون شرعية كجواز رؤيته تعالى قوله مستلحق هو بكسر الحاء. وما بقطع فيه قد تعبدا ... ربي فلحق كذاك عهدا تعبد بفتح الموحدة وما ملحق بالفتح وعهد بمعنى عرف مبني للمفعول يعني أن حكم الأصل إذا كنا متعبدين فيه أي مكلفين بالقطع أي اليقين كالعقائد لا يقاس على محله إلا ما يطلب فيه القطع بأن علم حكم الأصل وما هو العلة فيه ووجودها في الفرع خلافا للغزالي في قوله إنما تعبد فيه بالعلم لا يجوز إثباته بالقياس كمن يريد إثبات حجية خبر الواحد بالقياس على قبول الشهادة هـ أي شهادة الشاهدين ووجه الهندي كلام الغزالي بأن القياس التمثيلي لا يقيد به الظن إذ تحصيل العلم بكون هذا الحكم معللا بالعلة الفلانية وبحصول تمام تلك العلة في الفرع متعذر أو متعسر فإثبات المسألة العلمية به إثبات للعلمي بالظني وهو ممتنع فلو حصل العلم بالمقدمتين على الندور لم يمتنع إثباته بالقياس التمثيلي لكنه لا يكون قياسا شرعيا مختلفا فيه قال الهندي وهذا الاشتراط يستقيم إن أريد تعريف الحكم الذي هو ركن في القياس الظني الذي هو مختلف فيه فأما أن أريد تعريف الحكم الذي هو ركن في القياس كيف كان فلا يستقيم ذلك بل يجب حذف قيد العلم عنه هـ. فلا خلاف بيننا وبين الغزالي في المعنى.

стр. 410

وليس حكم الأصل بالأساس ... متى يحد عن سنن القياس لكونه معناه ليس يعقل أو التعدي فيه ليس يحصل يعقل مبني للمفعول ويحصل بضم الصاد يعني أنه يشترط في حكم الأصل أن لا يعدل عن سنن القياس بفتح السين، فإذا عدل حكم الأصل عن منهاج القياس لم يكن أساسا بفتح الهمزة أي أصلا يقاس عليه ومنهاج القياس هو أن يعقل المعنى أي علة الحكم ويوجد في محل آخر يمكن تعديته إليه والعدول عن ذلك على ضربين. أحدهما أن لا يعقل المعنى في الحكم كإعداد الركعات ومقادير نصب الزكاة ومقادير الحدود ومقادير الكفارات وجميع الأحكام غير معقولة المعنى. الثاني أن يعقل المعنى لكن لم يعتداه في محل آخر كضرب الدية على العاقلة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب الغرة في الجنين والشفعة في العقار وحكم اللعان والقسامة والرخص في السفر وقد جعل الأمدى ومن تبعه اختصاص خزيمة بكون شهادته كشهادة رجلين من الضرب الأول بناء على أن مفيد الاختصاص هو النص فقط وجعله بعضهم من الضرب الثاني بناء على أن مفيد الاختصاص هو التصديق وعلمه أنه لا يقول إلا حقا مع السبق إليه والانفراد به فإنه هو الذي قرن الحكم به ألا ترى وقوع قوله صدقتك الخ جوابا لقوله ﷺ ما حملك الخ ومعلوم أن ما ذكر من العلة غير موجود في غير خزيمة من الصحابة وغيرهم حتى لو فرض أن أحدا شهد له بعد ذلك لم يكن سنده ما ذكر من العلة بل ما علمه من قصة خزيمة ولو سلم فلا يتصور أن يوجد فيه السبق إليه إذا من أوضح المحال بعد سبق خزيمة سبق غيره فالذي أفاد هذا المسلك

стр. 411

أعني المسلك المسمى بالإيماء والشبيه معنى لا يتصور أن يتعدى وذلك مما يحقق العدول عن سنن القياس فيمتنع القياس عليه وقصة شهادة خزيمة هي أن النبي ﷺ ابتاع فرسا يمسى المرتجز لحسن صهيله من أعرابي فحمد الأعرابي البيع وقال هلم شهيدا يشهد على فشهد عليه خزيمة بن ثابت دون غيره فقال له النبي ﷺ ما حملك على هذا ولم تكن حاضرا معنا فقال صدقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقا فقال ﷺ من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه هذا لفظ ابن خزيمة ولفظ أبي داوود فجعل النبي ﷺ شهادته شهادة رجلين. وحيثما يندرج الحكمان ... في النص فالأمران قل سيان يعني أن من شروط حكم الأصل أن لا يكون دليله أي دليل حكم الأصل شاملا لحكم الفرع فإذا اندرج حكمان لشيئين في نص من كتاب أو سنة فالشيئان سواء في ذلك النص فيستغنى عن القياس حجة بذلك النص أي الدليل سواء كان نصا أو ظاهرا مع أن أحدهما ليس أولى بالأصالة من الآخر كما لو استدل على ربوية البر بحديث مسلم الطعام بالطعام مثلا بمثل فيمتنع قياس الذرة عليه بجامع الطعم لأن لفظ الطعام الذي هو لفظ الدليل يشمل الذرة كالبر. والوقف في الحكم لدى الخصمين ... شرط جواز القيس دون مين يعني أنه يشترط في حكم الأصل أن يكون متفقا عليه بين الخمصين لأن البحث به يعدوهما وإلا فيحتاج عند منع الخصم له إلى إثباته فينتقل إلى مسئلة أخرى وينتشر الكلام فيفوت المقصود وقيل يشترط الاتفاق عليه بين جميع الأمة حتى لا يتأتى المنع بوجه

стр. 412

والأول هو الأصح ومذهب الجمهور لأنا لو شرطنا الاتفاق عليه بين جميع الأمة لزم خلو أكثر الوقائع عن الأحكام قوله وإلا فيحتاج عند منع الخصم الخ يؤخذ من قوله عند منع الخصم أن هذا الاشتراط بالنسبة لإيراده على وجه يقبل المنع فلو ذكر المستدل حكم الأصل مقترنا بدليله من نص أو إجماع ابتداء لم يشترط وفاق الخصم حجة. تنبيه: متى حصل الاتفاق على حكم الأصل انتفى الانتشار وإذا اختلفا فيه تحقق الانتشار ووجب قوله القيس بفتح القاف بمعنى القياس. وإن يكن لعلتين اختلفا ... تركب الأصل لدى من سلفا اسم كان ضمير راجع على اتفاق الخصمين على حكم الأصل أي إذا كان اتفاقهما عليه ثابتا لعلتين مختلفتين تركب الأصل ببناء تركب للفاعل أي فالقياس المشتمل على الحكم المذكور يسمى مركب الأصل لتركيب الحكم فيه أي بنائه على العلتين بالنظر إلى الخصمين بمركب في مركب الأصل ومركب الوصف من التركيب بمعنى البناء أي ترتيب شيء على آخر لا من التركيب ضد الأفراد وهذا أصله للأمدي وتبعه المحلي فيه وسيأتي توجيه العضد وغيره. مثاله قياس حلى البالغة على حلى الصبية في عدم وجوب الزكاة فإن عدمه في الأصل متفق عليه بيننا وبين الحنفية والعلة عندنا كونه حليا مباحا وعندهم كونه مال صبية وتذكير الضمير في قوله اختلفا باعتبار الوصف. مركب الوصف إذا الخصم منع ... وجود ذا الوصف في الأصل المتبع بفتح الموحدة أي الأصل المقيس عليه يعني أنه إذا كان حكم

стр. 413

الأصل متفقًا عليه بين الخصمين ثابتا لعلة عند المستدل بمنع الخصم وجودها في الأصل فالقياس المشتمل على الحكم المذكور يسمي مركب الوصف لتركب الحكم فيه أي بنائه على الوصف الذي منع الخصم وجوده في الأصل. مثاله قياس أن تزوجت فلانة فهي طالق على فلانة التي أتزوجها طالق في عدم وجود الطلاق بعد التزوج فإن عدمه متفق عليه بيننا وبين الشافعية وهم يقولون العلة تعليق الطلاق قبل ملك محله ونحن نمنع وجود تلك العلة في الأصل ونقول هو تنجيز لطلاق أجنبية وهي لا ينجز عليها الطلاق ولو كان فيه تعليق لطلقت بعد التزوج فالحاصل إن الاتفاق ثابت لعلتين مختلفتين فإن منع الخصم علية علة المستدل لا وجودها في الأصل فهو مركب الأصل وإن منع وجودها في الأصل فهو مركب الوصف ومنع الخصم وجودها في الأصل صادق مع قوله بها أو بعدمها فمنع المالكي وجود التعليق في الأصل لا يقتضي أنه علته عنده فإنه في الواقع غير علة لعدم الوقوع عنده وإلا لما خالف في الفرع في المثال قال في الآيات البينات وقد ظهر من هذا أن جملة ما يميز به مركب الوصف عن مركب الأصل إن المعترض لا يتعرض في مركب الأصل لمنع وجود العلة في الأصل بخلافه في مركب الوصف وقال العضد في مركب الأصل الظاهر أنه إنما سمى مركبا لإثباتهما الحكم كل بقياس فقد اجتمع قياساهما أي فيكون معنى التركيب الاجتماع أي اجتماع قياسيهما في حكم الأصل وإن اختلفت العلة وقال في مركب الوصف أنه إنما سمى بذلك اكتفاء بتمييزه عن صاحبه بأدنى مناسبة وهي اتفاقهما فيه على الوصف الذي يعلل به وإن أنكر أحدهما وجوده هـ. وقال بعضهم إن المراد بالوصف في قولهم مركب الوصف هو

стр. 414

وجود العلة في الأصل فإن وجودها فيه وصف لها ومعنى كونه مركبا أنه مختلف فيه فأحدهما يثبته والآخر ينفيه هـ. يعني أنه مركب من النفي والإثبات بالنظر إلى الخصمين واعلم أنه ليس المراد بالمركب أنه متى اختلف العلتان كان تركيبا قال حلولوا ولكن القياس المركب عبارة عن أن يستغنى المستدل عن إثبات حكم الأصل بالدليل لموافقة الخصم مانعا تعليله بعلة المستدل وذلك إما بمنعه لعلته ويسمى مركب الأصل وإما بمنعه وجودها فيه ويسمى مركب الوصف انتهى. ورده انتقى وقيل يقبل ... وفي التقدم خلاف ينقل انتقي بالبناء للمفعول بمعنى اختير خبر المبتدأ قبله ويقبل بالموحدة وينقل بالنون مبنيان للمفعول يعني أن القياس المركب بنوعيه غير مقبول المنع الخصم وجود العلة في الفرع في الأول وفي الأصل في الثاني هذا مذهب الجمهور ومعنى عدم قبوله أنه غير ناهض على الخصم أما مجرد ثبوت الحكم في حق القائس ومقلديه فيكفي فيه ثبوت حكم الأصل وعلته بطريق صحيح عنده قوله وقيل يقبل يعني أن المركب بقسيميه مقبول عند الخلافيين أي الجدليين نظرا لاتفاق الخصمين على حكم الأصل فهو مناهض على الخصم أي سالم من إبطاله من جهة المنع المذكور قوله وفي التقدم الخ. يعني أنهم اختلفوا في القياس المركب بناء على قبوله هل يقدم على غير ذي التركيب عند التعارض أو هما سواء أو يقدم غير المركب عليه الفرع وهو الثالث من أركان القياس. الحكم في زاي وما تشبها ... من المحل عند جل النبلاء

стр. 415

جمع نبيه بمعنى فطن والحكم خبر مبتدأ محذوف أي هو أي الفرع هو الحكم أي حكم المحل المشبه بالأصل وما عطف على الحكم والواو بمعنى أو المنوعة للخلاف أي وقيل الفرع هو ما تشبه من المحل أي المحل المشبه بالأصل والقول الثاني هو قول الأكثر ومذهب الفقهاء وبعض المتكلمين والأول قول الإمام ولا يتأتى فيه قول بأنه دليل الحكم كيف ودليله القياس والقياس لا يصح عده فرعا إذ الفرع من أركان القياس ويستحيل كون الشيء ركنا من أركان نفسه فالقول بكون الفرع المحل المشبه مبني على القول بأن الأصل هو حكم المحل المشبه به ويصح تفريعه أيضا على القول بأن الأصل دليل الحكم لأنه إذا صح تفرع الحكم عن الحكم صح تفرعه عن دليله لاستناد الحكم إليه ولكون حكم الفرع غير حكم الأصل باعتبار المحل وإن كان عينه بالحقيقة صح تفرع الثاني على الأول باعتبار ما يدل عليهما وباعتبار علم المجتهد به لا باعتبار ما في نفس الأمر فإن الأحكام قديمة ولا تفرع في القديم فلا يقال إن تفرع الحكم عن الحكم معناه ابتناؤه عليه وذلك يقتضي تغايرهما وتقدم ما يبني عليه منهما في الوجود وقد تقرر أن الحكم كلام الله النفسي القديم وهو وصف واحد لا تعدد فيه فكيف يتصور مع القديم تقدم ومع الوحدة تغاير وكون الأحكام قديمة مبني على عدم أخذ التعلق التنجيزي قيدا في مفهوم الحكم وعلى ما ذهب إليه بعضهم من أخذ ذلك كانت حادثة. وجود جامع به متمما شرط وجود مبتدأ خبره شرط والباء في قوله به ظرفية ومتمما بفتح الميم المشددة خال من جامع يعني إن من شروط إلحاق الفرع بالأصل وجود الوصف الذي في الأصل وهو الجامع والعلة به أي في الفرع بتمامه من غير زيادة كقياس النبيذ على

стр. 416

الخمر في التحريم بجامع الاسكار أو معها كقياس الضرب على التأفيف في التحريم بجامع الإيذاء فإنه أشد في الفرع وإنما اشترط ما ذكر ليتعدى الحكم إلى الفرع والمراد وجود مثل العلة التي في الأصل لا عينها وأشار بقوله متمما إلى أن العلة إذا كانت ذات أجزاء لابد من اجتماع الكل في الفرع وإلى أنه يشمل قياس الأولى والمساوي وإلا دون. (وفي القطع إلى القطع أنتما) يعني أن القياس يكون قطعيا إذا كانت العلة قطعية فإن قطع بعلية الشيء في الأصل وبوجوده في الفرع كالاسكار والإيذاء فيما تقدم فالقطعي كان الفرع فيه تناوله دليل الأصل فإن كان دليله ظنيا كان حكم الفرع كذلك فعلم أن قطعية حكم الفرع والقطعي يشمل قياس الأولى والمساوي. وإن تكن ظنية فالأدون ... لذا القياس علم مدون يعني أن عليه الشيء إذا كانت ظنية فعلم هذا القياس أي اسمه المدون أي المكتوب في كتب الفن هو الأدون أي القياس الأدون ويدخل فيه قياس الشبه إذ لا يتصور القطع بعليته وظنيتها حاصلة وإلا لم يتأت القول به قاله في الآيات البينات وظن العلية هو أن يظن علية الشيء في الأصل وإن قطع بوجوده في الفرع كقياس الشافعية التفاح على البر بجامع الطعم الذي هو علة الربى عندهم ويحتمل إنها القوت والادخار اللذان هما علتاه عند المالكية ويحتمل الكيل الذي هو علته عند الحنفية وليس في التفاح إلا الطعم فثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر المشتمل على الأوصاف الثلاثة فأدونية القياس من حيث الحكم لا من حيث العلة إذ لابد من تمامها كما تقدم هكذا قاله المحلى وهو واضح في المثال المذكور لكن قد يكون القياس ظنيا ويكون الحكم

стр. 417

في الفرع أولى منه في الأصل أو مساويا له لكون العلة أظهر في الفرع أو مساوية قال في الآيات البينات فالوجه إن القياس الظني قد يكون أولى أو مساويا فلا يختص الظني بالأدون كما في عكس المثال المذكور فقياس الأدون قد يراد به ما يكون ثبوت الحكم في الفرع دون ثبوته في الأصل من حيث احتمال أن تكون العلة غير ما ظن أنه العلة من الأوصاف الموجودة في الأصل دون الفرع وقد يراد بالأدون ما يكون ثبوت الحكم في الفرع دون ثبوته في الأصل من حيث أن المعنى المعلل به أتم وأقوى في الأصل منه في الفرع هـ. فالأدونية بالاعتبار الثاني تتصور في القطعي بأن يكون المعنى المقطوع بعليته في الأصل وبوجوده في الفرع أتم وأقوى في الأصل منه في الفرع فيكون ثبوت الحكم في الفرع دونه في الأصل. والفرع للأصل بباعث وفي ... الحكم نوعا أو بجنس يقتفى الفرع مبتدأ خبره يقتفى بفتح التحتية في أوله بمعنى يتبع ويساوي واللام في الأصل زائدة وهو مفعول الخبر وبباعث متعلق يقتفى وقوله في الحكم معطوف عليه ونوعا ظرف معمول يقتفى والباء في قوله بجنس ظرفية وهو معطوف على نوعا تقدم أنه يجب وجود علة الأصل بتمامها في الفرع وذكرت هنا أنه يجب مساواته له فيما يقصد من نوع العلة أو جنسها فلا تكرار وكذا يشترط أن يساوي حكم الفرع حكم الأصل فيما يقصد من نوع الحكم أو جنسه مثال المساواة في نوع العلة قياس النبيذ على الخمر في الحركة بجامع الشدة المطربة فإنها موجودة في النبيذ بعينها نوعا لا شخصا لأن العلة عرض لا يتشخص إلا بتشخص محله الذي هو هنا خصوص الخمر وهو مفقود في النبيذ ومثال المساواة في جنس العلة الطرق على

стр. 418

النفس في وجوب القصاص بجامع الجناية فإنها جنس لإتلافهما فعلم من قولنا بجامع الجناية إن علة الحكم في الأصل والفرع الجناية لا إتلاف النفس وإتلاف الطرف إذ لو كانت العلة في الأصل إتلاف النفس لم يتصور القياس لامتناع وجود العلة في الفرع ومثال المساواة في نوع الحكم قياس القتل بمثقل على القتل بمجرد في ثبوت القصاص فإنه فيهما واحد والجامع كون القتل عمدا عدوانا ومثال المساواة في جنس الحكم قياس بضع الصغيرة على مالها في ثبوت الولاية للاب بجامع الصغر فإن الولاية جنس لولايتي النكاح والمال. تنبيه: وإنما كانت الجناية جنسا للاتلافين بخلاف الشدة المطردة لأن إتلاف النفس وإتلاف الظرف مختلفان بالحقيقة فكان القول عليها جنسا بخلاف الشدة في الخمر والشدة في النبيذ فإنهما متفقان بالحقيقة فكان القول عليهما نوعا وكذا الكلام في كون الولاية جنسا لولايتي النكاح والمال وكون القتل نوعا للقتل بمحدد والقتل بمثقل هـ من الآيات البينات فإن قلت اشتراط كون المساواة فيما ذكر من نوع العلة أو جنسها معلوم من اشتراط المساواة كمفاد باشتراط وجود تمام العلة بل داخل فيه فالجواب كما في الآيات البينات أنه ممنوع لأنه لا يلزم أن يفهم من اشتراط وجود تمام العلة الاكتفاء بوجودها ولو باعتبار النوع والجنس بل قد يسبق الذهن إلى اعتبار المساواة في نوعها بل في صنفها لأن المتبادر من اعتبار وجود تمامها وجود شخصها لكنه لا يمكن لاعتبار المحل في الشخص فلا أقل من اعتبار الصنف لأنه أقرب إلى الشخص الذي هو المعنى. ومقتضى الضد أو النقيض ... للحكم في الفرع كوقع البيض مقتضى مبتدأ خبره كوقع البيض يعني أن معارضة حكم الفرع

стр. 419

بما يقتضي نقيضه أو ضده كائنة كوقع البيض أي كهدم السيوف للأجسام يعني أنها مبطلة لإلحاق ذلك الفرع بذلك الأصل وقيل لا تقبل وإلا انقلب منصب المناظرة إذ يصير المعترض مستدلا وبالعكس وذلك خروج عما قصد من معرفة صحة نظر المستدل في دليله وأجيب بأن قصد المعترض من المعارضة هدم دليل المستدل وإنما ينقلب منصب المناظرة لو كان قصد المعترض إثبات مقتضى المعارضة وليس كذلك إنما قصده هدم دليل المستدل وصورة المعارضة في الفرع أن يأتي الخصم بقياس يدل على نقيض أو ضد ما دل عليه قياس المستدل. مثال النقيض المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه كالوجه فيقول المعارض مسح في الوضوء فلا يسن تثليثه كالخف. ومثال الضد قول الحنفي الوتر واجب قياسا على التشهد بجامع مواظبته ﷺ عليهما فيعارض بأنه مستحب قياسا على ركعتي الفجر بجامع إن كلا منهما يفعل في وقت من أوقات الصلوات الخمس ولم يعهد من الشارع وضع صلاتي فرض في وقت واحد. بعكس ما خلاف حكم يقتضى) خلاف مفعول يقتضى يعني أن المعارضة بمقتضى خلاف الحكم عكس المعارضة بمقتضى النقيض أو الضد فإنها لا تقدح في قياس المستدل اتفاقا لعدم منافاتها له كما يقال اليمين الغموس قول يأثم قائله فلا توجب الكفارة كشهادة الزور فيقول المعارض قول مؤكد للباطل فزن به حقيقته فيوجب التعزير كشهادة الزور.

стр. 420

ودافع بترجيح لذا المعترض) يعني أنه يجوز على المختار دفع اعتراض المعترض بمقتضى نقيض الحكم أو ضده بترجيح وصف المستدل على وصف المعارض بقطعيته أو الظن الأغلب لوجوده وكون مسلكه أقوى ونحوهما مما ذكر من مرجحات القياس في الكتاب السادس والمراد بالوصف العلة المعلل لتعين العمل بالراجح وقيل لا يقبل الترجيح لأن المعتبر في المعارضة حصول أصل الظن لا مساواته لظن الأصل لا شفاء العلم بها وأصل الظن لا يندفع بالترجيح ورد بأن حصول أهل الظن إنما اعتبر في قبول المعارضة لينظر بين وصفي المستدل والمعارض ولا يمنع قبولهما لذلك إن يرجح أحدهما فإذا رجح وصف المستدل اندفعت المعارضة وإلا فلو تم هذا الاستدلال لاقتضى منع قبول الترجيح مطلقا لأنه إنما يفيد رجحان ظن على ظن وهو خلاف الإجماع على قبول الترجيح فيكون باطلا هـ كلام المحشي. وعدم النص والإجماع على ... وفاقه أوجبه من أصلا منع الدليلين، يعني أن من أصل منع الدليلين على حكم واحد كموجب وجوب الشرط أن لا يوجد نص أو إجماع موافق لحكم الفرع خاص به غير دال على حكم الأصل والمجيز وهو الأكثر لا يشترط ذلك إلا الغزالي والأمدى فإنهما يشترطان إشفاءهما مع تجويزهما دليلين على مدلول واحد وأصل بتشديد الصاد المهملة يقال أصل الشيء إذا جعله أصلا أي قاعدة أما إذا كان حكم الفرع منصوصا عليه كحكم الأصل فقد اشتركا في النص عليهما وقد تقدم في قوله وحيثما يندرج الحكمان في النص الخ وحجة المجيز فيما إذا كان النص الدال على حكم الفرع غير الدال على حكم الأصل هي أن ترادف الأدلة على المدلول الواحد يفيد زيادة الظن بخلاف ما

стр. 421

إذا كان النص الدال على حكم الأصل والفرع واحدا لأن العلة المستنبطة من الحكم الذي هو ثابت في الأصل والفرع بمقتضى نص واحد على حد سواء فلا تقوية. وحكم الفرع ظهوره قبل يرى ذا منع) ببناء يرى للمفعول يعني أنه يشترط في حكم الفرع أن لا يكون ظهوره للمكلفين قبل ظهور حكم الأصل فإن ذلك ممنوع كقياس الوضوء على التيمم في وجود النية فإن الوضوء تعبد به عند مبدأ الوحي حين التكليف بالصلاة والتيمم تعبد به سنة خمس من الهجرة في غزوة بني المصطلق روى الطبراني إن نزول آية التيمم كان في غزوة بعد غزوة بني المصطلق وروى أبو أبي شيبة ما يدل عليه قال المحشي وهذا هو الأقرب إذ لو جاز تقدمه لزم ثبوت حكم الفرع عند المكلفين حال تقدمه من غير دليل عليه وهو ممتنع لأن ثبوت حكم الفرع محال على أمر متأخر وهو القياس على حكم الأصل المتأخر فيلزم تكليفهم بأمر غير معلوم لأنه لم يثبت حكم الأصل ولم تعلم علته ولا وجودهما في الفرع وإنما امتنع ما ذكر بناء على جواز عدم التكليف بالمحال العلة، وهي الرابع من أركان القياس مأخوذة من علة المريض التي تؤثر فيه عادة ومن الدواعي إلى الشيء تقول علة إكرام زيد لعمرو علمه وفن التكرار ومنه العلل بالتحريك للشرب بعد النهل وهي في اصطلاح المتكلمين ما اقتضى حكما لمن قام به كالعلم علة العالمية أي كون الشيء عالما وأشار إلى معناها اصطلاحا بقوله معرف الحكم بوضع الشارع) يعني أن العلة هي الوصف المعرف للحكم بوضع الشارع أي يجعلها علامة عليه فهذا هو معناها عند أهل السنة حيثما أطلقت على شيء في كلام أئمة الشرع أي أهل الفروع قال ابن رشد في المقدمات مثال ذلك إن السكر كان موجودا في الخمر ولم يدل على تحريمها حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها

стр. 422

فليست علة على الحقيقة وإنما هي إمارة على الحكم وعلامة هـ واشتراط المناسبة في العلة دون السبب مع ترادفهما عند أهل الحق اصطلاح مخالف لما هم عليه وهذا التعريف مبين لخاصتها فمن عرفها كالسبب فإنها وصف ظاهر منضبط معرف للحكم فقد بين مفهومها قاله المحشي. والحكم ثابت بها فاتبع) يعني أن حكم الأصل ثابت بالعلة لا بالنص على صحيح مذهب مالك خلافا للحنفية في قولهم بالنص لأنه المفيد للحكم قلنا لم يفده بقيد كون محله أصلا يقاس عليه والكلام في ذلك والمفيد له العلة إذ هي منشأ التعدية المحققة القياس قولنا بقيد كون محله أصلا يقاس عليه معناه أنها تعرف كون الحكم منوطا بها حتى إذا وجدت بمحل آخر ثبت الحكم فيه أيضا والنص يعرف الحكم دون نظر إلى ذلك فليسا معرفين لشيء واحد من جهة واحدة وقد يقال معناه أنه إذا لوحظ النص عرف الحكم ثم إذا لوحظت العلة حصل التفات جديد للحكم ومعرفة كون محله أصلا يقاس عليه فمجموع ذلك الالتفات الجديد للحكم ومعرفة كون محله أصلا يقاس عليه مستفاد من العلة فأفادتها كذلك كون محله أصلا يقاس عليه. ووصفها بالبعث ما استبينا ... منه سوى بعث المكلفين يعني أنه وقع في كلام الفقهاء وصف العلة فإنها الباعث على الأحكام أي إظهار تعلقها بأفعال المكلفين أما بالكتابة في اللوح المحفوظ أو بالإلقاء إلى الملك المرسل بالوحي أو بالإيحاء إلى الرسول وقد بين تقي الدين السبكي أن المراد بالبعث بعث المكلفين على الامتثال لأن من شروط العلة أن تكون مشتملة على حكمة مرادة للشارع في شرع الحكم من تحصيل مصلحة للعباد أو تكميلها أو دفع مفسدة عنهم أو تقليلها

стр. 423

وهذا يحمل المكلفين على الامتثال لجلب الأول أو دفع الثاني وهذا قد جرت عادة الله تعالى به في شرع أحكامه تفضلا منه على عباده لا وجوبا عليه تعالى عما تقوله المعتزلة علوا كبيرا لا أنها باعثة للشارع لأن أفعاله لا تعلل بالأغراض فالمعلل فعل الكلف لا حكم الله تعالى فليس له تعالى مصلحة في شرع حكم ولا دفع مفسدة عنه وما ورد مما يخالف ذلك كقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) وقوله. (إنما نمى لهم ليزدادوا إثما) محمول على اشتمال الأفعال على المصالح التي تعود على العباد دون الغرض له تعالى ومعنى قول الفقهاء إن أحكام الله تابعة للمصالح ارتباطها بالمصالح لا إنها تابعة لها في الوجود قال المحشي أن الأولى في العبارة أن يقال منوطة أو مرتبطة بدل قولهم تابعة. للدفع والرفع أو الأمرين) قوله للرفع وما عطف عليه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي العلة كائنة للدفع الخ يعني أن الوصف مع كونه علة الحكم قد يكون مانعا لحكم آخر وحجة فقد يكون دافعا لذا الحكم الآخر فقد أو رافعا له فقط أو دافعا ورافعا مثال العلة الدافعة فقط وهي التي تكون علة في ثبوت الحكم ابتداء لا انتهاء العدة فإنها علة في ثبوت حرمة النكاح ابتداء بمعنى أن عدة الزوج علة لحرمة نكاح غيره وليست علة في ذلك انتهاء بمعنى أن الزوجة إذا وطئت بشبهة لا ينقطع نكاحها فهي دافعة غير رافعة وإذا كانت علة في ثبوت حرمة النكاح كانت مانعا من حل النكاح لأنها وصف وجودي معرف نقيض الحكم ومثل العدة الإحرام بحج أو عمرة والعلة الرافعة ما كان علة في ثبوت الحكم انتهاء لا ابتداء كالطلاق فإنه علة لحرمة الاستمتاع انتهاء بمعنى أن الزوج إذا طلق

стр. 424

زوجته حرم عليه استمتاعه بها وليس علة لحرمته ابتداء بمعنى أنه لا يمتنع استمتاعه بها إذا تزوجها بعد الطلاق فهو رافع غير دافع عليه تعالى عما تقوله المعتزلة علوا كبيرا لا أنها باعثة للتسارع لأن دافعة رافعة للحكم كالحدث مع الصلاة فإنه يمنع الابتداء والدوام وكالرضاع علة لحرمة النكاح ابتداء بمعنى أنه يحرم عليه تزوج من بينه وبينها رضاع فهو دافع وعلة لحرمته انتهاء بمعنى أنه إذا طرأ رضاع بينه وبين زوجته انقطع نكاحها فهو رافع فأفاد هذا المصراع انقسام العلة إلى الأقسام الثلاثة فلو سكت عن التصريح بها لربما ظن أنها أبدا دافعة أو أبدا رافعة أو أبدا دافعة رافعة وأنها لا تكون مانعا مطلقا. واجبة الطهور دون مين) واجبة بالرفع معطوف على الخبر قبله بمحذوف يعني أن العلة سواء كانت وصفا حقيقيا أو لغويا أو عرفيا أو شرعيا لابد أن تكون ظاهرة كالطعم والاسكار لا خفية كالرضى والغضب فإنهما من أفعال القلوب والخفي لا يعرف الخفي. ومن شروط الوصف الانضباط) يعني أن من شروط الوصف المعلل به حقيقيا كان أو شرعيا أو عرفيا أو لغويا أن يكون منضبطا بأن لا يختلف بالنسب والإضافات والكثرة والقلة لأنه يراد لتعريف الحكم وغير المنضبط لا يعرف القدر الذي علق به الحكم كالمشقة في السفر وكالرضى في البيع عند بعضهم والمنضبط كالطعم في باب الربى. (إلا فحكمه بها يناط). وهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كل من درا يعني أن الوصف إذا لم يكن منضبطا جاز التعليل بالحكمة وفيه

стр. 425

خلاف والحكمة عند جميع أهل الأصول هي التي لأجلها صار الوصف علة كذهاب العقل الموجب لجعل الاسكار علة والحكمة عبارة عن جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها أي أن لا يكن الوصف منضبطا فحكمته جائز أن يناط الحكم بها بأن تجعل علته قال القرافي في شرح تنقيحه حجة الجواز أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة لأنها أصله وأصل الشيء لا يقصر عنه ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخلق وهذا هو سبب ورود الشرائع فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها انتهى. ومن الحكمة اختلاط الأنساب فإنه سبب جعل وصف الزنى سبب وجود الحد وكضياع المتاع الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع لكن جميع ما ذكر حكم مع علل منضبطة. وهو للغة والحقيقة ... والشرع والعرف نمى الخليقة يعني أن الوصف المعلل به نماء الخليقة أي الناس الذين هم أهل الأصول إلى الأنواع الأربعة وهي اللغة كتعليل تحريم النبيذ المسكر بأنه يسمى خمرا لغة كالمشتد من ماء العنب بناء على ثبوت اللغة بالقياس والحقيقة فيقال فيه وصف حقيقي والحقيقي ما يتعقل في نفسه دون توقف على عرف أو شرع أو لغة فتندرج فيه الإضافيات لعدم توقفها على واحد من الثلاثة وإن توقفت على غيرها كالطعم والاسكار وتعريف الوصف الحقيقي للحكم لا يستفاد إلا من الشرع قاله المحشي وذلك لا ينافي تعقله في نفسه من غير توقف على الشرع ومن الأنواع الأربعة الشرع كتعليل جواز وهي المشاع بجواز بيعه وسواء كان المعلول حكما شرعيا كما ذكر أو حقيقيا كتعليل حياة الشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد وهذا
следующие страницы →