← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20892

نشر البنود على مراقي السعود

الشنقيطي، عبد الله بن إبراهيم

Полный текст (647 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إذا كان النص الدال على حكم الأصل والفرع واحدا لأن العلة المستنبطة من الحكم الذي هو ثابت في الأصل والفرع بمقتضى نص واحد على حد سواء فلا تقوية. وحكم الفرع ظهوره قبل يرى ذا منع) ببناء يرى للمفعول يعني أنه يشترط في حكم الفرع أن لا يكون ظهوره للمكلفين قبل ظهور حكم الأصل فإن ذلك ممنوع كقياس الوضوء على التيمم في وجود النية فإن الوضوء تعبد به عند مبدأ الوحي حين التكليف بالصلاة والتيمم تعبد به سنة خمس من الهجرة في غزوة بني المصطلق روى الطبراني إن نزول آية التيمم كان في غزوة بعد غزوة بني المصطلق وروى أبو أبي شيبة ما يدل عليه قال المحشي وهذا هو الأقرب إذ لو جاز تقدمه لزم ثبوت حكم الفرع عند المكلفين حال تقدمه من غير دليل عليه وهو ممتنع لأن ثبوت حكم الفرع محال على أمر متأخر وهو القياس على حكم الأصل المتأخر فيلزم تكليفهم بأمر غير معلوم لأنه لم يثبت حكم الأصل ولم تعلم علته ولا وجودهما في الفرع وإنما امتنع ما ذكر بناء على جواز عدم التكليف بالمحال العلة، وهي الرابع من أركان القياس مأخوذة من علة المريض التي تؤثر فيه عادة ومن الدواعي إلى الشيء تقول علة إكرام زيد لعمرو علمه وفن التكرار ومنه العلل بالتحريك للشرب بعد النهل وهي في اصطلاح المتكلمين ما اقتضى حكما لمن قام به كالعلم علة العالمية أي كون الشيء عالما وأشار إلى معناها اصطلاحا بقوله معرف الحكم بوضع الشارع) يعني أن العلة هي الوصف المعرف للحكم بوضع الشارع أي يجعلها علامة عليه فهذا هو معناها عند أهل السنة حيثما أطلقت على شيء في كلام أئمة الشرع أي أهل الفروع قال ابن رشد في المقدمات مثال ذلك إن السكر كان موجودا في الخمر ولم يدل على تحريمها حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها

стр. 422

فليست علة على الحقيقة وإنما هي إمارة على الحكم وعلامة هـ واشتراط المناسبة في العلة دون السبب مع ترادفهما عند أهل الحق اصطلاح مخالف لما هم عليه وهذا التعريف مبين لخاصتها فمن عرفها كالسبب فإنها وصف ظاهر منضبط معرف للحكم فقد بين مفهومها قاله المحشي. والحكم ثابت بها فاتبع) يعني أن حكم الأصل ثابت بالعلة لا بالنص على صحيح مذهب مالك خلافا للحنفية في قولهم بالنص لأنه المفيد للحكم قلنا لم يفده بقيد كون محله أصلا يقاس عليه والكلام في ذلك والمفيد له العلة إذ هي منشأ التعدية المحققة القياس قولنا بقيد كون محله أصلا يقاس عليه معناه أنها تعرف كون الحكم منوطا بها حتى إذا وجدت بمحل آخر ثبت الحكم فيه أيضا والنص يعرف الحكم دون نظر إلى ذلك فليسا معرفين لشيء واحد من جهة واحدة وقد يقال معناه أنه إذا لوحظ النص عرف الحكم ثم إذا لوحظت العلة حصل التفات جديد للحكم ومعرفة كون محله أصلا يقاس عليه فمجموع ذلك الالتفات الجديد للحكم ومعرفة كون محله أصلا يقاس عليه مستفاد من العلة فأفادتها كذلك كون محله أصلا يقاس عليه. ووصفها بالبعث ما استبينا ... منه سوى بعث المكلفين يعني أنه وقع في كلام الفقهاء وصف العلة فإنها الباعث على الأحكام أي إظهار تعلقها بأفعال المكلفين أما بالكتابة في اللوح المحفوظ أو بالإلقاء إلى الملك المرسل بالوحي أو بالإيحاء إلى الرسول وقد بين تقي الدين السبكي أن المراد بالبعث بعث المكلفين على الامتثال لأن من شروط العلة أن تكون مشتملة على حكمة مرادة للشارع في شرع الحكم من تحصيل مصلحة للعباد أو تكميلها أو دفع مفسدة عنهم أو تقليلها

стр. 423

وهذا يحمل المكلفين على الامتثال لجلب الأول أو دفع الثاني وهذا قد جرت عادة الله تعالى به في شرع أحكامه تفضلا منه على عباده لا وجوبا عليه تعالى عما تقوله المعتزلة علوا كبيرا لا أنها باعثة للشارع لأن أفعاله لا تعلل بالأغراض فالمعلل فعل الكلف لا حكم الله تعالى فليس له تعالى مصلحة في شرع حكم ولا دفع مفسدة عنه وما ورد مما يخالف ذلك كقوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل) وقوله. (إنما نمى لهم ليزدادوا إثما) محمول على اشتمال الأفعال على المصالح التي تعود على العباد دون الغرض له تعالى ومعنى قول الفقهاء إن أحكام الله تابعة للمصالح ارتباطها بالمصالح لا إنها تابعة لها في الوجود قال المحشي أن الأولى في العبارة أن يقال منوطة أو مرتبطة بدل قولهم تابعة. للدفع والرفع أو الأمرين) قوله للرفع وما عطف عليه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي العلة كائنة للدفع الخ يعني أن الوصف مع كونه علة الحكم قد يكون مانعا لحكم آخر وحجة فقد يكون دافعا لذا الحكم الآخر فقد أو رافعا له فقط أو دافعا ورافعا مثال العلة الدافعة فقط وهي التي تكون علة في ثبوت الحكم ابتداء لا انتهاء العدة فإنها علة في ثبوت حرمة النكاح ابتداء بمعنى أن عدة الزوج علة لحرمة نكاح غيره وليست علة في ذلك انتهاء بمعنى أن الزوجة إذا وطئت بشبهة لا ينقطع نكاحها فهي دافعة غير رافعة وإذا كانت علة في ثبوت حرمة النكاح كانت مانعا من حل النكاح لأنها وصف وجودي معرف نقيض الحكم ومثل العدة الإحرام بحج أو عمرة والعلة الرافعة ما كان علة في ثبوت الحكم انتهاء لا ابتداء كالطلاق فإنه علة لحرمة الاستمتاع انتهاء بمعنى أن الزوج إذا طلق

стр. 424

زوجته حرم عليه استمتاعه بها وليس علة لحرمته ابتداء بمعنى أنه لا يمتنع استمتاعه بها إذا تزوجها بعد الطلاق فهو رافع غير دافع عليه تعالى عما تقوله المعتزلة علوا كبيرا لا أنها باعثة للتسارع لأن دافعة رافعة للحكم كالحدث مع الصلاة فإنه يمنع الابتداء والدوام وكالرضاع علة لحرمة النكاح ابتداء بمعنى أنه يحرم عليه تزوج من بينه وبينها رضاع فهو دافع وعلة لحرمته انتهاء بمعنى أنه إذا طرأ رضاع بينه وبين زوجته انقطع نكاحها فهو رافع فأفاد هذا المصراع انقسام العلة إلى الأقسام الثلاثة فلو سكت عن التصريح بها لربما ظن أنها أبدا دافعة أو أبدا رافعة أو أبدا دافعة رافعة وأنها لا تكون مانعا مطلقا. واجبة الطهور دون مين) واجبة بالرفع معطوف على الخبر قبله بمحذوف يعني أن العلة سواء كانت وصفا حقيقيا أو لغويا أو عرفيا أو شرعيا لابد أن تكون ظاهرة كالطعم والاسكار لا خفية كالرضى والغضب فإنهما من أفعال القلوب والخفي لا يعرف الخفي. ومن شروط الوصف الانضباط) يعني أن من شروط الوصف المعلل به حقيقيا كان أو شرعيا أو عرفيا أو لغويا أن يكون منضبطا بأن لا يختلف بالنسب والإضافات والكثرة والقلة لأنه يراد لتعريف الحكم وغير المنضبط لا يعرف القدر الذي علق به الحكم كالمشقة في السفر وكالرضى في البيع عند بعضهم والمنضبط كالطعم في باب الربى. (إلا فحكمه بها يناط). وهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كل من درا يعني أن الوصف إذا لم يكن منضبطا جاز التعليل بالحكمة وفيه

стр. 425

خلاف والحكمة عند جميع أهل الأصول هي التي لأجلها صار الوصف علة كذهاب العقل الموجب لجعل الاسكار علة والحكمة عبارة عن جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها أي أن لا يكن الوصف منضبطا فحكمته جائز أن يناط الحكم بها بأن تجعل علته قال القرافي في شرح تنقيحه حجة الجواز أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة لأنها أصله وأصل الشيء لا يقصر عنه ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخلق وهذا هو سبب ورود الشرائع فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها انتهى. ومن الحكمة اختلاط الأنساب فإنه سبب جعل وصف الزنى سبب وجود الحد وكضياع المتاع الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع لكن جميع ما ذكر حكم مع علل منضبطة. وهو للغة والحقيقة ... والشرع والعرف نمى الخليقة يعني أن الوصف المعلل به نماء الخليقة أي الناس الذين هم أهل الأصول إلى الأنواع الأربعة وهي اللغة كتعليل تحريم النبيذ المسكر بأنه يسمى خمرا لغة كالمشتد من ماء العنب بناء على ثبوت اللغة بالقياس والحقيقة فيقال فيه وصف حقيقي والحقيقي ما يتعقل في نفسه دون توقف على عرف أو شرع أو لغة فتندرج فيه الإضافيات لعدم توقفها على واحد من الثلاثة وإن توقفت على غيرها كالطعم والاسكار وتعريف الوصف الحقيقي للحكم لا يستفاد إلا من الشرع قاله المحشي وذلك لا ينافي تعقله في نفسه من غير توقف على الشرع ومن الأنواع الأربعة الشرع كتعليل جواز وهي المشاع بجواز بيعه وسواء كان المعلول حكما شرعيا كما ذكر أو حقيقيا كتعليل حياة الشعر بحرمته بالطلاق وحله بالنكاح كاليد وهذا

стр. 426

هو الراجح وقيل لا يكون حكما لأن شأن الحكم أن يكون معلولا لا علة ورد بأن العلة بمعنى المعروف ولا يمتنع أن يعرف حكم حكما أو غيره وإن فرض كون ذلك الحكم الأول معلولا لعلة أخرى تعرفه لأن جهة معلوليته غير جهة عليته وثالثها يمتنع التعليل بالحكم الشرعي إذا كان المعلول حقيقيا ويجوز إذا كان شرعيا ومن الأنواع الأربعة العرف وشرطه الاطراد بأن لا يختلف باختلاف سائر الأوقات كالشرف والدناءة في الكفاءة فإن اختلف باختلاف الأوقات بأن وجد في بعض الأوقات دون بعض لجواز أن يكون ذلك العرف في زمنه ﷺ دون غيره من الأزمنة فلا يعلل به لكن يشكل عليه التمثيل بالشرف والخسة إذ قد يعد الشيء شرفا أو خسة في وقت دون آخر وعند قوم دون قوم قال في الآيات البينات وقد يجاب بأنه له سلم ذلك فليس في كل شرف وخسة فلا لشكال هـ. (وقد يعلل بما تركبا) قال في التنقيح يجوز التعليل بالعلة المركبة عند الأكثرين كالقتل العمد العدوان هـ. أي لمكافئ غير ولد وكالاقتيات والادخار وغلبة العيش فإنها علة ربي الفضل عندنا على خلاف في اعتبار الثالث حجة الجواز إن المصلحة قد لا تحصل إلا بالتركيب وقيل لا لأن التعليل بالمركب يؤدي إلى محال فإنه بانتفاء جزء منه تنتفي عليته فبانتفاء جزء آخر يلزم تحصيل الحاصل لأن انتفاء الجزء علة لعدم العلية قلنا لا نسلم أن انتفاء الجزء علة لعدم العلية بل من قبيل عدم الشرط فعدم العلية لانتفاء شرط وجودها لا لوجود علة عدمها فلا يلزم تحصيل الحاصل إذا تكررت علته قال تاج الدين السبكي أن التعليل بالمركب كثير وما

стр. 427

أرى للمانع منه مخلصا إلا أن يتعلق بوصف منه ويجعل الباقي شروطا فيه ويئول الخلاف انتهى. (وامنع لعلة بما قد اذهبا) لما كانت العلة مشترطا فيها اشتمالها على حكمة تبعث المكلف على الامتثال وتصلح شاهدا لإناطة الحكم بالعلة اشترط في مانعها أن يذهب حكمتها أي يبطلها ولابد أن يكون المانع وصفا وجوديا كما هو مقرر في تعريف المانع قال السبكي والمانع الوصف الوجودي المعروف نقيض الحكم كالأبوة في القصاص مثاله الدين إذا جعل مانعا من وجوب الزكاة فإن حكمة السبب المعبر عنها بالعلة وهي الغنى مواسات الفقراء من فضل مال الأغنياء وليس مع الدين فضل يواسى به قولنا وتصلح شاهد الإناطة الحكم بالعلة قال المحشي أي من جهة أن الحكمة عبارة عن جلب مصلحة أو تكميلها أو دفع مفسدة أو تقليلها. والخلف في التعليل بالذي عدم ... لما ثبوتيا كنسبي علم بضم عين عدم وعلم يعني أنه وقع الخلاف في تعليل الحكم الثبوتي بالوصف العدمي أجاز ذلك الجمهور لصحة أن يقال ضرب فلان عبده لعدم امتثال أمره ولأن العلة بمعنى المعرف وخالف بعض الفقهاء فشرط في الإلحاق بها أن لا تكون عدما في الحكم الثبوتي وأجابوا بمنع صحة التعليل بالمثال المذكور وإنما يصح بالكف عن الامتثال وهو أمر وجودي لأن الوجودي عند الفقهاء ما ليس العدم داخلا في مفهومه والعدمي خلافه كعدم كذا أو سلب كذا واحتج المانعون بأن العدمى أخفى من التبوتي فكيف يكون علامة عليه وبأن شرط العلة الظهور ولا ظهور للعدمي وأجيب بأن المحتاج إليه في التعليل مجرد العلم بأنه علامة فحيث حصل العلم بذلك من الشارع

стр. 428

نصاً أو استنباطاً أمكن الاستدلال به في الجزئيات المعنية وكونه أخفى في ذاته لا يؤثر في ذلك والعدم يقبل الظهور بالمعنى المراد في المقام ولولا ذلك لمتنع تعليل العدمى بالعدم مع أنه ليس كذلك اتفاقا قال في التنقيح يجوز التعليل بالعدم خلافا لبعض الفقهاء والأمور النسبية ويقال لها الإضافية كالأبوة والنبوة والأخوة والعمية والخالية والتقدم والتأخر والمعية والقبلية والبعدية وجودية عند الفقهاء والفلاسفة عدمية عند المتكلمين غير أن وجودها ذهني فقط فهي موجودة في الأذهان مفقودة في الأعيان والأوصاف العدمية عدمية في الذهن والخارج قال القرافي فهذا هو الفرق بينهما واستوي القسمان في العدم في الخارج هـ فمن قال أنها وجودية علل بها الثبوتي ومن قال أنها عدمية فعلى الخلاف ويجوز اتفاقا تعليل العدمي لمثله أو بالثبوتي كتعليل عدم صحة التصرف بعدم العقل أو بإسراف كما يجوز اتفاقا تعليل الوجودي بمثله كتعليل حرمة الخمر بالاسكار ويجري الخلاف الوجودي بمثله كتعليل حرمة الخمر بالاسكار ويجري الخلاف في العلة المركبة من جزءين أحدهما عدمي كان يعلل وجوب الدية المغلظة في شبه العمد عند الشافعية بأنه قتل بفعل مقصود لا يقتل غالبا وإذا كان للمعنى الواجد عبارتان أحداهما نفي والأخرى إثبات فإذا عبر بالإثبات جاز تعليل الثبوتي به وإذا عبر بالأخرى فعلى الخلاف كالكفر فإنه قد يعبر عنه بعم الإسلام فتقول يقتل الكافر لكفره أو لعدم إسلامه وكالمجنون فإنه قد يعبر عنه بعدم العقل لم تلق في المعللات عله ... خالية من حكمة في الجملة تلق مبني للمفعول وعلة نائب عن الفاعل وخالية نعته يعني أن الأحكام الشرعية المعللة لا تخلوا علة من عللها ولو قاصرة عن حكمة

стр. 429

لكن في الجملة وإن لم توجد تلك الحكمة في كل محل من محال تلك العلة على التفصيل أما التعبدات فيجوز أن تتجرد عن حكم المصالح ودرء المفاسد ثم يقع الثواب عليها بناء على الطاعة والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثواب وإلا درء مفسدة غير مفسدة العصيان وربما يعوزنا إطلاع ... لكنه ليس به امتناع يعني أن كون العلة لا تخلوا عن حكمة في الجملة لا يلزم منه إطلاعنا على كل حكمة لكن عدم إطلاعنا لا يلزم منه منع التعليل بتلك العلة التي لم تظهر حكمتها كتعليل الربويات بالقوت والادخار عندنا وبالطعم عند الشافعية أو بالكيل عند الحنفية أو بالمالية عند الأوزاعي مع أنا لم نطلع على حكمة كل وكالتعليل باللمس وغيره من النواقض وجعل بعضهم حكمته الغفلة عن الله تعالى. تنبيه: أخذ الكرراني من جواز التعليل بما لا يطلع على حكمته إن الحكمة هي الباعثة للشارع على شرع الحكم لا للمكلف على الامتثال وهو ممنوع إذ لا يلزم من خفاء الحكمتان لا تكون الحكمة هي الباعثة للمكلف بل متى علم المكلف أن أحكام الشرع مقرونة بالحكم وإن لم تتعين تلك الحكم بعثه ذلك على الامتثال في الجملة ونظير ذلك أن من سمع متكلما بغير لسانه وعلم أنه واعظ أثر فيه في الجملة وإن لم يفهم كلامه كما يشهد له الوجدان ولهذا أجاب القاضي الحسين عن سؤال عن فائدة الخطبة بالعربية إذا لم يفهمها القوم بأن كانوا عجما بأن فائدتها العلم بالوعظ من حيث الجملة والعلم بالوعظ كذلك يؤثر في الجملة: وفي ثبوت الحكم عند الانتفا ... للظن والنفي خلاف عرفا

стр. 430

النفي بالجر معطوف على ثبوت الحكم يعني أنهم اختلفوا إذا قطع بانتقاء الحكمة في صورة هل يثبت الحكم فيها لمظنة حصول الحكمة أو ينتفي إذ لا عبرة بالمظنة مع تحقق انتفاء العلامة أعنى الحكمة لكن الفروع المبنية على هذه القاعدة منها ما رجح فيه ثبوت الحكم كاستبراء الصغيرة فإن حكمة الاستبراء تحقق براءة الرحم وهي متحققة بدون الاستبراء وكمن مسكنه على البحر ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة فإنه يجوز له القصر في سفره هذا ومنها ما يرجح فيه انتفاء الحكم لانتفاء حكمته قطعا إلغاء للمظنة من أصلها أو لدليل مخصوص اقتضى إلغاء المظنة فيها وعلى هذا يترجح كثير من المسائل كشرع الاستنجاء من حصاة لا بلل معها والغسل من وضع الولد جافا وعدم نقض الوضوء إذا لم توجد اللذة في اللمس بباطن الكف أو الأصابع والنقض بالقبلة على الفم إذا لم توجد اللذة. وعللوا بما خلت من تعديه ... ليعلم امتناعه والتقوية يعني أن المالكية والشافعية والحنابلة جوزوا التعليل بالعلة التي لا تتعدى محل النص وهي العلة القاصرة وذكر القاضي عبد الوهاب منع التعليل بالقاصرة مطلقا عن أكثر فقهاء العراق وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى منع المستنبطة دون المنصوصة والمجمع عليها فتعدية العلة شرط في صحة القياس اتفاقا والجمهور على أنها ليست شرطا في صحة التعليل بالوصف كتعليل طهورية الماء بالرقة واللطافة دون الإزالة وتعليل الربى في النقد بالنقدية أو بالثمنية أو بغلبة الثمنية والقائلون يمنع التعليل بالعلة القاصرة احتجوا بعدم فائدتها لأن فائدة التعليل التعدية للفرع وقد امتنعت واستشكل القول بمنع

стр. 431

وصف غير متعد لمعارضتها له فيتوقف عن القياس لأجل المعارضة إذ المنصوصة والمجمع عليها إلا أن يجاب فإن القائل بذلك إنما منع وجودها وأول النص أو الإجماع الدال عليها لا أنه مع تسليم ثبوتها بالنص والإجماع منع التعليل بها وللتعليل بها عند الجمهور فوائد منها علم امتناعه أي القياس على محل معلولها حيث يشتمل على يجوز أن يكون كل جزء العلة فلا تعدية وإن يكون كل منهما علة مستقلة فتحصل التعدية وإذا جاز الأمران فلابد من دليل يثبت به أن ذلك الوصف المتعدى مستقل بالعلية، جزء لتصح التعدية ولا يقال التعدية كافية في ترجيح الاستقلال على الجزئية لأن ذلك إذا لم تعارض بمرجح الجزئية ومرجحها هنا هو أن اجتماع علتين خلاف الغالب وموافقة الغالب من المرجحات فلا ترجيح فالتوقف باق كتعليل طهورية الماء بالرقة واللطافة دون الإزالة ومن الفوائد معرفة المناسبة بين الحكم ومحله فيتقوى الباعث على الامتثال لأن النفس أميل لما ظهر لها مناسبته وقد ظهر بهذا اشتراط المناسبة في العلة القاصرة وهو مقتضى كلام البرهان ومنها تقوية النص الدال على معلولها إذا كان نصا ظاهرا لأنه لقبوله التأويل يحتاج إلى مقو يصرف عنه التأويل وكذا إذا كان قطعيا بناء على أن اليقين يقبل التفاوت وهو الحق وجه التقوية إن العلة القاصرة كدليل آخر على إثبات الحكم ومنها زيادة الأجر لأن المكلف إذا فعل بنية تحصيل المصلحة ونية الامتثال كان له أجران قاله حلولو قال السبكي في عدة فوائد القاصرة وزيادة الأجر عند قصد الامتثال لأجلها أي لأجل العلة المحلى زيادة النشاط فيه حينئذ بقوة الإذعان لقبول معلولها وهو الحكم فزيادة النشاط علة لزيادة الأجر عند قصد الامتثال لأجل العلة وهذه الفائدة متفرعة عن الفائدة، الأولى لأن معرفة المناسبة سبب لقوة الإذعان وقوة الإذعان

стр. 432

سبب لزيادة النشاط والمراد من زيادة النشاط الإقبال على الامتثال بكمال الاهتمام وذلك سبب لزيادة الأجر قاله المحشي وكذا متفرعه عنها أيضا على جعل زيادة الأجر لقصد تحصيل المصلحة أو درء المفسدة فإن ذلك القصد ناشئ عن معرفة المناسبة كما هو مذكور في تعريف المناسب وتعقب الكوراني قول السبكي وزيادة الأجر الخ بأن امتثال الأمر في التعبد أشق على النفس من المعلل فزيادة الأجر فيه أوفق بأمر الشارع ورده في الآيات البينات بقوله إنما يزيد الأجر في الأشق إذا كانت أشقيته لمجرد صعوبته في نفسه بخلاف ما إذا كانت لعدم الإطلاع على حكمته إذ الأشقية حينئذ ليست إلا باعتبار غم النفس وانعقاد الصدر وإن سهل الفعل حدا وذلك يقتضى فوات تمام الاهتمام وكمال النشاط والرغبة والحاصل إن الكلام ليس باعتبار أشقية نفس الفعل وحينئذ يظهر فرق ما بين الأمرين لحصول تمام الاهتمام وكمال النشاط والرغبة الموجبين مزيد الأجر في المعلل وفواتهما في التعبد والأشقية الناشئة من غم النفس وانعقاد الصدر لا تقاوم تمام الاهتمام وكمال النشاط والرغبة كما لا يخفى انتهى قلت عظم المشقة لا يستلزم كثرة الأجر فكم من عمل سهل أكثر أجرا من عمل شاق ألا ترى قوله ﷺ من وافق تأمينه تأمين الملائكة ففر له ما تقدم من ذنبه فكم من عمل أشق منه لا يحصل فيه ذلك قال زروق في قواعده وأما قوله ﷺ (أجرك على قدر مشقتك أو على قدر تعبك) فقضية عين يعني أنه خطاب واحد وهو لا يعم من غير نص على التعميم ولعله لم يرد فيه نص كما هو ظاهر كلامه ومن غير قياس وفضائل الأعمال لا بالقياس. منها محل الحكم أو جزء ورد ... وصفا إذا كل لزوميا يرد

стр. 433

الضمير في منها للعلة القاصرة وجزء مرفوع بالعطف على محل ويرد بفتح المثناه التحتية ولزوميا حال من كل الذي هو فاعل فعل محذوف يفسره ما بعده يعني أن من صور العلل القاصرة أن تكون العلة محل الحكم أو جزؤه الخاص به بأن لا يوجد في غيره أو وصفه اللازم له والمحل ما وضع له اللفظ كالخمر والذهب والفضة كتحليل حرمة الخمر بالخمرية أي بكونه خمرا أو جريان الربى في الذهب والفضة بالذهبية أو الفضية ومثال التعليل بالجزء الخاص تعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين بالخروج منهما فإن الخروج جزء معنى الخارج إذ معناه ذات متصفة بالخروج والمراد بالوصف اللازم هنا هو ما لا يتصف غير المحل به كالنقدية في الذهب والفضة أي كونهما أثمان الأشياء فإنها وصف لازم لهما في أكثر البلاد وقولي المراد بالوصف اللازم الخ إنما اخترت مثل عبارة المحلى بأن لا يتصف به غيره وقال ناصر الدين اللقائي هذا تفسير مفهوم الخاص أي القاصر لا اللازم فإن مفهومه الذي لا يفارق موصوفه أي لا ينفك عنه انتهى. وقد أجاب عن المحلى في الآيات البينات بأن هذا تفسير مراد اللازم لأنه المناسب للمقام فإن الكلام فيما يمنع تعدى العلة ومجرد عدم اتصاف المحل به غير مناف لذلك سواء أمكن مفارقته للمحل أو لا بخلاف مجرد عدم إمكان مفارقته المحل فإنه لا ينافي ذلك لصدقه مع اتصاف غيره به وحينئذ تتحقق التعدية فالصواب أن هذا تفسير اللازم هنا وكثيرا ما ينشأ الخلل من عدم المحافظة على السياق والتثبت باصطلاح لا يطابق المقام انتهى. وخرج بالخاص واللازم غيرهما فلا ينتفي التعدي عنه لكونه علة غير قاصرة كتعليل الحنفية النقض فيما ذكر وهو الخارج من

стр. 434

السبيلين بخروج النجس من البدن الشامل لخروج ما ينقض عندهم من القصد ونحوه من كل نجس فالخروج من البدن معنى الخارج لكنه غير خاص بالخارج من السبيلين إذ يصدق بخروج الدم بالقصد وغيره وكتعليل ربوية البر بالطعم فإن الطعم وصف غير لازم للبر إذ هو موجود في غيره من المطعومات. تنبيه: قال ناصر الدين اللقائي عند قول المحلي مثال الأول تعليل حرمة الذهب بكونه ذهبا ما نصه هذا الكون وصف لمحل الحرمة لا نفسه ففي التمثيل به نظر هـ وأجيب عنه بأن ذلك التعبير فيه مسامحة أي تعبير بالمجاز مشهورة معتادة قال في الآيات البينات وسرها الجرى على ما اعتيد عند التعليل فإنهم يعبرون حينئذ بقولهم مثلا يحرم الربى في الذهب لكونه ذهبا فتقع العلة بالحقيقة خبر الكون وسر ذلك أن قولنا يحرم الربى في الذهب للذهب لا يخلوا عن ثقل وركاكة فتأمل مقاصد الأئمة ما أحسنها هـ. وجه الثقل فيه والركاكة أي الضعف ما فيه من تعليل الشيء بنفسه فاحتيج إلى التعليل بصفة الحال بحسب الظاهر وإن كان في الحقيقة خبر الكون إذ كثيرا ما يعبر بالوصف مرادا به ملزومه وجاز بالمشتق دون اللقب ... وإن يكن من صفة فقد أبى بضم الهمزة أي منع يعني أنه يجوز التعليل بالاسم المشتق من الفعل عند الأكثر والمراد الفعل اللغوي وهو الحدث الصادر باختيار فاعله بدليل مقابلتهم له بنحو الأبيض الذي هو مأخوذ

стр. 435

من الصفة أي المعنى القائم بالموصوف من غير اختيار كالبياض للأبيض والسواد للأسود ونحوهما وليس المراد اشتقاقهما من الفعل النحوي والوصف النحوي كما توهمه البرماوي فاعترض على شيخه الزركشي بأن ما ذكره من الاشتقاق من الفعل ومن الصفة لا يوافق مذهب البصريين ولا مذهب الكوفيين يعني أن الاشتقاق عند البصريين من الصدر فقط وعند الكوفيين من الفعل فقط وجوز زكرياء إرادة الفعل النحوي والصفة النحوية قال ولا مانع إذ دائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق انتهى. قوله دون اللقب يعني أن الاسم اللقب لا يجوز التعليل به والمراد باللقب العلم واسم الجنس الجامد الذي لا ينبئ عن صفة مناسبة تصلح لإضافة الحكم إليها والمراد بالوصف اللغوي فيما تقدم الشمسية بما ينبئ عن ذلك قال في التنقيح ومثله في المحصول للإمام الرازي اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم مثل تعليل تحريم الخمر بأن العرب سمتها خمرا قال في المحصول فأنا نعلم بالضرورة أن مجرد هذا اللفظ لا أثر له في حرمت الخمر فإن أريد به تعليله بمسمى هذا الاسم من كونه مخامرا للعقل فذلك يكون تعليلا بالوصف لا بالاسم والمراد بعض مسماها لإتمامه والوصف إذا لم يكن له تأثير في الحكم فإن دل الدليل على إلغائه فهو غريب وطرد فلا يعلل به وإن لم يدل على إلغائه ولا على اعتباره فهو المرسل ويعلل به عند المالكية وأما القرافي فقد صرح بأن مجرد الاسم طردي محض قال والشرائع شأنها رعاية المصالح ومظانها إماما لا يكون مصلحة ولا مظنة للمصلحة فليس من باب الشرائع اعتباره انتهى والذي اختاره السبكي جواز التعليل باللقب حيث قال ويصح التعليل بمجرد الاسم اللقب الخ كتعليل الشافعي نجاسة بول ما يوكل لحمه بأنه بول كبول

стр. 436

الآدمي وإنما كان تعليلا باللقب أي مجرد التسمية لا بالوصف لأن الصحيح عند السبكي وفاقا لأهل الحق إن العلة بمعنى المعرف والإمارة لا بمعنى الباعث ولا الموجب وظاهر أنه لا مانع أن ينصب الشارع مجرد الاسم اللقب أمارة على الحكم إذ ما من شيء إلا ويصلح أن يوضع أمارة على غيره إذ الإمارة الوضعية لا تتوقف على ربط عقلي ولا مناسبة معنوية بل تحصل بمجرد الجعل ولا ينافي ذلك ما ذكره من أن شرط الإلحاق بالعلة استمالها على حكمه تبعث المكلف على الامتثال وتصلح شاهدا لإناطة الحكم بالعلة والمشتمل على ما ذكر ليس نفس العلة بل ترتب الحكم عليها وهذا متصور فيما نحن فيه مثلا فإن ترتب الحكم وهو نجاسة البول على تسميته بولا يشتمل على حكمة هي النظافة بعدم مماسة هذا المستقذر وهذه العلة تبعث المكلف على الامتثال بأن يجتنب هذه النجاسة وتصلح شاهدا لإناطة التنجيس بتلك التسمية على أنه تقدم جواز التعليل بما لا يطلع على حكمته فلو فرض عدم ظهور حكمة في التعليل بالاسم للقب جاز أن يكون هناك حكمة خفيت علينا فالشرط احتمال الحكمة وعدمه بالقطع بانتفائها في نفس الأمر قوله وإن يكن من صفة الخ. يعني أن المشتق إذا كان مشتقا من صفة أي معنى قائم بالموصوف من غير اختياره كالبياض للأبيض والسواد للأسود ونحوهما من كل صفة غير مناسبة لا يجوز التعليل به بناء على منع قياس الشبه وهذا شبه صوري ووجه كونهما من الشبه الصوري أنه لا مناسبة فيهما ولا فيما هو بنحوهما لجلب مصلحة ولا لدرء مفسدة قاله المحشي وغيره أعلم أنه يحتمل أن يراد بالمشتق ونحو الأبيض اللفظ كما هو صريح عبارة الزركشي وظاهر عبارة السبكي والمحلي كان يقول في التعليل بذلك لأنه سارق أو قاتل أو أبيض أي لأنه يطلق

стр. 437

عليه ذلك الاسم لغة أو شرعا أو عرفا والحاصل أن التعليل بالاسم له ثلاث صور أحداها الاسم الجامد فإن علل به لمعنى مناسب جاز التعليل به وهو المتقدم وإن علل به لمجرد التسمية دون مناسبة فهو اللقب وهو المراد هنا. الثانية الاسم المشتق من فعل كالضارب والقائم وهو المراد بقولنا وجاز بالمشتق. الثالثة الاسم المشتق من الصفة كالأبيض والأسود وهو المراد بقولنا وإن يكن من صفة الخ يمنع بناء على منع قياس الشبه وسيأتي الكلام عليه ويحتمل أن يراد بالمشتق ونحو الأبيض المعنى ولا يتكرر مع ما سبق من التعليل بالوصف الحقيقي أو العرفي المطرد وإن كان المراد منهما واحدا لأنا نقول المراد بالوصف فيما سبق ما ليس بمشتق ويدل على جريان الخلاف في نحو الأبيض قول الاصبهاني والمراد به حيث أطلق عند الأصوليين شارح المحصول إن في التعليل بالاسم ثلاثة أقوال الجواز مطلقا والمنع مطلقا والتفصيل بين المشتق وغيره ويدخل في المشتق نحو الأبيض فإنه يشمله المشتق عند الإطلاق قاله في الآيات الينات. وعلة منصوصة تعدد ... في ذات الاستنباط خلف يعهد علة مبتدأ ومنصوصة نعت له وتعدد بحذف إحدى التاءين خبره ويعهد بمعنى يعلم مبنى للمفعول يعني أنه يجوز أن تكون لحكم واحد علتان فأكثر عند الجمهور سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة متعاقبة أو على المعية وهو مذهب مالك ودليل جوازه وقوعه كإيجاب الوضوء من البول والغائط والمذى ولأن العلل الشرعية معرفات ولا

стр. 438

مانع من اجتماع معرفين فأكثر على شيء واحد وقولنا لحكم واحد أعني واحدا بالشخص وأما الواحد بالنوع فيجوز تعدد علله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف كتعليل إباحة قتل زيد بالردة وعمر بالقصاص وبكر بالزنى وخالد بترك الصلاة وأما العلل العقلية فيمتنع تعددها بالنسبة إلى معلول واحد بالشخص بلا خلاف عند بعضهم والمختار عند بعضهم لأنها بمعنى تأثير كل استقلال واجتماع المؤثرات استقلالا في أثر واحد من المحال قال القرافي في شرح المحصول وقد جوزه الأقل أي جوز تعدد العلل العقلية قوله في ذات الاستنباط الخ. يعني أن العلة المستنبطة في جواز تعددها خلف قوى فلا ينافي ذلك الخلاف في جواز تعدد العلة المنصوصة لأنه ليس بقوى قوته في المستنبطة فقد قال ابن الحاجب بجوازه في المستنبطة دون المنصوصة لكن لم يذكره السبكي في جمع الجوامع لقوله لم أره لغيره وقد قال القاضي أبو بكر الباقلاني بمنعه عقلا وشرعا في المنصوصة والمستنبطة وجه قول ابن الحاجب أن المنصوصة قطعية فلو تعددت لزم المحال الذي هو اجتماع النقيضين أو تحصيل الحاصل بخلاف المستنبطة لجواز أن تكون العلة فيها عند الشارع مجموع الأوصاف والنقيضان هما الاستغناء وعدمه وتحصيل الحاصل لا يأتي إلا في التعاقب ووجه المنع مطلقا لزوم المحال من وقوعه كجمع النقيضين فإن الشيء باستناده إلى كل واحدة من علتين يستغنى عن الأخرى فيلزم استغناؤه عن كل وعدم استغنائه عنه ويلزم أيضا تحصيل الحاصل في التعاقب حيث يوجد بالثانية مثلا نفس الموجود بالأولى وأجيب من جهة الجمهور بأن اجتماع النقطتين وتحصيل الحاصل إنما يلزم إذا كانت العلل المستقلة عقلية وهي ما يفيد وجود أمر أما إذا كانت شرعية وهي ما يفيد العلم بوجود أمر فلا لأنها بمعنى الدليل ويجوز اجتماع

стр. 439

الأدلة على مدلول واحد وأورد على هذا الجواب أن إسناد المعرفة إلى أحد الأمرين مثلا، يلزم منه الاستغناء بها عن الآخر فيلزم الاستغناء عن كل واحد وعدم الاستغناء عنه وهذا اجتماع النقيضين ثم إذا عرف بأحدهما ثم عرف بالآخر لزم تحصيل الحاصل وأحسن أجوبته في الآيات البينات من أن الاشتغال بملاحظة الدليل يوجب الغفلة عن المعلوم أو قلة الالتفاف إليه ثم إذا تمت ملاحظة حصل الثقات جديد قوى على وجه خاص فلا يلزم تحصيل المعلوم وحينئذ فإذا حصلت المعرفة من أحد الأمرين أمكن تحصل من الآخر معرفة مغايرة للأولى في الكيف بأن يحصل التفات إليه جديد قوى على وجه خاص فلا يلزم تحصيل الحاصل لأن الالتفات الحاصل بالأمر الثاني مغاير للالتفات الحاصل بالأمر الأول في الكيف كما تقرر ولا اجتماع النقيضين لأنه إذا اختلف الحاصلان في الكيفية كان الحاصل بكل واحد من الأمرين غير مستغنى عنه بالآخر لأن شخص الحاصل بكل واحد منهما مغاير لشخص الحاصل بالآخر هـ. والمانع من التعدد يقول فيما يذكر المجيز من التعدد أن العلة مجموع الأمرين مثلا أو أحدهما لا بعينه أو يقول فيه بتعدد الحكم بتعدد العلة. وذاك في الحكم الكثير أطلقه ... كالقطع مع غرم نصاب السرقة ذاك إشارة إلى تعدد الحكم لعلة واحدة يعني أن تعدد الحكم لعلة واحدة جوزه الكثير منهم بل الأكثر جوازا مطلقا أي سواء كانت العلة منصوصة أم لا قال السبكي والمختار وقوع حكمين بعلة إثباتا كالسرقة للقطع والغرم أو نفيا كالحيض للصوم والصلاة وغيرهما كالطواف ودخول المسجد ومس المصحف أي لحرمتها والغرم بالضم

стр. 440

ومحل وجوب غرم نصاب السرقة إنما هو إذا استمر يسر السارق إلى يوم القطع أو الحكم قال ابن الحاجب إن قلنا أنها أمارة بذلك جائز باتفاق والمختار جوازه بمعنى الباعث إذ لا بعد في مناسبة وصف واحد لحكمين وقيل بالمنع مطلقا وقيل يجوز أن لم يتضاد الحكمان ويمتنع أن تضاد أكانتا بيد لصحة البيع وبطلان الإجارة لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين بناء على اشتراط المناسبة في العلة بناء على أنها بمعنى الباعث لا الإمارة وهو مرجوح وجوابه من جهة المختار هو المنع وسنده أنه لا مانع من أن يناسب الوصف الواحد حكمين متضادين بجهتين مختلفتين كالتوقيت بأنه سبب لصحة الإجارة ولبطلان البيع مناسب أما مناسبته لصحة الإجارة فلأنه ضابط للمنفعة المعقود عليها مع بقاء ملك الرقبة وبضبطها يدرء التشاجر بين المتعاقدين وأما مناسبته لبطلان البيع فلأنه نقل الملك في الرقبة الذي هو أثر البيع يقطع تعلق البائع بها والتوقيت ينافيه لاقتضائه بقائه التعلق بها. وقد تخصص وقد تعمم لأصلها) بكسر الثالث من تخصص وتعمم مع التشديد يعني أن العلة يجوز تخصيصها للأصل الذي استنبطت منه وذلك هو الظاهر من مذهبنا على ما قاله حلولو وللشافعي فيه قولان مستنبطان من اختلاف قوله في نقض الوضوء بمس المحارم قال مرة ينقض نظرا إلى عموم قوله تعالى (أو لامستم النساء) ومرة لا ينقض لأن اللمس مظنة الاستمتاع أي الالتذاذ المثير للشهوة وعليه فقد عادت على الأصل المستنبطة منه الذي هو آية أو لامستم النساء) بالتخصيص إذ يخرج منها النساء المحارم والقولان في نقض الوضوء بمس النساء المحارم منصوصان في مذهب مالك والفرق بين هذا وبين قول وفي ثبوت الحكم عند الانتفا البيت أن

стр. 441

الكلام هناك فيما إذا وجدت العلة دون حكمة كما نص عليه السبكي والمحلي فإن العلة هي السفر وقد وجد قطعا لكن انتفت حكمته التي هي المشقة بخلاف ما هنا فإن العلة المستنبطة التي هي مظنة الاستمتاع والتلذذ لم توجد في المحارم إذ ليس مظنة لذلك فأين أحدهما من الآخر وإن أشتبه علي ناصر الدين اللقاني وشهاب الدين عميرة قال في الآيات البينات ومنشأ الغلط والاشتباه التعبير بالمظنة هنا وهناك وهو عجيب فإنها ذكرت هناك على أنها وصف العلة وهنا على أنها نفس العلة انتهى. قوله وقد تعمم لأصلها يعني العلة يجوز أن تعود على أصلها الذي استنبطت منه بالتعميم أي تجعله عاما اتفاقا كتعليل الحكم في حديث الصحيحين لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان) بتشويش الفكر فإنه يشمل غير الغضب لاكنها لا تخرم) بفتح الناء وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء يعني أنه يشترط في صحة الإلحاق بالعلة إن لا تخرم أي لا تبطل أصلها الذي استنبطت منه لأنه منشأها فأبطالها له إبطال لها كتعليل الحنفية وجوب الشاة في الزكاة بدفع حاجة الفقير فإنه يجوز الإخراج قيمة الشاة مفض إلى عدم وجوبها على التعيين بالتخيير بينها وبين قيمتها وذلك فيه إبطال لما استنبطت منه وهو قوله ﷺ في أربعين شاة شاة) وأجيب من جهة الحنفية بأن هذا ليس عودا بالإبطال إنما يكون عودا به لو أدى إلى رفع الوجوب وليس كذلك بل هو توسيع للوجوب أي تعميم له والمراد بالإبطال هنا ما ليس بتخصيص ولا تعميم بدليل مقابلته بهما في كلام الأئمة وأيضا فإن الإبطال بالمعنى المقابل لهما لا يتصور إلا أن يكون إبطالا له

стр. 442

(وشرطها التعيين) يعني أنه يشترط في الإلحاق بالعلة أن تتعين أي تكون وصفا معينا وبه قال الجمهور لأن العلة منشأ التعدية المحققة للقياس الذي هو الدليل ومن شأن الدليل أن يكون معينا فكذا منشأ المحقق له خلافا لمن اكتفى بعلية منهم بين أمرين مثلا مشترك بين المقيس والمقيس عليه لأن ذلك المبهم المشترك يحصل المقصود والمراد بالتعدية في قوله لأن العلة منشأ التعدية الخ تعدية الحكم عن الأصل إلى الفرع قولهم المحققة للقياس اعترضه بعضهم بأن ذلك يقتضى أن التعدية المحققة من أركان القياس وليس كذلك إذ أركانه أربعة تقدم ذكرها وأجيب بأنا لا نسلم أن من لازم المحقق للشيء كونه من أركانه فإن شروط وجوب الشيء محققة له وليست من أركانه وكذا العلل العقلية محققة لمعلولها وليست من أركانه ويجوز عند الشافعية التعليل بمبهم من أمرين فأكثر إذا ثبتت عليه كل منهما أو منها كقولهم من مس من الخنثى غير المحرم بفتح الميم أحد فرجيه أحدث أي انتقض وضوءه لأنه إما ماس فرج آدمي أو لامس غير محرم لأن كلا من المس واللمس يثبت عليته للحدث عندهم وبعضهم جعل محل الخلاف في التعليل بمبهم غير مشترك وتصوره متعذر لأنهم إنما أرادوا بكون التعليل بالمبهم غير المشترك أنه لا أصل هناك يلحق به حتى يكون المبهم مشتركا بينه وبين ذلك الفرع لزم إثبات الأحكام بمجرد التعليل من غير أن يتحقق هناك قياس وهو في غاية الأشكال لأن مجرد التعليل خارج عن أدلة الفقه المقبولة والمردودة وإن أرادوا بذلك أن هناك أصلا يلحق به فكيف يصح الإلحاق مع عدم الاشتراك في العلة وأيضا فإن أرادوا بالمبهم القدر المشترك بين أمرين أو أمور من المحصور في عدد خاص فهذا معين لا مبهم وإن أرادوا به واحدا من أمور لم تثبت علية شيء منها لكن تحتمل عليه واحد منها

стр. 443

فقد قال في الآيات البينات فهذا مما لا ينبغي ذهاب أحد إليه إذ كيف يصح الإلحاق إلا بواسطة شيء ثبتت عليته وقد جعل الزركشي وغيره هذه المسئلة هي التي صورها الصفي الهندي في نهايته بقوله قال بعضهم يجوز الإلحاق بمجرد الاشتراك في الوصف المطلق العام وأطبق الجماهير على فساده من حيث أن ذلك يقتضى ثبوت أحكام متناقضة في أوصاف عامة فلو جاز إلحاق الفرع بالأصل بمجرد الاشتراك في الوصف لجاز إلحاق كل فرع بكل الأصول إذ ليس إلحاقه ببعضها أولى من إلحاقه بالبعض الآخر وحينئذ يلزم ثبوت الأحكام المتناقضة في كل واحد من الفروع ولأن ذلك يفضى إلى التسوية بين المجتهد والعاصي في إثبات الأحكام الشرعية في الوقائع الحادثة لأنه ما من عامي جاهل يفرض إلا ويعلم أن هذا الفرع يشبه أصلا من الأصول في وصف عام فيثبت حكمه فيه لاشتراكهما في ذلك الوصف العام واحتجوا بقول عمر ﵁ أعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك) ويكفي في كون الشيء شبها للشيء أو نظيرا له الاشتراك في وصف واحد وقوله وقس الأمور مرتب على ذلك فوجب أن يجوز القياس بكل وصف مشترك يتحقق به الشبه والنظائر وجوابه منع تحقق الشبه والنظائر بمجرد الاشتراك في الأوصاف العامة نحو الذكورية والمعلومية والخبرية بل لابد من الاشتراك بوصف خاص قال في الآيات البينات إن في مطابقة هذه المسألة لتصوير السبكي المسئلة بالمبهم وفي تعليل المحلي المذكور نظرا. (والتقدير لها جوازه هو التحرير) الضمير المجرور باللام للعلة والتقدير هو أن يفرض الشيء لا حقيقة له يعني أن جواز كون العلة وصفا مقدرا أي مفروضا لا حقيقة له هو التحرير أي التحقيق عند القرافي وفاقا لبعض الفقهاء مثاله قولهم الملك معنى شرعي مقدر

стр. 444

في المحل أثره إطلاق التصرف خلافا للإمام الرازي فإنه جعل من شروط الإلحاق بالعلة إن لا تكون وصفا مقدرا لأن الوصف المقدر لا يكون عنده علة بل منع أن يكون التقدير في الشرع تصدر فضلا عن التعليل به ورده القرافي قائلا لأن المقدرات في الشريعة لا تكاد يعرى عنها باب من أبواب الفقه وكيف يتخيل عاقل أن المطالبة تتوجه على أحد بغير أمر مطالب به وكيف يكون طالبا بلا مطلوب وكذلك المطلوب يمتنع أن يكون معينا في السلم وإلا لما كان متعين أن يكون في الذمة ولا نعني بالتقدير إلا هذا وكيف يصح العقد على أردب من الحنطة وهو غير معين ولا مقدر في الذمة فحينئذ هذا عقد فلا معقود عليه بل لفظ بلا معنى وكذلك إذا باعه بثمن إلى أجل هذا الثمن غير معين فإذا لم يكن مقدرا في الذمة كيف يبقى بعد ذلك ثمن يتصور وكذلك الإجارة لابد من تقدير منافع في الأعيان حتى يصح أن يكون مورد العقد إذ لولا تخييل ذلك فيها امتنعت إجارتها ووقفها وعاريتها وغير ذلك من عقود المنافع إلى آخره ومن التقدير قولهم في الحدث وصف مقدر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية واختار التبريزي جواز التعليل بالمقرر وقد يكون الملك معنى مقدرا بالمحل فقال الملك لا يمكن إنكاره ولا يجوز تفسيره بسبب الملك الذي هو الشراء لبطلان تفسير المسبب ولا بأثره الذي هو إطلاق التصرف إذ يستحيل كون الشيء غير أثره فلابد وأن يقدم في المحل معنى شرعي أي قرره الشرع وهو المطلوب انتهى. وتعقبه الاصبهاني في شرح المحصول فإنه يصح تفسير الملك دون حاجة إلى التقدير المذكور إذا الملك لغة القدرة ومنه ملكت فاسجح أي قررت فأحسن العفو وشرعا قدرة مخصوصة على تصرفات مخصوصة فالمالك هو المتصف بأنه قادر وهذه القدرة بنفسه أو بغيره

стр. 445

كالولي والوكيل والمملوك متعلق قدرته في إيقاع التصرف فيه فهذا تفسير للملك بغير أثره وبغير سببه وبه يظهر أن لا حاجة إلى تقدير معنى بالمحل انتهى. ومقتضى الحكم وجودة وجب ... متى يكن وجود مانع سبب مقتضى بكسر الضاد الساقطة المعجمة مبتدأ ووجوده مبتدأ ثان خبره جملة وجب والمبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وسبب اسم يكن ووجود مانع خبر مقدم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله يعني أنه إذا كان وجود مانع من ثبوت الحكم سببا أي علة لانتفاء الحكم لابد عند الجمهور من ثبوت المقتضى للحكم أي العلة الموجبة للحكم فلو لم يوجد المقتضى كان انتفاء الحكم حينئذ لانتفائه لا لما فرض من وجود المانع خلافا لابن الحاجب والإمام الرازي في قولهما لا يلزم من كون العلة وجود مانع من الحكم وانتفاء شرط لثبوته وجود المقتضى واستدل له ابن الحاجب بأنه إذا انتفى الحكم مع وجود المقتضى كان انتقاؤه مع عدمه أجدر انتهى. فانتفاء وجوب الزكاة لأجل المانع الذي هو الدين يكون من باب أولى إذا انتفى النصاب لأن نفى الحكم حينئذ لأمرين وجود المانع وفقد العلة بناء على جواز دليلين على مدلول واحد قال القرافي فلا نقول في الفقير أنه لا تجب عليه الزكاة لأن عليه الدين وإنما نقول لأنه فقير ولا نقول في الأجنبي أنه لا يرث لأنه عبد بل لأنه أجنبي. كذا إذا انتفاء شرط كانا ... وفخرهم خلاف ذا أبانا الألف للإطلاق واسم كان ضمير السبب وانتفاء شرط خبر كان يعني أن الجمهور قالوا أن انتفاء الشرط لثبوت الحكم إذا كان علة

стр. 446

لانتقائه لزم وجود المقتضى لذلك الحكم لأن المقتضى إذا لم يوجد كان انتفاء الحكم لانتفائه لا لانتفاء الشرط قوله وفخرهم الخ يعني أن الفخر الرازي أظهر خلاف ذلك بأن قال لا يلزم وجود المقتضى واختاره ابن الحاجب وأجابا بأنه يجوز أن يكون انتفاء الحكم لما فرض أيضا من انتفاء الشرط لجواز دليلين على مدلول واحد كتعليل انتفاء الرجم بعدم الشرط فيه الذي هو الإحصان وإن لم يوجد المقتضى الذي هو الزنى بأن نقول لا يرجم زيد حين لم يثبت عليه الزنى لعدم إحصانه والجمهور يمنعون ذلك ودليلهم الشريعة كما تقدم في مثالي وجوب الزكاة وعدم الإرث والعادة إذ لا يحسن فيها أن يقال للأعمى أنه لا يبصر زيادا للجدار الذي بينهما وإنما يحس ذلك في البصير. مسالك العلة ومسلك العلة ما دل على ... علية الشيء متى ما حصلا يعني أن مسلك العلة هو ما دل على كون هذا الشيء علة لهذا الحكم حيثما كان هذا الشيء بناء على اشتراط الاطراد في العلة، ويصح أن يكون قوله متى ما حصلا قيدا في المسلك. والمعنى أن مسلك العلة حيثما كان هو ما يد لعلى كون الشيء علة لا ما لا يدل. والمسلك لغة موضع السلوك أي المرور (الإجماع) أي من المسالك أي المواضع التي يؤخذ منها علية الشيء الإجماع وما ذكر بعده كالإجماع على أن العلة في حديث الصحيحين: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" تشويش الغضب للفكر، والتشويش وصف ظاهر ضابط للحكمة وهي خوف الميل عن الحق إلى خلافه وهذه علة عائدة إلى أصلها الذي استنبطت منه بالتعميم كما تقدم، ولما كان مدار النهى على تشويش الفكر علمنا أن الغضب اليسير الذي

стр. 447

لا يمنع من استيفاء الفكر لا يمنع من القضاء وإن الجوع الشديد يمنع منه وقول من يقول العلة الغضب لكن لكونه مشوشا خطأ غذ لا ملزمة بني الغضب والتشويش لأن تشويش الفكر قد يوجد حيث لا غضب، والغضب قد يوجد حيث لا تشويش للفكر بل العلة التشويش للفكر فقط إلا أنه أطلق لفظة الغضب لإرادة التشويش إطلاقا لاسم السبب على المسبب. فالنص الصريح مثل ... لعلة فسبب فيتلوا من أجل ذا فنحو كي إذا العطف بالفاء أو بثم فيه إشارة إلى أن ما بعده دون ما قبله في القوة فيقدم عليه عند التعارض بخلاف العطف بالواو. يعني أن المسلك الثاني هو النص ومنه صريح بأن لا يحتمل غير العلية مثل افعل كذا لعلة كذا فيلي ذلك فلسبب كذا وبعض الأصوليين أسقط هذين المثالين لعزة وجودهما في الكتاب والسنة فيلي ما ذكر من أجل كذا نحو قوله تعالى: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل" وكذا لأجل كذا كقوله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان لأجل البصر" قاله حلولو فيلي ما ذكر نحو كي وإذا نحو قوله تعالى: "كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" "إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات" فإن قيل: إن كي تأتي للتعليل وبمعنى أن المصدرية وهما متغايران فكيف عدها من الصريح مع احتمال كونها لغير التعليل؟ فالجواب إنها إذا كانت بمعنى أن المصدرية لزمتها لام التعليل ظاهرة أو مفردة فهي مؤكدة للام التعليل فلم تخرج عن كونها للتعليل بالأصالة أو التأكيد وفي الحقيقة مدخولها الذي هو الفعل باعتبار ما تضمنه من المصدرية مثبتا أو منفيا هو العلة هذا

стр. 448

الجواب للمحشي وقال زكرياء إن محل كونها للتعليل إذا لم تكن مصدرية. (فما ظهر لام ثمة البا علما) ما مبتدأ وظهر صلته ولام خبره وعلم مبني للمفعول ونائب الفاعل ضمير عائد على الباء والألف للإطلاق أي فيلي النص الظاهر جميع ما تقدم من أقسام النص الصريح. واعلم أن مجيء اللام للعلة مطرد لا يختص بظهورها عن تقديرها، فالظاهرة نحو "كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور" والمقدرة نحو قوله تعالى: "أن كان ذا مال وبنين" أي لأن والظاهر ما يحتمل غير العلية احتمالا مرجوحا وإطلاق النص على ما يشمل الصريح، والظاهر أحد الاصطلاحات الأربعة في معنى النص كما تقدم، قوله ثمة الخ زيادة التاء في ثم جائزة يعني أن الباء من النص الغير الصريح وهو بعد اللام في الرتبة ولذلك عطف بثم نحو "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحات لهم" أي منعناهم منها لظلمهم. فالفاء للشارع فالفقيه ... فغيره يتبع بالشبيه الفاء بالرفع معطوف على الضمير نائب فاعل علم دون فاصل لوروده فاشيا في النظم أي علم الباء من النص الغير الصريح وعلم الفاء تاليا له في الرتبة ويقدم الفاء في كلام الشارع من كتاب وسنة ويكون فيه في الحكم نحو قوله تعالى "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما" وفي الوصف المعلل به نحو حديث الصحيحين في المحرم الذي وقصته دابته "لا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعثه يوم

стр. 449

القيامة ملبيا قوله فالفقيه بالجر عطفا على الشارع أي فيلي ما ذكر الفاء في كلام الراوي الفقيه قوله فغيره بالجر أيضا عطفا على الشارع أي فيلي ما ذكر الفاء في كلام الراوي غير الفقيه ويكون في هذين القسمين في الحكم فقط كقول عمر ابن حصين رضي الله تعالى عنه قال سهى رسول الله ﷺ فسجد قاله المحلى ووجهه إن الراوي يحكى ما كان في الوجود على الوجه الذي وقع عليه والعلة بحسب الوجود تتقدم على المعلول الذي هو الحكم زمنا ورتبة فلم يدخل الفاء إلا على المعلول وفيه كما في الآيات البينات نظر لأن هذا لا يمنع إدخال الفاء على العلة إذا لو قال مثلا سجد فسهى أي لأجل سهوه لأفاد ترتب الحكم على العلة وأنها متقدمة زمنا أو رتبة وقد عبر في المنهاج بقوله ويكون الفاء في الوصف أو الحكم في لفظ الشارع والراوي انتهى. وقال الأسنوى في شرحه ويدخل الفاء على الثاني منهما أي الحكم والوصف سواء كان من كلام الشارع والراوي وهو صريح في دخولها على الوصف في كلام الراوي ولكن لم يظفروا له بمثال فقول المحلي ويكون ذلك في الحكم فقط قال في الآيات البينات لعله باعتبار الوجود فقط بحسب إطلاعهم وحينئذ يندفع النظر المذكور قوله يتبع بالشبيه ببناء يتبع للمفعول أي يتبع ما ذكر بما يشبهه في كونه الظاهر منه الدلالة على العلية كان المكسورة المشددة نحو لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا أنك) الآية، وكاذ نحو ضربت العبد إذا ساء أي لإساءته وكبير وحتى وعلى وفي ومن والمراد بظهور ما ذكر من الحروف والأسماء في العلية ظهورها فيها ولو بواسطة القرينة إذ معلوم أن لها معاني أخر غير التعليل كالإلصاق في الباء ومجرد العطف في الفاء ولا يخلو إما أن يكون كل منها حقيقة في جميع معانيها

стр. 450

بأن يكون مشتركا بينها اشتراكا لفظيا وإما أن يكون حقيقة في بعضها مجازا في الباقي وعلى كلا التقديرين لا يكون ظاهرا بنفسه بالعلية إذ المشترك لا يكون ظاهرا بنفسه في بعض معانيه واللفظ لا يكون بنفسه ظاهرا في معناه المجازي كيف وهو معناه المرجوح. تنبيه: اعلم أن كثيرا من الأصوليين يجعلون الفاء التعليلية من قبيل الإيماء لأن ثبوت الحكم عقب الوصف وترتبه عليه مشعر بعليته ولكل وجه ولا مشاحة في الاصطلاح. والثالث الإيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف أي الثالث من مسالك العلة هو الإيماء يعني أن الإيماء المتفق على كونه إيماء هو اقتران الوصف الملفوظ بالحكم الملفوظ على الوجه الآتي وكون الوصف والحكم ملفوظا بكل منهما لا ينافي كون كل منهما وإحداهما مقدرا لأن المراد بالملفوظ خلاف المستنبط فيشمل المقدر كالمنطوق به بالفعل لأن المقدر كالمذكور مثال تقديرهما قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) فإذا طهرن فلا مانع من قربانهن ومثال تقدير الحكم فقط قوله تعالى: "إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح" أي فلا شيء لهن أما إذا كان الوصف والحكم مستنبطين معا فليس بإيماء اتفاقا وإن كان أحدهما ملفوظا والآخر مستنبطا فقيل إيماء تنزيلا للمستنبط منزلة الملفوظ فيقدمان عند التعارض على المستنبط بلا إيماء وقيل ليس بإيماء والأصح إيماء إذا كان الوصف هو الملفوظ لاستلزام الوصف للحكم بخلاف العكس لجواز كون الوصف المستنبط أعم من الحكم لأجل كونه أعم من العلة في نفس الأمر لأجل خطأ، المستنبط في استنباطه لذلك الوصف الذي استنبطه، فالمراد بالوصف في قولنا لجواز كون الوصف الذي أثبته الاستنباط لا الوصف في الواقع بخلاف

стр. 451

الوصف في قولنا قبله لاستلزام الوصف الحكم قال في الآيات البينات فحاصل الكلام أنه يجوز أن لا يكون الوصف المستنبط هو الوصف الذي هو العلة في الواقع بل أعم منه فيكون أعم من الحكم لأن الأعم لا يستلزم الأخص فلا يتحقق الافتراق انتهى. وبهذا تعلم بطلان ما أورده بعض حواشي المحلي عليه هنا مثال الوصف الملفوظ فقط قوله تعالى (وأحل الله البيع) فحله وهو الوصف الملفوظ مستلزم لصحته وهو الحكم المستنبط من الآية ومثال العكس تعليل الربويات بالقوت والادخار أو غيرهما فحرمة التفاضل في بيع بعضها ببعض هو الحكم الملفوظ به في الحديث والقوت والادخار أو الطعم أو الكيل هو الوصف المستنبط. وذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير كما إذا سمع وصفا فحكم سمع وحكم مبنيان للفاعل الذي هو ضمير الشارع المعلوم من سياق الكلام يعني أن الوصف الملفوظ المقترن بالحكم لابد أن يشعر اقترانه ذلك بكونه علة لذلك الحكم حتى لو كان لغيرها لضر ذلك أي أخل بفصاحة الشارع وإتيانه بالألفاظ في مواضعها وكذلك يشترط ذلك في اقتران نظير الوصف بنظير الحكم حيث يشار بالوصف والحكم إلى نظيرهما أي يشترط فيه الأشعار بكون الوصف النظير الذي لم يذكر حقيقة علة لنظير الحكم أعني بالنظير الحكم الذي لم يذكر حقيقة أيضا فمنشأ الدلالة على علية نظير الوصف لنظير الحكم الاقتران الحكمي بينهما الذي دل عليه الاقتران الحقيقي بين الوصف والحكم إذ في ذكرهما

стр. 452

إشارة إلى نظيرهما فالنظيران مذكوران حكما مفترقان كذلك قاله في الآيات البينات قوله كما إذا سمع الخ، يعني أن أمثلة الإيماء حكم الشارع بعد سماع وصف كما في حديث الأعرابي واقعت أهلي في نهار رمضان) فقال ﷺ (أعتق رقبة) فأمره بالاعتاق عند ذكر الوقاع يدل على أنه علة له وإلا خلى السؤال عن الجواب وذلك بعيد فيقدر السؤال في الجواب فكأنه قال واقعت أهلك فاعتق، فالعلة المقدرة وهي الوقاع والحكم الذي هو وجوب الاعتاق ملفوظ ومثال النظير حديث الصحيحين أن امرأة قالت (يا رسول الله أن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها) قال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدى ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك أي فإنه يؤدي عنها. سألته عن دين الله على الميت وجواز قضائه عنه فذكر لها دين الأدمى عليها وقررها على جواز قضائه فلو لم يكن جواز القضاء فيهما لكون الدين علة له لكان بعيدا فهذا المثال وإن نبه فيه على كون نظير الوصف علة لنظير الحكم فقد نبه فيه على أركان القياس الأربعة فالأصل دين العباد، والفرع دين الله، والحكم جواز القضاء، وعلته في كل منهما كونه دنيا قاله المحشى وإما إذا علم الشارع بفعل تجدد فيحكم عقبه بحكم فالصحيح عندنا عدم صحة استناد التعليل إليه لعدم تحقق التعليل فيه لأنه يحتمل أن يكون ذلك الحكم مبتدأ واتفق ذكره مع وقوع الفعل قال حلولو والظاهر الربط فإنه أبعد عن اللبس وأقرب إلى الفهم، انتهى. وذكره في الحكم وصفا قد ألم. (إن لم يكن علته لم يفد) ذكره مبتدأ خبره جملة، قد ألم يعني أن ذكر الشارع في الحكم وصفا لم يصرح بالتعليل به، قد ألم

стр. 453

أي وقع كونه إيماء لكن لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لم يكن لذكره فائدة كحديث الصحيحين لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان، فتقييده المنع من الحكم بحالة الغضب المشوش للفكر يدل على أنه علة له وإلا خلى ذكره عن الفائدة وذلك بعيد من غير الشارع فضلا عن الشارع الذي هو أبلغ خلق الله تعالى ويصح أن يكون هذا مثالا لترتيب الحكم على الوصف فيكون إيماء من وجهين. (ومنعه مما يفيت) منعه مرفوع معطوف على فاعل ألم يعني أنه وقع من الإيماء منع الشارع المكلف من فعل قد يفوت ذلك الفعل فعلا آخر مطلوبا منه نحو قوله تعالى (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) فإنه يفهم منه أن منع البيع وقت نداء الجمعة إنما هو لأجل أن البيع يفوت الجمعة فلو لم يكن لمظنة تفوقيتها لكان المنع بعيدا. (استفد ترتيبه الحكم عليه) أي استفد كون ترتيب الشارع الحكم على الوصف إيماء نحو أكرم العلماء فترتيب الإكرام على العلم لو لم يكن لعلية العلم له لكان بعيدا. (واتضح تفريق حكمين بوصف المصطلح) يعني أنه اتضح كون هذا القسم من الإيماء وهو تفريق الشارع بين حكين بالوصف في المصطلح أي اصطلاح أهل الأصول مع ذكر الحكمين أو ذكر أحدهما فقط. مثال الأول حديث الصحيحين أنه ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهما) فتفريقه بين هاذين الحكمين بهاذين الوصفين لو لم يكن لعلية كل منهما لكان بعيدا والوصفان هما مفهوم

стр. 454

الفرس والرجل لا أسماؤها إذ هما لغتان لا مدخل للتسمية بهما في الحكمين. ومثال الثاني حديث الترمذي: «القاتل لا يرث» أي بخلاف غيره (المعلوم) إرثه فالتفريق بين عدم الإرث المذكور وبين الإرث المعلوم بصفة القتل المذكور مع عدم الإرث لو لم يكن لعليته له لكان بعيدًا والمراد بالوصف هنا الوصف الاصطلاحي وهو لفظ مقيد لآخر ليس (بشرط) ولا استثناء ولا غاية ولا استدراك بدليل مقاساته بها والمراد به في تعريف الإيماء ما يشمل المذكورات. أو غاية شرط أو استثناء (بجر غاية عطفاً على وصف) المصطلح وشرط معطوف عليه بعاطف محذوف واستثناء معطوف على غاية أيضاً يعني أن من الإيماء تفريق الشارع بين حكمين بشرط أو غاية أو استثناء أو استدراك. مثال الشرط حديث مسلم «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد» فالتفريق بين منع البيع في هذه الأشياء متفاضلاً وبين جوازه عند اختلاف الجنس لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز لكان بعيدًا. ومثال الغاية قوله تعالى: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) فإذا طهرن فلا مانع من قربانهن فتفريقه بين المنع من قربانهن في الحيض وبين جوازه في الطهر لو لم يكن لعلية الطهر لكان بعيدًا.

стр. 455

ومثال الاستثناء قوله تعالى: (فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون) أي الزوجات عن ذلك النصف فلا شيء لهن فتفريقه بين ثبوت النصف لهن وبين انتفائه عند عفوهن عنه لو لم يكن لعلية العفو للانتفاء لكان بعيدًا. ومثال الاستدراك قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) فتفريقه بين عدم المؤاخذة بالإيمان وبين المؤاخذة بها عند تعقيدها لو لم يكن لعلية التعقيد بالمؤاخذة لكان بعيدا. تنيبه: صرح الغزالي وغيره بأن وجوه الإيمان كثيرة لا تنحصر في ما ذكر وإنما يذكرون تلك الوجوه تنبيها على ما لم يذكر. (تناسب الوصف على البناء) أعني أن الأكثرين لا يشترطون في الإيماء مناسبة الوصف اليومي إليه للحكم قال المحلي بناء على أن العلة بمعنى المعرف أي العلامة والإمارة وقيل تشترط بناء على أنها بمعنى الباعث انتهى. وعلل حلول عدم اشتراط المناسبة طريق مستقل والإيماء كذلك فلا يتوقف أحدهما على الآخر وعلل اشتراطها بأن الغالب من تصرفات الشرع أن يكون على وفق الحكمة فما لا مناسبة له ولا يوهم المناسبة يمنع التعليل به وعورض مذهب الأكثر بما سبق من أن شروط الإلحاق بها اشتمالها على حكمة تبعث المكلف على الامتثال وتصلح شاهدا لإناطة الحكم بها وبما سبق قريبا من أن الوصف يستلزم الحكم فكيف يستلزم مع عدم المناسبة واجب بالجمع بين الكلامين بأن ما تقدم هو اشتراط اشتمالها على الحكمة المذكورة ولو احتمالا

стр. 456

ومظنة وإن كان قد لا يطلع على حكمته إذ لا تخلو علة عن حكمة لكن في الجملة فقد يقطع بانتفائها في بعض الصور وبأن المراد هنا أنه لا يشترط مناسبة بحسب الظاهر وإلا فالمناسبة معتبرة في نفس الأمر قطعا للاتفاق على امتناع خلو الأحكام عن الحكمة فظاهر السبكي ومن وافقه اشتراط المناسبة في نفس الأمر وإن كانت العلة بمعنى الإمارة وقال العضد أن المناسبة لابد منها في نفس الأمر إذا كانت العلة بمعنى الباعث ولا تجب المناسبة في نفس الأمر إذا كانت بمعنى الإمارة المجردة وعلى كلام العضد وكلام المحلي السابق يحمل قولنا تناسب الوصف على البناء. (والسبر والتقسيم قسم رابع) أي من مسالك العلة السبر والسبر بالفتح لغة الاختبار ومنه سمى ما يعرف به طول الجرح وعرضه سبارا ككتاب ومسبار كمفتاح تقول العرب هذه القضية يسبر بها غور العقل أي يختبر والتقسيم لغة الافتراق ولذا عبر بعض الأصوليين عن التقسيم بالافتراق والأصل أن يقال التقسيم والسبر لأن الناظر يحصل ما بالمحل من الأوصاف بأن يقول مثلا العلة أما الاقتيات والاذخار والطعم أو الكيل وهذا هو التقسيم ثم يختبر الصالح للعلية من غير وهذا هو السبر فيعين الصالح للعلية وإذا كان ذلك هو الأصل فمقتضاه أن يقال التقسيم والسبر ليوافق ترتب اللفظين ترتب معنيهما لكن عدل عنه لما قال المحشي ولفظه قلنا مجموع اللفظين علم للمسلك وهو مفرد لا نظر فيه إلى ترتيب انتهى. وأظهر منه كلام القرافي وافظه لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار والاختبار هو المقصد وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل

стр. 457

قدم السبر لأنه المقصد الأهم وأخر التقسيم لأنه وسيلة أخفض رتبة من المقصد وهذه الطريق مفيدة للعلة لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللا فلا يجعل تعبدا وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يضاف لغير المناسب ولم نجد مناسبا إلا ما بقي بعد السبر فوجب كونه حجة وعلة بهذه القواعد انتهى. قال الرهوني ويسمي هذا المسلك بالسبر وحده وبالتقسيم وحده وبهما معا انتهى والجمع أكثر والسبر والتقسيم اصطلاحا هو ما أشار إليه بقوله: (أن يحصرا الأوصاف فيه جامع). ويبطل الذي لها لا يصلح ... فما بقى تعيينه متضح يعني أن السبر والتقسيم هو أن يحصر جامع أي شخص حافظ لجميع الأوصاف الموجودة فيه أي في الأصل المقيس عليه ويكون الحصر المذكور مع إبطال ما لا يصلح لها أي للعلية من تلك الأوصاف ويكون الإبطال بطريق من طرق إبطال العلية كعدم الاطراد أو عدم الانعكاس كان يحصر أوصاف البر في قياس الذرة عليه في كل من الاقتيات مع الادخار ومن الطعم ومن الكيل ومن المالية وغير ذلك من أوصافه فيبطل ما عدا الاقتيات مع الادخار بعدم الاطراد وهو وجودها مع انتفاء الحكم الذي هو ربوية الفضل فيتعين الاقتياب والادخار للعلية لربى الفضل قوله: (فما بقى الخ) بقى بفتح القاف وكسرها ومن طرق الإبطال كون الوصف الذي دخل للحصر طردا أي من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه كما يأتي وبهذا بطل تقييد العضد الأوصاف بكونها صالحة للعلية إذ كيف يوصف وصف مع كونه طردا بالصلاح للعلية.

стр. 458

معترض الحصر في دفعه يرد ... بحثت ثم بعد بحثي لم أجد معترض مبتدأ خبره يرد بفتح الياء وفاعله الذي هو بحثت الخ على التأويل باللفظ وقوله في دفعه متعلق بيرد يعني أنه يكفي في دفع منع المعترض الحصر في الأوصاف التي يذكرها المستدل أحد أمرين. أولهما قول المستدل بحثت فلم أجد غير ما ذكرته من الأوصاف والثاني أشار له بقوله: (أو أنفقا دما سواها الأصل) الأصل مبتدأ خبره انفقاد يعني أنه يكفي في دفع ما ذكر قول المستدل الأصل عدم ما سواه وإنما اكتفى بقوله بحثت فلم أجد لعدالته مع أهلية النظر فيه فيندفع عنه بذلك منع الحصر وغير العدل لا يكفي قوله ما ذكر لأن قوله لا يقبل شرعا والمراد عدل الرواية لأن هذا أخبار محض وله الدفع بالاستدلال على الحصر مثاله أن يقول المستدل العلة في الإجبار في النكاح أما البكارة وأما الجهل بالمصالح فيمنع المعترض الحصر فيستدل على نفي التعليل بغيرهما بالإجماع. (وليس في الحصر لظن حظل) بالظاء المعجمة المثالة يعني أن ما تقدم من الاكتفاء في دفع منع الحصر بأحد الأمرين إنما هو في حالة مناظرة المجتهد مع غيره أما المجتهد الناظر لنفسه فيرجع في حصر الأوصاف إلى ظنه فيلزمه الأخذ به لأنهم لم يحظلوه من ذلك أي لم يمنعوه منه. (وهو قطعي إذا ما نميا للقطع) يعني أن هذا المسلك يكون قطعيا والاحتجاج به متفق عليه إذا كان كل من الحصر والإبطال قطعيا لأن اعتماد الدلالة فيه عليهما فألف الاثنين للحصر والإبطال.

стр. 459

(والظني سواه وعياً) بالبناء للمفعول وألفه للإطلاق خبر الظني وسواه حال من الضمير نائب وعي أي حفظ وعرف يعني أن الظني هو غير القطعي وهو ما كانا فيه أو أحدهما ظنيا. حجية الظني رأى الأكثر ... في حق ناظر وفي المناظر يعني أن الاحتجاج بالسبر والتقسيم الظني هو مذهب الأكثر واختاره القاضي منا قال الفهري منا وهو الأظهر لوجوب العمل بالظن لأن الحكم لا يخلو عن علة ظاهرة غالبا وار علته لا تعدو أوصاف محله وإذا ظهر بطلان ما سوى المستبقى غلب على الظن أنه علة ولقائل أن يقول أن وجوب العمل بالظن إنما هو في حق الظان ومقلديه دون غيره فكيف يكن حجة على المناظر وهو من حيث المناظرة لا يلزمه تقليد ذلك الظان ويجاب بما في الآيات البينات من أن هذا ليس من باب التقليد بل هو من باب إقامة الدليل على الغير وإن لم يفد إلا مجرد الظن لوجوب العمل بالدليل الظني ولا فرق في كون الظني حجة بين الناظر لنفسه والمناظر غيره ويقابل مذهب الأكثر ثلاثة أقوال أحدها أنه ليس بحجة مطلقا لجواز إبطال الباقي. ثانيها وبه قال إمام الحرمين من الشافعية أنه حجة أن أجمع على تعليل ذلك الحكم في الأصل يعني أنه من الأحكام المعللة لا التعبدية حرزا من أداء بطلان الباقي إلى خطأ المجمعين ومنع ذلك بأنه لا يلزم من إجماعهم على تعليل الحكم الإجماع على أنه معلل بشيء مما أبطل وإلا يجمع على تعليل الحكم في الأصل فلا يحتج به لاحتمال أن يكون تعبدا قال الفهري منا أن ما ذكره إمام الحرمين محتمل إلا أنه خلاف الأصل يعني أن الأصل في الأحكام أي الغالب فيها معقولية المعنى لا التعبد فالحاقة بالغالب أولى من إلحاقه بالنادر.

стр. 460

ثالثها أنه حجة للناظر لنفسه دون المناظر غير لأن ظنه لا يقوم حجة على خصمه وقد تقدم جوابه منقولا عن الآيات البينات. أن يبد وصفا زائدا معترض ... وفي به دون البيان الغرض يعني أن المعترض إذا أبدى أي أظهر وصفا زائدا على حصر المستدل وفي أي حصل بإبدائه غرض المعترض وهو ثبوت الاعتراض على المستدل ولا يكلف المعترض حينئذ بيان صلاحية ما أبداه للتعليل لأن بطلان الحصر بإبدائه كاف في الاعتراض فعلى المستدل دفعه بإبطال التعليل به لكنه لا ينقطع بمجرد إظهار المعترض الوصف الزائد على أوصافه حتى يعجز عن إبطال صلاحية ذلك الوصف للعلية. وقطع ذي السبر إذا منحتم ... والأمر في إبطاله منبهم الواو في قوله والأمر للحال يعني أن قطع المستدل على علية الوصف بالسبر قيل أنه يجب بإبداء المعترض وصفا زائدا على انبهام الأمر في إبطاله ذلك الوصف المبدي والمراد بانبهامه عدم تبين المستدل عدم صلاحيته للعلية فإن بينه لم ينقطع وثبت سبره لأن غاية ما في إبدائه منع مقدمة من الدليل والمستدل لا ينقطع بالمنع على الأصح كما تقدم ولكن يلزمه دفع منع المقدمة بدليل يبطل به علية الوصف. قوله إذا منون. (أبطل لما طردا يرى). مبني للمفعول وطردا مفعوله الثاني يعني أنه إذا حصل الحصر فللإبطال طرق منها ظهور كون الوصف طردا ويقال طردي بالياء المشددة أي من جنس ما علم من الشارع إلغاؤه ويعلم إلغاؤه باستقراء موارد الشريعة سواء كان الطرد في جميع الأحكام كالطول والقصر
следующие страницы →