Полный текст (647 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
بدليل تفسير الكمال وغيره الصفة في العبد بتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة وضدها والظاهر أن الصفة بهذا المعنى غير الصورة ولو سلم أن الصفة هي الصورة لم يدخل الصوري الآتي في أقسام غلبة الأشباه لأنها مصورة بتعدد الأصل بخلاف الصوري وبقي غلبة الأشباه في الحكم والصورة أو في الصفة والصورة كيف رتبتها والظاهر عندي جريانه على ما تقدم من تقديمه في الحكم ثم الصفة وإذا تعددت أشباه أحد الأصلين في الحكم وتعددت أشباه الآخر في الصفة فقط فالظاهر تقديم أشباه الحكم ما لم تكن أشباه الصفة أكثر فيجوز اعتبار كل لأن لكل مرجحًا.
وابن علية يرى للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير
يعني أن إسماعيل بن علية بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء قائل بجواز العمل بقياس الشبه الصوري لأجل الشبه في الصورة التي يظن كونها علة الحكم والصوري ما كان الشبه فيه بالخلقة بالكسر كقياس الخيل على البغال والحمير في عدم وجوب الزكاة وفي حرمة الأكل للشبه الصوري بينهما وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لشبهها بها في الصورة وقد قال به بعض الشافعية في صور منها إلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم على الأصح ومنها إعطاء الخل عوضًا عن الخمر في الصداق والبقرة عوضًا عن الخنزير على قول ومنها أن ما أكل نظيره في البر من صيد البحر فهو حل ومالا فلا والأصل في اعتبار الشبه الصوري جزاء الصيد الثابت بقوله تعالى: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) الآية وبدل القرض المتقدم وهو
стр. 492
المثل صورة فقد اقترض ﷺ بكرًا ورد رباعيًا رواه مسلم.
تنبيه: اختلف القائلون بقياس الشبه فمنهم من اعتبره مطلقًا ومنهم من اشترط في اعتباره إرهاق الضرورة إلى الحكم في واقعة لا يوجد فيها إلا الوصف الشبهي ومنهم من شرط في اعتباره أن يجتذب الفرع أصلان فيلحق بأحدهما لغلبة الأشباه ويسمون هذا قياس غلبة الأشباه ومنهم من يعتبر الأشباه الحكمية ثم الراجعة إلى الصفة ومنهم من يسوي بينهما ومنهم من قال إنما يعتبر شبه الأحكام فقط دون شبه الصورة ولعله أراد بالصورة هنا الصفة بالمعنى الأعم من الصورة ومنهم من اعتبر شبه الصورة أيضًا كقياس الخيل على البغال والحمير في عدم وجوب الزكاة وحرمة أكل اللحم ولا يعنون بقياس الشبه أن يشبه الشيء الشيء من وجه أو أكثر لأنه ليس في العالم شيء إلا وهو يشبه شيئًا آخر من وجه أو أكثر بل يعنون أنه لا يوجد شيء أشبه به منه فلا يوجد شيء أشبه بالوضوء من التيمم فيلحق به.
السابع الدوران الوجودي والعدمي وقد يسمى بالدوران فقط وبالطرد والعكس، وهذا هو السابع من مسالك العلة وسيأتي الكلام على الدوران الوجودي:
أن يوجد الحكم لدى وجود ... وصف وينتفي لدى الفقود
بضم الفاء مصدر فقد بالفتح يعني أن الدوران المذكور هو أن يوجد الحكم كلما وجد الوصف ويعدم كلما عدم.
стр. 493
والوصف ذو تناسب أو احتمل له) يعني أن الوصف في الدوران المذكور لا بد أن يكون ظاهر التناسب مع الحكم أو محتملًا للتناسب فإن قيل المناسبة بنفسها تثبت العلة فأي فائدة في الدوران فالجواب كما في الآيات البينات أن غاية ما في الباب أن تجتمع جهتان كل منهما تقيد العلية ولا محذور في ذلك.
وإلا فعن القصد أعتزل) بفتح الزاي أي وألا تكن المناسبة ظاهرة ولا محتلمة فالصوف بمعزل عن القصد فلا يعلل به.
وهو عند الأكثرين سند) بالتحريك أي حجة يعني أن الدوران المذكور حجة ظنية عند الأكثر من المالكية وغيرهم قال القرافي لأن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم يغلب على الظن أن المدار علة الدائر بل قد يحصل القطع به هـ.
وقيل أنه قطعي في إفادة العلية ومذهب الأقل أنه لا يفيد لا قطعًا ولا ظنًا وهو اختيار ابن الحاجب تبعًا للإمام الرازي والغزالي وغيرهما لجوازان يكون الوصف ملازمًا للعلة لا نفسها كرائحة الخمر المخصوصة فإنها دائرة مع الإسكار وجودًا وعدمًا وليست علة له فإن الأحكام التعبدية قد يقارنها وصف وجودًا وعدمًا على سبيل الإتفاق من غير أن يكون علة لها.
في صور أو صورتين يوجد) أي يوجد الدوران في صورة واحدة أو في صورتين الأول كالخمر فإن رائحته المخصوصة موجودة مع الإسكار وجودًا وعدمًا فإنها تعدم في العصير قبل الإسكار ثم لما حدث السكر فيه وجدت فيه ثم لما زال بصيرورته خلا زالت منه ومثال الثاني وهو دون الأول الحلي المباح تجب فيه الزكاة لكونه نقدًا
стр. 494
والنقد أحد الحجرين والنقدية يدور معها الوجوب وجودًا في المشكوك وعدمًا في نحو الثياب والعبيد والدواب.
أصل كبير في أمور الآخرة ... والنافعات عاجلًا والضائرة
برفع أصل خبر مبتدأ محذوف أي الدوران الوجودي والعدمي أصل كبير في أمور الآخرة وفي النافعات عاجلًا من أمور الدنيا والضائرة عاجلًا منها حتى جزم الأطباء بالأدوية المسهلة والغائضة وجميع ما يعطونه بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها.
الدوران الوجودي وهو الطرد.
وجود حكم حيثما الوصف حصل ... والاقتران في انتفا الوصف انحظل
هذا هو الثامن من مسالك العلة يعني أن الطرد هو مقارنة الحكم لوصف بأن يوجد الحكم مع الوصف في جميع صور حصوله غير صورة النزاع فإن في حصوله معه فيها النزاع قوله والاقتران الخ يعني أن الاقتران بين الحكم والوصف في حالة انتفا الوصف منحظل أي ممتنع فلا يعدم الحكم عند عدم الوصف وإلا كان دورانًا وجوديًا وعدميًا قوله وانتفا بالقصر للوزن:
ولم يكن تناسب بالذات ... وتبع فيه لدى الثقات
بتحريك تبع وجده عطفًا على الذات والضمير فيه للوصف والثقات بكسر المثلثة أهل التحقيق الموثوق برأيهم يعني أن الوصف في الطرد لا مناسبة بينه وبين الحكم لا بالذات وإلا كان قياس علة وقياس
стр. 495
العلة هو قياس المعنى قال في الآيات البينات أي الذي ينظر فيه للمعنى وهو المشتمل على الوصف المناسب بالذات ولا بالتبع وإلا كان قياس شبه كتعليل ربى الفضل بمجموع الإقتيات والإدخار فنفي المناسبة في الطرد يخرج بقية السالك حتى الدوران الوجودي والعدمي
ورده النقل عن الصحابة) أي رد النقل عن الصحابة ﵁ تعالى عنهم التعليل بالوصف الطردي فإن المنقول عنهم العمل بالمناسب دون غيره ورد أيضًا بأنه لا يعتبر في الشرع إلا المصالح ودرء المفاسد فما لم يعلم فيه واحد منهما وجب ألا يعتبر وكونه لا يعلل به هو مذهب أكثر الأصوليين.
ومن رأي الأصل قد أجابه) مفعول رأي محذوف أي ومن رأى جواز التعليل بالوصف الطردي قد أجاب المانع له بالأصل أي بأن الأصل في هذه المقارنة كون هذا الوصف علة نفيًا للتعبد بحسب الإمكان لأن الاقتران في جميع الصور مع انتفاء ما يصلح للعلية غيره بالصبر والتقسيم يغلب على الظن عليته والعمل بالظن واجب فالطرد من المسالك على هذا القول فلا ينافي عده منها رده عند الأكثر فالحاصل أن من قال من العلماء بعدم حجية الطرد والعكس قال بعدم حجية الطرد من باب أولى والقائلون بحجية ذلك اختلفوا في حجية هذا والقائلون بحجية هذا بعضهم قال تكفي المقارنة في صورة واحدة
والعكس هو الدوران العدمي ... ليس بمسلك لتلك فاعلم
الإشارة بتلك للعلة والعكس مبتدأ خبره جملة ليس يعني أن هذا القسم الثالث يسمى بالدوران العدمي وبالعكس وإلى تفسيره الإشارة بقولنا:
стр. 496
أن ينتفي الحكم متى الوصف انتفى ... وما لدى الوجود أثره اقتفى
بكسر همزة أثر وسكون المثلثة ويجوز فيه في غير البيت التحريك ونظيره في الوجهين قيب قوس وقيد رمح وقد قلت:
أثر وقيب قوس قيد رمح ... يجوز فيها فعل بالفتح
أي بفتح الأول والثاني أثر منصوب مفعول اقتفى يعني أن العكس هو أن ينتفى الحكم عند انتفاء الوصف ولا يوجد عند وجوده بالنسبة بين أنواع الدوران الثلاثة التباين ونعني بقولنا ولا يوجد عند وجوده أنه قد ينتفى الحكم مع وجود الوصف كما لو علل المالكية علة ربى الفضل في الطعام بالطعم فإن الحكم الذي هو الربى منتف مع وجود الوصف الذي هو الطعم في التفاح مثلًا.
تنقيح المناط) بفتح الميم والمناط علة الحكم أي تهذيب علة الحكم بتصفيته وإزالة ما لا يصلح عما يصلح والمناط من الإناطة وهي تعليق الشيء على الشيء وإلصاقه به قال حسان:
وأنت زنيم في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
وقال أبو تمام:
بلاد بها نيطت على تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
أحب بلاد الله ما بين منعجي ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها
سمي به لأن العلة ربط بها الحكم وعلق عليها مع ما في ذلك من التصفية المخصومة التي تذكر والتنقيح مأخوذ من تنقيح المنخل
стр. 497
وهو إزالة ما يستغنى عنه وإبقاء ما يحتاج إليه وكلام منقح أي لا حشو فيه وهذا هو المسلك التاسع وبه قال أكثر الأئمة:
وهو أن يجيء على التعليل ... بالوصف ظاهر من التنزيل
أو الحديث فالخصوص يطرد ... عن اعتبار الشارع المجتهد
فاعل يجيء بالقصر ظاهر وفاعل يطرد المجتهد والخصوص مفعوله يعني أن التنقيح المناط هو أن يدل ظاهر من القرآن أو الحديث على التعليل بوصف فيحذف المجتهد خصوصه عن اعتبار الشارع له وينيط الحكم بالمعنى الأعم.
مثاله في القرآن قوله تعالى: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فقد ألغوا خصوص الإناث في تشطير الحدود وأناطوه بالرق ومثال الثاني حديث جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يضرب صدره وينتف شعره يقول هلكت وأهلكت واقعت أهلي في رمضان) فألغى مالك وأبو حنيفة خصوص الأهل وأناط الكفارة بالإفطار عمدًا لما فيه من انتهاك حرمة رمضان ومن هذا القسم قوله ﷺ لا يقضي القاضي وهو غضبان فإن ذكر الغضب مقرونًا بالحكم يدل على التعليل بالغضب لكن ثبت بالنظر والاجتهاد أنه ليس علة لذاته بل لما يلازمه من التشويش المانع من استيفاء الفكر فيحذف خصوص الغضب ويناط النهي بالمعنى الأعم
فمنه ما كان بالغًا الفارق ... وما بغير من دليل رائق
يعني أن إلغاء الفارق قسم من تنقيح المناط وأن جعله السبكي العاشر من مسالك العلة ويسمى حجة تنقيح المناط وإلغاء الفارق وهو
стр. 498
تبيين عدم تأثير الفارق المنطوق به في الحكم فيثبت الحكم لما اشتركا فيه لأنه إذا لم يفارق الفرع الأصل إلا فيما لا يؤثر ينبغي اشتراكهما في المؤثر فيلزم من ثبوت الحكم في الأصل ثبوته في الفرع ومن تنقيح المناط ما كان بغير إلغاء الفارق بل بدليل آخر ومعنى رائق معجب لصحته ويسمى حينئذ تنقيح المناط فقط قال المحشي عند قول السبكي العاشر إلغاء الفارق ما لفظه وهو عند التحقيق قسم من تنقيح المناط لأن حذف خصوص الوصف عن الاعتبار قد يكون بإلغاء الفارق وقد يكون بدليل آخر والقياس المستند إلى إلغاء الفارق قال به كثير ممن ينكر القياس هـ.
نعم ذكر غيره أن تنقيح المناط قال به أكثر الأمة وإلغاء الفارق منه قطعي كإلحاق صب البول في الماء الراكد بالبول فيه في الكراهة ومنه ظني كإلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق الثابت بحديث الصحيحين من اعتق شركًا له في عبد) فإن كان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق عليه فاعتق فالفارق بين العبد والأمة الأنوثة ولا تأثير لها في منع السراية فتتبت السراية في الأنوثة لأجل ما شاركت فيه العبد من الأحكام غير السراية وإنما كان هذا المثال ظنيًا لأنه قد يتخيل فيه احتمال اعتبار الشارع في عتق العبد استقلاله في جهاد وجمعة وغيرهما مما لا مدخل للأنثى فيه قاله زكرياء ومنه إلحاق العبد بالأمة في تشطير الحد:
من المناط أن تجي أوصاف ... فبعضها يأتي له انحذاف
عن اعتباره وما قد بقيا ... ترتب الحكم عليه اقتفيا
стр. 499
الضمير في اعتباره للشارع والألف في بقيا لإطلاق القافية واقتفى بالبناء للمفعول خبر ترتب يعني أن هذا القسم من تنقيح المناط وهو قسيم للقسم الأول وهو أن تكون أوصاف في محل الحكم فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط الحكم بالباقي من الأوصاف وحاصله أن الاجتهاد في الحذف والتعيين كما تقدم في السبر ويمثل لذلك بحديث الصحيحين في المواقعة في نهار رمضان) ألغوا فيه كونه أعرابيًا يضرب صدره وينتف شعره وكون الموطوءة زوجة وكون الوطء في القبل لأنها لا تصلح للتعليل والباقي عند الشافعي هو المجامعة في نهار رمضان وعند مالك وأبي حنيفة الإفطار عمدًا لما فيه من انتهاك حرمة رمضان فقد نقحاه مرتين ونقحة الشافعي مرة واحدة فعلم أن أبا حنيفة يستعمل تنقيح المناط في الكفارة وإن كان يمنع القياس فيها قال المحشي واعلم أن الثاني من قسمي تنقيح المناط هو بعينه مسلك السبر والتقسيم كما نبه عليه في المحصول فله اسمان وفيه باعتبار المعنى تكرار تبع فيه المص أي السبكي المنهاج يعني للبيضاوي هـ. وقد نظم بعضهم مسالك بقوله:
مسالك علة رتب فنض ... فإجماع فإيماء فسبر
مناسبة كذا شبه فبتلو ... له الدوران طرد يستمر
فتنقيح المناط فالغ فرقًا ... وتلك لمن أراد الحصر عشر
(تحقيق علة عليها ائتلفا ... في الفرع تحقيق مناط ألفًا
تحقيق مبتدأ خبره جملة ألفًا تحقيق مناط ببناء ألف بمعنى وجد للمفعول وتحقيق مفعوله الثاني وائتلف بمعنى اتفق مبني للمفعول وفي الفرع متعلق بتحقيق يعني أن تحقيق المناط أي العلة هو إثبات العلة
стр. 500
المتفق عليها في الفرع كتحقيق أن النباش الذي ينبش القبور ويأخذ الأكفان سارق فإنه وجد فيه العلة وهو أخذ المال خفية من حرز مثله فيقطع خلافًا لأبي حنيفة لكن تحقيق المناط ليس من المسالك بل هو دليل تثبت به الأحكام فلا خلاف في وجوب العمل به بين الأمة وإليه تضطر كل شريعة قال أبو إسحاق الشاطبي لابد من الاجتهاد فيه في كل زمن لابد من الاجتهاد فيه في كل زمن ولا ينقطع إذ لا يمكن التكليف إلا به هـ
وإنما ذكرته هنا جريًا على عادة أهل الجدل في قرانهم بين الثلاثة تنقيح المناط وتخريج المناط وتحقيق المناط ولم أذكر تخريج- المناط هنا لتقدمه؟
والعجز عن إبطال وصف لم يفد ... علية على الذي اعتمد
بالبناء للمفعول هذا البيت وما بعده في نفي مسلكين ضعيفين يعني أن عجز الخصم عن إبطال علية وصف لا يفيد عليته فلا يكون ذلك العجز مسلكًا على المعتمد وهو مذهب الجمهور وقال الشيخ أبو إسحاق أنه دليل على كونه علة كالمعجزة فإنها دلت على صدق الرسول للعجز عن معارضتها وأجيب بأن العجز في المعجزة من الخلق وهنا من الخصم:
كذا إذا ما أمكن القياس ... به على الذي ارتضاه الناس
يعني أن تأتي القياس على تقدير كون الوصف علة لا يفيد عليته على ما ذهب إليه الجمهور وقيل بدل عليه لأن القياس مأمور به في قوله تعالى (فاعتبروا) والعور لغة الخروج من شاطئ البحر إلى شاطئه الآخر والمراد به هنا خروج لنظر وانتقاله من الأصل إلى الفرع ماحقًا له به في الحكم على تقدير علية الوصف يخرج بقياسه عن عهدة
стр. 501
الأمر فيكون الوصف عليته وأجيب بأنه إنما تتعين عليته أن لو لم يخرج عن عهدة الأمر إلا بالقياس المستند إليه وليس كذلك وبأن تأتي القياس به متوقف على كونه علة فإذا توقف كونه علة على تأتي القياس به لزم الدور وهو محال.
القوادح
أي هذا مبحث ما يقدح في الدليل من حيث العلية أو غيرها قال زكرياء الأوضح أن يقال علة كان الدليل أو غيرها يعني بدل قول المحلي من حيث العلة أو غيرها ووجه العلة الآيات البينات ما قاله المحلي بأن العلة ليست بمجردها دليلًا فإنها بنفسها بدون قياس لا تثبت الحكم ولذا لم تعد من الأدلة وإنما الدليل هو القياس المبني على العلة فالقدح في العلة قدح في الدليل من حيث العلة هـ. وقد ترجم القرافي المسئلة بقوله الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة فالقدح من حيث العلة كما في تخلف الحكم عن وجود العلة والقدح من حيث غير العلة كما في بعض صور القول بالموجب قال في شرح التنقيح القول بالموجب يدخل في العلل والنصوص وجميع ما يستدل به وقال فيه أيضًا النقض قد يكون على العلة وعلى الحد وعلى الدليل فوجود العلة بدون الحكم نقض عليها ووجود الحد بدون المحدود نقض عليه ووجود الدليل بدون المدلول نقض عليه والألفاظ اللغوية كلها أدلة فمتى وجد لفظ بدون مسماه لغة فهو نقض عليه ويجمع الثلاثة وجود المستلزم بدون المستلزم هـ الأول بكسر الزاي بمعنى الملزوم والثاني بفتحه بمعنى اللازم وقد نظم شيخنا سيدي عمر الفاسي القوادح فقال:
стр. 502
القدح بالنقض وبالكسر معًا ... تخلف العكس وبالقلب اسمعا
وعدم التأثير بالوصف وفي ... أصل وفرع ثم حكم فاقتفي
والمنع والفرق وبالتقسيم ... وباختلاف الضابط المعلوم
وقفو الانضباط والظهور ... والخدش في تناسب المذكور
وكون ذاك الحكم لا يفضي إلى ... مقصود ذي الشرع العزيز فاقبلا
والخدش في الوضع والاعتبارِ ... والقول بالموجب ذو اعتبار
وابدأ بالاستفسار في الإجمال ... أو الغرابة بلا إشكال
(منها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وعاة العلم)
فالوعاة بالواو جمع واع يعني أن من القوادح في العلة تخلف الحكم عن الوصف بأن وجد في صورة مثلًا بدون الحكم وقولنا مثلًا تنبيه على أن تخلف الحكم في صورتين فأكثر من محل الخلاف في القدح به لكنه أولى في القدح عند القائل به ويصدق التخلف بوجود المانع وفقد الشرط وغيرهما وبكون العلة منصوصة قطعًا أو ظنًا أو مستنبطة وقد سماه حفاظ علم الأصول كالشافعي نقض العلة فهو قادح في العلة فلا يعلل بها واختاره السبكي وهو مذهب الشافعي وجل أصحابه وكثير من المتكلمين ومن قال لا يعرف للشافعي فيه نص فكأنه يريد نصًا صريحًا أو فيما اطلع عليه وإلا فمناظرات الشافعي لخصومه شاهدة بذلك وقد جعل أصحابه ذلك مرجحًا لمذهبه على غيره من المذاهب من حيث أن علل مذهبه سالمة من النقض فلابد فيها عنده من الاطراد وهو أن يكون كلما ثبت الوصف ثبت الحكم وحجة القائلين بالنقض أن العلة تستلزم الحكم فلابد أن يثبت معها في جميع الصور فإذا وجد الوصف وحده علمنا أنه ليس بعلة:
стр. 503
والأكثرون عندهم لا يقدحُ ... بل هو تخصيص وذا مصححُ
بفتح الحاء يعني أن عدم اطراد العلة وهو تخلف الحكم عنها لا يقدح فيها عند أكثر أصحاب مالك وأكثر أصحاب أبي حنيفة وأكثر أصحاب أحمد وهذا القول صححه القرافي بقوله وهذا هو المذهب المشهور سواء كان التخلف لوجود مانع أو فقد شرط ولا فرق في ذلك بين العلة المنصوصة والمستنبطة واحتجوا بأنه تخصيص للعلة كتخصيص العام فإنه إذا خرجت عنه بعض الصور بقي حجة فيما عداها لأن تناول المناسبة لجميع الصور كتناول الدلالة اللغوية لجميع الصور مثال التخلف في المنصوصة تخلف القصاص في القتل العمد العدوان لمكافئ عن قتل الأب بولده فإن كون ما ذكر علة مستفاد من قوله تعالى ((ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا)) واستشكل القدح في المنصوصة بالتخلف إذ القدح فيما به رد للنص وجوابه منع كون القدح فيها بذلك ردًا للنص، فقد قال الغزالي في توجيه كون النقض قادحًا في العلة المنصوصة ما لفظه هو أنا نستبين بعد وروده أن ما ذكر لم يكن تمام العلة بل جزء منها كقولنا خارج فينقض الطهر أخذًا من قوله ﵊ الوضوء مما خرج ثم أنه لم يتوضأ من الحجامة فيعلم أن العلة هي الخروج من المخرج المعتاد لا مطلق الخروج هـ قال في الآيات البينات ولا يخفى أن هذا التوجيه لا يمكن جريانه في المنصوصة وإن كان نصها قطعي المتن والدلالة فإن النص المذكور وإن أفاد القطع بأن العلة كذا لكنه لا يستلزم القطع بأن كذا بمجرده أو مطلقًا هو العلة لاحتمال أن يعتبر معه شيء كانتفاء مانع فإن فرض النص أفاد القطع بأن العلة مجرد كذا وأنه لا يعتبر معه شيء كان قال العلة كذا بمجرده ولا مانع له ولا شرط لم يتصور
стр. 504
تخلف ح حتى يتصور اختلاف في القدح به كما هو ظاهر ثم رأيت في شرح المنهاج للمصنف ما يفيد ذلك هـ:
وقد روي عن مالك تخصيص ... إن يك الاستنباط لا التنصيص
يعني أن القرافي نقل عن الأمدي أنه حكى جواز تخصيص المستنبطة دون المنصوصة وإن لم يوجد في صورة النقض مانع ولا عدم شرط عن مالك وأحمد وأكثر الحنفية قوله أن يك الاستنباط خبر كان فيه محذوف أي إن يك الاستنباط هو المثبت للعلة لا أن كانت ثابتة بالنص فيقدح التخلف كتخلف القصاص المذكور لأن دليل العلة اقتران الحكم بها ولا وجود له في صورة التخلف فلا يدل على العلية فيها بخلاف المنصوصة فإن دليلها النص الشامل لصورة التخلف وانتفاء الحكم فيها يبطله فيجب التوقف عن العمل به والمجيزون مطلقًا يقولون بخصوصه وأجيب من جهة القائل بأن التخلف يقدح في المتنبطة أيضًا بأن اقتران الحكم بالوصف يدل على علته في جميع صوره كدليل المنصوصة.
(وعكس هذا قد رآه البعض)
دخول آل على بعض وكل أجازه بعض النحاة يعني أن بعض أهل لأصول وهو الأكثر كما في البرهان لإمام الحرمين رأى أن التخلف قادح في المستنبطة دون المنصوصة عكس القول المذكور في البيت قبله لأن الشارع له أن يطلق العام ويريد بعضه مؤخرًا بيانه إلى وقت الحاجة بخلاف غيره إذا علل بشيء ونقض عليه ليس له أن يقول أردت غير ذلك لسده باب إبطال العلة وإنما كان الشارع له ذلك لوجوب الانقياد لنصه مع أنه أعلم بالمصالح فلا عبرة بصورة
стр. 505
التخلف لأن النص مقدم عليها وإذا لم يوجد نص تعين أن الوصف ليس بعلة لأنه لو كان علة ثبت الحكم معه في جميع صوره.
(ومنتقى ذي الاختصار النقض).
(إن لم تكن منصوصة بظاهر) منتقى بفتح القاف مبتدأ خبره النقض يعني أن مختار صاحب المختصر وهو ابن الحاجب النقض بالتخلف في العلة الثابتة بالنص القطعي بخلاف الثابتة بظاهر عام لقبوله التخصيص وبخلاف المستنبطة إذا كان التخلف لفقد شرط أو وجود مانع وإليه الإشارة بقوله: وليس فيما استنبطت بضائر).
إن جاء لفقد الشرط أو لما منع) اسم ليس وفاعل جاء المقصور لوزن ضمير التخلف هكذا ذكر السبكي هذا القول غير معزو لأحد وجعله حلولو هو مختار وابن الحاجب وتبعه في النظم كما رأيت فالنقض على هذا القول إنما هو في المنصوصة غير الثابتة بظاهر عام لمحل التخلف وغيره وفي المستنبطة إن لم يكن التخلف لمانع أو فقد شرط وغير المنصوصة المذكورة، هو العلة الثابتة بدليل قطعي سواء عم المحال أو اختص بمحل النقض أو بغيره، ومثلها الثابتة بظاهر خاص بمحل النقض أو بغيره فيقدح النص في جميع ذلك وقال زكرياء وأنت خبير بأن هذا وهم لأن العلة إذا ثبتت بشيء من ذلك فلا نقض لاستحالة التخلف في القاطع العام وفي الخاص ولو ظاهرًا بمحل النقض وعدم التعارض في الخاص بغيره، فلا قدح في المنصوصة مطلقًا فعلم أن القدح على هذا إنما هو في المستنبطة إذا كان التخلف بلا مانع أو فقد شرط هـ ومثله للكمال بن الهمام والمحشي قائلًا أنه خلاصة ما في شرح المختصر لتاج الدين السبكي والعضد وأنه مختار
стр. 506
ابن الحاجب وقال في الآيات البينات أن التخلف مع ما ذكر ممكن لجواز أن تكون العلة التي دل عليها ذلك القطعي أو الخاص في ذلك الفرد المخصوص ناقصة يعتبر معها أمر آخر في ثبوت ذلك الحكم فيتصور تخلف الحكم فيه عند عدم وجود ذلك الأمر الآخر هـ وهذا هو تقدم قوله بظاهر أي بظاهر عام.
والوفق في مثل العرايا قد وقع) يعني أنهم اتفقوا على أن التخلف لا يقدح إذا كان واردًا على جميع المذاهب كمسئلة العرية وهي بيع الرطب أو العنب قبل الجذ بتمر أو زبيب فإن جوازه وارد على كل قول في علة حرمة الربى من الطعم والقوت مع الادخار والكيل والمالية فقد نقل الإجماع على أن حرمة الربى لا تعلل إلا بأحد هذه الأمور الأربعة فلا يقدح وعلله في المنهاج بقوله لأن الإجماع أدل من النقض هـ. أي لأن النقض وإن دل على أن الوصف المنقوض ليس بعلة لكن الإجماع منعقد على كونه علة ودلالة الإجماع أقوى.
جوابه منع وجود الوصف أو ... منع انتفاء الحكم فيما قد رووا
يعني أن المروي عنهم في جواب التخلف على القول بأنه قادح مطلقًا أو مقيدًا أمور منها منع وجود الوصف أي العلة في صورة النقض كمنع وجود القتل العمد العدوان لمكافئ الذي هو سبب القصاص في الأب إذا رمى ولده بجريدة أو نحوها مما يحتمل أن يقصد به التأديب ومنها منع انتفاء الحكم كمنعنا نفي القصاص في الأب حالة ذبحه لولده أو شقه بطنه أو نحو ذلك مما لا يحتمل التأديب وشرط صحة الجواب بهذا أن لا يكون انتفاء الحكم في صورة النقض مذهب المستدل فإنه إذا كان كذلك لم يكن له منع انتفائه فيها
стр. 507
ومنها عند من يعتبر الموانع بالنفي في قدح التخلف حتى إذا وجدت كلها أو واحد منها لا يقدح بيانها أي بيان وجودها كلها أو واحد منها وعدم الشرط في معنى المانع (والكسر قادح).
هذا هو الثاني من القوادح يعني أن الكسر قادح في العلة أي مبطل لها وإذا بطلت العلة بطل الحكم المرتب عليها.
ومنه ذكرًا ... تخلف الحكمة عنه من درى
من فاعل ذكر وتخلف مفعوله والضمير المجرور بعن للوصف أي العلة يعني أن بعض أهل المعرفة ذكر تخلف الحكمة عن العلة قسمًا من الكسر ومعنى تخلف الحكمة عنها أن توجد العلة دون حكمتها كمن مسكنه على البحر ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة فقد وجدت علة القصر وهي المسافة دون الحكمة وهي المشقة لكن القدح هنا في العلة إنما هو عند من يقول بانتفاء الحكم لانتفاء العلة أما من يقول بثبوت الحكم للمظنة فلا قدح فيها وقد تقدم بسط ذلك عند قولنا وفي ثبوت الحكم عند الانتفاء، ... للظن الخ.
والقائل بأن تخلف الحكمة عن الوصف المعلل به قادح هو الفهري وغيره لاعتراضه المقصود الذي هو إثبات الحكم ورجح الأمدي وابن الحاجب عدم القدح به لأن النقض لم يرد على العلة التي هي السفر في المثال المذكور ولذا لم يذكره في التنقيح من القوادح.
ومنه إبطال لجزء والحيل ... ضاقت عليه في المجيء بالبدل
стр. 508
يعني أن هذا قسم من الكسر وهو إبطال المعترض جزءًا من المعنى المعلل به ونقضه ما بقى من أجزاء ذلك المعنى المعلل به فعلم أنه إنما يكون في العلة المركبة والقدح به مقيد بأن يتعذر على المستدل الإتيان ببدل من المبطل فإن ذكر بدلًا يصلح أن يكون علة للحكم ألغى الكسر واستقام الدليل وإبطال الجزء بأن يبين المعترض أنه ملغى بوجود الحكم عند انتفائه والمراد بنقض الباقي عدم تأثيره في الحكم وله صورتان.
إحداهما أن يأتي المستدل ببدل الوصف المسقط عن الاعتبار كما يقال في وجود أداء صلاة الخوف هي: صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل فيجب أداؤها قياسًا على صلاة إلا من فإنها كما يجب قضاؤها لو لم تفعل يجب أداؤها فوجوب القضاء هو العلة ووجوب الأداء هو الحكم المعلول لتلك العلة فيعترض بأن خصوص الصلاة ملغى ويبين بأن الحج واجب الأداء كالقضاء فيبدل المستدل خصوص الصلاة بوصف عام هو العبادة بأن يقول عبادة يجب قضاؤها الخ.
ثم ينقض عليه المعترض أيضًا هذا البدل بصوم الحائض فإنه عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم.
والصورة الثانية أن لا يبدل المستدل الوصف الذي أبطله المعترض فلا يبقى للمستدل علة في المثال المذكور إلا قوله يجب قضاؤها فيقال عليه وليس كلما يجب قضاؤه يجب أداؤه دليله الحائض فإنها يجب عليها قضاء الصوم دون أدائه.
وعدم العكس مع اتحاد ... يقدح دون النص بالتماد
عدم مبتدأ خبره يقدح والعكس لغة رد أول الشيء إلى آخره
стр. 509
وآخره إلى أوله وفي اصطلاح المناطقة ما ذكره الأخضري في قوله، العكس قلب جزئي القضية، مع بقاء الصدق والكيفية وفي اصطلاح الأصوليين انتفاء الحكم لانتفاء العلة أعلم أن العلة إن كانت مطردة منعكسة فواضح والاطراد هو ثبوت الحكم لثبوت العلة والانعكاس انتفاؤه لانتفائها أبدًا فإن اعترض بأنها غير مطردة فهو للنقض وقد تقدم أو غير منعكسة فهو تخلف العكس بقدح عند القائل بوجوب اتحاد العلة ولا يقدح عند مجوز تعدد العلة لجواز وجود الحكم للعلة الأخرى لأن العلل الشرعية يخاف بعضها بعضًا كما لو قيل لإنزال سبب وجوب الغسل فينتقض بانقطاع دم الحيض فإن النسل واجب ولا إنزال ومحل القدح بعدم العكس ما لم يرد نص بالتمادي أي استمرار الحكم مع انتفاء العلة قاله الإبياري:
والوصف أن يعدم له تأثير ... فذاك لانتقاضه يصير
هذا نوع من القوادح يسمى عدم التأثير والضمير في انتفاضه للوصف المعلل به يعني أن الوصف المعلل به إذا كان لا تأثير له في الحكم انتقض ذلك الوصف فلا يصح التعليل به وعدم تأثير الوصف أن لا يناسب الحكم فالتأثير هنا أعم من التأثير بالمعنى المتقدم وهو أن يعتبر بنص أو إجماع غير الوصف في غير الحكم وصورة الاعتراض بعدم المناسبة كان يقول المعترض هذا الوصف الذي علل به غير مناسب للحكم.
خص بذي العلة بائتلاف ... وذات الاستنباط والخلاف
خص نائبه ضمير النقض بعدم التأثير يعني أن القدح بعدم التأثير خص اتفاقًا بقياس العلة أي قياس المعنى لاشتماله على
стр. 510
المناسب بخلاف غيره كقياس الشبه والطرد لعدم تعيين جهة المصلحة فيهما وبذات الاستنباط المختلف فيها من قياس المعنى فلا يتأتى في المبسوطة والمستنبطة المجمع عليها منه لعدم اشتراط ظهور المناسبة فيهما وقياس المعنى قال المحشي: هذا هو الذي تثبت نيه علية المشترك بين الأصل والفرع بالمناسبة فلا يكون قادحًا إلا فيه لاشتماله على المناسب بخلاف قياس الشبه والطرد فإنه لا يقدح في واحد منهما لانتفاء المناسبة انتهى.
يجيء في الطردي حيث عللا ... به
ببناء علل المفعول يعني أن القدح بعدم التأثير ثلاثة أقسام
الأول أن يكون في الوصف الطردي إذا علل به المستدل والطردي هو ما لا مناسبة فيه ولا سبه كقول الحنفي في صلاة الصبح صلاة لا تقصر فلا يقدم إذ أنها كالمغرب فقدم القصر في عدم تقديم الآذان طردي أي لا مناسبة فيه ولا شبه إذ عدم التقديم موجود فيما يقصر وحاصل هذا القسم إنكار علية الوصف لكونه طرديًا (وقد يجيء فيما أصلًا):
وذا بابدًا علة للحكم ... ممن يرى تعددًا ذا سقم
هذا هو القسم الثاني من أقسام عدم التأثير يعني أنه قد يجيء القدح يعدم تأثير العلة فيما أصلًا بضم الهمزة وتشديد الصاد المكسورة أي في الأصل وذلك يكون بإبداء علة لحكم الأصل غير ما علل به إذا كان ذلك الإبداء صادرًا من معترض يرى تعدد العلة سقيمًا أي ضعيفًا ممتنعًا مثل أن يقال في بيع الغائب مبيع غير مرئي فلا يصح كالطير في الهواء فيقول المعترض لا أثر لكونه غير مرئي في الأصل فإن
стр. 511
العجز عن التسليم فيه كاف في عدم الصحة وعدمها موجود في الرؤية فهو معارضة للأصل بإبداء غير ما علل به بناء على منع التعليل بعلتين فأكثر وأما قول المحلي بناء على جواز التعليل بعلتين فهو سهو انقلب عليه والصواب كما في الأحكام للأمدي والمنهاج للبيضاوي وعليه المحشيان وغيرهما إن عدم التأثير في الأصل قادح إن منعنا التعليل بعلتين وغير قادح إن جوزناه قوله ذا سقم بضم السين وسكون القاف
تنبيه: أعلم القدح في هذا القسم ليس لعدم مناسبة الوصف بل للاستغناء عنه بوصف آخر ويسمى عدم التأثير في الأصل فالمناسبة في هذا القسم موجودة إلا أنه استغنى عنه بوصف آخر وقد فسره الأمدي في منتهى السول وابن الحاجب والعضد وغيرهم بأنه إبداء وصف في علة الأصل مستغنى عنه في الأصل إما لكونه طرديًا محضًا ويسمى عدم التأثير في الوصف أو مؤثرًا استغنى عنه في حكم الأصل بغيره ويسمى عدم التأثير في الأصل الخ والوصف الطردي وجوده وعدمه سواء عندهم.
وقد يجي في الحكم وهو ضرب ... فمنه ما ليس لفيد يجلب
هذا هو القسم الثالث من أقسام القدح بعدم التأثير وهو القدح بعدم تأثير الوصف المعلل به في الحكم ووجه تسميته بذلك أنه لا مدخل له في الحكم ولا تعلق له به وهذا القسم ثلاثة أقسام: قسم منها أن لا يكون الوصف المشتمل عليه العلة مجلوبًا أي مذكورًا لفيد بفتح الفاء أي فائدة كقول الحنفي في المرتدين مشركون أتلفوا ما لا في دار الحرب فلا ضمان عليهم قياسًا على الحربي ودار الحرب عندهم طردي أي لا أثر له في الأصل ولا في الفرع إذ من نفي الضمان منهم نفاه وإن لم يكن في دار الحرب فلا فائدة لذكره فيرجع الاعتراض في
стр. 512
ذلك إلى القسم الأول لأن المعترض يطالب المستدل بتأثير كون الإتلاف في دار الحرب والذي عليه المحققون فساد العلة بذلك وذهب بعضهم إلى صحة التمسك به. (وما لفيد عن ضرورة ذكر) بالبناء للمفعول يعني أن القسم الثاني من القسم الثالث هو أن يكون الوصف الذي اشتملت عليه العلة مذكورًا لفائدة ضرورة أي لابد منها كقول معنبر العدد في الاستجمار بالأحجار وأحوها عبادة متعلقة بالأحجار ونحوها لم تتقدمها معصية فاعتبر فيها العدد قياسًا على رمي الجمار فقوله لم يتقدمها معصية عديم التأثير في الأصل والفرع لكنه مضطر إلى ذكره لئلا ينتقض ما علل به لو لم يذكر فيه بالرجم للمحصن فإنه عبادة متعلقة بالأحجار ولم يعتبر فيها العدد (أولًا وفي العفو خلاف قد سطر) أي كتب في كتب الفن قوله أولًا قسيم قوله عن ضرورة أي أو يكون مذكورًا لفائدة ليست بضرورية وفي العفو فهاتين الفائدتين أي العفو أن لا يصح الاعتراض بمحل تلك الفائدة وعدمه أن يصح الاعتراض بمحلها وما ذكر لفائدة غير ضرورية.
هو القسم الثالث من القسم الثالث مثاله الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر في إقامتها إلى إذن الإمام الأعظم من الظهر فإن مفروضة حشو إذ لو حذف مما علل به لم ينتقص الباقي منه بشيء لكن ذكر لتقريب الفرع من الأصل بتقوية الشبه بينهما إذ الفرض بالفرض أشبه به من غيره.
والقلب إثبات الذي الحكم نقض ... بالوصف والقدح به لا يعترض
الحكم مفعول نقض مقدم ويعترض مبني للمفعول يعني أن القلب من القوادح ويعترض به على القياس وغيره من الأدلة قال في
стр. 513
التنقيح وهو إثبات نقيض الحكم بعين العلة أي إثبات المعترض نقيض الحكم بعين العلة التي علل بها المستدل وإياه تبعنا في النظم.
وهذا التعريف خاص بقلب القياس وعليه اقتصر البيضاوي وغيره وتعريف السبكي في جمع الجوامع تعريف للقلب بالمعنى الأعم قوله والقدح به الخ.
يعني أن القلب مبطل للعلة من جهة أنه معارضة لأن القالب إذا أثبت بها نقيض الحكم في صورة النزاع بطلت العلة وإلا لزم اجتماع النقيضين وهو محال.
فمنه ما صحح رأي المعترض ... مع أن رأي الخصم فيه منتقض
رأى مفعول صحح والمعترض بكسر الراء ومنتقض بكسر القاف يعني أن القلب قسمان:
أحدهما ما صحح فيه المعترض مذهبه وذلك التصحيح فيه إبطال مذهب المستدل وهو المراد بالخصم في البيت والضمير المجرور بفي للقلب أي الكلام الذي فيه القلب سواء كان مذهب المستدل مصرحًا به في دليله أولًا مثال ما كان مصرحًا به فيه قول الشافعي في بيع الفضولي عقد في حق الغير بلا ولاية عليه فلا يصح قياسًا على شراء الفضولي فلا يصح لمن سماه فيقال من جانب المعترض كالمالك والحنفي عقد فيصح كشراء الفضولي فإنه يصح لمن سماه إذا رضي ذلك المسمى له وإلا لزم الفضولي وهل إقدام الفضولي على البيع حرام كما في التنبيهات لعياض على المدونة أو جائز كما في الطراز بل ظاهر الطراز أنه مطلوب لأنه جعله من التعاون على البر
стр. 514
قال الحطاب في شرح خليل والحق أنه يختلف بحسب المقاصد وما يعلم من حال المالك وما هو الأصلح له انتهى.
ومثال غير المصرح به فيقول قول المالكي والحنفي المشترطين للصوم في الاعتكاف لبث فلا يكون بنفسه قربة كوقوف عرفة يعنيان أنه قربة بضميمة الإحرام إليه فكذلك الاعتكاف إنما يكون قربة بضميمة عبادة إليه وهي الصوم إذ هو المتنازع فيه فمذهبهما وهو اشتراط الصوم في الاعتكاف غير مصرح به في دليلهما فيقال من جهة المعترض كالشافعي الاعتكاف لبث فلا يشترط فيه الصوم كوقوف عرفة
ومنه ما يبطل بالتزام ... أو الطباق رأي ذي في الخصام
هذا هو الثاني من قسمي القلب وهو ما كان الإبطال مذهب الخصم مصرحًا به أي بدلالة المطابقة أو غير مصرح به لكنه إبطال له الإبطال مصرحًا به أي بدلالة المطابقة أو غير مصرح به لكنه إبطال له بدلالة الالتزام مثال الأول أن يقول الحنفي في مسح الرأس عضو وضوء فلا يكفي في مسحه أقل ما يطلق عليه اسم المسح قياسًا على الوجه فإنه لا يكفي في غسله ذلك فيقال من جانب المعترض كالشافعي فلا يتقدر بالربع قياسًا على الوجه فإنه لا يتقدر غسله بالربع فالشافعي يقول له كونه عضو وضوء يقتضي نقيض مذهبك من جواز الاقتصار في مسح الرأس على الربع ولبس في قلب الشافعي هذا الدليل إثبات مذهبه الذي هو الاكتفاء بأقل ما يمكن من المسح بل يجوز أن يكون الواجب ذلك أو الجميع كما هو مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى ومثال الثاني وهو ما أبطل فيه مذهب المستدل بالالتزام قول الحنفي في جواز بيع الغائب عقد معاوضة فيصح مع الجهل بالعوض كالنكاح يصح مع الجهل بالزوجة أي عدم رؤيتها
стр. 515
فيقال من جانب المعترض كالمالكي والشافعي فلا يثبت به خيار الرؤية كالنكاح فقد أبطلا مذهبه بالالتزام لأن ثبوت خيار الرؤية لازم شرعًا عنده للصحة وإذا انتفى اللازم وانتفى الملزوم فأشهر قولي الشافعي عدم جواز بيع الغائب وصف أم لا ويجوز عند مالك على الصفة إذا أمن تغيره قبل قبضه وجوزه أبو حنيفة دون الوصف فإذا رآه كان له الخيار في الإمضاء والرد قاله حفيد ابن رشد في بداية المجتهد. قوله رأي ذي الخصام رأي مفعول ببطل والخصام بكسر الخاء مصدر خاصم.
(ومنه ما إلى المساواة نسب) بالبناء للمفعول والضمير في منه عائد إلى القلب مطلقًا من باب إطلاق العام وإرادة الخاص أعنى أنه من نوعي القسم الثاني وهو القلب لإبطال مذهب المستدل بالالتزام كما في شرح المنهاج للسبكي وفي غيره ووجه تسميته بقلب المساواة واضح من قول المعترض أنه يجب المساواة بين الحكمين في الفرع كما أنهما متساويان في الأصل. وأشار إلى تعريفه بقوله:
ثبوت حكمين للأصل ينسلب
حكم على الفرع بالائتلاف ... وواحد من ذين ذو اختلاف
فيلحق الفرع بالأصل فيرد ... كون التساوي واجبًا من منتقد
أي هو ثبوت وحكم فاعل ينسلب وواحد من ذين ذو اختلاف مبتدأ وخبره ويرد بفتح المثاة التحتية وكسر الراء فاعله كون ومن منتقد متعلق بيرد والمراد بالمنتقد المعترض ويلحق بضم التحتية وكسر الحاء فاعله ضمير المستدل المدلول عليه بالسياق والفرع مفعول يلحق يعني أن قلب المساواة هو ثبوت حكمين للأصل المقيس عليه وأحد
стр. 516
الحكمين مناسب عن الفرع المقيس اتفاقًا والحكم الآخر وقع الخلاف في ثبوته لذلك الفرع فيلحق المستدل الفرع المختلف فيه بالأصل المقيس عليه فيرد من جهة المنتقد أي المعترض اعتراض هو كون التساوي بين الحكمين في الفرع واجبًا كاستوائهما في الأصل مثاله قول الحنفي في الوضوء والغسل طهارة بالمائع فلا تجب فيها النية قياسًا على غسل النجاسة لا تجب فيه النية بخلاف غير المائع كالتيمم تجب فيه النية فيقول المالكي والشافعي معترضين فيستوي جامد هذه الطهارة ومائعها كالنجاسة فإنها يستوي جامدها ومائعها في الحكم المذكور وهو عدم وجوب النية وقد وجبت النية في التيمم فتجب في الوضوء والغسل قال زكرياء: فأحد حكمي الأصل عدم وجوب النية في الطهارة في الجامد وهو منتف عن الفرع اتفاقًا والآخر عدم وجوب النية في الطهارة بالمائع وهو المختلف فيه فيثبته المستدل في الفرع فيقول المعترض فتجب التسوية بين الحكمين في الفرع كما وجبت بينهما في الأصل.
قبوله فيه خلافًا يحكي ... بعض شروح الجمع لابن السبكي
قبوله بالفتح والضم مبتدأ خبره جملة يحكي وبعض فاعل وخلافًا مفعول يحكي يعني أن بعض شروح جمع الجوامع حكوا الخلاف في قبول قلب المساواة ورده وقد ذكر في جمع الجوامع أن القائل برده هو القاضي أبو بكر الباقلاني من المالكية وحجة القائل برده أن وجه استدلال القلب فيه غير وجه استدلال المستدل، وبينه في الآيات البينات بن لمرد بوجه استدلال المستدل كون الجامع الطهارة بالماء وبوجه استدلال المعترض كونه مطلق الطهارة انتهى وقال الباجي لا يصح قلب القلب لأن القلب نقض
стр. 517
للعلة والنقض لا ينقض وقال بعض المالكية والشافعية يصح لأن القلب معارضة في الحكم والمعارضة تعارض فيصار إلى الترجيح فعلى أن القلب معارضة لا يقدح بمجرده بل حتى يعجز المستدل عن الترجيح وعلى أنه نقض يقدح بمجرده وهو الذي مشينا عليه في قولنا والقدح به لا يعترض وذكر بعضهم أن أقوى أنواع القلب ما بين فيه أنه على المستدل ثم يليه ما بين فيه أنه له وعليه وأقوى مراتب هذا النوع ما صرح فيه بإثبات مذهب المعترض ثم ما صرح به فيه بإبطال مذهب المستدل ثم ما بين فيه ذلك بطريق الالتزام والسبكي بضم السين وسكون الموحدة نسبة إلى سبك موضع بمصر.
(والقول بالموجب قدحه جلًا)
يعني أن من القوادح القول بالموجب بفتح الجيم أي ما أوجبه دليل المستدل والقول بالموجب يدخل في العلل والنصوص وجميع ما يستدل به. وهو تسليم الدليل مسجلًا.
من مانع أن الدليل استلزما ... لما من الصور فيه اختصما)
يعني أن القول بالموجب هو تسليم دليل المستدل أي ما يقتضيه دليله حال كون الدليل مسجلًا أي مطلقًا نصًا كان أو علة أو غيرهما من الأدلة حال كون ذلك التسليم كائنًا من معترض مانع استلزم ذلك الدليل لما اختصم أي تنازع هو والمستدل فيه من الصور قال القرافي في التنقيح.
الرابع القول بالموجب وهو تسليم ما أدعاه المستدل موجب علته مع بقاء الخلاف في صورة النزاع انتهى.
стр. 518
لكن الأولى أن يقال موجب دليله لاعترافه في الشرح بدخوله في العلل وغيرها لكن حمله على ذلك إتباع عبارة المحصول ولذلك قال السبكي وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع المحلي بأن يظهر عدم استلزام الدليل لمحل النزاع.
يجيء في النفي) يعني أن القول بالموجب يقع على أربعة أوجه منها النفي وهو أن يستنتج المستدل من الدليل إبطال أمر يتوهم منه أنه مبنى مذهب الخصم في المسئلة والخصم يمنع كونه مبنى مذهبه فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبه وأكثر القول بالموجب من هذا النوع لخفاء مأخذ الأحكام وهو قليل في نوع الثبوت لشهرة محل الخلاف كقول المالكي وغيره في وجوب القصاص بالمثقل التفاوت في الوسيلة من آلات القتل وغيره لا يمنع القصاص كالمتوسل إليه من قتل أو قطع وغيرهما لا يمنع القصاص تفاوت الآلات ككونه بسيف أو غيرهما وتفاوت القتل ككونه يحز عنق أو قطع عضو وتفاوت القطع ككونه يحز المفصل من جهة واحدة أو من جهتين أو بغير ذلك وفي ذلك رد على قول أبي زرعة أن المتوسل إليه النفس وأن تفاوتها باعتبار الصفات كالصغر والكبر والشرف والخسة فإنه يرد عليه أن التفاوت بالرق والحرية والإسلام والكفر تفاوت بالصفة وهو مؤثر في عدم وجوب القصاص فيقال من جانب المعترض كالحنفي سلمنا أن التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص ولكن لا يلزم من إبطال مانع انتفاء جميع الموانع ووجود جميع الشرائط بعد قيام المقتضي وثبوت القصاص متوقف على جميع ذلك فقوله لا يمنع القصاص نفي ولأجل ما وقع فيه من الخلل ورد القول بالموجب فالحنفي يقول للمستدل ما توهمت أنه مبنى مذهبي في عدم القصاص بالمثقل ليس مبناه فلا يلزم من إبطاله إبطال مذهبي بل مبنى مذهبي أنه لا يلزم من ابطال
стр. 519
مانع انتفاء جميع الموانع ووجود جميع الشرائط والمقتضى (وفي الثبوت).
هذا هو القسم الثاني من أقسام القول بالموجب يعني أنه قد يرد في جهة الثبوت وهو أن يستنتج المستدل من الدليل ما يتوهم منه أنه محل للنزاع أو ملازمه ولا يكون كذلك قاله المحشي كان يقال في وجوب القصاص بالقتل بالمثقل من جانب المستدل كالمالكي والشافعي قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص فيجب فيه القصاص قياسًا على الإحراق بالنار لا ينافي القصاص فيقال من جانب المعترض كالحنفي سلمنا عدم المنافات بين القتل بمثقل وبين القصاص ولكن لم قلت أن القتل بمثقل يستلزم القصاص وذلك هو محل النزاع ولم يستلزمه دليلك وهو العلة أعني قوله قتل بما يقتل غالبًا لا ينافي القصاص فقوله سلمنا عدم الخ.
قول بالموجب ورد على ثبوت القصاص فالمقصود من هذا النوع استنتاج ما يتوهم أنه محل الخلاف أو لازمه والمقصود من النوع الأول استنتاج إبطال ما يتوهم أنه مأخذ مذهب الخصم (ولشمول اللفظ).
هذا هو القسم الثالث من أقسام القول بالموجب يعني أنه قد يرد لشمول لفظ المستدل لصورة من صور الوفاق فيحمله المعترض على تلك الصورة ويبقى النزاع فيما عداها كقول الحنفي في وجوب الزكاة في الخيل حيوان يسابق عليه فتجب فيه الزكاة كالإبل فيقول المعترض كالمالكي لقول به إذا كانت الخيل للتجارة إنما النزاع في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل قال الفهري إن هذا هو
стр. 520
أضعف أنواع القول بالموجب فإن حاصله مناقشة في اللفظ فتندفع بمجرد العناية انتهى بأن يقول الحنفي عنيت الخيل من حيث هي والسكوت)
عما من المقدمات قد خلا ... من شهرة لخوفه أن تحظلا
بالبناء للمفعول هذا هو القسم الرابع من أنواع القول بالموجب يعني أن القول بالموجب يجئ لأجل شمول اللفظ ولأجل سكوت المستدل عن مقدمة غير مشهورة مخافة منع الخصم لها لو صرح بها فيرد بسكونه عنها القول بالموجب كما يقول مشترط النية في الوضوء والغسل كالمالكي والشافعي ما هو قربة يشترط فيه النية كالصلاة ويسكت عن الصغرى وهي الوضوء والغسل قربة فيقول المعترض كالحنفي مسلم إنما هو قربة يشترط فيه النية ولا يلزم اشتراطها في الوضوء والغسل لأن المقدمة الواحدة لا تنتج فإن صرح المستدل بأنهما قربة بأن قال هما قربة وكل قربة تشترط فيها النية ورد عليه منع ذلك وخرج عن القول بالموجب لأنه إنما كان بتقدير السكوت عن الصغرى وقد زال بذكرها واحترز بقوله غير مشهورة عن المشهورة فهي كالمذكورة فلا يتأتى فيها القول بالموجب والمشهورة ما كانت ضرورية أو متفقًا عليها بين الخصمين وتبعت في التعبير بغير مشهورة ما في أكثر نسخ المختصر وعلى ذلك شرحه السبكي وتبعه في جمع الجوامع ووقع في بعض نسخ المختصر عن صغرى مشهورة وعلى هذا شرحه العضد وقال سعد الدين التفتازاني أن الأولى أقرب للقطع بأن كون الوضوء قربة ليست مشهورة ولأن الصغرى إذا كانت مشهورة كانت بمنزلة الذكورة فلا يرد القول بالموجب وعارضه الأبهري بأن ما جرى عليه العضد أولى لتنبيهه على الداعي إلى
стр. 521
الحذف وهو الشهرة ورد دعواه القطع بأن كون الوضوء قربة ليست مشهورة قال المحشي ورد الأبهري متجه لأن المراد الشهرة بحسب عرف الشرع والمتناظران من أهله ولا يخفي ما ورد في السنة الشريفة من كون الوضوء مكفرًا للخطايا ومن فضل إسباغه على المكاره فكونه قربة من المشهورات شرعًا بلا توقف هـ.
تنبيه: اعلم أن الوضوء والغسل وسيلة إلى صحة الصلاة مثلًا فمن أعطى الوسيلة حكم ما يقصد بها جعلهما قربة فأوجب النية فيهما وهذا هو التحقيق ومن لم يعطها حكم مقصدها لم يجعلهما قربة فلم يوجب النية فيهما قال النقشواني القول بالموجب والقلب معارضة في الحكم لا قدح في العلة وجعلها الإمام الرازي من القوادح في العلة الخ.
(والفرق بين الفرع والأصل قدح) فعل ماض خبر الفرق يعني أن من القوادح فرق المعترض بين الفرع والأصل على الصحيح بناء على منع تعدد العلة وإنما قدح لأنه يؤثر في جمع المستدل بين الفرع والأصل في العلة الذي هو مقصود المستدل في القياس ومما يجاب به منع كون المبدي في الأصل علة أو جزءًا من العلة ومنع كونه في الفرع مانعًا من الحكم وقيل لا يقدح فيه مطلقًا لأنه لا يؤثر فيه وقيل لا يقدح على القول بأن الفرق راجع إلى المعارضة في الأصل والفرع لأن جمع الأسئلة المختلفة غير مقبول.
إبداء مختص بالأصل قد صلح
(أو مانع في الفرع، يقرأ صلح هنا بفتح اللام وإن جاز فيه الضم لأجل فتح دال قدح ومانع بالجر معطوف على مختص أي هو
стр. 522
أي الفرق إبداء وصف مختص بالأصل غير الوصف الذي أبداه المستدل وذلك الوصف غير موجود في الفرع ولابد أن يكون ذلك الوصف المبدي صالحًا للتعليل به سواء كان مستقلًا بالتعليل كمعارضة من علل ربي أفضل بالطعم فيقيس التفاح على البر بالقوت مع الادخار أو بالكيل أو غير مستقل بالتعليل بأن يجعل جزءًا من على حكم الأصل كمعارضة من علل وجوب القصاص في القتل بالمثقل بالقتل العمد العدوان من مكافئ بالجارح أو إبداء وصف مانع من الحكم في الفرع فالمانع في الفرع وصف يقتضي نقيض الحكم الذي أثبته المستدل وذلك المانع منتف عن أصل المستدل كقياس الهبة على البيع في منع الغر فيفرق المالكي بأن البيع عقد معاوضة والمعاوضة مكايسة يخل بها الغرر والهبة محض إحسان مانع من إلحاقها بالبيع في حكمه وكان يقول الحنفي يقتل المسلم بالذمي كغير المسلم بجامع القتل العمد العدوان فيعترض المالكي والشافعي بأن الإسلام بالفرع مانع من القود.
فالفرق باعتبار القسم الأول أن يدعي المستدل أن الوصف المشترك هو العلة ويدعي المعترض أن العلة وصف آخر وذلك الوصف مع خصوصية لا توجد في الفرع.
وباعتبار القسم الثاني أن يظهر المعترض مانعًا في الفرع لا يوجد في الأصل مقتضيًا نقيض الحكم الذي أثبته له المستدل:
والجمع يرى ... إلا فلا فرق أناس كبرا
يعني أن بعض أهل الأصول ذهب إلى أن الفرق هو مجموع الأمرين من إبداء خصوصية في الأصل لا توجد في الفرع وإبداء مانع
стр. 523
في الفرع لا يوجد في الأصل لأنه أدل على الفرق ويكفى في تحقق المعارضتين كما في الآيات البينات كل واحد من إبداء الخصوصية في الأصل مع التعرض لانتفائها في الفرع ومن إبداء المانع في الفرع مع التعرض لانتفائه في الأصل كما يكفي في تحققهما إبداء الخصوصية في الأصل وإبداء المانع في الفرع وإن لم يتعرض لانتفاء كل عن الآخر والجمع مفعول يرى وفاعله أناس وكبرا جمع كبير نعت له وقوله إلا فلا فرق جملة اعتراضية أي أن لم يكن مجموع الأمرين فإن وجدت إحدى المعارضتين فقط فليس بفرق فلا يقدح.
تعدد الأصل لفرع معتمد ... إذ يوجب القوة تكثير السند
معتمد بفتح الميم خبر تعدد وتكثير فاعل يوجب والقوة مفعوله والسند بالتحريك يعني أن تعدد الأصل لفرع واحد هو المعتمد عليه عند ابن الحاجب لتصحيحه إياه لأن كثرة السند أي الدليل توجب قوة الظن وهذا خلاف ما صححه السبكي من منع ذلك التعدد لانتشار البحث في ذلك والمراد بتعدد الأصل تعدد أمور يصلح كل منها بانفراده للقياس عليه أعم من أن يقاس على كل منها بانفراده أو يقاس على مجموعها ورد على المانع بأنه قد لا يحصل انتشاره والظاهر أن مراده أي المانع عدم دعوى لزوم الانتشار ألا يسع أحدًا دعوى لزومه بل مراده أنه قد يحصل الانتشار فلا يدفع ما ذكر للاستدلال بالانتشار فالظاهر الاقتصار على الاستدلال بتكثير الأدلة لقوة الظن.
فالفرق بينه وأصل قد كفى) يعني أنه على جواز التعدد فعلى تقدير وجوده إذا فرق المعترض بين الفرع وبين أصل واحد من تلك الأصول كفى في القدح فيها لأنه يبطل الجمع بين تلك الأصول وذلك الفرع في تلك العلة وذلك الجمع هو قصد المستدل سواء كان الإلحاق
стр. 524
بكل منها أو بمجموعها بقرينة المقابل الفصل وهذا ظاهر إذا كان الإلحاق بمجموعها أما إذا كان بكل منها فمحل خفاء قال شهاب الدين عميرة قضيته أنه بعد ذلك لا يصلح التمسك بشيء منها في ذلك الحكم وكأنه بالنظر لمناظره انتهى.
بل بمجرد ذلك الفرق يبطل التمسك بشيء من تلك الأصول وينقطع المستدل ما لم يجب ووجهه في الآيات البينات بأن مستنده تلك الأصول لا بعضها وقد سقط ذلك المستند بالفرق المتعلق ببعضها انتهى.
(وقال لا يكفيه بعض العرفا) جمع عريف والعريف رئيس القوم والمراد بالعرفاء هنا العلماء يعني أن بعض أهل الأصول قال إذا فرق المعترض بين الفرع وأصل واحد من تلك الأصول لا يكفي ذلك في القدح فيها لاستقلال كل منها بنفسه وإن قصد الإلحاق بمجموعها:
وقيل أن الحق بالمجموع ... فواحد يكفيه لا الجميع
ببناء الحق للفاعل وفاعله ضمير المستدل هذا قول مفصل وهو أن المستدل إن قصد إلحاق الفرع بمجموع الأصول كفى فرق واحد في القدح فيها لصيرورتها بقصده كالأصل الواحد وإن قصد الإلحاق بكل منها على انفراده لم يكفه فرق واحد في القدح فيها بل حتى يفرق بين الفرع وبين كل واحد منها فالتمسك ببعضها كاف في إثبات حكمه عند هذا القائل وإنما كان القياس على المجموع من تعدد لأصول لأن المراد من تعددها إلحاق بمجموع أمور يصلح كل منها بانفراده للقياس عليه كما تقدم فالإلحاق بالمجموع لا يكون من تعدد الأصول عرفًا إلا إذا لوحظ الجميع في القياس وإلا لزم تعدد الأصول في كل قياس كان للمقيس فيه أصول في الواقع لم يلاحظ منها إلا واحدًا فقط وهو
стр. 525
باطل قطعًا قاله في الآيات البينات والأصل إلحاقه بكل منها فيحمل عليه عند الجهل:
وهل إذا اشتغل بالتبيان ... يكفي جواب واحد قولان
فاعل اشتغل ضمير المستدل وجواب مضاف لواحد وهو فاعل يكفي وقولان مبتدأ خبره فيه محذوف يعني أن المستدل إذا تصدى أي تعرض للتبيان أي الجواب عما اعترض به المعترض من الفرق هل يكفيه جواب أصل واحد منها حيث فرعنا على أنه لابد من فرق المعترض بين الفرع وجميع الأصول أو لابد من الجواب عن الجميع في ذلك قولان: قيل يكفي لحصول المقصود بالدفع عن واحد منها وقيل لا يكفي لأنه التزم في الجميع فلزمه الدفع عنه.
(من القوادح فساد الوضع) يعني أن من قوادح القياس فساد الوضع أي الحالة التي وضع عليها الدليل ولا يختص الاعتراض بفساد الوضع وفساد الاعتبار بالقياس بل يردان عليه وعلى غيره من الأدلة ولذلك قلت:
(إن يجيء الدليل حائدًا عن السنن) بالتحريك الصالح لاعتباره في ترتيب الحكم عليه بأن يكون صالحًا لضد ذلك الحكم أو نقيضه:
كالأخذ للتوسيع والتسهيل ... والنفي والإثبات من عديل
قوله من عديل معناه من مقابل لكل من الأقسام الأربعة يعني أن فساد الوضع هو أن لا يكون الدليل قياسًا كان أو غيره على الهيأة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه كان يكون صالحًا لضد ذلك
стр. 526
الحكم أو نقيضه كأخذ التوسع من التضييق وأخذ التسهيل أي التخفيف من التغليظ وأخذ النفي من الإثبات وأخذ الإثبات من النفي.
مثال اخذ التوسيع من مقابلة الذي هو التضييق قول الحنفية الزكاة واجبة على وجه الإرفاق لدفع حاجة المسكين فكانت على التراخي كالدية على العاقلة فالتراخي الموسع ينافي دفع الحاجة المضيق والمراد بالرفق الرفق بالمالك والمساهلة عليه أي عدم التشديد عليه ومن فوائد كونها على وجه الارتفاق به تجويز إخراجها من غير المال الذي وجبت فيه وامتناع أخذ الكريمة من غير طيب نفس.
ومثال الثاني وهو أخذ التخفيف من مقابله الذي هو التغليظ قول الحنفية القتل عمدًا جناية عظيمة فلا تجب له كفارة كالردة فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم لا تخفيفه بعدم وجوب الكفارة به.
ومثال الثالث وهو أخذ النفي من الإثبات قول الشافعي في معاطات المحقرات لم يوجد فيها سوى الرضى فلا ينعقد بها البيع كغير المحقرات فالرضى الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمه.
ومثال الرابع الذي هو أخذ الإثبات من النفي قول من يرى صحة انعقاد البيع في المحقرات وغيرها بالمعاطات كالمالكية بيع لم يوجد فيه صيغة فينعقد فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد لا الانعقاد.
منه اعتبار الوصف بالإجماع ... والذكر أو حديثه المطاع
في ناقض الحكم بذا القياس: يعني أن من فساد الوضع كون الوصف الجامع ثبت اعتباره بالإجماع أو النص من كتاب أو سنة في
стр. 527
نقيض الحكم أو ضده في قياس المستدل أو غيره من الأدلة فالباء في قوله بذا ظرفية والمراد بالذكر القرآن العظيم والضمير في حديثه للنبي ﷺ مثال الجامع ذي النص قول الحنفية للنبي ﷺ مثال الهر سبع ذو ناب فيكون سؤره نجسًا كالكلب فيقال السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث دعي إلى دار فيها كلب فامتنع وإلى أخرى فيها سنور أي هر فأجاب فسئل عن ذلك فقال السنور سبع هـ كلام المحلي قال في الآيات البينات ثم ينبغي التأمل في معنى السبع ما هو حتى كان السنور منه دون الكلب كما اقتضاه هذا الفرق وقد فسر في قوس السبع بالمفترس من الحيوان هـ.
وفي حياة الحيوان الكبرى للدميري أن الكلب لا سبع ولا بهيمة ولكن في الحديث إطلاق البهيمة عليه هو قال بعضهم علة امتناعه كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب لا نجاسة سؤره قلت وهو أظهر لكن لا يقدح في المثال لأنه مما يكفيه الاحتمال.
ومثال الجامع ذي الإجماع قول الشافعي في مسح الرأس في الوضوء مسح فيستحب تكراره كالاستنجاء بالحجر حيث يستحب الإيثار فيه كما إذا حصل الانفاء بحجرين مثلًا فلا يعترض بأن تثليث الاستنجاء واجب فيقال المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعًا فيما قيل فيبين هذا المعترض أن جعل المسح جامعًا فاسد الوضع إذ ثبت اعتباره إجماعًا في نفي الاستحباب وهو نقيض الاستحباب والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان لأن ثبوت كل واحد منهما يستلزم انتفاء الآخر.
قوله المطاع صفة لمجرد المدح أي الواجب طاعته والاقتداء به (جوابه بصحة الأساس) يعني أن جواب فساد الوضع بأقسامه
стр. 528
الخمسة يكون ببيان صحة الأساس بفتح الهمزة أي الدليل والمراد بصحته كونه صالحًا لترتيب الحكم عليه كأن يكون له جهتان ينظر المستدل فيه في إحداهما والمعترض من الأخرى كما في مسئلة الزكاة فإن المستدل نظر إلى المرفق بالمالك المناسب للتراخي والمعترض نظر إلى دفع حاجة المسكين المناسب للفورية ولذلك يجري قولان في كل ما تجاز به أصلان قال ميارة في تكميله.
وإن يكن في الفرع تقريران ... بالمنع والجواز فالقولان
ويجاب عن عدم وجوب الكفارة في قتل العمد بأنه غلط فيه بالقصاص فلا يغلظ فيه بالكفارة وعن المعاطات بأن عدم الانعقاد بها مرتب على عدم الصيغة لا على الرضى ويقدر كون الجامع معتبرًا في ذلك الحكم ويكون تخلفه عنه بأن وجد مع نقيضه لمانع كما في مسح الخف فإن تكراره يفسده كغسله وهذا الجواب الأخير فيه دفع فساد الوضع لكنه يلزمه النقص وهو وجود الوصف دون الحكم ولا يضر هذا اللزوم بناء على أنه لا قدح في العلة مطلقًا أو على القول بأنه لا يقدح إذا كان التخلف بفقد شرط أو وجود مانع وإن شئت رددت أقسام فساد الوضع الخمسة إلى قسمين:
هما تلقي الشيء من ضده أو نقيضه وكون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده.
(والخلف للنص أو إجماع دعي ... فساد الاعتبار كل من وعى)
أي علم الأصول وكل فاعل دعي وفساد مفعوله الثاني والأول محذوف أي دعاه أي سماه يعني أن هذا النوع من القوادح يسمى فساد الاعتبار وهو أن يخالف الدليل نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع
стр. 529
كان يقال في وجوب تبييت النية في الأداء صوم مفروض فلا يصح بنية من النهار كالقضاء فيعترض بأنه مخالف لقوله تعالى والصائمين والصائمات فإنه رتب فيه الأجر العظيم على الصوم كغيره من غير تعرض للتبييت فيه وذلك مستلزم لصحته دونه.
قال في الآيات البينات يرد عليه أنه لو صح استلزام عدم التعرض للشيء الصحة بدونه استلزم عدم التعرض للنية أيضًا الصحة بدونها فإن قالوا عدم التعرض يستلزم بشرط عدم ثبوت ما يخالف وقد ثبت المخالف في النية قلنا لو سلم ذلك فقد ثبت المخالف أيضًا في التبييت وهو خبر من لم يبيت الصوم قبل الفجر فلا صيام له هـ.
ومذهبنا وجوب التبييت في الفرض والنفل وكان يقال من جهة المخالف أيضًا في التبييت وهو خبر من لم يبيت الصوم قبل الفجر فيعترض المالكي بأنه مخالف لحديث مسلم أنه ﷺ استسلف بكرًا ورد رباعيًا وقال أن خيار الناس أحسنهم قضاء وكان يقول الحنفي لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لحرمة نظره إليها كالأجنبية فيعترض بأنه مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي فاطمة رضي الله تعالى عنهما فإن هذا الإجماع ينفي حرمة النظر إليها وذلك هو نفي وجود العلة في الفرع وجواز النظر إليها هو مذهب الشافعي إن لم تكن شهوة ومذهبنا استحباب ستر ما بين السرة والركبتين وكان محصول هذا القدح في القياس أن الكلام فيما إذا تحقق القياس بأن وجد ما يعتبر فيه لكنه خالف نصًا أو إجماعًا وهذا المثال ليس كذلك لأن العلة التي هي حرمة النظر دل الإجماع على انتفائها في الفرع فلم يتحقق القياس ويجاب بأنا لا
стр. 530
نسلم أن الكلام فيما إذا تحقق القياس لكنه خالف نصًا أو إجماعًا إذ لم يعتبروا في فساد الاعتبار سوى المخالفة المذكورة أعم من أن يصح القياس أولًا وحينئذ فليس الكلام إلا في القدح بمجرد مخالفة النص أو الإجماع أعم من أن يتحقق مع ذلك قادح آخر كانتفاء وجود العلة في الفرع فيتحقق القدح من جهتين أولًا يتحقق معه قادح آخر.
(وذاك من هذا أخص مطلقًا)
إشارة البعيد لفساد الوضع وإشارة القريب لفساد الاعتبار يعني أن فساد الاعتبار أعم من فساد الوضع مطلقًا وفساد الوضع أخص منه مطلقًا على ما صرح به أبو الحسن الأمدي في أحكامه وهو ظاهر السبكي في جمع الجوامع.
قال الأمذي وعلى هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار فاسد الوضع لأن القياس قد يكون صحيح الوضع وإن كان فاسد الاعتبار بالنظر إلى أمر خارج كما سبق تقريره.
ولهذا وجب تقديم سؤال فاسد الاعتبار على سؤال فاسد الوضع لأن النظر في الأعم يجب أن يقدم على النظر في الأخص لكون الأخص مشتملًا على ما اشتمل عليه الأعم وزيادة هـ.
قوله لأن القياس قد يكون صحيح الوضع معناه أن يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم كتلقي التغليظ من التغليظ والتخفيف من التخفيف.
(وكونه ذا الوجه مما ينتقا) بالبناء للمفعول أي يختار والضمير في كونه للعموم يعني أن كون النسبة بين فساد الوضع وفساد
следующие страницы →