Полный текст (647 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الحكم أو نقيضه كأخذ التوسع من التضييق وأخذ التسهيل أي التخفيف من التغليظ وأخذ النفي من الإثبات وأخذ الإثبات من النفي.
مثال اخذ التوسيع من مقابلة الذي هو التضييق قول الحنفية الزكاة واجبة على وجه الإرفاق لدفع حاجة المسكين فكانت على التراخي كالدية على العاقلة فالتراخي الموسع ينافي دفع الحاجة المضيق والمراد بالرفق الرفق بالمالك والمساهلة عليه أي عدم التشديد عليه ومن فوائد كونها على وجه الارتفاق به تجويز إخراجها من غير المال الذي وجبت فيه وامتناع أخذ الكريمة من غير طيب نفس.
ومثال الثاني وهو أخذ التخفيف من مقابله الذي هو التغليظ قول الحنفية القتل عمدًا جناية عظيمة فلا تجب له كفارة كالردة فعظم الجناية يناسب تغليظ الحكم لا تخفيفه بعدم وجوب الكفارة به.
ومثال الثالث وهو أخذ النفي من الإثبات قول الشافعي في معاطات المحقرات لم يوجد فيها سوى الرضى فلا ينعقد بها البيع كغير المحقرات فالرضى الذي هو مناط البيع يناسب الانعقاد لا عدمه.
ومثال الرابع الذي هو أخذ الإثبات من النفي قول من يرى صحة انعقاد البيع في المحقرات وغيرها بالمعاطات كالمالكية بيع لم يوجد فيه صيغة فينعقد فإن انتفاء الصيغة يناسب عدم الانعقاد لا الانعقاد.
منه اعتبار الوصف بالإجماع ... والذكر أو حديثه المطاع
في ناقض الحكم بذا القياس: يعني أن من فساد الوضع كون الوصف الجامع ثبت اعتباره بالإجماع أو النص من كتاب أو سنة في
стр. 527
نقيض الحكم أو ضده في قياس المستدل أو غيره من الأدلة فالباء في قوله بذا ظرفية والمراد بالذكر القرآن العظيم والضمير في حديثه للنبي ﷺ مثال الجامع ذي النص قول الحنفية للنبي ﷺ مثال الهر سبع ذو ناب فيكون سؤره نجسًا كالكلب فيقال السبعية اعتبرها الشارع علة للطهارة حيث دعي إلى دار فيها كلب فامتنع وإلى أخرى فيها سنور أي هر فأجاب فسئل عن ذلك فقال السنور سبع هـ كلام المحلي قال في الآيات البينات ثم ينبغي التأمل في معنى السبع ما هو حتى كان السنور منه دون الكلب كما اقتضاه هذا الفرق وقد فسر في قوس السبع بالمفترس من الحيوان هـ.
وفي حياة الحيوان الكبرى للدميري أن الكلب لا سبع ولا بهيمة ولكن في الحديث إطلاق البهيمة عليه هو قال بعضهم علة امتناعه كون الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب لا نجاسة سؤره قلت وهو أظهر لكن لا يقدح في المثال لأنه مما يكفيه الاحتمال.
ومثال الجامع ذي الإجماع قول الشافعي في مسح الرأس في الوضوء مسح فيستحب تكراره كالاستنجاء بالحجر حيث يستحب الإيثار فيه كما إذا حصل الانفاء بحجرين مثلًا فلا يعترض بأن تثليث الاستنجاء واجب فيقال المسح على الخف لا يستحب تكراره إجماعًا فيما قيل فيبين هذا المعترض أن جعل المسح جامعًا فاسد الوضع إذ ثبت اعتباره إجماعًا في نفي الاستحباب وهو نقيض الاستحباب والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان لأن ثبوت كل واحد منهما يستلزم انتفاء الآخر.
قوله المطاع صفة لمجرد المدح أي الواجب طاعته والاقتداء به (جوابه بصحة الأساس) يعني أن جواب فساد الوضع بأقسامه
стр. 528
الخمسة يكون ببيان صحة الأساس بفتح الهمزة أي الدليل والمراد بصحته كونه صالحًا لترتيب الحكم عليه كأن يكون له جهتان ينظر المستدل فيه في إحداهما والمعترض من الأخرى كما في مسئلة الزكاة فإن المستدل نظر إلى المرفق بالمالك المناسب للتراخي والمعترض نظر إلى دفع حاجة المسكين المناسب للفورية ولذلك يجري قولان في كل ما تجاز به أصلان قال ميارة في تكميله.
وإن يكن في الفرع تقريران ... بالمنع والجواز فالقولان
ويجاب عن عدم وجوب الكفارة في قتل العمد بأنه غلط فيه بالقصاص فلا يغلظ فيه بالكفارة وعن المعاطات بأن عدم الانعقاد بها مرتب على عدم الصيغة لا على الرضى ويقدر كون الجامع معتبرًا في ذلك الحكم ويكون تخلفه عنه بأن وجد مع نقيضه لمانع كما في مسح الخف فإن تكراره يفسده كغسله وهذا الجواب الأخير فيه دفع فساد الوضع لكنه يلزمه النقص وهو وجود الوصف دون الحكم ولا يضر هذا اللزوم بناء على أنه لا قدح في العلة مطلقًا أو على القول بأنه لا يقدح إذا كان التخلف بفقد شرط أو وجود مانع وإن شئت رددت أقسام فساد الوضع الخمسة إلى قسمين:
هما تلقي الشيء من ضده أو نقيضه وكون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده.
(والخلف للنص أو إجماع دعي ... فساد الاعتبار كل من وعى)
أي علم الأصول وكل فاعل دعي وفساد مفعوله الثاني والأول محذوف أي دعاه أي سماه يعني أن هذا النوع من القوادح يسمى فساد الاعتبار وهو أن يخالف الدليل نصًا من كتاب أو سنة أو إجماع
стр. 529
كان يقال في وجوب تبييت النية في الأداء صوم مفروض فلا يصح بنية من النهار كالقضاء فيعترض بأنه مخالف لقوله تعالى والصائمين والصائمات فإنه رتب فيه الأجر العظيم على الصوم كغيره من غير تعرض للتبييت فيه وذلك مستلزم لصحته دونه.
قال في الآيات البينات يرد عليه أنه لو صح استلزام عدم التعرض للشيء الصحة بدونه استلزم عدم التعرض للنية أيضًا الصحة بدونها فإن قالوا عدم التعرض يستلزم بشرط عدم ثبوت ما يخالف وقد ثبت المخالف في النية قلنا لو سلم ذلك فقد ثبت المخالف أيضًا في التبييت وهو خبر من لم يبيت الصوم قبل الفجر فلا صيام له هـ.
ومذهبنا وجوب التبييت في الفرض والنفل وكان يقال من جهة المخالف أيضًا في التبييت وهو خبر من لم يبيت الصوم قبل الفجر فيعترض المالكي بأنه مخالف لحديث مسلم أنه ﷺ استسلف بكرًا ورد رباعيًا وقال أن خيار الناس أحسنهم قضاء وكان يقول الحنفي لا يجوز للرجل أن يغسل زوجته لحرمة نظره إليها كالأجنبية فيعترض بأنه مخالف للإجماع السكوتي في تغسيل علي فاطمة رضي الله تعالى عنهما فإن هذا الإجماع ينفي حرمة النظر إليها وذلك هو نفي وجود العلة في الفرع وجواز النظر إليها هو مذهب الشافعي إن لم تكن شهوة ومذهبنا استحباب ستر ما بين السرة والركبتين وكان محصول هذا القدح في القياس أن الكلام فيما إذا تحقق القياس بأن وجد ما يعتبر فيه لكنه خالف نصًا أو إجماعًا وهذا المثال ليس كذلك لأن العلة التي هي حرمة النظر دل الإجماع على انتفائها في الفرع فلم يتحقق القياس ويجاب بأنا لا
стр. 530
نسلم أن الكلام فيما إذا تحقق القياس لكنه خالف نصًا أو إجماعًا إذ لم يعتبروا في فساد الاعتبار سوى المخالفة المذكورة أعم من أن يصح القياس أولًا وحينئذ فليس الكلام إلا في القدح بمجرد مخالفة النص أو الإجماع أعم من أن يتحقق مع ذلك قادح آخر كانتفاء وجود العلة في الفرع فيتحقق القدح من جهتين أولًا يتحقق معه قادح آخر.
(وذاك من هذا أخص مطلقًا)
إشارة البعيد لفساد الوضع وإشارة القريب لفساد الاعتبار يعني أن فساد الاعتبار أعم من فساد الوضع مطلقًا وفساد الوضع أخص منه مطلقًا على ما صرح به أبو الحسن الأمدي في أحكامه وهو ظاهر السبكي في جمع الجوامع.
قال الأمذي وعلى هذا فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار وليس كل فاسد الاعتبار فاسد الوضع لأن القياس قد يكون صحيح الوضع وإن كان فاسد الاعتبار بالنظر إلى أمر خارج كما سبق تقريره.
ولهذا وجب تقديم سؤال فاسد الاعتبار على سؤال فاسد الوضع لأن النظر في الأعم يجب أن يقدم على النظر في الأخص لكون الأخص مشتملًا على ما اشتمل عليه الأعم وزيادة هـ.
قوله لأن القياس قد يكون صحيح الوضع معناه أن يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم كتلقي التغليظ من التغليظ والتخفيف من التخفيف.
(وكونه ذا الوجه مما ينتقا) بالبناء للمفعول أي يختار والضمير في كونه للعموم يعني أن كون النسبة بين فساد الوضع وفساد
стр. 531
الاعتبار العموم من وجه اختاره المحشيان أعلم أن فساد الوضع هو أن لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لاعتباره في ترتيب الحكم عليه وهو قسمان:
تلقي الشيء من نقيضه أو ضده وكون الجامع ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم أو ضده وفساد الاعتبار أن يخالف الدليل نصًا أو إجماعًا إذا تقرر ذلك فالتحقيق ما قاله المحشيان من أن بينهما العموم من وجه لصدق فساد الاعتبار فقط حيث يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه وصدق فساد الوضع فقط حيث لا يكون الدليل على الهيئة الصالحة لترتيب الحكم عليه ولا يعارضه نص ولا إجماع وصدقهما معًا حيث لا يكون الدليل على الهيئة المذكورة مع معارضة نص أو إجماع له.
قال زكرياء بعد توجيه كون العموم بينهما من وجه كما رأيت ما لفظه فما قيل من أن فساد الوضع أعم ومن أنهما متباينان ومن أنهما متحدان فسهو هـ:
وجمعه بالمنع لا يضير ... كان له التقديم والتأخير
يعني أن للمعترض بفساد الاعتبار أن يجمعه مع المنع لمقدمة من الدليل أو مقدمتين أو أكثر سواء قدم فساد الاعتبار عن المنع أو أخر عنه لأن الجمع بينهما لفساد الدليل بالنقل ثم بالعقل أو العكس أما النقل فنقل النص أو الإجماع على خلافه وأما العقل فمنع المقدمات فلا يقال لا فائدة لمنع مقدمات الدليل بعد إفساد الدليل جملة بفساد الاعتبار.
نعم إذا أخر فساد الاعتبار الذي هو أقوى كان فيه الترقي من الأدنى إلى الأعلى وهو من محسنات الكلام فينبغي تأخيره لذلك
стр. 532
ولأنه محتاج إليه للاحتياج للأقوى بعد الأضعف لعدم كفاية الأضعف أو لعدم تمام كفايته ومع التقديم لا يحتاج لغيره لعدم الحاجة إلى الأضعف بعد الأقوى وجواب الاعتراض بفساد الاعتبار يكون بالطعن في سند النص المخالف لدليل المستدل بإرسال فيه أو وقف أو انقطاع أو غير ذلك والطعن في الإجماع حيث يكون ظنيًا لكونه منقولًا بالآحاد فيطعن في سنده بضعف الناقل أو غير ذلك ويكون بالمعارضة بنص آخر مثله فيتساقطان ويسلم دليل المستدل من قياس أو غيره ويكون بمنع الظهور له في مقصد المعترض كدعوى إجماله ويكون بالتأويل له بأن يبين أنه مراد به غير ظاهره بتخصيص أو مجاز أو إضمار بدليل يصير ذلك الاحتمال راجحًا أو مساويًا.
من القوادح كما في النقل ... منع وجود علة للأصل
يعني أن من المنقول عن أهل الفن القدح بمنع وجود علة الأصل أي المقيس عليه في الفرع كان يقال في شهود الزور إذا قتل إنسان معصوم بشهادتهم تسببوا في القتل فيجب القصاص قياسًا على المكره غيره على القتل فيقول المعترض العلة في الأصل الإكراه وفي الفرع الشهادة فلا يتحقق التساوي بينهما لعدم الجامع بينهما وإن اشتركا في الإفضاء إلى المقصود وجوابه بأن الجامع بين الوصفين القدر المشترك الذي هو التسبب في القتل في المثال المذكور أو بأن إفضاءهما إلى المقصود سواء.
ومنع علية ما يعلل ... به وقدحه هو المعول
منع مرفوع لعطفه على منع في البيت قبله ويعلل مبنى للمفعول والمعول بفتح الواو أي المعول عليه أي المعتمد عليه يعني أن من القوادح على الأصح منع المعترض كون الوصف الذي علل به المستدل
стр. 533
علة ويسمى المطالبة بتصحيح العلة وإنما منع خوف تمسك المستدل بما شاء من الأوصاف إذا أمن منعه كان يقول الحنفي علة طعام الربى الكيل فيقول المالكي لا نسلم كونها الكيل لوجود الربى فيما لا يكال كالحفنة.
ويقدح التقسيم أن يحتملا ... لفظ لأمرين ولكن حظلًا
وجود علة بأمر واحد: هذا النوع يسمى التقسيم وهو من قوادح العلة سمي بالتقسيم لأن المعترض قسم أولًا مدلول اللفظ إلى قسمين أو أكثر ثم منع أحد القسمين أو الأقسام فالمنع إنما يتوجه بعد التقسيم وقد صرح المحلي بكون الممنوع ليس هو المراد عند المستدل ويكون المراد ليس بممنوع وقد جوز العضد كون الممنوع هو المراد فالحاصل أن التقسيم هو أن يحتمل لفظ مورد في الدليل بمعنيين أو أكثر بحيث يكون مترددًا بين تلك العاني على السواء لكن المعترض يمنع وجود علة الحكم في واحد من تلك المحتملات سواء كان الممنوع هو المراد أو غيره كما هو مذهب العضد وعند المحلي لا بد أن يكون الممنوع غير المراد وقولنا على السواء معناه من غير ظهور أحدهما على الآخر فلو ظهر اللفظ في أحدهما وجب حمله عليه لأن القاعدة في الظنيات التعويل على المعنى الظاهر وعدم الالتفات إلى غيره من المحتملات وقال القرافي ليس من شروط التقسيم أن يكون أحدهما ممنوعًا والآخر مسلمًا بل يجوز أن يكونا مسلمين لكن الذي يرد على أحدهما غير ما يرد على الآخر وإلا لم يكن للتقسيم معنى ولا خلاف أنه لا يجوز أن يكونا ممنوعين وقد جعل غيره ذلك أحد نوعي التقسيم قال حلولو وأظنه الفهري مثال التقسيم فيما إذا قيل الطهارة قربة فتجب فيها النية أن يقال الطهارة النظافة أو الأفعال المخصوصة التي هي الوضوء شرعًا الأول ممنوع كونه قربة التي هي علة وجوب النية
стр. 534
ومن أمثلته أن يستدل على ثبوت الملك للمشتري في زمان الخيار بوجود سببه وهو البيع الصادر من أهله فيقول المعترض السبب مطلق البيع والبيع الذي لا شرط فيه الأول ممنوع والثاني مسلم لكنه مفقود في محل النزاع ومنها ما إذا قيل في الصحيح الحاضر إذا فقد الماء وجد سبب التيمم وهو تعذر الماء فيجب التيمم فيقول المعترض ما المراد بتعذر الماء مطلق السبب أو في السفر أو المرض الأول ممنوع والثاني لا يجديك نفعًا.
(وليس عند بعضهم بالوارد) يعني أن التقسيم ليس بوارد أي مقبول عند بعضهم والمختار عند السبكي قبوله لكن بعد أن يكون المعترض قد بين الأمرين اللذين تردد اللفظ بينهما أو الأمور لأن بيان ذلك عليه ولا يكلف بيان تساوي المحامل حجة القائل بقبوله عدم تمام الدليل معه لاحتماله لأمرين أحدهما ممنوع وبإبطاله يتعين الباقي وربما لا يمكن المستدل إتمام الدليل معه لعدم صلاحيته للعلة وحجة الآخران إبطال أحد محتملي كلام المستدل ليكون إبطالًا له إذ ربما لا يكون هذا المحتمل مراده.
جوابه بالوضع في المراد ... أو الظهور فيه باستشهاد
يعني أنه على قبول التقسيم يجب على المستدل أن يجيب بأن اللفظ موضوع في المراد وحده من الاحتمالين مثلًا وضعًا لغويًا أو شرعيًا أو عرفيًا أو أنه ظاهر فيه مع استشهاده أي استدلاله على وضعه له أو ظهوره فيه فعلم أن المراد بالاستواء الاستواء في نفس الأمر أو بحسب الظاهر أو عند المعترض فلا ينافي الاستواء بيان الظهور والظهور يكون بالقرينة وبغيرها كالشهرة كالمشترك إذا اشتهر في بعض معانيه والمجاز إذا اشتهر في معناه المجازي بناء على أن المراد
стр. 535
بالقرينة ما لا يشمل نحو الشهرة كما قد يتبادر منها كما أن المراد بالوضوع الموضوع للمراد وحده بقرينة أن الجواب بوضعه له ولغيره لا يفيد إذ هو حينئذ مجمل ومما يستدل به على ظهور اللفظ في المراد أن الإجمال خلاف الأصل.
وللمعارضة والمنع معًا ... أو الأخير الاعتراض رجعًا
الاعتراض مبتدأ خبره رجع وألفه الإطلاق القافية يتعلق به قوله للمعارضة والمنع أو الأخير يعني أن الاعتراضات أي سائر القوادح المذكورة ترجع عند ابن الحاجب كأكثر الجدليين إلى أحد الأمرين أعني المعارضة والمنع لمقدمة من الدليل والقضية مانعة خلو وترجع عند تاج الدين السبكي إلى المنع لمقدمة من الدليل فقط والمعارضة هي إقامة الدليل على خلاف ما أقام عليه الخصم دليله ويلزم منه منع جريان العلة مع أن كثيرًا من الاعتراضات ليس صريح معناه هو نفس المنع أو المعارضة كما هو في غاية الظهور فتأمل ما ذكروه في معانيها وإنما ترجع إلى أحدهما بنوع تأويل ولذا عبروا بالرجوع إليهما وإنما قال ابن الحاجب كأكثر الجدليين إنها راجعة إلى أحد الأمرين لأن غرض المستدل إثبات مدعاه بدليله وإنما يتم بصحة مقدماته ليصلح للشهادة وبسلامته عن المعارض لتنفذ شهادته وغرض المعترض هدم ذلك وإنما يحصل بالقدح في صحة الدليل بمنع مقدمة منه أو معارضته بما يقاومه وحجة الآخرين أن المعارضة منع للعلة عن الجريان ومقدم الاعتراضات الاستفسار وهو طلب ذكر معنى اللفظ حيث غرابة أو إجمال ثم فساد الاعتبار ثم فساد الوضع ثم منع حكم الأصل ثم منع وجود العلة ثم النظر في علية الوصف بالمطالبة بالتأثير وعدم التأثير والقدح في المناسبة والتقسيم وعدم ظهور الوصف وعدم انضباطه وكونه غير صالح للإفضاء إلى المقصود
стр. 536
ثم النقض والكسر ثم المعارضة في الأصل ثم بعده ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة فيه ومخالفة حكمه لحكم الأصل في الضابط والحكمة والمعارضة في الفرع وسؤال القلب ثم بعده القول بالموجب هذا ترتيب الأمدي للاعتراضات ولغيره ترتيب يخالفه.
والاعتراض يلحق الدليلا ... دون الحكاية فلا سبيلا
يعني أن الاعتراض من منع أو معارضة إنما يلحق دليل المستدل الذي أقامه أو اختاره إما بعد تمامه أو قبله بأن ادعى حكمًا ولم يستدل عليه ومنعه حينئذ بمعنى طلب الدليل عليه ولا يلحق حكاية المستدل للأقوال في المسئلة المبحوث فيها حتى يختار قولًا ويستدل عليه فيلحقه حينئذ أي يعترضه أي يتوجه عليه وكذا لا يعترض على أدلة المسئلة المحكية فيها ما لم ينصب نفسه لاختيارها لأن الناقل من حيث أنه ناقل ليس بملتزم صحة ما نقله بل هذا ليس بدليل بالنسبة إليه من تلك الحيثية فإن التزم صحة الدليل الذي نقله أو أقام دليلًا برأيه على ما نقله صار حينئذ مستدلًا فيتوجه عليه حينئذ ما يتوجه على المستدل والاعتراض الذي يتوجه على حكاية الأقوال ما كان من جهة حكايتها فهو غير مسموع إذا ما كان الاعتراض منعًا بمعنى طلب تصحيح الحكاية فإنه يعترض الحكاية وكذا لا يسمع منع المدلول فلا إقامة دليل على ما يناقضه.
والشأن لا يعترض المثال ... إذ كفى الفرض والاحتمال
يعني أن المثال لا يعترض عليه لأنه يكفي فيه مجرد الفرض على تقدير صحته ويكفي فيه الاحتمال لأنه لإيضاح القاعدة بخلاف الشاهد لأنه لتصحيحها فيعترض عليه إذا لم يكن صحيحًا كما هو مقرر في كلام الأئمة.
стр. 537
(خاتمة) أي لكتاب القياس .
يعني أن القياس فرض كفاية عند تعدد المجتهدين وفرض عين عند الاتحاد لأن الله تعالى أمر به في قوله فاعتبروا يا أولي الأبصار والأمر للوجوب ما لم يصرف عنه صارف حلولو والذي رأيته في كلام الأئمة أنه لا يتأدى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد والذي يظهر أنه يتأدى به هـ.
وقد تقدم قولنا والحامل المطلق والمقيد وقد صرح به زكرياء وهو ظاهر قول السبكي لمساواته في علة حكمه عند الحامل إن لم يخصه بالمجتهد المطلق ومحل كونه فرضًا إذا احتيج إليه بأن لم يوجد دليل غيره في واقعة وأراد العمل هو أو المقلد الذي طلب منه البيان أما لو أراد الإعراض عنه حيث جاز الإعراض عنه لم يجب فضلًا عن تعينه وأما لو وجد دليل فلا حاجة لوجوبه وإذا لم يرد العمل بأن ساغ الإعراض عنه لكونه سنة فهل يجب أيضًا إذا طلب منهم البيان لأن بيان المشروع واجب أو لا يجب لأن الطالب غير محتاج إلى البيان لقصده ترك السنة مع جواز تركها دون تهاون بها وجواز ترك تعلم ما يتعلق بها فيه نظر.
قال في الآيات البينات ولعل الثاني أقرب ولو تعلق بواجب لم يدخل وقته أو دخل وكان موسعًا فينبغي أن لا يجب على الفور حيث تمكن منه بعد ذلك في وقت يتأتى فيه أداء جميع الواجب في وقته وقد يكون مباحًا إذا كان لتجربة النظر وقد يسن إذا ترتب عليه تطوع بخير يفوت بتركه ولم يترتب على تركه وقوع في محرم وقد يحرم إذا ترتب على سلوكه محظور كأن فوت الاشتغال به واجبًا فوريًا كإخراج الصلاة عن وقتها وقد يكره إذا ترتب عليه فوات خير
стр. 538
لا يجب وإن كان الظاهر من الاقتصار على كونه فرضًا أنه لا يكون سنة ولا غيرها من بقية الأحكام الخمسة لكنه محل نظر لما رأيت.
قال في الآيات البينات وينبغي أن يعلم أن محل كونه فرض كفاية على المجتهدين بالنسبة للمقلدين إذا تعلق بواجب وكذا إذا تعلق بسنة وأراد العمل على ما تقدم أما بالنسبة لهم فينبغي أن يكون فرض عين على كل منهم لامتناع تقليد بعضهم بعضًا انتهى.
لا ينتمي للغوث والجليل ... إلا على ضرب من التأويل
يعني أن حكم المقيس يحرم نسبته إلى الغوث الذي هو النبي ﷺ وإلى الرب الجليل بأن يقال قال الله أو رسوله كذا لأنه مستنبط لا منصوص فنسبته إليهما كذب عليهما إلا على ضرب من التأويل بأن يقصد قائل ذلك أنه دل عليه بحكم المقيس عليه ودليله فيجوز حينئذ أن يقال مثلًا قال الله تعالى كذا لا إن قصد إن الله تعالى قال ذلك صريحًا بأن دل عليه بقول يخصه وإن لم يقصد هذا ولا ذاك فمحل نظر.
قال في الآيات البينات على أنه قد يتوقف في التحريم في القسم الأول إذا قال ذلك بناء على ظنه لأن كل شيء لله فيه حكم فالمقيس حكم قاله الله ولهذا قالوا إن القياس مظهر للحكم لا موجد له غاية الأمر أنه قد لا يكون ما أظهره القياس هو حكم الله في الواقع فإذا ظن أحد أن حكم المقيس في الواقع هو ما أفاده القياس فقد ظن أن الله تعالى قال ذلك فينبغي أن لا يحرم لأن القول بالظن لا يحرم هـ.
والكلام هنا يشبه الكلام في نسبة القول المخرج إلى مالك رحمه الله تعالى مثلًا دون تقييده بالتخريج.
стр. 539
وهو معدود من الأصول ... وشرعة الالاه والرسول
بكسر شين شرعة بمعنى دين يعني أن القياس معدود من الأصول أي أصول الفقه كما عرف من تعريف أصول الفقه بأنه أدلة الفقه الإجمالية والقياس دليل إجمالي خلافًا لإمام الحرمين في قوله ليس منه وإنما يبين في كتبه لتوقف غرض الأصولي من إثبات حجيته المتوقف عليها الفقه على بيانه.
قوله وإنما يبين معناه يبين مفهومه وشروطه وأركانه وأحكامه.
قوله وشرعة الالاه هو بالجر عطفًا على الأصول يعني أن القياس معدود من دين الله ورسوله فيقال فيه دين الله وشرعه بمعنى إنا متعبدون به.
قال الزركشي والحق أن عنوا أي بالدين الأحكام المقصودة لا نفسها بالوجوب والندب فليس القياس كذلك فليس بدين وإن عنوا ما تعبدنا به فهو دين هـ.
وإنما كان من الدين لأنه مأمور به في قوله تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار). فالقياس مأمور به وكل مأمور به من الدين.
دليل صحة الكبرى أن الدين ما يدان الله به أي يطاع فكل مأمور به يدان الله به لأنه بامتثال أمره به يكون مطيعًا له.
ودليل صحة الصغرى الآية قال في الآيات البينات لكن في دليل الصغرى بحث لجواز أن يكون المراد بالاعتبار في الآية الاتعاظ فلا تدل على القياس هـ.
وقيل ليس من الدين لأن اسم الدين إنما يقع على ما هو ثابت
стр. 540
مستمر والقياس ليس كذلك لأنه قد لا يحتاج إليه ومعنى مستمر متحقق الوقوع غير منقطع وقد يقال إن ذكر الأول مستدرك للزومه للثاني.
قال في الآيات البينات إلا أن يقال إن ذكره مع ذلك إشارة إلى اعتباره في مفهوم الدين أو لدفع توهم أن المراد بالمستمر ما لو وجد استمر فيصدق بالمنعدم هـ.
قوله والقياس ليس كذلك أي لم يجتمع فيه الثبوت والاستمرار لتخلف الثاني بتحقق الاستغناء عنه في الجملة وإن كان ثابتُا.
قال في الآيات البينات واحتمال أن معنى ليس كذلك أنه ليس ثابتًا مستمرًا بمعنى انتفاء كل من الأمرين عنه لأنه قد لا يقع مطلقًا بالنسبة لبعض الأوقات أو بالنسبة لبعض الناس أو لبعض المسائل بعيد جدًا هـ.
قال بقي هنا بحث وهو أنه إن أريد بالمستمر ما يكون فعله مستمرًا في وقت فمن الدين قطعًا ما لا يكون كذلك وإن أريد به ما يتكرر فعله فالقياس كذلك لأنه يتكرر بتكرر الحاجة فهو كركعتي الاستخارة مثلًا تتكرر بتكررها وإن أريد به ما يكون مشروعًا في كل واحد أو في حق الأكثر أو ما لو وقع دام فمن الدين قطعًا ما ليس كذلك وإن أريد به غير ذلك فليبين هـ.
وقيل أنه من الدين حيث يتعين الاستدلال بأن لم يكن للمسئلة دليل غيره فيشمل حالتي كونه فرض عين وكونه فرض كفاية بل وحالة كونه غير ذلك من الأحكام الخمسة بخلاف غير المتعين لعدم الحاجة إليه وهذه الأقوال الثلاثة المعتزلة لكن لما كان كونه من الدين ظاهرًا
стр. 541
موافقًا لقواعد أهل الحق صححه السبكي وإياه تبعنا ولم نبال بكون ذلك منقولًا عن المعتزلة على أن السبكي يحتمل أنه رآه لأهل الحق أيضًا.
ما فيه نفي فارق ولو بظن ... جلي وبالخفي عكسه استبن
بحذف إحدى ياءي جلي وسكون الأخرى هذا تقسيم القياس باعتبار قوته وضعفه يعني أن القياس ينقسم إلى جلي وخفي فالجلي ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان نبوت الفارق فيه احتمالًا ضعيفًا.
الأول كقياس البول في الإناء وصبه في الماء على البول في الماء وقياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق الموسر وعتقها عليه كما تقدم في تنقيح المناط الذي هو أحد مسالك العلة هذا المثال الثاني ذكره المحلي هكذا هنا والظاهر أنه مما كان ثبوت الفارق فيه احتمالًا ضعيفًا كما تقدم في تنقيح المناط.
والثاني كقياس العمياء على العوراء في المنع من التضحية الثابت بحديث أربع لا تجزئ في الأضاحي العوراء البين عورها الخ ووجه احتمال الفرق بينهما هو أن العمياء ترشد إلى المرعى الجيد فترعى أو يعتنى بعلفها أكثر فتسمن والعوراء يوكل أمرها إلى نفسها وهي ناقصة البصر فلا ترعى حق الرعي فيكون العور مظنة الهزال، والقياس الخفي عكس الجلي كما أشار إليه بقوله وبالخفي عكسه استبن ونصب عكس مفعولًا لاستبن يعني أن الخفي هو ما كان احتمال ثبوت الفارق فيه قوياً كقياس القتل بالمثقل كالعصى على القتل بالمحدد وهو المفرق للأجزاء في وجوب القصاص فالقتل بالمثقل عند أبي حنيفة شبه عمد لا قصاص فيه ويفرق بأن المحدد آلة موضوعة
стр. 542
للقتل والمثقل آلة موضوعة للتأديب ولا يخفى أن قوة الفرق لا تمنع إلغاءه ما لم يتساوى احتمال ثبوت الفارق وعدمه وإلا منع لأنه حينئذ ترجيح بلا مرجح والفارق هو الوصف المميز بين الأصل والفرع في إجراء حكمه في الفرع للفرق بينهما في العلة أما ثبوت مطلق الفارق فمن ضرورة التعدد إذ لو انتفى رأسًا انتفى التعدد وقد يراد بالفارق الوصف المميز بين ذاتي الأصل والفرع فيكون المراد بنفيه وإلغائه نفي تأثيره.
كون الخفي بالشبه دابًا يستوي ... وبين ذين واضح مما روى
كون مبتدأ ويستوي خبر لكون يتعلق به قوله بالشبه بكسر الشين ودابًا ظرف بمعنى أبدًا وما روي بالبناء للمفعول خبر المبتدأ وبين ذين واضح اعتراض يعني أن بعضهم قال أن الجلي هو ما تقدم والخفي هو قياس الشبه وما بينهما يسمى واضحًا.
قال في الآيات البينات والمراد بما بينهما ما عداهما فيندرج فيه ما كان احتمال تأثير الفارق فيه قويًا ما عدى الشبه أن شمله على ما تقدم وما كان الجمع فيه بنحو مجرد الاسم اللقب والوصف اللغوي وقد يستشكل عد ذلك من الواضح مع عد الشبه من الخفي إلا أن يكون الكلام فيما عدى ما كان الجمع فيه بمجرد ما ذكر هـ.
قيل الجلي وواضح وذو الخفا ... أولى مساو أدون قد عرفا
مساو معطوف بمحذوف على أوى وأدون بالتنوين للوزن وهي أخيار عن الثلاثة قبلها على اللف والنشر المرتب فالجلي كقياس الضرب على التأفيف في التحريم والواضح كقياس إحراق مال اليتيم على أكله في التحريم وكقياس العسل الذي تقع فيه
стр. 543
فارة على السمن والخفي كقياس التفاح على البر في باب الربا قال الحلي ثم الجلي على الأول يصدق بالأولى كالمساوي فليتأمل انتهى.
وقضيته أن الجلي على الثاني والثالث لا يصدق بما قاله وهو كذلك في الثالث لأن الجلي على الأول أعم منه على الثالث لأنه يتناول ويتناول الواضح فيه وأما الثاني فممنوع لاتحاد تعريف الجلي فيه وفي الأول وعليه فالمراد بالخفي فيهما والواضح في الثاني قياس الأدون لكنه في الخفي في الثاني أدون منه في الواضح قاله بعض محشيه وقد وجه ناصر الدين اللقاني أمر المحلي بالتأمل فقال إشارة إلى أن في صدقه بالأولى خفاء بنفي الفارق أو ثبوته مرجوحًا يتبادر منه المساواة إذ قولك لا فارق بينهما غايته أنهما سواء وذلك ظاهر في غير الأولى ووجه صدقه بالأولى أن معنى كونهما سواء المساواة في الحكم أي ثبوته لا في علته فقد تكون هي في الفرع أقوى منها في الأصل وإن كانا سواء في أصل ثبوت الحكم هـ.
ويجاب أيضًا بأنه يتبادر من تعريف الجلي بما قطع فيه بنفي الفارق أي نفي وجوده أو نفي تأثيره عدم صدقه بالأولى للقطع بتأثير الفارق فيه ولولا ذلك ما كان ثبوت الحكم فيه أولى إلا أن تأثير الفارق تارة ينافي الحكم وتارة يؤكده ويقتضي أولويته فأمر بالتأمل ليلًا يتوهم إرادة الأول أو الإطلاق فيتوهم عدم صدقه بالأولى قاله في الآيات البينات.
تنبيه: ذكر الباجي قولًا رابعًا هو أن الجلي ما ثبتت علته بالنص أو الإجماع والواضح ما ثبتت علته بظاهر والخفي ما كانت علته مستنبطة.
وما بذات علة قد جمعا ... فيه فقيس علة قد سمعا
стр. 544
ببناء سمع وجمع للمفعول ونصب قيس على الحال هذا تقسيم آخر للقياس باعتبار علته فقياس العلة هو ما جمع فيه بعلة مصرح بها كان يقال يحرم النبيذ كالخمر للإسكار وقياس العلة هنا شامل لما كانت المناسبة في عليته ذاتية أو غير ذاتية فهو أعم من قياس العلة في قولهم ولا يصار إلى قياس الشبه مع إمكان قياس العلة قاله زكرياء.
قال في الآيات البينات وقضيته شمول قياس العلة في هذا المقام الشبه بناء على أن فيه مناسبة بالتبع ثم قال نعم في كون المناسبة بالتبع موجودة في جميع أفراد الشبه توقف بأنه لا يظهر في نحو الشبه الصوري هـ.
والظاهر ليظهر الانحصار في الأقسام المذكورة أن المراد بالتصريح بها مجرد الجمع ذكرت أو قدرت بدليل القابلة بقياس الدلالة المجموع فيه بلازمها الخ.
والألم تنحصر الأقسام إذ يبقى ما جمع فيه بنفس العلة لكن لم يصرح بها بل قدرت
جامع ذي الدلالة الذي لزم ... فأثر فحكمها كما رسم
الذي لزم خبر جامع ولزم كعلم وأثر وحكم معطوفًا فإن على الخبر ورسم بمعنى ثبت مبني للمفعول يعني أن قياس الدلالة هو ما كان الجامع فيه هو لازم العلة فأثرها فحكمها ووجه تسمية كل من الثلاثة بقياس الدلالة هو كون الجامع بينهما دليل العلة.
قال المحلي وكل من الأخيرين منها دون ما قبله كما دلت عليه الفاء يعني في كلام السبكي.
стр. 545
مثال الأول أن يقال النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة وهي لازمة للإسكار.
ومثال الثاني أن يقال القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد بجامع الإثم وهو أثر العلة وهي القتل العمد العدوان.
ومثال الثالث أن يقال تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى والقتل منهم في الثانية وقياس العلة فيه أيضًا دلالة ولكنه بأمر خاص وهو الاقتضاء فكل ما يقتضي يدل وليس كل ما يدل يقتضي وإنما جعل الجمع بالإثم من باب الجمع بالأثر دون اللازم لأن المراد باللازم اللازم العقلي أو العادي والإثم لازم شرعي وبحث في الآيات البينات في الجمع بلازم العلة بأنه إن أريد بالجمع باللازم الجمع به استقلالًا بأن يقصد الإلحاق بواسطة نفسه من غير مراعات للعلة والإشارة به إليها فهو جمع بغير علة الحكم فكيف يصح القياس وإن أريد به الجمع من حيث دلالته على العلة حيث يكون الجمع في الحقيقة إنما هو بالعلة وإنما ذكر اللازم لدلالته عليها فالجمع إنما هو بالعلة فما معنى الترتيب الذي أشار إليه بالعطف بالفاء.
قياس معنى الأصل عنهم حقق ... لما دعي الجمع بنفي الفارق
قياس مفعول حقق وهو فعل أمر مكسور آخره الوزن يتعلق به لما بكسر اللام ودعي مبني للمفعول والجمع مفعوله الثاني وبنفي يتعلق بالجمع هذا آخر أقسام القياس باعتبار علته وهو المسمى بالقياس في معنى الأصل فالإضافة في قياس معنى الأصل بمعنى في
стр. 546
قال في "جمع الجوامع" والقياس في معنى الأصل الجمع بنفي الفارق كإلحاق العبد بالأمة في الحد وإلحاقها به في السراية ويسمى بإلغاء الفارق وبتنقيح المناط وبالجلي وهو ما قطع فيه بنفي الفارق أو كان ثبوت الفارق احتمالًا ضعيفًا.
ومعنى الجمع بنفي الفارق الجمع بسبب انتفاء الفارق بين الأصل والفرع في حكمته فالظاهر أن الفاء في قولهم القياس في معنى الأصل سببية والمراد بالمعنى الحكمة والمعنى والقياس بسبب وجود حكمة الأصل في الفرع لأن وجودهما فيه مظنة وجود العلة فالجمع في هذا القياس بمظنة العلة لدلالة المظنة على العلة فهو في الحقيقة بالعلة إلا إنه أقيم مظنة العلة مقامها دلالة عليها قاله في الآيات البينات فحاصله الجمع بواسطة وجود الحكمة في حكم الأصل في الفرع ووجودها مظنة وجود العلة فالجمع في الحقيقة بالعلة إلا أنه استدل على وجودها بوجود الحكمة ووجه الحصر في المذكورات أن الجامع بين الأصل والفرع إما أن يكون جملة ما وقع الاشتراك فيه بين الأوصاف والفرع أو بعضه الأول القياس بنفي الفارق والثاني لا يخلو إما أن يكون نفس العلة أو ما يدل عليها الأول قياس العلة والثاني قياس الدلالة.
стр. 547
كتاب الاستدلال
الاستدلال لغة طلب الدليل ويطلق في العرف على إقامة الدليل مطلقًا من نص أو إجماع أو غيرهما وعلى نوع خاص من الدليل وهو المراد هنا ويطلق أيضًا على ذكر الدليل.
ما ليس بالنص من الدليل ... وليس بالإجماع والتمثيل
يعني أن الاستدلال المعقود له هذا الكتاب هو دليل ليس بنص من كتاب أو سنة وليس بإجماع جميع مجتهدي الأمة وليس بقياس التمثيل ويسمى القياس الشرعي وهو المتقدم وهو حمل معلوم على معلوم لمساواته في علة حكمه عند الحامل وهو المتعارف من إطلاق لفظ القياس عند الأصوليين وغير تلك الأدلة الأربعة من الأدلة الشرعية هو الاستدلال وذلك كإجماع أهل المدينة وإجماع أهل الكوفة عند بعضهم والقياس المنطقي بنوعيه الاقتراني والاستثنائي وقول الصحابي والمصالح المرسلة والاستصحاب والبراءة الأصلية والعوائد والاستقراء وسد الذرائع والاستحسان والأخذ بالأخف والعصمة وإجماع العشرة وإجماع الخلفاء الأربعة ذكر جميع تلك الأنواع في التنقيح وهذه الأدلة مختلف في الأكثر منها ومنها ما هو متفق عليه كالقياس المنطقي فلا خلاف في صحة الاستدلال به وكالاستقراء التام لأنه قطعي عند الأكثر.
منه قياس المنطقي والعكس) يعني أن الاستدلال يدخل فيه قياس المنطقي المتقدم.
стр. 548
المتقدم ذكره ومنه قياس العكس وهو إثبات عكس حكم شيء لمثله لتعاكسهما في العلة كما في حديث مسلم أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه ووزر الحديث) ومنه احتجاج المالكية على أن الوضوء لا يجب من كثير القيء بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره عكس البول لما وجب من قليله وجب من كثيره وقال الفهري هو نقل للعلة من محل النزاع إلى محل الوفاق ونقل المازري وغيره الخلاف في قبوله وقال ابن محرز أنه أضعف من الشبه وقال أيضًا بعض الشافعية أنه ليس بدليل.
ومنه فقد الشرط دون لبس) بفتح اللام بمعنى شك يعني أن فقد الشرط من الاستدلال فهو دليل على نفي الحكم لأن الشرط هو ما يلزم من عدمه عدم الحكم ولا يلزم من وجوده وجود للحكم أو عدم لذاته.
ثم انتفا المدرك مما يرتضي) انتفا بالقصر للوزن مبتدأ والمدرك بفتح الميم والراء ومما يرتضي بالبناء للمفعول خبر يعني أن انتفاء مدرك الحكم أي دليله الذي يدرك به بأن لم يجده المجتهد بعد الفحص الشديد عنه دليل على انتفاء الحكم دلالة ظنية فعدم وجدانه المظنون به انتفاؤه دليل على انتفاء الحكم خلافًا للأكثر قالوا لا يلزم من عدم وجدان الدليل انتفاء الحكم.
(كذا وجود مانع أو ما اقتضى) يعني أن وجود المانع دليل من أنواع الاستدلال كالذي قبله والذي بعده لأن المانع هو الوصف الوجودي المعرف نقيض الحكم كالأبوة في القصاص فوجود المانع دليل على انتفاء الحكم وكذلك وجود المقتضي بالكسر أي السبب دليل على وجود الحكم إذ السبب هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم خلافًا للأكثر في قولهم ليس شيء من ذلك دليلًا بل دعوى دليل
стр. 549
وإنما يكون دليلًا إذا عين المقتضي بالكسر والمانع والشرط وبين وجود الأولين ولا حاجة إلى بيان فقد الشرط لأن الأصل عدمه ثم على القول بأنه دليل هل هو استدلال مطلقًا لأنه غير النص والإجماع والقياس أو إنما يكون استدلالًا إذا ثبت وجود المقتضي أو المانع أو فقد الشرط بغير النص والإجماع والقياس فيه نظر.
ومنه الاستقراء بالجزئي ... على ثبوت الحكم للكلي
يعني أن الاستقراء داخل في الاستدلال والاستقراء لغة التتبع من قولك استقريت البلاد إذا تتبعتها قرية فقرية وبلدًا فبلدًا وحاصله أن يستقري أي يستدل بإثبات الحكم للجزيئات الحاصل تتنبع حالها على ثبوته للكلي بتلك الجزيئات وبواسطة ثبوته للكلي بهذا الطريق يثبت للصورة المخصوصة المتنازع فيها.
فإن يعم غير ذي انشقاق ... فهو حجة بالاتفاق
يعني أن الاستقراء ينقسم إلى تام وغير تام فالتام هو أن يعم الاستقراء غير صورة الشقاق أي النزاع بأن يكون ثبوت الحكم في ذلك الكلي بواسطة إثباته بالسبع في جميع جزيئاته ما عدى صورة التنازع وهو دليل قطعي في إثبات الحكم في صورة النزاع عند الأكثر ولا خلاف في حجيته فيها كرفع الفاعل ونصب المفعول في لغة العرب ومنه في الفقه ما نسب إلى مالك من حجية خبر الواحد والقياس.
وهو في البعض إلى الظن انتسب ... يسمى لحوق الفرد بالذي غلب
يعني أن غير التام من الاستقراء هو أن يكون ثبوت الحكم في الكلي بواسطة إثباته بالتتبع في بعض الجزيئات الخالي عن صورة النزاع بشرط أن يكون ثبوت الحكم للبعض يحصل معه ظن عموم
стр. 550
الحكم ولا يتقيد البعض بكونه الأكثر وإن قيد به كثير من المناطقة ويشهد لما قلنا كلام التنقيح ولفظه وهو أي الاستقراء تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع كذلك ثم قال وهذا الظن حجة عندنا وعند الفقهاء وعدم التقييد بالأكثر وقع أيضًا في كلام المحصول وتبعه الأسنوي وأيضُا فعلى التقييد بأكثر الجزئيات يلزم خروج ما كان بنصف الجزئيات فأقل فلا يكون استقراء قال في الآيات البينات وحينئذ يستشكل الأمر بمسائل استند الفقهاء فيها إلى الاستقراء مع أنه لم يقع فيها استدلال بجميع الجزئيات ولا بأكثرها كما في كون أقل سن الحيض تسع سنين وإن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر وغالبه ست أو سبع فإنهم صرحوا بأن مستند الشافعي في جميع ذلك هو الاستقراء ومعلوم أن الشافعي لم يستقرئ حال جميع نساء العالم في زمانه ولا حال أكثرهن بل ولا حال نصفهن ولا ما يقرب منه فضلًا عن نساء العالم على الإطلاق للقطع بعدم استقرائه حال جميع الإعصار المتقدمة عليه من لدن وجد الإنسان والمتأخرة عنه إلى قيام الساعة فالوجه ترك التقييد بالأكثر في الناقص هـ.
وقوله يسمى لحوق الخ يعني أن الاستقراء الناقص يسميه الفقهاء إلحاق الفرد بالأغلب وجعلنا الاستقراء هو الاستدلال بثبوت الحكم للجزئي على ثبوته للكلي هو الموافق لاصطلاح المناطقة فإنه عندهم عبارة عن الاستدلال بالجزيئات على الكلي وعند الأصوليين الاستدلال بحال ما عدى صورة النزاع من الجزئيات المعلوم بالتتبع على صورة النزاع.
ورجحن كون الاستصحاب ... للعدم الأصلي من ذا الباب
بعد قصارى البحث عن نص فلم ... يلف وهذا البحث وفقًا منحتم
стр. 551
يعني أن الراجح عند المالكية كون استصحاب العدم الأصلي من هذا الباب أي باب الاستدلال فهو حجة والعدم الأصلي هو انتفاء الأحكام السمعية في حقنا قبل بعثته صلى الله وعليه وسلم لقوله تعالى: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا)) أي ولأن ثبوت العدم في الماضي يوجب ظن عدمه في الحال لكن إنما يحتج به بعد قصارى البحث أي غايته عن دليل يدل على خلافه فلم يوجد فإذا وجد عمل به وهذا البحث أي استفراغ الجهد في طلب الدليل وعدم وجوده واجب اتفاقًا في الاستصحاب وغيره.
فالمراد بالنص مطلق الدليل كعدم وجوب صوم رجب لأن رجبا لم يثبت في صومه شيء إلا حديث صوموا من الحرم وافطروا وهو ضعيف لا يحتج به وخالف الأبهري وأبو الفرج منا وظائفه من الفقهاء فمنهم من قال الأصل الحظر لقوله تعالى: ((يسئلونك ماذا أحل لهم)) وقوله: ((أحلت لكم بهيمة الأنعام)) ومنهم من قال الأصل الإباحة لقوله تعالى: ((خلق لكم ما في الأرض جميعًا)) والفرق بين القول بأصالة العدم الأصلي إن الإباحة على أصالة العدم عقلية وعلى القول الآخر شرعية.
وإن يعارض غالبا ذا الأصل ... ففي المقدم تنافي النقل
يعني أن محل استصحاب العدم الأصلي ما لم يعارض الغالب الأصلي وإلا فقيل يقدم الأصل على الغالب وقيل يقدم الغالب عليه كاختلاف الزوجين في النفقة الغالب دفعها لها والأصل بقاؤها في ذمة الزوج إذ الأصل بقاء ما كان على ما كان واتفقوا في مسائل على تغليب الأصل على الغالب كالدعاوي فإن الأصل براءة الذمة
стр. 552
والغالب المعاملة واتفقوا في مسائل أخرى على تغليب الغالب على الأصل كالبينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة.
وما على ثبوته للسبب ... شرع يدل مثل ذاك استصحب
على ثبوته متعلق بيدل والسبب متعلق بالمصدر قبله وقوله. استصحب فعل أمر مفعوله الموصول قبله.
يعني أن استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه حجة ودليل من الاستدلال مثل استصحاب ذلك العدم الأصلي المتقدم كثبوت الملك لثبوت الشراء وثبوت شغل الذمة بعد جريان الإتلاف أو الالتزام.
وأما استصحاب العموم والنص إلى أن يوجد مخصص أو ناسخ فليسا من الاستصحاب بحال لأن الحكم مستند إلى الدليل لا إلى الاستصحاب قاله الإبياري منا وأما الحرمين قال الأمام الرازي وأن سمى هذا مسم استصحابًا بم يناقش.
وما بماض مثبت للحال ... فهو مقلوب وعكس الحال
هذا نوع من الاستدلال يسمى مقلوب الاستصحاب وهو إثبات أمر في الزمن الماضي لثبوته في الحال أي الزمن الحاضر فالباء في قوله بماض ظرفية وقوله فهو مقلوب الخ أي يسمى استصحًابا مقلوبًا يسمى أيضا معكوس الاستصحاب الخالي أي الماضي الذي هو ثبوت أمر في الزمن الحاضر لثبوته في الزمن الماضي لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني.
стр. 553
مثال الاستصحاب المقلوب قال المحلي كان يقال في المكيال الموجود الآن كان على عهده صلى الله وعليه وسلم باستصحاب الحال في الماضي وقد يقال في الاستصحاب المقلوب ليظهر الاستدلال به لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا أمس لكان غير ثابت أمس إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه فيقتضي استصحاب أمس الخالي عن الثبوت فيه بأنه الآن غير ثابت وليس كذلك لأنه مفروض الثبوت الآن عدل ذلك على أنه ثابت أمس أيضًا.
كجري ما جهل فيه المصرف ... على الذي الآن لذاك يعرف
يعني أن من أمثلة الاستصحاب المقلوب ما لبعض القرويين والأندلسيين من أهل مذهبنا من أن الحبس إذا جهل أصل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها وراءوا أن إجراءه على هذه الحالة دليل على أنه كان كذلك في الأصل فهذا دليل على أنه حجة عندهم وظاهر كلام السبكي أنه حجة وقد احتج به الشافعية في بعض المسائل على زعم بعضهم.
والأخذ بالذي له رجحان ... من الأدلة هو الاستحسان
يعني أن الباجي نقل عن ابن خويز منداد من المالكية أن الاستحسان الذي قال به المالكية هو الأخذ بأقوى الدليلين وهذا لا خلاف فيه للإجماع على وجوب العمل بالراجح كتخصيص العرايا من منع بيع الرطب بالتمر لتجويز السنة ذلك وكتصديق مشتر وزوج أدعيا الأشبه في التنازع في قدر الثمن والصداق وكشهادة الرهن في قدر الدين.
стр. 554
معنى الاستحسان ما حسن في الشرع ولم ينافه فهو يستحسنه المجتهد بعقله ويميل غليه ودليل حجية الاستحسان قوله صلى الله وعليه وسلم ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن) وقول القاضي أياس بن معاوية قيسوا القضاء ما علم الناس فإذا فسدوا فاستحسنوا.
(أو هو تخصيص بعرف ما يعم) بالبناء للفاعل يعني أن الاستحسان عند أشهب هو تخصيص هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة الناس كما إذا أوصى لقرابته فالقياس دخول الوارث والاستحسان عدم دخوله كاستحسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه وقدر الماء فإنه معتاد على خلاف الدليل وكذلك الشرب من السقاء من غير تعين قدره لأنه غرر يسير معفو عنه والمضايقة في ذلك بتعيينه قبيحة في العادة وقد قال صلى الله وعليه وسلم (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وقال إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها) وهذه العادة إن جرت في زمنه صلى الله وعليه وسلم أو بعده من غير إنكار منه ولا من الأئمة عمل بها إجماعًا لقيام الدليل على ثبوتها من السنة والإجماع وإلا ردت إجماعًا.
(ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم) بعضهم مبتدأ خبره يؤم ورعي مفعوله مقدم عليه يعني أن الأبياري قال الذي يظهر من مذهب مالك في الاستحسان أنه استعمال مصلحة جزئية كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار الرد وبعضهم الإمضاء فالقياس رد الجميع أن رد بعضهم لأنهم ورثوا عنه الخيار وهو أن رد البعض تعين رد الجميع لما في التلفيض عند الجمهور من دخول الضرر على البائع والاستحسان أخذ المجيز الجميع ارتكابًا لأخف الضررين فالاستحسان على هذا
стр. 555
القول الأخذ بمصلحة جزءية في مقابلة دليل كلي ويشهد له الرخص الواقعة في الشريعة فان حقيقتها ترجع إلى اعتبار المثال في جلب المصالح درء المفاسد على الخصوص وإن كان الدليل العام يقتضي ذلك.
ورد كونه دليلًا ينقدح ... ويقصر التعبير عنه متضح
رد مبتدأ خبره متضح يعني أن بعضهم فسر الاستحسان بأنه دليل ينقدح أي يظهر في نفس المجتهد تنصر عنه عبارته ورده ابن الحاجب بأن الدليل أن تحقق عند المجتهد فمعتبر ولا يصر القصور عبارته عنه اتفاقًا وإن لم يتحقق عنده فمردود اتفاقًا قال وتصوره عندي كالممتنع وهو ظاهر لأن من أوصاف المجتهد أن يكون ذا الرتبة الوسطى عربية وبلاغة والبليغ هو من له سجية على القدرة على التعبير عن كل معنى أراد التعبير عنه بلفظ بليغ سواء قلنا معنى قصر عبارته عنه العجز عن التعبير أصلًا أو قلنا أنه بعبر عنه ولكن لم تؤد تلك العبارة أصل المراد لما فيها من الإخلال اللفظي أو المعنوي لأنه تعقيد يخل بالفصاحة المشترطة في البلاغة عند الجمهور.
ورأي الصحابي على الأصحاب لا ... يكون حجة بوفق من خلا
يعني أن رأي الصحابي المجتهد ليس بحجة على صحابي آخر مجتهد باتفاق من خلا أي مضي من أهل الأصول أي جميعهم والمراد برأيه مذهبه في المسألة قولًا كان أو فعلًا أما ما كان أو حاكمًا أو مفتيًا أما قول الصحابي غير المجتهد فغير حجة على الصحابي وغيره اتفاقًا فلا يعمل بما جاء عنه إلا ما كان رواية صريحة أو كالصريحة بأن كان لا مجال للاجتهاد فيه.
стр. 556
في غيره ثالثها أن انتشر ... وما مخالف له قط ظهر
يعني إنما ذكر هو قول الصحابي المجتهد بالنسبة للصحابي المجتهد وغيره هو قول الصحابي المجتهد في حق المجتهد غير الصحابي كالتابعي فمن بعده فالمشهور عن مالك أنه حجة في حق غير الصحابة من المجتهد لقوله صلى الله وعليه وسلم (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وهذا قول الشافعي القديم والثاني المنع مطلقًا وهو مروي عن مالك أيضًا والثالث التفصيل وعزاه الباجي لمالك وهو أنه حجة بشرط أن لا يعلم له مخالف لأنه حجة إجماع وأن خولف فليس بحجة لأن القول الآخر يناقضه وكونه حجة أن انتشر ليس بمنزلة الإجماع السكوتي لأن اشتراط الانتشار لا يلزمه بلوغ الكل ومضي مهلة النظر عادة وتجرد السكون عن إمارة رضي أو سخط كما في صورة السكوتي.
ويقتدي من عم بالمجتهد ... منهم لدى تحقق المعتمد
يعني أن العامي وهو غير المجتهد يجوز له أن يقتدي بالمجتهد من الصحابة عند تحقق المعتمد بفتح الميم أي تحقق مذهب الصحابي في المسألة لأن مذاهب الصحابة لم تثبت حق الثبوت لأنها تفلت فتاوى مجردة فلعل لها مقيدًا أو مخصصًا أو مكملًا لو انضبط كلام قائله ظهر بخلاف تقليد أحد الأئمة الأربعة للثقة بمذاهبهم لتدوينها فالعامي مأمور بإتباع مذاهب الخلف لأجل ذلك وإن كان نظر الصحابة أعلى وأتم لأنهم شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ووقفوا من أحواله صلى الله وعليه وسلم ومراده من كلامه على ما لم يقف عليه غيرهم فكان حال التابعي ومن بعده بالنسبة إليهم كحال العامي بالنسبة إلى المجتهد التابعي.
стр. 557
والتابعي في الرأي لا يقلد ... له من أهل الاجتهاد أحد
يعني أن التابعي المجتهد فمن بعده لا يجوز لمجتهد أن يقلده في رأيه أي اجتهاده إذ اجتهد لا يخلصه من الله إلا الاجتهاد لا تقليد مجتهد إلا إذا كان المقلد بالفتح صحابيًا مجتهدًا والمقلد بالكسر مجتهد غير صحابي ففيه ثلاثة الأقوال المذهبية التي تقدمت وأكثر من ثلاثة بالنسبة إلى سائر المذاهب فالقائل بالجواز يخصص به قولهم لا يقلد مجتهد مجتهدًا غيره.
ومن لم يكن مجتهدًا فالعمل ... منه بمعنى النص ما يحظل
بالبناء للمفعول يعني غير المجتهد يظل له أي يمنع أن يعمل بمعنى نص من كتاب أو سنة وإن صح سندها لاحتمال عوارضه من نسخ وتقييد وتخصيص وغير ذلك من العوارض التي لا يضبطها إلا المجتهد فلا يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد قاله القرافي فأياك وما يفعله بعض جهلة الطابة من الاستدلال بحديث لا يعلمون صحته فضلًا عن الإطلاع على ما ذكر من العوارض فضلوا وأضلوا ومن يحمل آية أو حديثًا على محمل غير ظاهر بلا دليل فهو كافر.
سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم
الذريعة الوسيلة على الشيء ومعنى سدها حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له فمتى كان الفعل السالم من المفسدة وسيلة إلى المفسدة منع من ذلك الفعل وهو مذهب مالك كذلك يجب فتح الذريعة إلى الواجب ويندب فتحها إلى المندوب ويكره إلى المندوب ويكره إلى المكروه وبباح إلى المباح كما أشار إليه بقوله.
стр. 558
(وبالكراهة وندب وردًا) أي السد والفتح فذريعة المكروه يندب سدها ويكره فتحها وذريعة المندوب يندب فتحها ويكره سدها ووسيلة الواجب واجبة كالسعي للحج والجمعة أعلم أن الأمة اجتمعت على أن سد الذرائع ثلاثة أقسام:
أحدهما معتبرًا جماعًا كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاء السم في أطعمتهم وسب الأصنام عند من يعلم أنه يسب الله .
وثانيهما ملغي وسيأتي في قولنا والغ أن يك الفساد الخ.
وثالثهما مختلف فيه كبيوع الآجال اعتبرنا الذريعة في هذا القسم فالحاصل أنا اعتبرنا الذريعة أكثر من غيرنا لا أن اعتباره خاص بينا كما زعم بعضهم فالذريعة الأولى هي القريبة جدًا والثانية تأتي بقسميها. (والغ أن يك الفساد أبعدًا).
أو رجح الإصلاح كالاسارى ... تفدي بما ينفع النصارى
وانظر تدلي دوالي العنب ... في كل مشرق وكل مغرب
الغ من الإلغاء هذا هو القسم الثاني من الذرائع وهو الملغي إجماعًا يعني أنه يجب أجماعًا إلغاء الذريعة إذا كان الفساد أبعد جدًا من المصلحة وأشرت إلى دليل ذلك بقولي وانظر الخ.
يعني أنه مما يدل على إلغاء الذريعة التي الفساد فيها بعيد جدًا ما تشاهده في مشارق الدنيا ومغاربها من دوالي العنب المغروسة المتدلية العناقيد ولم يمنع أحد من غرسها خوف شرب الخمر لتي تكون من عنبها وكذا لم يمنع أحد من الشركة في الدور خشية الوقوع
стр. 559
في الزنى قوله أو رجح الإصلاح كالاسارى الخ هذا هو القسم الثاني من الملغي إجماعًا يعنى أه يجب إلغاء الذريعة إذا كان الفساد بعيدًا جدًا أو رجحت المصلحة على المفسدة والمصلحة اللذة أو سببها والمفسدة الألم أو سببه وكل منهما دنيوي وأخروي قال القرافي في التنقيح قد تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة كالتوسل إلى فداء الاسارى بدفع المال للعدو الذي هو محرم عليهم الانتفاع به كالانتفاع به لكونهم مخاطين بفروع الشريعة عندنا وكدفع مال الرجل ليأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلا به وكدفع المال للمحارب حتى لا يقتل هو صاحب المال. واشترط مالك فيه البشارة هـ.
تنبيه: قال في التنقيح ينقل عن مذهبنا أن من خواصه اعتبار لعوائد والمصلحة المرسلة وسد الذرائع وليس كذلك أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقراها وجدهم يصرحون بذلك فيها وأما المصلحة المرسلة فغيرنا يصرح بإنكارها ولكن عند التفاريع فيها نجدهم يعللون بمطلق المصلحة ولا يطالبون أنفسهم عند الفروق والجوامع بإبداء الشواهد لها بالاعتبار بل يعتمدون على مجرد المناسبة وهذا هو المصلحة المرسلة وأما سد الذرائع فقد اجتمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام هـ يعني الأقسام السابقة.
وينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به الهام الأولياء
ينبذ فعل مبني لمفعول نائبه الإلهام بكسر الهمزة والعراء بالفتح وتخفيف الراء الفضاء الذي لا يستتر فيه بشيء أعلم أن الإلهام من الأدلة المختلف في العمل بها والإلهام إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بآبة ولا نظر في حجة يخص
стр. 560
به الله تعالى بعض أصفيائه وليس بحجة عدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره لأنه لا يأمن دسيسة الشطان فيها وهذا هو معنى قولنا وينبذ الإلهام البيت.
ويثلج بضم اللام مضارع ثلج بالفتح ويثلج بفتحها مضارع ثلج بالكسر وثلج الصدر أي القلب طمأنينته وسكونه قال الشاذلي ضمنت لنا العصمة في الشريعة ولم تضمن لنا في الخواطر وكذا من رأي النبي صلى الله وعليه وسلم في النوم يأمره وينهاه لا يجوز اعتماده وإن كان من رآه في النوم فقد رآه حقًا وإن كان على غير صفته المعروفة في الدنيا عند الجمهور لعدم ضبط الراءى فلا يحتج بالإلهام في دين الله تعالى ولا يعمل به إلا إذا فقد الدليل في باب ما أبيح فيه العمل بلا علم.
وقد رآه بعض من تصوفا ...... وعصمة النبي توجب اقتفا
يعنى أن بعض المتصوفة رآو الاحتجاج بالإلهام في حق نفسه دون غيره وبعض الجبرية رآه حجة في حق الملهم وحق غيره بمنزلة الوحي المسموع لقوله تعالى: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام)) (ولخبر اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى) وكون النبي صلى الله وعليه وسلم معصومًا يوجب الاقتداء به في خواطره في حق غيره إذا تعلق بهم وكذا يجب عليه هو العمل به هو بمنزلة الوحي.
لا يحكم الولي بلا دليل ... من النصوص ومن التأويل
стр. 561
حذفت إحدى ياءي الولي وسكنت الأخرى للوزن هذا البيت بيان لنبذ الهام الأولياء لأن معنى نبذ إلهام الأولياء إنهم لا يحكمون أي لا يثبتون حكمًا من أحكام الله تعالى إلا بدليل من الأدلة الشرعية من نص صريح ومؤول وغير ذلك من الأدلة الشرعية لانعقاد الاجتماع على أنه لا تعرف أحكامه تعالى إلا بأدلتها وقد كان صلى الله وعليه وسلم ينتظر الوحي وقال أبو سليمان الداراني وغيره ما قبلت واردًا إلا بشاهدين من الكتاب والسنة يعني بما استنبط منهما.
في غيره الظن وفيه القطع ... لأجل كشف ما عليه نفع
النفع بالفتح الغبار يعني أن غير حكم الله تعالى من فراسات الصالحين أي إلهاماتهم منع ما يكون ظنيًا ومنع ما يكون قطعيًا لم يقع لهم فيه من الكشف معاينة وإن كان الأولياء إنما يرون أمثال الأشياء عكس الأنبياء فإنهم يرون حقائق الأشياء ومن يخبره الولي بشيء فقد يحصل له القطع به لموجب من موجبات اليقين ككونه تكرر منه أنه لا يخبره بشيء إلا رآه كما أخبر به فمثل ذلك يحصل اليقين من غير الولي فضلا عنه.
والظن يختص بخمس الغيب ... لنفي علمها بدون ريب
يعني أن الظن يختص بالخمس التي هي مفاتيح الغيب لنفي للعلم بها في الحديث الصحيح ونفي العلم لا يستلزم نفي الظن وقال بعضهم أن نفي العلم بها إنما يكون قبل تكلم الملائكة بوقوع الأمر أنا بعده فقد يعلمه الولي وقال القرافي إن الذي اختص الله به علم الخمس بلا سبب أما به كالمنام فقد يحصل لغيره تعالى كقصة أبي بكر الصديق ﵁ في حمل بنت خارجة حين أخبر بأنه أنثى.
стр. 562
(قد أسس الفقه على رفع الضرر) الفقه نائب أسس هذا الكلام إلى آخر البيت الثالث في قواعد ثبت مضمونها بالدليل فأشبه ارتباط جزئياتها في تعريف حكمها منها ارتباط الدليل بالمدلول في تعريف حكمه منه فناسب لذلك إيرادها خاتمة للكلام في الأدلة يعني أن بعض الأصوليين وهو القاضي حسين من الشافعية قد أسس الفقه أي بني مسائله على أربعة أصول.
أحدها أن الضرر يزال ويشهد لهذه القاعدة قوله صلى الله وعليه وسلم لا ضرر ولا ضرار وأيضًا الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد ومن مسائلها شرع الزواجر من الحدود والضمان ورد المغصوب مع القيام وضمانه بالتلف وارتكاب أخف الضررين والتطليق بالأضرار والإعسار ومنع الجار من أحداث ما يضر بجاره.
(وإن ما يشق يجلب الوطر) بفتح الهمزة أن يعني القاعدة الثانية هي أن المشقة تجلب التيسير وهو المراد بالوطر لقوله تعالى ((وما جعل عليكم في الدين من حرج)) ومن مسائلها الأخذ بالأخف والرخص كالجواز القصر والجمع والفطر في السفر قال القرافي المشاق قسمان.
قسم لا تنفك عنه العبادة كالوضوء في البرد والصوم في النهار الحامي والمخاطرة بالنفوس في الجهاد ونحوها فهذا لا يوجب تخفيفًا في العبادة لأنها قررت معه.
والثاني ما تنفك عنه العبادة فإن كان في مرتبة الضروريات عفي عنه إجماعًا كما لو كانت طهارة الحدث والخبث تذهب النفس أو بعض
стр. 563
الأعضاء وإن كان في مرتبة التتمات لم يعف عنه إجماعًا كالطهارة بالماء البارد وما كان في المرتبة الوسطى وهي الحاجيات فمحل خلاف بين العلماء هـ.
يعني كما إذا خاف باستعمال الماء مرضًا خفيفًا
تنبيه: أعلم أن أهل الفروع كثيرًا ما يطلقون الضرورة على المشقة دون القسم الثالث من المناسب الذي هو أصل المصالح فلا يلتبس عليك الأمر.
(ونفى رفع القطع بالشك) بجر نفي عطفًا على رفع هذه هي القاعدة الثالثة وهي أن اليقين لا يرفع بالشك ولا يخفي أن اليقين لاشك معه فالمراد استصحاب حكم الأمر المتيقن إذا طرأ الشك في حصول ضده الذي حكمه مضاد لحكمه ومن مسائلها إذا لم يدر أصلي ثلاثًا أم أربعًا بني على اليقين وقوله صلى الله وعليه وسلم للمدعى شاهداك أو يمينه لأن الأصل براءة الذمة وعمارتها مشكوك فيها قال حلولو والظاهر من إطلاقهم أن المراد بالشك ما استوي طرفاه كما هو المعلوم في الاصطلاح وذكر النووي في شرح مسلم أن أصحابهم أن المراد به عدم التحقق قال فيدخل فيه الظن فلو غلب على ظنه أنه أحدث لم يجب عليه أن يتوضأ وإنما رأى مالك الشك ناقصًا للوضوء في أحد قوليه لأنه شك في الشرط الذي هو الطهارة والأصل عدم الشرط والشافعي لا ينقض عنده الشك في الحدث لأن المتيقن الذي هو للطهارة لا يرفع بالمشكوك الذي هو الحدث.
(وإن يحكم العرف) بفتح الهمزة أن عطفًا على رفع من قوله رفع الضرر وبفتح كاف يحكم مع التشديد وبضم عين العرف أي العادة
стр. 564
يعني أن القاعدة الرابعة هي أن العادة محكمة وشاهدها قوله تعالى ((خذ العفو وأمر بالعرف)) فمن هذا الأصل ما يختلف الحكم فيه باختلاف العوائد كطول الفصل في السهو وقصره واقل الحيض والنفاس وأكثر ومنها ما لم يختلف الحكم فيه باختلاف العوائد كالخسة والكفاءة في النكاح والأحكام المبنية على العوائد تتبدل بتبدل العوائد ويدخل في هذا القاعدة تخصيص عموميات ألفاظ الناس في الإيمان والمعاملات وتقييد مطلقها بالعرف فلا يجوز لحاكم ولا مفت أن يحكم لو يفتي في لفظة حتى يعلم معناها في عرف ذلك البلد ولذا قالوا الجمود على النصوص أبدًا ضلال وإضلال وهذه القاعدة محيطة بكثير من الفقه لا بكله (وزاد من فطن).
(كون الأمور تبع القاصد) بتثليث طاء فطن وتحريك تبع يعني أن بعضهم زاد على الأمور الأربعة التي حصر القاضي الحسين فيها مذهب الشافعي أصلًا.
خامسًا وهو أن الأمور بمقاصدها أي الوسائل تعطي حكم المقصود بها ومن مسائله وجوب النية في الطهارة التي هي وسيلة لصحة الصلاة والصلاة عبادة تجب فيها النية اتفاقًا وشاهد هذا الأصل إنما الأعمال بالنيات قال الشافعي إن هذا الحديث ثلث لعلم وقال بعضهم ربع الدين ويدخل في هذا الأصل تميز العبادات من العادات وتمييز أنواع العبادات بعضها عن بعض كالفرض من الندب والعكس والظهر من العصر مثلا والعكس ويدخل فيها أيضًا قاعدة سد الذرائع وهي الوسائل لأن المنع من الأمر الذي ظاهره الصحة إنما هو لأجل قصد الفساد ورد بعضهم هذه القاعدة إلى قاعدة أن اليقين لا يرفع بالشك لأن الشيء إذا لم يقصد فاليقين عدم حصوله شرعًا.
стр. 565
(مع تكلف ببعض وارد) نعت لتكلف يعني أن أكثر الفروع لا ترجع إلي تلك الأصول الأربعة أو الخمسة إلا بواسطة وتكلف فلو أريد الرجوع بوضوح الدلالة لزادت تلك الأصول على الحين وقد حصر أبو طاهر الدبوسي مذهب أبي حنيفة في سبع عشر قاعدة ولا يخلو أيضًا هذا الحصر من تكلف واعتبار وسائط والمذاهب كلها متساوية في هذا الحصر سواء قلنا المحصور فيه أربعة أصول أو خمسة أو سبعة عشر بتقديم السير على الموحدة أو أكثر.
(كتاب التعادل والتراجيح)
لما فرغ الناظم من ذكر الأدلة شرع في بيان كيفية الاستنباط منها وهو الكتاب السادس وأفرد الأول أنه نوع واحد وجمع الثاني لأنه أنواع والتعادل والتكافى والتساوي بين الأدلة.
ولا يجى تعارض إلا لما ... من الدليلين إلى الظن أنتما
يعني أنه لا يجوز عقلا التعارض بين الدليلين إلا دليلين ظنيين أي ظنية دلالتهما على معناهما ويمتنع التعارض بين دليلين قطعيين أي قطعية دلالة كل منهما على معناه سواء كانًا عقليين كدال على قدم العالم ودال على حدوثه أو نقليين حيث لا نسخ بينهما أو مختلفين والتعارض أن يدل كل منهما على منافي ما يدل عليه الآخر إذا لو جاز ذلك لجاز ثبوت مدلولهما فيجتمع المتنافيان ومن شروط إفادة النقليات اليقين أن ينضم إلى اللفظ قرائن محسوسة أو متواترة على إرادة ذلك المعنى.
(والاعتدال جائز في الواقع) يعني أن تعادل الدليلين الظنيين في الواقع أي في نفس الأمر جائز عند الأكثر والمراد بالتعادل تنافيهما
следующие страницы →