← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اختياراته في باب الاستنجاء . وفيه تمهيد وسبع مسائل. التمهيد في تعريف الاستنجاء لغةً، واصطلاحاً. المسألة الأولى: حكم اللبث فوق الحاجة. المسألة الثانية: حكم تطهير باطن فرج الثيب. المسألة الثالثة: حكم الاستجمار بغير الأحجار. المسألة الرابعة: حكم الاستجمار بشعب الحجر الواحد. المسألة الخامسة: الاستجمار في الصفحتين والحشفة. المسألة السادسة: حكم الاستجمار لو انسد المخرج وانفتح غيره. المسألة السابعة: حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة.

стр. 107

التمهيد: في تعريف الاستنجاء لغة، وشرعاً . الاستنجاء لغةً: بمعنى القطع، لقطعه العذرة بالماء، وقيل: مأخوذ من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض، كأنه يطلبها ليجلس تحتها (١). والاستنجاء شرعاً: اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه، وكلها تلتقي على أن الاستنجاء إزالة ما يخرج من السبيلين، سواء بالغسل أو المسح بالحجارة ونحوها عن موضع الخروج وما قرب منه (٢).

стр. 108

المسألة الأولى: حكم اللبث فوق الحاجة . اختيار القاضي: اختار ﵀ أن اللبث فوق الحاجة مكروه، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي. قال المرداوي ﵀ (قوله ولا يلبث فوق حاجته، يحتمل الكراهة وهو رواية عن أحمد وجزم به في الفصول، ... واختاره القاضي) (١) الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب ألا يطيل القعود فوق الحاجة. وبه قال: الحنفية (٢). القول الثاني: أن اللبث فوق الحاجة مكروه. وهو مذهب الشافعية (٣)، و رواية عن الإمام أحمد (٤)، اختارها القاضي أبو يعلى كما تقدم. القول الثالث: القعود فوق الحاجة في الخلاء محرم. وبه قال: الحنابلة في المشهور من المذهب (٥).

стр. 109

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن زيد بن أرقم (١) عن رسول الله ﷺ قال: (إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث) (٢). وجه الدلالة: أن هذه الأماكن تحضرها الشياطين ويهجر فيها ذكر الله فلا ينبغي إطالة المكث فيها (٣). الدليل الثاني: أن في البقاء في الحمام فترة طويلة من غير حاجة كشف للعورة من غير مبرر (٤). الدليل الثالث: أن هذا القعود الطويل يورث الباسور، ووجع الكبد (٥). أدلة أصحاب القول الثاني: أما أصحاب القول الثاني القائلين بالكراهة، فاستدلوا بما استدل به أصحاب القول الأول، وقالوا: أن هذه الأدلة لا تقل على أن يقال أن هذا الأمر مكروه (٦).

стр. 110

أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين بالتحريم). استدلوا بما سبق من أدلة، غير أنهم حملوها على التحريم، واستدلوا أيضاً بحديث بهز بن حكيم (١) عن أبيه، عن جده قال: قلت: (يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك) قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال: (إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها) قال: قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال: (الله أحق أن يستحيا منه من الناس) (٢). وجه الدلالة: ظاهر الحديث أن التعري في الخلوة لغير حاجة غير جائز (٣). ويناقش: أن المنع من الكشف للنظر، وليس في الخلوة من ينظر، فلم يجب الستر، ثم إن إطالة اللبث تبع لأمر مباح، بخلاف من فعل ذلك ابتداءاً من غير حاجة. الترجيح: الراجح والله أعلم، أنه إذا ثبت أنه يورث بعض المرض فيحرم، لقوله ﷺ : (لا ضرر ولا ضرار) (٤)، ومرجع ذلك إلى الطب، فإن ثبت في ذلك ضرر فإنه يحرم، أما إذا لم يثبت ذلك فالراجح هو القول الثاني القائل بالكرهة خاصة إذا لم تكن هناك حاجة للمكوث كالغسل والخلاء وغير ذلك، فإنه ينهى عن كشف السوءة لغير حاجة، فيقتصر على مقدار الحاجة ولهذا كره العلماء للمتخلي أن يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض (٥).

стр. 111

المسألة الثانية: حكم تطهير باطن فرج الثيب . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -وجوب تطهير باطن فرج الثيب، مخالفاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال ابن مفلح (١) ﵀: (وفي وجوب غسل ما أمكن من داخل فرج ثيب في نجاسة وجنابة وجهان ... والوجه الثاني: يجب اختاره القاضي) (٢). تحرير محل النزاع: أجمع العلماء على أن الجنابة تحل جميع البدن، كما أجمعوا على أنه يجب على المجنب أن يغسل جميع بدنه من الجنابة (٣)، واختلفوا في غسل باطن فرج الثيب على قولين:

стр. 112

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يجب على الثيب غسل باطن فرجها في الجنابة. وهو مذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). القول الثاني: أنه يجب غسل باطن فرج الثيب في الجنابة. وهو وجه عند الشافعية (٥)، و وجه عند الحنابلة (٦)، اختاره القاضي أبو يعلى كما تقدم.

стр. 113

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٧٨)﴾ الآية. (١) وجه الدلالة: قالوا: إنما سقط غسل الباطن لأجل الحرج والمشقة وهما منفيان في شرعنا (٢). الدليل الثاني: القياس: قالوا: فهو يشبه الحلقوم لأنه من الباطن، فكما لا يجب غسل الحلقوم فكذلك هنا (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأنه صار ظاهراً بالثيابة (٤). ونوقش: بعدم التسليم بذلك، وذلك لثبوت الفطر بحصول الحشفة فيه (٥). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بعد وجوب غسل الثيب لباطن فرجها لقوة ما استدلوا به ولضعف القول الثاني ومناقشته.

стр. 114

المسألة الثالثة: حكم الاستجمار (١) بغير الأحجار . المقصود بالمسألة: لو أحدث المرء واستخدم في استجماره غير الأحجار، كالمناديل ونحوها هل يجزئه، أم يقتصر على الأحجار فقط و لا يجزئه غيرها؟ اختيار القاضي: أن الاستجمار بغير الأحجار من كل طاهر ينقي بشروطه جائز، موافقاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي. فقال ﵀: (مسألة واختلفت في جواز الاستجمار بغير الأحجار، فنقل الميموني جواز ذلك وهو اختيار الخرقي وهو أصح) (٢) تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على جواز استخدام الحجارة في الاستجمار (٣)، واختلفوا فيما عداها كالخِرق والخشب وغير ذلك على قولين: القول الأول: جواز الاستجمار بغير الأحجار من كل طاهر ينقي بشروطه. وبه قال: الحنفية (٤)، المالكية (٥)، والشافعية (٦)، والحنابلة (٧). القول الثاني: أن الاستجمار بالحجر متعين، ولا يجزئ غيره. وبه قال بعض أهل الظاهر (٨) وهي رواية عن الإمام أحمد (٩)،اختارها أبو بكر عبدالعزيز غلام الخلال (١٠).

стр. 115

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال له رجل: إن صاحبكم ليعلمكم كل شيء حتى الخِراءة (١)؟ قال: "أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي بأيماننا، أو أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع (٢) أو عظم) (٣). الدليل الثاني: عن خزيمة بن ثابت الأنصاري،: أن النبي ﷺ ذكر الاستطابة فقال: (ثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) (٤). وجه الدلالة من الحديثين: أن تخصيص هذين بالنهي عنهما يدل على أنه أراد الحجارة، وما قام مقامها، فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن منها الرجيع؛ لأنه لا يحتاج إلى ذكره، ولم يكن لتخصيص الرجيع بالذكر معنى (٥). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أعواد أو بثلاثة أحجار, أو بثلاث حثيات من التراب) (٦). الدليل الرابع: عن يسار بن نمير (٧) مولى عمر، قال: كان عمر ﵁ إذا بال قال: ناولني شيئاً أستنجي به قال: فأناوله العود والحجر، أو يأتي حائطا يمسح به أو يمس الأرض، ولم يكن يغسله) (٨). وجه الدلالة: أن في هذا الحديث والأثر تصريح ظاهر في جواز الاستجمار بغير الأحجار. الدليل الخامس: القياس، وهو أن كل جامد طاهر منقٍ غير مطعوم لا حرمة له فهو كالحجر (٩).

стр. 116

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب معه بثلاثة أحجار، يستطيب بهن، فإنها تجزي عنه) (١). وجه الدلالة: أن النص ورد بالأحجار فيراعى عين المنصوص عليه (٢). ونوقش: إنما نُص على الأحجار؛ لكونها غالب الموجود للمستنجي بالفضاء، مع أنه لا مشقة فيها، ولا كلفة في تحصيلها؛ وهذا نحو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) ونظائر ذلك، فكل هذا مما ليس له مفهوم يُعمل به؛ لخروجه على الغالب (٥). الدليل الثاني: أن الاستجمار بالأحجار موضع رخصة (٦)، ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة، فوجب الاقتصار عليها، كالتراب في التيمم (٧). نوقش: بأن الأحجار لقب لم يقل بمفهومه الجمهور، وإنما خص الحجر - والله أعلم - بالذكر لأنه أعم الجامدات وجودا، وأسهلها تناولا، ولأنه متى ورد النص بشيء لمعنى معقول وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى ههنا إزالة عين النجاسة وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها فأما التيمم فإنه غير معقول (٨). الترجيح: بعد ذكر الخلاف الوارد في هذه المسألة مع أدلته يظهر جلياً، رجحان القول القائل، بجواز الاستجمار بالأحجار وغيرها من الخرق والمناديل، لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة ولمناقشة أدلة القول الثاني.

стр. 117

المسألة الرابعة: حكم الاستجمار بشعب الحجر الواحد . المقصود بالمسألة: اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن الاستجمار بالحجر الواحد ذي الثلاث شعب يجزي موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت في الحجر الكبير الذي له ثلاث شعب، إذا مسح بكل شعبة منه مسحة هل يجزئه؟ فنقل المروذي وأحمد بن أبي عبده، جواز ذلك وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (١). الأقوال في المسألة: اختلف القائلون باشتراط ثلاثة أحجار، هل المطلوب ثلاثة مسحات، بحيث يكفي الحجر الواحد إذا كان بثلاث شعب، أو لا بد من ثلاثة أحجار؟ اختلف الفقهاء في هذه المسألة إلى قولين: القول الأول: يكفي الحجر الواحد إذا كان له ثلاث شعب. وهو مذهب الشافعية (٢) والحنابلة (٣)، وهي اختيار القاضي كما تقدم. القول الثاني: لابد من ثلاثة أحجار مطلقاً. وهو رواية عن الإمام أحمد (٤)، وقول ابن حزم (٥).

стр. 118

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن جابر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات) (١). وجه الدلالة: بين الحديث أن الغرض عدد المسحات لا الأحجار، ولأنه يحصل بالشعب الثلاث ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه، فلا فرق (٢). الدليل الثاني: لأنه بمنزل ثلاثة أحجار صغار شدها بخيط و استجمر بها، فإنه يجزيه كذلك ها هنا (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن سلمان ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار) (٤). وجه الدلالة: أن هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب. ونوقش: أن القصد من ذلك هو عدد المسحات وقد وجد، ولأنه لو كسر الحجر ثلاث قطع واستعملها يجزيه فكذا يجزيه وإن كان مجتمعا لأنه ليس لانفصالها معنى يؤثر يزيد في التطهير (٥). الدليل الثاني: لأن ما كان العدد معتبراً فيه لم يفرق الحال بين الصغير والكبير، كما لو رمى بحجر كبير فإنه لا يقوم مقام العدد (٦). ونوقش: أنه هناك فرق بينه وبين من رمى الجمار في الحج بحجر له ثلاثة أحرف فإنه لا يحسب له إلا حجر واحد لأن المقصود هناك عدد الرمي والمقصود هنا عدد المسحات (٧). الترجيح: الأظهر والله أعلم، هو القول الأول القائل يكفي الحجر الواحد إذا كان له ثلاث شعب لأن هذه الحجارة التي هي ذات ثلاث شعب بمقام ثلاثة أحجار فإنها تجزئه، لأن المقصود من الثلاثة أحجار المسح وقد حصل.

стр. 119

المسألة الخامسة: الاستجمار في الصفحتين (١) والحشفة (٢). المقصود بالمسألة: إذا جاوز البول موضع العادة فسال على الحشفة أو تجاوز الغائط مخرجه إلى الأليتين ونحوهما فهل يجزئ الاستجمار بالحجارة أو لابد حينئذٍ من الاستنجاء بالماء؟ اختيار القاضي: اختار ﵀، عدم إجزاء الاستجمار إذا جاوز الخارج من السبيلين موضع العادة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (والاستنجاء واجب بالماء أو بالأحجار إذا لم يتعد المخرج) (٣). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على جواز الاستجمار بالحجارة إذا لم يتجاوز الخارج نفس المخرج، واختلفوا في جواز ذلك إذا جاوز موضع العادة (٤).

стр. 120

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجزئ الاستجمار إذا تجاوز الخارج من السبيلين موضع العادة، فلا بد حينئذٍ من الاستنجاء بالماء. وبه قال: الحنفية (١)، المالكية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: يجزئ الاستجمار ولو تعدى الخارج موضع العادة فوصل إلى الصفحتين والحشفة. وبه قال: الشافعية (٤)، وهو وجه عند الحنابلة (٥)، اختاره ابن تيمية (٦).

стр. 121

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قول علي ﵁: (إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعراً وإنكم تثلطون ثلطاً (١) فأتبعوا الحجارة بالماء) (٢). وجه الدلالة: أنه قول صحابي نص على المنع من استعمال الحجارة وحدها فيما إذا خرج الخارج سائلاً لأنه حينئذٍ ينتشر عن السبيلين (٣). ونوقش: بأنه أثر ضعيف لا يثبت، كما أن النبي ﷺ أثبت الاقتصار على الأحجار رخصةً في حق عامّة الخلق، على عموم الأحوال، مع العلم باختلاف الخلق والأحوال، والظاهر الانتشار في غالب الأمر (٤). الدليل الثاني: أن الأصل إزالة النجاسة بالماء وإنما الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا تتكرر النجاسة فيه لا يجزئ فيه إلا الغسل كساقه وفخذه (٥). ونوقش: أن النبي ﷺ أمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمراً عاماً بأن تزال كل نجاسة بالماء (٦).

стр. 122

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) (١). وجه الدلالة: أن أسفل النعل محل تكرر ملاقاة النجاسة له، فهو بمنزلة السبيلين فلما كان إزالته عنها بالحجارة ثابتا بالسنة المتواترة، فكذلك ما جاوز المخرج إلى الصفحتين والحشفة (٢). الدليل الثاني: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان، زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها (٣). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل أن الاستجمار يجزئ ولو تجاوز الخارج موضع العادة، لقوة ما استدلوا به ولمناقشة أدلة القول الأول.

стр. 123

المسألة السادسة: حكم الاستجمار لو انسد المخرج وانفتح غيره . المقصود بالمسألة: إذا انسد المخرج المعتاد للحدث، وانفتح مخرج آخر وصار معتادا بالنسبة إلى ذلك الشخص المعين هل يلحق بالجسد، فلا يجزئ فيه إلا الماء، أو أنه أصبح معتادا بالنسبة له، فيكفي فيه الاستجمار؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن الاستجمار والحالة هذه يجزئ وهو وجه عند الحنابلة، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (لو انسد المخرج وانفتح غيره لم يجز فيه الاستجمار على الصحيح من المذهب ... وفيه وجه آخر: يجزئ الاستجمار فيه، اختاره القاضي) (١). سبب الخلاف: هل المخرج الجديد، يلحق بسائر الجسد فيأخذ حكمه فلا يجزئ فيه إلا الماء، أو يلحق بالمخرج المعتاد فيأخذ حكمه بإجزاء الحجارة فيه؟

стр. 124

الأقوال في المسألة: القول الأول: أنه يجزئ الاستجمار. وهو مذهب المالكية (١)، وقول عند الشافعية (٢)، ووجه عند الحنابلة (٣)، وهو اختيار القاضي كما تقدم. دليل هذا القول: أنه صار كالمخرج المعتاد، فيأخذ أحكامه (٤).

стр. 125

القول الثاني: أنه لا يجزئ فيه الاستجمار. وهو مذهب الحنابلة (١)، والأظهر عند الشافعية (٢). دليل هذا القول: ١/ لأنه نادر فلا يثبت له أحكام الأصلي، من انتقاض وضوء بلمس، ومن تعلق أحكام الوطء بالإيلاج فيه ونحو ذلك (٣). ٢/ أن الاقتصار على الحجر تخفيف على خلاف القياس ورد فيما يعم به البلوى فلا يلحق به غيره (٤). الترجيح: الذي يظهر رجحانه، والله أعلم هو القول الأول القائل أن الاستجمار بالحجارة، يجزئ إذا انسد المخرج وانفتح غيره، لأن النجاسة عين خبيثة متى زالت زال حكمها، فليست وصفا كالحدث لا يزال إلا بما جاء به الشرع، ولأن الحكم إذا ثبت بعلة زال بزوالها (٥).

стр. 126

المسألة السابعة: حكم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة . اختيار القاضي: اختار ﵀ تحريم استقبال القبلة واستدبارها عند التخلي في الفضاء دون البنيان موافقاً للمشهور من مذهب الحنابلة (١). قال ﵀: ( ... ونقل بكر بن محمد منع ذلك في الصحاري وجوازه في البنيان، وهو أصح، لأن النبي ﷺ استقبلها بمقعده قبل موته بعام) (٢). سبب الخلاف: تعارض الأحاديث والآثار في ذلك، فمن العلماء من سلك مسلك الترجيح، ومنهم من ذهب إلى الجمع بين الأحاديث، ومنهم من ذهب مذهب الرجوع إلى البراءة الأصلية عند التعارض، بناء على أن الشك يسقط الحكم ويرفعه، وأنه كَلَا حُكم (٣)، فلما تعارضت الآثار لم يجب العمل بشيء منها، كالبينتين المتعارضتين (٤).

стр. 127

الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال: القول الأول: تحريم ذلك مطلقاً. وبه قال: أبو أيوب الأنصاري (١) , والحنفية, (٢) وأحمد في رواية (٣). القول الثاني: جواز الاستقبال والاستدبار مطلقاً في البنيان دون الفضاء. وبه قال: المالكية (٤)، والشافعية (٥)، وأحمد (٦) -في الرواية المشهورة عنه وهي المعتمدة عند أصحابنا الحنابلة (٧).

стр. 128

القول الثالث: جواز الاستدبار مطلقاً- سواء كان في الفضاء أو في البنيان –دون الاستقبال. وبه قال: أبو حنيفة- في رواية (١) ,,وأحمد, في رواية (٢). القول الرابع: جواز ذلك مطلقاً. وبه قال: عروة بن الزبير (٣)، وداود الظاهري (٤) , وحكي رواية عن الإمام أحمد, ولكن ردها المرداوي في الإنصاف وتصحيح الفروع (٣). القول الخامس: جواز الاستدبار وحده في البيان دون الفضاء. وبه قال: الإمام أحمد في إحدى الروايات عنه (٥).

стр. 129

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: ما رواه سلمان الفارسي ﵁ قال: قيل له: "قد علمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل! لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول ... " (١). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ^: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ... ) (٢). الدليل الثالث: ما رواه أبو أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا) قال أبو أيوب: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله) (٣). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنها صريحة في تحريم استقبال القبلة واستدبارها، والأصل في النهي التحريم، وهو عام في الفضاء والبنيان، ومما يدل على عمومه انحراف أبي أيوب ﵁ عن القبلة، واستغفاره لربه من ذلك، مع كونه في البنيان، والراوي أعلم بما روى.

стр. 130

نوقشت هذه الأحاديث من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن أبا أيوب ﵁ شك في عموم النهي فاحتاط لنفسه بالاستغفار (١). الوجه الثاني: أن هذا مذهبه، ولم ينقله صريحاً عن النبي ﷺ وقد خالفه غيره من الصحابة (٢). الوجه الثالث: أن هذه الأحاديث عن النبي ﷺ محمولة على الصحاري دون البنيان، لأن في بعض ألفاظ حديث أبي أيوب الأنصاري المتقدم: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط) (٣) والذهاب إنما يطلق على التوجه إلى الصحاري، بخلاف الحمام في المنزل فإنه يقال: إذا دخل أحدكم الحمام ... ثم إن الغائط هو الموضع المستقل بين عاليين وهذا في الصحراء ليس في البينان (٤). الدليل الرابع: أنه إنما منع من ذلك لحرمة القبلة، وهذا موجود في البنيان كالصحراء (٥). الدليل الخامس: أنه لو كفى الحائل في الصحراء، فإن بيننا وبين الكعبة أودية وجبالاً وأبنية (٦). نوقش: بأن الشرع قد جاء بالتفريق بين قضاء الحاجة في البنيان وبين قضائها في الصحراء، فلا يلتفت إلى قياس أو معنى يخالفه (٧).

стр. 131

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: أنه القول التي تجتمع فيه الأدلة ولا تتعارض، وإذا أمكن الجمع تعين المصير إليه، وهو ممكن هنا بحمل أحاديث النهي على ما إذا كان ذلك في الفضاء، وحمل أحاديث الجواز على ما كان في البنيان (١)، ولهذا أخذوا بأدلة من قال بالجواز (٢)، وبأدلة من قال بالتحريم (٣)، فاجتمعت أدلة الأقوال كلها في هذا القول. الدليل الثاني: ما رواه مروان الأصفر (٤) قال: (رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أليس قد نهي عن هذا؟ قال: إنما نهي عن هذا في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) (٥). وجه الدلالة: أنه تفسير من الصحابي (ابن عمر) لنهي رسول الله ^ العام، وفيه جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه (٦). الدليل الثالث: أنه تلحقه مشقة في اجتناب القبلة في البناء دون الصحراء، ولم يجعل الله سبحانه علينا عسراً ولا حرجاً في ديننا، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها (٧).

стр. 132

أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: حديث سلمان المتقدم -وفيه-: (لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول) (١). الدليل الثاني: حديث معقل الأسدي ﵁ (٢) قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط) (٣). الدليل الثالث: حديث ابن عمر -المتقدم- -وفيه-: (أنه رأى النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) (٤). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنها نصوص صريحة تدل على إباحة الاستدبار فيبقى الاستقبال على ظاهر النهي في التحريم (٥). نوقش: بأن هذا مردود بحديث جابر وفيه: (أنه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، ثم رآه جابر بعد ذلك يبول مستقبل القبلة) (٦)، مما يدل على أن الرخصة وردت في الاستقبال أيضاً. الدليل الرابع: أن كل حكم تعلق بالقبلة اختص باستقبالها دون استدبارها كالصلاة (٧).

стр. 133

أدلة أصحاب القول الرابع: الدليل الأول: ما رواه جابر ﵁ (نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) (١). وجه الدلالة: أنه نص صريح على نسخ النهي عن ذلك، فإنه إذا جاز استقبال القبلة ببول جاز استدبارها من باب أولى (٢). نوقش: بأنه محمول على أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء، ولا يثبت النسخ بالاحتمال، بل يتعين حمله على ذلك لتتفق الأحاديث ولا تتعارض (٣)، والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا غير متعذر إذ يمكن الجمع بينهما بما ذكرنا (٤). الدليل الثاني: ما روته عائشة ﵂ قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ أن ناساً كانوا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله ﷺ : (أوقد (٥) فعلوها؟! حولّوا بمقعدتي (٦) إلى القبلة) (٧). الدليل الثالث: ما رواه ابن عمر ﵁ قال: (رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله ﷺ قاعداً على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس، مستدبراً الكعبة لقضاء حاجته) (٨). وجه الدلالة من الحديثين: أنهما ناسخان لأحاديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة. نوقش: بأنهما محمولان على البنيان فهما خاصان، والخاص يقدم على العام (٩) أو هما محمولان على ما قبل النهي، والنهي يرجح عليه، لأن النهي ناقل عن الأصل وهو الجواز، والناقل عن الأصل أولى، ثم إن حديث أبي أيوب قول، وحديث ابن عمر فعل، والفعل لا يعارض القول لاحتماله الخصوصية أو النسيان (١٠).

стр. 134

أدلة أصحاب القول الخامس: الدليل الأول: ما رواه ابن عمر ﵄ قال: (رقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله ﷺ قاعداً على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس، مستدبراً الكعبة لقضاء حاجته) (١). وجه الدلالة: إن هذا الفعل من النبي -^- ورد في الاستدبار في البينان فتخص هذه الحالة من عموم أحاديث النهي، ويبقى ما عداها على المنع. نوقش: بأنه في بعض ألفاظ هذا الحديث أنه رآه مستقبل القبلة فبطل التخصيص بالاستدبار (٢). الدليل الثاني: أن الاستدبار أهون من الاستقبال، لا سيما في البنيان حيث يجد ما يستره (٣).

стр. 135

الترجيح: لعل الراجح -والله أعلم- هو القول الثاني القائل بالتفريق بين الفضاء والبنيان فيحرم في الأول دون الثاني، لوجوه كثير من أهمها: ١ - أنه القول الذي تجتمع به الأدلة كلها، فتحمل أحاديث النهي على ما كان في الفضاء، وأحاديث الرخصة على ما كان في البنيان، وقد صرح بذلك ابن عمر في رواية مروان الأصفر، فاجتمعت جميع الأحاديث والآثار على هذا المعنى بلا تعارض ولا اختلاف، فوجب استعمال السنن كلها على وجوهها الممكنة دون ردّ شيء ثابت منها (١). ٢ - أن أدلة هذا القول قوية بخلاف القول بغيره فإن القول بالجواز مطلقاً معارض بأحاديث النهي، والقول بالنهي عن ذلك مطلقاً يرد عليه أحاديث الجواز والرخصة، والقول بقصر الرخصة على جواز الاستدبار يرد عليه ما ورد بإباحة الاستقبال أيضاً. ٣ - أنه لا يجوز القول بالنسخ مع إمكانية الجمع، فالعمل بالأدلة كلها أولى من إهدار بعضها (٢). ٤ - أن النهي عن ذلك عام في البنيان والفضاء، والرخصة خاصة بما إذا كان ذلك في البنيان، والخاص يقدم على العام (٣). ولهذا قال ابن عبد البر (٤): لما روى ابن عمر أنه رأى رسول الله -^- قاعداً لحاجته مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة، استحال أن يأتي ما نهى عنه ^ فعلمنا أن الحال التي استقبل فيها القبلة بالبول أو الغائط غير الحال التي نهى عنها، فأنزلنا النهي عن ذلك في الصحاري والرخصة في البيوت، لأن حديث ابن عمر في البيوت (٥).

стр. 136

الفصل الثاني اختياراته في أبواب السواك وسنن الوضوء، و فروض الوضوء وصفته، و مسح الخفين، ونواقض الوضوء . اختياراته في باب السواك وسنن الوضوء . وفيه خمس مسائل. المسألة الأولى: حكم السواك للنبي ﷺ . المسألة الثانية: حكم تسوك الصائم قبل الزوال بسواك رطب. المسألة الثالثة: حكم التسوك بإصبعه أو بخرقة. المسألة الرابعة: حكم التسمية في الوضوء. المسألة الخامسة: حكم أخذ ماء جديد للأذنين.

стр. 137

المسألة الأولى: حكم السواك للنبي ﷺ -. اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن السواك واجب في حقه ﷺ ، موافقاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال الزركشي ﵀: (والسواك سنة ... والحكم الذي حكم به الخرقي يشمل النبي ﷺ وهو اختيار ابن حامد، واختيار القاضي وابن عقيل الوجوب عليه، بخلاف أمته) (١). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على مشروعية السواك (٢)، واختلفوا في حكمه في حقه ﷺ على قولين: الأقوال في المسألة: القول الأول: أنه واجب. وهو مذهب المالكية (٣)، والصحيح عند الشافعية (٤)، والمذهب عند الحنابلة (٥). القول الثاني: أنه سنة. وهو وجه عند الحنابلة، اختاره ابن حامد ﵀ (٦).

стр. 138

أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر (١) (أن رسول ﷺ أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهراً أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه، أمر بالسواك لكل صلاة) (٢). الدليل الثاني: حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة علي فريضة وهي لكم سنة، الوتر والسواك وقيام الليل) (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث واثلة بن الأسقع (٤)، قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي) (٥). وجه الدلالة: وهذا معناه أنه حث عليه حتى كاد يصير مفروضا (٦). الدليل الثاني: أن الأصل مشاركة ﷺ لأمته في الأحكام (٧)، والسواك ليس واجباً عليهم، فهو كذلك غير واجب عليه ﷺ . الترجيح: الذي يظهر لي والله أعلم، أن القول الأول القائل بأن السواك في حقه ﷺ سنة، هو الراجح؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، ولأن النبي ﷺ مشارك لأمته في الأحكام، والله تعالى أعلم.

стр. 139

المسألة الثانية: حكم تسوك الصائم قبل الزوال بسواك رطب . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -كراهة السواك الرطب للصائم قبل الزوال مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. لما تكلم ابن مفلح (١) عن السواك للصائم قال: (ويكره للصائم بعد الزوال ... ، وعنه يكره قبله بعود رطب اختاره القاضي) (٢). تحرير محل النزاع: لا يرى الفقهاء بالاستياك بالعود اليابس أول النهار للصائم بأسا (٣)، واختلفوا في استياكه بالعود الرطب قبل الزوال على قولين:

стр. 140

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشرع للصائم السواك بالعود الرطب قبل الزوال. وبه قال: الحنفية (١)، والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: يكره للصائم السواك بالعود الرطب قبل الزوال. وبه قال: بعض الحنفية (٤)،وهو مذهب المالكية (٥)،ورواية عن الإمام أحمد (٦)، اختارها القاضي كما تقدم.

стр. 141

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث عامر بن ربيعة (١) ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد) (٢). وجه الدلالة: أنه نص يشعر بملازمة النبي ﷺ السواك وهو صائم ولم يخص رطباً من يابس (٣). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) (٤). وجه الدلالة: أنه يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال (٥). الدليل الثالث: القياس على المضمضة، فلو كان السواك يكره لكرهت المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب (٦).

стр. 142

أدلة أصحاب القول الثاني: استدل القائلون بمنع الصائم من السواك الرطب لأنه مغرر بصومه، لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه، فيفطره (١). ونوقش: أن النصوص المرغبة بالسواك مطلقة فلا يجوز تقييدها، بزمان دون آخر ولا بنوع دون غيره (٢). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز السواك الرطب للصائم قبل الزوال؛ وذلك لأن الأصل في السواك الندب، ولأن الأحاديث المرغبة في السواك كثيرة من غير تفصيل، ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح (٣).

стр. 143

المسألة الثالثة: حكم التسوك بإصبعه أو بخرقة . المقصود بالمسألة: هل من تسوك بإصبعه أو بخرقه يصيب السنة أولا بد من السواك بالعود لإصابة السنة؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن من تسوك بإصبعه أو بخرقة لا يصيب السنة موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (قوله فإن استاك بإصبعه أو بخرقة فهل يصيب السنة على وجهين ... أحدهما لا يصيب السنة بذلك وهو المذهب .. واختاره القاضي) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن الأصبع إن كانت لينة لم يحصل بها السواك (٢)، واختلفوا بالإصبع الخشنة والخرقة هل يحصل بهما فضيلة السواك أو لا؟

стр. 144

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: تحصل السنة بالتسوك بالأصبع الخشن والخرقة عند عدم السواك خاصة. وبه قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢)،والحنابلة في رواية (٣). القول الثاني: لا تحصل السنة بالتسوك بالأصبع مطلقاً، وتحصل السنة بالخرقة ولو مع وجود السواك. وهو مذهب الشافعية (٤)، ووجه عندهم يجزئ الأصبع اختاره النووي (٥)، وهو وجه عند الحنابلة اختاره ابن قدامة (٦). القول الثالث: لا تحصل السنة إلا بالتسوك بالعود فقط. وهو مذهب الحنابلة (٧).

стр. 145

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء؟ قال: (إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك) (١). الدليل الثاني: وعنه ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (الإصبع تجزي من السواك) (٢). وجه الدلالة: أنهما نصان في إجزاء الأصبع عن السواك. ونوقش: أنهما حديثان ضعيفان، وبمثلهما لا تقوم الحجة (٣) الدليل الثالث: ما ورد عن علي ﵁ أنه قال: الإبهام سواك (٤). الدليل الرابع: من التعليل قالوا: أن المراد بالسواك التنظيف فإذا حصل بغير السواك أصاب المقصود (٥).
следующие страницы →