الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: حديث عامر بن ربيعة (١) ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد) (٢).
وجه الدلالة:
أنه نص يشعر بملازمة النبي ﷺ السواك وهو صائم ولم يخص رطباً من يابس (٣).
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة) (٤).
وجه الدلالة:
أنه يقتضي إباحته في كل وقت وعلى كل حال (٥).
الدليل الثالث: القياس على المضمضة، فلو كان السواك يكره لكرهت المضمضة إذ هي أبلغ من السواك الرطب (٦).
стр. 142
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل القائلون بمنع الصائم من السواك الرطب لأنه مغرر بصومه، لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه، فيفطره (١).
ونوقش:
أن النصوص المرغبة بالسواك مطلقة فلا يجوز تقييدها، بزمان دون آخر ولا بنوع دون غيره (٢).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بجواز السواك الرطب للصائم قبل الزوال؛ وذلك لأن الأصل في السواك الندب، ولأن الأحاديث المرغبة في السواك كثيرة من غير تفصيل، ولم يجيء في منع الصائم منه حديث صحيح (٣).
стр. 143
المسألة الثالثة: حكم التسوك بإصبعه أو بخرقة .
المقصود بالمسألة: هل من تسوك بإصبعه أو بخرقه يصيب السنة أولا بد من السواك بالعود لإصابة السنة؟
اختيار القاضي:
اختار ﵀ -أن من تسوك بإصبعه أو بخرقة لا يصيب السنة موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي ﵀: (قوله فإن استاك بإصبعه أو بخرقة فهل يصيب السنة على وجهين ... أحدهما لا يصيب السنة بذلك وهو المذهب .. واختاره القاضي) (١).
تحرير محل النزاع:
اتفق الفقهاء على أن الأصبع إن كانت لينة لم يحصل بها السواك (٢)، واختلفوا بالإصبع الخشنة والخرقة هل يحصل بهما فضيلة السواك أو لا؟
стр. 144
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحصل السنة بالتسوك بالأصبع الخشن والخرقة عند عدم السواك خاصة.
وبه قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢)،والحنابلة في رواية (٣).
القول الثاني: لا تحصل السنة بالتسوك بالأصبع مطلقاً، وتحصل السنة بالخرقة ولو مع وجود السواك.
وهو مذهب الشافعية (٤)، ووجه عندهم يجزئ الأصبع اختاره النووي (٥)، وهو وجه عند الحنابلة اختاره ابن قدامة (٦).
القول الثالث: لا تحصل السنة إلا بالتسوك بالعود فقط.
وهو مذهب الحنابلة (٧).
стр. 145
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلاً من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء؟ قال: (إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك) (١).
الدليل الثاني: وعنه ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : (الإصبع تجزي من السواك) (٢).
وجه الدلالة:
أنهما نصان في إجزاء الأصبع عن السواك.
ونوقش:
أنهما حديثان ضعيفان، وبمثلهما لا تقوم الحجة (٣)
الدليل الثالث: ما ورد عن علي ﵁ أنه قال: الإبهام سواك (٤).
الدليل الرابع: من التعليل قالوا: أن المراد بالسواك التنظيف فإذا حصل بغير السواك أصاب المقصود (٥).
стр. 146
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل القائلون بأن الإصبع لا تجزيء لأنها لم يرد بها الشرع، ولأن الإصبع لا يسمى سواكاً ولا يحصل به الإنقاء حصوله بالعود، بخلاف الخرقة فإنه يحصل بها من التنظيف والإنقاء ما يحصل بالسواك (١).
أدلة أصحاب القول الثالث:
الدليل الأول: عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك للنبي ﷺ (٢).
وجه الدلالة:
أن التسوك بالعود هو الوارد عن النبي ﷺ .
ويناقش:
أن وروده لا ينفي استعمال غيره.
الدليل الثاني: أن التطهير المقصود من التسوك إنما يحصل بالعود لا بغيره، فإن استاك بأصبعه أو خرقة، لم يصب السنة؛ لأنها لم ترد به، ولا يسمى سواكاً (٣).
ويناقش:
أن المقصود من التسوك هو تطهير الفم، وهذا لا يختص بالعود فقط.
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل بحصول السنة بالأصبع والخرقة بقدر ما يحصل من الإنقاء، ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها (٤).
стр. 147
المسألة الرابعة: حكم التسمية في الوضوء .
اختيار القاضي:
اختار القاضي ﵀ -أن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة على الذاكر وتسقط سهواً، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي ﵀: (التسمية واجبة في أصح الروايتين، في طهارة الحدث كلها: الوضوء، والغسل، والتيمم اختارها ... القاضي) (١).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن التسمية عند ابتداء الوضوء سنة.
وبه قال: الحنفية (٢)،والمالكية وهي عندهم من الفضائل لا السنن (٣)،و الشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥).
القول الثاني أن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة على الذاكر دون الناسي.
وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٦)، وهو اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.
القول الثالث: أن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة لا تسقط بجهل أو نسيان.
وهو رواية عن الإمام أحمد (٧).
стр. 148
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية. (١)
الدليل الثاني: عن رفاعة بن رافع (٢)، أن رسول الله ﷺ : قال له: (توضأ كما أمرك الله) (٣) الحديث.
وجه الدلالة من الآية والحديث:
أن الوضوء الذي أمر الله به في الآية، والذي وجه النبي ﷺ رفاعة لأن يمتثله لم يرد فيه ذكر التسمية.
الدليل الثالث: من المعقول قالوا: إنها طهاة لا تفتقر إلى تسمية كالطهارة من النجاسة، أو هي عبادة لا تجب فيها التسمية كسائر العبادات (٤).
واستدلوا للاستحباب بأن التسمية مستحبة في جميع العبادات، وغيرها من الأفعال حتى عند الجماع، لذا عقد البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال: باب التسمية على كل حال وعند الوقاع.
واحتج بحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضي بينهما ولد لم يضره) (٥).
فإذا كان حال الوقوع أبعد حال من ذكر الله تعالى، ومع ذلك تسن التسمية فيه، ففي سائر الأحوال من باب أولى (٦).
نوقش:
بأنه جاء في حديث أبي هريرة الأمر بالتسمية كما سيأتي، والأمر للوجوب.
стр. 149
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأن التسمية عند ابتداء الوضوء واجبة بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) (١)
ونوقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه حديث ضعيف (٢).
الوجه الثاني: على فرض صحته أنه محمول على نفي الكمال دون الإجزاء (٣).
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدل أصحاب القول ا لثالث القائلين بأن التسمية واجبة عمداً وسهواً، بحديث أبي هريرة السابق، وقالوا: الحديث عام يشمل العمد والسهو.
ويناقش:
بعموم قوله تعالى: ﴿ ... رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية. (٤)
ولأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها فكان في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة (٥).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأن التسمية عند ابتداء الوضوء سنة، لقوة ما استدلوا به ولمناقشة أقوال المخالفين.
ثمرة الخلاف:
أن من قال إنها سنة فلا يؤثر تركها نسياناً أو عمداً على صحة الوضوء، ومن قال إنها واجبة مع الذكر قال: الوضوء غير صحيح بتركها عمداً، ومن قال: لا تسقط نسياناً ولا عمداً قال: ببطلان الوضوء بدونها.
стр. 150
المسألة الخامسة: أخذ ماء جديد للأذنين .
المقصود بذلك: إذا توضأ المسلم هل يمسح أذنيه بما فضل من ماء رأسه، أو يأخذ لهما ماءً جديداً؟
اختيار القاضي:
للقاضي أبي يعلى ﵀ -في هذه المسألة اختياران:
أحدهما: أنهما يمسحان بماء جديد، موافقاً في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي.
ونسب إليه هذا الاختيار الزركشي في شرحه (١).
والآخر: لا يستحب أخذ ماء جديد لهما، بل يمسحان بماء الرأس، مخالفاً للمشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في موضعه.
ونسب إليه هذا الاختيار ابن قاسم في حاشية الروض (٢).
ونسب إليه الاختيارين المذكورين: المرداوي ﵀، فقال: (قوله (وأخذ ماء جديد للأذنين) إن قلنا: هما من الرأس وهو المذهب فالصحيح: استحباب أخذ ماء جديد لهما، اختاره الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي في الجامع الصغير، ... وعنه لا يستحب، بل يمسحان بماء الرأس، اختاره القاضي في تعليقه) (٣).
وذكر أن الاختيار الأول للقاضي في كتابه الجامع، والاختيار الثاني هو للقاضي في كتاب التعليقة، وبالرجوع لكتاب القاضي الجامع الصغير نجده قال ﵀: (والأذنان من الرأس يجوز مسحهما بماء الرأس) (٤).
والذي يبدو والله أعلم أن مثل هذا النص لا يدل على أنه يختار مسحهما لأن قوله ﵀ (يجوز) يدل على مطلق المشروعية وهي تشمل المباح والمستحب، وأما كتاب التعليقة فالقسم الخاص بالطهارة مفقود؛ فيتعذر الرجوع إليه.
وعليه فيكون للقاضي في المسألة اختياران والله أعلم.
стр. 151
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على مشروعية مسح الأذنين (١)، وتنازعوا هل يمسحهما بالبلل المتبقي بعد مسح رأسه أو يأخذ لهما ماءً جديداً؟!
سبب الخلاف:
وأما اختلافهم في تجديد الماء لهما، فسببه تردد الأذنين بين أن يكونا عضواً مفرداً بذاته من أعضاء الوضوء، أو يكونا جزءً من الرأس (٢).
الأقوال في هذه المسألة:
اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: لا يستحب ذلك، وإنما يمسحان بالبلل المتبقي بعد مسح رأسه.
وبه قال: الحنيفة (٣)، وأحمد في الرواية الثانية عنه (٤)، اختارها ابن تيمية (٥)، وتلميذه ابن القيم (٦)، ومال إليه ابن المنذر (٧)، وهي أيضاً اختيار للقاضي كما مر.
القول الثاني: استحباب أخذ ماء جديد لهما.
وهو مروي عن ابن عمر (٨)، وبه قال: المالكية (٩)، والشافعية (١٠)، وأحمد (١١) في أشهر الروايتين عنه وهي المذهب عند أصحابه وهي إحدى اختيارات القاضي كما تقدم.
стр. 152
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: أن غالب من وصف وضوء الرسول ﷺ ذكر أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد (١).
كحديث ابن عباس ﵁ (أن رسول الله ﷺ توضأ ثم أخذ شيئاً من ماء فمسح به رأسه، قال بالوسطيين من أصابعه في باطن أذنه، والإبهامين من وراء أذنيه) (٢).
الدليل الثاني: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه ... )، وذكر الحديث إلى أن قال: (فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ... ) الحديث (٣).
وجه الدلالة:
أنه دليل على دخول الأذنين في مسمى الرأس بنص هذا الحديث (٤)، وإذا كانا من الرأس فإنهما يمسحان بمائه، ولا يؤخذ لهما ماء جديد.
стр. 153
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن زيد ﵁ "أنه رأى رسول الله ﷺ يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه" (١).
وجه الدلالة: أنه نص في أخذ ماء جديد للأذنين غير ماء الرأس.
نوقش: بأنه -على فرض صحته- فهو محمول على أنه لم يبق في يده بلل من ماء رأسه، فاضطر إلى أخذ ماء جديد لأذنيه (٢).
الدليل الثاني: ما رواه مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵁ (كان إذا توضأ يأخذ بأصبعيه لأذنيه) (٣).
وجه الدلالة: أنه نص في المسألة.
نوقش:
بأنه لم يرفعه إلى النبي ﷺ فهو موقوف على صحابي، ولا حجة في قول أحد مع رسول الله ﷺ ، وقد جاءت أحاديث تدل على أنه ﷺ مسح أذنيه بفضل ماء رأسه كما مر.
الترجيح:
الراجح هو القول الأول وأنه يمسح أذنيه بما فضل من ماء رأسه، فلا يستحب أن يؤخذ ماء جديد للأذنين، ولهذا قال ابن القيم: "ولم يثبت عنه ﷺ أنه أخذ للأذنين ماء جديداً وإنما صح ذلك عن ابن عمر" (٤) أ. هـ. وقال ابن المنذر: "وغير موجود في الأخبار الثابتة التي فيها صفة وضوء رسول الله ﷺ أخذه لأذنيه ماء جديداً" (٥).
стр. 154
اختياراته في باب فروض الوضوء وصفته .
وفيه تمهيد وتسع مسائل.
التمهيد: في تعريف الفرض، والوضوء، لغةً، وشرعاً.
المسألة الأولى: ترتيب المضمضة والاستنشاق في أعضاء الوضوء.
المسألة الثانية: حكم غسل داخل العينين في الوضوء.
المسألة الثالثة: حكم غسل النزعتين.
المسألة الرابعة: حكم استيعاب الرأس بالمسح.
المسألة الخامسة: حكم تعيين الناصية للمسح.
المسألة السادسة: حكم ارتفاع الحدث إذا نوى ما تسن له الطهارة.
المسألة السابعة: حكم طهارة من نوى بطهارته أحد الأحداث.
المسألة الثامنة: حكم غسل الأقطع من المرفقين.
المسألة التاسعة: حكم تنشيف الأعضاء من ماء الوضوء.
стр. 155
التمهيد: في تعريف الفرض، والوضوء، لغةً، وشرعاً .
الفرض لغةً: يطلق على عدة معان منها:
أولاً: الحز في الشيء (١)، ومنه فرض القوس وهو الحز الذي في طرفه حيث يوضع الوتر (٢).
ثانياً: القطع (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية. (٤)، ومثله فرض الجند فهو ما يقطع لهم (٥).
ثالثاً: التقدير (٦)،ومنه أخذ فرض النفقات وهو بيان مقدارها (٧)،ومنه قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ الآية. (٨)
وشرعاً: ما أثيب فاعله وعوقب تاركه (٩).
تعريف الوضوء، لغةً، وشرعاً.
الوضوء لغةً: من الوضاءة، وهي الحسن، والنظافة، والوَضُوء بالفتح الماء الذي يتوضأبه، وهو أيضاً مصدر، وبالضم الفعل (١٠).
وشرعاً: اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفه إلى عدة تعريفات
فعند الحنفية: إيصال الماء إلى الأعضاء الأربعة غسلاً، ومسحاً (١١).
وعند المالكية: قربة فعلية، ذات غسل بوجه، ويد، ورجل، ومسح رأس (١٢).
وعند الشافعية: استعمال الماء في أعضاء مخصوصة (١٣).
وعند الحنابلة: استعمال ماء طهور، في الأعضاء الأربعة، على صفة مخصوصة (١٤).
ولعل التعريف المختار القول بأن الوضوء هو: التعبد لله باستعمال ماء طهور لغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، على صفة مخصوصة.
وسبب ترجيحه، لاشتماله على التنصيص على النية، ولذكره صفة الماء الذي يتوضأ به وأعضاء الوضوء المغسولة والممسوحة، وصفة الوضوء.
стр. 156
وفيما يلي شرح التعريف:
قوله: التعبد لله: للتنبيه على النية.
وقوله: استعمال ماء: أي غسل ما يغسل، ومسح ما يمسح من الأعضاء به.
وقوله: طهور أي: طاهر في نفسه، مطهر لغيره.
وقوله: في الأعضاء الثلاثة: وهي الوجه، واليدان، والرجلان.
وقوله: على صفة مخصوصة: أي صفة الوضوء التي ورد الشرع بها.
стр. 157
المسألة الأولى: ترتيب المضمضة والاستنشاق في أعضاء الوضوء .
المقصود بالمسألة: من نسي المضمضة والاستنشاق وتذكرهما بعد فوت محلهما هل يجب عليه أن يأتي بهما وبما بعدهما مراعاة للترتيب أم يكتفي بالإتيان بهما دون ترتيب ما بعدهما؟
اختيار القاضي:
اختار ﵀ -وجوب الترتيب فيهما، فمتى ذكرهما يأتي بهما وبما بعدهما مراعاةً للترتيب، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
فقال ﵀: (واختلفت في وجوب الترتيب فيهما، وأنهما إذا تركهما حتى فرغ من الوضوء هل يعيد الوضوء أو يعيد غسلهما؟ فنقل أبو طالب وإسحاق بن إبراهيم وجوب الترتيب وإعادة الوضوء ... ونقل أبو داود وإبراهيم بن الحارث سقوط الترتيب، ويعيد غسلهما، ... والأولى أصح) (١).
الأقوال في المسألة:
هذه المسألة إنما يأتي تصورها عند من يوجب المضمضة والاستنشاق لا غيرهم، وهم الحنابلة ﵏، لذا فهي من المفردات كما نص على ذلك المرداوي ﵀ (٢)، وعليه فالخلاف فيها في دائرة المذهب فقط (٣).
واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في هذه المسألة على روايتين:
الرواية الأولى: وجوب ترتيبهما، ومن تركهما يجب عليه أن يأتي بهما وبما بعدهما (٤).
وهي الرواية المعتمدة في المذهب (٥)، واختارها القاضي أبو يعلى كما تقدم.
الرواية الثانية: لا يجب الترتيب فيهما، ويعيد غسلهما فقط (٦).
واختار هذه الرواية المجد ابن تيمية (٧).
стр. 158
الأدلة:
أدلة الأصحاب في الرواية الأولى:
الدليل الأول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية (١)
وجه الدلالة:
أن الآية رتبت أعضاء الوضوء والآية سيقت لبيان الوضوء الواجب لا المسنون، فيجب الترتيب بين الوجه وسائر الأعضاء والفم والأنف منه، فيجب غسلهما مع الوجه لا بعده (٢).
الدليل الثاني: القياس، فقاسوا وجوب ترتيب سائر أعضاء الوضوء على وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وسائر الأعضاء، كما لو ترك موضعاً من ظاهر الوجه، حتى فرغ يعيد تلك الطهارة، فكذلك المضمضة والاستنشاق (٣).
ونوقش:
أن وجوب الترتيب في الوضوء غير مسلّم به لأن الواو في الآية لا تقتضي الترتيب.
وأجيب عنه:
كون الواو لا تقتضي الترتيب صحيح، لكن ذلك عند عدم القرائن الدالة على إرادة الترتيب، والقرائن الدالة عليه كثيرة، وهي المواظبة من النبي ﷺ وصحبه ﵃ (٤).
стр. 159
أدلة الأصحاب في الرواية الثانية:
الدليل الأول: عن المقدام (١) بن معد يكرب قال: (أتي رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ، فغسل كفيه ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا ثلاثا، ثم تمضمض واستنشق ثلاثا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) (٢).
ونوقش:
أن جميع من نقل وضوء النبي ﷺ أخبروا أنه بدأ بهما، وهذا الحديث حكى فعلاً واحداً، فلا يمكن الجزم بأنه كان متعمدا، وحينئذ فليس في تأخيرهما عمداً سنة، بل ذلك سنة في النسيان (٣).
الدليل الثاني: أن وجوبهما بالسنة والترتيب إنما وجب بدلالة القرآن معتضداً بالسنة ولم يوجد ذلك فيهما (٤).
ونوقش:
أن هذا فرقاً ضعيفاً، فإن الأنف والفم لو لم يكونا من الوجه لما وجب غسلهما (٥).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بوجوب ترتيبهما بين سائر أعضاء الوضوء، لقوة أدلتهم ومناقشة أدلة القول الثاني.
стр. 160
المسألة الثانية: حكم غسل داخل العينين في الوضوء .
المقصود بالمسألة:
إذا توضأ المسلم هل يشرع له غسل داخل عينيه، باعتباره من الوجه أو لا يجب عليه ذلك؟
اختيار القاضي:
اختار القاضي ﵀، أنه لا يسن غسل داخل العينين في الوضوء، موافقاً للمشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي: (ظاهر كلام المصنف وجوب غسل داخل العينين ... والصحيح من المذهب ... أنه لا يجب غسل داخلهما مطلقا ... اختاره القاضي) (١).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
أن غسل داخل العينين ليس بشرط، ولا واجب، ولا مسنون، ولا يستحب فعله في الوضوء.
وبه قال: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والصحيح من مذهب الشافعي (٤)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة. (٥).
القول الثاني: أن غسل داخل العينين سنة من سنن الوضوء.
وهو قول لبعض الشافعية (٦)، وبعض أصحاب الإمام أحمد (٧).
القول الثالث: وجوب غسل داخل العينين في الوضوء بشرط أمن الضرر.
وهي رواية عن الإمام أحمد (٨).
стр. 161
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: أن النبي ﷺ لم يفعله ولا أمر به (١).
الدليل الثاني: لأن داخل العين شحم، يضره الماء الحار والبارد، وما فيه ضرر لا يؤمر به (٢).
الدليل الثالث: أن داخل العين ليس بوجه، لأنه لا يواجه إليه (٣).
واستدل القائلون بسنية أوجوب غسلهما بما يلي:
استدل القائلون بسنية غسل داخل العينين أو وجوبه، بفعل ابن عمر ﵁ (أنه كان إذا اغتسل من الجنابة أفرغ على يده اليمنى فغسلها، ثم غسل فرجه، و مضمض، واستنشق، وغسل وجهه، ونضح في عينيه) (٤).
والجواب عنه:
بما سبق من أدلة القول الأول، بالإضافة، أنه لم يوافق ابن عمر ﵁ على ذلك أحد من الصحابة (٥)، وما ذكر عنه ﵁ دليل على كراهته، لأنه ذهب ببصره، وفعل مثل هذا مع عدم ورود الشرع به، إن لم يكن حراماً، فلا أقل من أن يكون مكروهاً (٦).
الترجيح:
الراجح والله أعلم، هو القول الأول القائل بعدم وجوب غسل داخل العينين في الوضوء ولا استحبابه، لقوة ما استدلوا به، ولمناقشة الأقوال الأخرى، ولأن الصحابة الذين عاشوا مع النبي ﷺ ونقلوا وضوءه لم يقل أحد منهم أنه ﷺ غسل داخل عينيه.
стр. 162
المسألة الثالثة: حكم غسل النزعتين (١).
المقصود بالمسألة: هل النزعتان من الوجه فتغسلان أو من الرأس فتمسحان؟
اختيار القاضي:
اختار القاضي ﵀ -أن النزعتين من الوجه، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال.
قال المرداوي ﵀: (ولا تدخل النزعتان في الوجه، بل هما من الرأس على الصحيح من المذهب، ... وقيل: هما من الوجه، اختاره القاضي) (٢).
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن النزعتين من الرأس.
وبه قال: الحنفية (٣)،والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦).
القول الثاني: أنهما من الوجه.
وهو قول لبعض الشافعية (٧)، وبعض الحنابلة (٨)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.
стр. 163
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: أن العرب مجمعة على أن النزعة من الرأس (١).
الدليل الثاني: لأنهما في سمت الناصية، وفي حد تدوير الرأس (٢).
الدليل الثالث: لأن الله تعالى فرق بين الرأس والوجه بنبات الشعر في الرأس وعدم نباته في الوجه (٣).
стр. 164
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: قالوا: النزعتان من الوجه لذهاب الشعر عنهما واتصالهما بالوجه (١).
ونوقش:
أن النزعتين من الرأس لدخولهما في حد الرأس وليس ذهاب الشعر عنهما بمخرج لهما من حكم الرأس، كما أن الأجلح والأجله الذي قد ذهب الشعر من مقدم رأسه كله، والأجلح الذي قد ذهب شعر ناصيته كله لا يخرج ذلك عن حكم الرأس وإن ذهب شعره فكذلك الأنزع (٢).
الدليل الثاني: استشهدوا بقول الشاعر
(ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم (٣) القفا والوجه ليس بأنزعا) (٤).
فأضاف النزعة إلى الوجه فعلم أنها منه.
ونوقش:
بأنه قال والوجهِ بالخفض عطف على القفا فكأنه قال أغم القفا وأغم الوجه فدل على أن الغمم من الوجه ثم قال ليس بأنزعا على معنى الابتداء (٥).
الترجيح:
الراجح والله أعلم القول الأول القائل أن النزعتين من الرأس لا من الوجه، لوضوح أدلته ومناقشة أدلة القول الآخر.
стр. 165
المسألة الرابعة: حكم استيعاب الرأس بالمسح .
اختيار القاضي:
اختار ﵀ -أنه يجب مسح جميع الرأس موافقاً المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
فقال ﵀: (مسألة: واختلفت في مسح جميع الرأس، فنقل حرب وجوب مسح جميعه، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (١).
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه (٢).
سبب الخلاف:
سببه هو اختلافهم في الباء المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) (٣) الآية هل هي للإلصاق أو للتبعيض؟ فمن قال: إنها للتبعيض أوجب مسح بعض الرأس لا كله، ومن قال: إنها للإلصاق أوجب مسحه كله (٤).
стр. 166
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في ذلك إلى قولين في الأصل:
القول الأول: أنه لا يجب مسح الرأس كله، بل يجزئ مسح بعضه (١).
وهذا قول الحنيفة (٢) والشافعية (٣) ورواية عند أحمد (٤) وقول لبعض أصحاب مالك (٥)،وهو قول داود الظاهري (٦).
القول الثاني: أنه يجب مسح جميع الرأس.
وبهذا قال المالكية (٧) والحنابلة (٨).
стр. 167
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) الآية.
وجه الاستدلال عندهم في هذه الآية:
قالوا: أن الله قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والباء هنا للتبعيض وليست للإلصاق.
وقالوا: إذا دخلت الباء على مفعول يتعدى بنفسه كانت للتبعيض كقوله تعالى:
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ وإن لم يتعد فللإلصاق، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) فيكون معنى الآية: "وامسحوا ببعض رؤوسكم" (٣).
وأجيب عن ذلك:
بأن قولهم أن الباء للتبعيض غير صحيح ولا يعرف أهل العربية ذلك، قال ابن قدامة: قال ابن برهان (٤): "من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء أهل اللغة بما لا يعرفونه" (٥). أ. هـ.
الدليل الثاني: عن المغيرة بن شعبة (٦): (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح بناصيته (٧)، وعلى العمامة وعلى خفيه) (٨).
وجه الاستدلال من هذا الحديث:
قالوا: إن الرسول ﷺ مسح على ناصيته، والناصية: مقدمة الرأس، فهذا دليل على أن مسح بعض الرأس يجزئ ولو كان مسح جميع الرأس واجباً لفعله النبي ﷺ .
وأجيب عن ذلك:
بأن هذا ورد مع العمامة، فالرسول ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة فلا يتم الاستدلال بالحديث على محل النزاع؛ لأن النزاع في مسح بعض الرأس مكشوفاً، ولو جاز الاقتصار على الناصية لما مسح على العمامة (٩)، فدل هذا على أن هذا الحديث ليس فيه حجة لهم فيما ذهبوا إليه.
стр. 168
الدليل الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وعليه عمامة قطرية (١)، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة) (٢).
ويجاب عن الاستدلال بهذا الحديث بأمرين:
أولاً: بأن هذا الحديث ضعيف (٣).
ثانياً: لو صح فإنه يحمل على أن النبي ﷺ مسح على مقدمة رأسه لوجود العمامة عليه، ومعروف أن العمامة يمسح عليها فاكتفي عن بقية الرأس بالمسح على العمامة، وإن لم يكن في هذا الحديث تصريح بالمسح على العمامة إلا أنه يحمل على الأحاديث التي رواها المغيرة بن شعبة والتي فيها التصريح بالمسح على العمامة وهي أصح من هذا الحديث.
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٤) الآية.
وجه الاستشهاد من هذه الآية: قالوا: إن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ للإلصاق وليست للتبعيض، فكأنه قال: "وامسحوا رؤوسكم" (٥) فمن مسح بعض رأسه لم يصدق عليه أنه مسح رأسه (٦)، فالباء هنا للإلصاق كما في آية التيمم وهي قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٧).
وجه الاستشهاد من هذه الآية:
قالوا: إن الإجماع منعقد على أنه لا يجوز الطواف ببعض البيت، فكذلك الرأس لا يجزئ مسح بعضه (٨).
стр. 169
الدليل الثالث: من السنَّة ما ثبت عن عبد الله بن زيد أن رجلاً (١) قال له: أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم ... فذكر الحديث إلى أن قال: "ثم مسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ثم غسل رجليه" (٢).
فقالوا: هذا دليل على أنه ﷺ كان يعمم المسح على رأسه كله؛ لأن عبد الله بن زيد قال في آخر الحديث: (هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ ).
الترجيح:
بعد عرض قولي العلماء في هذه المسالة وأدلتهم في ذلك يتبيَّن عندي -والله أعلم- أن القول الراجح في هذه المسألة: القول الثاني القائل بأنه يجب مسح جميع الرأس، ولا يجزئ مسح بعضه للأسباب الآتية:
أولاً: قوة أدلتهم وضعف أدلة المخالفين، "فالباء" في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الراجح أنها ليست للتبعيض، فهي إما أن تكون زائدة مؤكدة ليست للتبعيض، والمعنى "امسحوا رؤوسكم، أو تكون للإلصاق (٣)
ثانياً: إن في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري ما يدفع هذا الإشكال فهو ﵁ وصف وضوء النبي ﷺ الذي جاء فيه: " ... ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه؛ ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه ... " الحديث، خصوصاً وأنه ورد عند مسلم: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ ، فهذا الحديث ثابت صحيح يدل على أنه ﷺ مسح على جميع رأسه، فهذا هو المجزئ دون غيره إذا عرفنا أن الأحاديث التي استدل بها المخالف على جواز مسح بعض الرأس إما أنها لا تدل على محل النزاع أو أنها ضعيفة لا تقارن بهذا الحديث.
ثالثاً: إن مسح جميع الرأس فيه خروج من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب، وقد نص بعض أهل العلم على أن استيعاب الرأس بالمسح أحد فروع هذه القاعدة (٤).
стр. 170
المسألة الخامسة: حكم تعيين الناصية (١) للمسح .
المقصود بالمسألة:
إذا قلنا بجواز مسح بعض الرأس، فهل أي موضعٍ من رأسه مسح أجزأه أو يجب عليه مسح الناصية؟
اختيار القاضي:
سبق وأن بينا في اختيار سابق، أن القاضي اختار وجوب مسح جميع الرأس، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وإنما هنا القاضي يوجب على من يقول يجزئ مسح البعض أنه يجب عليه مسح الناصية لأنه هو الوارد في لفظ الحديث كما سيأتي، وهو باختياره هذا ﵀ -يوافق وجهاً عند الحنابلة (٢).
نقل المرداوي الخلاف في مسح الرأس ثم قال: ( ... يحتمل أن تتعين الناصية للمسح، واختاره القاضي) (٣).
الأقوال في المسألة:
اختلف أهل العلم في وجوب تعيين الناصية للمسح على قولين:
القول الأول: يجزئ مسح بعض الرأس مطلقاً ولا يجب تعيين الناصية في المسح.
وهو مذهب الحنفية (٤)، والشافعية (٥).
القول الثاني: يجب مسح الناصية، ولا يجزئ غيرها.
وهي رواية عن أبي حنيفة (٦)،و قول لبعض المالكية (٧)، ووجه عند الحنابلة اختاره القاضي كما تقدم.
стр. 171
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الآية. (١)
وجه الدلالة:
أن الرأس هو ما اشتمل عليه منابت الشعر المعتاد، والآية موجبة لمسح البعض من غير تحديد (٢).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: حديث المغيرة ﵁ (أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح بناصيته، وعلى العمامة وعلى خفيه) (٣).
وجه الدلالة:
قالوا: إن الناصية متعينة للنص عليها في الحديث (٤).
الدليل الثاني: عن سلمة بن الأكوع (٥)، (أنه كان يمسح مقدم رأسه) (٦).
وأجيب عنه:
أن المسح اسم جنس يصدق بالبعض والكل، ومسح الناصية فرد من أفراده، وذكر فرد من أفراد العام بحكم العام لا يخصصه (٧).
الترجيح:
على القول الراجح السابق في مسألة حكم استيعاب الرأس بالمسح، وأن الواجب هو تعميم الرأس بالمسح فإن هذه المسألة غير واردة، لكن من ذهب إلى أن مسح بعض الرأس يجزئ فالأولى له أن يمسح الناصية عملاً بالحديث وهو ما فضله أيضاً فقهاء الشافعية القائلين بإجزاء مسح بعض الرأس (٨).
стр. 172
المسألة السادسة: حكم ارتفاع الحدث إذا نوى ما تسن له الطهارة .
المقصود بالمسألة:
إذا نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة وتشرع، ولا تشترط كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم ونحوه، فهل يرتفع حدثه عندئذٍ أولا؟
اختيار القاضي:
اختار ﵀ -أن الحدث لا يرتفع إذا نوى ما تسن له الطهارة، مخالفاً في اختيارهً المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي.
قال المرداوي ﵀: (قوله «فإن نوى ما تسن له الطهارة، أو التجديد، فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين» ... الثانية: لا يرتفع، اختاره ابن حامد، والقاضي) (١).
الأقوال في المسألة:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الحدث لا يرتفع إذا نوى ما تسن له الطهارة.
وهو مذهب المالكية (٢) والأصح عند الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم.
القول الثاني: أن الحدث يرتفع.
وهي رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب عند الحنابلة (٥)، وقول عند المالكية (٦)، ووجه عند الشافعية (٧).
стр. 173
أدلة أصحاب القول الأول:
١/القياس على من نوى التبرد (١).
ويناقش:
بأن التبرد لا يقصد به التعبد، بخلاف الوضوء لما تسن له الطهارة.
٢/ أن هذه الأفعال مباحة مع الحدث فلا يتضمن قصدها قصد رفع الحدث، كما يتضمنه القصد إلى ما تجب له الطهارة (٢).
ونوقش:
أنه نوى أن يكون على أكمل الحالات فنيته مستلزمة لرفع الحدث عنه (٣).
أدلة أصحاب القول الثاني:
أنه نوى طهارة شرعية فصحت منه، كما لو نوى بها ما لا يباح إلا بالطهارة (٤).
الترجيح:
الراجح والله أعلم، القول ا لثاني القائل بأنه يرتفع حدثه إذا نوى ما تسن له الطهارة، لأنه إذا نوى الطهارة لما تسن له فمعنى ذلك أنه نوى رفع الحدث (٥).
стр. 174
المسألة السابعة: حكم طهارة من نوى بطهارته أحد الأحداث .
المقصود بالمسألة:
إذا أحدث (١) شخص أحداثاً متفرقة، كالبول والغائط والنوم ونحوها، فتوضأ ناوياً رفع أحدها فهل يرتفع سائرها؟
اختيار القاضي:
اختار ﵀، أن من نوى بطهارته أحد الأحداث ارتفعت جميعها، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وإذا اجتمعت عليه أحداث كبرى ... أو صغرى مثل أن ينام ويخرج منه نجاسات، ويمس النساء، فنوى بطهارته عن جميعها - أجزأه، وإن نوى بطهارته عن إحداها ارتفعت جميعها عند القاضي) (٢)
تحرير محل النزاع:
لا خلاف بين العلماء فيمن أحدث أحداثاً متفقة أو متفرقة فنوى بطهارته جميعها بأنه يكفيه وضوء واحد وترتفع كلها، ووقع الخلاف فيما إذا نوى بطهارته أحدها هل يرتفع سائرها أو لا يرتفع إلا ما نواه (٣)؟
стр. 175
الأقوال في المسألة:
اختلف أهل العلم في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال.
القول الأول: يرتفع الجميع، لكن إن نوى ألا يرتفع غيره فلا يصح وضوؤه.
وبه قال المالكية (١)، ووجه عند الشافعية (٢).
القول الثاني: إذا نوى رفع الحدث عن واحد ارتفع عن الجميع، سواء نوى رفع حدث ونفى رفع غيره، أو لم يتعرض لنفي غيره.
وهو الصحيح من مذهب الشافعية (٣).
القول الثالث: يرتفع الجميع بوضوءٍ واحد، لكن إن نوى ألا يرتفع غيره فلا يرتفع إلا ما نواه.
وهذا القول هو المشهور عند الحنابلة (٤).
стр. 176
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدلوا بدليل عقلي فقالوا: إن الأحداث إذا كان موجبها واحداً واجتمعت تداخل حكمها، وناب موجب أحدها عن الآخر، لكن إن نوى أحدها وأخرج غيرها، فلا يصح وضوؤه، لأنه لما شرط في نيته بقاء أحد الحدثين، كان ذلك قادحاً ففسدت النية (١).
نوقش:
بأن وضوءه صحيح وحدثه مرتفع، لأنه لما نوى رفع أحد الحدثين، كان ذلك أقوى حكماً، فبطل الشرط وهو ألا يرتفع غيره (٢).
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدل القائلون بأنه إذا نوى رفع الحدث عن واحد ارتفع عن الجميع بتعليل عقلي فقالوا: إن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع (٣).
ونوقش:
بأن هذا التعليل يمكن يناقش بالمثل، بأن يقال بأن الحدث لا يتجزأ، فإذا بقي بعضه بقي كله (٤).
وأجيب عن المناقشة:
بأن الأسباب التي هي الأحداث لا ترتفع، وإنما يرتفع حكمها الذي هو المنع من الصلاة ونحوها، وهو واحد تعددت أسبابه، ولا يجب على المتوضئ التعرض لها في نيته فيلغو ذكرها، فذكرها وعدمه سواء، لأن المراد رفع الحكم لا نفس الحدث (٥).
стр. 177
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدل القائلون بأنه يرتفع الجميع بوضوءٍ واحد، لكن إن نوى ألا يرتفع غيره فلا يرتفع إلا ما نواه.
الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (١).
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ بين أن ليس للمرء إلا ما نواه فقط، فإذا كان عليه أحداث متنوعة ونوى أحدها بالوضوء، فلا يرتفع إلا الذي نواه، لأنه لم ينوه أشبه إذا لم ينو شيئاً (٢).
ونوقش:
بأن من نوى رفع أحد الأحداث ارتفع جميعها تبعاً لتداخلها، ذلك لأن الحدث وصف واحد لا يتجزأ، فيدخل في ذلك كل حدث.
الدليل الثاني: استدلوا بالقياس، فقالوا: لو تطهر ولم ينو شيئاً فلا يرتفع حدثه فكذا هنا لا يرتفع إلا ما نواه فقط دون غيره لأنه لم ينوه (٣).
ونوقش:
بأنه قياس مع الفارق، لأنه إذا لم ينو شيئاً لم يرتفع حدثه، لأن النية شرط في الطهارة، بخلاف الصورة هنا، فالنية موجودة، لكنه نوى أحد الأحداث فيرتفع الباقي بالتداخل لأن الحدث وصف كما تقدم.
الترجيح:
بالنظر في الأقوال وأدلتها، يظهر لي والله أعلم رجحان القول الثالث القاضي بارتفاع الحدث عن الجميع مطلقاً، لكن إن نوى ألا يرتفع إلا هذا الحدث فلا يرتفع إلا ما نواه، لقوة تأثير النية في العمل ولصراحة قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (٤) والله أعلم.
стр. 178
المسألة الثامنة: حكم غسل الأقطع من المرفقين .
اختيار القاضي:
اختار ﵀، أن من قطع من المرفقين، سقط عنه الواجب ولا يجب عليه غسل طرف العضد مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي.
قال المرداوي ﵀: (فإن كان القطع من المرفقين سقط غسل اليدين واختاره القاضي) (١).
تحرير محل النزاع:
أجمع أهل العلم على أن من بقي من محل فرضه شيء وجب عليه غسله، كما أجمعوا على أن من قطع من فوق محل الفرض فلا يجب عليه الغسل بلا نزاع (٢)، واختلفوا فيمن قطع من المفصل كمن قطع من المر فق هل يجب عليه غسل رأس العضد أم لا يجب؟ على قولين كما سيأتي.
سبب الخلاف:
هو اختلافهم في اسم المرفق هل يتناول العظمين المتداخلين جميعاً، أم يتناول طرفَ عظم الساعد فحسب ولكن مستقره طرف عظم العضد؟ فمن قال: إنه مجتمع العظمين عظم الساعد، وعظم العضد، أوجب غسل عظم العضد، ومن قال: المرفق عظم الساعد قال: لا يجب غسل عظم العضد، وكذلك اختلافهم في العضد هل يغسل تبعًا، أو قصدًا؟ فمن قال: إن العضد يغسل قصداً، أوجب غسله، ومن قال: يجب غسله تبعاً لم يوجب غسله إذا قطع المرفق من المفصل (٣).
стр. 179
الأقوال في المسألة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجب غسل رأس العضد.
وبه قال: الحنفية (١)،والشافعية (٢)، والحنابلة (٣).
القول الثاني: لا يجب عليه غسل العضد.
وبه قال: المالكية (٤)، وهو قول عند الشافعية (٥).، وقول عند الحنابلة (٦)، اختاره القاضي كما تقدم.
стр. 180
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
الدليل الأول: (أن أبا هريرة توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد .. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) (١).
ونوقش:
أنه زاد الماء على مرفقيه لضرورة استيعاب المرفقين كما يمسك الصائم جزءً من الليل، فصار ذلك من توابع المرفقين فإذا زال المرفقان سقط حكم توابعهما (٢).
الدليل الثاني: لأن رأس العضد مع المرفق في موازنة واحدة، فإذا قطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد، لأن غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر (٣).
ونوقش:
بأن الواجب هو غسل المرفق، وبعدم التسليم بأن العضد منه، وإنما يغسل لأنه تابع لا قصداً (٤).
أدلة أصحاب القول الثاني:
الدليل الأول: بأن المرفقين في الذراعين وقد أتى عليهما القطع (٥).
الدليل الثاني: لأن الغرض بغَسل المرفق ما فيه من عظم الساعد، وهو المقصود بالغَسل، ولكن لا يتأتى غسلُ ما يحاذيه من البَشرة إلا بغسل جميع المرفق، فإذا سقط عَظمُ الساعد، فقد سقَط المقصود، فسقط التابع (٦).
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل بعدم وجوب غسل العضد لمقطوع المرفق من المفصل، لقوة أدلتهم ومناقشة القول الأول، و لأن العضد ليس من المرفق وإنما يغسل تبعاً.