← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بدليل عقلي فقالوا: إن الأحداث إذا كان موجبها واحداً واجتمعت تداخل حكمها، وناب موجب أحدها عن الآخر، لكن إن نوى أحدها وأخرج غيرها، فلا يصح وضوؤه، لأنه لما شرط في نيته بقاء أحد الحدثين، كان ذلك قادحاً ففسدت النية (١). نوقش: بأن وضوءه صحيح وحدثه مرتفع، لأنه لما نوى رفع أحد الحدثين، كان ذلك أقوى حكماً، فبطل الشرط وهو ألا يرتفع غيره (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: استدل القائلون بأنه إذا نوى رفع الحدث عن واحد ارتفع عن الجميع بتعليل عقلي فقالوا: إن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع (٣). ونوقش: بأن هذا التعليل يمكن يناقش بالمثل، بأن يقال بأن الحدث لا يتجزأ، فإذا بقي بعضه بقي كله (٤). وأجيب عن المناقشة: بأن الأسباب التي هي الأحداث لا ترتفع، وإنما يرتفع حكمها الذي هو المنع من الصلاة ونحوها، وهو واحد تعددت أسبابه، ولا يجب على المتوضئ التعرض لها في نيته فيلغو ذكرها، فذكرها وعدمه سواء، لأن المراد رفع الحكم لا نفس الحدث (٥).

стр. 177

أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القائلون بأنه يرتفع الجميع بوضوءٍ واحد، لكن إن نوى ألا يرتفع غيره فلا يرتفع إلا ما نواه. الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ بين أن ليس للمرء إلا ما نواه فقط، فإذا كان عليه أحداث متنوعة ونوى أحدها بالوضوء، فلا يرتفع إلا الذي نواه، لأنه لم ينوه أشبه إذا لم ينو شيئاً (٢). ونوقش: بأن من نوى رفع أحد الأحداث ارتفع جميعها تبعاً لتداخلها، ذلك لأن الحدث وصف واحد لا يتجزأ، فيدخل في ذلك كل حدث. الدليل الثاني: استدلوا بالقياس، فقالوا: لو تطهر ولم ينو شيئاً فلا يرتفع حدثه فكذا هنا لا يرتفع إلا ما نواه فقط دون غيره لأنه لم ينوه (٣). ونوقش: بأنه قياس مع الفارق، لأنه إذا لم ينو شيئاً لم يرتفع حدثه، لأن النية شرط في الطهارة، بخلاف الصورة هنا، فالنية موجودة، لكنه نوى أحد الأحداث فيرتفع الباقي بالتداخل لأن الحدث وصف كما تقدم. الترجيح: بالنظر في الأقوال وأدلتها، يظهر لي والله أعلم رجحان القول الثالث القاضي بارتفاع الحدث عن الجميع مطلقاً، لكن إن نوى ألا يرتفع إلا هذا الحدث فلا يرتفع إلا ما نواه، لقوة تأثير النية في العمل ولصراحة قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) (٤) والله أعلم.

стр. 178

المسألة الثامنة: حكم غسل الأقطع من المرفقين . اختيار القاضي: اختار ﵀، أن من قطع من المرفقين، سقط عنه الواجب ولا يجب عليه غسل طرف العضد مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي. قال المرداوي ﵀: (فإن كان القطع من المرفقين سقط غسل اليدين واختاره القاضي) (١). تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على أن من بقي من محل فرضه شيء وجب عليه غسله، كما أجمعوا على أن من قطع من فوق محل الفرض فلا يجب عليه الغسل بلا نزاع (٢)، واختلفوا فيمن قطع من المفصل كمن قطع من المر فق هل يجب عليه غسل رأس العضد أم لا يجب؟ على قولين كما سيأتي. سبب الخلاف: هو اختلافهم في اسم المرفق هل يتناول العظمين المتداخلين جميعاً، أم يتناول طرفَ عظم الساعد فحسب ولكن مستقره طرف عظم العضد؟ فمن قال: إنه مجتمع العظمين عظم الساعد، وعظم العضد، أوجب غسل عظم العضد، ومن قال: المرفق عظم الساعد قال: لا يجب غسل عظم العضد، وكذلك اختلافهم في العضد هل يغسل تبعًا، أو قصدًا؟ فمن قال: إن العضد يغسل قصداً، أوجب غسله، ومن قال: يجب غسله تبعاً لم يوجب غسله إذا قطع المرفق من المفصل (٣).

стр. 179

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجب غسل رأس العضد. وبه قال: الحنفية (١)،والشافعية (٢)، والحنابلة (٣). القول الثاني: لا يجب عليه غسل العضد. وبه قال: المالكية (٤)، وهو قول عند الشافعية (٥).، وقول عند الحنابلة (٦)، اختاره القاضي كما تقدم.

стр. 180

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: (أن أبا هريرة توضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد .. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ) (١). ونوقش: أنه زاد الماء على مرفقيه لضرورة استيعاب المرفقين كما يمسك الصائم جزءً من الليل، فصار ذلك من توابع المرفقين فإذا زال المرفقان سقط حكم توابعهما (٢). الدليل الثاني: لأن رأس العضد مع المرفق في موازنة واحدة، فإذا قطع من مفصل المرفق غسل رأس العضد، لأن غسل العظمين المتلاقيين من الذراع والعضد واجب، فإذا زال أحدهما غسل الآخر (٣). ونوقش: بأن الواجب هو غسل المرفق، وبعدم التسليم بأن العضد منه، وإنما يغسل لأنه تابع لا قصداً (٤). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: بأن المرفقين في الذراعين وقد أتى عليهما القطع (٥). الدليل الثاني: لأن الغرض بغَسل المرفق ما فيه من عظم الساعد، وهو المقصود بالغَسل، ولكن لا يتأتى غسلُ ما يحاذيه من البَشرة إلا بغسل جميع المرفق، فإذا سقط عَظمُ الساعد، فقد سقَط المقصود، فسقط التابع (٦). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل بعدم وجوب غسل العضد لمقطوع المرفق من المفصل، لقوة أدلتهم ومناقشة القول الأول، و لأن العضد ليس من المرفق وإنما يغسل تبعاً.

стр. 181

المسألة التاسعة: حكم تنشيف (١) الأعضاء من ماء الوضوء . المقصود بالمسألة: إذا توضأ المسلم وبقي عليه شيء من ماء وضوئه، فما حكم تنشيف أعضائه بمنديل ونحوه؟ اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀، أن تنشيف الأعضاء بعد الوضوء غير مكروه موافقاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت هل يكره أن تنشّف الأعضاء من ماء الوضوء، ومن غسل الجنابة؟ فنقل جماعة منهم أبو داود ويعقوب بن بختان وصالح أنه غير مكروه، وهو أصح). (٢) تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أنه لا يحرم تنشيف الأعضاء بعد الوضوء أو الغسل، وإنما وقع الخلاف في الكراهة، وأيهما أفضل التنشيف أو عدمه (٣)؟ سبب الخلاف: وسبب هذا الاختلاف أن هناك أحاديث دلت على أن النبي ﷺ لم يمسح بالمنديل بل رده حين عرض عليه، وهناك من الأحاديث ما يدل على أن النبي ﷺ كان له منديل ينشف به بعد الوضوء (٤)، كما سيأتي في ذكر الأدلة.

стр. 182

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يباح التنشيف ويستوي فعله وتركه. وبه قال: الحنفية (١)،و المالكية (٢)، ووجه عند الشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: ترك التنشيف أفضل. وهو الصحيح من الأوجه عند الشافعية (٥)، وهو مذهب الحنابلة (٦). القول الثالث: التنشيف مكروه إلا لحاجة كبرد ونحوه. وروي ذلك عن بعض الصحابة، منهم جابر بن عبد الله وابن عباس (٧) ﵃، وذهب إلى ذلك الزهري (٨)،وهو وجه عند الشافعية (٩)، ونُقلت رواية عن الإمام أحمد، وردها بعض أصحابه (١٠).

стр. 183

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن قيس بن سعد (١) قال:" أتانا النبي ﷺ فوضعنا له ماء فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة ورسية (٢)، فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه (٣)) (٤). الدليل الثاني: عن ميمونة ﵂ قالت: (اغتسل النبي ﷺ فأتيته بالمنديل فلم يُرِدْها، وجعل ينفض الماء بيده) (٥). وجه الدلالة من الحدثين: أن النبي ﷺ اشتمل بملحفة بعد أن اغتسل، والملحفة تنشف الماء بعد الغسل، وترك التنشيف في حديث ميمونة ﵂، ففعله تارة وتركه تارة يدل على تساوي جانبي الفعل والترك. الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: (كان لرسول الله ﷺ خرقة ينشف بها بعد الوضوء) (٦). ونوقش: بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة.

стр. 184

أدلة أصحاب القول الثاني: استدل القائلون بأن ترك التنشيف أفضل: الدليل الأول: حديث ميمونة ﵂ السابق. ونوقش: بأن هذا الخبر لا يوجب حظر ذلك، ولا المنع منه، لأن النبي ﷺ لم ينه عنه، مع أن النبي ﷺ ، قد كان يدع الشيء المباح لئلا يشق على أمته (١). الدليل الثاني: قالوا: إن أثر الوضوء عبادة، فكان تركه أفضل (٢).

стр. 185

أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القائلون بأن التنشيف مكروه: الدليل الأول: حديث ميمونة ﵂ السابق. الدليل الثاني: عن أنس: (أن رسول الله ﷺ لم يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا علي، ولا ابن مسعود) (١). نوقش: بأنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة. الدليل الثالث: قالوا: إن الوضوء يوزن (٢). ونوقش: أن هذا تعليل غير صحيح، فإن ميزان الأعمال يوم القيامة ليس كموازين الدنيا، ولا هو مما يدخل تحت الحس في هذه الحياة، وإنما هذا من أمور الغيب الذي نؤمن به كما ورد (٣). الترجيح: بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة يترجح والله أعلم، القول القائل بجواز التمندل بعد الوضوء، لعدم صحة الخبر في النهي عن ذلك، وأما رده ﷺ للمنديل في حديث ميمونة ﵂ فإنه ﷺ قد يترك المباح ولا يكون تركه لكراهته له، ولأنه ربما ترك المنديل لأمر يختص بعينه دون جنسه (٤).

стр. 186

اختياراته في باب مسح الخفين . وفيه تمهيد و ثمان مسائل. التمهيد: في تعريف المسح والخف في اللغة و الشرع. المسألة الأولى: حكم المداومة على المسح على الخفين. المسألة الثانية: حكم اشتراط إمكان المشي بالخف. المسألة الثالثة: لبس الخف قبل كمال الطهارة. المسألة الرابعة: حكم المسح على الفوقاني إذا كان مخرقا والتحتاني صحيحا. المسألة الخامسة: مدة مسح المسافر إذا مسح مقيماً ثم سافر. المسألة السادسة: المسح على القلانس. المسألة السابعة: بطلان الطهارة بخلع الخفين. المسألة الثامنة: اشتراط اللبس على طهارة للمسح على الجبيرة.

стр. 187

التمهيد: في تعريف المسح والخف في اللغة و الشرع . المسح لغةً: إمرار اليد على الشيء السائل أو المتلطخ لإذهابه (١). وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء (البِلَّة) لخف مخصوص في موضع مخصوص وفي زمن مخصوص (٢). الخف لغةً: الذي يلبس، ويجمع على أخفاف وخفاف (٣). والخف شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه (٤).

стр. 188

المسألة الأولى: حكم المداومة على المسح على الخفين . المقصود بالمسألة: أيهما أفضل أن يداوم على المسح على الخفين أو يداوم على غسل الرجلين؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -أن عدم المداومة على المسح على الخفين أفضل، خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي. قال المرداوي ﵀: (المسح أفضل من الغسل على الصحيح من المذهب، نص عليه ... وقيل: إن لم يداوم المسح فهو أفضل، اختاره القاضي) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الغسل أفضل من المسح على الخفين. وهو مذهب الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥)، اختارها القاضي أبو يعلى كما تقدم. القول الثاني: المسح أفضل من الغسل. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهي المذهب، وهي من مفردات مذهب الحنابلة (٦). القول الثالث: أن غسل الرجلين، أو المسح على الخفين سواء. وهو رواية عن الإمام أحمد (٧).

стр. 189

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ ... فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية (١) وجه الدلالة: أن الغسل هو المفترض في كتاب الله . الدليل الثاني: أن الغسل هو الذي واظب عليه النبي ﷺ في معظم الأوقات، لذا كان أفضل (٢). الدليل الثالث: من حيث النظر قالوا: أن الغسل فيه مشقة أكثر من المسح، وما كان كذلك فأجره أعظم. أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته) (٣). وجه الدلالة: أن المسح رخصة فهو أحب إلى الله من الغسل.

стр. 190

الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: (ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما) (١). وجه الدلالة: أن المسح على الخفين أيسر من غسلهما، وما كان أيسر فهو أولى. الدليل الثالث: أن المسح على الخفين فيه إحياء للسنة ومخالفة لأهل البدع فكان أولى (٢). أدلة أصحاب القول الثالث: (القائلين أن غسل الرجلين، أو المسح على الخفين سواء). استدل أصحاب هذا القول بمجموع الأدلة الواردة في غسل الرجلين وكذلك المسح على الخفين، وأن الأدلة جاءت بهذا وهذا، ولم يرد نص في الشرع يفضل أحدهما على الآخر، فيبقى الحكم واحداً (٣). الترجيح: بعد سياق كلام أهل العلم في المسألة، يتبين لي والله أعلم، أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -هو الصواب، وهو أن الأفضل في حق كل أحد بحسبه، فمن كان عليه خف فالأفضل في حقه المسح، ومن كان لا خف عليه فالأفضل في حقه الغسل، لأن فيه جمعاً بين الأدلة وإعمالاً لجميع النصوص والله أعلم (٤).

стр. 191

المسألة الثانية: حكم اشتراط إمكان المشي بالخف . اختيار القاضي: اختار ﵀، أن إمكان المشي بالخف شرط لجواز المسح عليه، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة، كما سيأتي. قال المرداوي ﵀: (ذكر المصنف هنا لجواز المسح شرطين ... ومنها إمكان المشي فيه مطلقا على الصحيح من المذهب اختاره القاضي) (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يشترط لجواز المسح على الخف إمكان متابعة المشي فيه. وهو مذهب الحنفية (٢)،والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: أن إمكان المشي فيهما ليس بشرط لجواز المسح. وهو وجه عند الشافعية (٦)،ووجه عند الحنابلة (٧).

стр. 192

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: لأن الذي تدعو الحاجة إليه ما يمكن متابعة المشي عليه وما سواه لا تدعو الحاجة إليه فلم تتعلق به الرخصة (١). الدليل الثاني: لأن اللبس إنما شرع لحاجة الاستدامة، ولا تتأتى إلا فيما يمكن متابعة المشي فيه (٢). الدليل الثالث: أن ما لا يمكن تتابع المشي فيه، ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معناه (٣). أدلة أصحاب القول الثاني: استدل أصحاب هذا القول بأن الشارع الحكيم علق المسح بمسمى الخف وأطلق، فالحكم معلق بمسمى الاسم المطلق (٤). ونوقش: بأن ذلك راجع للخف المتعارف عليه، وهو الذي يمكن تتابع المشي فيه (٥). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل باشتراط إمكان تتابع المشي فيه، لقوة أدلة هذا القول وسلامتها من المناقشة، ومناقشة القول الثاني.

стр. 193

المسألة الثالثة: لبس الخف قبل كمال الطهارة . المقصود بالمسألة: إذا غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف، ثم غسل رجله اليسرى ولبس خفه الآخر، فهل يجوز المسح عليهما أو لا؟ اختيار القاضي: اختار ﵀ -عدم جواز المسح على الخفين إذا لبس أحدهما قبل تمام الطهارة، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀: (وإذا توضأ وغسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الأخرى وأدخلها لم يجز له المسح حتى يبتدئ اللبس بعد كمال الطهارة) (١). تحرير محل النزاع: أجمع أهل العلم على أنه يشترط تقدم الطهارة لجواز المسح على الخفين (٢)، كما أجمعوا أنه لو نزع الخف الأول بعد غسل الرجل الثانية، ثم لبسها جاز له المسح واختلفوا فيمن لبس إحدى خفيه قبل كمال الطهارة فهل يمسح عليهما أو لا (٣)؟

стр. 194

سبب الخلاف: السبب هو اختلافهم في الترتيب بين أعضاء الوضوء هل هو واجب أو لا؟ وهل الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الأعضاء، أو لا تصح إلا بعد كمال الطهارة؟ (١). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يجوز المسح على الخفين إذا لبسهما قبل كمال الطهارة. وبه قال: الحنفية (٢)، ومالك في رواية (٣)، وأحمد في رواية (٤)، اختارها ابن تيمية (٥). القول الثاني: لا يجوز المسح عليهما قبل كمال الطهارة. وبه قال: المالكية (٦)، الشافعية (٧)، الحنابلة (٨).

стр. 195

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما) (١). الدليل الثاني: عن أبي بكرة (٢) عن النبي ﷺ (رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن, وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) (٣). وجه الدلالة من الحديثين: أن معنى أدخلتهما طاهرتين يعني أدخلت كل واحدة طاهرة، فهو لم يدخل قدمه اليمنى الخف إلا بعد أن طهرها، واليسرى كذلك، فيصدق عليه أنه أدخلهما طاهرتين وكونهما طاهرتين أعم من أن يوجد ذلك معا، أو واحدة بعد الأخرى (٤). ونوقش الحديثان: بأن ذلك محمول على طهارتهما بطهر كامل، توفيقا بين الأحاديث، وحقيقة الطهارة لا تكون إلا بعد غسل الرجلين (٥). الدليل الثالث: أننا إذا أمرناه أن ينزع خف الرجل الأولى ثم يلبسه، أن هذا نوع عبث لا غرض للشارع فيه، ولا مصلحة للمكلف؛ فالشرع لا يأمره به (٦). ونوقش: بأنه ليس عبثاً، بل هو تحقيق لشرط الإباحة، كما أن من باع طعاماً بالكيل ثم باعه فإنه يكيله ثانياً (٧).

стр. 196

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث المغيرة بن شعبة المتقدم. وجه الدلالة: أن ظاهر الحديث أنه لبسهما بعد كمال الطهارة، فجعل العلة وجود الطهارة فيهما جميعا وقت إدخالهما، ولم توجد طهارتهما وقت لبس الأول؛ ولأن الأول خف ملبوس قبل رفع الحدث، فلم يجز المسح عليه، كما لو لبسه قبل غسل قدميه، ودليل بقاء الحدث أنه لا يجوز له مس المصحف بالعضو المغسول، فأما إذا نزع الخف الأول، ثم لبسه، فقد لبسه بعد كمال الطهارة (١). الدليل الثاني: حديث أبي بكرة المتقدم. وجه الدلالة: أن من لم يغسل رجله اليسرى لم يصدق عليه أنه تطهر، والرخصة في المسح على الخفين إذا لبسهما بعد وضوءه. الدليل الثالث: أن ما اعتبرت له الطهارة اعتبر له كمالها؛ كالصلاة ومس المصحف (٢). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الثاني القائل باشتراط لبسهما بعد كمال الطهارة، لقوة ما استدلوا به ولمناقشة القول الأول.

стр. 197

المسألة الرابعة: حكم المسح على الفوقاني إذا كان مخرقا والتحتاني صحيحا . المقصود بالمسالة: إذا لبس خفاً صحيحاً مما يجوز المسح عليه، ثم لبس فوقه خفاً مخرقاً فهل له المسح عليه أو لا يصح مسحه؟ اختيار القاضي: اختار ﵀، أن من لبس خفاً مخرقاً على خفٍ صحيح أنه لا يجوز له المسح إلا على التحتاني، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. قال المرداوي ﵀: (لو كان الفوقاني مخرقا، والتحتاني صحيحا من جورب أو خف، أو جرموق، جاز المسح على الفوقاني على الصحيح من المذهب، ... وقيل: لا يجوز المسح إلا على التحتاني، اختاره القاضي) (١). سبب الخلاف: هل الخف الفوقاني والتحتاني كل منهما بدل مستقل عن الغسل أم لا؟ (٢).

стр. 198

الأقوال في المسألة: أما على قول من يجوّز المسح على الخف ولو كان مخرقاً مادام يسمى خفاً، فالمسألة ليست محل بحث عندهم (١)، وهم الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والقول القديم للشافعي (٤)، وإنما الخلاف جار عند من لا يجيز المسح على الخف المخرق وهم الشافعية، والحنابلة كما سيأتي. اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز المسح على الفوقاني المخرق. وهو مذهب الشافعية (٥)، وقول عند الحنابلة (٦)، اختاره القاضي كما تقدم. القول الثاني: يجوز المسح على الفوقاني المخرق مادام التحتاني صحيحاً. وبه قال: الحنابلة (٧).

стр. 199

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: لأن الفوقاني لا يجوز المسح عليه مفردا، ولأنه بمنزله اللفافة فوق الخف، فلم يجز المسح عليه مع غيره (١). الدليل الثاني: لأن المسح على الخف بدل عن الغسل، وهذا الخف الفوقاني المخرق غير صالح للمسح فلا يجوز المسح عليه ولو كان ما تحته صحيحاً، لأنه لا يصح أن يكون بدلا عن الخف الذي تحته؛ لأن البدل لا يكون له بدل (٢). ونوقش: بأن القدم مستور بما يجوز المسح عليه، فجاز المسح كما لو كان السفلاني مكشوفا (٣).

стр. 200

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قالوا: بأن الأعلى بمنزلة الظهارة، والأسفل بمنزلة البطانة، وإن انكشطت الظهارة دون البطانة وكانت البطانة ساترة لمحل الفرض تثبت بنفسها جاز المسح كما لو لم تنكشط، فكذلك هنا (١). الدليل الثاني: لأنهما باللبس صارا كخف واحد (٢). الترجيح: الراجح القول الثاني القائل بجواز المسح على الفوقاني المخرق مادام التحتاني صحيحاً، لأن المسح بالخف إنما شرع لرفع الحرج، وإلزامنا له بأن يخلع خفه المخرق ويمسح على الصحيح فيه مشقة لا سيما وقت البرد.

стр. 201

المسألة الخامسة: مدة مسح المسافر إذا مسح مقيماً ثم سافر . المقصود بالمسألة: إذا لبس الخف مقيماً و مسح عليه، ثم سافر قبل أن يكمل مسح يوم وليلة في الحضر، فهل يتم مسح مقيم، أو يتم مسح مسافر؟ اختيار القاضي: اختار ﵀، أن من مسح مقيماً ثم سافر، يتم مسح مقيم، موافقاً في اختياره مذهب ا لحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال في المسألة. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت فيمن أنشأ المسح في الحضر ثم سافر يكمل مسح مقيم أم مسح مسافر؟ فنقل صالح وعبد الله يكمل مسح مقيم يوماً وليلة، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أنه إذا سافر بعد لبس خفيه وقبل حدثه ومسحه أنه يتم مسح مقيم، كما أنهم اتفقوا على أنه إذا كان قد أكمل مدة مسح يوم وليلة في الحضر ثم سافر لم يكن له أن يمسح، وإنما وقع الخلاف فيمن مسح في الحضر ثم سافر قبل انقضاء اليوم والليلة (٢).

стр. 202

الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: يمسح مسح مسافر. وهو مذهب الحنفية (١)، ورواية عن الإمام أحمد (٢). القول الثاني: يمسح مسح مقيم. وهو مذهب الشافعية (٣)، والحنابلة (٤)، ورجحه ابن حزم (٥). الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم) (٦). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ جعل للمسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وهذا مسافر، ولم يفرق الشرع بين مسافر ومسافر، فمن فرق فعليه الدليل. الدليل الثاني: القياس: حيث أنه سافر قبل مضي مدة المسح، فأشبه من سافر قبل أن يمسح (٧).

стр. 203

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قالوا: أنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فغلب جانب الحضر (١). الدليل الثاني: أن المسح عبادة يختلف قدرها في الحضر والسفر، فإذا وجد أحد طرفيها في الحضر غلب حكمه، لأنه المتيقن (٢). الدليل الثالث: قياساً على الصلاة فلو أحرم بالصلاة في سفينة في البلد فسارت وفارقت البلد، وهو في الصلاة، فإنه يتمها صلاة حضر (٣). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بأنه يتم مسح مسافر، لقوة أدلته هذا القول، وسلامتها من المناقشة.

стр. 204

المسألة السادسة: المسح على القلانس (١). اختيار القاضي: اختار القاضي أبو يعلى ﵀، عدم جواز المسح على القلانس، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀ (مسألة: واختلفت في جواز المسح على القلانس الرميات المبطنات والدسات فنقل حرب واسحق بن إبراهيم أنه لا يجوز ذلك قياساً على المنديل وهو أصح) (٢). الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: لا يجوز المسح على القلانس. وهو مذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثاني: يجوز المسح على القلانس. وهو رواية عن الإمام أحمد (٧)، ومذهب ابن حزم (٨).

стр. 205

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الآية (١) وجه الدلالة: أن الأصل وجوب مسح الرأس، وعدل عن الأصل في العمامة لورود النص. الدليل الثاني: أنه لا يشق نزعها، ولا تستر جميع الرأس (٢). أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: أن أنس بن مالك ﵁ أتى الخلاء ثم خرج وعليه قلنسوة بيضاء مزرورة فمسح عليها (٣). الدليل الثاني: أن أبا موسى ﵁ خرج من الخلاء وعليه قلنسوة فمسح عليها (٤). ونوقش: أنه عورض بفعل صحابي غيرهما فلا يكون فعلهما حجة. فقد روي عن ابن عمر: أنه كان إذا مسح رأسه رفع القلنسوة ومسح مقدم رأسه (٥). الدليل الثالث: القياس حيث قالوا: القلانس ملبوس معتاد يستر الرأس، فأشبه العمامة (٦). ونوقش: أن الحديث إنما جاء عن رسول الله ﷺ في العمامة وهذه لا تشبهها من كل وجه فلم تلحق بها (٧). الترجيح: الراجح هو القول الأول القائل بعدم جواز المسح على القلانس، لأنها لا تشبه العمامة، ولا يشق نزعها، والله أعلم.

стр. 206

المسألة السابعة: بطلان الطهارة بخلع الخفين . اختار القاضي: اختار ﵀ بطلان الطهارة بخلع الخفين، و يجب عليه أن يستأنف الوضوء، موافقاً للمشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال: ﵀ (مسألة: واختلفت إذا مسح عليهما ثم نزعهما في أثناء المدة أو بعد انتهائها هل يستأنف الوضوء أم يجزيه غسل رجليه؟ فنقل الجماعة صالح وحنبل وأبو داود ويوسف بن موسى يستأنف الوضوء، وهو أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق العلماء على صحة طهارة من نزع خفيه قبل أن يمسحها أو يحدث (٢)، وعلى بطلان طهارة من نزعهما وهو على حدث سواءً ابتدأ المسح عليهما أو لم يبتدئه (٣)، واختلفوا في من خلعهما قبل انقضاء مدة المسح، وهو لا يزال على طهارة مسح فيها قبل الخلع.

стр. 207

سبب الخلاف: اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنه مبني على الخلاف في حكم الموالاة في الوضوء؟ فمن أوجبها أوجب استئناف الوضوء، ومن لم يوجبها أجزأ عنده غسل القدمين إذا خلع الخفين، ومسح الرأس إذا خلع العمامة (١). والقول الثاني: أنه مبني على خلافهم في المسح هل يرفع الحدث عن الرِّجل أو لا؟ فإن قيل: لا يرفع الحدث عنها أجزأ غسل القدمين عند من لا يشترط المولاة، ومن اشترطها أوجب استئناف الوضوء من أوله، وإن قيل: إن المسح يرفع الحدث عن الرِّجل رفعاً مؤقتاً إلى حين الخلع أو انقضاء المدة، فإنه يجب استئناف الوضوء من أوله، لأنه بالخلع عاد الحدث إلى الرِّجل، والحدث لا يتبعض، فإذا انتقض في عضو انتقض في بقية الأعضاء كما أنه إذا طهر عضو أو عضوان لم يرتفع حدثه حتى يغسل بقية الأعضاء (٢). القول الثالث: أنه مبني على خلافهم في المسح هل هو أصل بذاته في الطهارة أو بدل عن غسل الرِّجلين؟ فإن قيل: أنه أصل بذاته فالطهارة باقية، كما لو قطعت رجلاه بعد غسلهما، وكما لو حلق رأسه بعد مسحه، وإن قيل: إنه بدل فيجزئه غسل قدميه عند من لم يشترط الموالاة، وأما من اشترطها فإنه يوجب إعادة الوضوء من أوله (٣).

стр. 208

الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: القول الأول: يبطل المسح، ويلزمه غسل رجليه. وهو مروي عن عبد الله بن عمر (١) ﵁ وبه قال: الحنيفة (٢)، والشافعي في المعتمد من قوليه عند أصحابه (٣)، وأحمد في رواية عنه (٤). القول الثاني: يبطل المسح، ويجزئه غسل رجليه إن لم يطل الفصل، فإن طال وجب استئناف الوضوء. وبه قال: المالكية (٥). القول الثالث: طهارته صحيحة ولا شيء عليه، فلا يزلمه إعادة وضوئه، ولا غسل قدميه. وبه قال: الحسن البصري (٦)، والظاهرية (٧)، واختاره ابن المنذر (٨)، والنووي (٩)، وابن تيمية (١٠)، إلا أن داود الظاهري يرى وجوب نزع الخفين قبل أن يصلي، فإذا صلى وقد لبسهما بعد خلعهما فإنه يعيد الصلاة (١١).

стр. 209

القول الرابع: تبطل طهارته، وعليه استئناف الوضوء. وبه قال: النخعي (١)، والزهري (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، والأوزاعي (٤)، وإسحاق (٥)، والشافعي في القديم (٦)، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وهو المشهور المعتمد عند علمائنا الحنابلة (٧)، وهي اختيار القاضي كما تقدم. الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: القياس على التيمم، إذا بطل برؤية الماء وجب ما ناب عنه، فكذا المسح على الخفين ناب عن غسل الرجلين خاصة، فظهورهما يبطل ما ناب عنهما (٨). نوقش: بأن ما ذكروه يبطل بخلع أحد الخفين، فإنه يبطل الطهارة في القدمين جميعاً، وإنما ناب مسحه عن إحداهما (٩). الدليل الثاني: ما روي عن أبي بكرة ﵁: (أنه كان ينزع خفيه، ويغسل رجليه) (١٠). الدليل الثالث: ما روي عن رجل من الصحابة (١١) -في الرجل يمسح على خفيه، ثم تبدو له فينزعهما- قال: (يغسل رجليه) (١٢). وجه الدلالة: أنهما أثران صريحان في حكم هذه المسألة عن الصحابة ﵃. الدليل الرابع: أن الموالاة لا تجب في الوضوء، فيكيفه غسل قدميه، لأن الأعضاء الأخرى مغسولة من قبل (١٣). نوقش: بعدم التسليم بذلك، بل الموالاة واجبة في الوضوء لفعل الرسول ﷺ فإنه قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا ... ) (١٤)، وهو لم يتوضأ إلا متوالياً.

стр. 210

أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بدليل واحد وهو: أن الطهارة كانت صحيحة في جميع الأعضاء إلى حين نزع الخفين، فإذا بطلت في القدمين فغسلهما عقيب النزع على الفور لم تفت الموالاة، لقرب غسلهما من الطهارة الصحيحة في بقية الأعضاء، بخلاف ما إذا تراخى في غسلهما (١). نوقش: بعدم التسليم، لأن المسح قد بطل حكمه، والاعتبار في الموالاة إنما هو بقرب الغسل من الغسل لا من حكمه (٢). أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: القياس على الشعر المسموح والظفر المغسول، فكما لا تبطل الطهارة بحلق شعر رأسه بعد المسح عليه ولو كان كثيفاً لم يصل البلل إلى باطن رأسه، فكذا هنا لا تبطل الطهارة بخلع الخفين، ونزع العمامة، ولا فرق، لأنه أزال الممسوح بعد كمال الطهارة (٣). نوقش: بأنه قياس مع الفارق، لأن الرأس أصلٌ يمسح مع وجود الشعر وعدمه، بينما المسح على الخف بدل من غسل القدم فافترقا. الدليل الثاني: أن نزع الخفين ليس بحدث، والطهارة لا تبطل إلا بحدث (٤). الدليل الثالث: أثر علي بن أبي طالب ﵁ أنه بال قائماً حتى أرغى (٥)، فأتي بكوز (٦) من ماء، فغسل يديه واستنشق وتمضمض وغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه، ثم أخذ كفاً من ماء فوضعه على رأسه حتى رأيت الماء يتحدر على لحيته ثم مسح على نعليه، ثم أقيمت الصلاة، فخلع نعليه، ثم تقدم فأم الناس" (٧). وجه الدلالة: أنه خلع نعليه بعد أن مسح عليهما، وصلى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، مما يدل على عدم بطلان المسح بخلع الممسوح.

стр. 211

أدلة أصحاب القول الرابع: الدليل الأول: أن المسح على الخفين أقيم مقام غسل الرجلين، فإذا خلع الممسوح بطلت الطهارة في موضعه، والطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت في عضو من الأعضاء الأربعة، بطلت في الباقي كما لو أحدث (١). الدليل الثاني: أن الموالاة فرض من فروض الوضوء، فإذا خلع الخفين بطلت الطهارة لعدم الموالاة حيث قد نشفت الأعضاء المتقدمة (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الثالث، وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، أن طهارته صحيحة ولا شيء عليه، لأثر علي ﵁ السابق وهو له سنة متبعة، و لأن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي.

стр. 212

المسألة الثامنة: اشتراط اللبس على طهارة للمسح على الجبيرة (١) اختيار القاضي: اختار ﵀ عدم جواز المسح على الجبيرة إن شدها على حدث، موافقاً في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀ (مسألة: واختلفت هل يجوز المسح على الجباير إذا شدها على غير طهارة؟ فنقل المروذي أنه لا يجوز، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، لأنه مسح على حائل، فأشبه الخفين والعمامة) (٢). الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: لا يشترط ذلك، فيجوز المسح على الجبيرة مطلقاً سواءً لبسها على طهارة أو على حدث. وبه قال: الحنيفة، (٣) والمالكية (٤)، وأحمد في رواية (٥). القول الثاني: يشترط -في جواز المسح على الجبيرة- أن يشدها على طهارة، فلا يصح المسح عليها إن شدها على حدث. وبه قال: الشافعية (٦)، وأحمد في الرواية المشهورة المعتمدة عند الحنابلة (٧).

стр. 213

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: ما رواه جابر ﵁ حيث قال: (خرجنا في سفر، فأصاب رجل منا حجر، فشجه (١) في رأسه، ثم احتلم (٢)، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه، قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي (٣) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ... على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده) (٤). وجه الدلالة: أنه لم يذكر فيه أنه لبس الخرقة على طهارة، حيث إن طهارته الغسل (٥). نوقش: بأنه حديث ضعيف لا حجة فيه. الدليل الثاني: حديث علي ﵁ قال: (انكسرت إحدى زندي (٦)، فأمرني النبي ﷺ أن أمسح على الجبائر) (٧). وجه الدلالة: أنه لم يشترط لذلك طهارة (٨). و نوقش أيضاً: بأنه حديث ضعيف لا حجة فيه.

стр. 214

الدليل الثالث: أثر ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: (من كان به جرح معصوب عليه توضأ، ومسح على العصابة، ويغسل ما حول العصابة، وإن لم يكن عليه عصابة مسح ما حوله) (١). الدليل الرابع: أثر عنه أيضاً ﵁: (أنه خرجت بإبهامه قرحة (٢)، فألقمها مرارة (٣) فكان يتوضأ عليها)، وفي رواية: (أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح عليها وعلى العصابة) (٤). وجه الدلالة: أنه قول وفعل صحابي لم يعلم له مخالف، ولم يشترط للعصابة أن تلبس على طهارة. الدليل الخامس: أن اشتراط الطهارة للجبيرة تغليظ على الناس، وإنما جاز المسح عليها لمشقة نزعها، وهذه العلة موجودة إذا لبسها على غير طهارة (٥).

стр. 215

أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بدليل واحد وهو: القياس على الخفين، فكما يشترط لبس الخفين على طهارة لجواز المسح عليها، فكذلك يشترط تقدم الطهارة قبل شد الجبيرة، لأنه مسح على حائل أشبه الخف (١). نوقش: هذا الدليل بأنه قياس مع الفارق فلا يصح، لأن الفرق بين الخف والجبيرة ثابت من وجهين: أحدهما: أن الكسر يقع فجأة، فيبادر إلى شد الجبيرة عليه للضرورة، ففي اشتراط شدها على طهارة حرج عظيم، وتلحقه مشقة كبيرة في نزعها، وربما تعذرت الطهارة بأن يجري دم ينقض الطهارة، ولا يمكن إعادتها إلا بغسل المحل وهو متعذر فيضطر إلى شدها على الحدث، فإما أن يؤمر بالتيمم فقط، فالمسح خير من التيمم، أو بهما وهو خلاف الأصول، فيتعين المسح (٢). الوجه الثاني: أن الجبيرة كالأعضاء، وتجري مجرى جلدة انكشطت ثم أعيدت، بدليل أنها تمسح في الطهارة الكبرى، وأنه لا توقيت في مسحها بخلاف الخف (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وأنه لا يشترط –لجواز المسح على الجبيرة- تقدم الطهارة، لقوة أدلة هذا القول، وضعف دليل أصحاب القول الثاني، حيث بطل قياسهم الذي هو عمدتهم في ما ذهبوا إليه (٤)، وذكر شيخ الإسلام فساده من عدة وجوه (٥)، وأنه قد صح ذلك عن ابن عمر ﵁ (٦)، ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي خلافه (٧) أ. هـ. وقال البيهقي (٨): (لا يثبت على النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة) (٩).
следующие страницы →