← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 208

اختيارات القاضي أبي يعلى الحنبلي الفقهية من أول كتاب الطهارة إلى آخر باب التيمم

عدنان الرشيدي

Полный текст (366 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أدلة أصحاب القول الرابع: الدليل الأول: أن المسح على الخفين أقيم مقام غسل الرجلين، فإذا خلع الممسوح بطلت الطهارة في موضعه، والطهارة لا تتبعض، فإذا بطلت في عضو من الأعضاء الأربعة، بطلت في الباقي كما لو أحدث (١). الدليل الثاني: أن الموالاة فرض من فروض الوضوء، فإذا خلع الخفين بطلت الطهارة لعدم الموالاة حيث قد نشفت الأعضاء المتقدمة (٢). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الثالث، وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، أن طهارته صحيحة ولا شيء عليه، لأثر علي ﵁ السابق وهو له سنة متبعة، و لأن هذه الطهارة ثبتت بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي، فإنه لا ينتقض إلا بدليل شرعي.

стр. 212

المسألة الثامنة: اشتراط اللبس على طهارة للمسح على الجبيرة (١) اختيار القاضي: اختار ﵀ عدم جواز المسح على الجبيرة إن شدها على حدث، موافقاً في اختياره المشهور عند الحنابلة، كما سيأتي في ذكر الأقوال. فقال ﵀ (مسألة: واختلفت هل يجوز المسح على الجباير إذا شدها على غير طهارة؟ فنقل المروذي أنه لا يجوز، وهو اختيار الخرقي، وهو أصح، لأنه مسح على حائل، فأشبه الخفين والعمامة) (٢). الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: لا يشترط ذلك، فيجوز المسح على الجبيرة مطلقاً سواءً لبسها على طهارة أو على حدث. وبه قال: الحنيفة، (٣) والمالكية (٤)، وأحمد في رواية (٥). القول الثاني: يشترط -في جواز المسح على الجبيرة- أن يشدها على طهارة، فلا يصح المسح عليها إن شدها على حدث. وبه قال: الشافعية (٦)، وأحمد في الرواية المشهورة المعتمدة عند الحنابلة (٧).

стр. 213

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: ما رواه جابر ﵁ حيث قال: (خرجنا في سفر، فأصاب رجل منا حجر، فشجه (١) في رأسه، ثم احتلم (٢)، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: قتلوه، قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي (٣) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب ... على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده) (٤). وجه الدلالة: أنه لم يذكر فيه أنه لبس الخرقة على طهارة، حيث إن طهارته الغسل (٥). نوقش: بأنه حديث ضعيف لا حجة فيه. الدليل الثاني: حديث علي ﵁ قال: (انكسرت إحدى زندي (٦)، فأمرني النبي ﷺ أن أمسح على الجبائر) (٧). وجه الدلالة: أنه لم يشترط لذلك طهارة (٨). و نوقش أيضاً: بأنه حديث ضعيف لا حجة فيه.

стр. 214

الدليل الثالث: أثر ابن عمر ﵁ أنه كان يقول: (من كان به جرح معصوب عليه توضأ، ومسح على العصابة، ويغسل ما حول العصابة، وإن لم يكن عليه عصابة مسح ما حوله) (١). الدليل الرابع: أثر عنه أيضاً ﵁: (أنه خرجت بإبهامه قرحة (٢)، فألقمها مرارة (٣) فكان يتوضأ عليها)، وفي رواية: (أنه توضأ وكفه معصوبة، فمسح عليها وعلى العصابة) (٤). وجه الدلالة: أنه قول وفعل صحابي لم يعلم له مخالف، ولم يشترط للعصابة أن تلبس على طهارة. الدليل الخامس: أن اشتراط الطهارة للجبيرة تغليظ على الناس، وإنما جاز المسح عليها لمشقة نزعها، وهذه العلة موجودة إذا لبسها على غير طهارة (٥).

стр. 215

أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بدليل واحد وهو: القياس على الخفين، فكما يشترط لبس الخفين على طهارة لجواز المسح عليها، فكذلك يشترط تقدم الطهارة قبل شد الجبيرة، لأنه مسح على حائل أشبه الخف (١). نوقش: هذا الدليل بأنه قياس مع الفارق فلا يصح، لأن الفرق بين الخف والجبيرة ثابت من وجهين: أحدهما: أن الكسر يقع فجأة، فيبادر إلى شد الجبيرة عليه للضرورة، ففي اشتراط شدها على طهارة حرج عظيم، وتلحقه مشقة كبيرة في نزعها، وربما تعذرت الطهارة بأن يجري دم ينقض الطهارة، ولا يمكن إعادتها إلا بغسل المحل وهو متعذر فيضطر إلى شدها على الحدث، فإما أن يؤمر بالتيمم فقط، فالمسح خير من التيمم، أو بهما وهو خلاف الأصول، فيتعين المسح (٢). الوجه الثاني: أن الجبيرة كالأعضاء، وتجري مجرى جلدة انكشطت ثم أعيدت، بدليل أنها تمسح في الطهارة الكبرى، وأنه لا توقيت في مسحها بخلاف الخف (٣). الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول، وأنه لا يشترط –لجواز المسح على الجبيرة- تقدم الطهارة، لقوة أدلة هذا القول، وضعف دليل أصحاب القول الثاني، حيث بطل قياسهم الذي هو عمدتهم في ما ذهبوا إليه (٤)، وذكر شيخ الإسلام فساده من عدة وجوه (٥)، وأنه قد صح ذلك عن ابن عمر ﵁ (٦)، ولا يعرف عن صحابي ولا تابعي خلافه (٧) أ. هـ. وقال البيهقي (٨): (لا يثبت على النبي ﷺ في هذا الباب شيء، وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة) (٩).

стр. 216

اختياراته في باب نواقض الوضوء . وفيه تمهيد و ست مسائل: التمهيد: في تعريف النواقض لغةً، واصطلاحاً. المسألة الأولى: حد الفاحش من النجاسة الخارجة من غير السبيلين. المسألة الثانية: حكم وضوء من نام راكعاً أو ساجداً. المسألة الثالثة: حكم وضوء من مس ذكره بظهر كفه. المسألة الرابعة: حكم وضوء من مس ذكره من غير شهوة. المسألة الخامسة: حكم مس المرأة الميتة لشهوة. المسألة السادسة: حكم تصفح المحدث للمصحف بكمه.

стр. 217

التمهيد: في تعريف النواقض . النواقض لغةً: جمع ناقضة، وناقض، والنقض في اللغة: ضد الإبرام، وهو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء (١). والنقض: إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط يراد به إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء: يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها، والمعنى الثاني هو المراد هنا، فمعنى ناقض الوضوء: إخراجه عن إفادة المقصود منه، كاستباحة الصلاة بالوضوء (٢).

стр. 218

المسألة الأولى: حد الفاحش من النجاسة الناقضة للوضوء الخارجة من غير السبيلين . المقصود بالمسألة: أن الإنسان إذا كان على طهارة، ثم خرج من بدنه من غير السبيلين نجاسة، كالرعاف مثلاً، وقيل بأن خروج مثل هذا ينقض الوضوء، فما مقدار هذه النجاسة حتى يحكم ببطلان وضوءه عند من يرى النقض بذلك من أهل العلم؟ اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀، أن حد النجاسة التي إن خرجت من البدن- غير السبيلين- انتقض بها الوضوء، هو ما فحش في نفوس أوساط الناس، مخالفاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي. قال ابن مفلح ﵀: (الثاني: خروج بول أو غائط من بقية البدن، وخروج نجاسة فاحشة في نفوس أوساط الناس، في رواية اختارها القاضي وجماعة كثيرة) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على أن الخارج من غير السبيلين إذا لم يكن نجسا كالعرق واللعاب لا يعتبر حدثا، واختلفوا فيما إذا كان الخارج من غير السبيلين نجسا، كما اختلفوا في مقدار وضابط هذا ا لخارج حتى يكون ناقضاً للوضوء (٢).

стр. 219

الأقوال في المسألة: الذين قالوا إن الخارج النجس من غير السبيلين ينقض الوضوء، اختلفوا فيما بينهم في مقدار هذا الخارج حتى يكون ناقضاً للوضوء على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن كل خارج نجس من غير السبيلين ناقض للوضوء مطلقاً، دون التفريق بين قليله أو كثيره. وهذا مذهب الحنفية (١). القول الثاني: ينتقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين إذا كان كثيراً فقط، وهو ما يفحش في نفس كل أحد بحسبه. وهذا هو مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: ينتقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين بالكثير فقط، وهو ما يفحش في نفوس أوساط الناس. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد (٣)، اختارها القاضي أبي يعلى ﵀ -كما تقدم.

стр. 220

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: عن أبي الدرداء (١) ﵁: (أن النبي ﷺ قاء، فتوضأ) (٢). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم) (٣). وجه الدلالة: دل الحديثان على وجوب الوضوء من القيء والرعاف دون تفريق بين القليل والكثير. ونوقش بأن المقصود من الوضوء هو غسل الدم، و غسل فمه من القيء وزهومته (٤). وأجيب عنه: بأن المفهوم من إطلاق لفظ الوضوء عند أهل الشرع إنما هو الوضوء الشرعي وغسل الفم من القيء ومن اللبن يسمى مضمضة (٥). ورد على هذا الجواب: بأنه ليس في هذا الحديث ما يدل على وجوب الوضوء من القيء، لأن الفعل لا يثبت به الوجوب إلا أن يفعله، ويأمر الناس بفعله، أو ينص على أن هذا الفعل ناقض للوضوء (٦)، أما حديث عائشة ﵂ فهو ضعيف، والضعيف لاتقوم به حجة.

стр. 221

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: عن الحسن بن علي ﵄ أن النبي ﷺ قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) (١). وجه الدلالة: قالوا: المرجع في تحديد الكثير هو ما يستفحشه كل إنسان في نفسه (٢). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵃: الفاحش ما فحش في قلبك (٣). الدليل الثالث: أن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره فيه حرج، فيكون منفيا (٤).

стр. 222

أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القائلون بالتفريق بين القليل والكثير، بحسب أوساط الناس بآثار مروية عن الصحابة منها: الدليل الأول: عصر ابن عمر ﵂ بثرة فخرج منها الدم ولم يتوضأ (١). الدليل الثاني: أن عبد الله بن أبي أوفى (٢) بزق دما فمضى في صلاته (٣). الدليل الثالث: أن كل حكم شرعي لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف، وإلى ما اعتاده الناس، ولا يرجع فيه إلى الأشخاص لأنهم مختلفون، فمنهم الموسوس، ومنهم المتهاون (٤). الترجيح: على القول بأن الخارج النجس من غير السبيلين ينقض الوضوء، يترجح والله أعلم ما ذهب إليه القاضي أبو يعلى في اختياره، بأن الناقض هو الكثير وتحديده بحسب أوساط الناس؛ لأن كل مالم يحد في الشرع ولا في اللغة فمرجعه العرف، ولا تترك للأشخاص بحيث يتكلف الموسوس، ويتساهل المتهاون، فتضطرب الأحكام فما كان ناقضاً عند شخص، كان غير ناقض عند غيره، والله أعلم.

стр. 223

المسألة الثانية: حكم وضوء من نام راكعاً أو ساجداً . اختيار القاضي: اختار ﵀، عدم نقض وضوء من نام راكعاً أو ساجداً إلا إذا كثر، مخالفاً في ذلك المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي. قال: شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ -عند كلامه على نقض الوضوء بالنوم حال الركوع والسجود ( .... والرواية الرابعة لا ينقض في حال من هذه الأحوال حتى يكثر ... وهذه اختيار القاضي وأصحابه) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة الأربعة على انتقاض الوضوء بالنوم في الجملة (٢)، وبزوال العقل بغير النوم كالجنون والإغماء والسكر وما أشبهه من الأدوية المزيلة للعقل فينقض ذلك الوضوء بالإجماع (٣) وبنوم المضطجع (٤)، وعلى عدم انتقاضه بالنعاس (٥)، وبالنوم اليسير من المتمكن بمقعدته من الأرض (٦)، واختلفوا في النوم الكثير من القاعد (٧)، وفي نوم الراكع والساجد والقائم، سواءً كان ذلك في صلاة أو غيرها، كثيراً كان أو قليلاً (٨). سبب الخلاف: السبب هو اختلافهم في النوم هل هو حدث أو ليس بحدث وإنما هو مظنة الحدث، بناءً على اختلاف الآثار الواردة في ذلك، فمنهم من سلك مسلك الترجيح، ومنهم من ذهب مذهب الجمع (٩).

стр. 224

الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء في هذه المسألة على ستة أقوال هي: القول الأول: أن النوم ينقض الوضوء مطلقاً قليله وكثيره، سواءً أكان جالساً أم منكسراً أم مضطجعاً. وهو مروي عن ابن عباس (١)، واختاره ابن المنذر (٢)، وابن حزم (٣). القول الثاني: لا ينتقض وضوؤه بالنوم إلا في حال الاضطجاع، والتورك. وبه قال: أبو حنيفة (٤) وهو المشهور المعتمد في مذهبه، وداود الظاهري (٥). القول الثالث: ينتقض وضوؤه بالنوم إلا في حال الجلوس إذا كان ممكناً مقعدته من الأرض. وبه قال: الشافعي في الجديد، وهو المعتمد عند الشافعية (٦). القول الرابع: ينتقض وضوؤه بالنوم إلا يسير النوم من قائم أو قاعد. وبه قال: المالكية (٧)، والحنابلة (٨).

стр. 225

القول الخامس: لا ينتقض وضوؤه بذلك مطلقاً (عكس القول الأول). وهو محكي عن أبي موسى الأشعري (١)، وابن عمر (٢)، وبه قال: الشافعي (٣) في القديم، وأحمد (٤)، في رواية نقلها الميموني (٥)، وردَّها الخلال (٦)، واختارها ابن تيمية لكنه قيدها بما إذا ظن بقاء طهارته (٧). القول السادس: القول بالتفصيل، ففرقوا بين قليل النوم وكثيره فقالوا: إن قليل النوم لا ينقض الوضوء وكثيره ينقض على أي صفة كانت. وهو محكي عن الزهري (٨)، وربيعة (٩)، والأوزاعي (١٠)، وبه قال: مالك (١١)، وأحمد (١٢) -في إحدى الروايتين عنهما، وهي الرواية التي اختارها القاضي أبي يعلى ﵀ -كما تقدم.

стр. 226

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث معاوية ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن العينين وِكاءُ (١) السَّهِ (٢)، فإذا نامت العينان استطلق الوِكاءُ) (٣) وفي رواية عن علي مرفوعاً: (فمن نام فليتوضأ) (٤). وجه الدلالة: أنه عام في النوم فيشمل الكثير واليسير (٥). نوقش: بأنهما ضعيفان (٦)، وعلى فرض صحتهما فيفهم منهما أن النوم المعتاد هو الذي يستطلق منه الوكاء، ثم نفس الاستطلاق لا ينقض، وإنما ينقض ما يخرجه مع الاستطلاق، وقد يسترخي الإنسان حتى ينطلق الوكاء ولا ينتقض وضوؤه (٧). الدليل الثاني: حديث صفوان بن عسال (٨) ﵁ (أمرنا أن لا ننزع خفافنا، إذا كان سفراً –أو مسافرين- ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، لكن من غائطٍ أو بول أو نوم) (٩). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ عمّ كل نوم، ولم يخص قليله من كثيره، ولا حالاً من حال، وسوّى بينه وبين الغائط والبول في الحكم (١٠). نوقش: بأنه ليس فيه أن النوم ينقض الوضوء، وإنما فيه أنه لا ينزعهما من الغائط والبول والنوم (١١).

стр. 227

الدليل الثالث: القياس على الإغماء بجامع زوال العقل، فإذا انتقض وضوؤه بالإغماء ولو كان يسيراً بالإجماع فكذلك ينتقض بالنوم اليسير (١). نوقش: بأنه قياس مع الفارق حيث إن الإغماء لا شعور معه، بخلاف النوم اليسير فإن صاحبه غالباً يشعر بنفسه ولهذا إذا صيح به تنبّه (٢). الدليل الرابع: إن النوم حدث في نفسه، والحدث لا يفرق بين كثيره ويسيره كالبول (٣). نوقش: بأنه غير مسلم، بل النوم ليس بحدث في نفسه، وإنما هو مظنة الحدث (٤).

стр. 228

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: حديث ابن عباس ﵁ حيث قال: (إن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) (١). الدليل الثاني: حديث حذيفة (٢) ﵁ أنه نام جالساً فقال: "يا رسول الله: أمن هذا وضوء؟ قال: (لا، حتى تضع جنبك على الأرض) (٣). الدليل الثالث: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (من نام جالساً فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء) (٤). وجه الدلالة من هذه الأحاديث: أنها نصوص صريحة في عدم النقض بالنوم إلا إذا كان مضطجعاً، فإنه إذا نام مضطجعاً استرخت مفاصله فيخرج الحدث، بخلاف القعود والقيام والركوع والسجود، فإن الأعضاء متماسكة غير مسترخية فلم يكن هناك سبب يقتضي خروج الخارج (٥). نوقش: بأنها أحاديث ضعيفة، فلا حجة فيها (٦).

стр. 229

أدلة أصحاب القول الثالث: الدليل الأول: حديث حذيفة ﵁ أنه نام جالساً، فقال: يا رسول الله أمن هذا وضوء؟ قال: (لا، حتى تضع جنبك على الأرض) (١). وجه الدلالة: أنه نص صريح في أن النوم في حال الجلوس لا ينقض الوضوء. نوقش: بأنه ضعيف فلا حجة فيه. الدليل الثاني: حديث عمرو بن شعيب (٢) عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (من نام جالساً فلا وضوء عليه ومن وضع جنبه فعليه الوضوء) (٣). وجه الدلالة: أنه نص صريح في أن الجالس لا ينتقض وضوؤه بالنوم. نوقش: بأنه ضعيف، فلا حجة فيه. الدليل الثالث: حديث أنس ﵁ أنه قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضأون) وفي لفظ: (كان أصحاب رسول الله ينتظرون العشاء فينامون ثم يصلون ولا يتوضئون) (٤). وجه الدلالة: أنهم كانوا ينامون قاعدين ينتظرون الصلاة حتى تخفق رؤوسهم (٥)، وحتى يسمع لهم غطيط (٦)، ومع ذلك لم ينتقض وضوؤهم، فهو دليل على أن النوم جالساً لا ينقض الوضوء ولو كان كثيراً. الدليل الرابع: حديث ابن عمر ﵄: "أنه كان ينام وهو جالس ثم يصلي ولا يتوضأ" (٧).

стр. 230

أدلة أصحاب القول الرابع: "الذين قالوا: بانتقاض الوضوء بالنوم إلا يسير النوم من قائم أو قاعد". الدليل الأول: عموم حديث علي وصفوان المتقدمين، ولكنهما مخصوصان بحديث أنس المتقدم، فإنه محمول على أن النوم اليسير لا ينقض (١). نوقش: بأن حديث أنس ليس فيه بيان كثرة ولا قلة (٢). وأجيب: بأن النائم يخفق رأسه من يسير النوم، فهو يقين في اليسير، فيعمل به منه، وما زاد فهو محتمل لا يترك له العموم المتيقن (٣). الدليل الثاني: إن نقض الوضوء بالنوم معلل بإفضائه إلى الحدث، ومع الكثرة والغلبة يفضي إليه، ولا يحس بخروجه منه، بخلاف اليسير، ولا يصح قياس الكثير على القليل، لاختلافهما في الإفضاء إلى الحدث (٤). الدليل الثالث: قياس القائم على القاعد، لأنهما يشتبهان في الانخفاض واجتماع المخرج، فكما أن نوم القاعد لا ينتقض به الوضوء للأدلة المذكورة عند الشافعية -أصحاب القول الثالث- فكذا القائم مثله، بل أولى، لأن القائم منضم ومتحفظ كالقاعد، وهو أيضاً لا يستثقل نومه استثقال الجالس لاعتماد القاعد على مقعدته بخلاف القائم، وربما كان القائم أبعد من الحدث لعدم الاستثقال في النوم، فإنه لم استثقل لسقط، فيبعد خروج الحدث منه مع عدم العلم به في النوم اليسير (٥).

стр. 231

أدلة أصحاب القول الخامس:"الذين قالوا بعدم انتقاضه بالنوم مطلقاً". الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ الآية (١). وجه الدلالة: أنه سبحانه ذكر نواقض الوضوء ولم يذكر النوم (٢). نوقش من وجهين: أحدهما: أن المراد بالقيام في الآية هو القيام من النوم، مما يدل على أن النوم حدث في نفسه ناقض للوضوء (٣). والوجه الثاني: أن الآية ذكر فيها بعض النواقض، وبينت السنة الباقي، ولهذا لم يذكر فيها البول وهو ناقض بالإجماع (٤). الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) (٥). وجه الدلالة: أنه ﷺ لم يذكر النقض بالنوم. نوقش: بأنه إنما ورد في دفع الشك، لا في بيان نواقض الوضوء وحصرها، ولهذا لم يذكر فيه البول والغائط وزوال العقل وهي من نواقض الوضوء بالإجماع (٦). الدليل الثالث: حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ : (اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه بلال فآذنه بالصلاة، فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ) (٧) وقد قال ﷺ : (تنام عيني ولا ينام قلبي) (٨). وجه الدلالة: أنه ﷺ يشعر بما يخرج منه وهو نائم لأنه يقظان، ولأن قلبه الذي لم ينم كان يعرف به أنه لم يحدث. وهذا يدل على أن النوم ليس بحدث في نفسه، إذ لو كان حدثاً لم يكن فيه فرق بين النبي ﷺ وغيره، كما في البول والغائط والريح (٩).

стр. 232

الدليل الرابع: حديث أنس ﵁ أنه قال: (أن أصحاب النبي ﷺ ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون) (١). وجه الدلالة: أنه يدل على أنه جنس النوم ليس بناقض، إذ لو كان ناقضاً لانتقض بهذا النوم الذي تخفق به رؤوسهم (٢). أدلة أصحاب القول السادس: "الذين قالوا بانتقاض الوضوء بكثير النوم الثقيل دون قليله الخفيف". الدليل الأول: الجمع بين الأحاديث المتعارضة بحمل حديث علي وصفوان وما في معناهما (٣) على النوم الكثير، وحمل أحاديث عدم النقض كحديث أنس وغيره (٤) على النوم اليسير. الدليل الثاني: إنه مع الاستثقال يغلب خروج الخارج بخلاف القليل (٥). الدليل الثالث: أن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك (٦). الدليل الرابع: حديث "إذا نام العبد وهو ساجد يباهي الله به الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي روحه عندي، وهو ساجد لي" (٧). وجه الدلالة: فلو انتقض وضوؤه لما جعله ساجداً (٨).

стр. 233

الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأخير فلا ينقض إلا النوم الطويل المستثقل الذي لا شعور معه ولا إحساس، لما يأتي: ١ - أنه القول الذي تجتمع به الأدلة كلها، والأخذ بالأدلة كلها أولى من ترك بعضها. ٢ - أنه لا يمكن الجمع بين الأدلة إلا بالتفريق بين النوم الخفيف والثقيل فالنوم ليس بناقض، وإنما الناقض الحدث، فإذا نام النوم المعتاد كنوم الليل والقيلولة فإنه يكون نومه ثقيلاً لا يحس بخروج الريح منه، فلما كانت الحكمة خفية لا نعلم بها قام دليلها مقامها (١). ٣ - أن الصحابة ﵃ كانوا ينامون في المسجد وهم ينتظرون الصلاة ولم يستفصل النبي ﷺ أحداً منهم عن كيفية نومه فلم يقل: هل رأيتم رؤيا؟ أو هل مكن أحدكم مقعدته من الأرض؟ أو هل كان مستنداً أو متكئاً؟ أو سقط شيء من أعضائه على الأرض؟ فلو كان الحكم يختلف لسألهم عن ذلك (٢)، مما يدل على أن مجرد النوم لا ينقض بأي حال من الأحوال حتى ولو كان مضطجعاً مالم يفقد معه الإنسان شعوره فيستغرق فيه ولا يحس بشيء فحينئذ ينتقض لأنه مظنة خروج الحدث، وقد صح عن أنس: (أن أصحاب رسول الله ^ كانوا يضعون جنوبهم فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ) (٣)، وهذا محمول على أن من توضأ هو الذي نام نوماً ثقيلاً لا شعور معه، ومن لم يتوضأ فلأنه لم يفقد شعوره بنومه لكونه خفيفاً.

стр. 234

المسألة الثالثة: حكم وضوء من مس ذكره بظهر كفه . المقصود بذلك: لو كان الإنسان على طهارة، ومس ذكره بظهر كفه هل ينتقض وضوءه أو لا ينتقض؟ اختيار القاضي: اختار ﵀، انتقاض الوضوء بمس الذكر بظهر الكف، موافقاً في اختياره المشهور من مذهب الحنابلة، كما سيأتي. فقال ﵀: (مسألة: واختلفت إذا مس ذكره بظهر كفه، فنقل صالح أنه ينتقض الوضوء كما لو مسه ببطن كفه، وهو أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة الأربعة على عدم انتقاض وضوء من مسّ فرجه بغير يده من أعضائه الأخرى (٢)،واختلفوا في انتقاض الوضوء بمس ذكر الآدمي بدون حائل ببطن كفه أو ظاهرها. سبب الخلاف: هو اختلافهم في تفسير قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) (٣)، فقوله ﷺ : (أفضى بيده) هل الإفضاء والمس خاص بباطن الكف أم يشمل ظاهرها؟ وهل يقتصر على باطن الكف لأنه راجع إلى اعتبار سبب اللذة؟ (٤).

стр. 235

الأقوال في المسألة: اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: أن مس الذكر بظاهر الكف لا ينقض الوضوء. وبه قال: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، ورواية عن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: أن مس الذكر بظاهر الكف ينقض الوضوء. وبه قال: الحنابلة، وهو من مفردات المذهب (٥)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.

стр. 236

أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) (١) والإفضاء يكون بباطن الكف لا بظاهر الكف، وأفضى الرجل بيده إلى الأرض: مسها بباطن راحته (٢). ونوقش: بأن الإفضاء اللمس من غير حائل، فيشمل باطن الكف وظاهرها (٣). الدليل الثاني: أن اليد خصصت لأنها آلة اللمس وموضع اللمس فيها باطنها فينصرف إليه النهي بخلاف ظاهرها فإنه ليس آلة للمس (٤). ونوقش: أن كل شيء لاقى شيئا فقد مسه، فخصُ المس بباطن اليد ليس بصحيح (٥).

стр. 237

الدليل الثالث: أن في باطن الكف والأصابع من اللطف والحرارة المحركين للمذي ما ليس في غيرهما (١). ونوقش: أن الحكمة من الوضوء تعبدية غير معقولة المعنى (٢). وأجيب عنه: أنه متى دار الحكم بين كونه تعبديا ومعقول المعنى كان جعله معقول المعنى هو الوجه لندرة التعبد وكثرة التعقل (٣). الدليل الرابع: الاتفاق على أن من مس ذكره بذراعه أو بعضده أو بفخذه أو نحو ذلك فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء، ولا فارق بين هذه المواضع وظاهر الكف (٤). ونوقش: أن ظاهر كفه من يده، ولأنه جزء من يده تتعلق به الأحكام المعلقة على مطلق اليد، فأشبه باطن الكف (٥).

стр. 238

أدلة أصحاب القول الثاني: الدليل الأول: قوله ﷺ : (من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) (١). وجه الدلالة: أنه لا فرق بين بطن الكف وظهرها وحرفها، لأنه جزء منها أشبه بطنها (٢). ونوقش: أن العادة أن اللمس يكون بباطن الكف والأصابع، ولأن فيهما من اللطف والحرارة المحركين للمذي ما ليس في غيرهما (٣). الدليل الثاني: أنه مس فرجه بيده فوجب أن ينقض وضوءه كما لو مسه براحته (٤). ونوقش: أن ظاهر الكف ليس بآلة للمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه (٥). الترجيح: الراجح والله أعلم هو القول الأول القائل بعدم نقض وضوء من مس ذكره بكفه، لأن المعنى الذي اختصت به اليد في مسه بنقض الوضوء دون سائر الجسد، إما أن يكون لحصول اللذة المقتضي إلى نقض الطهر وإما لأن اليد آلة الطعام فخيف تنجسها بآثار الاستنجاء، وكلا المعنيين مختص بباطن الكف دون ظاهرها (٦)، وإن كان الحكم تعبدياً فيقتصر على ما يتبادر للذهن أنه مظنة اللمس وهو باطن الكف.

стр. 239

المسألة الرابعة: حكم وضوء من مس ذكره من غير شهوة . اختيار القاضي: اختار ﵀ -انتقاض وضوء من مسه ذكره بغير شهوة موافقاً في ذلك ا لمشهور من مذهب الحنابلة كما سيأتي. قال ﵀: (مسألة: واختلفت إذا مسه بغير شهوة، فنقل أبو داود نقض الوضوء وهو أصح) (١). تحرير محل النزاع: اتفق الأئمة الأربعة ﵏ على أن من مس الذكر من وراء حائل لا ينقض الوضوء (٢)، واختلفوا في مس الذكر مباشرة هل هو يوجب الوضوء أو لا يوجبه؟ سبب الخلاف: السبب هو اختلافهم في الأحاديث والآثار المتعارضة في هذه المسألة، فاختلف العلماء تبعاً لذلك (٣).

стр. 240

الأقوال في هذه المسألة: اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: القول الأول: لا ينتقض الوضوء بمس الذكر مطلقاً. وبه قال: أبو حنيفة وأصحابه (١)، ورواية للإمام أحمد (٢). القول الثاني: أن مس الذكر ناقض للوضوء، فمن مس ذكره فيجب عليه الوضوء. وبه قال: المالكية (٣)، والشافعية (٤)، وابن حزم (٥)، وأحمد -في أشهر الروايتين عنه وهي المذهب عند الحنابلة (٦)، وهي اختيار القاضي أبي يعلى كما تقدم. القول الثالث: أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب. وهذا قول للمالكية (٧)،ورواية عن الإمام أحمد (٨)، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٩). القول الرابع: التفريق بين اللمس بشهوة واللمس بغير شهوة، فمن لمس ذكره بشهوة انتقض وضوءه، أما اللمس بغير شهوة فلا ينتقض الوضوء، وهذه رواية للإمام مالك (١٠) ورواية للإمام أحمد (١١).

стр. 241

الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: القائلين بعدم النقض بالمس مطلقاً. الدليل الأول: حديث قيس بن طلق (١)، عن أبيه (٢) ﵁، قال: قدمنا على نبي الله ^ فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مسّ الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ أعليه الوضوء؟ فقال: (هل هو إلا مُضْغة (٣) منه)، أو قال: (بَضْعة (٤) منه) (٥). وجه الدلالة: أنه نص صريح في عدم نقضه للوضوء. نوقش من خمسة أوجه: الوجه الأول: أنه ضعيف، فلا حجة فيه (٦). وأجيب عنه: بأن من أهل العلم من صححه (٧)، بل قال الترمذي (٨): هذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب (٩).

стр. 242

الوجه الثاني: أنه -على فرض صحته- منسوخ، فإن وفادة طلق بن علي (١) على النبي ﷺ كانت في السنة الأولى من الهجرة، وهم يؤسسون المسجد، ورواة حديث إيجاب الوضوء من مس الذكر منهم أبو هريرة لم يسلم إلا بعد خيبر في السنة السابعة من الهجرة، وبسرة بنت صفوان أسلمت عام الفتح سنة ثمان من الهجرة (٢). ويجاب عنه: بأنه لا يلزم من تقديم إسلام الراوي وهو طلق ﵁ القول بنسخ حديثه لاحتمال أن يكون حدث به عن غيره، أو أن النبي ﷺ حدث به بعد مدة طويلة من إسلام طلق لا في أول إسلامه، وإذا تطرق الاحتمال بطل الاستدلال، فيبطل القول بالنسخ.

стр. 243

الوجه الثالث: أنه محمول على المسّ من وراء حائل، لأن في بعض روايات هذا الحديث عن طلق قال: خرجنا وفداً حتى قدمنا على النبي ﷺ فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة، جاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله ما ترى في جل مس ذكره في الصلاة، قال: (هل هو إلا مضغة منك)، أو (بضعة منك) (١)، والمصلي في الغالب إنما يمسّه من فوق ثيابه (٢). وأجيب عنه: بأن تعليل النبي ﷺ بقوله: إنما هو بضعة منك يرد احتمال كونه من وراء حائل (٣)، ولو كان المراد به ذلك لقال: إنك لم تباشره بالمس، وإنما مسسته من وراء حائل فلا ينتقض وضوؤك، ولكنه عدل عن هذا التعليل إلى تعليل بعلة لا يمكن أن تزول، إذ لا يمكن أن يكون ذكر الإنسان ليس بضعة منه، والحكم يدور مع علته وهذه العلة لا تزول، فلا يزول الحكم (٤). الوجه الرابع: أن حديث النقض بالمس ناقل عن الأصل، وحديث عدم النقض مبق على الأصل، والناقل عن الأصل أولى بالترجيح فإنه معه زيادة علم، وإلا للزم القول بالنسخ مرتين (٥)، فيترجح حديث بسرة وما في معناه على حديث طلق، لأن حديثها ناقل عن الأصل، وحديثه مبق على الأصل.

стр. 244

الوجه الخامس: أنه –على تقدير التعارض بين الحديثين- فإن أحاديث النقض أكثر رواة، وأصح إسناداً، وأقرب إلى الاحتياط، وذلك يوجب ترجيحها، فإنه إن أعاد الوضوء وصلى، فإما أن يكون على وضوء فهو نور على نور، وإما أن يكون على غير وضوء فيكون مؤدياً فرضه بيقين (١). الدليل الثاني: حديث أبي أمامة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن مسّ الذكر، فقال: (إنما هو حِذيَة (٢) منك) (٣). وجه الدلالة: أنه إذا كان الذكر حذية من الإنسان أي قطعة منه فحكمه كسائر البدن، وسائر البدن لا ينتقض الوضوء بمسه فكذا مس الذكر. نوقش: بأنه حديث ضعيف، فلا حجة فيه (٤). الدليل الثالث: القياس: حيث أنه مس عضو منه فلم ينتقض كسائر الأعضاء (٥). نوقش: بأنه قياس مع الفارق فلا يصح، إذ الذكر تثور الشهوة بمسه غالباً بخلاف غيره من الأعضاء (٦)، وتتعلق بإيلاج الذكر أحكام كثرة لا تتعلق بشيء من البدن (٧)، ثم هو قياس في مقابلة النص فيبطل (٨).

стр. 245

أدلة أصحاب القول الثاني: القائلين بالنقض مطلقاً. الدليل الأول: حديث بسرة (١) بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ) (٢). الدليل الثاني: حديث أم حبيبة (٣) ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من مس فرجه فليتوضأ) (٤). الدليل الثالث: حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: (من مس ذكره فليتوضأ، أيما امرأة مسَّت فرجها فلتتوضأ) (٥).

стр. 246

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر، فليتوضأ وضوءه للصلاة) (١). وجه الدلالة: أنها نصوص صريحة في وجوب الوضوء من مس الذكر. ونوقشت: بأنها أحاديث ضعيفه متكلم فيها، ضعفها يحيى بن معين (٢)، وقال: ثلاثة أحاديث لا تصح وذكر منها أحاديث نقض الوضوء من مس الذكر (٣).

стр. 247

وأجيب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث صحيح صححه الجماهير من الأئمة الحفاظ، واحتج به الأئمة الأعلام أهل الحديث والفقه، فلا يقدح فيه تضعيف ابن معين، وقد خالفه الأكثرون فصححوه (١). الوجه الثاني: أنه قد جاء عن يحيى بن معين رواية بالنقض (٢)، فإما أن يكون رجع عن قوله الأول، وإما أن يكون لم يثبت عنه (٣)، وعلى كل حال فقوله الموافق للحديث أولى لا سيما وقد وافق فيه أكثر العلماء. أدلة أصحاب القول القول الثالث: القائلين أن الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب. استدلوا أيضاً بالأدلة الموجبة للوضوء من مس الذكر ولكنهم خصوا ذلك بما إذا كان ذلك بشهوة. ويجاب عن ذلك: بأن الأدلة عامة والتخصيص يحتاج إلى دليل ولا دليل معهم.

стр. 248

أدلة أصحاب القول الرابع: القائلين بالتفريق بين اللمس بشهوة واللمس بغير شهوة، فمن لمس ذكره بشهوة انتقض وضوءه، استدل شيخ الإسلام ابن تيمية لهذا القول: بأن تحمل أحاديث الأمر بالوضوء من مس الذكر على الاستحباب وحمل الأمر على الاستحباب أولى من نسخ أحاديث عدم الوجوب، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب (١). الترجيح: الأظهر والله أعلم هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: أن الوضوء من مس الذكر مستحب مطلقاً وذلك لأنه القول الذي تجتمع به الأدلة بحمل الأمر بالوضوء في حديث بسرة للاستحباب، والنفي في حديث طلق لنفي الوجوب (٢)؛ بدليل أنه سأل عن الوجوب فقال: (أعليه) وكلمة: (على) ظاهرة في الوجوب (٣). ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀ -بعدما ساق الخلاف في المسألة: (الوضوء من مس الذكر مستحب لا واجب وهكذا صرح به الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار بحمل الأمر به على الاستحباب ليس فيه نسخ قوله: (وهل هو إلا بضعة منك؟)، وحمل الأمر على الاستحباب أولى من النسخ) (٤).

стр. 249

المسألة الخامسة: حكم مس المرأة الميتة لشهوة . اختيار القاضي: اختار القاضي ﵀ -أن الملامسة الموجبة للوضوء هي التي تكون بلذة وشهوة، سواء كانت المرأة حية أم ميتة، أما إذا كانت بدون لذة أو شهوة فلا توجب الوضوء، موافقاً في اختياره مذهب الحنابلة، كما سيأتي. قال: المرداوي ﵀ -عند كلامه عن مس المرأة لشهوة (أما الميتة: فهي كالحية على الصحيح من المذهب .. اختاره القاضي) (١) الأقوال في المسألة: للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أن لمس النساء لا ينقض الوضوء مطلقاً؛ أي: سواء كانت الملامسة بشهوة أو بدونها، للحية والميتة. وهذا القول مروي عن: ابن عباس، وعلي بن أبي طالب (٢)، وبه قال الحنيفة (٣) وهو رواية عن الإمام أحمد (٤). القول الثاني: أن لمس المرأة ينقض الوضوء مطلقاً حية كانت أو ميتة، سواءً أكان بشهوة أم بغير شهوة. روي هذا عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود (٥)، وبه قال: الشافعية (٦) وهو رواية عن الإمام أحمد (٧). القول الثالث: القول بالتفصيل: وهو: إن كان اللمس بشهوة نقض الوضوء ولو كانت ميتة، وإن كان بغير شهوة لم ينقض الوضوء. وهو أصح الوجهين عند الشافعية (٨)، وهو المشهور من مذهب الحنابلة (٩)، وهو اختيار القاضي كما تقدم.

стр. 250

أدلة أصحاب القول الأول: الدليل الأول: من السنّة عن عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ" (١). الدليل الثاني: من السنّة أيضاً عن عائشة ﵂ قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتها. قلت: "والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح" متفق عليه (٢). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: فقدت رسول ﷺ ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (٣). وجه الدلالة: أنه دليل صريح على أن لمس المرأة بمجرده لا ينقض الوضوء حيث أنه ﷺ فعله وهو في صلب الصلاة ولم ينتقض وضوءه. ونوقش: بأن لمس النبي ﷺ لعائشة يحتمل أن يكون فوق حائل (٤) أو أنه خاص بالنبي ﷺ . ويناقش: بأن هذا احتمال لا دليل عليه. الدليل الرابع: "البراءة الأصلية" فقالوا: الأصل أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء فلا ينتقل إلى ضده إلا إذا ورد دليل شرعي صحيح صريح على ذلك.
следующие страницы →