فهو آخر صلاته. وما يقضيه فهو أولها. يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة جهراً، وهو مشهور مذهب أحمد ورُوى عن الشافعى، فمن أدرك ركعة من الرباعية يقضى ركعتين بفاتحة وسورة ثم يتشهد، ثم يأتى بركعة بفاتحة فقط. ومن أدرك ركعة من المغرب يقضى ركعتين بفاتحة وسورة ثم يتشهد " لقول " النبى ﷺ فى رواية من حديث أبى هريرة، وما فاتكم فاقضوا. أخرجها النسائى والبيهقى وقال: رواه مسلم عن سفيان بن عُيينة. وحكى عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهرى غيرُ ابن عيينة وأخطأ (١) ولكن تابع ابنَ عيينة ابنُ أبى ذئب فرواها عن الزهرى كذلك. وكذا أخرج الحديث أبو نُعيم فى المستخرج على الصحيحين. ذكره ابن التركمانى (٢).
(وأجاب) الأولون بأن هذه الرواية شاذة. قال البيهقى: والذين قالوا " فأتموا " أكثر وأحفظ وألزم لأبى هريرة راوى الحديث فهو أولى (٣) وأيضاً فإن القضاء يطلق بمعنى الأداء كما فى قوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقوله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ وهو المراد هنا جمعاً بين الروايات.
(وقال) أبو يوسف ومحمد: ما أدركه مع الإمام فهو ألو صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبنى عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها. وهو مشهور مذهب مالك. فمن أدرك ركعة من غير الصبح يأتى بعد سلام إمامه بركعتين بفاتحة وسورة ويتشهد بينهما ثم يأتي برابعة فى الرباعية بفاتحة فقط " لما روى " قتادة أن علياً قال: ما أدركتَ مع الإمام فهو أول صلاتك واقضِ ما سبقك به من القرآن. أخرجه البيهقى وقال: هذا وإن كان مرسلا عن على رضى الله عنه فهو شاهد لرواية الحارث عنه (٤). ﴿٥٣﴾
стр. 1017
(فائدتان) (الأولى) المسبوق عند الحنفيين، منفرد فيما يقضيه إلا فى أربع:
(١) لا يجوز الاقتداء به. (٢) ويأتى بتكبير التشريق اتفاقاً، والمنفرد لا يأتى به عند الإمام. (٣) ولو كبر ينوى استئناف الصلاة يصير مستأنفاً بخلاف المنفرد فإنه لا يصير مستأنفاً. (٤) ولو قام لقضاء ما سُبِقَ به وسجد إمامه لسهو تابعة فيه إن لم يقيّد الركعة - التى قام إليها - بسجدة، فإن لم يتابعه سجد فى آخر صلاته وينبغى له أن ينتظر بعد السلام حتى يتبين له أنه لا سهو على الإمام، ولو قام قبل قعود الإمام قدر التشهد لا يعتدّ بما أدّاه من قيام وقراءة قبل ذلك، وإنما يعتد بما أداه بعده. فإن قرأ بعد فراغ الإمام من التشهد ما تجوز به الصلاة جاز وإلا فلا. وهذا فى المسبوق بركعة أو ركعتين. فإن كان مسبوقاً بثلاث وقام بعد تشهد الإمام جاز وإن لم يقرأ، لأنه سيقرأ فى الباقيتين. والقراءة فرض فى ركعتين (ويكره) تحريماً قيامه للقضاء قبل سلام الإمام بعد قعوده قدر التشهد إذا اقتدى بمن يرى سجود السهو بعد السلام لا قبله.
(الثانية) من أدرك الإمام راكعاً فالأفضل أن يكبر للإحرام قائماً ثم يكبر للركوع. وإن اقتصر على تكبيرة الإحرام كفته. رُوى هذا عن زيد بن ثابت وابن عمر ولا يُعرفُ لهما مخالف من الصحابة فيكون إجماعاً. وبه قال سعيد بن المسيَّب وعطاء والحسن البصرى والثورى ومالك والحنفيون وأحمد (قال) ابن قدامة: قال أحمد فى رواية ابنه صالح فيمن جاء والإمام راكع: يكبر تكبيرة واحدة، قيل له: ينوى بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو أليس قد جاء وهو يريد الصلاة؟ ولن نية الركوع لا تنافى نية الافتتاح. ولهذا حكمنا بدخوله فى الصلاة بهذه النية ولم تؤثر نية الركوع فى فسادها والأفضل تكبيرتان (قال أبو داود) قلت لأحمد: يكبر مرتين أحب إليك؟ قال: إن كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف. وإن نوى تكبيرة الركوع خاصة لم يجزه، لأن تكبيرة
стр. 1018
الإحرام ركن ولم يأت بها (١) ومن أدرك الإمام بعد الرفعِ من الركوع كبر للإحرام ثم كبر هاوياً للسجود خلافاً للحنبلية حيث قالوا: يهوى بلا تكبير. وإن أدركه فى السجود أو التشهد الأول كبر حال قيامه مع الإمام، لأنه صار مأموماً فيتابعه فى التكبير اتفاقاً.
وإن سلم الإمام قام المأموم لإتمام ما عليه بتكبير عند أبى حنيفة والثورى وإسحاق وأحمد، لأنه قام إلى ركن معتدّ به كالقائم من التشهد الأول، وكما لو قام مع الإمام (وقالت) المالكية والشافعية: يقوم بلا تكبير إن لم يدرك ركعتين بأن أدرك ركعة أو ثلاثاً، وإلا قام بتكبير.
(د) (والمسبوق اللاحق) ومن لم يدرك الركعة الأولى وفاته بعد الاقتداء ركعة أو أكثر لعذر كنوم وزحمة (وحكمه) أنه كالمسبوق فيما سُبِق به، وكاللاحق فيما فاته بعد الاقتداء.
(٢٤) تعدد الجماعة فى وقت واحد: نرى فى كثير من المساجد الجامعة عند شروع الإمام الراتب فى صلاة الفريضة جمعاً من الأئمة: منهم من يصلى بواحد، ومنهم من يصلى باثنين، ومنهم من يصلى بأربعة أو أكثر، ومنهم جملة أئمة فى صف واحد، ومنهم المتقدم والمتأخر فيقع الاختلاط والاشتباه فى الصلاة وتلتبس الأئمة ويشوش بعضهم على بعض بالقراءة ويختلط الحال على المأموم. فقد لا يميز إمامه من غيره. وقد يقتدى بالمأموم. وهذا ممنوع اتفاقاً لوجوه (الأول) أنه مخالف لما كان عليه النبى ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، فإن ما ذكر لم يحصل فى زمنهم. وفى الحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. أخرجه أحمد ومسلم عن عائشة وذكره البخارى بلا سند (٢). ﴿١٧١﴾
стр. 1019
(الثانى) أنه مناف لحكمه مشروعية الجماعة من ائتلاف القلوب وجمع الكلمة، ولذا شرعت صلاة الجمعة والعيدين والخوف، وفى تعد الجماعة فى وقت واحد تفريق لا جمع. (الثالث) أن فيه تشويشاً بالقراءة وتخليطاً على المتعبدين وهو حرام " لحديث " البياضى أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد عَلتْ أصواتُهم بالقراءة فقال: إن المصلىَ يَناجى ربه فلينظر بم يناجيه؟ ولا يجهرْ بعضُكم على بعض بالقرآن. أخرجه أحمد بسند صحيح (١). ﴿١٧٢﴾
" ولقول " أبى سعيد الخدرىّ: اعتكف رسولُ الله ﵌ فى المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف السِّتر وقال: ألا إن كلَّّكم مناج ربه، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفعْ بعضُكم على بعض فى القراءة. أو قال فى الصلاة. أخرجه أبو داود والنسائى والبيهقى والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢). ﴿١٧٣﴾
(الرابع) أن فيه إخلالا بتسوية الصفوف وهو مخالف لتعاليم النبى ﷺ وأصحابه وسلف الأمة كما تقدم فى بحث " تسوية الصفوف ".
(الخامس) أن فيه افتياتاً وطعناً فى حق الإمام الراتب، وقد حث الأئمة خصوصاً الشافعية والحنبلية على حفظ حق الإمام الراتب ولو غائباً ولم يرخصوا لغيره فى إقامة الجماعة فى غيبته إلا لعذر كاليأس من حضوره وخوف فوات الوقت (قال النووى): قال الشافعى: إذا حضرت الجماعة ولم يحضر إمام،
стр. 1020
فإن لم يكن للمسجد راتب صلى بهم أحدهم. وإن كان له إمام راتب فإن كان قريباً بعثوا إليه ليحضر أو يأذن لمن يصلى بهم. وإن كان بعيداً أو لم يوجد فى موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أنه لا يتأذى بتقديم غيره ولا تحصل بسببه فتنة، استحب أن يصلى بهم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام. وإن خافوا أذاه أو فتنة، انتظروه إن لم يخافوا فوات الوقت، وإلا صلوا جماعة (١).
(وقال) ابن قدامة: ولا يُؤَمُّ فى مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، لأن الإمام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق " لقوله " ﵊: لا يؤمَنَّ الرجلُ الرجلَ فى بيته إلا بإذنه (٢) " وقد رُوى " عن ابن عمر أنه أتى أرضاً وعندها مسجد يصِّلى فيه مولى لابن عمر فصلى معه، فسألوه أن يصلى بهم فأبى وقال: صاحب المسجد أحق إلا أن يتأخر لعذر فيصلى غيره لأن أبا بكر صلى حين غاب النبى ﷺ . وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال النبى ﷺ " أحسنتم " فإن لم يُعلم عذرُه انتُظر وروسِلَ إلا أن يُخشى خروجُ الوقت فيقدَّم غيره لئلا يفون الوقت (٣).
(ونقل الحطَّاب) عن الشيخ عبد الرحمن بن الحسين السعدى المالكى أنه أفتى فى سنة ٥٥٠ خمسين وخمسمائة بمنع الصلاة بأئمة متعددة بالمسجد الحرام على مذاهب الأئمة الأربعة. وردّ على من جوّز ذلك وبالغ فى الرد فقال: قولهم عن هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع فإن الأئمة مُجْمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأنَّ أقلّ أحوالها الكراهة. لأن الذى اختلف فيه العلماء إنما هو مسجد ليس له إمام راتب، أوله إمام صلى جماعة ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة، فأما حضور جماعتين أو أكثر فى مسجد واحد
стр. 1021
فيصلى الإمام الراتب والبعض عُكوف من غير ضرورة لا يصلون معه ثم يصلون جماعة بعده، أو يقيمون معه جماعة أخرى. فهذا مجمع على عدم جوازه، وأقل أحواله الكراهة. فمن قال يجوازه بلا كراهة فد خرق إجماع الصحابة والقرون الستة بعدهم إلى حين ظهور هذه البدعة. (ونُقل) عن الإمام أحمد أنه منع من إقامة صلاة واحدة بجماعتين فى المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ ، وأن هذا مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة وغيرهم وقال: " فأما " إقامة صلاة واحدة بإمامين راتبين يحضُر أحدهما فيصلى إماماً وتجلس الجماعة الأخرى وإمامهم حتى يفرغ الأول ثم يقيمون صلاتهم " فهذا " مما لم يقل به أحد فكيف بإمامين يقيمان الصلاة فى وقت واحد، يكبر كل والمقتدون بهما مختلطون يسمع كلٌّ قراءة الآخر، فهو مخالف لقول الرسول ﷺ : ولا يجهرْ بعضكم على بعض بالقرآن (١)
" وَلِمَا " عليه سلف الأمة فى القرون الستة الأولى ثم قال: وسئل القاضى جمال الدين بن ظَهيرةَ الشافعى عن إقامة الأئمة الأربعة لصلاة المغرب فى وقت واحد، وعن قول بعضهم: إن المسجد الحرام كأربعة مساجد (فأجاب) بأن صلاة الأئمة الأربعة المغرب دفعة واحدة م البدع الشنيعة التى لم تزل العلماء قديماً وحديثاً ينكرونها ويردونها على مخترعها. وقوُلهُم إن المسجد الحرام كأربعة مساجد، هو قول سخيف باطل مخالف " لقوله " تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ و " لقول " البنى ﷺ : صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام (٢). ﴿١٧٤﴾
ولم يقل المساجد الحرام ثم قال: وعلى الجملة فذلك من البدع التى
стр. 1022
يجب إنكارها والسعى فى خفض منارها وجمع الناس على إمام واحد، ويثاب ولىّ الأمر على إزالة هذا المنكر، وكل من قام بذلك فإنه فله الجر الوافر والخير العظيم المتكاثر (قال الحطَّاب) وما قاله هؤلاء الأئمة ظاهر لا شك فيه، إذ لا يشك عاقل فى أن هذا الفعل مناقض لمقصود الشارع من مشروعية صلاة الجماعة. ولذا لم يَسمح بتفريق الجماعة بإمامين عند الضرورة الشديدة، وهى حال قتال العدو بل أمر بقسم الجماعة وصلاتهم بإمام واحد (١).
(وقد سئل) الشيخ محمد عليش عن حكم هذه المسألة بما ملخصه: ما قولكم فى صلاة جماعتين فأكثر فى محل واحد يقيمون الصلاة معاً أو متعاقبين ويقرءون معاً الفاتحة أو يقرأ أحدكم الفاتحة والآخر السورة، وهكذا فهل هذا من البدع والمحدَثات التى يجب على أهل العلم وأولى الأمر وإنكارها؟ وهل جريان العادة به من بعض العلماء والعوام يسوّغه؟ (فأجاب) بقوله: الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله. نعم هذا من البدع الشنيعة والمحدثات الفظيعة، أول ظهوره فى القرن السادس، ولم يكن فى القرون التى قبله، وهو من المجمع على تحريمه كما نقله جماعة من الأئمة " لمنافاته " لغرض الشارع من مشروعية الجماعة الذى هو جمع قلوب المؤمنين وتأليفهم وعود بركة بعضهم على بعض، وله شرعت الجمعة والعيد والوقوف بعرفة " ولتأديته " للتخليط فى الصلاة التى هى أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين والتلاعب بها، فهو مناف " لقوله " تعالى ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ (٢)﴾ " وقوله " تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطَى (٣)﴾
стр. 1023
" وقوله " ﷺ : صلوا كما رأيتمونى أصلى (١). ﴿١٧٥﴾
" وقوله " ﷺ " اتقوا الله فى الصلاة، اتقوا الله فى الصلاة اتقوا الله فى الصلاة " (٢). ﴿١٧٦﴾
" وقوله " ﵌: أتموا الصفّ المقدّم (٣) ثم قال: " ومناف " لمشروعية صلاة القسمة حال الجهاد وتلاطم الصفوف وتضارب السيوف بجماعة واحدة كما فى القرآن العزيز، ولم يشرع حالهَ تعدُد الجماعة فكيف يُشرع حال السعة والاختيار؟ فإنها لا تعمى الأبصارُ ولكنْ تعمى القُلوبُ التى فى الصُّدُور (٤). وقد أمر الله تعالى بهدم مسجد الضرار الذى اتخذ لتفريق المؤمنين فكيف يأذن بتفريقهم وهم بمحل واحد للصلاة مجتمعين، وقال ﷺ : حسْب المؤمن الشقاء والخيبة أن يسمع المؤذن يُثِّوب للصلاة فلا يُجيبه (٥). ﴿١٧٧﴾
وإذا كان هذا حال سامع الأذان المتلاهى عنه، فكيف حال سامع الإقامة المتصلة بالصلاة المتلاهى عنها وهو فى المسجد؟ وكيف يمكن إجابة إقامتين فأكثر لو شرعتا فى محل واحد ووقت واحد؟ (وقال) عُرفجة بن أسعْد الأشْجعىّ: سمعت النبى ﷺ يقول: إنه ستكون بعدى
стр. 1024
هَنَات وهنات. فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهم جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان (١). ﴿١٧٨﴾
(وأخرج) ابن ماجه فى سننه عن حُذيفه رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجاً ولا عمرة ولا جهاداً ولا صرفاً ولا عدلا، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين (٢). ﴿١٧٩﴾
(وعن أبى ذر) أن النبى ﷺ قال: صل الصلاة لوقتها. فإن أدركت الإمام يصلى بهم فصل معهم، فهى لك نافلة وإلا فقد أحرزتَ صلاتك (٣) فلم يأذن النبى ﷺ فى تعدد الجماعة ولا فى التخلف عنها فيجب على العلماء وأولى الأمر وجماعة المسلمين إنكارها وهدم منارها. وجريان العادة بها من بعض العلماء والعوام لا يسوغها. أهـ ملخصاً (٤) وساق ما تقدم عن لحطَّاب مع زيادة. وقال العلامة السِّندى الحنفى: ما يفعله أهل الحرمين من الصلاة بأئمة متعددة وجماعات مرتبة، مكروه اتفاقاً. وذكر أنه أفتى بعض المالكية: بعدم جواز ذلك على مذاهب العلماء الأربعة، ونقل إنكار ذلك عن جماعة من الحنفية والشافعية والمالكية حضروا الموسم سنة ٥٥١ هـ ذكره ابن عابدين وقال: وأقَّرهُ الرَّملى فى حاشية البحر ولكن يشكل عليه أن نحو المسجد الملكى والمدنى ليس له جماعة معلومون فلا يصدق عليه أنه مسجد
стр. 1025
مَحِلَّه بل هو كمسجد شارع وقد مرَّ أنه لا كراهة فى تكرار الجماعة فيه إجماعاً. وقدمنا فى باب الأذان عن شرح المنية عن أبى يوسف انه إذا لم تكن الجماعة على الهيئة الأولى لا تكره وإلا تكره وهو الصحيح. وبالعدول عن المحراب تختلف الهيئة وبه نأخذ (١).
(٢٥) إقامة جماعة فى المسجد بعد جماعة الراتب: إذا صلى إمام المسجد وحضر جماعة أخرى، فلهم أن يصلوا جماعة عند أحمد وبه قال ابن مسعود وأنس وداود " لما تقدم " عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ أبصر رجلا يصلى وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه فصلى معه رجل (٢) وقال الترمذى: حديث حسن. وهو قول غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين. قالوا: لا بأس أن يصلى القوم جماعة فى مسجد قد صلى فيه. وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال آخرون: يصلون فرادى وبه يقول سفيان وابن المبارك ومالك والشافعى (٣) " ولحديث " أنس أن رجلا جاء وقد صلَّى النبى ﷺ فقام يصلى وحده، فقال النبى ﷺ : من يتجر على هذا فيصلى معه؟ أخرجه الدار قطنى بسند جيد (٤). ﴿١٨٠﴾
(وعن سلمة) بن كُهيل أن ابن مسعود دخل المسجد وقد صلَّوا فجمع بعلقمة ومسروق والأسود. أخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح. ﴿٥٤﴾
وقال البخارى: وجاء أنس بن مالك إلى مسجد قد صُلِّى فيه فأذَّن وأقام وصلى جماعة. وأخرجه البيهقى عن أبى عثمان اليشْكُرِى قال: صلَّينا الغداة فى
стр. 1026
مسجد بنى رِفاعة وجلسنا فجاء أنس بن مالك فى نحو من عشرين من فِتيانه فقال أصليتم؟ قلنا نعم. فأمر بعض فتيانه فأذّن وأقام ثم تقدم فصلى بهم (١). ﴿٥٥﴾
(وقال الليث) والثورى وابن المبارك وأبو حنيفة ومالك والأوزاعى والشافعى: يكره تكرار الجماعة فى مسجد له إمام راتب فى ممرّ الناس " لحديث " أبى بكرة أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحى المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلَّوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم. أخرجه الطبرانى فى الكبير والأوسط، وفى سنده معاوية بن يحيى متكلم فيه، ذكر الحافظ الذهبى فى الميزان له أحاديثَ منا كير، منها هذا الحديث. ومنه يعلم ما فى قول الهيثمى: رجاله ثقات (٢). ﴿١٨١﴾
وجه الدلالة أنه لو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهة لما ترك النبى ﷺ فضل المسجد النبوى (قال الشافعى) فى الأم: وإن كان لرجل مسجد يُجَّمع فيه ففاتته فيه الصلاة، فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحبَّ إلى: وإن لم يأته وصلى فى مسجده منفرداً فحسن. وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتتْ رجلا أو رجالا فيه الصلاةُ صلَّوا فرادى ولا أحبُّ أن يصلوا فيه جماعة. فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه. وإنما كرهتُ ذلك لهم، لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم، وأحسِب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرُّق الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد فى وقت الصلاة فإذا قُضيت دخلوا فجمَّعوا، فيكون فى هذا اختلافٌ وتفرّقُ كلمة وفيهما المكروه. وإنما
стр. 1027
أكره هذا فى كل مسجد له إمام ومؤذن. فأما مسجد بُنى على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم ويصلى فيه المارّة ويستظلون، فلا أكره ذلك فيه، لأنه ليس فيه المعنى الذى وصفتُ من تفرّق الكلمة (١) (وعن) أبى حنيفة لو كانت الجماعة أكثر من ثلاثة يكره تكرار الجماعة، وإلا فلا (وعن) أبى يوسف إذا لم تكن الجماعة على الهيئة الأولى لا تكره وإلا كرهت. وهو الصحيح (ومشهور) مذهب الحنبلية: أنه لا تكره إعادة الجماعة فى غير المساجد الثلاثة، ولكن لا دليل على هذه التفرقة (قال) ابن قدامة: فأما إعادة الجماعة فى المسجد الحرام ومسجد النبى ﷺ والمسجد الأقصى، فقد رُوِى عن أحمد كراهتُها فيها لئلا يتوانى الناس فى حضور الجماعة مع الإمام الراتب فيها إذا أمكنتْهم الصلاةُ فى الجماعة مع غيره. وظاهر خير أبى سعيد وأبى أمامه أن ذلك لا يكره.
لأن الظاهر أن هذا كان فى مسجد النبى ﷺ ، والمعنى يقتضيه أيضاً لأن حصول فضيلة الجماعة فيها كحصولها فى غيرها (٢) ومنه تعلم أن الراجح القول بعدم كراهة إعادة الجماعة فى المسجد مطلقاً (والجواب) عما استدل به القائلون بالكراهة وهو حديث أبى بكرة (أنه) لا يصلح للاحتجاج به لما تقدم، ولأنه ليس نصاً فى أن النبى ﷺ جمع أهله فصلى بهم فى منزله، بل يحتمل أنه صلى بهم فى المسجد وكان ميله إلى منزله لجمع أهله للصلاة فيه (ومنه) يعلم ردّ قولهم: لو كانت الجماعة الثانية جائز بلا كراهة لما ترك ﷺ فضلَ المسجد النبوى. وأيضاً فإنه يلزم منه كراهة الصلاة فرادى أيضاً فى مسجد قد صُلِّى فيه جماعة، فإنه يقال: لو كانت الصلاة فرادى جائزة بلا كراهة فى مسجد قد صُلى فيه جماعة لما ترك النبى
стр. 1028
صلى الله عليه وسلم فضل المسجد النبوى. وقد تقدم عن أنس بن مالك من طرق صحيحة أنه أعاد الصلاة فى المسجد جماعة بأذان وإقامة " وأما قول " الحسن البصرى: كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا فى مسجد قد صُلِّى فيه، صلوا فرادى. أخرجه ابن أبى شيبة." فقد صرح " الحسن بأن هذا إنما كان الخوف السلطان (قال) ابن أبى شيبة: حدثنا هُشيم أخبرنا منصور عن الحسن قال: إنما كانوا يكرهون أن يجمعوا مخافة السلطان. وعليه يحمل القول بكراهة إعادة الصلاة جماعة فى المسجد، ويدل له " ما تقدم " عن الشافعى من قوله: وأحسِب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرقة الكلمة " وقول " البيهقى: كراهية الحسن البصرى محمولة على موضع تكون الجماعة فيه بعد أن صلى تُفرِّق الكلمة (١). وبهذا يجمع بين أقوال الأئمة رضى الله عنهم.
(٢٦) إعادة الصلاة: من صلى فريضة ولو جماعة ثم أدركها فى جماعة استحب له إعادتها بنية التطوع، لا فرق بين الصبح وغيره عند إسحاق والشافعى وابن حبيب المالكى. وروى عن علىّ وحذيفة وأنس رضى الله عنهم " لقول " يزيد بن الأسود: صلينا مع النبى ﷺ الفجرَ بمنى فجاء رجلان حتى وقفا على رواحلهما فأمر بهما ﷺ فجئ بهما تَرْعُدُ فرائُضُهما فقال لهما: ما منعكما أن تُصليا مع الناس؟ ألستهما مُسلمين؟ قالا: بلى يا رسول الله إنا كنا قد صلينا فى رحالنا. فقال لهما: إذا صَلَيَّتْمُا فى رِحالكما ثم أتيما الإمامَ. فصليَّا معه فإنها لكما نافلةٌ. أخرجه أحمد والثلاثة والدار قطنى والحاكم والبيهقى، وهذا لفظه، وصححه ابن السكن. وقال الترمذى: حسن صحيح (٢). ﴿١٨٢﴾
стр. 1029
(وعن حذيفة) أنه أعاد الظهر والعصر والمغرب وقد كان صلاهن فى جماعة. ﴿٥٦﴾
(وقال) أنس: صلى بنا أبو موسى الغداة فى المربد فانتهينا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاةُ فصلينا مع الغيرة بن شعبة. أخرجهما الأثرم (١). ﴿٥٧﴾
ويشترط عند الشافعية للإعادة شروط (منها) أن تكون الصلاة الثانية كلها فى جماعة. وأن ينوى إعادة الصلاة المفروضة. وأن تؤدى الثانية ولو ركعة منها قبل خروج الوقت " وبه " قالت الحنبلية إلا أنهم قالوا: إن أعاد المغرب شفعها برابعة، لأن التطوّع لا كون بوتر (وقالت) المالكية: من صلى فريضة وحده أو إماماً لصبى فى غير المساجد الثلاثة استحب له إعادتها جماعة فى الوقت إلا المغرب والعشاء بعد الوتر فتحرم إعادتهما. وكذا من صلى منفرداً بمسجد مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فلا يندب له إعادتها جماعة فى غيرها، ومن صلى جماعة لا يعيد (قال) ابن عبد البر: قال جمهور الفقهاء: إنما يعيد الصلاة جماعة من صلى وحده. أما من صلى فى جماعة وإن قلت فلا يعيد فى أخرى قلت أو كثرت، لقول سليمان بن يسار مولى ميمونة: أتيتُ ابن عمر على البَلاط وهم يصلّون فقلت ألا تصَلِّى معهم؟ قال: قد صليتُ إن سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين. أخرجه أحمد والنسائى وأبو داود والبيهقى وقال: تفرد به الحسين المعّلم عن عمرو بن شعيب وهذا إن صح فمحمول على أنه قد صلاها فى الجماعة فلم يُعدها (٢). ﴿١٨٣﴾
стр. 1030
وبهذا يجمع بين الأحاديث. وبالحديث تمسك من قال إن من صلى فى جماعة ثم أدرك جماعة لا يصلى معهم، لأن الإعادة لتحصيل فضيلة الجماعة وقد حصلت له. وحمل الأولون النهى فى قوله: لا تصلوا صلاة يوم مرتين. على ما إذا صلى الثانية فرادى. وهذا متفق عليه (قال) ابن حجر: من صلى وأراد أن يعيد منفرداً لا تنعقد صلاته عندنا، لأن الأصل منع الإعادة إلا ما ورد به الدليل ولم يرد إلا فى الإعادة فى جمعة أهـ. وحينئذ لا يكون مخالفاً لسائر الأحاديث ولا لمذهب من المذاهب (وقال) ابن عبد البر: اتفق أحمد وإسحاق على أن معنى قوله ﷺ : لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين. أن ذلك أن يصلى الرجل صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ فيعيدها على جهة الفرض أيضاً " وأما " من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبى ﷺ فى أمره بذلك " فليس " ذلك من إعادة الصلاة فى يوم مرتين، لأن الأولى فريضة والثانية نافلة فلا إعادة حينئذ (١) (وقال) الحنفيون: من صلى الظهر والعشاء منفرداً. استحب له إعادتهما جماعة بنية التطوع خلف مفترض لتحصيل فضيلة الجماعة. أما من صلاهما جماعة فلا يعيدهما لما تقدم عن ابن عمر. وكذا لا يعاد الصبح ولا العصر مطلقاً، لعموم أحاديث النهى عن الصلاة بعدهما. ولا المغرب " لأن " التطوع لا يكون بوتر "ولقول" ابن عمر: من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يَعُدْ لهما. أخرجه مالك والشافعى (٢) ﴿٥٨﴾ (وأجيب) (أ) عن التعليل بأنه تخصيص للنص بالرأى فلا يعول عليه. (ب) وعن قول ابن عمر بأنه معارض بحديث يزيد بن الأسود وهو صحيح كما تقدم (٣).
(قال) الشوكانى: والحديث " أى حديث يزيد " يدل على مشروعية الدخول مع الجماعة بنية
стр. 1031
التطوع لمن كان قد صلى تلك الصلاة وإن كان الوقت وقت كراهة، للتصريح بأن ذلك كان فى صلا ة الصبح، فيكون هذا مخصصاً لعموم الأحاديث القاضية بكراهة الصلاة بعد الصبح، ومن جوز التخصيص بالقياس ألحق به ما سواه من أوقات الكراهة (١).
" تنبيه " علم أن الصلاة المعاذة نافلة والأولى هى الفرض " لقوله " ﷺ فى حديث يزيد بن الأسود: فصليِّا معه فإنها لكما نافلة " ولأن " الأولى أسقطت الفرض فلا تجب ثانياً، وإذا برئت الذمة بالأولى استحال كون الثانية فريضة (قال) إبراهيم النخعى: إذا نوى الرجل صلاة وكتبتها الملائكة فمن يستطيع أن يحولها؟ فما صلى بعدُ فهو تطوّع، وبه قال الثورى وإسحاق وأبو حنيفة والشافعى فى الجديد وأحمد. وهو رواية عن مالك. وعليه لا ينوى الثانية فرضاً بل ينويها ظهراً معادة. وإن نواها نفلا صح (وقال) الشافعى فى القديم: فرضه إحداهما لا بعينها فالأمر مفوّض إلى الله تعالى فى أيتهما شاء الفرض. وهو المشهور عن مالك (فقد رَوى) عن نافع أن رجلا سأل عبد الله بن عمر فقال: إنى أصِّلى فى بيتى ثم أدرك الصلاة مع الإمام أفأصلى معه؟ فقال له عبد الله بن عمر نعم. فقال الرجل: أيتهما أجعل صلاتى. فقال ابن عمر: وذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله تعالى يجعلُ أيتَهُما شاء. ﴿٥٩﴾
(وعن يحيى) بن سعيد أن رجلا سأل سعيد بن المسيَّب فقال: إن أصلى فى بيتى ثم آتى المسجدَ فأجدَ الإمامَ يُصلى أفأصِّلى معه؟ قال نعم. قال الرجل: فأيتهما صلاتى؟ فقال سعيد: أوَ أنت تجعلُها؟ إنما ذلك إلى الله أخرجهما مالك (٢). ﴿٦٠﴾
(قال) ابن حبيب: معناه أن الله تعالى يعلم التى يتقبلها منه.
стр. 1032
فأما على وجه الاعتداد بها فهى الأولى، وهذا يقتضى أن يصلى الصلاتين بنية الفرض. ولو صلى إحداهما بنية النفل لم يشك أن الأخرى هى فرضه (١) (وتقدم) عن مالك قول آخر وهو أن الأولى فرض والثانية نفل. والقولان مبنيان عندهم على صحة رفض الصلاة بعد تمامها. وأما على القول بعدم صحته فيتعين القول الثانى (وعن سعيد) بن المسيَّب وعطاء والشعبى أن الأولى نافلة والثانية هى الفرض " لقول " يزيد بن عامر: جئتُ والنبى ﷺ فى الصلاة فجلست ولم أدخل معهم فى الصلاة، فلما انصرف رسول الله ﷺ رآنى جالساً فقال: ألم تُسْلم يا يزيد؟ قلت: بلى يا رسول الله قد أسلمتُ. قال: فما منعك أن تدخل مع الناس فى صلاتهم؟ قال: إن كنت قد صليتُ فى منزلى وأنا أحسِب أنْ قد صليتم. فقال: إذا جئت إلى المسجد فوجدتَ الناس فصل معهم. وإن كنت قد صليتَ تكن لك نافلة وهذه مكتوبة. أخرجه أبو داود والبيهقى وقال: حديث يزيد بن الأسود أثبت منه وأولى (٢). ﴿١٨٤﴾
(وأجاب) الجمهور بأن المعنى تكن الصلاة التى صليتها مع الجماعة زائدة فى الثواب على ثواب الفرض، وهذه الصلاة التى أديتها فى رحلك هى الفريضة، فالضمير المستتر فى تكن عائد على الصلاة مع الجماعة، واسم الإشارة عائد على الصلاة التى صلاها فى بيته. وهذا أقرب لموافقته للأحاديث، خلافاً لمن زعم أن الضمير فى تكن عائد على الصلاة فى بيته، واسم الإشارة عائد على التى صلاها مع الجماعة، فإن ظاهره يكون معارضاً للحديث المتقدم لأنه صريح فى أن صلاته فى بيته فريضة والتى صلاها مع الجماعة نافلة. وعلى
стр. 1033
تسليم هذا الاحتمال فلا معارضة أيضاً لأن حديث يزيد بن عامر هذا من رواية نوح بن صعصعة وفيه مقال. فهو ضعيف "وكذا " لا حجة فى حديث ابن أبى الخريف عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ قال: إذا صلى الرجل المكتوبة فى البيت ثم أدرك جماعة فليصل معهم تكون صلاته فى بيته نافلة، أخرجه الطبرانى فى الكبير " لأن " ابن أبى الخريف وأباه مجهولان، قال الهيثمى: لا أدرى من هما (١). ﴿١٨٥﴾
" وما قاله " ابن عمر مذهبه فلا يكون حجة فى مقابلة النص، فالحق ما قاله الأولون.
(٢٧) قطع الصلاة: هو حرام وواجب ومباح ومسنحب (فيحرم) قطعها بمفسد بلا عذر (ويجب) قطعها ولو فرضا لإخراج مصحف ملقى فى نجاسة، ولإحياء نفس " فمن " استغاث به ملهوف لمهم أصابه كأن تعلق به ظالم أو وقع فى ماء أو صال عليه حيوان وقدر على إنقاذه " لزمه " قطعها لذلك. وكذا لو غلب على ظنه سقوط من لا علم له كأعمى وصبى ودابة فى بئر ونحوه " ولو غلب " على ظن الأم أو القابلة موت الولد أو تلف عضو منه أو من أمه بتركه " وجب " عليها تأخير الصلاة وقطعها لو كانت فيها. (ويجب) أيضاً عند المالكية قطعها لتخليص مال يَخشى بذهابه هلاكاً أو شديد أذى، ولو كان المال قليلا وضاق الوقت، وأما إذا لم يَخش بذهاب المال هلاكاً أو شديد أذى فلا يقطعها إن كان يسيراً، ويقطعها إن كان كثيراً واتسع الوقت. والكثرة والقلة بالنسبة للمال فى حد ذاته (ويجب) قطع النافلة لإجابة أحد والديه الأعمى الأصم. وإلا خفف الصلاة وسلم ثم أجابه كما لو كان فى فرض (ويجب) قطع الفرض وقيل يندب إن تذكر يسير الفوائت وهو خمس صلوات أو أربع سواء أكان فذاً أم إماماً، ولا يقطع
стр. 1034
النافلة لذكر الفائتة اليسيرة إلا إن خشى فوات الوقت ولم يأت بركعة وإلا أتمها ولو خرج الوقت (ويجب) قطعها إن أحرم بها فى وقت حرمة، ويندب إن أحرم بها فى وقت كراهة. (وقال) الحنفيُّون وأحمد: يحرم قطع الفرض بنداء أحد أبويه إلا أن يستغيث به، لأن قطعة لا يجوز إلا لضرورة. لندائه له مع علمه بأنه فى الصلاة معصية " ولا طاعة لأحد فى معصية الله تعالى " فلا تجوز إجابته. أما إذا لم يعلم أنه فى الصلاة، فإنه يجيبه وجوباً لما فى قصة جُرَيْجٍ الراهب (١)
ودعاء أمه عليه وما ناله من العناء لعدم إجابته لها.
هذا. ويفترض على المصلى ولو فرضاً إجابةُ النبىِّ ﷺ إذا دعاه " لحديث " أبى سعيد بنِ المُعلىَّ أن النبى ﷺ مرّ به وهو يصلى فدعاه قال: فصليتُ ثم أتيته فقال: ما منعك أن تُجِيبنى؟ قال كنتُ أصلى. قال: ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ
стр. 1035
إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ الحديث أخرجه البخارى والبيهقى والدارمى وأبو داود والنسائى (١). ﴿١٨٦﴾
(واختلف) العلماء أتبطل الصلاة بإجابته ﷺ أم لا؟ فعند الشافعية لا تبطل إلا إذا زاد فى الجواب على المطلوب أو أجابه بغير المطلوب، كأن طلب منه القول فأجاب بالفعل. والمعتمد عند المالكية عدم البطلان. وتبطل عند الحنبلية وهو الصحيح عند الحنفيين، لأنه خطاب آدمىّ.
(ويباح) قطع الصلاة عند الحنفيين والحنبلية لو خاف ضياع مال له أو لغيره ولو قليلا أو ندَّت " أى هربت " دابة، أو فار القِدْر، أو خافت امرأة تألَّم ولدها من البكاء، أو طلب منه كافر عرض الإسلام عليه، أو خاف نحو ذئب على نحو غنم، أو خاف سقوط مالا علم له كأعمى فى نحو بئر (ويباح) قطع النفل لخوف فوت صلاة جنازة. ويجوز إخراج المرأة من النفل لحق الزوج والسيد، لأنه واجب فيقدم على النفل بخلاف الفرض (ويستحب) عند الحنفيين والشافعيين قطع الفرض لإدراك الجماعة، فمن شرع فى أداء صلاة مفروضة منفرداً فأحرم الإمام بها فى محل أدائه قبل أن يسجد للركعة الأولى، استحب له قطعها عند الحنفيين بتسليمة وهو على حاله واقتدى بالإمام، لإحراز ما لم يسجد للثانية ولا يضيف للأولى ركعة، لأنه لو أضافها فى الصبح تم الفرض وتفوته الجماعة ولا يتنفل بعدها، وإن
стр. 1036
أضافها فى المغرب كان كمن أتمها، لأن للأكثر حكم الكل فتفوته الجماعة ولا يتنفل بها مع الإمام، لكراهة النفل بالوتر. وإن سجد للثانية فيهما أتم ولا يقتدى، لما تقدم. فإن اقتدى فى المغرب بعد أن صلاها، صلى أربعاً لكراهة التنفل بالوتر تحريماً. ومخالفة الإمام مشروعة فى الجملة كالمسبوق فيما يقضى والمقتدى المسافر. وإن سجد للأولى فى رباعى، ضم ركعة ثانية وجوباً وتشهد وسلم صيانة للصلاة عن البطلان ثم اقتدى. وإن صلىَّ ثلاثاً من الرباعية ثم أحرم بها الإمام أنمها منفرداً وجوباً، لأن للأكثر حكم الكل (وعن محمد) يتمها جالساً لتنقلب نفلا ثم يقتدى بالإمام متنفلا لإحراز فضل الجماعة إلا فى العصر للنهى عن التنفل بعده " ولا يرد " أن التنفل بجماعة مكروه فى غير رمضان " لأن محله " إذا كان الكل متطوعاً.
أما إذا كان الإمام مفترضاً والقوم متنفلين فلا، لما تقدم أنه ﷺ قال لمن صليا فى رحلهما: إذا صليتما فى رحالكما ثم أتيتما الإمام فصليا معه فإنها لكما نافلة (١). وهذا مذهب الحنفيين (وحاصله) أن من شرع فى فرض فأقيم قبل أن يسجد للأولى قطع واقتضى " فان سجد " لها فى رباعى أتم شفعا واقتدى ما لم يسجد للثالثة. فإن سجد لها أتم واقتدى متنفلا إلا فى العصر " وإن سجد للأولى " فى غير رباعى قطع واقتدى ما لم يسجد للثانية. فإن سجد لها أتم ولم يقتد. (قالت) الشافعية: من شرع فى فرض الوقت منفرداً ثم أحرم به الإمام، استحب له إتمام ما نوى ركعتين إن لم يخف فوت الجماعة ويكونان له نافلة ثم يدخل مع الإمام. فإن خاف فوت الجماعة، استحب له قطع ما نوى ودخل مع الجماعة. ويجوز له الدخول مع الجماعة على حاله بلا قطع وهو قول للحنبلية.
стр. 1037
(قال) النووى: ويستدل للصحة بحديث سهل بن سعد (١) أن النبى ﷺ ذهب ليصلح بين بنى عَمرو بن عوف فحضرت الصلاةُ قبل مجئ النبى ﷺ فقدّموا أبا بكر رضى الله عنه ليصلىَ ثم جاء النبىُّ ﷺ وهم فى الصلاة فتقدم فصلى بهم واقتدى به أبو بكر والجماعة. فصار أبو بكر مقتدياً فى أثناء صلاته (٢)
(وأجاب) الجمهور عن هذا الحديث بأنه من خصائصه ﵌ كما ذكره ابن عبد البر (وردّ) بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل ولا دليل عليها هنا (والمشهور) عند الحنبلية أنه إذا شرع فى فرض الوقت ثم أقيمت الصلاة، قطع الصلاة ودخل مع الإمام " قال " ابن قدامة: قال أحمد فى رجل دخل المسجد فصلى ركعتين أو ثلاثاً ينوى الظهر ثم جاء المؤذن فأقام الصلاة: سلم من هذه وتصير له تطوعاً ويدخل معهم (٣).
(وقالت) المالكية: إذا شرع فى نفل أو فرض فأحرم الإمام وجب قطع ما شرع فيه بسلام أو كلام ودخل مع الإمام إن خشى فوات الركعة الأولى
стр. 1038
معه. وإن لم يخش فواتها أتم النافلة وكذا الفريضة إن كانت غير المقامة، أما إن كانت هى المقامة وعقد منها ركعة ضم إليها أخرى وانصرف واقتدى بالإمام فى غير المغرب والصبح. وإن لم يعقد منها ركعة أو كانت مغرياً أو صبحاً، قطعها فى الحال ودخل مع الإمام. وإن أتم الركعة الثانية من الصبح والمغرب والثالثة من الرباعية، أتم فرضه وحده ثم دخل مع الإمام فى غير المغرب متنفلا. أما فى المغرب فيلزمه الخروج من المسجد ولا يعيدها مع الإمام، لعدم مشروعية التنفل بالوتر. ويباح عندهم قطع الصلاة لمن أدرك أقل من ركعة مع الجماعة إن رجا جماعة أخرى وإلا لا يقطع.
(٢٨) الاستخلاف: هو إنابة الإمام أو غيره من المقتدين من كان صالحاً للإمامة لإتمام الصلاة إذا طرأ على الإمام عذر. فإذا طرأ عليه عذر لا يتمكن معه من إتمام الصلاة، استحب له- عند الحنفيين والثورى والأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد فى المشهور عنه - أن يستخلف من هو صالح للإمامة بأن يشير إليه أو يجره إلى مكانه ليتم الصلاة بالقوم " لقول " عمرو ابن ميمون: إنى لقائم ما بينى وبينه يعنى عمر إلا عبدُ الله بن عباس رضى الله عنهما غداة أصيبَ وكان إذا مرّ بين الصفين قام بينهما فإذا رأى خللا قال: استووا حتى إذا لم ير خلَلا تقدم فكبرّ، فربما قرأ سورةَ يوسفَ أو النحلِ أو نحوَ ذلك فى الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبَّر فسمعته يقول: قتلنى أو أكلنى الكلب حين طعنه فطار العِلْج بسكين ذات طرفين لا يمر على أحد يميناً ولا شمالا إلا طعنه حتى طعنَ ثلاثةَ عشر رجلا فمات منهم تسعة. وفى رواية سبعة. فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه بُرْنساً فلما ظن العلج أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمرُ رضى الله عنه عبدَ الرحمن بن عوف فقدّمه. فأما من كان يلى عمر فقد رأى الذى رأيتُ.
стр. 1039
وأما نواحى المسجد فإنهم لا يدرون ما الأمر؟ غير أنهم فقدوا صوتَ عمر وهو يقول: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة (الأثر) أخرجه البخارى (١). ﴿
٦١﴾
" ولقول " ابن رزين: صلى على رضى الله عند ذاتَ يوم فرعَفَ فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف. أخرجه سعيد بن منصور (٢) ﴿٦٢﴾ فقد دل هذان الأثران على أنه يجوز للإمام استخلاف غيره عند طَروِّ هذر يقتضى ذلك، لإقرار الصحابة عمر وعليا عى ذلك، فكان إجماعاً، وعن أحمد قول بالتخيير (قال) ابن تيمية: وقال أحمد بن حنبل: إن استخلف الإمامُ فقد استخلف عمر وعلىّ وإن صلوا وحدانا فقد طُعن معاوية وصلى الناس وُحدانا من حيث طُعِن أتموا صلاتهم (٣) وإن لم يستخلف الإمامُ أحداً فتقدم رجل بنفسه أو قدَّم القومُ واحداً جاز اتفاقاً غير أن الحنفّيين اشترطوا أن يقوم الخليفة مطلقاً مقام الأول قبل خروجه م المسجد وإلا فسدت صلاة المأمومين (واختلف) العلماء فى حكم الاستخلاف وسببه وثمرته (فحكمه) عند الحنفيين الجواز إلا إذا ضاق الوقت فيكون
стр. 1040
واجباً (وسببه) أن يعرض للإمام حدث اضطرارى لا اختيار للعبد فيه ولا فى سببه موجب للوضوء، وغير نادر الوقوع كإغماء وقهقهة. فمن طرأ عليه ذلك استخلف وانصرف فوراً وتوضأ وبنى على صلاته إن لم يأت بمناف لها. وهذا رواية عن أحمد " لحديث " إسماعيل بن عياش عن ابن جُريج عن ابن أبى مليكة عن عائشة أن النبى ﷺ قال: من أصابه قئ أو رعاف أو قلس أو مذى، فلينصرف، فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو فى ذلك لا يتكلم. أخرجه ابن ماجه وكذا الدار قطنى بلفظ: ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم (١). ﴿
١٨٧﴾
وإسماعيل بن عياش وثقه ابن معين وغيره (وقال) عمر بن رَباح: حدثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا رَعَفَ فى صلاته توضأ ثم بنى على ما بقى من صلاته. أخرجه الدار قطنى وقال: عمر بن رباح متروك (٢). ﴿١٨٨﴾
(وعن أبى حنيفة) عن حماد عن إبراهيم أنه قال فى الرجل يَسْبِقه الحدثُ فى الصلاة: إنه ينصرف فيتوضأ، فإن تكلم استقبل الصلاة وإن لم يتكلم اعْتَدَّ بما مضى وصلى ما بقى، وقال إبراهيم: يتكلم ويستقبل الصلاة أحبُّ إلىّ. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (٣). ﴿٦٣﴾ (وعن أبى حنيفة) عن عبد الملك ابن عُمَير عن عْبَدِ بنِ صُبيح أن رجلا من أصحاب النبى ﷺ أحدث خلف عثمان بن فان فى الصلاة فَانْفَتَل فتوضأ ثم أقبل وهو حاسِر عن ذراعه وهو يقول (وَلَمْ يُصِرُّوا وَعَلَى مَا فَعَلُوا وهُم يَعْلَمُونَ)
стр. 1041
فاعتدْ بما مضى وصلى ما بقى. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (١). ﴿٦٤﴾
(ويشترط) لصحة الاستخلاف عند الحنفيين ثلاثة شروط:
(الأول) أن يكون الخليفة صالحاً للإمامة فلو كان أمياً (٢) أو صبياً بطلت صلاة الجميع (الثانى) ألا يجاوز الإمام الصفوف فى الصحراء، وألا يخرج من المسجد إن كان فيه قبل الاستخلاف، وإلا لم يصح الاستخلاف منه ولا من القوم لبطلان صلاة الجميع بمجاوزته الصفوف أو خروجه من المسجد.
(الثالث) تحقق شروط البناء على ما سبق من الصلاة وهى شعرة.
(١) أن يكون الحدث قهرياً، ليس للعبد فيه ولا فى سببه اختيار. فلا يبنى من تعمد الحدَث اتفاقاً، وكذا من وقع عليه نحو طوبة فشجته خلافاً لأبى يوسف (٢، ٣) أن يكون موجباً للوضوء فقط، غير نادر الوقوع فلا يبنى من نام فاحتلم فى الصلاة، ولا من أغمى عليه فيها أو قهقه.
(٤) أن ينصر فوراً إلا لعذر. فلو مكث قدر أداء ركن بلا عذر لا يبنى، ولو مكث لعذر كنوم أو زحمة بنى (٥، ٦) ألا يفعل منافياً للصلاة وماله منه بد. فلو أحدَث عمداً أو ذهب إلى الوضوء من طريق بعيد ل يبنى.
(٧، ٨) ألا يؤدى ركناً مع الحدث أو ماشياً. فلو سبقه فى سجوده فرفع رأسه بقصد الأداء أو قرأ بعد الوضوء ماشياً لا يبنى (٩) ألا يتذكر فائنة وهو ذو ترتيب. (١٠) ألا يتبين أنه كان محدَثاً قبل الدخول فى الصلاة.
(فإن) كان من سبقه الحدث إماماً أو مأموماً ذهب وتوضأ وعاد حتماً إن لم يكن إمامه قد فرغ وإلا خير بين العود والإتمام فى مكان الوضوء. وإن
стр. 1042
كان منفرداً خُيرَ بعد الوضوء بين العود والإتمام فى مكانه. والأفضل له الإستئناف بخلاف الإمام والمأموم فإن الأفضل لهما البناء، لما فيه من إتمام الصلاة على وجه أكمل (وإن سبقه) الحدث ولم يبق عليه من أعمال الصلاة سوى السلام توضأ فوراً وسلم لبقاء واجب السلام (١).
(وقالت) المالكية والشافعية: من سبقه الحدَث بطلت صلاته ويستأنفها ولا يبنى وهو مشهور مذهب أحمد. وبه قال الحسن وعطاء والنخعى ومكحول " لقول " على بن طلق: قال رسول الله ﷺ : إذا فَسَا أحدكم فى الصلاة فلينصرف فليتوضأ ولْيُعِدِ الصلاة. أخرجه أبو داود والدار قطنى والبيهقى وابن حبان وقال: لم يقل: وليعد الصلاة إلا جرير (٢). ﴿١٨٩﴾
(وقال) البيهقى فى باب إقرار الوارث بوارث: نُسب جرير بن عبد الحميد إلى سوء الحفظ فى آخر عمره، وقال ابن حنبل: لم يكن بالذكى فى الحديث (٣) وفى سنده أيضاً مسلم بن سلام الحنفى مجهول الحال، ولذا قال ابن القطان: هذا حديث لا يصح (٤) وعلى فرض صحته فهو محمول على من تعمد الحدَث جمعاً بين الأدلة. هذا وأسباب الاستخلاف عند الملالكية ثلاثة:
(الأول) الخوف على مال للإمام أو غيره أو على نفْس من التلف لو استمر فى صلاته. فإن خاف ما ذكر لزمه قطع الصلاة، وندب له أن يستخلف من يتمم الصلاة.
стр. 1043
(الثانى) أن يطرأ عليه ما يمنعه من الإمامة كالعجز عن الركوع أو القراءة، فيندب له الاستخلاف ويلزمه أن يتأخر مأموماً. فإن أتم صلاته وحده بطلت.
(الثالث) أن يتحقق بطلان صلاته " بسبق " حدَث أو حصول رُعاف يوجب القطع " أو تَذكر " أنه كان محدثاً قبل الدخول فى الصلاة فتبطل صلاته ويندب له الاستخلاف. فإن انصرف بلا استخلاف ندب للقوم أن يستخلفوا من يُتم بهم، ولهم أن يتموا صلاتهم فرادى فى غير الجمعة (وسببه) عند الشافعية خروج الإمام عن الإمامة بتعمد حدَث أو سبقه أو تبين أنه كان محدثاً قبل دخول الصلاة، فتبطل صلاة الإمام ويندب له أن يستخلف من يتم بالقوم إلا فى الركعة الأولى من الجمعة فإنه واجب. وحينئذ يشترط أن يكون الخليفة مقتدياً بالإمام، وأن يكون الاستخلاف عن قرب بأن لا يمضى زمن قبل الاستخلاف بسع ركناً من أركان الصلاة. فإن كان الخليفة فيها قد أدرك الركعة الأولى تمت الجمعة للكل. وإن لم يدرك ركعة تمت للمقتدين لا له فيتمها ظهراً. ولا يشترط لصحة الاستخلاف فى غير الجمعة شئ سوى أن يكون الخليفة صالحاً للإمامة. وللإمام أن يستخلف بلا سبب. وللقوم أن يقدّموا واحداً صالحاً للإمامة. وله أن يتقدم بنفسه (وسببه) عند الحنبلية طروُّ عذر للإمام فى أثناء الصلاة كمرض شديد أو عجز عن ركن قولى كقراءة الفاتحة، أو واجب كتسبيح الركوع والسجود فله حينئذ استخلاف آخر وإن لم يكن مقتدياً ليتم بهم الصلاة. وإن لم يستخلف فلهم أن يستخلفوا بدله أو يتموها فرادى.
هذا. ولو استخلف الإمام مسبوقاً صح اتفاقاً، ويشير الإمام لبقاء ركعة بأصبع وبأصبعين لركعتين، ويمشى الخليفة على نَظْمِ صلاة الإمام. فإن أتم صلاة الإمام قدّم واحداً ممن كان مع الإمام من أول الصلاة ليسلم بهم ثم
стр. 1044
يقضى هو ما فاته عند الحنفيين (وقالت) المالكية: يشير لهم بالانتظار ويقوم لقضاء ما فاته ثم يسلم بهم. فإن سلموا ولم ينتظروه بطلت صلاتهم.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: يستخلف من يسلم بهم، فإن لم يفعل فلهم أن يسلموا لأنفسهم وأن ينتظروه جلوساً حتى يُتم صلاته ويسلِّم بهم.
(الثالث) ما يباح فى الصلاة
يباح فيها أمور قد يظن أن بعضها ممنوع. المذكور منها هنا أربعة عشر.
(١) يجوز البكاء فى الصلاة خوفاً من الله تعال، أو لتذكر الجنة أو النار ولا يبطلها ولو كان بصوت عند الحنفيين ومالك وأحمد " لحديث " مُطرّفٍ عن أبيه عبد الله بن الشِّخير قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلى ولصدره أزيز كأزيز الْمِرْجَلِ من البكاء .. أخرجه أحمد والثلاثة وصححه الترمذى وابن حبان وابن خزيمة (١). ﴿١٩٠﴾
وفى رواية أبى داود كأزيز الرحا، يعنى الطاحون والمعنى أنه يجيش جوفه ويغلى من البكاء خوفاً من الله " ولحديث " عائشةَ أن النبى ﷺ قال فى مرضه الذى تُوفِّىَ فيه: مُروا أبا بكر فلْيُصَل بالناس فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمْعه، وإنه إذا قرا القرآن بكى (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة وصححه الترمذى (٢). ﴿١٩١﴾
وجه الدلالة أنه ﷺ أخْيِرَ أن أبا بكر إذا قرأ غلبه البكاء فصمم على استخلافه، وكذا لا تبطل عند الشافعية إن لم يظهر منه حرفان، فإن
стр. 1045
ظهرا أبطل البكاء الصلاة مطلقاً. أما البكاء لوجع أو مصيبة فإن ظهر منه حرفان فأكثر بطلت الصلاة وإلا فلا عند الحنفيين.
(وقالت) المالكية: إن كان بلا صوت أو لوجع فلا بأس. وإن كان لغير وجع وبصوت فكالكلام، فإن كان عمداً أبطل قليله وكثيره. وإن كان سهواً أبطل كثيره دون يسيره، وكذا التنهُّد إن كان غلبة، وإن كان عمداً أو جهلا فمبطل. وإن كان سهواً سجد غير المأموم. (وقالت) الحنبلية: البكاء لغير خوف الله إن ظهر منه حرفان أبطل الصلاة ما لم يكن غلبة.
(٢) ويجوز قتل الحية والعقرب فى الصلاة " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: اقتلوا الأسودين فى الصلاة الحية والعقربَ. أخرجه أحمد والثلاثة وابن حان والحاكم وصححه. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (١). ﴿١٩٢﴾
ومثلهما فى ذلك كل مؤذ. وقيل يجب القتل عملا بأصل الأمر. والجمهور على الأول (فعند) الحنبلية وبعض الحنفية يجوز قتلهما فى الصلاة بلا كراهة ولو بعمل كثير " أما حديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: كفاك للحية ضربة بالسوط أصبتها أم أخطأتها " فقد " أخرجه البيهقى ﴿١٩٣﴾
وقال: وهذا إن صح فإنما أراد " والله أعلم " وقوع الكفاية بها فى الإتيان بالمأموم به ولم يرد به المنع من الزيادة على ضربة واحدة، بل المراد إذا امتنعت بنفسها حين أخطأتها الضربة فلا داعى لضربها ثانياً (٢) (وقالت) المالكية: يجوز للمصلى قتلهما إذا قصدا أذاه وإلا كره القتل فى الصلاة. وهو رواية الحسن بن زياد عن أبى حنيفة (وقالت) الشافعية وبعض الحنفية:
стр. 1046
يجوز قتل الحية والعقرب فى الصلاة وتبطل به إن أدى إلى مشى أو عمل كثير وإلا فلا (قال) العلاقة الحلبى: ولا بأس بقتل الحية والعقرب فى الصلاة إذا لم يحتج إلى المشى الكثير كثلاث خطوات متواليات، ولا إلى المعالجة الكثيرة كثلاث ضربات متواليات، فإن احتاج إلى ذلك فمشى وعالج تفسد صلاته، لأنه عمل كثير. ذكره شمس الأئمة السرخسى فى المبسوط ثم قال: الأظهر أنه لا تفصيل فيه، لأنه رخصة كالمشى فى سبق الحدث والاستقاء من البئر والتوضى، ويؤيده إطلاق الحديث. واعترض عليه بأنه يلزمه مثله فى علاج المارّ بين يدى المصلى إذا حصل فيه عمل كثير، فإنه مأمور به بالنص مع أنه مفسد عند الكل. فالحق فيما يظهر هو الفساد. والأمر بالقتال أو القتل لا يستلزم صحة الصلاة مع وجوده كما فى صلاة الخوف، فإن المشى فيها والقتال مفسد مع الأمر به عند الحاجة، بل الأمر فى مثله لإباحة مباشرته وعدم الإثم به وإن كان مفسداً للصلاة، كما يباح قطعها لإغاثة ملهوف أو تخليص أحد من سبب هلاك، وكذا إذا خاف ضياع ما قيمته درهم له أو لغيره (١).
(قال) الترمذى: وكره بعض أهل العلم قتل الحية والعقرب فى الصلاة قال إبراهيم (يعنى النخعى) إن فى الصلاة لشغلا (٢) وهذا عجز حديث أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود عن ابن مسعود (٣). ﴿١٩٤﴾
(وأجيب) بأن حديث الأمر بقتلهما خاص فلا يعارضه هذا ونحوه من العمومات بل هو يخصها.
стр. 1047
(٣) ويجوز المشى اليسير فى الصلاة لحاجة سواء أكانت الصلاة فرضاً أم نفلا " لقول " عائشة: كان رسول الله ﷺ يُصلى والباب عليه مُغْلَق، فجئتُ فاستفتحتُ فمشى ففتح لى ثم رجع إلىُ مَصّلاه ووصَفتْ أن الباب فى القبلة. أخرجه أحمد والثلاثة وحسنه الترمذى (١). ﴿١٩٥﴾
ولقول أزرقَ بنِ قيس: كان أبو بَرْزَةَ الأسْلمّى بالأهواز على حرْف نهر وقد عل اللجام فى يده وجعل يصلى فجعلت الدابة تنكُص وجعل يتأخر معها فقال رجل من الخوارج: اللهم أخز هذا الشيخَ كيف يُصلى؟ فلما صلى قال: قد سمعتُ مقالَتكم غزوتُ مع النبى ﷺ ستا أو سبْعاً أو ثمانياً فشهدت أمره وتيسيرَه، فكان رجوعى مع دابتى أهونَ علىَّ مِنْ تركها فتنزع إلى مألفهِا فيشُقُّ علىَّ. وصلى أبو برَزة العصر ركعتين. أخرجه أحمد والبخارى والبيهقى (٢). ﴿١٩٦﴾
(ففى) هذين الحديثين دلالة على جواز الفعل الخارج عن الصلاة فيها لحاجة. ومنه المشى إلى جهة القبلة (قال) ابن الملك: مشيُه ﷺ وفتحه الباب ثم رجوعه إلى الصلاة، يدل على أن الفعال الكثيرة لا تبطل الصلاة وإليه ذهب بعضهم قال القارئ: وهو ليس بمعتمد فى المذهب (وما قاله) ابن رسلان من أن هذا المشى محمول على أنه مشى خطوة أو خطوتين أو مشى أكثر من ذلك متفرقاً (مردود) لأنه تقييد للحديث
стр. 1048
بالمذهب، ولا يخفى فساده (١) (وقال) العلامة الحلبى: فالحاصل أن المشى إذا كان بعذر لا يُفسد ولا يكره. وإن كان بغير عذر فإن كان ثلاث خطوات متواليات يفسد، وإلا يكره فقط (٢) (وقال) الحافظ: قد أجمع الفقهاء على أن المشى الكثير فى الصلاة يبطلها فيحمل حديث أبى بَرْزة على القليل (٣) (وقال) النووى: الفعل الذى ليس من جنس الصلاة وإن كان كثيراً أبطلها بلا خلاف وإن كان قليلا لم يبطلها. واختلفوا فى ضبط القليل والكثير. والصحيح المشهور أن الرجوع فيه إلى العادة فلا يضر ما بعده الناس قليلا كالإشارة برد السلام وخلع النعل ورفع العمامة ووضعها ولبس ثوب خفيف ونزعه وحمل صغير ووضعه ودفع مارّ وذلك البصاق فى ثوبه ونحوها. وأما ما يعده الناس كثيراً كخطوات كثيرة متوالية وأفعال متتابعة، فيبطل الصلاة (٤).
(٤) ويجوز لمن عطس فى الصلاة حمدُ الله تعالى " لقول " رفاعة بن رافع: صليتُ خلف النبى ﷺ فعطستُ فقلتُ: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مُباركاً فيه كما يُحبّ ربنا ويَرضى. فلما سلم النبى ﷺ قال: مَنِ المتكلمُ فى الصلاة؟ فلم يتكلمْ أحد، ثم قالها فقلت: أنا يا رسولَ الله، فقال والذى نفسى بيده لقد ابتدرَها بِضع وثلاثون ملَكاً أيهم يصعَد بها. أخرجه النسائى والترمذى وحسنه (٥). ﴿١٩٧﴾
стр. 1049
(٥) ويباح حمل الصبى فى الصلاة وتعلقه بالمصلى " لحديث " عبد الله بن شدادِ بنِ الهادِ عن أبيه قال: خرج رسول الله ﷺ فى إحْدى صلاتى العَشِىّ الظهر أو العصر وهو حاملٌ الحسنَ أو الحُسَين فتقدم النبى ﷺ وهو ساجد فوضَعه ثم كبَّر للصلاة فسجد فصلى بين ظهرانىْ صلاته سجدةً أطالها فقال: إنى رفعتُ رأسى فإذا الصبىُّ على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعتُ فى سجودى، فلما قضى رسولُ الله ﷺ الصلاةَ، قال الناس: يا رسول الله إنك سجدت بين ظهرانى الصلاةِ سجدةً قد أطلتها، فظننا أنه قد حدث أمر أو أنه قد يوُحَى إليك. فقال: كلّ ذلك لم يكنْ ولكن ابنى ارتحلنى فكرهت أن أعْجِلَهُ حتى يقضىَ حاجته. أخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرطهما (١). ﴿١٩٨﴾
" ولقول " أبى قتادة: رأيت النبى ﷺ يؤم الناسَ وأمامه بنت أبى العاص وهى ابنة زينب بنت النبى ﷺ على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها. أخرجه الشافعى ومسلم والنسائى (٢). ﴿١٩٩﴾
"وعنه " أيضاُ قال: بينما نحن ننتظر رسولَ الله ﵌ فى الظهر أو العصر وقد دعاه بلالٌ للصلاة، إذْ خرج إلينا وأمامةَ بنتُ أبى العاص بنتُ ابنته على عنقِه، فقام ﵌ فى مصلاه وقمنا خلفه وهى فى مكانها، فكبَّر وكبَّرنا، حتى إذا أراد ﷺ
стр. 1050
أن يركعَ أخذَها فوضعها ثم ركعَ وسجَد حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام أخذها فردها فى مكانها. فما زال يصنع بها ذلك فى كل ركعة حتى فرغ من صلاته. أخرجه أبو داود (١). ﴿٢٠٠﴾
وهذا صريح فى أن فعل الحمل والوضع كان منه ﷺ لا منها. وهو يرد قول الخطابى: يشبه أن تكون الصبية قد ألفته فإذا سجد تعلقت بأطرافه التزمته فينهض من سجود فتبقى محمولة كذلك إلى أن يركع فيرسلها (٢).
ففى هذه الأحاديث (أ) دلالة على أن مثل هذا العلم معفوٌّ عنه فى الصلاة لكل صلّ ولو كان إماماً فى فرض. وبه قال الجمهور (قال) القرطبى: وقد اختلف العلماء فى تأويل هذا الحديث، والذى أحوجهم إلى ذلك أنه علم كثير. فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان فى النافلة واستعبده المازِرى وعياض وابنُ القاسم (قال) المازرى: إمامته بالناس فى النافلة ليست بمعهودة. وأصرح من هذا ما أخرجه أب داود بلفظ: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ فى الظهر أو العصر وقد دعاه بلال على الصلاة، إذ خرج علينا وأمامةٌ على عنقه فقام فى مصلاه فقمنا خلفه فكبر فكبرنا وهى فى مكانها (وروى) أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها (وقال) بعض أصحابه لأنه لو تركها لبكت وشغلته أكثر من شغله بحملها (وفرّق) بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة (وقال) الباجى: إن وجَد من يكفيه أمرها جاز فى النافلة دون الفريضة. وإن لم يجد جاز فيهما (وقال) ابن عبد البرّ: لعلّ الحديث منسوخ بتحريم العمل
стр. 1051
والاشتغال فى الصلاة. وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال وبأن القضية كانت بعد قوله ﷺ " إن فى الصلاة لشغلا، لأن ذلك كان قبل الهجرة. وهذه القصة كانت بعد الهجرة بمدة مديدة قطعاً. (وذكر) القاضى عياض عن بعضهم: أن ذلك كان من خصائصه ﷺ (ورُدّ) بأن الأصل عدم الاختصاص (١) (قال) النووى بعد أن ذكر هذه التأويلات: وكل ذلك دعاوٍ باطلة مردودة لا دليل عليها لأن الآدمى طاهر وما فى جوفه معفوّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة. والأعمال فى الصلاة لا تبطلها إذا قلّت أو تفرّقت. ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك.
وإنما فعل النبى ﷺ ذلك لبيان الجواز (٢) (وقال) الحافظ: وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة فى أركان صلاته صلى الله عليه سلم (٣) (ب) فيها دلالة أيضاً على جواز إدخال الصبيان المساجد (٤).
" ولا ينافى " هذا (حديث) مكحول عن معاذِ بنِ جبل قال: قال رسول الله ﷺ : جَنِّبُوا مساجدَكم صبيانكم وخصوماتِكم وحدودكم وشراءكم وبيعَكم، وجمِّرُوها يوم جمعِكُم، واجعلوا على أبوابها مطاهرَكم. أخرجه الطبرانى فى الكبير. ومكحول لم يسمع من معاذ (٥). ﴿٢٠١﴾
(ولا حديث) وائلة بن الأسقع أن النبى ﷺ قال: جنبوا
стр. 1052
مساجدَكم صبيانكم ومجانينَكم وشراءكم وبيعَكم وخصوماِتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجَمَّروها فى الجمع. أخرجه ابن ماجه. وفى سنده الحارث ابن نبهان ومتفق على ضعفه (١). ﴿٢٠٢﴾
" فإن الأمر " بالتجنيب فى هذين الحديثين محمول على الندب، بخلاف ما وقع من النبى ﷺ مع الحسن والحسين وأمامة، فإنه محمول على بيان الجواز ويأتى بيان المذاهب فى هذا (٢).
(٦) وتجوز الصلاة بجنب الخائض " لقول " عائشة: كان النبى ﷺ يصلى بالليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلى مِرْط وعليه بعضه. أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه (٣). ﴿٢٠٣﴾
" ولحديث " عبد الله بن شداد عن ميمونة زوج النبى ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلى على الخُمرة فيسجد فيصيبنى ثوبه وأنا على جنبه وأنا حائض. أخرجه السبعة إلا الترمذى. وهذا لفظ أحمد (٤). ﴿٢٠٤﴾
(وفيه) دلالة على أن وقوف المرأة بجنب المصلى لا يبطل صلاته. وهو مذهب الجمهور. وفيه أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعاً يُرى فيه أثر الدم أم النجاسة " وهذا " لا ينافى ندب تجنب ثياب النساء التى هى مظنة النجاسة
стр. 1053
" لقول " عائشة رضى الله عنها: كان النبى ﷺ لا يصلى فى شُعُرنا. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وصححه، ولفظه: لا يصلى فى لحُف نسائه (١). ﴿٢٠٥﴾
(وهو) يدل على مشروعية تجنب المصلى ثياب النساء التى هى مظنة النجاسة، وكذلك سائر الثياب التى تكون كذلك (وفيه) أيضاً أن الاحتياط والأخذ باليقين مشروع. وأن ترك المشكوك فيه على المتيقن المعلوم جائز. وليس من الوسواس. وهذا " لا ينافى " ما يأتى من أنه ﷺ سئل هل يصلى الرجل فى الثوب الذى يأتى فيه أهله؟ فقال نعم إلا أن يرى فيه شيئاً فيغسله (٢) " فإن ما هنا " محمول على الاحتياط. وما تقدم محمول على الجواز.
(٧) - وتجوز الصلاة فى النعلين والخفين الطاهرين " لقول " أبى مَسْلمة سعيد بن يزيد: سألت أنساً: أكان النبى ﷺ يصلى فى نعليه؟ قال نعم. أخرجه أحمد والشيخان والنسائى والترمذى، وقال: حسن صحيح (٣). ﴿٢٠٦﴾
" ولقول " أبى سعيد الخدرى: بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه إذْ خَلعَ نعْليه فوضعَهما عن يساره، فلما رأى القومُ ذلك ألقوا نعالهم. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاةَ قال: ما حملَكم على إلقائكم
стр. 1054
نعالكم؟ قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله ﷺ : إن جبريل ﵇ أتانى فأخبرنى أن فيهما قذراً. وقال: إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى فى نعليه قذراً أو أذَى فليمسحْه وليصل فيهما. أخرجه أبو داود وابن حبان والبيهقى. وكذا أحمد والحاكم مختصراً وقال: حديث صحيح على شرط مسلم (١). ﴿٢٠٧﴾
" ولحديث " شداد بن أوس أن رسول الله ﷺ قال: خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم. أخرجه أبو داود وابنِ حيان والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد (٢). ﴿٢٠٨﴾
والأوامر فى هذه الأحاديث مصروفة عن ظاهرها إلى الاستحباب " لحديث " أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يُؤذ بهما أحداً، ليجعلْهما بين رجليه أو ليصُل فيهما. أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم بسند صحيح (٣). ﴿٢٠٩﴾
" ولقول " عبد الرحمن بن أبى ليلى: صلى رسولُ الله ﷺ فى نعليه فصلى الناس فى نعالهم فخلع نعليه فخلعوا. فلما صلى قال: من شاء أن يصلى فى نعليه فليصلِّ، ومن شاء أن يخلع فليخلع. أخرجه ابن أبى شيبة
стр. 1055
قال العراقى: هو مرسل صحيح الإسناد ﴿٢١٠﴾
والتخيير لا ينافى الاستحباب كما فى حديث " بين كل أذانين صلاة لمن شاء " (١).
(٨) - وتجوز الصلاة فى ثوب حلال من قطن أو كتان مخطط بما لا يشغل المصلى " لحديث " أنس بن مالك أن النبى ﷺ صلى فى بُردة حِبرَة عقد بين طرفيها. أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار بسند رجاله ثقات (٢). ﴿٢١١﴾
(٩) - وتجوز الصلاة فى ثوب واحد ساتر العورة " لقول " أنس: آخِرُ صلاة صلاّها النبى ﷺ مع القوم صلى فى ثوبٍ واحدٍ مُتوشحاً به خلف أبى بكر. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح. وأخرجه البزار بلفظ: خرج رسول الله ﷺ فى مرضه الذى مات فيه متوكِّئاً على أسامة مرتدياً بثوب قطنٍ فصلى بالناس (٣). ﴿٢١٢﴾
" ولحديث " أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فى ثوبٍ واحد فليخالفْ بين طرَفيه فلْيجعل طرفهُ على عاتقيه أخرجه أحمد (٤). ﴿٢١٣﴾
(وعن) أبى هريرة أن النبى ﷺ سئل عن الصلاة فى ثوب واحد فقال: ما كلكم يجد ثوبين. أخرجه أبو يوسف وأحمد والشيخان