← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الإمام، ولم يترتب عليه فتنة، وإلا صلوا فى أول الوقت فرادى. (١١) إمامة الأعمى: يصح الاقتداء بالأعمى اتفاقاً " لحديث " أنس أن النبى ﷺ استخلف ابن أُمِّ مكتومٍ على المدينة مرتين يِّصلىِّ بهم وهو أعمى. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى (١). ﴿١٢٤﴾ " وقال " محمود بن الربيع: إن عِتْبَانَ بنَ مالك كان يؤم قومه وهو أعمى. (الحديث) أخرجه الشافعى والبخارى والنسائى (٢). ﴿١٢٥﴾ وهل إمامته أفضل؟ قال أبو إسحاق المِرْوزى والغزالى: إن إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأنه أكثر خشوعاً منه، لما فى البصر من شغل القلب بالمبْصَرَات (وقالت) الشافعية: الأعمى والبصير فى الإمامة سواء، لأن فى الأعمى فضيلة أنه لا يرى ما يلهيه وفى البصير فضيلة تجنب النجاسة واستقبال القبلة بنفسه. (وقالت) المالكية والحنفية والحنبلية: البصير أوْلى بالإمامة. لأنه أقدر عل اجتناب النجاسة واستقبال القبلة باجتهاده. وهذا هو الراجح. واختاره بعض الشافعية (قال) المِرْوَزِى: وعندى أن البصير أوْلى، لأنه يجتنب النجاسة التى تفسد الصلاة. والأعمى يترك النظر إلى ما يليهه ولا تفسد الصلاة به (٣) ومحل الخلاف إن كان البصير مثلَ الأعمى فى أحقية الإمامة. أما إن لم يوجد بصير يساوى الأعمى فإمامته أفضل اتفاقاً. وعلى هذا يحمل استنابة النبى ﷺ ابنَ أم مكتوم، لأنه لم يكن بالمدينة وقتئذ أفضل منه متفرغاً للإمامة. فلا يرد على ذلك وجودُ علىّ رضى الله عنه فى المدينة حين

стр. 982

استخلف النبى ﷺ ابنَ أُمِّ مكتوم، لأن علياً كان مشغولا بالقيام بحفظ مَنْ وكل إليه حفظهم من أهل البيت حذراً من أن ينالَهم عدوُّ بمكروه. (١٢) إمامة العبد: تصح إمامته بلا كراهة عند الشافعى وأحمد وإسحاق والثورى. والحرّ أوْلى، لما تقدم عن ابن عمر أن سالما مولى أبى حذيفة كان يؤم المهاجرين الأولين وفيهم عمرُ بن الخطاب ,أبو سلمة بن عبد الأسد (١). وكانت إمامته بهم قبل أن يعَتِقَ وقال ابن قدامه: وروى أن أبا سعيد مولى أبى أُسَيْد قال: تزوجتُ وأنا عبد فدعوتُ نفراً من أصحاب رسول الله ﷺ فأجابونى، فكان فيهم أبو ذر وابن مسعود وحذيفةُ، فحضَرَت الصلاةُ وهم فى بيتى، فتقدم أبو ذر ليصلى بهم فقالوا له وراءكَ فالتفت إلى ابن مسعود فقال أكذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال نعم. فقدّمونى وأنا عبدٌ فصليتُ بهم. رواه صالح فى مسائله. ﴿٤٠﴾ وهذه قصة مثلها ينتشر ولم تنكر ولا عُرف مخالف لها فكان ذلك إجماعاً (٢) (وعن ابن أبى مُليكة) أنهم كانوا يأتون عائشةَ بأعلى الوادى هو وعُبيدُ بنُ عُميْر والمِسْوَرُ بنُ مَخْرَمة وناس كثير فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشةَ وأبو عمرو غلامها حينئذ لم يَعتِق. أخرجه الشافعى وعبد الرازق (٣). ﴿٤١﴾ (وقال) الحنفيون وأبو مِجْلز التابعى: تكره إمامته تنزيهاً، لأنه لا يتفرغ للتعلم فيغلب عليه الجهل وتقل رغبة الناس فى الاقتداء به فيؤدى إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها، فإن عُدمتْ علة الكراهة بأن كان أفضل من غيره فلا كراهة فى إمامته.

стр. 983

(وقالت) المالكية: تكره إمامته راتباً فى الصلوات الخمس والسنن المؤكدة كالعيد والكسوف، وتمنع فى الجمعة راتباً وغير راتب. وتجوز بلا كراهة فى النوافل كالتراويح، وفى الفريضة غير الجمعة إن لم يكن راتباً. (١٣) إمامة الصالح والطالح: ينبغى أن يكون الإمام من أهل الصلاح والاستقامة والفضل والهداية متخلياً عن السفاسف متحلياً بالمكارم " لحديث " مِرْثد الغنَوى أن النبى ﷺ قال: إِنْ سَرَّكُمْ أَن تُقْبَلَ صَلاَتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدُكم بينكم وبين ربكم. أخرجه الحاكم والطبرانى فى الكبير والدار قطنى وقال: إسنادٌ غيرُ ثابت وفيه يحيى بن يعلى الأسلمى وعبد الله بن موسى. وهما ضعيفان (١). ﴿١٢٦﴾ " ولحديث " ابن عمر أن النبى ﷺ قال: اجعلوا أئمتكم خيارَكم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم. أخرجه الدار قطنى والبيهقى وقال: إسناده ضعيف (٢). ﴿١٢٧﴾ (ويُكره) عند الحنفيين إمامة الفاسق تحريماً. وهو من خرج عند حدّ الاستقامة " لحديث " السائب بن خَلاّد أن رجلا أمّ قوماً فبصَق فى القبلة ورسولُ الله ﷺ ينظرُ إليه فقال ﷺ حين فرغ لا يُصَلى لكم فأراد بعد ذلك أن يُصلىَ بهم فمنعوه وأخبروه بقول النبى ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: نعم إنك آذيت الله ورسوله. أخرجه أبو داود وابن حبان (٣). ﴿١٢٨﴾

стр. 984

ولأنه لا يهتم لأمر دينه وفى تقديمه تعظيم له وليس من أهل التعظيم. وهو الراجح عند المالكية بناء على أن العدالة شرط كمال فى الإمام (١). وقيل تحرم إمامته وقيل تبطل صلاته بناء على أن العدالة شرط صحة، لأن الإمامة من باب الأمانة والفاسق خائن، ولهذا لا شهادة له لكون الشهادة من باب الأمانة (والمشهور) عند الشافعية كراهة إمامته، ونقل العلامة الشِّرْوَانى فى حاشيته على شرح التحفة عن البِرْماوى أنه يحرم على أهل الصلاح والخير الصلاةُ خلف الفاسق والمبتدع ونحوهما، لأنه يحمل الناس على تحسين الظن بهم. (ومشهور) مذهب الحنبلية أنه لا تصح إمامة الفاسق - وهو من أتى كبيرة أو دوام على صغيرة - ولو لمثله، لأن الفاسق لا يقبل خبره لمعنى فى دينه فأشبه الكافر، ولأنه لا يؤمن على شرائط الصلاة، إلا أن خيف أذاه فَيُصَلَّى خلفه دفعاً للمفسدة وتُعاد، وإلا فى صلاة الجمعة والعيد إذا تعذرت صلاتهما خلف غيره، فتصح إمامته فيهما للضرورة. ودليل ذلك ما تقدم عن جابر أن النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال: لا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلا ولا فاجر مؤمناً إلا أن يَقهرَه بسلطان يخاف سيفه أو سوطه. أخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند واه كما تقدم (٢) (قال) البهوتى: ولا تصح إمامة فاسق مطلقاً أى سواء كان فسقه بالاعتقاد أو الأفعال المحرمة (٣) (وقال) ابن إدريس الحنبلى: ولا تصح إمامة فاسق " بفعل " كزان وسارق وشارب خمر ونَمَّام ونحوه " أو اعتقاد " كخارجىّ ورافضىّ ولو كان مستوراً ثم قال: فلا يصح أن يؤم فاسق فاسقاً لأنه يمكنه رفع ما عليه من النقص بالتوبة عُلم فسقه

стр. 985

ابتداء أولا، فيعيد المأموم إذا علم فسق إمامه. واختار الشيخان أن البطلان مختص بظاهر الفسق دون خفيِّه (قال) فى الوجيز: لا تصلح خلف الفاسق المشهور فسقه، لكن ظاهر المذهب مطلقاً قاله فى المبدع. وتصح الجمعة والعيد خلف فاسق بلا إعادة إن تعذرت خلف غيره لأنهما يختصان بإمام واحد فالمنع منهما خلفه يؤدى إلى تفويتهما. نعم لو أقيمتا فى موضعين فى أحدهما عَدْلٌ فعلهما وراءه ونُقل عن ابن عبد الحكم أنه كان يصلى الجمعة ثم يصلى الظهر أربعاً. وإن خاف أذى بترك الصلاة خلف الفاسق صلى خلفه دفعاً للمفسدة وأعاد لعدم براءته (١). (والراجح) ما ذهب إليه الجمهور من صحة الصلاة خلف الفاسق مع الكراهة (وأجابوا) عن حديث جابر بأنه ضعيف لا تقوم به حجة كما تقدم. وعلى فرض صحته فالنهى فيه محمول على الكراهة كما أن الأمر فى حديث: مِرْثد وابن عمر محمول على الندب " ولا ينافى " الكراهة (حديث) مكحول عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: صلوا خلف كل بّر وفاخر. أخرجه الدار قطنى وقال: مكحول لم يسمع من أبى هريرة ومَن دونه ثقات (٢). ﴿١٢٩﴾ " لأنه " ورد فى سد باب الخروج على الأئمة، ولأنه مجمع على ضعفه حتى قال بعض العلماء بوضعه. وأخرجه أبو داود والبيهقى بلفظ: الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم بَرُّا كان أو فاخراً وإن عمِل الكبائر (٣). ﴿١٣٠﴾ وهو منقطع فإن مكحولا لم يدرك أبا هريرة. وسئل عنه أحمد فقال: ما سمعناه بهذا. وقال الحاكم: هو حديث منكَر. وللبيهقى فى هذا الباب أحاديث

стр. 986

كلها ضعيفة غاية الضعف (قال) الصنعانى: وهى أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل بّر وفاجر، إلا أنها كلها ضعيفة، وقد عارضها حديث: لايؤمَّنَّكم ذو جرأة فى دينه. ونحوه، وهى أيضاً كلها ضعيفة. فلما ضعفت الأحاديث من الجانبين رجعنا إلى الأصل، وهو أن من صحت صلاته صحت إمامته. وأيَّدَ ذلك فعل الصحابة. فقد أخرج البخارى فى التاريخ عن عبد الكريم أنه قال: أدركت عشرة من أصحاب محمد ﵌ يصلون خلف أئمة الجور (١) ويؤيده أيضاً حديث مسلم وأبى داود وابن ماجه عن أبى ذر قال: قال لى رسول الله ﷺ : يا أبا ذَرّ كيفَ أنتَ إذا كانت عليك أمراء يمُيتون الصلاة أو قال: يؤخرون الصلاة؟ قلتُ يا رسول الله فما تأمُرُنى؟ قال صلّ الصلاةَ لوقتها فإن أدركتَهَا معهم فصلها فإنها لك نافلة (٢). ﴿١٣١﴾ فقد أذن بالصلاة خلفهم وجعلها نافلة لأنهم أخروها عن وقتها. وظاهره أنهم لو صَّلوها فى وقتها لكان مأموراً بصلاتها خلفهم فريضة (٣) ويؤيد القول بصحة الصلاة خلف الفاسق أيضاً حديث ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: لعلّكم ستدركون أقواماً يُصلّون صلاة لغير وقتها، فإذا أدركتموهم فصلوا فى بيوتكم فى الوقت الذى تعرفون، ثم صلوا معهم واجعلوها سُبْحَةً. وأخرجه أحمد. وأخرج نحوه أبو داود عن عبادة بن الصامت بسند رجاله رجال الصحيح (٤). ﴿١٣٢﴾

стр. 987

(وعلى الجملة) فالأصل عدم اشتراط عدالة الإمام. وأن كل من صحت صلاته لنفسه تصح صلاته لغيره. ويؤيده ما ذكرنا من الأدلة وإجماع الصدر الأول عليه. فمن قال باشتراط العدالة كالحنبلية ورواية عن مالك يحتاج إلى دليل ينقل عن هذا الأصل. واعلم أن محل النزاع إنما هو فى صحة الصلاة خلف الفاسق ولا خلاف فى أنها مكروهة، ولذا كان بعض الصحابة يصارح من يراه مخالفاً فى شئ من الصلاة بعدم الصلاة خلفه " روى " موهوب ابن عبد الرحمن عن أنس بن مالك أنه كان يُخالفِ عمرَ بن عبد العزيز فقال له عمر: ما يحملك على هذا؟ فقال إنى رأيت رسول الله ﷺ يُصلى صلاةً متى تُوافِقُها أصلى معك ومتى تخالفها أصلى وأنقلب إلى أهلى. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (١). . ﴿١٣٣﴾ (وعن) أبى أيوب الأنصارى أنه كان يخالف مروانَ بنَ الحكم فى صلاته فقال له مرَوانُ: ما يحملك على هذا؟ قال، إنى رأيتُ النبى ﷺ يصلى صلاة إن وافقتهَ وفافقتكَ. وإن خالفتهَ صليتُ وانقلبت إلى أهلى. أخرجه الطبرانى فى الكبير بسند رجاله ثقات (٢). ﴿١٣٤﴾ (١٤) إمامة المبتدع: هو من يرتكب - بنوع شبهة أو استحسان - ما أُحْدِث على خلاف الحق المتلقى عن النبى ﷺ " من عِلم " كمنكر الرؤية قائلا لا يرُى لعظمته وجلاله " أو عمل " كمن يؤذّن بحىّ على خير العمل " أو حال " كمن يسكت معتقداً أن مطلق السكوت

стр. 988

قربة وهو - إن لم يكفُر بيدعته - فاسق تكره إمامته تحريماً عند الجمهور لما تقدم. " ولقول " مجاهد كنت مع عبد الله بن عمر فثوّب رجل فى الظهر أو العصر فقال: اخرج بنا فإن هذه بدعة. أخرجه أبو داود (١). ﴿٤٢﴾ (وقالت) الحنبلية: لا تصح الصلاة خلف مبتدع مُعْلنْ بدعتَه إلا أن خافه فيصلى ثم يعيد. وعن أحمد أنه لا يصلى خلف مبتدع بحال (قال) ابن قدامة بعد كلام: وعن مالك أنه لا يصِّلى خلف أهل البدع. فحصل من هذا أن من صلى خلف مبتدع معْلن بدعتَه فعليه الإعادة ومن لم يعلنها ففى الإعادة خلفه روايتان (٢) (وعلى الجملة) من أراد حفظ دينه وسلامةَ عبادته من الخلل فلا يصلى خلف المخالفين لشرع الله ولا يصاحب بدعياً ولا يدخل مساجد البدع، وإلا ضل سعيه وَبعُدَ عن سبيل الخير (قال) ابن الحاج فإن فُرِضَ ألا يجدَ مسجداً سالماً من البدع. فْليصل فى بيته فهو أفضل له وأقرب إلى رضاء ربه، ولا سيما فى هذا الزمان، إذ أقرب ما يتَقرب به المتقربون إلى الله اليومَ بُغْضُ البدع ومحبة السنن والعمل عليها ومحبةُ أهلها وموالاتهم، فإن هذا الفن قد اندرس إلا عند من وفقه الله وقليل مّاهم (وهذا) بالنظر لأهل زمانه " القرن السابع " فما الذى نقوله فى أهل زماننا " القرن الرابع عشر " وبدعِهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون. (١٥) إمامة الأعرابى: الأعرابى من يسكن البادية. فإن كان من أهل العلم والفضل صالحاً للإمامة لا تكره إمامته ولو للحضرى عند الجمهور. لعموم

стр. 989

لعموم قوله ﷺ : يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله (١) ولأنه مكلّف أهلٌ للإمامة. وإن غلب عليه الجهل والفسق، كرهت إمامته تحريماً اتفاقاً لما تقدم. (وقالت) المالكية: تكره إمامته للحضرىِّ وإن كان أقرا القوم وأفضلهم لقوله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ (٢)﴾ ولأَن شأَنَه الجفاءُ والغِلْظة. والإِمامُ شافع فينبغى أن يكون ليِّن الجانب رحيم القلب (وَرُدَّ) بأَنه ليس كلُّ بدوى كذلك. بل منهم أَهل الفضل والإِيمان والرحمة والعطف، قال تعالى ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ (٣)﴾. (١٦) إمامة ولد الزنا: ولد الزنا لا تكره إمامته إذا كان تقياً مرضياً عند الحنفيين وأحمد إسحاق، لقول عائشة: ما عليه من وِزْر أبويه شئ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٤)﴾ تعنى ولد الزنا. ﴿٤٣﴾ وعن الشعبى والنخعى والزهرى فى ولد الزنا أنه يؤم. ذكره البيهقى (٥) (وعن أبى حنيفة) عن عطاء بن أبى رباح أنه سئل أيؤمُّ ولدُ الزنا، قال نعم أوَ ليس منهم مَنْ هو أكثُر مِنَّا صلاة وصوماً؟ أخرجه أبو يوسف فى الآثار (٦). ﴿٤٤﴾ وإن كان غير مرضىّ كرهت إمامته اتفاقاً، للنفرة منه (وكره) مالك أن يُتَّخّذّ إماماً راتباً (وقالت) الشافعية: تكره إمامته " روى " يحيى بن سعد أن رجلا كان يؤم ناساً بالعقيق فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز فنهاه. قال مالك

стр. 990

وإنما نهاه لأنه كان لا يُعرَف أبوه. ذكره البيهقى (١) ﴿٤٥﴾ ولأن الإمامة تعظيم وفضل وهو ليس من أهلها فكرهت إمامته كالعبد (ورُدّ) بأنهم لا يرَون كراهة إمامه العبد، والعبد أقل من ولد الزنا، لأنه لا يلى النكاح ولا المال ولا تقبل شهادته أحياناً بخلاف ولد الزنا، فلا يقاس عليه. (١٧) إمامة من يكرهه المأمومون: ينبغى للإمام أن يكون متحلياً بالكمال متخلياً عما يعاب حتى لا يكرهه أهل الخير والصلاح. ويكره له تحريماً - عند غير المالكية - أن يؤمّ قوماً يكرهونه أو أكثرهم إذا كانوا أهل دين وتقوى " لحديث " ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثةٌ لا تُرفَعُ صلاتُهم فوق رءوسهم شبراً: رجل أم قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط. وأخوان متصارمان. أخرجه ابن ماجه بسند صحيح (٢). ﴿١٣٥﴾ " ولحديث " أبى أمامة أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثةٌ لا تُجَاوز صلاتُهم آذانَهم: العبد الآبق حتى يرجعَ، وامرأت باتت وزوجها عليها ساخِط وإمام قوم وهم له كارهون. أخرجه الترمذى وقال: حسن غريب. وأقره المنذرى والنووى فى الخلاصة (٣). ﴿١٣٦﴾ (وفى الباب) أحاديث كثيرة فيها مقال، ولكنها لكثرتها يُقوّى بعضُها بعضاً فتقوم بها الحجة على أنه يكره للرجل أن يؤمّ قوماً يكرهونه أو أكثرهم لأمر دينى، أو لأنهم أحق الإمامة منه. وإن لم تكن كراهتم لما ذكر بل لإتمامه الصلاة وهم يرغبون فى نقرها، فلا تكره إمامته (قال) ابن قدامة:

стр. 991

قال أحمد: إذا كرهه واحد أو اثنان أو ثلاثة فلا بأس حتى يكرهة أكثر القوم. وإن كان ذا دين وسّنة فكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته (١) وقال الترمذى: وقد كره قوم أن يؤمّ الرجل قوماً وهم له كارهون. فإذا كان الإمام غير ظالم فإنما الإثم على من كرهه (٢) (وقال) الغزالى فى الإحياء: لو كان الأقل من أهل الدين يكرهونه فالنظر إليهم. (وقالت) المالكية: تكره إمامته إن كرهه القليل من غير أهل الفضل والشرف. وتحرُم إمامته إن كرهه جميع القوم أو أكثرهم أو ذَوُو الفضل والشرف منهم وإن قلوا. وإن شك فى كراهتهم له استأذن أهل محلته دون الطارئين. (١٨) موقف المأموم: له فى هذا أربع حالات: (أ) إذا كان المأموم واحداً ذكراً ولو صبياً، فالسنة أن يقف عن يمين الإمام متأخراً عنه قليلا أو مساوياً له " لقول " ابن عباس: صليتُ مع النبى ﷺ فقمتُ عن يساره فأخذ برأسى من ورائى فجعلنى عن يمينه. أخرجه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح (٣). ﴿١٣٧﴾ وتقدم بلفظ آخر (٤) " ولقول " أنس: صليتُ مع النبى ﷺ فأقامنى عن يمينه. أخرجه البزار بسند رجاله موثقون (٥). ﴿١٣٨﴾ فإن قام خلف الإمام أو عن يساره، صح مع الكراهة عند الأئمة الثلاثة لأن ابن عباس لما أحرم عن يسار رسول الله ﵌ أداره عن يمينه ولم تَبطل تحريمتُه، ولو بطلتْ لما أقرّه رسول الله ﵌ على أول صلاته، ولأن اليسار موقف للمأموم إذا كان معه آخر

стр. 992

(وقال) أحمد والهادوية: تبطل صلاته، لأن النبى ﷺ أدار ابن عباس عن يمينه. وعدمُ أمره له باعادة التحريمة، لا يدل على صحة صلاة من وقف على يسار الإمام فى الصلاة كلها عالماً بموقف المأموم الواحد. غاية ما فيه تقرير مَنْ جهل الموقف والجهل عذر، ولأن ما فعله ابن عباس قبل الركوع لا يؤثر، فإن الإمام يُحرم قبل المأمومين ولا يضر انفراده بما قبل إحرامهم ولا يلزم من العفو عن ذلك العفو عن ركعة كاملة. (وَرُدَّ) بأن سماحة الدين ويسرَه لا يتفقان وهذا التشديد فى موقف المأموم، وسيأتى أن النبى ﷺ قال لأبى بكرة - وقد أحرم وركع قبل أن يصل الصفّ - زَادك الله حِرْصاً ولا تعُد (١) فقد خالف الموقف ودعا له النبى ﷺ ولم يخبره ببطلان صلاته. والظاهر مذهب الجمهور. (ب) " إذا كان " مع الإمام اثنان فأكثر تقدم الإمام ووقف المأمومون خلفه عند الأئمة الأربعة والجمهور "لقول" أنس: صلىّ النبى ﷺ فى بيت أم سُليم فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سُليم خلفنا. أخرجه الشافعة والبخارى والبيهقى (٢). ﴿١٣٩﴾ " ولقول "، جابر بن عبد الله: قام النبى ﷺ ليصلى المغرب فجئتُ فقمتُ إلى جنبه عن يساره فأخذ بيدى فأدرانى حتى أقامنى عن يمينه، فجاء جُبارُ بنُ صَخرٍ حتى قام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذَنا بيديه فدفعنا حتى أقامنا خلفه (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود (٣). ﴿١٤٠﴾

стр. 993

(وروى) أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أن عُمر بن الخطاَّب أمَّ رجلين فجعلهما خلفه. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (١). ﴿٤٦﴾ وليس ذلك شرطاً ولكنه الأولى والأسن. (ج) " ولو صلى " مع الإمام ذكر وامرأة وقف الذكر عن يمينه والمرأة خلفهما " لحديث " أنس أن النبى ﷺ أمَّةُ وامرأةً منهم فجعله عن يمينه والمرأةَ خلف ذلك. أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخارى. وهذا لفظ أبى داود (٢). ﴿١٤١﴾ (د) " وإذا كان " مع الإمام رجال وغيرهم وقف خلفه الرجال ثم الصبيان ثم الخناثى ثم النساء " لحديث " أبى مسعود الأنصارى أن النبى ﷺ قال: لِيَلِيَنىّ منكم أولو الأحْلام والنُّهى، ثم الذين يلُونهم، ثم الذين يلونهم. أخرجه البيهقى والسبعة إلا البخارى والنسائى وحسنه الترمذى (٣). ﴿١٤٢﴾ " ولقول " أبى مالك الأشعرى: يا معشرَ الأشعريين اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أُعَلمْكم صلاة النبى ﷺ فاجتمعوا وجمعوا أبناءهم ونساءهم فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أنْ فاء الفئ وانكسر الظلّ قام فأذَّن فصف الرجالَ فى أدنى الصفِّ وصف الوِالدانَ خلفهم. وصف النساء خلف الولدان ثم أقام الصلاة فتقدم

стр. 994

(الحديث) أخرجه أحمد وابن أبى شيبة. وفى سنده شهر بن حَوْشَبٍ تكلم فيه غير واحد ووثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل (١). ﴿١٤٣﴾ (ومحل) تأخير الصبيان عن الرجال إن تعدّدوا بأن كانوا اثنين فأكثر. أما الصبى الواحد فيدخل مع الرجال فى الصف عند الحنفيين ومالك الشافعى والجمهور " لحديث " أنس بن مالك أن جدته مُلَيكة دعت النبى ﷺ لطعام صنعتْه فأكل منه ثم قال: قوموا فلأصلىِ لكم، فقمتُ إلى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لُبِس فنَصحتهُ بماء فقام عليه النبى ﷺ ، وصَففتُ أنا واليتيم وراءه والعجوزُ مِنْ ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف. أخرجه الشافعى والبيهقى والجماعة إلا ابن ماجه. وصححه الترمذى (٢). ﴿١٤٤﴾ (وقال) أحمد: يكره أن يقوم الصبى مع الرجال خلف الإمام إلا إذا بلغ خمسَ عشْرة سنة. وروى عن عمر أنه كان إذا رأى صبياً فى الصف أخرجه. ﴿٤٧﴾ والراجح ما ذهب إليه الجمهور لما روينا. (١٩) وقوف المرأة فى صف الرجال: دل حديث أنس على أن المرأة تقف خلف الرجل ولو انفردت. ولا تقف مع الرجل لما فيه من خشية الافتتان. فلو وقفت فى صف الرجال صحت صلاتها وصلاة من يليها مع الكراهة عند

стр. 995

الجمهور. قال النووى: وكذا إذا تقدمت المرأة على صفوف الرجال ولم تتقدم على الإمام أو وقفت بجنب الإمام أو بجنب مأموم صحت صلاتها وصلاة الرجال مع الكراهة بلا خلاف عندنا (١) (وقال) الحنفيون وأبو بكر الحنبلى: تبطل صلاة من يليها ومن خلفها دونها " روى " أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال فى الرجل يصلى وعن يمينه أو عن يساره أو بحذائه امرأة تصلى: إنه يعيد الصلاة. وإن كان بينهما مقدارُ مُؤخِرة الرَّجْل. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (٢). ﴿٤٨﴾ ووجهه أن الرجل منهى عن الوقوف وراءها وإلى جانبها، لقول ابن مسعود: أخروهن من حيث أخرهن الله. أخرجه الطبرانى وعبد الرازق (٣). ﴿٤٩﴾ وحيث ظرف مكان، ولا مكان يجب تأخيرهن إليه إلا مكان الصلاة. والمأمور بتأخيرها الرجال. فإذا حاذت الرجلَ امرأةٌ فسدت صلاته (٤). دون صلاتها، لأنه ترك ما أُمر به، فأشبه ما لو تقدم على الإمام. (قال الحلبى) الحنفى: وعند الثلاثة المحاذاة غير مفسدة وهو القياس إلا أن أئمتنا استحسنوا بالحديث "أخروهنّ .. " وهو أمر يقتضى الافتراض فيكون ترك التأخير من الرجل مفسداً، لتركه فرض المقام. ولا تفسد صلاتها وإن كانت مأمورة بالتأخّر ضمناً ويحرم عليها تركه فرقاً بين القصدى

стр. 996

والضمنى، وكان وزانه معها فى لزوم تقدمه وتأخيرها وزان المأموم مع الإمام فى لزوم تأخيره وتقديم الإمام " فكما " أن المأموم لا يجوز له التقدم وتفسد صلاته والإمام لا يجوز له التأخر ولا تفسد صلاته " كذلك " الرجل لا يجوز له التأخر عن المرأة وتفسد صلاته والمرأة لا تجوز لها المحاذاة ولكن لا تفسد صلاتها. ثم قال: ثم هذا مبنى على كون الحديث مرفوعاً إلى النبى ﷺ . ولم يثبت ذلك. وإنما روى موقوفاً على ابن مسعود (١). وعلى فرض رفعه فالمقرر عندهم أن النهى لا يقتضى الفساد، فقد ثبت النهى عن الصلاة فى الثوب المغصوب وَأُمِرَ غاصبه بنزعه، ولو خالف وصلى فيه أثم وأجزأته صلاته، وأيضاً فإن المرأة منهية عن الوقوف مع الرجال ولم تفسد صلاتها، فصلاة من يليها ومن خلفها أوْلى. فالراجح القول بعدم فساد صلاة الرجل بمحاذاة المرأة. (٢٠) آداب الجماعة: للجماعة آداب كثيرة تقدم بعضها كتسوية الصفوف وسدّ الفرج (ومنها) ألاّ يقومَ المأمومون للصلاة إذا كان الإمام غائبا حتى يرونه " لحديث " أبى قتادة أن النبىّ ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تَرَوْنى. أخرجه أحمد والشيخان والنسائى وأبو داود (٢). ﴿١٤٥﴾ فقوله " حتى ترونى " إذنٌ بالقيام عند رؤية الإمام بلا تقييد بشئ من ألفاظ الإقامة. أما إذا كان الإمام حاضراً. فالأمر موسّع فى وقت قيامهم (قال) مالك فى الموطأ: وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإن لم أسمع فى ذلك

стр. 997

بحد يقام له إلا أنى أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد (١). (وقال) ابن حبيب: كان ابن عمر لا يقوم حتى يسمع قد قامت الصلاة. ورُوى نحوه عن أنس ابن مالك. ﴿٥٠﴾ (وقالت) الشافعية وأبو يوسف وإسحاق وأهل الحجاز: لا يقوم كل من الإمام والمأموم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة. وهو رواية عن أحمد (وقال) أبو حنيفة ومحمد: يقومون إذا قال حىّ على الصلاة، فإذا قال قد قامت الصلاة كبرّ الإمام " لما روى " الحجاج بن فروخ ثنا العوّام بن حَوْشّبٍ عن عبد الله بن أبى أوفى قال: كان إذا قال بلال قد قامت الصلاة نهض النبى ﷺ فكبر. أخرجه البيهقى وقال: وهذا لا يرويه إلا الحجاج بن فروخ، وكان يحيى بن معين يضعفه (٢). ﴿١٤٦﴾ ولأن المقيم أمين قد أخبر بقيام الصلاة فينبغى تصديقه. (ورُدّ): (أ) " بأن " الحديث ضعيف، لأن الحجاج بن فروخ مجهول. وضعفه ابن معين والنسائى والدار قطنى. والعوّام بن حَوْشبٍ لم يدرك ابن أبى أوفى ولم يسمع أحداً من الصحابة (ب) بأن ما قالاه مخالف لما تقدم فى بحث " حكاية الإقامة " عن أبى أمامة أن بلال أخذ فى الإقامة فلما أن قال قد قامت الصلاة قال النبى ﷺ : أقامها الله وأدامها. وقال فى سائر الإقامة كنحو حديث عمر فى الأذان (٣) أى أنه ﵌ كان يحكى الإقامة كالأذان إلا قد قامت الصلاة فكان يقول بدلها أقامها الله وأدامها. وهو صريح فى أن النبى ﷺ لم يكن يدخل فى الصلاة إلا بعد الفراغ

стр. 998

من الإقامة، ولأنها دعاء للصلاة كالأذان، فلا يسن الدخول فيها إلا بعد الفراغ من الإقامة. وقد تقدم فى بحث تسوية الصفوف أنه ﷺ كان لا يدخل الصلاة إلا بعد تسوية الصفوف (١) واقتدى به خلفاؤه والسلف الصالح (ومنه) تعلم أن السنة عدم الدخول فى الصلاة إلا بعد الفراغ من الإقامة وقول المقيم " قد قامت الصلاة " معناه قرب الدخول فيها. (ومنها) الوقوف فى المكان الفاضل - فيسن للإمام الوقوف فى مقابلة وسط الصف ليستوى القوم من جانبيه " ولحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: وسِّطوا الإمام وسدُّوا الخَلَل. أخرجه أبو داود والبيهقى (٢). ﴿١٤٧﴾ أى اجعلوا الإمام مقابلا لوسط الصف الأول، وليس المراد اجعلوه وسطكم، لأن رتبة الإمام التقدم. والأمر فيه للندب للاتفاق على صحة الصلاة إذا كان كل المأمومين عن يمينه أو يساره. والحديث وإن كان ضعيفاً (٣) لكن عليه عمل سلف الأمة وخلفها (قال) أبو حنفية: أكره أن يقوم بين الساريتين أو فى زاوية أو فى ناحية المسجد أو إلى سارية، لأنه خلاف عمل الأمة. والظاهر أن هذا فى حق الإمام الراتب لجماعة كثيرة، لئلا يلزم عدم قيامه فى الوسط، فلو لم يلزم ذلك لا يكره قيامه إلى سارية ونحوها. ذكره ابن عابدين (٤) (ويستحب) للمأمومين ابتداء الصف من خلف الإمام إلى نهاية الجهة اليمنى ثم يتمونه من اليسار، وألا يُبتدأ صفِّ حتى يتم الصف الأمامى " لحديث " عائشة أن النبى ﵌ قال: إن الله وملائكته

стр. 999

يُصلّون على ميامن الصفوف. أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقى ثم قال: معاوية بن هشام ينفرد بهذا المتن فلا أراه محفوظاً (١). ﴿١٤٨﴾ " ولحديث " جابرِ بنِ سَمُرَة أن رسول الله ﷺ قال: ألا تَصُفون كما تَصُفّ الملائكة عند ربهم؟ قلنا وكيف تصُف الملائكةُ عند ربهم؟ قال يُتمون الصفوف المقدَّمة ويتراصّون فى الصف. أخرجه أحمد ومسلم والأربعة إلا الترمذى (٢). ﴿١٤٩﴾ وتقدم عن أنس أن النبى ﷺ قال: أتموا الصف المقدّمَ تم الذى يليه، فما كان من نقصٍ فليكن فى الصّف المؤخرّ (٣). (ومنها) قرب أهل الفضل من الإمام - فيسنّ أن يتقدم فى الصف الأول أولو الفضل وأن يلى الإمامَ أفضلُهم " لما تقدم " عن أبى مسعود الأنصارىّ أن النبى ﷺ قال: لِيَلِيَنىّ منكم أولو الأحلام والنهُّىَ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤). (ومنها) تخفيف الإمام الصلاة - فيسن للإمام مراعاة حال المأمومين، فلا يطول فى الصلاة بالزيادة عن القدر المسنون فى القراءة وغيرها " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا صلى أحدُكم للناس فليُخَفّف

стр. 1000

فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبير، فإذا صلى لنفسه فليطوّل ما شاء. أخرجه السبعة إلا ابن ماجه. وفى رواية البخارى. فإن منهم المريضَ والضعيف. وفى رواية له أيضاً عن ابن مسعود: فإن فيهم الضعيف والكبير إذا الحاجة (١). ﴿١٥٠﴾ (ومعلوم) أن التخفيف أمرُ نسبى يرجع إلى ما فعله النبى ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين، فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه وقد علم أن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة فالذى فعله هو التخفيف الذى أمر به وهديُه الذى واظب عليه هو الحاكم على كل ما تنازع فيه المتنازعون وبما ذكر تزداد علماً بجهل وخطأ من ينكر على من يؤمّ الناس فى صلاة الصبح أو الظهر فيقرأ فيهما بالوارد، ويطمئن فى الركوع والرفع منه والسجود والجلوس بين السجدتين حسب الوارد عن رسول الله ﵌ ويستدل بحديث أبى هريرة وقد تقدم أنّ النبى ﷺ إنما أنكر على معاذ قراءته البقرة فى صلاة العشاء، وأمره أن يقرأ فيها من أوساط المفصّل وقد تقدم الكلام على هذا بأتمِّ وجه وأكمله فى "بحث القراءة فى العشاء " (٢). (ومنها) أنه يندب للإمام فى يُخلص فى صلاته، ويتضرعَ فى دعائه، ويُحسِنَ طهارته وقراءته ويحضُر إلى المسجد أول الوقت، فإن اجتمع الناس بادر بالصلاة وإلا انتظر الجماعة ما لم يفحش الانتظار. وبالجملة فينبغى له أن يأتى بصلاته على أكمل ما يطيقه من الأحوال (ومنها) انتظار الإمام من يريد الصلاة معه: فمتى أحس الإمام بداخل يريد الصلاة معه، استحب له - عند الحنفيين والشافعى - انتظاره حال القيام

стр. 1001

أو الركوع أو القعود الأخير، ليدرك فضل الجماعة، لما فيه من التعاون على البر والتقوى. وهذا إن سوىّ بين المأمومين فى ذلك وقصد به التقرب إلى الله تعالى، واتسع الوقت ولم يبالغ فى الانتظار بما يشقُّ على المؤمنين، أما إن انتظره تودداً إليه، أو حَياء منه، فهو مكروه تحريماً عند أكثر العلماء " قال " الكاسانى: ثم الإمام إذا كان فى الركوع فسمع خفق النعل ممن دخل المسجد هل ينتظره؟ قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة وابنَ أبى ليلى عن ذلك فكرهاه. وقال أبو حنيفة: أخشى عليه أمراً عظيماً يعنى الشرك (١) وروى هشام عن محمد أنه كره ذلك. وقال الشافعى لا بأس به مقدار تسبيحة أو تسبيحتين. وقال أبو القاسم الصفار: إن كان الرجل غنياً لا ينتظره وإن كان فقيراً يجوز. وقال الفقيه أبو الليث: إن كان الإمام قد عرف الجائى فلا ينتظره لأنه يشبه الميل وإن لم يعرفه فلا بأس به، لأن ذلك إعانه على الطاعة (٢) (وقال) ملاّ على القارى: والمذهب عندنا أن الإمام لو أطال الركوع لإدراك الجائى لا تقرباً بالركوع لله، فهو مكروه تحريماً ويخشى عليه منه أمر عظيم لكن لا يكفر به لأنه لم ينوِ به عبادة غير الله (٣) (وقال) الجرانى فى فتح العلام: ويكره الانتظار فى غير الركوع والتشهد الأخير، لعدم الفائدة، كما يكره فيهما عند فقد شرط مما مرّ. ويحرم عند ضيق الوقت ولقصد التودد (٤).

стр. 1002

(ومشهور) مذهب الحنبلية أنه يكره الانتظار عن شق على المأمومين، وإلا استحب (قال ابن قدامة) متى أحسّ بداخل فى حال القيام أو الركوع يريد الصلاة معه وكانت الجماعة كثيرة، كره انتظاره، لأنه يبعد ألاَّ يكون فيهم من يُشق عليهم، وكذلك إن كانت الجماعة يسيرة والانتظار يشق عليهم لأن الذين معه أعظم حرمة من الداخل، فلا يشق عليهم لنفعه. وإن لم يكن كذلك استحب انتظاره. وهذا مذهب أبى مجلز والشعبى والنخعى وإسحاق (١) (وقالت المالكية) يكره الانتظار مطلقاً. (٢١) مكروهات الجماعة: يكره فيها أمور المذكور منها هان خمسة: ١ - يكره توسط الإمام بين اثنين أو أكثر، لما فيه من مخالفة موقفه كما تقدم فى بحث " موقف المأموم " (٢) ٢ - تكره الصلاة بين الأعمدة للإمام وغيره عند مالك وإسحاق وإبراهيم النخعى " لحديث " معاوية بن قرّة عن أبيه قال: كنا نُنْهَى أن نَصُفَّ بين السوارى على عهد رسول الله ﷺ ونطردُ عنها طرداً. أخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقى. وفى سنده هارون بن مسلم البصرى. وهو مجهول (٣). ﴿١٥١﴾ لكن يقويه " قول " ابن مسعود: لا تَصُفُّوا بين السوارى. أخرجه البيهقى، وقال: ورواه الثورى عن أبى إسحاق فقال: لا تصفوا بين الأساطين وهذا لأن الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف. فإن كان منفرداً أو لم يجاوزا ما بين الساريتين لم يكره (٤). ﴿٥١﴾ " وقول " عبد الحميد بن محمود: صليت مع أنس بن مالك يوم الجمعة فَدُفِعْنَا إلى السوارى فتقدمنا وتأخرنا فقال أنس: كنا نتقى هذا على عهد رسول الله ﷺ . أخرجه أحمد والبيهقى والثلاثة والحاكم وصححه.

стр. 1003

وقال الترمذى حديث حسن صحيح (١). ﴿١٥٢﴾ حملوا النهى فى هذه الأحاديث عن الكراهة. وروى سعيد بن منصور النهى عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة. وحكمة النهى عن ذلك ما فيه من قطع الصف ولأنه مُصَلىَّ الجن المؤمنين (وقال) الشافعى وابن المنذر والحنبلية: تكره الصلاة بين السوارى للمأمومين إذا أدى ذلك إلى قطع الصف. ولا تكره لغير المأمومين " لحديث " معاوية بن قرة السابق، فإنه يدل بمفهومه على جواز صلاة المنفرد بين السوارى، لأنه ليس فيه إلا النهى عن الصف بينها، فما ورد من النهى عن الصلاة بين السوارى مطلقاً يحمل على المقيد. فيكون النهى مختصاً بالمؤتمين دون الإمام والمنفرد " لقول " مجاهد: أتِىَ ابنُ عمر فقيل له: هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة قال ابن عمر: فأقبلتُ فسألتُ بلالاً أصلى النبى ﷺ فى الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين السّاريتين (الحديث) أخرجه البخارى (٢). ﴿١٥٣﴾ (وقال) أبو حنيفة: يكره للإمام فقط. قال فى الدراية: الأصح ما روى عن أبى حنيفة: أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين أو زاوية أو ناحية من المسجد أو إلى سارية، لأنه خلاف عمل الأمة (٣) وأجازه مطلقاً بلا كراهة الحسن البصرى وابن سيرين والكوفيون مستدلين بحديث ابن عمر " وبقوله " دخل النبى ﷺ البيتَ ثم خرج فسألت بلالا أين صلى؟ فقال:

стр. 1004

بين العمودين المقدمين، أخرجه الشيخان (١). ﴿١٥٤﴾ (وأجابوا) عن حديث معاوية بن قرة بأنه ضعيف كما تقدم، وعن حديث أنس بأنه مردود بفعل النبى ﵌ (ورد) بأن حديث معاوية وإن كان ضعيفاً فله شواهد تقويه كما تقدم " وبأن فعل " النبى ﷺ ، وهو صلاته بين الساريتين فى الكعبة مخصص لحديث النهى فلا يُردّ حديث أنس (وأجاب) الأولون عن صلاته ﷺ فى الكعبة بين الساريتين، بأنه لا يعارض النهى الخاص بالأمة لعدم شموله له. وعلى فرض شموله له فيكون فعله ﷺ صارفاً للنهى عن التحريم إلى الكراهة. (والراجح) قول الشافعية والحنبلية بكراهة الصلاة بين الأعمدة للمأمومين فقط، فإن الأصل فى فعل النبى ﷺ عدم الكراهة وعدم الخصوصية. ومحل الخلاف إذا كان المكان متسعاً. أما إن كان ضيقاً فلا خلاف فى جواز الصلاة بين السوارى بلا كراهة. ٣ - يكره - عند الأئمة - علوّ الإمام وحده على المأمومين لغير ضرورة فى المسجد وغيره " لحديث " همام بن الحارث أن حُذيفة بن اليمان أمّ الناس بالمدائن على دُكّان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه. فلما فرغ من صلاته قال: ألَمْ تعلم أنهم كانوا يُنْهَوْن عن ذلك؟ قال: بلى فذكرتُ حين جذبتنى. أخرجه الشافعى وأبو داود والبيهقى والحاكم وصححه وابن خزيمة وابن حبان (٢). ﴿١٥٥﴾ " ولقول " حذيفة: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إذا أم الرجل القوم فلا يقمْ فى المكان أرفعَ من مقامهم. أخرجه أبو داود والبيهقى (٣). ﴿١٥٦﴾

стр. 1005

والنهى هنا مطلق. لكنه مقيد بعدم الضرورة اتفاقاً (ومنها) قصد التعليم " قال " أبو حازم: سألوا سهلَ بن سعد السَّاعدىَّ من أى شئ منبرُ النبى ﷺ ؟ قال: ما بقى أحد أعلمُ به منى، من أثْل الغابة. ولقد رأيتُ النبى ﷺ جلس على المنبر أول يوم وُضِع فكبّر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقرى وسجد فى أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس إنما صنعتُ هذا لتأتموا بى ولتَعلمَّوا صلاتى. أخرجه البيهقى والسبعة إلا الترمذى (١). ﴿١٥٧﴾ واختلفوا فى قدر الارتفاع المكروه (قال) الحنفيون: يكره ارتفاع الإمام وحده عن المأمومين قدر ذراع أو ما يقع به الامتياز. وهذا أوجَه لما تقدم ولما فيه من الكبْر ومشابهة أهل الكتاب فى تخصيص الإمام بمكان مرتفع. أما إذا كان معه أحد من المأمومين فلا كراهة فيه. (وقالت) المالكية: يكره علوّ الإمام وحده لغير ضرورة علوّاً فاحشاً إذا لم يقصد به الكبْر. أما إذا كان معه جماعة من المأمومين فالمعوَّل عليه عدم الكراهة. وإن قصد بعلوه الكبر بطلت صلاته. ويغتفر العلو اليسير كثير وذراع " وقالت " الشافعية: يرجع فى قدر الارتفاع للعرف.

стр. 1006

(وقالت) الحنبلية: يكره ارتفاع الإمام ذراعاً فأكثر ولو بقصد التعليم، وإن كان أقل فلا كراهة. وعليه حملوا حديث سهل بن سعد الساعدى (وَرُدَّ) بأن قوله فيه " ولتعلموا صلاتى " صريح فى أنه ﷺ إنما ارتفع لقصد التعليم (قال) ابن دقيق العيد: من أراد أن يستدل به " يعنى بحديث سهل " على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم، لأن اللفظ لا يتناوله (١). (وظاهر) الأدلة كراهة ارتفاع الإمام على المأمومين لغير ضرورة. ومنها قصد التعليم فى المسجد وغيره، لا فرق بين القائمة وغيرها. ٤ - يكره ارتفاع المأموم على إمامه عند الشافعية. (والمشهور) عند الحنفيين أنه مكروه تنزيهاً إذا ارتفع كل المأمومين لغير عذر، لما فيه من الأزدراء بالإمام (وقالت) المالكية: لا يكره علو مأموم على إمامه ولو بسطح المسجد فى غير الجمعة إن لم يقصد بعلوه كبراً وإلا بطلت صلاته كما لا تصح جمعة المأموم فوق المسجد (وقالت) الحنبلية: لا يكره علو المأموم على الإمام مطلقاً. واختاره الطحاوى وقاضيخان وقال: وعليه عامة المشايخ لعدم النهى. ولذا فعله بعض الصحابة "قال" صالح مولى التوأمة: رأيت أبا هريرة يصلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام فى المسجد. أخرجه الشافعى والبيهقى ذكره البخارى تعليقاً (٢). ﴿٥٢﴾ وجملة القول أن ارتفع المؤتم إن كان مُفرطاً بحيث لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام، فهو ممنوع بالإجماع فى المسجد وغيره. وإن كان الارتفاع غير مفرط فالأصل الجواز حتى يقوم دليل على المنع. ويعضِّد هذا الأصل

стр. 1007

فعل أبى هريرة المذكور ولم يُنكَر عليه. ٥ - تكره صلاة الرجل منفرداً عن الصف عند الجمهور " لما روى " أبو بَكَرة أنه دخل المسجد ونبى الله ﷺ راكع فركع دون الصفِّ فقال النبى ﷺ : زادك الله حِرْصاً ولا تعدُ. أخرجه أحمد والبخارى والنسائى وأبو داود. وهذا لفظهما (١). ﴿١٥٨﴾ وجه الدلالة أنه أدى بعض الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبى ﷺ بالإعادة ونهاه عن العود إلى ذلك إرشاداً إلى ما هو الأفضل، فدل على صحة صلاة المنفرد خلف الصف مع الكراهة (وقالت) الحنبلية وإسحاق وابن المنذر والنخعى: من أحرم خلف الصف ثم دخله وأدرك فيه الركوع مع الإمام صحت صلاته " لحديث " أبى بَكرة. وإن صلى ركعة كاملة خلف الصف بطلت صلاته " لحديث " وابصةَ أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يُصلى خلف الصفِّ وحده فأمره أن يُعيدَ الصلاة. أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقى والترمذى وحسنه (٢). ﴿١٥٩﴾ " ولقول " علىّ بن شيبانَ قدمِنا على النبى ﷺ فبايعناه وصّلينا خلفه ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة فرأى رجلا فرداً يصلى خلف الصف فوقف عليه نبى الله ﷺ حتى انصرف ثم قال:

стр. 1008

اسْتَقْبِلْ صلاتَك لا صلاة الذى صلى خلف الصفِّ. أخرجه أحمد وحسنه والبيهقى وابن ماجه بسند رواته ثقات. وهذا لفظه (١). ﴿١٦٠﴾ (وأجاب) الجمهور عنه: (أ) بأن الأمر بإعادة الصلاة محمول على الاستحباب جمعاً بين الأدلة وزجراً لمن فعله كى لا يعود. (ب) وبأن قوله ﷺ : لا صلاة للذى خلف الصف، معناه لا صلاة كاملة بدليل أنه ﷺ انتظره حتى فرغ من الصلاة، ولو كانت باطلة ما أقره على الاستمرار فيها (وجملة) القول أن الجمهور حملوا حديث وابصة على الندب، وحديث على بن شيبان على نفى الكمال، ليوافقا حديث أبى بكرة إذ ظاهرة عدم لزوم الإعادة لعدم أمره بها (هذا) ومن حضر ولم يجد فى الصف فرجه قال إبراهيم النخعى وأكثر الشافعية: يُحرم ويختار واحداً فيجذبه إليه. ويستحب للمجذوب موافقته وهو مشهور مذهب أحمد " لحديث " وابصة أن النبى ﷺ رأى رجلا صلى خلف الصفوف وحده فقال: أيها المصلى وحده ألا وَصَلت إلى الصف أو جرَرْتَ رجلا فقام معك؟ أعِدْ صلاتك. أخرجه أبو يعلى والبيهقى. وفى سنده السرى بن إسماعيل وهو ضعيف (٢). ﴿١٦١﴾ " ويُقَوِّيه " حديث مقاتل بن حَيّان أن النبى ﷺ قال: إن جاء رجل فلم يجد أحداً فْليَخْتَلِجْ إليه رجلا من الصف فليقم معه فما أعظمَ المُخْتَلَج. أخرجه البيهقى وأبو داود فى المراسيل (٣). ﴿١٦٢﴾ (وقال) الحنفيون: من لم يجد فرجه فى الصف ينتظر حتى يجئ آخر

стр. 1009

فيقفان معاً. فإن لم يجئ أحد حتى ركع الإمام يختار عالماً بالحكم فيجذبه ويقفان. وعليه حملوا الأحاديث الواردة فى هذا. فإن لم يجد عالماً بالحكم صلى خلف الصف بحذاء الإمام ولا كراهة حينئذ للضرورة (قال) ابن الهُمَام: إذا جاء والصف ملآن يجذب واحداً منه ليكون معه وينبغى لذلك ألا يجيبه فتنتفى الكراهة عن هذا لأنه فعل وسُعه (١) (وقال) مالك والأوزاعى وإسحاق وداود: من لم يجد سعة فى الصف يقف منفرداً ويكره له جذب أحد وهو رواية عن الشافعى وأحمد، لأنه لو جذب واحداً لفوّت عليه فضل الصف ولأوقع الخلل فيه (قال مالك) فى المدونة: من صلى خلف الصفوف وحده فصلاته تامة مجزئة ولا يجبذ إليه أحداً، ومن جبذ أحداً ليقيمه معه فلا يتبعه (٢) ولعل الأحاديث لم تبلغهم، أو لم يقولوا بها لضعفها، لكن قد علمتَ أنها لكثرتها يقوى بعضها بعضاً، فيحتج بها. (٢٢) أعذار ترك الجماعة: يباح التخلف عن الجمعة والجماعة لأعذار، المذكور منها هنا أحد عشر. (١) المرض الذى يشق معه الذهاب إلى المسجد. (٢) والمطر الشديد، وهو ما يحمل الناس على تغطية رءوسهم (٣ - ٩) والبرد. والريح، والظلمة الشديدة والخوف من ظالم على نفس أو عرْض أو مال، وحضور طعام تتوقه النفس، ومدافعة البول أو الغائط أو الريح. والخوف من حبس ظالم أو دائن وهو معسر " لما تقدم " عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: من سمع المنادىَ فلم يمنعه من اتباعه عذر لم تُقبلْ منه الصلاة التى صلى قالوا:

стр. 1010

وما العذر يا رسول الله؟ قال خوف أو مرض. أخرجه أبو داود والدار قطنى (١) وفى سنده أبو جَناب يحيى بن الكلبى وأبو المخارق الكوفى، وفيهما مقال (قال) ابن المنذر: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض. وقد تخلف النبى ﷺ عنها وهو مريض قال: مروا أبا بكر أن يُصلىَ بالناس " ولحديث " مالك عن نافع أن ابن عمر أذَّن للصلاة فى ليلة ذات برْد وريح فقال. ألا صلوا فى الرحال. ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذاتُ مطر يقول: ألا صلوا فى الرِّحال. أخرجه الأئمة والشيخان والنسائى وأبو داود (٢). ﴿١٦٣﴾ ومثلُ البرد الحرُّ الشديد والريح الباردة فى ليلة مظلمة وإن لم تكن شديدة عند الحنبلية والشافعية (وقال) الحنفيون: لا تكون عذراً إلا إن كانت شديدة وقد أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة فى شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح (وعن عائشة) أن النبى ﷺ . قال: لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان. أخرجه مسلم وأبو داود (٣). ﴿١٦٤﴾ (وعن ابن عمر) أن النبى ﷺ قال: إذا كان أحدكم على

стр. 1011

الطعام فلا يعجَل حتى يَقضىَ حاجته منه وإن أقيمت الصلاةُ. أخرجه البخارى (١). ﴿١٦٥﴾ (وعن أم سلمة) أن النبى ﷺ قال: إذا حضر العَشاء وحضَرت الصلاةُ فابدءوا بالعَشاء. أخرجه أحمد وابن شيبة بسند جيد (٢). ﴿١٦٦﴾ دل ما ذكر على أنه يطلب تقديم تنازل الطعام الحاضر على الصلاة ولو كان غير محتاج إليه ولم يخش فساده. ولذا قال ابن حزم والظاهرية يجب تقديم الطعام وتبطل الصلاة إذا قُدّمتْ. ورَوى القولَ بالوجوب الترمذىُّ عن أبى بكر وعمر وابن عمر وأحمد وإسحاق (وقال) الجمهور: يكره تقديم الصلاة على الطعام إذا حضر. وظاهر الأحاديث أنه يقدَّم الطعام وإن خشى خروج الوقت، وبه قال ابن حزم وبعض الشافعية (وقال) الجمهور: محله إن اتسع الوقت وإلا لزم تقديم الصلاة " وظاهر " قوله فى حديث ابن عمر: فلا يعجَل حتى يقضى حاجته "أنه" يأخذ حاجته من الطعام كاملة، وهو يردّ ما قاله بعض الشافعية من أنه يقتصر على تنازل لُقَيَمات يكسِر بها سَورة الجوع. ومثل الطعام فى ذلك كله ما يحصل بتأخيره شغل البال بجامع ذهاب الخشوع الذى هو روح الصلاة. (١٠) العمى: هو عذر إن لم يجد الأعمى قائداً ولم يهتد بنفسه " لقوله " تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ فإن وجد قائداً أو اهتدى بنفسه فلا

стр. 1012

عذر له فى التخلف عن الجماعة عند الجمهور، لأن النبى صل الله عليه وسلم لما أعلم أن ابنَ أُم مكتوم الأعمى يهتدى إلى المسجد لم يرخص له فى التأخر عن صلاة الجماعة وقد سمع النداء كما تقدم (١) (وقال) أبو حنيفة: يباح للأعمى التخلف عن الجماعة وإن وجد قائداً، لأن القادر بقدرة الغير لا يعدّ قادراً والحديث يرده. (١١) القيام بأمر مريض يتضرر بغيبته. هذا. ومن تخلف عن الجماعة لعذر مما سبق ونحوه - ولولاه لحضر - فله ثواب الجماعة " لحديث " أبى موسى أن النبى ﵌ قال: إذا مِرض العبدُ أو سافر كتَب اللهُ له من الأجر مثلَ ما كان يعمَل صحيحاً مقيماً. أخرجه أحمد والبخارى وأبو داود (٢). ﴿١٦٧﴾ (٢٣) أحوال المقتدى: المقتدى إما مدرك، أو لاحق، أو مسبوق أو لاحق مسبوق. (أ) (فالمدرك) من أدرك الصلاة كلها مع الإمام. (ب) (واللاحق) غير المسبوق، من أدرك الركعة الأولى مع الإمام وفاته غيرها لعذر كنوم أو غفلة أو زحمة أو سبْق حدَث (وحكمه) عند الحنفيين أنه إذا زال عذره بدأ بقضاء ما فاته بلا قراءة، ثم يتابع إمامه إن أدركه. ولو تابعه ثم قضى ما فاته صح مع الكراهة، فلو نام فى الثالثة واستيقظ فى الرابعة أتى بالثالثة بلا قراءة فإذا فرغ منها وأدرك الإمام فى الرابعة صلاها معه، وإن لم يدركه صلاها وحده بلا قراءة.

стр. 1013

(وقالت المالكية) من دخل مع الإمام ثم فاته شئ من الصلاة لعذر كرحمة أو نوم لا ينقض الوضوء، فله أحوال ثلاثة: (الأولى) أن يفوته الركوع أو الرفع منه مع الإمام. فإن كان فى الركعة الأولى تابع الإمام وألغى هذه الركعة لعدم انعقادها بفوات الركوع مع الإمام. فإن ركع عمداً بطلت صلاته وإن ركع سهواً ألغى الركوع وقضى ركعة بعد سلام الإمام. وإن كان فى غير الركعة الأولى، فإن ظن أنه لو ركع أدرك الإمام ولو فى سجدة أتى بما فاته، فإن تحقق ظنه فيها. وإن تخلف ظنه ألغى ما فعله وتابع الإمام وقضى ركعة بعد سلامه. وكذا إن لم يظن إدراك سجدة مع الإمام. فإن خالف وأتى بما فاته فإن أدرك سجدة مع الإمام صحت صلاته وحُسِبَتْ له الركعةُ، وإلا بطلت صلاته لقضائه ما فاته فى صلب إمامه (الثانية) أن تفوته سجدة أو سجدتان. فإن ظن إدراك الإمام قبل رفع رأسه من ركوع الركعة التالية أتى بما فاته ولحق الإمام وحُسِبَتْ له الركعة. وإن لم يظن إدراك الإمام فى ركوع الركعة التالية ألغى الركعة وتابع الإمام وأتى بركعة بعد سلام الإمام، ولا سجود عليه لتحمل الإمام الزيادة التى لغت (الثالث) أن تفوته ركعة أو أكثر. وحكمه أنه يقضى ما فاته بعد سلام الإمام كالمسبوق. (وقالت) الشافعية: اللاحق ويسمى الموافق هو من أدرك مع الإمام قبل ركوعه زمناً يسع الفاتحة (وحكمه) أنه لا يضر تأخره عن الإمام بركن فعلىّ كالركوع ولو بلا عذر، ولا تأخره بركنين أو ثلاثة بعذر "كبطء" المأموم فى القراءة بطأ خِلْقِيًّا لا لوسوسة والإمام معتدل القراءة " وكغفلة " المأموم وسهوه عن قراءة الفاتحة. فعلية أن يتخلف عن إمامه حتى يتم قراءتها، ويُغتفرُ له ثلاثةُ أركان طويلة وهى الركوع والسجدتان. فإن فرغ من قراءته قبل رفع الإمام رأسه من السجدة الثانية، بنى على نظم صلاته حتى يدرك

стр. 1014

إمامه. وإن لن يفرغ من القراءة إلا بعد رفع الإمام رأسه من السجدة الثانية، لزمه متابعة الإمام فيما هو فيه وقضاء ركعة بعد سلام الإمام " أما " إذا كان الإمام سريعَ القراءة ولم يتمكن المأموم الموافق من إتمام الفاتحة " فإنه " يقرا ما يمكنه منها ويتحمل عنه الإمام الباقى كالمسبوق، ولا يغتفر له التخلف ثلاثة أركان. (وقالت) الحنبلية: من أدرك الركعة الأولى مع الإمام وتخلف عنه بركن لعذر كغفلة أو نوم لا ينقض الوضوء، لزمه أن يأتى بما فاته بعد زوال عذره إذا لم يخش فوت الركعة التالية بعدم إدراك ركوعها مع الإمام. فإن خشى فوتها لزمه متابعة الإمام ولغت الركعة ولزمه قضاؤها بعد سلام الإمام كمسبوق. وإن تخلف عنه بركعة فأكثر تابعة وقضى ما فاته على صفته فإن كان ما فاته الركعة الأولى استفتح وتعوذ وقرأ الفاتحة وسورة. وإن كانت الثانية قرأ الفاتحة وسورة. وإن كانت الثالثة أو الرابعة اقتصر على الفاتحة. (ج) (والمسبوق فقط) هو من سبقه الإمام بركعة أو أكثر قبل أن يقتدى به فيدخل الصلاة مع الإمام على الحالة التى وجده عليها من ركوع أو سجود أو جلوس أو غير ذلك. وبعد سلام الإمام يأتى بما سبُق به " روى " عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن معاذ قال: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ إذا سبُق الرجلُ ببعض صلاته سألهم فأومئوا إليه بالذى سبُق به من الصلاة فيبدأ فيقضى ما سبُق به ثم يدخل مع القوم فى صلاتهم فجاء معاذ بن جبل والقومُ قعود فى صلاتهم فقعد. فلما فرغ رسول الله ﷺ قام فقضى ما كان سبُق به. فقال رسول الله ﷺ : اصنعوا كما صنع معاذ. أخرجه أحمد وأخرج البيهقى نحوه من طريق أبى داود (١). ﴿١٦٨﴾

стр. 1015

(وقال) عطاء بن أبى رباح: كان الرجل إذا جاء وقد صلى النبى ﷺ شيئاً من صلاته سأل فإذا أخْبِرِكْم سُبِق به، صلى الذى سُبِق به ثم دخل مع النبى ﷺ فى صلاته فأتى ابنُ مسعود فدخل مع النبى ﷺ فى صلاته ولم يسأل. فلما صلى النبى ﷺ قام فقضى ما بقى. فقال النبى ﷺ : إن ابنَ مسعودٍ قد سَنَّ لكم سُنَّة فاتبعوها: أخرجه الشافعى (١). ﴿١٦٩﴾ (وعن) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئاً، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة أخرجه أبو داود والحاكم وصححه (٢). ﴿١٧٠﴾ وقال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا إذا جاء الرجل والإمام ساجد فليسجد ولا تجزئه تلك الركعة إذا فاته الركوع مع الإمام قال بعضهم: لعله لا يرَفع رأسه من السجدة حتى يُغفرَ له (٣). هذا. والمسبوق منفرد فيما يقضيه، وما أدركه مع الإمام فهو أول صلاته عند الشافعى وإسحاق والأوزاعى. وروى عن مالك وأحمد. فيبنى عليه فى الأفعال والأقوال. فلو أدركه فى ركعة من الرباعية يأتى بعد سلام الإمام بركعة بفاتحة وسورة ويتشهد ثم يأتى بركعتين بفاتحة فقط " لما تقدم " عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تَسْعَوْنَ وأتوها تمشُون وعليكم السكينةُ فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (٤). (وقال) أبو حنيفة والسفيانان ومجاهد وابن سيرين: ما أدركه مع الإمام

стр. 1016

فهو آخر صلاته. وما يقضيه فهو أولها. يستفتح له ويتعوذ ويقرأ السورة جهراً، وهو مشهور مذهب أحمد ورُوى عن الشافعى، فمن أدرك ركعة من الرباعية يقضى ركعتين بفاتحة وسورة ثم يتشهد، ثم يأتى بركعة بفاتحة فقط. ومن أدرك ركعة من المغرب يقضى ركعتين بفاتحة وسورة ثم يتشهد " لقول " النبى ﷺ فى رواية من حديث أبى هريرة، وما فاتكم فاقضوا. أخرجها النسائى والبيهقى وقال: رواه مسلم عن سفيان بن عُيينة. وحكى عن مسلم أنه قال: لا أعلم هذه اللفظة رواها عن الزهرى غيرُ ابن عيينة وأخطأ (١) ولكن تابع ابنَ عيينة ابنُ أبى ذئب فرواها عن الزهرى كذلك. وكذا أخرج الحديث أبو نُعيم فى المستخرج على الصحيحين. ذكره ابن التركمانى (٢). (وأجاب) الأولون بأن هذه الرواية شاذة. قال البيهقى: والذين قالوا " فأتموا " أكثر وأحفظ وألزم لأبى هريرة راوى الحديث فهو أولى (٣) وأيضاً فإن القضاء يطلق بمعنى الأداء كما فى قوله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ وقوله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ وهو المراد هنا جمعاً بين الروايات. (وقال) أبو يوسف ومحمد: ما أدركه مع الإمام فهو ألو صلاته بالنسبة إلى الأفعال فيبنى عليها، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال فيقضيها. وهو مشهور مذهب مالك. فمن أدرك ركعة من غير الصبح يأتى بعد سلام إمامه بركعتين بفاتحة وسورة ويتشهد بينهما ثم يأتي برابعة فى الرباعية بفاتحة فقط " لما روى " قتادة أن علياً قال: ما أدركتَ مع الإمام فهو أول صلاتك واقضِ ما سبقك به من القرآن. أخرجه البيهقى وقال: هذا وإن كان مرسلا عن على رضى الله عنه فهو شاهد لرواية الحارث عنه (٤). ﴿٥٣﴾

стр. 1017

(فائدتان) (الأولى) المسبوق عند الحنفيين، منفرد فيما يقضيه إلا فى أربع: (١) لا يجوز الاقتداء به. (٢) ويأتى بتكبير التشريق اتفاقاً، والمنفرد لا يأتى به عند الإمام. (٣) ولو كبر ينوى استئناف الصلاة يصير مستأنفاً بخلاف المنفرد فإنه لا يصير مستأنفاً. (٤) ولو قام لقضاء ما سُبِقَ به وسجد إمامه لسهو تابعة فيه إن لم يقيّد الركعة - التى قام إليها - بسجدة، فإن لم يتابعه سجد فى آخر صلاته وينبغى له أن ينتظر بعد السلام حتى يتبين له أنه لا سهو على الإمام، ولو قام قبل قعود الإمام قدر التشهد لا يعتدّ بما أدّاه من قيام وقراءة قبل ذلك، وإنما يعتد بما أداه بعده. فإن قرأ بعد فراغ الإمام من التشهد ما تجوز به الصلاة جاز وإلا فلا. وهذا فى المسبوق بركعة أو ركعتين. فإن كان مسبوقاً بثلاث وقام بعد تشهد الإمام جاز وإن لم يقرأ، لأنه سيقرأ فى الباقيتين. والقراءة فرض فى ركعتين (ويكره) تحريماً قيامه للقضاء قبل سلام الإمام بعد قعوده قدر التشهد إذا اقتدى بمن يرى سجود السهو بعد السلام لا قبله. (الثانية) من أدرك الإمام راكعاً فالأفضل أن يكبر للإحرام قائماً ثم يكبر للركوع. وإن اقتصر على تكبيرة الإحرام كفته. رُوى هذا عن زيد بن ثابت وابن عمر ولا يُعرفُ لهما مخالف من الصحابة فيكون إجماعاً. وبه قال سعيد بن المسيَّب وعطاء والحسن البصرى والثورى ومالك والحنفيون وأحمد (قال) ابن قدامة: قال أحمد فى رواية ابنه صالح فيمن جاء والإمام راكع: يكبر تكبيرة واحدة، قيل له: ينوى بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو أليس قد جاء وهو يريد الصلاة؟ ولن نية الركوع لا تنافى نية الافتتاح. ولهذا حكمنا بدخوله فى الصلاة بهذه النية ولم تؤثر نية الركوع فى فسادها والأفضل تكبيرتان (قال أبو داود) قلت لأحمد: يكبر مرتين أحب إليك؟ قال: إن كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف. وإن نوى تكبيرة الركوع خاصة لم يجزه، لأن تكبيرة

стр. 1018

الإحرام ركن ولم يأت بها (١) ومن أدرك الإمام بعد الرفعِ من الركوع كبر للإحرام ثم كبر هاوياً للسجود خلافاً للحنبلية حيث قالوا: يهوى بلا تكبير. وإن أدركه فى السجود أو التشهد الأول كبر حال قيامه مع الإمام، لأنه صار مأموماً فيتابعه فى التكبير اتفاقاً. وإن سلم الإمام قام المأموم لإتمام ما عليه بتكبير عند أبى حنيفة والثورى وإسحاق وأحمد، لأنه قام إلى ركن معتدّ به كالقائم من التشهد الأول، وكما لو قام مع الإمام (وقالت) المالكية والشافعية: يقوم بلا تكبير إن لم يدرك ركعتين بأن أدرك ركعة أو ثلاثاً، وإلا قام بتكبير. (د) (والمسبوق اللاحق) ومن لم يدرك الركعة الأولى وفاته بعد الاقتداء ركعة أو أكثر لعذر كنوم وزحمة (وحكمه) أنه كالمسبوق فيما سُبِق به، وكاللاحق فيما فاته بعد الاقتداء. (٢٤) تعدد الجماعة فى وقت واحد: نرى فى كثير من المساجد الجامعة عند شروع الإمام الراتب فى صلاة الفريضة جمعاً من الأئمة: منهم من يصلى بواحد، ومنهم من يصلى باثنين، ومنهم من يصلى بأربعة أو أكثر، ومنهم جملة أئمة فى صف واحد، ومنهم المتقدم والمتأخر فيقع الاختلاط والاشتباه فى الصلاة وتلتبس الأئمة ويشوش بعضهم على بعض بالقراءة ويختلط الحال على المأموم. فقد لا يميز إمامه من غيره. وقد يقتدى بالمأموم. وهذا ممنوع اتفاقاً لوجوه (الأول) أنه مخالف لما كان عليه النبى ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، فإن ما ذكر لم يحصل فى زمنهم. وفى الحديث: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. أخرجه أحمد ومسلم عن عائشة وذكره البخارى بلا سند (٢). ﴿١٧١﴾

стр. 1019

(الثانى) أنه مناف لحكمه مشروعية الجماعة من ائتلاف القلوب وجمع الكلمة، ولذا شرعت صلاة الجمعة والعيدين والخوف، وفى تعد الجماعة فى وقت واحد تفريق لا جمع. (الثالث) أن فيه تشويشاً بالقراءة وتخليطاً على المتعبدين وهو حرام " لحديث " البياضى أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد عَلتْ أصواتُهم بالقراءة فقال: إن المصلىَ يَناجى ربه فلينظر بم يناجيه؟ ولا يجهرْ بعضُكم على بعض بالقرآن. أخرجه أحمد بسند صحيح (١). ﴿١٧٢﴾ " ولقول " أبى سعيد الخدرىّ: اعتكف رسولُ الله ﵌ فى المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف السِّتر وقال: ألا إن كلَّّكم مناج ربه، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضاً، ولا يرفعْ بعضُكم على بعض فى القراءة. أو قال فى الصلاة. أخرجه أبو داود والنسائى والبيهقى والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢). ﴿١٧٣﴾ (الرابع) أن فيه إخلالا بتسوية الصفوف وهو مخالف لتعاليم النبى ﷺ وأصحابه وسلف الأمة كما تقدم فى بحث " تسوية الصفوف ". (الخامس) أن فيه افتياتاً وطعناً فى حق الإمام الراتب، وقد حث الأئمة خصوصاً الشافعية والحنبلية على حفظ حق الإمام الراتب ولو غائباً ولم يرخصوا لغيره فى إقامة الجماعة فى غيبته إلا لعذر كاليأس من حضوره وخوف فوات الوقت (قال النووى): قال الشافعى: إذا حضرت الجماعة ولم يحضر إمام،

стр. 1020

فإن لم يكن للمسجد راتب صلى بهم أحدهم. وإن كان له إمام راتب فإن كان قريباً بعثوا إليه ليحضر أو يأذن لمن يصلى بهم. وإن كان بعيداً أو لم يوجد فى موضعه فإن عرفوا من حسن خلقه أنه لا يتأذى بتقديم غيره ولا تحصل بسببه فتنة، استحب أن يصلى بهم أولاهم بالإمامة وأحبهم إلى الإمام. وإن خافوا أذاه أو فتنة، انتظروه إن لم يخافوا فوات الوقت، وإلا صلوا جماعة (١). (وقال) ابن قدامة: ولا يُؤَمُّ فى مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، لأن الإمام الراتب بمنزلة صاحب البيت وهو أحق " لقوله " ﵊: لا يؤمَنَّ الرجلُ الرجلَ فى بيته إلا بإذنه (٢) " وقد رُوى " عن ابن عمر أنه أتى أرضاً وعندها مسجد يصِّلى فيه مولى لابن عمر فصلى معه، فسألوه أن يصلى بهم فأبى وقال: صاحب المسجد أحق إلا أن يتأخر لعذر فيصلى غيره لأن أبا بكر صلى حين غاب النبى ﷺ . وفعل ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال النبى ﷺ " أحسنتم " فإن لم يُعلم عذرُه انتُظر وروسِلَ إلا أن يُخشى خروجُ الوقت فيقدَّم غيره لئلا يفون الوقت (٣). (ونقل الحطَّاب) عن الشيخ عبد الرحمن بن الحسين السعدى المالكى أنه أفتى فى سنة ٥٥٠ خمسين وخمسمائة بمنع الصلاة بأئمة متعددة بالمسجد الحرام على مذاهب الأئمة الأربعة. وردّ على من جوّز ذلك وبالغ فى الرد فقال: قولهم عن هذه الصلاة جائزة لا كراهة فيها خلاف الإجماع فإن الأئمة مُجْمعة على أن هذه الصلاة لا تجوز وأنَّ أقلّ أحوالها الكراهة. لأن الذى اختلف فيه العلماء إنما هو مسجد ليس له إمام راتب، أوله إمام صلى جماعة ثم جاء آخرون فأرادوا إقامة تلك الصلاة جماعة، فأما حضور جماعتين أو أكثر فى مسجد واحد
следующие страницы →