لأحدكم ثوبان فليصلّ فيهما فإن لم يكنْ له إلا ثوب فَلْيَتَّزِرْ به ولا يشتمل اشتمال اليهود. أخرجه أبو داود والبيهقى بسند جيد (١). ﴿٢٧٠﴾
" ولحديث " أبى سعيد أن النبى ﷺ نهى عن لِبْستين الصَّماءِ، وأن يَحْتَبِىَ الرجل فى الثوب الواحد. أخرجه البخارى وأبو داود مطولا. وهذا بعض لفظه (٢). ﴿٢٧١﴾
والاحتباء أن يعتمد المصلى على ألييه ناصباً ساقيه ملتفاً بثوبه. والنهى عن اللبستين المذكورتين نهى كراهة عند الجمهور. وحمله بعض الظاهرية على التحريم.
(٣٤) ويكره الاضطباع فى الصلاة. وهو جعل الثوب تحت إبطه الأيمن وطرحُ طرفيه على كتفه الأيسر. لأن ستر المنكبين مستحب فى الصلاة، فيكره تركه " لحديث " أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يصلِّ الرجل فى الثوب الواحد ليس على مَنكبيه منه شئ. وفى رواية لا يصلى أحدكم فى الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ. أخرجه الشافعى والسبعة إلا الترمذى وابن ماجه (٣). ﴿٢٧٢﴾
стр. 1087
دلّ الحديث: (أ) على أنه يطلب ستر أعالى البدن فى الصلاة وإن كانت ليست بعورة لأنه أمكن فى ستر العورة. وحكمته أنه إذا اتزر بالثوب ولم يكن على عاتقه منه شئ لم يأمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جعل بعضه عل عاتقه، ولأنه قد يحتاج إلى إمساكه بيده فيشتغل بذلك وتفوته سنة وضع اليمنى على اليسرى تحت صدره ورفعهما حيث شرع الرفع (١).
(ب) وعلى النهى عن الصلاة فى الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلى منه شئ. وقد حمل الجمهور هذا النهى على التنزيه (وعن) الإمام أحمد: لا تصح صلاة من قدر على ذلك فتركه. وعنه تصح ويأثم (ونقل) المنع عن ابن عمر وطاوس والمخعى. واختاره ابن المنذر وابن حزم.
(٣٥) ويكره التثاؤب فى الصلاة، لأنه من التكاسل، فإن غلبه فلْيَكْظِمْ ما استطاع " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال التثاؤب فى الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فلْيَكْظِمْ ما استطاع. أخرجه مسلم والترمذى وقال حسن صحيح. وقد كره قوم من أهل العلم التثاؤب فى الصلاة (٢). ﴿٢٧٣﴾
وتقدم لفظ آخر فى " بحث سدّ فمه عند التثاؤب " من آداب الصلاة (٣).
(٣٦) ويكره للمصلى تغطية فمه أو أنفه إلا لعذر كالتثاؤب " لقول " أبى هريرة: نهى رسول الله ﷺ عن السّدْل فى الصلاة، وأن يُغطِّى الرجل فاه. أخرجه أبو داود والبيهقى والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٤). ﴿٢٧٤﴾
стр. 1088
(وحكمة) النهى عن تغطية الفم فى الصلاة لغير عذر أنه يشبه فعل المحبوس حال عبادتهم النار.
(٣٧) وتكره الصلاة وهو يدافع الأخبثين: البول والغائط " لقول " عبد الله بن الأرقم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاةُ فلْيَبْدأ بالخلاء. أخرجه الإمامان وأبو داود والترمذى وقال: حسن صحيح والحاكم وقال: صحيح (١). ﴿٢٧٥﴾
" ولحديث " ثوبان مولى النبى ﷺ أنه قال: ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن: لا يؤمّ رجل قوماً فيخُصَّ نفسه بالدعاء دونهم فإن فعلَ فقد خانهم ولا ينظرُ فى قعر بيت قبل أن يستأذنَ، فإن فعل فقد دخل. ولا يصلى وهو حَقِن حتى يتخفف. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه (٢). . ﴿٢٧٦﴾
стр. 1089
وتقدم صدره عند ابن ماجه (١) فى الحديثين النهى عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين وهما البول والغائط، ويلحِق بهما ما فى معناهما مما يشغل القلب ويُذهب كمالُ الخشوع. وهو نهى كراهة عند الجمهور إن لم يمنعه من أداء شئ من الأركان فإن منعه من ذلك بطلت صلاته (وحمله) الظاهرية على التحريم وقالوا: من صلى كذلك فصلاته باطلة (وفى حديث) ثوبان ثلاث منهيات: الأول نهى تنزيه. والثانى نهى تحريم والثالث نهى شفقة حتى لو صلى وهو حاقن فصلاته صحيحة عند الجمهور. " ولا ينافيه " قوله ﷺ فيه: ثلاث لا يحل لأحد أن يفعلهن " لأنه " خُرِّج مخرج المبالغة فى المنع. (ولذا) اختُلف فيمن صلى وهو حاقن أو حاقب (فقالت) المالكية: يعيد الصلاة على تفصيل حاصله أن ما يجده الإنسانُ من ذلك ثلاثة أنواع: (الأول) أن يكون خفيفاً. فيصلى به ولا يقطع. (الثانى) أن يكون وسطاً يدعو إلى ضم الوركين فيندب له قطع الصلاة. فإن تمادى صحت صلاته. ويستحب إعادتها فى الوقت. (الثالث) أن يكون شديداً يشغل قلبه ويعجله عن استيفاء الصلاة، فيلزمه القطع فإن تمادى لزمه الإعادة فى الوقت وبعده. وعليه يحمل نهى النبى ﷺ عن تقديم الصلاة على قضاء الحاجة. والنهى يقتضى فساد المنهى عنه (وعن) زيد بن أسلمَ أن عمر بن الخطاب قال: لا يُصليّنَّ أحدكم وهو ضامّ بين ورْكبه. أخرجه مالك (٢). ﴿٧٩﴾
(قال) الباجى: هو نهى عن الصلاة فى حال الحقْن الذى يبلغ بالمصلى أن يَضُمّ وركيه من شدة حقنه، لأن فى ذلك ما يشغله عن الصلاة ولا يمكنّه من استيفائها فليبدأ بقضاء حاجته خارجاً من صلاته واضعاً يده على أنفه كالراعف
стр. 1090
ثم يستقبل الصلاة (١) (وقرقرة) البطن بمنزلة الحقن " وأما الغثيان " وهو اضطراب النفس حتى تكاد تتقايأ " فقد " قال القاضى أبو الوليد: لا تقطع له الصلاة، لأنه مرض لا يُقدر على إزالته بخلاف الحقن فإنه يقدر على إزالته (وقال) الحنفيون والشافعى وأحمد: لا إعادة على من صلى حاقناً إن لم يترك شيئاً من فرائض الصلاة، بل يكره له ذلك للنهى عنه، وهو لا يقتضى الفساد لأنه لأمر خارج عن الصلاة (قال الطحاوى) لا خلاف أنه لو شَغل قلبَه شئٌ من الدنيا لم تستحب الإعادة. فكذا البول. وأحسن شئ فى هذا الباب حديث عبد الله بن الأرقم (٢) وحديث عائشة قالت. سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يُصَلِّى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (٣). ﴿٢٧٧﴾
(وأجمعوا) على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل الصلاة أنها تجزئه فكذلك الحاقن وإن كان يكره له الصلاة كذلك (قال) العلامة الرملى: تكره الصلاة حاقناً بالبول، أو حاقباً بالغائط بأن يدافع ذلك، أو حازقاً أى مدافعاً للريح، أو حاقماً بهما. بل السنة تفريغ نفسه من ذلك، لأنه يخل بالخشوع وإن خاف فوت الجماعة حيث كان الوقت متسعاً. ولا يجوز له الخروج من الفرض بطروّ ذلك له فيه إلا إن غلب على ظنه حصول ضرر بكتمه يبيح التيمم، فله حينئذ الخروج منه وتأخيره عن الوقت. والعبرة فى كراهة ذلك بوجوده عند التحريمة، وكذا لو عرض له قبلها وعلم من عادته أنه يعود فى أثناء الصلاة (٤) (وقال) ابن إدريس الحنبلى: ويكره ابتداء الصلاة حاقناً
стр. 1091
بالنون وهو من احتَبس بولَه، أو حاقباً بالموحدة وهو من احتبس غائطَه، أو ابتداؤها مع ريح محتبَسة ونحوها مما يزعجه ويشغله عن خضوع الصلاة ما لم يضق الوقت فلا يكره ابتداؤها كذلك، بل يجب فعلها قبل خروج الوقت، ويحرم اشتغاله بالطهارة إذا ضاق الوقت؛ وكذا اشتغاله بأكل أو غيره لتعين الوقت للصلاة (١).
(٣٨) وتكره الصلاة بحضور طعام تتوقه النفس إذا اتسع الوقت؛ لما فيه من اشتغال القلب بالطعام "ولحديث " عائشة المتقدم (٢) (وعنها) أن النبى ﷺ قال: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء: أخرجه أحمد والشيخان (٣). ﴿٢٧٨﴾
(وعن) أنس بن مالك أن النبى ﷺ قال: إذا قدم العشاء وحضرت الصلاة؛ فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم. أخرجه الشيخان (٤). ﴿٢٧٩﴾
(ولهذه) الأحاديث قال الجمهور: يندب تقديم تناول الطعام المرغوب فيه على الصلاة إذا كان الوقت متسعاً؛ وإلا لزم تقديم الصلاة (وقالت) الظاهرية: يجب تقديمه على الصلاة عند اتساع الوقت ونسبه الترمذى إلى أبى بكر وعمر وابن عمر وأحمد وإسحاق " روى " نافع أن ابن عمر كان يوضع له الطعامُ وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغَ وإنه يسمع قراءة الإمام. أخرجه البخارى (٥). ﴿٨٠﴾ (قال) الخطابى: إنما أمر النبى ﷺ
стр. 1092
أن يبدأ بالطعام لتأخذ النفس حاجتها منه فيدخل المصلى فى صلاته وهو ساكن الجأش لا تنازعه نفسه شهوةَ الطعام فَيُعْجِله ذلك عن إتمام ركوعها وسجودها وإيفاء حقوقها. وكذا إذا دافعه البول فإنه يصْنع به نحو هذا وهذا إذا كان فى الوقت متسع فإن لم يكن ابتدأ بالصلاة ولم يعرِّج على شئ سواها (١) (وعلى هذا) يحمل حديث جابر أن النبى ﷺ قال: لا تؤخِّروا الصلاة لطعام ولا لغيره. أخرجه أبو داود والبغوى فى شرح السنة (٢). ﴿٢٨٠﴾
وفى سنده: (أ) المعلى بن منصور. كذبه أحمد (ب) محمد بن ميمون وهو منكر الحديث (٣) (قال) ابن الملك: يحمل هذا الحديث على ما إذا كان متماسكاً فى نفسه لا يزعجه الجوع، أو كان الوقت ضيقاً يخاف فوته توفيقاً بين الأحاديث (٤).
(وقال) ابن حزم وبعض الشافعية: يطلب تقديم الأكل على الصلاة ولو ضاق الوقت، لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته، مستدلين بعموم حديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: إذا وُضِع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعَشاء ولا يَعْجَلنَّ حتى يفرُغ منه. أخرجه الشيخان وأبو داود (٥). ﴿٢٨١﴾
(ورد) بأنه محمول على ما إذا اتسع الوقت جمعاً بين الأحاديث وفيها دلالة على أنه يأخذ حاجته كاملة من الطعام (قال) النووى: وهذا هو الصواب. وأما ما تأوَّله بعض أصحابنا على أنه يأكل لُقَماَ يكسِر بها شدة الجوع فليس بصحيح.
стр. 1093
(٣٩) وتكره الصلاة عند غلبه النوم. ومن شرع فيها وغلبه النوم استحب له قطعا ليأخذ حظه من النوم، لأن ذلك أدعى إلى الإقبال عليها بخشوع ونشاط " ولحديث " عائشة أن النبى ﷺ قال: إذا نعَس أحدُكم فى الصلاة فَلْيَرْقُدْ حتى يذهبَ عنه النومُ فإنه إذا صلى وهو ناعِس لعله يذهبُ يستغفرُ فيسبُّ نفسه. أخرجه السبعة والبيهقى، وقال الترمذى: حسن صحيح (١). ﴿٢٨٢﴾
وقد جاء فى هذا أحاديث كلّها تدلّ على أنه يطلب قطع الصلاة عند غلبة النوم على المصلى. وهو عام فى صلاة الفرض والنفل، لكن محله فى الفرض إذا لم يخش خروج الوقت. وحمله مالك وجماعة على نفل الليل، لأنه محل النوم غالباً.
(٤٠) ويكره لغير الإمام التزام مكان خاص من المسجد لا يصلى الفرض إلا فيه، لقول عبد الرحمن بن شِبل: نهى رسول الله ﷺ عن نقْرة الغراب وافتراش السبع، وأن يُوَطّن الرجل لمكان فى المسجد كما
стр. 1094
يوطّنُ بعير. أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والأربعة إلا الترمذى (١). ﴿٢٨٣﴾
" ولا يعارضه " حديث يزيدَ بن أبى عُبيد قال: كان سلمَةُ بنُ الأكوع يتحرى الصلاةَ عند الاسْطُوانة التى عند المصحف قلت: يا أبا مُسلِمِ أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال: رأيت النبى ﷺ يتحرى الصلاة عندها. أخرجه أحمد والبيهقى. ﴿٢٨٤﴾
وقال: رواه البخارى عن مكى بن إبراهيم. ورواه مسلم عبن أبى موسى محمد بن مسلم (٢) " لأنه " محمول على النفل. وحديث النهى محمول على من لازم مكانا خاصاً للفرض والنفل " قال " ابن إدريس الحنبلى: ويكره اتخاذ غير الإمام مكاناً بالمسجد لا يصلى فرضه إلا فيه، لنهيه ﷺ عن إيطان المكان كإيطان البعير. ولا بأس باتخاذ مكان لا يصلى إلا فيه " النفل " للجمع بين الأخبار. وظاهر أن يكره إيطان الأماكن ولو كانت فاضلة خلافاً للشافعى. وكذا لو كان لحاجة كإسماع حديث وتدريس وإفتاء وتمامه فيه (٣).
стр. 1095
(وحكمة) النهى عنه أنه قد يؤدى إلى الشهرة والرياء والسمعة. وفيه الحرمان من تكثير مواضع العبادة التى تشهد له يوم القيامة.
" روى " أبو هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قرأ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ فقال: أتدرون ما أخبارُها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: هو أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل يوم كذا كذا وكذا فهذه أخبارها. أخرجه أحمد والترمذى وقال: حسن صحيح (١) ﴿٢٨٥﴾
(وورد) فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَليْهمُ الَّسماءُ وَأْلأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢)﴾ أن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء. " قال " عبَّاد بن عبد الله: سأل رجل علياً. هل تبكى السماءُ والأرضُ على أحد؟ فقال: إنه ليس من عبد إلا له مُصلّى فى الأرض وَمصعد عمله من السماء. وإن آلَ فرعونَ لم يكن لهم عمل صالح فى الأرض ولا عمل يصعد فى السماء ثم قرأ الآية. أخرجه ابن حاتم (٣). ﴿٨١﴾
(قال) ابن الهمام: يكره أن يتخذ فى المسجد مكاناً معيناً يصلى فيه، لأن العبادة فيه تصير له طبعاً وتثقل فى غيره. والعبادات إذا صارت طبعاً فسبيلها الترك، ولذاكره صوم الأبد (٤)، هذا وإن دام شخص عل الصلاة بموضع فليس هو أولى به من غيره، فإذا قام منه فلغيره الجلوس فيه " لحديث " أْسَمَر بن مضرّسٍ أن النبى ﷺ قال: من سبق إلى ما لم يسبقه
стр. 1096
إليه مسلم فهو له. أخرجه أبو داود بسند جيد، والضياء المقدسيى فى المختارة ورمز السيوطى إلى صحته (١). ﴿٢٨٦﴾
وليس لأحد - عند الحنبلية - أن يقيم منه إنساناً ولو ولده أو عبده ويجلس مكانه أو يجلس غيره مكانه. وقواعد المذهب تقتضى عدم صحة صلاة من أقام غيره وصلى مكانه إلا الصبى فيؤخذ عن المكان الفاضل. ومن قام من موضعه لعذر ثم عاد إليه فهو أحق به لأنه لم يتركه مُعرضاً. وإن قام مه بغير عذر سقط حقه بقيامه لإعراضه عنه إلا أن يترك مُصلى مفروشاً فى مكانه فليس لغيره رفعه (وقال) غر الحنبلية: يكره إقامة الرجل من مجلسه وجلوسُ غيره فيه.
" لحديث " ابن عمر أن النبى ﵌ نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر. ولكن تفسَّحوا وتَوسَّعوا. أخرجه أحمد والشيخان (٢). ﴿٢٨٧﴾
" ولحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به. أخرجه أحمد وسلم وأبو داود (٣). ﴿٢٨٨﴾
فهما يدلان على أن من جلس فى موضع من المسجد أو غيره من الأمكنة العامة ثم فارقه ليتوضأ أو يقضى عملا يسيراً ثم يعود، فهو أحق به.
(قال) النووى: وله أن يقيم من قعد فيه ويجب عليه مفارقته إذا رجع الأول عند أصحابنا. وقال بعض العلماء: هذا مستحب وهو مذهب مالك، ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك سجادة ونحوها أم لا، فهذا أحق به فى الحالين
стр. 1097
وإنما يكون أحق به فى تلك الصلاة وحدها دون غيرها (١).
(وظاهر) حديث أبى هريرة عدم الفرق بين المسجد وغيره من الأمكنة العامة. وأما المكان المملوك فمالكه أحق به من غيره (ويجوز) لمن سبق إلى مكان من الأمكنة العامة أن يُقيم مَنْ جلس فيه بعده عند الشافعية. ومثل ذلك الأماكن التى اعتاد التجار أو نحوهم الجلوس فيها. فمن اعتاد منهم الجلوس فى مكان فهو أحق به إلا إذا فارقه مدة طويلة عرفاً بحيث ينقطع عنه معملوه.
(وظاهر) حديث ابن عمر أنه يجوز للرجل أن يجلس فى مكان غيره إذا أقعده برضاه " وأما قول " سالم بن عمر: وكان ابن عمر إذا قام له رجل عن مجلسه لم يجلس فيه. أخرجه أحمد ومسلم والبخارى فى الأدب (٢). ﴿٨٢﴾
" فهذا " كان تورعاً منه، لأنه ربما استحيا منه إنسان فقام له بدون طيبة من نفسه. ولكن الظاهر أن من فعل ذلك قد أسقط حقه، فلمن قام له حق الجلوس.
(ويكره) الإيثار بمحلِّ ذى فضيلة كالقيام من الصف الأول إلى الثانى لأن الإيثار وسلوك طرق الأدب لا يليق فى العبادات والفضائل، بل المعهود أنه فى حظوظ النفس وأمور الدنيا، فمن آثر بحظه فى أمر من أمور الآخرة فهو من الزاهدين فى الثواب. كذا فى النيل (وقال) الحافظ: قال ابن ابى خمرة فى شرح حديث ابن عمر: هذا عام فى المجالس، لكنه مخصوص بالمجالس المباحة إما على العموم كالمساجد ومجالس الحكام والعلم، وإما على الخصوص كمن يدعو قوماً بأعيانهم إلى منزله لوليمة ونحوها. وأما المجالس التى ليس للشخص فيها ملك ولا إذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها. ثم هو فى المجالس العامة، وليس عاماً فى الناس بل هو خاص بغير المجانين
стр. 1098
ومن يحصل مه الأذى كآكل الثُّوم النيئ إذا دخل المسجد، والسفيه إذا دخل مجلس العلم أو الحكم (والحكمة) فى هذا النهى منع استنقاص حق المسلم المقتضى للضغائن، والحث على التواضع المقتضى للمودة، وأيضاً فالناس فى المباح كلهم سواء، قمن سبق إلى شئ استحقه ومن استحق شيئاً فأخِذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام. فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة، وبعضه على سبيل التحريم (١).
(٤١) ويكره تحريماً الصلاة فى ثوب فيه تصاوير، وكذا يكره - عند غير الحنفيين - أن يكون بين يديه ما يشغله من صورة حيوان أو غيرها " لحديث " ابن عباس عن أبى طلحة أن النبى ﷺ قال: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ. أخرجه السبعة (٢). ﴿٢٨٩﴾
(وعن) علىّ رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلبٌ ولا جنبٌ. أخرجه أحمد وأبو داود (٣). ﴿٢٩٠﴾
(وقال) الحنفيون: تكره الصلاة إلى صورة حيوان مطلقاً وإن لم تشغله أو تكون فوقه أو على يمينه أو على يساره، إلا أن تكون صغيرة لا تظهر إلا بتأمل، أو مقطوعة الرأس أو صورة غير ذى روح فلا كراهة حينئذ. لأنها لا تعبد ولا تعد تمثالا، فانتفى التشبه بعبادة غير الله تعالى الذى هو علة
стр. 1099
الكراهة " ولقول " سعبد بن أبى الحسن: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إنى رجل أُصَوِّر فأفتنى فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: كل مُصَوِّر فى النار، يجعل له بكل صورة صَوَّرها نفساً فتعذِّبه فى جنهم. وقال: إن كنت لابد فاعلا فاصنع الشجر ومالا نفْسَ له. أخرجه أحمد ومسلم (١). ﴿٢٩١﴾
(ولا تكره) الصلاة فى بيت فيه صوَر مُهانه على بِساط يوطأ أو مرفقة يتكأ عليها " لقول " أبى هريرة: استأذن جبريل ﵇ على النبى ﷺ فقال: ادخل فقال: كيف أدخل وفى بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رؤسها أو تجعل بساطاً يوطأ. أخرجه ابن حبان والطحاوى والنسائى (٢). ﴿٢٩٢﴾
" ولحديث " عائشة أنها اتخذتْ على سَهْوَة لها سِتراً فيه تماثيلُ فهتَكه النبى ﷺ . فاتخذتْ منه بُمْرُقتين فَكانتا فى البيت يجلس عليهما. أخرجه البخارى وأحمد وزاد: ولقد رأيته متكئاً على إحداهما وفيه صورة (٣). ﴿٢٩٣﴾
(وهو) يقتضى عدم كراهة الصلاة على بساط فيه صورة وإن كانت فى موضع السجود، لأن ذلك ليس بمانع من دخول الملائكة كما أفادته النصوص المخصصة. قاله ابن نجيم (٤). (وقالت) الحنبلية: تكره الصلاة إلى صورة منصوبة أمامه ولو صغيرة لا تظهر إلا بتأمل بخلاف ما إذا كانت غير منصوبة أو لم تكن أمامه.
стр. 1100
" فوائد " (الأولى) اتفق العلماء على تحريم تصوير الحيوان وأنه من الكبائر، لورود الوعيد الشديد فيه "روى" ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: إن أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوِّرون. أخرجه الشيخان (١). ﴿٢٩٤﴾
(وعن) ابن عباس: أن النبى ﷺ قال: من صوَّر صورة فى الدنيا كُلِّفَ أن ينفخ فيها الروحَ يومَ القيامة وليس بنافخ. أخرجه الشيخان (٢). ﴿٢٩٥﴾
(قال) النووى: قال أصحابنا وغيرهم: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر، لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور فى الأحاديث سواء صنعه بما يمتهن أو بغيره، فصنعته حرام على كل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء أكان فى ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها (٣).
(الثانية) تصوير غير الحيوان كشجر ومنزل وغيرهما جائز اتفاقاً (لما تقدم) أن ابن عباس قال - لمن سأله عن حكم التصوير -: إن كنتَ لابدَّ فاعلا فاصنع الشجرَ وما لا نفس له (٤) ولا فرق فى ذلك بين الشجر المثمر وغيره. (وقال) مجاهد: يكره تصوير الشجر المثمر.
" لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مَّمنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقاً كَخَلْقىِ، فَلْيَخْلُقُوا ذَزّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ لِخْلُقُوا شَعِيرَةً﴾. أخرجه مسلم (٥). ﴿٢٩٦﴾
стр. 1101
(وأجاب) الجمهور بأن الحديث محمول على تصوير احيوان جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على جواز تصوير الشجر " وأما " حديث أبى أمامة أن امرأة أتت النبى ﷺ فاستأذنته أن تصور فى بيتها نخلة فمنعها أو نهاها. أخرجه ابن ماجه (١). ﴿٢٩٧﴾
" فضعيف " لأن فى سنده غُفير بن مَعْدان قال أحمد: منكر الحديث ضعيف.
" الثالثة " يكره تحريماً - عند الجمهور - اتخاذ ما فيه صورة حيوان من الثياب والستور والبسط وغيرها "لحديث" عائشة أن النبىَّ ﷺ لم يكن يترك فى بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه. أخرجه البخارى وأبو داود والنسائى (٢). ﴿٢٩٨﴾
" ولقول " عائشة: دخل علىّ رسول الله ﷺ وقد سَترتُ سَهْوة لى بقِرام فيه تماثيلُ، فلما رآه هتَكه وتلوّن وجهه وقال: أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق اله قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين أخرجه الشيخان (٣). ﴿٢٩٩﴾
(قال) النووى: وأما اتخاذ ما فيه صورة حيوان فإن كان معلقاً على حائط، أو كان ثوباً ملبوساً أو عمامةٌ ونحو ذلك مما لا يعدّ ممتهناً، فهو حرام لا فرق فى ذلك بن ماله ظل ومالا ظل له. وإن كان فى بساط يداس ومخِدّة ووسادة ونحوها مما يمتهن، فليس بحرام. (وبهذا) قال الثورى وأبو حنيفة ومالك والشافعى وغيرهم. وقلا بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل.
стр. 1102
ولا بأس بالصُّور التى ليس لها ظل. وهذا مذهب باطل، فإن السِّتر الذى أنكر النبى ﷺ الصورةَ فيه، لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل ولا يتفق مع باقى الأحاديث المطلقة فى كل صورة.
(وقال) الزهرى: النهى فى الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هى فيه ودخول البيت الذى هى فيه سواء أكانت رقماً فى ثوب أو غير رقم، وسواء أكانت فى حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن، عملا بظاهر الأحاديث. وهذا مذهب قوى (وقال): آخرون: يجوز منها ما كان رقماً فى ثوب سواء امتهُن أم لا، عُلّق فى حائط أم لا. وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصوّراً فى الحيطان وشبهها سواء أكان رقماً أو غيره (واحتجوا) بقوله فى بعض الأحاديث: إلاّ ما كان رقماً فى ثوب (وأجمعوا) على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره إلا ما ورد فى اللعب بصورة البنات لصغار البنات، لكن كره مالك شراء الرجل ذلك لابنته (وادعى) بعضهم أن إباحة اللعب لهنّ بالبنات منسوخ بهذه الأحاديث (١) (وجملة القول) أن اقتناء ما فيه صورة حيوان فيه أقوال (الأوّل) الجواز مطلقاً عند القاسم بن محمد وجماعة.
" لقول " عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: دخلت على أبى طلحة الأنصارى أعودُه فوجدتُ عنده سهل بنَ حنَيفٍ فدعا أبو طلحة إنساناً يَنزع نمَطَاً تحته، فقال له سهل لم تنزعه؟ فقال: لأن فيه تصاويرَ وقد قال فيه النبى ﷺ ما قد علمتَ. قال سَهلَ: أوَ لم يقل: إلا ما كان رقْماً فى ثواب؟ فقال بلى ولكنه أطيب لنفسى. أخرجه النسائى والترمذى وقال: حسن صحيح (٢). ﴿٣٠٠﴾
стр. 1103
(الثانى) المنع مطلقاً لإطلاق الأحاديث الواردة فى النهى عن اتخاذ ما فيه صورة. وبه قال الزهرى. (الثالث) مذهب الجمهور وهو أن الصورة إن كانت ثابتة الهيئة قائمة الشكل غير ممتهنة حرم اتخاذها. وإن كانت مقطوعة الراس أو مفرقة الأجزاء أو ممتهنة، جاز اتخاذها لما تقدم عن أبى هريرة قال: استأذن جبريل على رسول الله ﷺ فقال: ادخلْ. فقال: كيف أدخلُ وفى يبيتك سِتر فيه تَصاويرُ؟ فإما أن تُقطِّع رءوسُها، وإما أن تجعل بساطاً يوطَّأ. فإنا معاشِرَ الملائكة لا ندخل بيتاً فيه تصاوير (١).
" ولحديث " عائشة أنها نصبتْ ستراً فيه تصاوير فدخل رسولُ الله ﷺ فنزَعه قِالتْ: فقطعتُه وسادتين. فكان رسول الله ﷺ يرتِفق عليهما. أخرجه مسلم والطحاوى (٢). ﴿٣٠١﴾
وغير ذلك من الأحاديث التى تقدم بعضها (وهذا) القول هو الراجح لكثرة أدلته الصحيحة، ولما فيه من الجمع بين الأدلة.
" الرابعة " يجوز اتخاذ ما فيه صورة غير الحيوان كشجر ومنزل وجبل ومسجد وغيرها، لما تقدم م جواز تصويرها، فجواز اتخاذها أولى. هذا متفق عليه.
(٤٢) ويكره للمصلى تكرير الفاتحة كلاً أو بعضاً عند الحنفيين والشافعى لعدم وروده. فإن كرّرها سهواً سجد للسهو، وكذا إن كرّرها عمداً عند الشافعية، ويأثم عند الحنفيين وعليه إعادة الصلاة لرفع الإثم.
(وقالت) الحنبلية: يكره تكرارها فى ركعة، لأنه لم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه. وفى إبطال الصلاة بتكريرها قولان.
стр. 1104
(وقالت) المالكية: يحرم تكريرها عمداً ولا تبطل به الصلاة، وإن كررها سهواً سجد للسهو.
(٤٣) ويكره - عن الجمهور - ترك أذكار الركوع والسجود والرفع منهما والنقص عن ثلاث تسبيحات فيهما. لمخالفته السنة.
(٤٤) ويكره - عند الجمهور - للمصلى تأخير الأذكار المشروعة فى الانتقال من ركن إلى ركن إلى غير محلها، بأن يكبر للركوع بعد إتمامه، ويقول سمع الله لمن حمده بعد اعتداله، لأن السنة تعمير الركن بذكره بأن يبتدئ الذكر عند ابتداء الانتقال وينتهى بانتهائه (وقالت) المالكية: إن ذلك خلاف المندوب (وقالت) الحنبلية: إنه مبطل للصلاة إن تعمده، ويجب عليه سجود السهو عن فعله ساهياً، لأن تعمير الأركان بالذكر واجب عندهم.
(٤٥) ويكره تطويل الركعة الثانية على الأولى بثلاث آيات فأكثر فى كل الفرائض اتفاقاً. وكذا النفل على الأصح، لأنه خلاف السنة. وهذا فيما لم يرد فيه نص خاص. أما هو فلا يكره كما ورد أنه ﷺ كان يقرأ فى أولى الجمعة والعيدين بسبح اسم ربك الأعلى وفى الثانية بالغاشية وهى تزيد على الأعْلى بسبع آيات (وقال) الزاهدى: الزيادة تختلف بحسب السوَر فإن كانت السوَر قصاراً فالثلاث آيات زيادة كثيرة مكروهة. وإن كانت طوالا فالسبع آيات زيادة يسيرة غير مكروهة (١).
وأما إطالة الثالثة على الثانية أو الأولى، فلا تكره عند الحنفيين.
(٤٦) ويكره عد الآى والتسبيح بقبض الأصابع عند أبى حنيفة والشافعى
стр. 1105
لأنه يشغل عن الخشوع فى الصلاة " وروى " أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه كره عدّ الآى فى الصلاة. أخرجه أبو يوسف (١). ﴿٨٣﴾
(وعن) أبى يوسف ومحمد والحنابلة: إنه لا باس به " لقول " أنس: رأيت النبى ﷺ يعْقِد الآى بأصابعه. أخرجه محمد بن خلف. ﴿٣٠٢﴾
وعدّ اتسبيح فى معنى عدّ الآى (وتوقف) أحمد فى عدّ التسبيح، لأنه يتوالى فيكثر به العمل، بخلاف عدّ الآى. ولا يكره عدّ ما ذكر بغمز الأنامل ولا إحصاؤه بالقلب اتفاقاً، كعدّ التسبيح فى صلاة التسابيح.
(٤٧) يكره تحريماً عند الحنفيين ترك واجب عمداً. هذا. والضابط الكلى أنه يكره للمصلى ترك سنة عمداً، أو فعل ما ينافى الخشوع والكمال. ومنه صلاة الرجل عارى الرأس لما فيه من ترك الزينة المأمور باتخاذها حال الصلاة (قال) الله تعالى: يا بنى آدَمَ خُذوا زِينتكم عند كل مسجد (٢) " أُمروا بالتجمل حال الصلاة. ومنه ستر الرأس، ولذا قال العلماء: يسن للرجل أن يكون فى صلاته على أفضل الحالات وأكمل الهيئات اتباعاً للرسول ﷺ واقتداء بالصورة التى نقلها الثقات من هديه ﷺ حال صلاته (قال) رجل من الأنصار لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن العمامة سنة؟ فقال نعم. أخرجه ابن أبى عاصم فى كتاب الجهاد. ﴿٨٤﴾
(وقال) ابن عباس: قال رسول الله ﷺ : اعْتمّوا تزدادوا حلْماً. أخرجه البزار والطبرانى فى الكبير والحاكم وصححه ورُدّ بأن فيه عُبيد الله بن أبى حُميد وهو متروك (٣). ﴿٣٠٣﴾
(ومن) طريقه عن أبى المليح بن أسامة بن عُمير عن أبيه أن النبى ﷺ قال: اعْتموا تزدادوا حلماً وقال على رضى الله عنه: العمائم تيجانُ العرب. أخرجه أبو داود والبيهقى (٤). ﴿٣٠٤﴾
стр. 1106
ولم يثبت أنه ﷺ صلى - فى غير الإحرام - وهو حاسر الرأس دون عمامة مع توفر الدواعى لنقله لو فعله. ومن زعم ثبوت ذلك فعليه الدليل. والحق أحق أن يتبع.
(الخامس) المواضع المنهى عن الصلاة فيها
هى كثيرة المذكور منها هنا خمسة عشر:
(١) تكره الصلاة فى المقبرة (١) عند الحنفيين والثورى والأوزاعى وابن المنذر وابن عباس وعمر وأبى هريرة وأنس وعطاء والنخعى وطاوس وعمرو بن دينار سواء أكانت المقبرة أمامه أم خلفه أم تحت ما هو واقف عليه " لحديث " ابن عباس أن النبى ﷺ قال: لا تصلوا إلى قبر ولا تُصلّوا على قبر: أخرجه الطبرانى فى الكبير. وفيه عبد الله بن كيسان المروزى ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان (٢). ﴿٣٠٥﴾
(وعن) أبى مَرثد الغنوى أن النبى ﷺ قال: لا تصلوا إلى القبور ولا تجلوا عليها. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والبيهقى (٣). ﴿٣٠٦﴾
(وعن) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لعَن الله اليهودَ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. أخرجه مسلم والنسائى (٤). ﴿٣٠٧﴾
(ومحله) إذا لم يكن فى المقبرة موضع أعِدّ للصلاة لا تجاسه فيه ولا قذَر، وإلا فلا كراهة. وقيل لا تكره الصلاة فى المقبرة إلا إذا كان القبر بين يدى
стр. 1107
المصلى بحيث يراه لو نظر موضع سجوده (وقالت) الحنبلية والظاهرية: تحرم الصلاة ولا تصح فى المقبرة، وهى ما احتوت على ثلاثة قبور فأكثر لا فرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يُفْرش فيها شئ يقى من النجاسة أم لا. أما ما فيها قبر أو قبران، فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إن استقبل القبر وإلا فلا كراهة (وقالت) اشافعي: إذا كانت المقبرة منبوشة واختلطت بما يخرج من الموتى لا تصح الصلاة فيها للنجاسة. فإن صلى فى مكان طاهر منها صحت مع الكراهة. وكذا إن كانت غير منبوشة أو شك فى نبشها على الأصح.
(وقالت) المالكية: لا تكره الصلاة فى المقابر " لحديث " جُعلتْ لىَ الأرض طُهوراً ومسجداً. أخرجه أبو داود عن أبى ذر (١). ﴿٣٠٨﴾
(وحملوا) أحاديث النهى عن الصلاة ف المقبرة على ما إذا كان بها نجاسة (وردّ) بأن النبى ﷺ قال: كلّ الأرض مسجدٌ وطَهور إلا الحمام والمقبرة. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى والبيهقى وابن ماجه عن أبى سعيد (٢). ﴿٣٠٩﴾
(فهذا) الحديث ونحوه (٣) خاص يقيِّد عمومَ حديث: جُعلت لى الأرض طُهوراً ومسجداً. وأحاديث النهى عن الصلاة فى المقبرة مطلقة لا دليل على تقييدها بما إذا كان فيها نجاسة، بل المقبرة وغيرها فى ذلك سواء.
стр. 1108
(وحكمة) النهى عن الصلاة فى المقبرة ما قد يتصل بالمصلىِّ من نجاسة، وقيل لحرمة الموتى.
(٢) وتكره - عند الجمهور - الصلاة فى الحمام غير المتنجس " لحديث " أبى سعيد السابق (وقال) أحمد والظاهرية وأبو ثور: لا تصح الصلاة فيه، لظاهر هذا الحديث " ولقول " ابن عباس: لا يُصلَّين إلى إلى حُش (١) ولا فى حمام ﴿٨٥﴾
(وقال) ابن حزم: لا تحل الصلاة فى حمام سواء فى ذلك مبدأ بابه إلى جميع حدوده، ولا على سطحه وسقف مستوقده وأعالى حيطانه خرباً كان أو قائماً. فإن سقط نبنائه شئ وسقط عنه اسم الحمام جازت الصلاة فى أرضه حينئذ. (وقالت) المالكية: تصح الصلاة فى الحمام بلا كراهة، لعموم حديث وجعلت لى الأرض طهوراً ومسجداً (وردّ) بأنه عام مخصص بحديث النهى عن الصلاة فى حمام ونحوه. (وحكمة) النهى عن الصلاة فى الحمام أنه محل النجاسات ومأوى الشياطين.
(٣ - ٧) وتكره الصلاة فى المزبَلة. والمجزَرة. وقارعة اطريق: وأعطان الإبل وفوق الكعبة " لحديث " ابن عمران أن النبى ﷺ نهى أن يصلىَّ فى سبعة مواطن: فىِ المزبَلة والمجزَرة والقمبرة وقارعة الطريق وفى الحمام وفى أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله تعالى. أخرجه ابن ماجه والترمذى وقال: إسناده ليس بذاك القوى (٢). ﴿٣١٠﴾
" ولحديث " أبى هريرة أن النبى ﵌ قال: صلوا فى مَرِابض الغنم ولا تُصلّوا فى أعطان الإبل. أخرجه أحمد وابن ماجه
стр. 1109
والترمذى وقلا حسن صحيح. ﴿٣١١﴾
(وهو) يدل على جواز الصلاة فى مرابض الغنم وهو متفق عليه. وعلى تحريمها فى معاطن الإبل. وإليه ذهب أحمد فقال: لا تصح بحال وقال: من صلىَّ فى عَطن إبل أعاد أبداً (وحمل) الجمهور النهى على القول بأن علة النهى هى النجاسة، وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها. وقد تقدم فى بحث " ما اختلف فى نجاسته " بيان الخلاف فيها وأن الراجح طهارتها (١). ولو سلمنا نجاستها لم يصح جعلها علة، لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم، إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها. وأيضاً قد قيل إن حكمة النهى ما فيها من النفور فربما نفرت وهو فى الصلاة فيؤدى إلى قطعها أو إلى أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهى عن الخشوع فى الصلاة. وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل فى معاطنها وبين غيبتها عنها، إذ يؤمن نفورها حينئذ (وقيل) الحكمة فى النهى كونها خلفت من الشياطين (ويرشد) إلى هذا قول عبد الله بن مغفّل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تُصلّوا فى عَطن الإبل فإنها من الجن خلقت، ألا ترَونَ عيونها وهبابها إذا نفرت (الحديث) أخرجه أحمد بسند صحيح (٢). ﴿٣١٢﴾
(والحق) حمل النهى فيه لعى التحريم كما قال أحمد والظاهرية.
(قال) ابن حزم: إن أحاديث النهى عن الصلاة فى أعطان الإبل متواترة تواتراً يوجب العلم (وأما) الأمر بالصلاة فى مرابض الغنم، فأمر إباحة ليس
стр. 1110
للوجوب اتفاقاً. وإنما نبه النبى ﷺ على ذلك. لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل، أو أنه اخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين، فأجاب فى الإبل بالمنع. وفى الغنم بالإذن (وأما) الترغيب المذكور فى الأحاديث بلفظ: فإنها بركة (فهو) لقصد تبعيدها عن حكم الإبل، كما وصف أصحاب الإبل بالغلظة والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة.
(وأما) علة النهى عن الصلاة فى المزبلة والمجزرة فلكونها محلين للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل اتفاقاً، ومع الحائل تكره عند الجمهور. وتحرم عند أحمد والظاهرية. وقيل إن العلة فى المجزرة كونها مأوى الشياطين.
(وأما) علة النهى عنها فى قارعة الطريق، فلما فيها من شغل الخاطر بمرور الناس ولغطهم المؤدّى إلى ذهاب الخشوع الذى هو سر الصلاة ولأنها مظنة النجاسة: (وأما) علة النهى عنها فوق الكعبة، فلأنا مأمورون بالصلاة إليها لا عليها. واختلفت الأئمة فى الصلاة عليها (فقالت) المالكية: لا يجوز الفرض فوقها ولو كان بين يديه بعض بنائها (وأما النفل) ففيه أقوال ثلاثة: قيل بالمنع مطلقاً. وقيل بالجواز مطلقاً. وقيل بمنع المؤكدون غيره. والراجح الأول: ووافقهم الحنبلية فى الفريضة وقالوا بجواز النافلة من غير خلاف.
(وقالت) الشافعية: تصح فوقها الفريضة والنافلة بشرط أن يستقبل من بنائها قدر ثلثى ذراع (وقال) الحنفيون: تصح الصلاة فرضاً ونفلا فوقها مع الكراهة. لما فى ذلك من ترك التعظيم.
(٨) وتكره الصلاة - عند الجمهور- إلى جدار مرحاض " لقول " عبد الله بن عمرو: لا يصلىّ للحُش ﴿٨٦﴾ " ولقول " على: ل يصلى تجاه حش. أخرجهما ابن أبى شيبة فى مصنفه ﴿٨٧﴾ (وذكر) الطبرى فى شرح التنبيه: أنه يكره استقبال الجدار والنجس والمتنجس فى الصلاة (وقال)
стр. 1111
ابن حبيب المالكى: من تهمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته إلا أن يكون بعيداً جداً.
(وقال) العراقى فى شرح الترمذى: نص الشافعى على أنه لا تكره الصلاة وبين يديه جيفة.
(٩) وتكره الصلاة فى أرض عُذِّبَ أهلها كأرض بابل وثمود.
(قال) البخارى: ويذكر أن علياً كره الصلاة بخسْف بابل (١) ﴿٨٨﴾ " وروى " عبد الله بن أبى المُحِلِّ العامرى قال: كنا مع علىّ فمررنا على الخسْف الذى ببابل فلم يصلّ حتى أجازه. أخرجه عبد الرازق وابن أبى شيبة (٢) ﴿٨٩﴾ (وعن) حجر بن العنبس أن علياً قال: ما كنتُ لأصلىّ فى أرض خَسَف الله بأهلها قاله ثلاثاً.
أخرجه ابن أبى شيبة (٣) ﴿٩٠﴾.
(وقد كان) ﷺ إذا مرَّ بأرض قد عُذِّب أهلها كديار ثمود جَدّ السير وقنع رأسه.
(١٠) وتكره - عند الحنفيين - الصلاة فى الأرض المغصوبة إن كانت لذمىّ مطلقاً. أو لمسلم وهى مزروعة أو محروثة، ولم يكن بين المصلىّ وصاحبها
стр. 1112
صداقة، أو كان صاحبها سيئ الخلق، فحينئذ يصلى فى الطريق وتكره الصلاة فيها، وعليه إثم غصبه كالصلاة فى ثوب مغصوبة.
(وقالت) المالكية والشافعية والجمهور: تحرم الصلاة فى الأرض المغصوبة مع صحة الصلاة (وقالت الحنبلية): تحرم الصلاة فى المغصوب. وفى صحة الصلاة فيه روايتان (قال) ابن قدامة: هل تصح الصلاة فى المغصوب؟ على روايتين إحداهما لا تصح والثانية تصح. وهو قول أبى حنيفة والشافعى لأن التحريم لا يختص الصلاة ولا النهى يعود إليها فلم يمنع الصحة كما لو غسل ثوبه من النجاسة بماء مغصوب وكما لو صلى وعليه عمامة مغصوبة. ووجه الرواية الأولى أنه استعمل ما يحرم عليه استعماله فلم تصح. كما لو صلى فى ثوب نجس. وأما إذا صلى فى عمامة مغصوبة أو بيده خاتم من ذهب. فإن الصلاة تصح. لأن النهى لا يعود إلى شرط الصلاة. وإن صلى فى دار مغصوبة، فالخلاف فيها كالخلاف فى الثوب المغصوب، إلا أن أحمد قال فى الجمعة تصلى فى مواضع الغصب، لأنها تختص بموضع معين فالمنع من الصلاة فيه إذا كان مغصوباً يفضى إلى تعطيلها (١) (وقال) الغزالى: المواضع التى بناها الظلمة كالقناطر والرباطات والمساجد والسقايات، ينبغى أن يحتاط فيها وينظر (أما القنطرة) فيجوز العبور عليها للحاجة. والورع الاحتراز ما أمكن، وإن وجد عنه مَعْدِلا تأكد الورع، وإنما جوزنا العبور وإن وجد معدلا، لأنه إذا لم يعرف لتلك الأعيان مالكاً كان حكمه أن يرصد للخيرات وهذا خير. فأمام إذا عرف أن الآجرّ والحجر قد نقلا من دار معلومة أو مقبرة أو مسجد معين فهذه لا يحل العبور عليها أصلا إلا لضرورة يحل بها مثل
стр. 1113
ذلك من مال الغير. ثم يجب عيه الاستحلال من المالك الذى يعرفه.
(وأما المسجد) فإن بُنى فى أرض مغصوبة أو بخشب مغصوب من مسجد آخر أو ملك معين، فلا يجوز دخوله أصلا ولا للجمعة وإن كان من مال لا يُعرف مالكه، فالورع العدول إلى مسجد آخر إن وجد فإن لم يجد غيره فلا يترك الجمعة والجماعة به، لأنه يحتمل أنِ يكون من ملك الذى بناه ولو على بعد. وإن لم يكن له مالك معين فَهَو لمصَالح المسلمين. وأما الْخَلوق والتخصيص فلا يمنع من الدخول، لأنه غير منتفع به وإنما هو زينة. والأولى أنه لا ينظر إليه (١).
(١١ و ١٢) وتكره الصلاة فى الكنيسة والبيعة " بكسر الباء وهى معبد اليهود " إذا كان فيهما تصاوير عند الحنبلية لقول عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التى فيها الصور ﴿٩٠﴾ وكان ابن عباس يصلى فى البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. ذكرهما البخارى ﴿٩١﴾ (وقد وصل) أثر ابن عباس البغوى وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى فى المطر (ووصل) أثر عمر عبد الرازق من طريق أسْلم مولى عمر قال: لما قدِم الشامَ صنع له رجل من النصارى طعاماً وكان من عظمائهم وقال: أنا أحِب أن تجيبنى وتُكرِمَنى فقال له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التى فيها (٢). أما الخالية من الصور فالصلاة فيها مباحة. وعليه يُحمل ما روى سهل بن سعِد عن حَميد عنْ بكثرٍ قال: كَتِب إلى عُمر من نجران أنهم لم يجدوا مكاناً أنظف ولا جود من بيعة، فكتب: انضحوها بماء وسِدْر وصلوا فيها. أخرجه ابن أبى شيبة.
стр. 1114
(وقالت) الحنفية والشافعية: تكره الصلاة فيها مطلقاً، ولعل وجهه اتخاذُهم قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد، فتصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك (ويؤيده) حديث عائشة أن ألم سلمة ذكرتْ لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرتْ له ما رأَتْه فيها من الصُّور. فقال ﷺ : أولئك قوم إذا مات فيهم العبدُ الصالح أو الرجل الصالح. بنوا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله. أخرجه الشيخان والنسائى (١). ﴿٣١٣﴾
(وقالت) المالكية: تكره الصلاة فيها إن دخلها اختياراً ويُعيد فى الوقت إن كانت عامرة. ولا يُعيد إن كانت دارسة. أما إن دخلها مضطراً فلا تكره الصلاة فيها (ولم ير) الشعبى وعطاء بن أبى رباح وابن سيرين بالصلاة فى الكنسية بأساً. وصلى أبو موسى الأشعرى وعمر بن عبد العزيز فى كنيسة.
(١٣) وتكره الصلاة فى مسجد فيه بدعة " لقول " مجاهد: كنت مع ابن عمر فثوب رجل فى الظهر أو العصر فقال: اخرج بنا فإن هذه بدعة. أخرجه أبو داود: (وقال) الترمذى: وروى عن مجاهد قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً وقد أذِّن فيه ونحن نريد أن نصلىّ فيه فثوّب المؤذن فخرج عبد الله بن عمر من المسجد قال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع ولم يصل فيه (٢) ﴿٩٢﴾ (وقصدَ) ابن عمر بخروجه من المسجد زجرَ المبتدع عن الحدث فى الدين والتنفيرَ من البدع، وانه يطلب البعد عن المكان الذى حدثت فيه بدعة.
(١٤) وتكره الصلاة فى بطن الوادى إن خيف سيل يُذهب الخشوع
стр. 1115
وإن لم يتوقع ذلك فلا كراهة.
(١٥) وتكره الصلاة فى مسجد الضرار (١)
عند الجمهور لقول الله تعالى ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ (٢) (وقال) ابن حزم: لا تجزئ الصلاة فى مسجد أحدِث مباهاة أو ضراراً
стр. 1116
على مسجد آخر إذا كان أهله يسمعون نداء المسجد الأول (١) ثم قال: ولا تجُزئ الصلاة فى مكان يستهزأ فيه بالله أو برسوله ﷺ أو بشئ م الدين أو فى مكان يُكْفر بشئ من ذلك فيه. فإن لم يتمكن من الانتقال إلى مكان آخر صلى وأجزأته صلاته (٢).
(السادس) الصلاة فى الكعبة
الكعبة هى البيت الحرام، سمى بها لتربعه وارتفاعه. وهى اسم للبقعة إلى السماء ولو بلا بناء. والصلاة فيها صحيحة بلا كراهة فرضاً ونفلا عند الحنفيين والشافعى والثورى وغيرهم " لقول " ابن عمر رضى الله عنهما: دخل رسول الله ﷺ البيت هو وأسامةُ بن زيدٍ وبلال وعثمانُ بن طلحةُ، فأغلقوا عيهم البابَ، فلما فتحوا كنتُ أولَ مَنْ وَلج فلقيتُ بلالا فسألتهُ هل صلى فيه رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيْين. أخرجه أحمد والشيخان (٣). ﴿٣١٤﴾
(وقال) مالك وأحمد: يجوز فيها صلاة النفل المطلق دون الفرض والسنن المؤكدة كالوتر، لظاهر ما تقدم عن مجاهد قال: أتِىَ ابنُ عمر فقيل له: هذا رسول الله ﷺ دخل الكعبة فقال ابن عمر فأقبلتُ والنبى ﷺ قد خرج فسالت بلالا: أصلّى النبى ﷺ فى الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين السَّاريتين عن يسارك إذا دخلتَ، ثم خرج فصلىّ فى وجه الكعبة ركعتين. أخرجه البخارى (٤).
(ورد) بأنه وإن كان ظاهراً فى صلاة النفل فليس هناك ما يدل على التفرقة (وقال) ابن جرير وأصبغ المالكى وجماعة من الظاهرية: لا يجوز
стр. 1117
فيها الفرض ولا النفل، وحكى عن ابن عباس (فقد) قال: إن النبى ﷺ دخل البيت وكبَّر فى نواحيه ولم يصلِّ فيه. أخرجه البخارى (١) ﴿٣١٥﴾
... " وعن " ابن عباس عن أخيه الفضل أن رسول الله ﷺ قام فى الكعبة فسبّح وكبَّر ودعا الله واستغفر ولم يركع ولم يسجد. أخرجه أحمد (٢). ﴿٣١٦﴾
(وروى) مسلم نفى الصلاة فيها من طريق ابن عباس عن أسامة (٣) (ورد) بأن إثبات بلالٍ أرجحُ، لأنه كان مع النبى ﷺ دون ابن عباس. وإنما استند هذا فى نفيه إلى أخيه الفضل مع أنه لم يثبت أنه كان معهم إلا فى رواية شاذة " وما روى " عن أسامة من نفى الصلاة فيها " معارض ":
(أ) بما روى محمدُ بن على أبو جعفرٍ عن أسامة بن زيد قال: صلى رسول الله ﷺ فى البيت. أخرجه أحمد (٤). ﴿٣١٧﴾
(ب) بما قال أبو الشعثاء: خرجت حاجاً فدخلت البيت فلما كنت عند الساريتين وجاء ابن عمر فصلى أربعاً فقلت له أين صلى رسولُ الله ﷺ من البيت؟ فقال: ها هنا أخبرنى أسامة بن زيد أنه صلى (الحديث) أخرجه أحمد (٥). ﴿٣١٨﴾
(فالراجح) القول بجواز الصلاة فيها مطلقاً (وعليه) فإن صلى الإمام فيها جماعة فلا يخلو من أحد وجوه أربعة (الأول والثانى): أن يجعل المأموم وجهه أو ظهره إلى ظهر الإمام، فصلاته صحيحة بلا كراهة. لأنه متوجه إلى القبلة وليس متقدماً على إمامه (الثالث) أن يجعل وجهه إلى وجه الإمام. فصلاته صحيحة - لعدم تقدمه - مع الكراهة لاستقباله الصورة بلا حائل
стр. 1118
(الرابع) أن يجعل ظهره إلى وجه الإمام، فلا تصح صلاته، لتقدمه على إمامه فى جهته.
(السابع) أحكام المساجد
خصت هذه الأمة بجواز الصلاة فى أى موضع من الأرض غير ما تقدم من المواضع المنهى عن الصلاة فيها لما فى " حديث " جابر أن النبى ﷺ قال: وجُعِلتْ لِىَ الأرضُ طهوراً ومسجداً، فأيُّمَا رجل من أمتى أدركته الصلاة فليْصل حيث أدركته. أخرجه أحمد والشيخان والنسائى (١). ﴿٣١٩﴾
والكلام هنا ينحصر فى عشرة فروع:
(١) فضل بناء المساجد: من بنى مسجداً مخلصاً لله تعالى فله أجر عظيم وثواب دائم. وقد ورد فى ذلك أحاديث (منها) حديث ابن عباس أن النبى ﷺ قال: مَنْ بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَص قطاة لبيضها بنى الله له بيتاً فى الجنة. أخرجه أحمد وابن حبان والبزار بسند جيد (٢). ﴿٣٢٠﴾
(وحديث) عثمانَ بن عفان رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: من بنى لله مسجداً يبتغى به وجه الله بنى الله له مثله فى الجنة. أخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (٣). ﴿٣٢١﴾
стр. 1119
وهذا من باب التقريب، وإلا فما فى الجنة لا مثيل له.
(وحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إنّ مما يلحقُ المؤمنَ من عمله وحسناتِه بعد موته علماً علمه ونشره، وولدا صالحاً تركه، ومصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله فى صحته وحياته تلحقه من بعد موته أخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند حسن (١). ﴿٣٢٢﴾
(وحديث) عمرو بن عتبة أن النبى ﷺ قال: من بنى لله مسجداً لِيُذْكَرَ اللهُ تعالى فيه بنى الله له بيتاً فى الجنة. أخرجه أحمد والنسائى بسند جيد (٢). ﴿٣٢٣﴾
(٢) اتخاذ القبور مساجد: يجوز - عند الجمهور - نبش قبور الكفار واتخاذ أرضها مسجداً " روى " أنس أن النبى ﷺ أُمِر ببناء المسجد فأرسلَ إلى بنى النجّار فقال يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم هذا فقالوا: والله ما نطلبُ ثمنهُ إلا إلى الله وكان فيه قبورُ المشركين وفيه خرِب وفيه نخْل، فأمر النبى ﷺ بقبور المشركين فَنُبِشتْ، ثم بالخَرِبَ فَسُوِّيتْ ثم بالنخل فَقُطِعَ. فصَفوا النخل قبله المسجد، وجعلوا عِضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجون والنبى ﷺ معهم وهو يقول: اللهم لا خير إلا خيرُ الآخرة. فانصرَ الأنصار والمهاجِرهْ. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى من حديث طويل (٣). ﴿٣٢٤﴾
стр. 1120
(دل) الحديث على جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها (وقال) الأوزاعي: لا يجوز نبش قبر الكافر لبناء موضعه مسجدًا (لحديث) ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (الحديث) أخرجه مسلم. ﴿٣٢٥﴾
نهى أن ندخل بيوتهم فكيف قبورهم (ورد) بأن هذا قياس معارض بالنص فلا يعول عليه (وأما بناء المساجد) فى مقابر المسلمين فلا يجوز ما لم تندرس " لحديث " جُنْدُب بن عبد الله أن النبى ﷺ قال: إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، إنى أنهاكم عن ذلك. أخرجه مسلم والنسائى (١). ﴿٣٢٦﴾
فاتخاذ القبور التى لم تندرس مساجدَ حرام كما يحرم بناء المساجد على القبور
стр. 1121
ويجب هدم كل مسجد بنى على قبر (١).
وإنما نهى النبى ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة فى تعظيمه والافتتان به وربما أدّى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية.
" ولما " احتاجت الصحابة والتابعون رضى الله عنهم إلى الزيادة فى مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبى بكر وعمر " بنوا " على القبر حيطاناً مرتفعة
стр. 1122
مستديرة حوله، لئلا يظهر فى المسجد فيصلى إليه العوامّ ويؤدى إلى المحظور. ثم بنوا جدارين من ركنى القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا، فلا يتمكن أحد من استقبال القبر (وقد حمل) بعضهم الوعيد على من كان فى ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان. وهو تقييد بلا دليل. لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمان دون زمان " وقد " يؤخذ: (أ) من قوله ﷺ : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبو أنبيائهم مساجد.
(ب) ومما روى ابن عباس قال: لعن النبى ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. أخرجه أحمد والأربعة (١). ﴿٣٢٧﴾
" أن محل " الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن، لا لو بنى المسجد أوى وجعل القبر فى جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره فليس بداخل فى ذلك (قال) العراقى: والظاهر أنه لا فرق، وأنه إذا بنى المسجد لقصد أن يدفن فى بعضه، فهو داخل فى اللعنة. بل يحرم الدفن فى المسجد. وإن شرط أحد أن يدفن فيه لم يصح الشرط، لأنه مخالف لمقتضى وقفه مسجداً. وإن قُبِرَ ميت فى مسجد وطال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر صورته. ويحرم دفن الميت فى المسجد.
(قال) النووى فى المجموع: وأما حفر القبر فى المسجد فحرام شديد التحريم أهـ. وإن اندرست القبور سُوِّيتْ وحلّ اتخاذها مسجداً.
(قال) ابن القاسم المالكى: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجداً لم أر بذلك بأساً. (وقال) ابن الماجشون: المقبرة إذا ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله لا بأس أن يوسّع المسجد ببعضها، والمقبرة والمسجد حبس على المسلمين (وقالت) الحنبلية: إذا صار الميت رميماً جازت زراعة المقبرة وحرثها والبناء عليها، وإلا فلا يجوز.
стр. 1123
(وقال) الحنفيّون: المسجد إذا خرب ودَثرَ ولم يبق حوله جماعة. والمقبرة إذا عَفتْ وَدَثرَتْ تعود ملكاً لأربابها. وجاز أن يُبنى موضعَ المسجد دار، وموضعَ المقبرة مسجدٌ وغيرُ ذلك. فإن لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. هذا. وإذا نبشت المقبرة ونقل ترابها ولم يكن هناك نجاسة تخالط أرضها جازت الصلاة فيها.
(٣) يجوز جعل الكنائس والبيع مساجد " لحديث " عثمانَ بن أبى العاِص أن النبى ﷺ أمره أن يجعلَ مسجد الطاِئف حيث كان طواغيُتهم أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم بسند جيد (١). ﴿٣٢٨﴾
وكذلك فعل الصحابة والسلف الصالح لما فتحوا البلاد. حوَّلوا كنائسها مساجد ومدارس انتهاكاً للكفر ومحواً لأثره.
(٤) يسن لمن أراد دخول المسجد أن يدخل برجله اليمنى ويصلىَ ويسلم على النبى ﷺ وأن يدعوَ بما فى حديث من هذه الأحاديث:
١ - حديث أبى حُمْيدٍ وأبى أسيْد أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدُكم المسجد فَلْيُسلِّمْ على النبى ﷺ ثم لْيَقُلْ: اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم عن أسألك من فضلك. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢). ﴿٣٢٩﴾
٢ - حديث فاطمةَ بنتِ الحُسين عن جدّتها فاطمةَ الزهراء قالتْ: كان
стр. 1124
رسولُ الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله والسلامُ على رسول الله، اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح فى أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: باسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر فى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك. أخرجه أحمد وابن ماجه وكذا الترمذى بلفظ: إذا دخلَ المسجدَ صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لى ... وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لى ... وهو رواية لأحمد. وقال الترمذى: حديث حسن وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى. إنما عاشت فاطمة بعد النبى ﷺ أشهراً (١). ﴿٣٣٠﴾
٣ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ منى سائر اليوم. أخرجه أبو داود بسند جيد (٢). ﴿٣٣١﴾
٤ - وعن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتَه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أخرجه أحمد وعبد الرازق والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣) ﴿٩٣﴾
٥ - حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبى ﷺ وليقل اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبى ﷺ وليقل: اللهم
стр. 1125
عصمنى من الشيطان الرجيم. أخرجه ابن حبان والبيهقى وابن ماجه (١) ﴿٣٣٢﴾
(٥) يطلب ممن دخل المسجد غير المسجد الحرام ألاَّ يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد " لحديث " أبى قتادة أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس. أخرجه الستة والبيهقى وقال الترمذى حسن صحيح (٢). ﴿٣٣٣﴾
(والعدد) لا مفهوم له (ولظاهر) الأمر قالت الظاهرية بوجوب تحية المسجد على كل من دخله فى وقت تجوز فيه الصلاة. وقال بعضهم تجب فى كل وقت، لأن فعل الخير لا يمنع إلا بدليل (وقال) الجمهور: الأمر للندب فهى سنة لما تقدم أن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ يسألُ عن الإسلام، فقال النبى ﷺ : خمسُ صلوات فى اليوم والليلة. قال: هل علىّ غيرُهن؟ قال لا إلا أن تطّوع (٣).
" ولقول " عبد الله بن بُسْر: جاء رجل يتخطَّى رقابَ النِاس يومَ الجمعة والنبى ﷺ يخطب فقال له النبى ﷺ : اجلس فقد آذيت وآنيت. أخرجه أحمد والطحاوى وأبو داود والنسائى (٤). ﴿٣٣٤﴾
أمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة (قال) البدر العينى: لو قلنا بوجوب