ويجب هدم كل مسجد بنى على قبر (١).
وإنما نهى النبى ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجداً خوفاً من المبالغة فى تعظيمه والافتتان به وربما أدّى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية.
" ولما " احتاجت الصحابة والتابعون رضى الله عنهم إلى الزيادة فى مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون، وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه، وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبى بكر وعمر " بنوا " على القبر حيطاناً مرتفعة
стр. 1122
مستديرة حوله، لئلا يظهر فى المسجد فيصلى إليه العوامّ ويؤدى إلى المحظور. ثم بنوا جدارين من ركنى القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا، فلا يتمكن أحد من استقبال القبر (وقد حمل) بعضهم الوعيد على من كان فى ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان. وهو تقييد بلا دليل. لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمان دون زمان " وقد " يؤخذ: (أ) من قوله ﷺ : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبو أنبيائهم مساجد.
(ب) ومما روى ابن عباس قال: لعن النبى ﷺ زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. أخرجه أحمد والأربعة (١). ﴿٣٢٧﴾
" أن محل " الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن، لا لو بنى المسجد أوى وجعل القبر فى جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره فليس بداخل فى ذلك (قال) العراقى: والظاهر أنه لا فرق، وأنه إذا بنى المسجد لقصد أن يدفن فى بعضه، فهو داخل فى اللعنة. بل يحرم الدفن فى المسجد. وإن شرط أحد أن يدفن فيه لم يصح الشرط، لأنه مخالف لمقتضى وقفه مسجداً. وإن قُبِرَ ميت فى مسجد وطال مكثه سوى القبر حتى لا تظهر صورته. ويحرم دفن الميت فى المسجد.
(قال) النووى فى المجموع: وأما حفر القبر فى المسجد فحرام شديد التحريم أهـ. وإن اندرست القبور سُوِّيتْ وحلّ اتخاذها مسجداً.
(قال) ابن القاسم المالكى: لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجداً لم أر بذلك بأساً. (وقال) ابن الماجشون: المقبرة إذا ضاقت عن الدفن وبجانبها مسجد ضاق بأهله لا بأس أن يوسّع المسجد ببعضها، والمقبرة والمسجد حبس على المسلمين (وقالت) الحنبلية: إذا صار الميت رميماً جازت زراعة المقبرة وحرثها والبناء عليها، وإلا فلا يجوز.
стр. 1123
(وقال) الحنفيّون: المسجد إذا خرب ودَثرَ ولم يبق حوله جماعة. والمقبرة إذا عَفتْ وَدَثرَتْ تعود ملكاً لأربابها. وجاز أن يُبنى موضعَ المسجد دار، وموضعَ المقبرة مسجدٌ وغيرُ ذلك. فإن لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال. هذا. وإذا نبشت المقبرة ونقل ترابها ولم يكن هناك نجاسة تخالط أرضها جازت الصلاة فيها.
(٣) يجوز جعل الكنائس والبيع مساجد " لحديث " عثمانَ بن أبى العاِص أن النبى ﷺ أمره أن يجعلَ مسجد الطاِئف حيث كان طواغيُتهم أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم بسند جيد (١). ﴿٣٢٨﴾
وكذلك فعل الصحابة والسلف الصالح لما فتحوا البلاد. حوَّلوا كنائسها مساجد ومدارس انتهاكاً للكفر ومحواً لأثره.
(٤) يسن لمن أراد دخول المسجد أن يدخل برجله اليمنى ويصلىَ ويسلم على النبى ﷺ وأن يدعوَ بما فى حديث من هذه الأحاديث:
١ - حديث أبى حُمْيدٍ وأبى أسيْد أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدُكم المسجد فَلْيُسلِّمْ على النبى ﷺ ثم لْيَقُلْ: اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم عن أسألك من فضلك. أخرجه أبو داود وابن ماجه (٢). ﴿٣٢٩﴾
٢ - حديث فاطمةَ بنتِ الحُسين عن جدّتها فاطمةَ الزهراء قالتْ: كان
стр. 1124
رسولُ الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: باسم الله والسلامُ على رسول الله، اللهم اغفر لى ذنوبى وافتح فى أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: باسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر فى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك. أخرجه أحمد وابن ماجه وكذا الترمذى بلفظ: إذا دخلَ المسجدَ صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لى ... وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لى ... وهو رواية لأحمد. وقال الترمذى: حديث حسن وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى. إنما عاشت فاطمة بعد النبى ﷺ أشهراً (١). ﴿٣٣٠﴾
٣ - حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبى ﷺ كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: حُفِظَ منى سائر اليوم. أخرجه أبو داود بسند جيد (٢). ﴿٣٣١﴾
٤ - وعن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتَه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أخرجه أحمد وعبد الرازق والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣) ﴿٩٣﴾
٥ - حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليسلِّم على النبى ﷺ وليقل اللهم افتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج فليسلم على النبى ﷺ وليقل: اللهم
стр. 1125
عصمنى من الشيطان الرجيم. أخرجه ابن حبان والبيهقى وابن ماجه (١) ﴿٣٣٢﴾
(٥) يطلب ممن دخل المسجد غير المسجد الحرام ألاَّ يجلس حتى يصلى ركعتين تحية المسجد " لحديث " أبى قتادة أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس. أخرجه الستة والبيهقى وقال الترمذى حسن صحيح (٢). ﴿٣٣٣﴾
(والعدد) لا مفهوم له (ولظاهر) الأمر قالت الظاهرية بوجوب تحية المسجد على كل من دخله فى وقت تجوز فيه الصلاة. وقال بعضهم تجب فى كل وقت، لأن فعل الخير لا يمنع إلا بدليل (وقال) الجمهور: الأمر للندب فهى سنة لما تقدم أن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ يسألُ عن الإسلام، فقال النبى ﷺ : خمسُ صلوات فى اليوم والليلة. قال: هل علىّ غيرُهن؟ قال لا إلا أن تطّوع (٣).
" ولقول " عبد الله بن بُسْر: جاء رجل يتخطَّى رقابَ النِاس يومَ الجمعة والنبى ﷺ يخطب فقال له النبى ﷺ : اجلس فقد آذيت وآنيت. أخرجه أحمد والطحاوى وأبو داود والنسائى (٤). ﴿٣٣٤﴾
أمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة (قال) البدر العينى: لو قلنا بوجوب
стр. 1126
تحية المسجد لَحَرُمَ على المحدث الحدثَ الأصغر دخولُ المسجد حتى يتوضأ ولا قائل به. فإذا جاز الدخول المسجد على غير وضوء، لزم منه أن لا يجب عليه صلاة تحية المسجد عن دخوله (١) (وهذه) الأحاديث تدل على مشروعية تحية المسجد فى كل وقت حتى وقت خطبة الجمعة. وبه قال الشافعية وابن عيينة وابن المنذر وداود وإسحاق بن راهويه والحسن البصرى، لعموم هذه الأحاديث " ولحديث " جابر بن عبد الله قال: جاء سُليك الغطفانىّ يومَ الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فقال له: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما. ثم قال: إذا جاء أحدُكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطب فليْركعْ ركعتين ولْيَتَجوَّزَ فيهما. أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٣٥﴾
" وأما " أحاديث النهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس "فمحمولة" على مالا سبب له من الصلوات " لقول " أم سلمة: دخل علىّ رسول الله ﷺ بعد العصر فصلى سجدتين قلت: يا بنى الله أنزل عليك فى هاتين السجدتين؟ قال: لا ولكن صليت الظهر فشغلت (أى عن راتبته) فاستدركتها بعد العصر. أخرجه أحمد بسند لا بأس به (٣). ﴿٣٣٦﴾
(وقالت) الحنبلية: تُسنّ التحية وقت الخطبة وتحرم فى أوقات النهى ولا تنعقد (وقال) الحنفيون وابن سيرين وعطاء بن أبى رباح والليث وشُرَيح والأوزاعى: تكره تحية المسجد فى أوقات النهى وحال خطبة الجمعة.
(وقالت) المالكية: تكره بعد صلاة الصبح والعصر وتحرم حال الخطبة
стр. 1127
ووقت طلوع الشمس وغروبها "لحديث" ابن عمر أن النبى ﷺ قال: إذا دخل أحدُكم المسجدَ والإمامُ على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الإمامُ. أخرجه الطبرانى. وفى سنده أيوب بن نهيك منكر الحديث ومتروك ضعفه جماعة وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: يخطئ (١). ﴿٣٣٧﴾
فهو حديث لا يحتج به ولا يعارض الأحاديث الصحيحة.
" وأما أمره " ﷺ سُلَيْكاً بصلاة الركعتين " فأجابوا " عنه بوجوه كلها ضعيفة. ويعارضها ما تقدّم فى الحديث الصحيح عن جابر ابن عبد الله من قوله ﷺ : إذا جاء أحدُكم يومَ الجمعة والإمامُ يخطبُ فلْيركعْ ركعتين ولْيتَجوّزْ فيهما (٢) (وهو) يرد ما قبل من أن قصة سليك واقعة عين لا عموم لها (وأقوى) دليل لمن قال بعدم جواز الصلاة حال الخطبة (حديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت. أخرجه الجماعة إلا الترمذى (٣). ﴿٣٣٨﴾
(ووجه) الدلالة أنه إذا مُنع من هذه الكلمة مع كونها أمراً بمعروف ونهياً عن منكر فى زمن يسير وهو واجب، فلأن يمنع من الركعتين مع كونهما مسنونتين وفى زمن طويل من باب أولى (ورد) بأن هذا قياس فى مقابلة النص فلا يعوّل عليه. (فالراجح) القول بمشروعية تحية المسجد حال الخطبة ويؤيده أن النبى ﷺ قطع الخطبة وهى فرض وأمر سليكاً بالصلاة (وهذا) يدلّ دلالة قاطعة على تأكد صلاة ركعتى التحية إذ معلوم أن الفرض وهو الخطبة لا يقطع إلا لمتأكد فعله. هذا. ولا تفوت التحية
стр. 1128
بالجلوس ولو طال عند الحنفيين ومالك، ولما تقدّم أن النبى ﷺ أمر سُليكاً بالصلاة بعد جلوسه (ولقول) أبى ذر: أتيت رسول الله ﷺ وهو فى المسجد فجلست فقال: هل صليت: قلت لا. قال: قم فصلّ فقمت فصليت ثم جلست (الحديث) أخرجه أحمد وأخرجه ابن حبان نحوه فى باب تحية المسجد لا تفوت بالجلوس (١). ﴿٣٣٩﴾
(وقالت) الشافعية: لا تفوت بالجلوس سهواً أو نسياناً وتفوت بالجلوس عمداً ولو قصر ولا يشرع قضاؤها (ورده) الحافظ بحديث أبى ذر وقصة سليك. ثم قال: ويحتمل أن يحمل مشروعيتها بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل (٢) (وقالت) الحنابلة: لا تفوت إلا بالجلوس الطويل.
(وتتكرر) بتكرر دخول المسجد عند الشافعية، لظاهر الأحاديث.
(وقال) الحنفيون: لا تتكرر بتكرر الدخول بل يكفيه ركعتان لها فى اليوم (وقال) المالكيون: إن رجع
عن قرب كفته الأولى وإلا كررها.
(وقال) الحنبليون: تُسنّ تحية المسجد لكل داخل فى غير وقت النهى قبل أن يجلس إذا كان متطهراً. وتتكرر بتكرر الدخول لغير مقيم بالمسجد يتكرر دخوله وغير داخل لصلاة العيد فيه لعذر كمطر، وغير خطيب دخل للخطبة، لأن المطلوب منه أن يصعد المنبر عند دخوله اقتداء بالنبى ﷺ . (وتطلب) التحية ممن دخل المسجد مجتازاً عند الجمهور، لعموم الأحاديث. (وقالت) المالكية: لا يطالب المجتاز بالتحية. لأنه ﷺ علق تأديتها بالجلوس حيث قال: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين. أخرجه ابن ماجه عن المطلب بن عبد الله عن أبى هريرة
стр. 1129
بسند رجاله ثقات وهو منقطع. المطلب بن عبد الله لم يلق أبا هريرة (١). ﴿٣٤٠﴾
فينتفى طلبها بانتفاء الجلوس (ورد) بان الجلوس ليس هو المقصود بالتعليق عليه بل المقصود الوجود فى البقعة " لحديث " أبى قتادة أن النبى ﷺ قال: إذا جاء أحدكم المسجد فَلْيُصَلِّ سجدتين قبل ان يجلسَ، ثم لْيقعد بعدُ إن شاء أو لِيذْهَبْ لحاجته. أخرجه أبو داود (٢). ﴿٣٤١﴾
" فوائد " (الأولى) هل يصلى التحية من دخل المسجد لصلاة العيد إذا دعت ضرورة إلى صلاتها فيه؟ (قالت) الحنبلية: لا يصليها كما تقدّم.
(وعند) الجمهور يصليها، لعموم الحديث " ولا ينافيه " قول ابن عباس رضى الله عنهما: خرج رسول الله ﷺ يوم فطر فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما " الحديث " أخرجه أبو داود (٣). ﴿٣٤٢﴾
" لأنه " محمول على صلاته ﷺ فى الصحراء كما كانت عادته ﷺ . وما صلاها فى المسجد إلا لضرورة مطر كما سيأتى فى صلاة العيد إن شاء الله تعالى.
(الثانية) كان من هدى النبى ﷺ أن الداخل إلى المسجد يبتدئ بركعتين تحية للمسجد ثم يسلم على القوم، فتكون تحية المسجد قبل تحية أهله، فإن تلك حق الله تعالى، والسلام على الخلق حق لهم وحق الله تعالى فى مثل هذا أحق بالتقديم. بخلاف الحقوق المالية فإن فيها نزاعاً معروفاً عند الفقهاء، وكانت عادة القوم معه ﷺ هكذا يدخل أحدهم المسجد فيصلى ركعتين ثم يسلم على النبى ﷺ .
стр. 1130
(ففى حديث) رفاعة بن رافع أن النبى ﷺ بينما هو جالس فى المسجد يوماً ونحن معه إذْ جاءه رجل كالبدوى فصلى فأخفَّ صلاته ثم انصرف فسلم على النبى ﷺ . فقال النبى ﷺ : وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصل (الحديث) أخرجه أحمد والترمذى وهذا لفظه وحسِّنه (١). ﴿٣٤٣﴾
(فأنكر) ﷺ صلاته ولم ينكر عليه تأخير السلام عليه بعد الصلاة (وعلى هذا) فَيسنّ لداخل المسجد إذا كان فيه جماعة ثلاث تحيات مرتبة: أن يقول عند دخوله باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يصلى ركعتين تحية المسجد، ثم يسلم على القوم.
(الثالثة) ما تقدم من طلب صلاة تحية المسجد إنما هو فى غير المسجد الحرام. أما هو فتحيته الطواف، إلا لمن أراد الجلوس قبل الطواف. فإنه يشرع له أن يصلى التحية (الرابعة) يسنّ للقادم من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلى فيه ركعتين " لقول " كعب بن مالك فى حديث تخلفه عن تبوك: وأصبح رسول الله ﷺ قادماً. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين. أخرجه أحمد والشيخان والثلاثة (٢). ﴿٣٤٤﴾
وينبغى لمن يدخل المسجد لصلاة أو غيرها أن ينوى الاعتكاف.
(٦) السعى إلى المساجد والجلوس فيها للطاعة من أسباب السعادة فى الدنيا والآخرة، وقد ورد فى ذلك عدة أحاديث (منها) حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إن للمساجد أوتاداً الملائكةُ جلسلؤهم، إن
стр. 1131
غابوا يفتَقِدونهم، وإن مَرِضوا عادوهم، وإن كانوا فى حاجة أعانوهم. ثم قال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخٌ مستفاد، أو كلمةُ مْحكمة، أو رحمة مُنْتظرة. أخرجه أحمد والمنذرى. وفى سنده ابن لهيعة، متكلم فيه. وأخرج الحاكم صدره من حديث عبد الله بن سلام. وقال: صحيح على شرط الشيخين (١). ﴿٣٤٥﴾
(دل) الحديث على فضل من لازم المسجد، وأنه لا يعدم صحبة أخ صالح يستفيد منه نصيحة أو مساعدة أو بيان آية قرآنية أو مسألة علمية، أو رجاء رحمة من رب البرية. فقد ثبت أن الجالس فى المسجد تدعو له الملائكة بالمغفرة والرحمة. ودل على أن الملائكة تجالسه، فإن غاب بحثوا عنه، وإن مرض عادوه. وفى ذلك فليتنافس المتنافسون (وحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من غدا إلى المسجد وراح أعدّ اللهُ له الجنةَ نُزُلا كلما غدا وراح. أخرجه أحمد والشيخان (٢). ﴿٣٤٦﴾
(وحديث) أبى سَعيد الخدرىّ أن النبى ﷺ قال: إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المسجد فاشهدوا عليه بالإيمان. قال الله : إنَّمَا يَعْمرُ مساجدَ الله مَن آمنَ باللهِ وَاليومِ الآخرِ. أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقى والترمذى، وقال: حسن غريب، والحاكم وقال صحيح الإسناد (٣). ﴿٣٤٧﴾
стр. 1132
وتقدم حديث: إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ الوُضوء ثم خرج إلى الصلاة لم يرفعْ قدمه اليمنى إلا كتبَ الله له حسنة، ولم يضعْ قدمه اليسرى إلا حطّ الله عنه سيئةً، فَليقرِّب أحدُكم أو لِيُبعِّدْ فإن أتى المسجد فصلى فى جماعة غفر له (١). والأحاديث فى هذا كثيرة تقدم بعضها فى بحث " فضل الوضوء " (٢).
(٧) أفضل المساجد: أفضلها المسجد الحرام ثم المسجد النبوى ثم مسجد بيت المقدس ثم مسجد قباء ثم القدم فالأقدم (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدى هذا والمسجد الأقصى. أخرجه السبعة إلا الترمذى (٣). ﴿٣٤٨﴾
стр. 1133
(وعن أبى هريرة) أن النبى ﷺ قال: صلاة فى مسجدى هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام. أخرجه الشيخان والنسائى (١). ﴿٣٤٩﴾
(وعن جابر) أن النبى ﷺ قال: صلاة فى المسجد الحرام
стр. 1134
مائةُ ألفِ صلاةٍ وصلاة فى مسجدى ألْفُ صلاة، وفى بيت المقدس خمُسمِائِة صلاةٍ. أخرجه البيهقى وحسنه السيوطى (١). ﴿٣٥٠﴾
(وقال) ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يأتى مسجد قُباء كل سبت ماشياً وراكباً فيصلِّى فيه ركعتين. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى والبيهقى والطيالسى (٢). ﴿٣٥١﴾
(وَفُضِّلَ) المسجد الأقدم لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ (٣)﴾ ولأن قِدَمه يقتضى كثرة العبادة فيه، وهذا يقتضى زيادة فضله. فإن استوى مسجدان فى القدم فالأقرب أفضل، ولو استويا فى القدم والقرب، فالأفضل ما كثر جمعه، إلا إن كان مريدُ المسجد فقيهاً يقتدى به، فالأفضل له الذهاب إلى ما جماعته أقل تكثيراً لها. ومسجدُ الجهة وإن قلّ جمعه أفضل من الجامع وغن كثر جمعه. وهذا مذهب الحنفيين (وقالت) الشافعية: أفضل المساجد المساجد الثلاثة على الترتيب السابق ثم الأكثر جمعاً إن كان إمامُه صالحاً لا تكره إمامته ولم يترتب على الصلاة فيه تعطيل مسجد آخر، وإلا كانت الصلاة فيما قل جمعه أفضل (وقالت) الحنبلية: أفضل المساجد، المساجد الثلاثة ثم العتيق ثم ما كثر جمعه ثم الأبعد إلاّ إن تَوقف الجماعة فى غير
стр. 1135
ما ذكر على حضور شخص، أو كان فى حضوره تشجيع لإمامه وجماعته، فصلاته فيه أفضل (ومشهور) مذهب المالكية أن أفضل المساجد مسجد النبى ﷺ ، ثم المسجد الحرام، ثم المسجد الأقصى، ثم مسجد قباء، ثم القريب ثم المساجد كلها سواء (وقال) ابن وهب وابن حبيب: المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوى. وهو الذى تشهد له الأدلة.
(٨) يكره تزيين المساجد ونقشها بغير الذهب والفضة وتشييدها " لحديث " أنس أن النبى ﷺ قال: لا تقومُ الساعةُ حتى يتباهى الناسُ بالمساجد. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقى وصححه ابن حبان (١). ﴿٣٥٢﴾
" ولحديث " ابن عباس أن النبى ﷺ قال: ما أُمِرْتُ بتشييد المساجد. أخرجه أبو داود والبيهقى وصححه ابن حبان (٢). ﴿٣٥٣﴾
(وقال) ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّهَا ما زخرفت اليهود والنصارى. ذكره البخارى معلقاً (٣). ﴿٩٤﴾
وهو وإن كان موقوفاً فى حكم المرفوع، لنه لا يقال من قبل الرأى. والتشييد رفع البناء وتطويله " ولا ينافيه " قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ (٤)﴾. " لأن المراد " برفعها تعظيمُها فلا يذكر فيها فحش القول، وتطهيرُها من الأدناس والبدع، فلا ترفع فيها الأصوات. ولا تدخلها الصبيان، ولا تقام فيها الخصومات (وقال) ابن عمر: نُهِينا أن نُصلّى فى مسجد مُشْرفٍ. أخرجه البيهقى (٥). ﴿٣٥٤﴾
стр. 1136
(وأمر) عمر ببناء المساجد فقال: أَكِنّ الناسَ من المطر، وإياك أن تُحمِّر أَو تُصَفِّرَ، فَتَفْتِنَ النَّاسَ. أخرجه ابن خزيمة وصححه. وأخرجه البخارى معلقاً. ﴿٩٥﴾
وزاد: وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرُونها إلا قليلا (١). ﴿٩٦﴾
(ولذا) قال غير المالكية: يكره تشييد المسجد وزخرفته بغير الذهب والفضة. ويحرم زخرفته بهما (وقالت) المالكية يكره نقشة وزخرفته فى المحراب وغيره ولو بالذهب والفضة. ويندب تشييده وتجصيصه، فقد شيد عثمان رضى الله عنه مسجد المدينة وجصَّصه (قال) البدر العينى: نقش المسجد وتزيينه مكروه: ولا يجوز من مال الوقف، ويغرم الذى يخرجه سواء أكان إما اشتغال المصلى به أو إخراج المال فى غير وجهه (٢) (وقال) النووى: يكره زخرفة المسجد ونقشه وتزييه، للأحاديث المشهورة، ولئلا تشغل الزخرفه قلب المصلى (٣).
(وقال) الأذرعى: ينبغى أن يحرم لما فيه من إضاعة المال لاسيما إن كان من مال المسجد. (وقال) ابن رسلان: هذا الحديث (٤)? فيه معجزة ظاهرة لإخباره ﷺ عما سيقع بعده، فإن تزويق المساجد
стр. 1137
والمباهاة برخرفتها كثر من الملوك والأمراء فى هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلماً وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع، والحديث يدل عل أن تشييد المساجد بدعة، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك فى آخر عصر الصحابة وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة، ورخص فى ذلك بعضهم وهو قول أبى حنيفة إذا وقع ذلك تعظيماً للمساجد ولم يكن الصرف من بيت المال.
(وقال) ابن المنير: لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يضع ذلك بالمساجد صوناً عن الاستهانة " وتعقب " بأن المنع إن كان للحث على اتباع السلف فى ترك الرفاهية فهو كما قال. وإن كان لخشية شغل بال المصلى بالزخرفة فلا، لبقاء العلة. قاله الحافظ (١)? . ومن جملة ما عول عليه المجوزون للتزيين، أن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك، وبأنه بدعة مستحسنة، وبأنه مرغِّب إلى المسجد (وهذه) حجج لا يُعوِّل عليها من له حظ من التوفيق، لاسيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله ﷺ ، وأنه نوع من المباهاة المحرمة، وأنه من علامات الساعة، وأنه من صنع اليهود والنصارى، وقد كان النبى ﷺ يحب مخالفتهم ويرشد إليها (ودعوى) ترك إنكار السلف ممنوعة، لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الجور من غير مؤاذنة لأهل العلم والفضل وأحدثوا من البدع ما لا يأتى عليه الحصر، وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا بل قام فى وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة وصرخوا بين أظهرهم بنعى ذلك عليهم (ودعوى) أنه بدعة مستحسنة باطلة بالحديث الصحيح: من
стр. 1138
عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ (١). ﴿٣٥٥﴾
ودعوى أنه مرغب إلى المسجد فاسدة، لأن ذلك لا يكون إلا لمن كان غرضه وغاية قصده النظرَ إلى تلك النقوش والزخرفة " فأما من " كان غرضه قصدَ المسجد للعبادة التى لا تكون عبادة حقيقة إلا مع الخشوع، وإلا كانت كجسم بلا روح " فليست " زخرفة المسجد إلا شاغلة له عن ذلك كما فعل النبى ﷺ فى الأنبجانية التى بعث بها إلى أبى جهم (٢)? وكهتْكه للستور التى فيها نقوش وصور. وتقويم البدع المعوجة التى يحدثها الملوك، يوقع أهل العلم فى المسالك الضيقة فيتكلفون فى ذلك من الحجج الواهية مالا ينفق " أى لا يروج " إلا على بهيمة (٣)? (وقال) ابن الحاج: وينبغى للإمام أن يغير ما أحدثوه من الزخرفة فى المحراب وغيره، فإن ذلك من البدع ومن أشراط الساعة. قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً يذكر مسجد المدينة وما عمل من التزويق فى قبلته فقال: كره الناس ذلك حين فُعِل، لأنه يشغلهم بالنظر إليه. وسئل مالك عن المساجد هل يكره أن يكتب فى قبلتها بالصبغ مثل آية الكرسى وقل هو الله أحد والمعوذتين؟ فقال: أكره أن يكتب فى قبلة المسجد شئ من القرآن والتزويق. وقلا: إن ذلك يشغل المصلى. وينبغى للإمام أن يغير ما أحدثوه من إلصاق العمُد فى جدار القبلة وما يلصقونه أو يكتبونه فى الجدران والأعمدة (٤).
(٩) يُسنّ لأهل كل جهة بناء مسجد. ويُسنّ اتخاذ موضع فى البيت
стр. 1139
للصلاة فيه وتنظيفه من الأقذار وكنسه وتطييبه " لحديث " عائشة أن النبى ﷺ أمر ببناء المساجد فى الدُّور، وأمر بها أن تنظف وتطيب. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان بسند جيد (١). ﴿٣٥٦﴾
والمراد بالدور القبائل (وحكمة) أمر أهل كل محلة ببناء مسجد فيها، أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب إلى الأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه، فأَمَرُوا بذلك ليتيسر لأهل كل محلة العبادة فى مسجدهم من غير مشقة تلحقهم. قاله فى المرقاة (٢)? (وقال) غيره: المراد بالدور البيوت أو المحال التى فيها الدور. وهذا هو الظاهر لورود النهى عن اتخاذ البيوت مثل المقابر. وقال الخطابى: فى هذا حجة لمن رأى أن المكان الأمر يتم فيه بأن يجعله مسجداً بالتسمية فقط، لكانت مواضع تلك المساجد فى بيوتهم خارجه عن أملاكهم. فدل على أنه لا يصح أن يكون مسجداً بنفس التسمية (٣)? . ولذلك قال صاحب الهداية: إن اتخذ وسط داره مسجداً وأذن للناس بالدخول فيه، له أن يبيعه ويورث عنه، لأن المساجد ما لا يكون لأحد فيه حق المنع. وإذا كان ملكه محيطاً بجوانبه كان له حق المنع فلم يصر مسجداً (٤).
(وروى) أبو رافع عن أبى هريرة أن امرأة سوداء أو رجلا كان يقّم المسجد ففقده النبى ﷺ فسأل عنه فقيل مات فقال:
стр. 1140
ألا آذنتمونى به؟ دلونى على قبره فصلى عليه. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وهذا لفظه وابن ماجه والبيهقى (١). ﴿٣٥٧﴾
(قال) ابن بطّال: فيه الحض على كنس المساجد وتنظيفها لأنه ﷺ إنما خص المذكور فى الحديث بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك. وقد روى عن النبى ﷺ أنه كنس المسجد ذكره البدر العينى (٢).
(١٠) يجوز عند الجمهور بناء مسجد فى الطريق ما لم يضرّ العامة " لقول " عائشة: لم أعقل أبوىّ إلا وهما يدينان الدينَ، ولم يمرّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفى النهار بكرة وعشية. ثم بدا لأبى بكر فابتنى مسجداً بفِناء داره فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن، فتقف نساءُ المشركين وأبناؤهم يعجَبون منه وينظرون إليه، وكان رجلا بَكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشرافَ قريش من المشركين أخرجه البخارى (٣). . ﴿٣٥٨﴾
стр. 1141
(وعن) أحمد منع بناء مسجد فى الطريق أو على سقيفة تحتها ممر نافذ أو قنطرة. وعنه أنه قال: يهدم مسجد بنى فى الطريق. وعنه يجوز بناؤه
стр. 1142
بلا إذن الإمام وحيث جاز صحت الصلاة فيه وإلا فوجهان. وتصح فيما بنى على درب مشترك بإذن أهله. هذا. ويجوز توسعة المسجد من الطريق
стр. 1143
وعكسه عند الحاجة وعدم الضرر لأن كلاًّ منهما مرتفق للعامة ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض مملوكة لشخص أخذت منه بالقيمة ولو كرهاً دفعاً للضرر العام. ولو كانت وقفاً على المسجد جاز توسعته بها بإذن القاضى.
(الثامن) ما تصان عنه المساجد
ينبغى صيانة المساجد عن كل ما ينافى احترامها وما بنيت له. وهو أمور المذكور منها هنا ثلاثة وعشرون: (١) يطلب صيانتها من الأقذار
стр. 1144
كالبول والحِجامة والفصْد والبُزاق وغيرها " لحديث " أنس أن النبى ﷺ قال: إن هذه المساجدَ لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذَر إنما هى لذكر الله وقراءة القرآن. أخرجه مسلم (١). ﴿٣٥٩﴾
(قال) النووى: يحرم البول والفصد والحجامة فى المسجد فى غير إناء. ويكره الفصد والحجامة فيه ف إناء. وفى تحريم البول فى إناء فى المسجد وجهان أصحهما يحرم. ويحرم إدخال النجاسة إلى المسجد. فأما مَنْ على بدنه نجاسة أو به جُرح، فإن خاف تلويث المسجد حرم عليه دخوله. وإن أمِنَ لم يحرم (٢).
(وقال) ابن نجيم: وكره تحريماً الوطء والبول والتغوط فوق المسجد، لأن سطحه له حكم المسجد حتى يصح اقتداء من به بمن تحته ولا يبطل إلا الاعتكاف بالصعود عليه ولا يحل لجنب الوقوف عليه. وصرح الزيلعى بأن الوطء فيه حرام، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ (٣)﴾.وذكر فى فتح القدير أن الحق أنها كراهة تحريم، لأن الآية ظنية الدلالة، لاحتمال كون التحريم للاعتكاف أو المسجد، وبمثلها لا يثبت التحريم (٤).
(وقال) الشيخ منصور بن إدريس: ويحرم الجماع فيه، ويكره فوقه والتمسح بحائطه والبول عليه. وقلا أحمد: أكره لمن بال أن يمسح ذكره بجدار المسجد قال: وألم به الخطر. ويحرم بوله فيه ولو فى إناء، لأن الهواء تابع للقرار، ويحرم فيه فصد وحجامة وقئ ونحوه كبط سِلْعة ولو فى إباء، لأن المسجد لم يبن لهذا فوجب صونه عنه. والفرق بينه وبين المستحاضة أنها لا يمكنها التحرز من ذلك إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد ونحوه. وإن دعت إليه حاجة كبيرة خرج المعتكف من المسجد ففعله كسائر ما لابد منه ثم عاد إلى معتكفه. وإن استغنى عنه لم يكن له الخروج إليه كالمرض
стр. 1145
الذى يمكن احتماله كالصداع ووجع الضرس والحمى اليسيرة، وكذا تحرم نجاسة فى هواء المسجد كالقتل على نطع ودم وقيح وصديد فى إناء، لتبعية الهواء للقرار، ويكره البول خارج المسجد وجسده فيه دون ذكره (١)
(وعن) أنس بن مالك أن النبى ﷺ قال: البزاق فى المسجد خطيئة وكفارتها دفنها. أخرجه أحمد والخمسة (٢). ﴿٣٦٠﴾
والمراد دفنها فى تراب المسجد ورمله وحصبائه إن كان فى المسجد شئ من ذلك، وإلا تفل فى ثوبه وخرج به " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من دخل المسجدَ فبَزَق فيه أَو تنخَّم فلْيَحْفِرْ ولْيدفِنْهَ فإن لم يفعل فَلْيَبْزُقْ فى ثوبه ثم ليخرج به. أخرجه أبو داود (٣). ﴿٣٦١﴾
(وإذا دعته) ضرورة إلى البزاق وهو فى المسجد فليبزق فى ثوبه أو عن يساره أو تحت قدمه "لحديث" أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا قام أحدُكم فى الصلاة فلا يَبْزُقَنَّ أمامه، فإنما يُناجى الله ﵎ ما دام فى مُصلاه، ولا عن يمينه فإنّ عنْ يمينه ملكاً، وليبصُقْ عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها. أخرجه البخارى (٤). ﴿٣٦٢﴾
стр. 1146
" ولحديث " طارق بن عبد الله المحاربى أن النبى ﷺ قال: إذا صليتَ فلا تبصُق بين يديك ولا عن يمينك، ولكن ابصُق تِلقاء شمالك إن كان فارغاً وإلا فَتحتَ قدَميك وادْلكه. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وقال حسن صحيح (١). ﴿٣٦٣﴾
(وظاهره) أن النهى عن البزاق إلى جهة القبلة أو اليمين مقيد بحالة الصلاة (ولذا) قال ملك: لا بأس بالتفل جهة اليمين خارج الصلاة (وجزم) النووى بالمنع مطلقاً داخل الصلاة وخارجها "لحديث" أبى هريرة وأبى سعيد أن النبى ﷺ راى نخامة فى جِدار المسجد فتناول حَصاة فحكّها وقال: إذا تنخّم أحدُكم فلا يتنخَّمنَّ قِبَل وجهه ولا عن يمينه وليبصُق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى. أخرجه الشيخان (٢). ﴿٣٦٤﴾
(فهو يدل) على المنع مطلقاً. هذا والأمر بالبصاق عن يساره أو تحت قدمه فيما إذا كان فى غير المسجد. أما فى المسجد فلا يبصق إلا فى ثوبه " لحديث " البزاق فى المسجد خطيئة (٣)? (وقال) القاضى عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه. أما إذا أراد دفنه فلا. ورده النووى بأنه خلاف صريح الحديث.
(وحاصل) النزاع أن ها هنا عمومين تعارضا، وهما قوله: البزاق فى المسجد خطيئة. وقوله: البزاق فى المسجد خطيئة. وقوله: وليبصق عن يساره أو تحت قدمه (فالنووى) يجعل الأول عاماً ويخص الثانى بما إذا لم يكن فى المسجد (والقاضى) عياض يجعل الثانى عاماً فيخص الأول بمن لم يُرِدْ دفنها (ويشهد) له ما رواه سعد
стр. 1147
ابن أبى وقاص أن النبى ﷺ قال: إذا تنخَّم أحدكم فى المسجد فَلْيُغَيِّبْ نخامته أن تُصيب جلدَ مؤمن أو ثوبه فتؤذيه. أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجاله موثقون (١). ﴿٣٦٥﴾
(وأوضح) منه فى المقصود ما رواه أبو أمامة أن النبى ﷺ قال: من تنخّع فى المسجد فلم يدفنه فسيئةٌ. وإن دفنه فحسنة. أخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون (٢). ﴿٣٦٦﴾
فلم يجعل سيئة إلا عند عدم الدفن " ومما " يدل على تخصيص عموم قوله: البزاق فى المسجد خطيئة "جواز" التنخم فى الثوب. ولو كان فى المسجد بلا خلاف (ويؤيد) قول النووى تصريحه ﷺ فى الحديث المتفق عليه بأن البزاق فى المسجد خطيئة وأن دفنها كفاره لها (فإن) دلالته عل كتب الخطيئة بمجرد البزاق فى المسجد ظاهرة غاية الظهور. ولكنها نزول بالدفن وتبقى بعدمه. وتوسط بعضهم فحمل الجواز على ما إذا كان له عذر كأنه لم يتمكن من الخروج من المسجد، والمنع على ما إذا لم يكن له عذر: وهو تفصيل حسن. ذكره الحافظ (٣)? .
(٢) ويلزم صيانة المسجد عن الروائح الكريهة، فيحرم على من تناول ذا راسخة كريهة كثوم وبصل دخول المسجد قبل إزالتها " لحديث " جابر أن النبى ﷺ قال: من أكل الثوم والبصل والكُرَّاث، فلا يقرَبنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم. أخرجه مسلم والنسائى (٤). ﴿٣٦٧﴾
стр. 1148
(وعن جابر) أن رسول الله ﷺ قال: من أكل من هذه الخضروات " الثوم والبصل والكرات والفجل " فلا يقربن من مسجدنا (الحديث) قال الهيثمى: هو فى الصحيح خلا قوله: والفجل. رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط. وفيه يحيى بن راشد البراء البصرى. وهو ضعيف ووثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف وبقية رجاله ثقات (١). ﴿٣٦٨﴾
(والمراد) تناول ما ذكر وهو نئ لأنه ذو الرائحة الخبيثة المؤذية، بخلاف ما إذا كان مطبوخاً فلا يشمله النهى، لذهاب تلك الرائحة منه " ولقول " علىّ رضى الله عنه: نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخاً أخرجه أبو داود (٢) ﴿٣٦٩﴾
"ولحديث"معاوية بن قرة عن أبيه أن النبى صلى الله علهي وسلم نهى عن هاتين الشجرتين وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا. وقال: إن كنتم لابد آكليهما فأكميتوهما طبخاً قال: يعنى البصل والثوم. أخرجه أبو داود (٣). ﴿٣٧٠﴾
" وروى " معدان بن أبى طلحة أن عمر خطب يوم جمعة فقال فى خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين لا أُراهما إلا خبيثتين. هذا البصل والثوم. لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وَجَد رِيحَهُمَا من الرجل فى المسجد أمر به فَاَخْرِجَ إلى البقيع. فمن أكلهما فَلْيُمِتْهُمَا طبخاً. أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (٤). ﴿٣٧١﴾
هذا. والنهى عام فى كل المساجد والمجامع " والإضافة " فى قوله ﷺ : فلا يقر بنَّ مسجدنا " للاستغراق " أى فلا يقربن مساجد
стр. 1149
المسلمين: (ويؤيده) حديث ابن عمر أن النبى ﷺ قال: من أكل من هذه الشجرة " يعنى الثُّوم " فلا يأتينّ المساجدَ. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (١). ﴿٣٧٢﴾
(وهذا) يرد قول من خص النهى بمسجد النبى ﷺ (وقال) ابن جُريج: قلت العطاء: هل النهى للمسجد الحرام خاصة أو فى المساجد؟ قال لا بلى فى المساجد. أخرجه عبد الرازق ﴿٩٧﴾ هذا. ويلحق بالثوم ونحوه كل ما له رائحة كريهة ومن به بخر (٢) أو جُرح له رائحة. ويلحق بالمساجد مجامع الصلاة وغيرها كمصلَّى العيد والجنائز ومجامع العلم والذكر والولائم. ولا يلحق بها الأسواق ونحوها. وفى الحديث دليل على منع من أكل الثوم من دخول المسجد وإن كان خالياً، لأنه محل الملائكة، ولعموم الأحاديث أفاده النووى (٣).
(ومما تقدم) تعلم أن تناول البصل والثوم والفُجْل والكرات ونحوها من كل ماله رائحة كريهة حرام فى المسجد على من أراد دخوله، وفى المجتمعات قبل أن تذهب رائحته، وإلا فأصل أكله جائز مع الكراهة أو خلاف الأولى " لحديث " أبى أيوب أن النبى ﷺ أرسل إليه بطعام من خضرة فيه بصل أو كراث، فلم ير فيه أثر رسول الله ﷺ فأبى أن يأكله. فقال ما منعك؟ قال: لم أر أثر يدِك. قال: أستحى من ملائكة الله، وليس بمحرّم. أخرجه ابن حبان وابن خزيمة (٤). ﴿٣٧٣﴾
" ولقول " أبى سعيد الخدرى: لم تْعدُ أن فتِحت خَيْبَرُ فوقعنا أصحابَ
стр. 1150
رسول الله ﷺ فى تلك البقلة الثُّوم والناس جياع فأكلنا منها أكلا شديداً ثم رُحْنا إلى المسجد فوجد رسول الله ﷺ الريحَ فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثةِ شيئاً فلا يقرّبنّا فى المسجد، فقال الناسُ حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ. فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فقال: أيها الناس إنه ليس لى تحريمُ ما أحل الله لى ولكنها شجرة أكره ريحها: أخرجه مسلم (١). ﴿٣٧٤﴾
" ولقول " أبى سعيد الخدرى: ذُكر عند رسول الله ﷺ الثومُ والبصلُ، قيل يا رسول الله وأشدُّ ذلك كلِّه الثوم، أفَتُحَرِّمُه؟ فقال النبى ﷺ : كلوه، ومن أكله منكم فلا يقربْ هذا المسجد حتى يذهب ريحُه منه. أخرجه أبو داود (٢). ﴿٣٧٥﴾
ومثل الثوم والبصل ف خُبث الرائحة الدخان، بل هو أخبث ويضر فلا يجوز تعاطيه. وقد بينت حكم تناوله فى ذاته وفى مجالس القرآن ونحوه ونصوص العلماء على حرمة تناوله فى الرسالة البديعة (٣).
стр. 1151
" فائدة " قال النووى: اختلف أصحابنا هل كان الثوم حراماً على النبى ﷺ أم كان يتركه تنزهاً؟ ظاهر قوله: أيها الناس إنه ليس لى تحريم ما أحل الله لى. أنه ليس محرماً عليه. ومن قال بالتحريم يقول المراد ليس لى أن أحرِّم على أمّتى ما أحل الله لها (١) وهذا التأويل يعد قوله ﷺ : ما أحل الله لى.
(٣) ويكره إخراج الريح فى المسجد اختياراً، صوناً له عن الرائحة الكريهة ولما يترتب عليه من إيذاء مَنْ بالمسجد، " ولحديث " أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إن الملائكة تصلِّى على أحدكم مادام فى مصلاه الذى صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى، وأخرجه مسلم وابن ماجه من حديث أبى صالح عن أبى هريرة مطولا. وفيه: والملائكة يصلون على أحدكم ما دام فى مجلسه الذى صلى فيه، يقولون: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه: اللهم تُبْ عليه من لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه (٢). ﴿٣٧٦﴾
" ولحديث " أبى راع عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لا يزال العبد فى صلاة ما دام فى مصلاّه ينتظر الصلاة تقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه حتى ينصرفَ أو يُحدثَ، فقيل وما يُحدِث؟ قال
стр. 1152
يفْسو أو يَضْرَطْ. أخرجه مسلم وأبو داود (١). ﴿٣٧٧﴾
(دلت) هذه الأحاديث على أن الحدث فى المسجد خطيئة يُحرم به المحدث من استغفار الملائكة ودعائهم له ومن ثواب الجلوس فى المسجد لانتظار الصلاة، وأن الحدث فى المسجد أشد من النخامة " ولمّا " لم يكن للحدث فى المسجد كفارة (٢)? ترفع أذاه كما يرفع الدفنُ أذى النخامة فيه " عوقب " بحرمان الاستغفار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة. هذا. والجمهور على انه يباح للمحدث حدثاً أصغر دخول المسجد والجلوس فيه (فقد) روى أن أبا الدرداء خرج من المسجد فبال ثم دخل فتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء (وروى) عن على وعطاء والنخعى وابن جبير مثله.
(وقال) ابن المسيب والحسن البصرى: يكره تعمد الجلوس فى المسجد على غير طهارة.
(٤) ويكره تحريماً رفع الصوت فى المسجد بنشد الضالة " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: مَنْ سمع رجلا ينشُد ضالة فى المسجد فلْيَقُل: لا أداها الله إليك، فإن المساجد لم تُبن لهذا. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه (٣). ﴿٣٧٨﴾
стр. 1153
دل على جواز الدعاء على ناشد الضالة فى المسجد بعدم ردها إليه معاملة له بنقيض قصده حيث فل ما لا يجوز فعله فى المسجد من رفع الصوت بما لم يُعدَّ له المسجد من العبادة والذكر والصلاة وتعليم العلم ونحو ذلك.
(روى) عاصم بن عمر ب قتادة أن عمر سمع ناساً من التجار يذكرون تجارتهم والدنيا فى المسجد. فقال: إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله. فإذا ذكرتم تجاراتكم ودنياكم فاخرجوا إلى البقيع. أخرجه ابن أبى شيبة بسند جيد ﴿٩٨﴾ ويلحق بذلك من رفع صوته فى المسجد بما يقتضى مصلحة ترجع للرافع صوته.
(٥) وكذا يمنع السؤال فى المسجد، لأنه كنشد الضالة. " وأما حديث " عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: هل فيكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا بسائل يسأل فوجدتُ كِسرةَ خُبز فى يد عبد الرحمن، فأخذتها منه فدفعتها إليه. أخرجه أبو داود. وكذا الطبرانى
فى الكبير والبزار مطولا وقال: لا نعلمه يُروى عن عبد الرحمن بن أبى بكر إلا بهذا الإسناد، وروى مرسلا (١)? . ﴿٣٧٩﴾
стр. 1154
" فهو ضعيف " لأن فى سنده مبارك بن فضالة ضعفه غير واحد، وعلى فرض صحته فليس فيه تصريح بأن السائل سأل فى المسجد، لاحتمال أن يكون خارجه (ولذا) قال الحنفيون: يحرم السؤال فى المسجد مطلقاً، ويكره الإعطاء فيه مطلقاً، لأنه يحمل على السؤال. وقيل يكره إعطاؤه إن تخطى الرقاب (وقال) الجمهور: يجوز السؤال فى المسجد وإعطاء الصدقة فيه إلا إذا ألحّ السائل وتخطى الرقاب فيحرم السؤال والإعطاء. (وسئل) ابن تيمية عن السؤال فى الجامع: أهو حلال أم حرام أم مكروه؟ (فأجاب) بقوله: الحمد لله. أصل السؤال محرم فى المسجد ولم يؤذ أحداً كتخطية الرقاب ولم يكذب فيما يرويه، ولم يجهر جهراً يضر الناس، كأن يسأل والخطيب يخطب، أو وهم يسمعون علماً يشغلهم " جاز " (١) (وسئل) أيضاً ما تقول فى هؤلاء الصعاليك الذين يطلبون من الناس فى الجوامع ويشوشون عليهم فهل ينكر عليهم؟ وهل يجوز تقسيم الناس بالست نفيسة والمشايخ؟ (فأجاب) بقوله: أما إذا ظهر منهم منكر كروايتهم للأحاديث المكذوبة، أو سؤالهم والخطيب يخطب، أو تخطيهم الناس؛ فإنهم ينهون عن ذلك. وكذا إذا سألوا بغير الله فالصدقة إنما تكون لوجه الله لا لأحد من خلقه. وأما إذا خلا سؤالهم عن المنكرات وكانوا محتاجين فإنه جائز فى أظهر قولى العلماء كما جاء عنه ﷺ أن سائلا سال فى المسجد فأمر باعطائه.
أما الإعطاء بلا سؤال فهو جائز اتفاقاً (فقد روى) البيهقى أنه ﷺ أمر سُليكاً الغطفانى بالصلاة يوم الجمعة حال الخطبة ليراه الناس فيتصدقوا عليه. وأنه أمرهم بالصدقة وهو على المنبر.
стр. 1155
(وقال) الشيخ منصور بن إدريس الحنبلى: ويكره سؤال الصدقة فى المسجد والتصدق عليه فيه، لأنه إعانة على مكروه. ولا يكره التصدق على غير السائل ولا على من سأل له الخطيب (وروى) البيهقى فى المناقب عن على ابن بدر قال: صليت يوم الجمعة فإذا أحمد بن حنبل يقُرب منى فقام سائل فسأله فأعطاه أحمد قطعة، فلما فرغوا من الصلاة قام رجل إلى السائل وقال: أعطنى تلك القطعة، فأبى فقال: أعطنى وأعطيك درهماً فلم يفعل، فما زال يزيده حتى بلغ خمسين درهماً فقال: لا أفعل فإنى أرجو من بركة هذه القطعة ما ترجو أنت (١).
(٦) ولا يجوز رفع الصوت فى المسجد ولو بالقرآن والذكر. " لقول " أبى سعيد الخدرى: اعتكف رسول الله ﷺ فى المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف السِّتر وقال: ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض فى القراءة. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى، والبيهقى، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢). ﴿٣٨٠﴾
" ولحديث " البياضى فروة بن عمرو أن النبى ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: إن المصلى يناجى ربه فلينظر بم يناجيه؟ ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. أخرجه أحمد بسند صحيح (٣). ﴿٣٨١﴾
(وقد أنكر) بعض الصحابة والتابعين على من رفع صوته فى المسجد بقراءة أو ذكر (قال) السائب بن يزي: كنت مضطجعاً فى المسجد فحصبنى
стр. 1156
رجل فرفعت رأسى فإذا عمر رضى الله عنه فقال: اذهب فأتنى بهذين الرجلين فجئت بهما، فقال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد ما فارقتمانى حتى أوجعتكما جلداً، ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول الله ﷺ . أخرجه البخارى (١). ﴿٩٩﴾
(وقال) البزازى: وفى فتاوى القاضى: الجهر بالذكر فى المسجد حرام (وقد صح) عن ابن مسعود أنه سمع قوماً اجتمعوا فى مسجد يهللون ويصلون على النبى ﷺ جهارً فذهب إليهم وقال: ما عهدنا ذلك على عهده ﷺ ، وما أراكم إلا مبتدعين، فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد (٢). ﴿١٠٠﴾ " وتقدم " عن سعيد بن المسيب أنه كان فى المسجد آهر الليل يتهجد، ثم دخل عمر بن عبد العزيز وكان حسن الصوت فجهر بالقراءة، فلما سمعه سعيد بن المسيب قال لخادمه: اذهب إلى هذا المصلِّى فقل له: إما أن تخفض من صوتك، وإما أن تخرج ن المسجد، ثم أقبل على صلاته فجاء الخادم فوج المصلِّى عمر بن عبد العزيز فرجع ول يقل له شيئا فلما سلم سعيد قال لخادمه: ألم أقل لك تنهى هذا المصلِّى عما يفعل؟ فقال: هو الخليفة عمر بن عبد العزيز. قال: اذهب إليه وقل له ما أخبرتك به، فذهب إليه فقال له: إن سعيداً يقول لك إما أن تخفض من صوتك، وإما أن تخرج من المسجد، فخفف فى صلاته فلما سلم منها أخذ نعليه وخرج من المسجد (٣) ﴿١٠١﴾ (وروى) مالك والبيهقى وبان أبى شيبة بسند جيد عن سالم بن عبد الله أن عمر ابن الخطاب بنى إلى جانب المسجد رحبة سماها البُطيحاء وقال: من أراد أن يلغَط أو يرفع صوتاً، أو ينشد شعراً فليخرج
стр. 1157
إليه ﴿١٠٢﴾ (وعلى هذا) اتفقت كلمة الفقهاء (قال) علاء الدين الحصنى: ويحرم فيه (يعنى فى المسجد) السؤال ويكره الإعطاء مطلقاً وقيل عن تخطئ ورفع صوت بذكر إلا للمتفقهة (١).
(وقال) ابن نجيم: الإمام إذا جهر فوق حاجة الناس فقد أساء (٢)? (وفى مختصر) خليل وشروحه: أنه يكره رفع الصوت بقراءة القرآن فى المسجد خشية التشويش على المصلين أو الذاكرين، فإن شوّش حرم اتفاقاً (٣)? (وقال) ابن العماد: تحم القراءة جهراً على وجه يشوش على نحو مصل (٤).
(ومن هذا) تعلم منع ما أحدث الناس من قراءة شئ من القرآن جهراً فى المسجد قبل إقامة الصلاة خصوصاً العصر، لما فيه من التشويش برفع الصوت على المصلين واعتقادهم أنه مشروع حيث جعلوه شعاراً للصلاة جماعة فى وقتها، مع أنه محدث لم يكن فى عهد النبى ﷺ ولا السلف الصالح. ومن ذلك الجهر بقراءة الورد والذكر ليلا فى المسجد (٥).
(٧) ويجب أن يصان المسجد عن دخول الصبيان والمجانين إذا خيف تلويثه " لحديث " واثلة بن الأسقع أن النبى ﷺ قال: جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمّروها فى الجمع
стр. 1158
أخرجه ابن ماجه والمنذرى بسند فيه الحارث بن نبهان متفق على ضعفه. وأخرجه الطبرانى فى الكبير. وفيه العلاء بن كثير الليثى الشامى وهو ضعيف (١). ﴿٣٨٢﴾
(ولذا) قال الحنفيون: يحرم إدخال الصبيان والمجانين المسجد إذا غلب تنجيسهم إياه وإلا فيكره (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: أما الكاتب ومعلم الصبيان، فإن كان بأجرة يكره. وإن كان حسبة فقيل لا يكره. والوجه ما قاله ابن الهمام: إنه يكره التعليم (يعنى فى المسجد) إن لم يكن ضرورة، لأن نفسى التعليم ومراجعة الأطفال لا يخلو عما يكره فى المسجد مع ما تقدم من الحديث (٢).
(وقال) علاء الدين الحصنى: ويحرم إدخال صبيان ومجانين " يعنى المسجد " حيث غلب تنجيسهم وإلا فيكره (قال) ابن عابدين: والمراد بالحرمة كراهة التحريم لظنية الدليل (٣) (وقالت) المالكية: يجوز إحضار الصبى المسجد إذا كان شأنه أنه لا يعبث أو يعبث ولكنه ينكف عن العبث إذا نهى، وإلا منه إدخاله (وقالت) الشافعية: يكره إدخال الصبيان الذين ل يميزون المسجد، لأنه لا يُؤْمَنُ تلويثهم إياه (وقالت) الحنبلية: يكره إدخال الصبى المسجد إذا كان لغير مصلحة ولا فائدة. أما إذا كان لها كقراءة وصلاة فيجوز (قال) النووى: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد، لأنه يخشى تلويثهم إياه. ولا يحرم ذلك لأنه ثبت فى
стр. 1159
الصحيحين أن رسول الله ﷺ صلَّى حاملا أمامةَ بنتَ زينبَ، وطاف على بعيره. ولا ينفى هذا الكراهة، لأنه ﷺ فعله لبيان الجواز (١) (ومما تقدم) تعلم أن من المنكر اتخاذ مكاتب فى بعض المساجد لتعليم الأطفال القرآن والكتابة وغيرهما، فإن الغالب على الأطفال عدم التحفظ من النجاسات فَيُلِّوثون المسجد ويرفعون أصواتهم فيهوشون على من فيه من المصلين والمتعبدين وهو ممنوع بالإجماع ومخالف للأحاديث السابقة. وكذا لا يغتفر اتخذا بعض المساجد مخافر ومحلا لإقامة الجند، فإن المساجد لم تبن لذلك، وقد يقع مع الجند ما يتنافى وحرمة المساجد، كرفع الأصوات واللعب والزمر والغناء والتصفيق والضرب بالدفوفن وتناول بعض المكيفات كالدخان. وهذا مما لا يرضاه الشرع ولا يسوغه العقل.
فعلى ولاة الأمور منع هذه المنكرات؛ احتراماً لبيوت الله تعالى.
(٨) ويكره الاحتراف فى المسجد بعمل دنيوى كخياطة وحياكة وغزل ونحوها (قال) القاضى عياض: والراجح مه الصنائع التى يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب بها. فلا يتخذ المسجد متجراً. وأما المثاقفة وإصلاح آلات الجهاد ونحوها مما لا امتهان للمسجد فى عمله فلا بأس أهـ (وقال) النووى فى المجموع: يكره أن يجعل المسجد مقعدا لحرفة كالخياطة ونحوها " لحديث " أنس أن النبى ﵌ قال: إن هذه: المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا الذر، إنما هى لذكر الله وقراءة القرآن. أخرجه مسلم (٢). فأما من ينسخ فيه شيئاً من العلم أو اتفق قعوده فيه فخاط
стр. 1160
ثوباً ولم يجعله مقعداً للخياطة فلا بأس به (١).
(وقال) الشيخ منصور بن إدريس: ولا يجوز التكسب فى المسجد بالصنعة كخياطة وغيرها ولو قليلا أو لغير حاجة، لأنه بمنزلة التجارة، فلا يجوز أن يتخذ المسجد مكاناً للمعايش، لأنه لم يبن لذلك. وقعود الصناع والفعلة فيه ينتظرون م يكريهم بمنزلة وضع البضائع فيه ينتظرون من يشتريها. وعلى ولىِّ الأمر منعهم من ذلك. وإن وقفوا خارج أبوابه ينتظرون من يكريهم فلا بأس. ويجب أن يصان المسجد من عمل صنعة. لتحريمها فيه. ولا يكره اليسير من العمل فيه لغير التكسب كرقع ثوبه وخصف نعله ويحرم فعل ذلك للتكسب إلا الكتابة لأنها نوع تحصيل للعلم فهى فى معنى الدراسة. ومن ذلك تعليم الصبيان الكتابة فيه بالأجر بشرط ألا يحصل ضر بجبر وما أشبهه (٢).
(٩ إلى ١٢) وينبغى صيانة المسجد عن البيع والشراء وإنشاد الشعر والتحلق يوم الجمعة " لحديث " عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (عبد الله بن عمرو) قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع فى المسجد وأن تُنشدَ فيه الأشعارُ، وأن تَنشد فيه الضالةُ. ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه وصححه ابن خزيمة (٣). ﴿٣٨٣﴾
" ولقول " ثوبان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأيتموه ينشدُ الشِّعْر فى المسجد فقولوا: فضَّ الله فاك ثلاث مرات. ومن