← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

رجل فرفعت رأسى فإذا عمر رضى الله عنه فقال: اذهب فأتنى بهذين الرجلين فجئت بهما، فقال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد ما فارقتمانى حتى أوجعتكما جلداً، ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول الله ﷺ . أخرجه البخارى (١). ﴿٩٩﴾ (وقال) البزازى: وفى فتاوى القاضى: الجهر بالذكر فى المسجد حرام (وقد صح) عن ابن مسعود أنه سمع قوماً اجتمعوا فى مسجد يهللون ويصلون على النبى ﷺ جهارً فذهب إليهم وقال: ما عهدنا ذلك على عهده ﷺ ، وما أراكم إلا مبتدعين، فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد (٢). ﴿١٠٠﴾ " وتقدم " عن سعيد بن المسيب أنه كان فى المسجد آهر الليل يتهجد، ثم دخل عمر بن عبد العزيز وكان حسن الصوت فجهر بالقراءة، فلما سمعه سعيد بن المسيب قال لخادمه: اذهب إلى هذا المصلِّى فقل له: إما أن تخفض من صوتك، وإما أن تخرج ن المسجد، ثم أقبل على صلاته فجاء الخادم فوج المصلِّى عمر بن عبد العزيز فرجع ول يقل له شيئا فلما سلم سعيد قال لخادمه: ألم أقل لك تنهى هذا المصلِّى عما يفعل؟ فقال: هو الخليفة عمر بن عبد العزيز. قال: اذهب إليه وقل له ما أخبرتك به، فذهب إليه فقال له: إن سعيداً يقول لك إما أن تخفض من صوتك، وإما أن تخرج من المسجد، فخفف فى صلاته فلما سلم منها أخذ نعليه وخرج من المسجد (٣) ﴿١٠١﴾ (وروى) مالك والبيهقى وبان أبى شيبة بسند جيد عن سالم بن عبد الله أن عمر ابن الخطاب بنى إلى جانب المسجد رحبة سماها البُطيحاء وقال: من أراد أن يلغَط أو يرفع صوتاً، أو ينشد شعراً فليخرج

стр. 1157

إليه ﴿١٠٢﴾ (وعلى هذا) اتفقت كلمة الفقهاء (قال) علاء الدين الحصنى: ويحرم فيه (يعنى فى المسجد) السؤال ويكره الإعطاء مطلقاً وقيل عن تخطئ ورفع صوت بذكر إلا للمتفقهة (١). (وقال) ابن نجيم: الإمام إذا جهر فوق حاجة الناس فقد أساء (٢)? (وفى مختصر) خليل وشروحه: أنه يكره رفع الصوت بقراءة القرآن فى المسجد خشية التشويش على المصلين أو الذاكرين، فإن شوّش حرم اتفاقاً (٣)? (وقال) ابن العماد: تحم القراءة جهراً على وجه يشوش على نحو مصل (٤). (ومن هذا) تعلم منع ما أحدث الناس من قراءة شئ من القرآن جهراً فى المسجد قبل إقامة الصلاة خصوصاً العصر، لما فيه من التشويش برفع الصوت على المصلين واعتقادهم أنه مشروع حيث جعلوه شعاراً للصلاة جماعة فى وقتها، مع أنه محدث لم يكن فى عهد النبى ﷺ ولا السلف الصالح. ومن ذلك الجهر بقراءة الورد والذكر ليلا فى المسجد (٥). (٧) ويجب أن يصان المسجد عن دخول الصبيان والمجانين إذا خيف تلويثه " لحديث " واثلة بن الأسقع أن النبى ﷺ قال: جنّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمّروها فى الجمع

стр. 1158

أخرجه ابن ماجه والمنذرى بسند فيه الحارث بن نبهان متفق على ضعفه. وأخرجه الطبرانى فى الكبير. وفيه العلاء بن كثير الليثى الشامى وهو ضعيف (١). ﴿٣٨٢﴾ (ولذا) قال الحنفيون: يحرم إدخال الصبيان والمجانين المسجد إذا غلب تنجيسهم إياه وإلا فيكره (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: أما الكاتب ومعلم الصبيان، فإن كان بأجرة يكره. وإن كان حسبة فقيل لا يكره. والوجه ما قاله ابن الهمام: إنه يكره التعليم (يعنى فى المسجد) إن لم يكن ضرورة، لأن نفسى التعليم ومراجعة الأطفال لا يخلو عما يكره فى المسجد مع ما تقدم من الحديث (٢). (وقال) علاء الدين الحصنى: ويحرم إدخال صبيان ومجانين " يعنى المسجد " حيث غلب تنجيسهم وإلا فيكره (قال) ابن عابدين: والمراد بالحرمة كراهة التحريم لظنية الدليل (٣) (وقالت) المالكية: يجوز إحضار الصبى المسجد إذا كان شأنه أنه لا يعبث أو يعبث ولكنه ينكف عن العبث إذا نهى، وإلا منه إدخاله (وقالت) الشافعية: يكره إدخال الصبيان الذين ل يميزون المسجد، لأنه لا يُؤْمَنُ تلويثهم إياه (وقالت) الحنبلية: يكره إدخال الصبى المسجد إذا كان لغير مصلحة ولا فائدة. أما إذا كان لها كقراءة وصلاة فيجوز (قال) النووى: يكره إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين لا يميزون المسجد، لأنه يخشى تلويثهم إياه. ولا يحرم ذلك لأنه ثبت فى

стр. 1159

الصحيحين أن رسول الله ﷺ صلَّى حاملا أمامةَ بنتَ زينبَ، وطاف على بعيره. ولا ينفى هذا الكراهة، لأنه ﷺ فعله لبيان الجواز (١) (ومما تقدم) تعلم أن من المنكر اتخاذ مكاتب فى بعض المساجد لتعليم الأطفال القرآن والكتابة وغيرهما، فإن الغالب على الأطفال عدم التحفظ من النجاسات فَيُلِّوثون المسجد ويرفعون أصواتهم فيهوشون على من فيه من المصلين والمتعبدين وهو ممنوع بالإجماع ومخالف للأحاديث السابقة. وكذا لا يغتفر اتخذا بعض المساجد مخافر ومحلا لإقامة الجند، فإن المساجد لم تبن لذلك، وقد يقع مع الجند ما يتنافى وحرمة المساجد، كرفع الأصوات واللعب والزمر والغناء والتصفيق والضرب بالدفوفن وتناول بعض المكيفات كالدخان. وهذا مما لا يرضاه الشرع ولا يسوغه العقل. فعلى ولاة الأمور منع هذه المنكرات؛ احتراماً لبيوت الله تعالى. (٨) ويكره الاحتراف فى المسجد بعمل دنيوى كخياطة وحياكة وغزل ونحوها (قال) القاضى عياض: والراجح مه الصنائع التى يختص بنفعها آحاد الناس ويكتسب بها. فلا يتخذ المسجد متجراً. وأما المثاقفة وإصلاح آلات الجهاد ونحوها مما لا امتهان للمسجد فى عمله فلا بأس أهـ (وقال) النووى فى المجموع: يكره أن يجعل المسجد مقعدا لحرفة كالخياطة ونحوها " لحديث " أنس أن النبى ﵌ قال: إن هذه: المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا الذر، إنما هى لذكر الله وقراءة القرآن. أخرجه مسلم (٢). فأما من ينسخ فيه شيئاً من العلم أو اتفق قعوده فيه فخاط

стр. 1160

ثوباً ولم يجعله مقعداً للخياطة فلا بأس به (١). (وقال) الشيخ منصور بن إدريس: ولا يجوز التكسب فى المسجد بالصنعة كخياطة وغيرها ولو قليلا أو لغير حاجة، لأنه بمنزلة التجارة، فلا يجوز أن يتخذ المسجد مكاناً للمعايش، لأنه لم يبن لذلك. وقعود الصناع والفعلة فيه ينتظرون م يكريهم بمنزلة وضع البضائع فيه ينتظرون من يشتريها. وعلى ولىِّ الأمر منعهم من ذلك. وإن وقفوا خارج أبوابه ينتظرون من يكريهم فلا بأس. ويجب أن يصان المسجد من عمل صنعة. لتحريمها فيه. ولا يكره اليسير من العمل فيه لغير التكسب كرقع ثوبه وخصف نعله ويحرم فعل ذلك للتكسب إلا الكتابة لأنها نوع تحصيل للعلم فهى فى معنى الدراسة. ومن ذلك تعليم الصبيان الكتابة فيه بالأجر بشرط ألا يحصل ضر بجبر وما أشبهه (٢). (٩ إلى ١٢) وينبغى صيانة المسجد عن البيع والشراء وإنشاد الشعر والتحلق يوم الجمعة " لحديث " عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (عبد الله بن عمرو) قال: نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع فى المسجد وأن تُنشدَ فيه الأشعارُ، وأن تَنشد فيه الضالةُ. ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه وصححه ابن خزيمة (٣). ﴿٣٨٣﴾ " ولقول " ثوبان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأيتموه ينشدُ الشِّعْر فى المسجد فقولوا: فضَّ الله فاك ثلاث مرات. ومن

стр. 1161

رأيتموه يبيع ويبتاع فى المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك. أخرجه الطبرانى فى الكبير م رواية عبد الرحمن بن ثوبان عن أبيه (قال الهيثمى) ولم أجد من ترجمه (١). ﴿٣٨٤﴾ (أما البيع) والشراء فى المسجد فهو حرام وباطل عند الحنبلية. أخذاً بظاهر الأحاديث لا فرق بين المتعكف وغيره ولو قلّ البيع واحتيج إليه. قال أحمد: إنما هذه بيوت الله لا يباع فيها ولا يشترى. ورأى عِمْرَانُ القصير رجلا يبيع فى المسجد فقال: يا هذا إن هذا سوق الآخرة، فإن أردت البيع فاخرج إلى سوق الدنيا (٢). ﴿١٠٣﴾ (وقال) الحنفيون: يكره البيع والشراء فى المسجد إذا عمّ المسجد وغلب عليه، وإلا فلا كراهة (قال) الطحاوى: ما نهى عنه من البيع فى المسجد هو الذى يعمّه أو يغلب عليه حتى يكون كالسوق. فأما ما سوى ذلك فلا يكره. ولقد روينا عن رسول الله ﷺ ما يدل على إباحة العمل الذى ليس من القُرَب فى المسجد " وساق " بسنجه إلى على رضى الله عنه قال: سمعُت رسول الله ﷺ يقول: يا معْشَر قريش ليبعثن الله عليكم رجلا امتحن اللهُ به الإيمانَ، يضربُ رقابكم على الدين. فقال أبو بكر: أنا هوَ يا رسول الله؟ قال لا. فقال عمر. أنا هوَ يا رسول الله؟ قال: لا: ولكنه خاصِف النعل فى المسجد. وكان قد ألقْى إلى على رضى الله عنه نعلَه يخصفها أخرجه الطحاوى (٣). ﴿٣٨٥﴾ وقال: فترى أن رسول الله ﷺ لم ينه علياً رضى الله عنه

стр. 1162

عن خصف النعل فى المسجد. وإن الناس لو اجتمعوا حتى يعمُّوا المسجد بخصف النعال كان ذلك مكروهاً. فلما كان ما لا يعمّ المسجد من هذا غير مكروه وما يعمه منه أو يغلب عليه مكروها، كان كذلك فى البيع وإنشاد الشعر والتحلق فيه قبل الصلاة: ما عمه من ذلك فهو مكروه، وما لم يعمه منه ولم يغلب عليه فليس بمكروه قلت: ولا دليل على ما ذكر من التفرقة. وما ذكره من خصف نعل النبى ﷺ فى المسجد، لا يدل على مدعاهم كما لا يخفى (قال) على القارى: وجوز علماؤنا للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع (ومن البدع) الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام وبيع الكتب وغيرها فى المسجد الحرام وغيره. وأشنع منه وضع المحفّات والقرِب فى المسجد سيما فى أيام الموسم ووقت ازدحام الناس (١) (وقالت) الشافعية: يكره البيع والشراء فى المسجد لغير المعتكف مطلقاً. أما المعتكف فيكره له فى غير ما لابدّ له منه. (وقالت) المالكية: يكرهان فى المسجد إذا كانا بغير رفع صوت وإن كان برفع صوت فحرام لجعل المسجد سوقاً (وهذه) التفاصيل لا دليل عيها. والراجح القول بالحرمة مطلقاً مع صحة البيع (اقل) العراقى والماوردى: أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع والشراء فى المسجد لا يجوز نقضه. ذكره الشوكانى. وقال: وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد، لا ينافى التحريم. فلا يصح جعله قرينة لحمل النهى على الكراهة (٢). (وأما إنشاد) الشعر فى المسجد فالمنهى عنه ما كان على سبيل التفاخر والهجاء ومدح من لا يستحق المدح، وذم من لا يستحق الذم.

стр. 1163

(أما ما فيه) أمر بمعروف ونهى عن منكر وبيان لأحكام الدين وترغيب فى العمل بها ومدح من يستحق المدح وذم من يستحق الذم، وحث على الزهد والمكارم (فإنشاده) فى المسجد جائز حسن " لقول " سعبد بن المسيب: مرّ عمر بن الخطاب فى المسجد وحسانُ فيه ينشد فلحَظ إليه فقال: كنتُ أنشده فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفتَ إلى أبى هريرة فقال: أنشُدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: أجب عنى اللهم أيده برُوح القدس قال نعم. أخرجه أحمد والشيخان (١). ﴿٣٨٦﴾ (وعن) ابن عمر أن النبى ﷺ قال: الشعر بمنزلة الكلام فحسنَه كحسَن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام. أخرجه البخارى فى الأدب والطبرانى فى الأوسط بسند حسن (٢). ﴿٣٨٧﴾ (ولذا) قال ابن العربى: لا بأس بإنشاد الشعر فى المسجد إذا كان فى مدح الدين وإقامة الشرع (٣) (وقال) النووى: لا أس بإنشاد الشعر فى المسجد إذا كان مدحاً للنبوَّة أو الإسلام أو كان حكمة أو فى مكارم الأخلاق أو الزهد ونحو ذلك من أنواع الخير. وأما ما فيه شئ مذموم كهَجْوِ مسلم أو صفة الخمر أو ذكر النساء أو المُرْد أو مدح ظالم أو افتخار منهى عنه أو غير ذلك فحرام (٤) (وعلى هذا) تحمل أحاديث النهى كحديث عمرو بن شعيب

стр. 1164

عن أبيه عن جده (١) " وحديث " زُفَر بن وَثيمة عن حكيم بنِ حزام أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يُستقَادَ فى المسجد، وان تُنْشد فيه الأشعار، وان تقام فيه الحدود. أخرجه أبو داود. وزُفَر وثقه ابن معَين ذكره ابن حبان فى الثقات (٢). ﴿٣٨٨﴾ (وفى هذا) جمع بين الأحاديث. ومحل جواز الشعر فى المسجد ما لم يشوش على مصلىّ أو قارئ أو ذاكر وإلا منه مطلقاً. هذا. وقد اختلفوا فى حكم إنشاد الشعر مطلقاً (فقال) الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة: لا بأس بإنشاء الشهر الذى ليس فيه هجاء ولا فحش ولا سبّ فى عِرْض أحد من المسلمين لما تقدم من الأحاديث (وقال) إبراهيم النخعى والحسن البصرى: يكره رواية الشعر وإنشاده " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لأنْ يمتلئ جوفُ الرجل قيحاً يريهِ خر من أن يمتلئ شِعْراً. أخرجه السبعة إلا النسائى. وقال الترمذى: حسن صحيح (٣). ﴿٣٨٩﴾ (وأجاب) الأولون بأن هذا فى شعر خاص وهو ما كان فيه فحش وهجاء. (وقال) الطحاوى: هو عندنا على الشعر الذى يملأ الجوف فلا يكون فيه قرآن ولا تسبيح ولا غيره، فأما من كان فى قلبه القرآن والشعر، فليس ممن امتلأ جوفه شعراً، وقد كان يُنشد الشعر فى مسجد رسول الله ﷺ أهـ (وأما التحلق) يوم الجمعة فى المسجد قبل صلاتها فحكمة النهى عنه ولو لمذاكرة العلم وغيره من الطاعات، لأنه ربما قطع الصفوف والناس

стр. 1165

مأمورون بالتبكير يوم الجمعة والتراصّ فى الصفوف الأوَّل فالأوَّل (وحمل) الجمهور النهى على الكراهة (قال) الطحاوى: التحلق المنهى عنه قبل الصلاة إذا عمّ المسجد وغلبه فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس أهـ. (والتقييد) بقبل الصلاة ويدل على جوازه بعدها لتعليم العلم والذكر وغيرهما. (والتقييد) بيوم الجمعة يدل على جوازه فى غيره مطلقاً " لقول " أبى واقد الليثى: بينما رسولُ الله ﷺ قاعد فى أصحابه إذْ جاء ثلاثة نفر: فأما رجل فوجد فُرجة فى الحلْقة فجلس. واام رجل فجلس خلف الحْلقة. وأما رجل فانطلق فقال رسول الله ﷺ : ألاَ أُخبركم عن هؤلاء انفر؟ أما الرجل الذى جلس فى الحْلقة فرجل آوى فآواه الله. وأما الرجل الذى جلس خلف الحلقة فاستحيا فاستحيا الله منه. وأما الرجل الذى انطلق فرجل أعرض فأعرض الله عنه. أخرجه مسلم والبيهقى (١). ﴿٣٩٠﴾ (ولذا) قال النووى: يستحب عقد حلق العلم فى المساجد وذكر المواعظ والرقائق ونحوها. والأحاديث الصحيحة فى ذلك كثيرة (٢). (وأما التحلق) فى المسجد لأمور الدنيا فغير جائز " لحديث " ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: سيكونُ فى آخر الزمان قومٌ يجلسون فى المساجد حِلقاً حِلقاً أمانيهم فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجةٌ. أخرجه الطبرانى فى الكبير، وفى سنده بزيغ أبو الخليل. وهو ضعيف جداً. ونسب على الوضع (٣). ﴿٣٩١﴾ (١٣) ويكره تحريماً - عند الحنفيين والشافعى - إقامة الحدود فى المسجد صناً له وحفظاً لحرمته " ولحديث " حكيم بن حزام أن النبى صلى الله عليه

стр. 1166

وسلم قال: لا تُقام الحدود فى المساجد ولا يستقاد فيها. أخرجه أحمد وأبو داود والدار قطنى والحاكم والبيهقى بسند لا بأس به. قاله الحافظ فى التلخيص، وقال فى بلوغ المرام: إسناده ضعيف (١). ﴿٣٩٢﴾ حملوا النهى على الكراهة. وحمله المالكية والحنبلية على الحرمة فقالوا: يحرم إقامة الحدود والتعزيز الشديد فى المساجد. (١٤) ويكره تحريماً إلقاء القمل ودفنه حياً فى المسجد " لحديث " الحضْرَمى بن لاِحق عن رجل من الأنصار أن رسول الله ﷺ قلا: إذا وَجَد أحدُكم القمْلة فى ثوبه فَلْيَصُرّها ولا يُلقِها فى المسجد. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات، وأخرجه البيهقى بلفظ: إذا وجد أحدُكم القملةَ وهو يصلى فلا يقتُلْهَا، ولكن يُصُرُّها حتى يصِّلى (٢). ﴿٣٩٣﴾ (أما دفنه) فى المسجد بعد قتله فلا باس به " لقول " مالك بن يُخامِر رأيتُ معاذ بنَ جبل يقتل القمل والبراغيت فى المسجد. أخرجه الطبرانى فى الكبير بسند رجاله ثقات (٣). ﴿١٠٤﴾ (قال) ابن قدامة: فأما القمل فالأوْلى التغافل عنه، فإن قتلها فلا بأس، لأن أنساً كان يقتُل القمل والبراغيت فى الصلاة. وكان الحسن يقتل القمل. وقال الأوزاعى: تركه أحب إلىّ. وكان عمر يقتل القمل فى الصلاة. أخرجه ابن منصور. ﴿١٠٥﴾ (١٥) ويكره أن يُحْفَر فى المسجد بئر لأنه لا يؤمن من دخول النساء والصبيان وتقذير المسجد، إلا إن كان البئر قديماً مزمزم فإنه يترك.

стр. 1167

(١٦) ويكره غرس الشجر فى المسجد لأنه تشبيه له بالبيعة والكنيسة وفيه شغل لمكان الصلاة إلا أن تكون فيه منفعة للمسجد بأن أرضه نزة لا تستقر فيها الأعمدة فيغرس الشجر ليتحول إليه النز. قال الحلبى (١). (ورَدّ) ابن أمير حاج على من جوز غرس الشجر فى المسجد أخذاً من قولهم: لو غرس شجرة للمسجد. فرد عليه بأنه لا يلزم من ذلك حل الغرس إلا للعذر المذكور، لأن فيه شغل ما أعد للصلاة ونحوها وإن كان المسجد واسعاً أو كان فى الغرس نفع بثمرته. ولا يجوز إبقاؤه أيضاً " لقوله " عليه الصلاة السلام: ليس لعرقٍ ظالم حق (٢) لأن الظلم وضع الشئ فى غير محله وهذا كذلك أهـ (وقال) النووى: يكره غرس الشجر فى المسجد ويكره حفر البئر فيه لأنه بناء فى مال غيره. وللإمام قلع ما غرس فيه (٣). (وقال) السفارينى الحنبلى: جزم علماؤنا بعدم جواز غرس شئ فى المسجد، ويقلع ما غرس فيه ولو بعد إيقافه. وكذا حفر بئر ثم قال: وفى الرعاية الكبرى: ويحرم غرسها مطلقاً. وقيل إن ضيَّقَتْ حرُم وإلا كره فإن لم تقلع فثمرتها للمساكين. وإن غرست قبل بنائه ووقفت معه فإن عُيِّنَ منصرفها عمل به، وإلا تصرف لورثة الواقف كالميراث. فإن لم يكن له أقارب فللفقراء والمساكين وقفاً عليهم. وقيل يجوز الأكل منها. وقيل تصرف فى مصالح المسجد. ثم قال: والمختار جواز حفر البئر وغرس الشجر

стр. 1168

للمصلحة الراجحة حيث كانتا فى غير موضع الصلاة، لأن مساجد بلادنا لا تتم مصالحها إلا بالبئر. والخلاف إنما هو فى تجديد الآبار. وأما ما كان سابقاً فحكمة كالشجر. وإن جهل الحال فالأصل عدم التجديد (١) قال الشيخ مصور ابن إدريس: يحرم غرس شجر فى مسجد، لأن منفعته مستحقة للصلاة فتعطيلها عدوان، فإن فعل قلعت الشجرة. فإن تقلع فثمرها للمساكين (٢). (١٧) ويكره تطيين المسجد وبناؤه وتجصيصه بطين ولبِنٍ وجصّ نجس وتنويره بزيت نجس. والظاهر التحريم فى الكل. قاله الشيخ منصور ابن إدريس (٣). (١٨) ويكره اللغط فى المسجد وحديث الدنيا (قال) ابن الحاج: إنما يجْلس ف المسجد للصلة والتلاوة والذكر والتفكر أو تدريس العلم بشرط عدم رفع الصوت وعدم التشويش على المصلين والذاكرين (وفى) حدث ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: يأتى على الناس زمان يُحلقون فى مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا، وليس لله فيهم حاجة ف تجالسوهم. أخرجه ابن حبان، وكذا الحاكم من حديث أنس وقال: صحيح الإسناد (٤). ﴿٣٩٤﴾ (وقال) السفارينى: ويسن أن يصان المسجد عن لغط ورفع صوت بمكروه. وقيل يكره الكلام فيه إلا بذكر الله تعالى " وما اشتهر " من قولهم: الحديث المباح فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش أو كما تأكل النار الحطب: " فكذب " لا أصل له. وذكره القارى فى الموضوعات ولا بأس بالناظرة فيه فى مسائل الفقه للوقوف على الحق لا للمغالبة (٥).

стр. 1169

(وقال) النووى: يجوز التحدث بالحديث المباح فى المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحاً " لحديث " جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاّه الذى صّلى فيه الصبح حتى تطلُعَ الشمس، فإذا طلعت قام. قال: وكانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم: أخرجه مسلم (١). ﴿٣٩٥﴾ (١٩) ويكره لمن بالمسجد إسناد ظهره إلى القبلة، بل السنة أن يستقبلها فى جلوسه. " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إن لكل شئ سيداً، وإن سيد المجالس قبالة القبلة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط بسند حسن (٢). ﴿٣٩٦﴾ " ولحديث " ابن عمر أن النبى ﷺ قال: أكرم المجالس ما استقبل به القبلة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفى سنده حمزة بن أبى جمرة متروك (٣). ﴿٣٩٧﴾ (وعن) ابن مسعود أنه رأى قوماً قد أسندوا ظهورهم إلى قبلة المسجد فقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها. أخرجه الطبرانى فى الكبير ورجاله موثقون (٤). ﴿١٠٦﴾ (٢٠) ولا يجوز أخذ شئ من أجزاء المسجد كحجر وحصاة وتراب وغيرها كالزيت والشمع الذى يُسْرَج فيه " لحديث " أبى هريرة أن النبى

стр. 1170

صلى الله عليه وسلم قال: إن الحصاة لتُناشد الذى يُخْرجُها من المسجد. أخرجه أبو داود (١). ﴿٣٩٨﴾ " ولقول " سعيد بن جُبير: الحصاة تسب وتلعن من يخرجها من المسجد. ﴿١٠٧﴾ (وفيما ذكر) التنفير من إخراج الحصى من المسجد. ومحله فى المساجد غير المفروشة. أما المفروشة فيطلب تنقيتها من الحصى ونحوه. لما يترتب على بقائه فيها من تعفيش المسجد وضرر المصِّلى بالسجود عليها. (قال) الشيخ منصور بن إدريس: ويكره فى المسجد الخوض والفضول من الكلام وحديث الدنيا والارتفاق بالمسجد، وإخراج حصاه وترابه للتبرك به وغيره، ولا يستعمل الناس حُصره وقناديله وسائر ما وقف لمصالحه فى مصالحهم كالأعراس والأعزية وغير ذلك لأنها لم توقف لذلك (٢). (وقال) وينبغى لمن أخذ شيئاً من المسجد مما يصان عنه ألاّ يلقيه فيه، لأنه بطلب خلو المسجد منه بخلاف حصاء ونحوها من أجزاء تراب المسجد وطينه، لأن استقباء ذلك فيه مطلوب (٣). (٢١) ويُمْنع الناس فى المساجد من اسْتِطراقِ حلَق الفقهاء والقرّاء

стр. 1171

صيانة لحرمتها (وفى) الحديث: لا حمِى إلا فى ثلاثة: البئر والفرَس وحلقة القوم. أخرجه القاضى عياض مرسلا بسند جيد. ﴿٣٩٩﴾ فأما حمى البئر فهو منتهى حريمها وأما طول الفرس فهو ما دار عليه برسَنه (١) إذا كان مربوطاً. وأما حلقة القوم فهو استدارتهم فى الجلوس للتشاور. (٢٢) ويكره لمن بالمسجد ينتظر الصلاة تشبيك أصابعه لما تقدم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان أحدكم فى المسجد فلا يشبكنّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال فى صلاة ما دام فى المسجد حتى يخرج منه (٢) " وأما " قول أبى هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتى العشىّ فصَّلى بنا ركعتين ثم سّلم فقام إلى خشبة معروضة فى المسجد فاتكأ عليها كأنه غَضْبَانُ، ووضع يده اليمنى على اليسرى ثم شبك بين أصابعه (الحديث) أخرجه البخارى (٣). ﴿٤٠٠﴾ " فيدل " على جواز التشبيك فى المسجد لمن لم ينتظر الصلاة (ولذا) قسموا التشبيك أقساماً (أحدها) إذا كان الإنسان فى الصلاة. ولا شك فى كراهته (ثانيها) إذا كان فى المسجد منتظراً الصلاة أو كان ذاهباً إلى المسجد للصلاة. والظاهر كراهته " لحديث " أبى سعيد السابق ولما تقدم عن كعبِ بن عُجْرة أن النبى ﷺ قال: إذا توضأ أحدُكم فأحسنَ وُضُوءَه ثم خرج عامداً إلى المسجد فلا يُشَبّكَنّ بيده فإنه فى صلاة (٤). (وحكمة) النهى عن التشبيك أنه من الشيطان، وأنه يجلب النوم وهو من

стр. 1172

مظان الحدث، وأن صورته تشبه صورة الاختلاف المنهى عنه بقوله ﷺ للمصلين: لا تختلفوا فتختلف قلوبكم (١) (ثالثها) أن يكون فى المسجد لا ينتظر صلاة. فلا يكره التشبيك، لحديث أبى هريرة السابق. (رابعها) أن يكون فى غير المسجد، فلا يكره بالأولى " ولحديث " أبى موسى أن النبى ﷺ قال: إن المؤمنَ للمؤمن كالبُنيان يشُدّ بعضُه بعضاً، وشبّك بين أصابعه. أخرجه البخارى (٢). ﴿٤٠١﴾ (قال) الحافظ: حديث أبى موسى دال على جواز التشبيك مطلقاً. وحديث أبى هريرة دال على جوازه فى المسجد فهو فى غيره أجوز (٣). (٣٣) ويكره تحريماً اتخاذ المسجد طريقاً لغير عذر. كأن لا يجد طريقاً غيره أو يكون إماماً بابه إلى المسجد " لقول " النبى ﷺ : لا يَبقينّ فى المسجد بابٌ إلا سُدّ إلا بابَ أبى بكر. أخرجه البخارى. (٤) ﴿٤٠٢﴾ (ولذا) قال الحنفيون: يَفسُق م اعتاد المرور فيه لغير عذر بلانية اعتكاف، بخلاف ما لو مرّ فيه مرة أو مرتين أو نوى الاعتكاف فلا يَفسُق. (قالت) المالكية: يكره كثرة المرور فيه إن كان بناؤه سابقاً على

стр. 1173

الطريق وإلا فلا كراهة. (قالت) الحنبلية: يكره اتخاذه طريقاً للطاهر والجنب. وكذا الحائض إن أمن تلويثه إلا لحاجة. ومنها كونه طريقاً قريباً. (وقالت) الشافعية: يجوز المرور فيه للطاهر مطلقاً وللجنب لحاجة وإلا كره كما يكره للحائض ولو لحاجة إن أمنت تلويث المسجد وإلا حرم. (التاسع) بدع المسجد المساجد بيوت الله تعالى فيلزم تطهيرها من أدران المحدثات والعوائد. وهى كثيرة تقدم بعضها كاتخاذ المحارب فيها وزخرفتها وتعدد الجماعة فيها. وهناك أربع عشرة بدعة أخرى: (١) كثرة المساجد فى البلد لغير حاجة اعلم أنه يجب بناء المساجد فى الأمصار والقرى وغيرها بحسب الحاجة، وهى أحب البقاع إلى الله تعالى. وأبغضها إلى الله الأسواق (ومن المحدث) كثرة المساجد فى الجهة الواحدة لغير حاجة، لما فيه من تفريق الجمع، وتشتيت شمل المصلين. وتعديد الكلمة وفوات حكمة مشروعية الجماعة. وهى اتحاد الكلمة وائتلاف القلوب والتعاون والتعاضد (قال) الشيخ منصور بن إدريس زيحرم أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد إلا لحاجة كضيق الأول وخوف فتنة باجتماعهم فى مسجد واحد (١). (٢) غلق المساجد - بنيت المساجد للطاعة فى كل وقت. والجلوس فيها مستحب للعبادة كاعتكاف وقراءة قرآن أو علم وسماع موعظة وانتظار صلاة (فالسنة) فتح المساجد فى كل الأوقات إلا لضرورة كما كان الحال فى عهد النبى ﷺ والخلفاء الراشدين والسلف الصالح (وأما غلقها) نهاراً فى غير أول الوقت فبدعة ممنوعة قد تؤدى إلى تضييع الصلاة، فإنه لا يتيسر لكل واحد الذهاب إلى المسجد أول الوقت

стр. 1174

وفى غلقها صدِّ عن سبيل الله وسعى فى خراب المساجد مما بنيت له قال تعالى تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا (١)﴾. (ومن التخريب) منع المصلين والمتعبدين من دخولها. وقد نشأ من ذلك بدعة أخرى مذمومة، وهى ما اعتاده خدمة المساجد من طرد المصلين أو طلاب العلم بعد صلاة العشاء. ومن كان فى صلاة ألجئوه إلى تخفيفها، وفى هذا تهويش على المتعبدين وصد عن طاعة الله (قال) ابن نجيم: وكره غلق باب المسجد لأنه يشبه المنع من الصلاة. وقيل لا بأس به إذا خيف على متاع المسجد (٢). (أما غلقها) لضرورة كخوف امتهانها وخشية ضياع شئ منها، فجائز إن لم تدع حاجة إلى فتحها كتعليم العلم أو وجود معتكف فيها يتأذى بغلقها، وإلا حرم إلا إن تيقن امتهانها أو ضياع شئ من أثاثها، فيجوز غلقها حينئذ، فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " قال " النووى: لا بأس بإغلاق المسجد فى غير وقت الصلاة لصيانته أو الحفظ آلاته، إذا خيف امتهانها وضياع ما فيها ولم يدع إلى فتحها حاجة. فأما إذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمتها وكان فى فتحها رفق بالناس فالسنة فتحها (٣) (وقال) الشيخ منصور بن إدريس: ويباح غلق أبوابه فى غير أوقات الصلاة، لئلا يدخله من يكره دخوله إليه كمجنون وسكران وطفل لا يميز (٤). (٣) ومن البدع الرقص والغناء واستعمال آلات الطرب على الوجه المحرم - قال السيوطى فى كتاب الأمر بالاتباع والنهى عن الابتداع: ومن ذلك (يعنى المحدثات) الرقص والغناء فى المساجد وضرب الدفّ أو الرَّباب وغيرهما من آلات الطرب، فمن فعل ذلك فى المسجد فهو مبتدع

стр. 1175

ضالّ مستحق للطرد والضرب، لأنه استخفف بما أمر الله بتعظيمه قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (١) أى يتلى فيها كتابه، وبيوت الله هى المساجد (وتقدم) عن ثوبان أن النبى ﷺ قال مَنْ رأيتموه ينشُد شِعْراً فى المسجد فقولوا فَضَّ الله فاك ثلاث مرات: ومن رأيتموه ينشُد ضالَّة فى المسجد فقولوا: لا وجدْتَها ثلاث مرات (الحديث (٢)). "فما أحق" هؤلاء المشدين للقصائد الملحونة والموشَّحات المحرفة بتلك الزعقات المؤلمة والصيحات الهائلة "بالدعاء" النبوى عليهم إذ الأمر فيه إن لم يكن للوجوب فللندب. وإذا كان من يرفع صوته لحاجة مهمة كضالة يتعرفها قد شرع الدعاء عليه، فما بالك برافعى أصواتهم لا لحاجة بل للضرر والتشويش (وتقدم) أن عرم بن الخطاب رضى الله عنه بنى إلى جانب المسجد رحَبة سماها البُطيحاء وقال: من أراد أن يلغَط أو ينشُد أو يفع صوتاً فْليخرجْ إلى هذه الرحبة (٣). (٤) ومن البدع وضع كرسى مرتفع فى المسجد يتلى عليه شئ من القرآن بصوت مرتفع يوم الجمعة وقبل إقامة الصلاة فى غيرها، فيحصل من التشويش على المصلين ما لا يمكن معه أداء الصلاة على وجهها. (قال) ابن الحاج فى المدخل ومن هذا الباب الكرسى الكبير يوضع فى الجامع مكى يقرأ القارئ عليه ولا ضرورة تدعو لذلك لوجهين. (الأول) أنه يشغل من المسجد موضعاً كبيراً وهو وقف على المصلين: (الثانى) أنهم يقرءون عند اجتماع الناس لانتظار الصلاة، فمنهم المصلى،

стр. 1176

ومنهم التالى ومنهم الذاكر ومنهم المفكر. فإذا قرأ القارئ إذ ذاك قطع عليهم ما هم فيه، وقد نهى النبى ﵊ عن رفع الصوت بالقراءة فى المسجد بقوله: لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. وهو نص فى عين المسألة (١). (٥) ومن البدع الاحتفال فى المسجد بالمولد وغيره - جرت العادة بالاحفال بالمولد وغيره فى المساجد. وهو أمر محدث قبيح لم يقع من السلف ولم يستحسنوه وفيه عدة مفاسد (منها) إضاعة الأموال بكثرة الوقود فى المساجد وإيقاد المصابيح فى الأضرحة، وهو من الإسراف والتبذير المنهى عنه (روى) المغيرة بن شعبة أن النبى ﷺ قال: إن الله كره لكم ثلاثاً قياَ وقالَ، وكثرةَ السؤال، وإضاعةَ المال. أخرجه الشيخان (٢). ﴿٤٠٣﴾ (وقال) النووى: من البدع المنكرة ما يفعل فى كثير من البلدان من إيقاد القناديل الكثيرة العظيمة السرف فى ليال معروفة من السنة كليلة نصف شعبان، فيحصل بسبب ذلك مفاسد كثيرة (منها) مضاهاة المحبوس فى الاعتناء بالنار والإكثار منها (ومنها) إضاعة المال فى غير وجهه (ومنها) ما يترتب على ذلك فى كثير من المساجد من اجتماع الصبيان وأهل البطالة ولعبهم ورفع أصواتهم وامتهانهم المساجد وانتهاك حرمتها وحصول أوساخ فيها وغير ذلك من المفاسد التى يجب صيانة المسجد من أفرادها (٣). (ومنها) قراءة القرآن على غير الوجه المشروع فيرجّعون فيه كترجيع الغناء، ولا يراعون فيه ما يجب له من الاستماع والإنصاف والاحترام. وهو مخالف لما وصف الله به المؤمنين عند سماع كلامه بقوله:

стр. 1177

﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (١). وقوله: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢). (ومنها) إقامة حلقات الذكر المحرَّف فى المسجد مع ارتفاع أصوات المنشدين والتصفيق الحادّ من رئيس الراقصين، وقد يضربون على البازة ونحوها أثناء الذكر وفى المسجد. وكل هذا ممنوع بإجماع العلماء ولم يكن فى عهد السلف الصالح (ومنها) اتخاذ قبور الأنبياء والأولياء عيداً وهو ممنوع " لحديث " أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تجعلوا قبرى عيداً، وصلوا علىَّ فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم". أخرجه أبو داود وأحمد بسند حسن (٣). ﴿٤٠٤﴾ " ولحديث " الحسين عن علىّ رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: " لا تجعلوا قبرى عيداً ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلوا علىِّ وسلموا حيثما كنتم فيبلغنى صلاتكم وسلامكم " أخرجه أبو يعلى والحكيم الترمذى (٤). ﴿٤٠٥﴾

стр. 1178

(وقد اتفقت) كلمة العلماء على إنكار ذلك (قال) السفارينى: قال الإمام ابن عقيل: أنا أبرأ إلى الله تعالى من جموع أهل زماننا فى المساجد والمشاهد ليالى يسمونها إحياء، لعمرى إنها لإحياء أهوائهم، وإيقاد شهواتهم. قال فى الآداب: وهذا فى زمانه الذى بيننا وبينه نحو ثلثمائة سنة. " وما يجرى " بالشام ومصر والعراق وغيرها من بلاد الإسلام فى المواسم من المنكرات فى زماننا " أضعاف " ما كان فى زمانه (قلت) وهذا الذى قاله ابن مفلح فى آدابه فى زمانه وهو قد توفى سنة ٧٦٣ ثلاث وستين وسبعمائة. فما بالك بعصرنا الذى هو فى المائة الثانية عشرة. وقد انطمست معالم الدين وطفئت إلا من بقايا حفظة الدين. فصارت السنة بدعة. والبدعة شرعة، والعبادة عادة والعادة عبادة. فعالهم عاكف على شهواته وحاكمهم متماد فى غفلاته وأميرهم لا حلم لديه ولا دين، وغنيهم لا رأفة عنده ولا رحمة، وفقيرهم متكبر " فلو رأيت " جموع صوفية زماننا وقد أوقدوا النيران، وأحضروا آلات المعازف بالدفوف المجلجة والطول، وقاموا على أقدامهم يرقصون ويتمايلون " لقضيتَ " بأنهم فرقة من بقية أصحاب السامرىّ وهم على عبادة عجلهم يعكفون " أو حضرتَ " مجمعاً وقد حضره العلماء بعمائهم الكبار والفراء المثمنة والهيئات المستحسنة، وقدموا قِصاب الدخان التى هى لجامات الشيطان وقد ابتدر ذو نغَمة ينشد من الأشعار المهيجة فوصف الخدود والنهود والقدود. وقد ارخى القوم رءوسهم ونكّسوها واستمعوا للنغمة واستأنسوها " لقلتَ " وهم لذلك مطرقون: ما هذه التماثيل التى أنتم لها عاكفون. فإنا لله وإنا إليه راجعون (١). (وقال) ابن حجر الهيثمى: الموالد والأذكار التى تفعل عندنا أكثرها مشتمل

стр. 1179

على خير كصدقة وذكر وصلاة وسلام على رسول الله ﷺ ومدحه، وعلى شرّبل شرور. ولو لم يكن فيها إلا رؤية النساء للرجال الأجانب لكفى. وبعضها ليس فيه شر لكنه قليل نادر (ولا شك) أن القسم الأول ممنوع للقاعدة المشهورة: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح فمن علم وقوع شئ من الشر فيما يفعله من ذلك فهو عاص آثم. وبفرض أنه عمل فى ذلك خيراً فربما خيرُه لا يساوى شره، ألا ترى أن الشارع ﷺ اكتفى من الخير بما تيسر، وفطَم عن جميع أنواع الشر حيث قال: فإذا أمرتكم بالشئ فخذوا به ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه (١). ﴿٤٠٦﴾ (والقسم) الثانى سنة تشمله الأحاديث الواردة فى الأذكار المخصوصة والعامة، كقوله ﷺ : لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرحمةُ ونزلتْ عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده. رواه مسلم (٢). وروى مسلم أيضاً أنه ﷺ قال لقوم جلسوا يذكرون الله تعالى ويحمَدنه على أن هداهم للإسلام: أتانى جبريل ﵊ فأخبرنى أن الله تعالى يُباهى بكم الملائكة (٣) (وقال) تقى الدين بن تيمية بعد أن بيّن بدع الموالد وما اشتملت عليه من المفاسد ما نصه: وكذلك ما يحدثه بعض

стр. 1180

الناس إما مضاهاة للنصارى فى ميلاد عيسى ﵇ وإما محبة للنبى ﷺ وتعظيماً له، والله يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد، لا على البدع من اتخاذ مولد النبى ﷺ وسد عيداً مع اختلاف النسا فى مولده. فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه لو كان خيراً. ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف رضى الله عنهم أحق به منها، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيماً له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه فى متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته باطناً وظاهراً ونشر ما بعث به والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان (١). (وقد شدّد) النكبرَ ابنُ الحاجِّ فى المدخل عى ما حدث فى مجامع قراءة المولد من النكرات وأطال فى بيان مفاسدها (٢). (وقد سئل) تقىّ الدين ابن تيمية فيمن يعمل كل سنة ختمة فى ليلة مولد النبى ﷺ : هل ذلك مستحب ام لا؟ فأجاب بعد الحمد له: جمعُ الناس للطعام فى العيدين وأيام التشريق سنة، وهو من شعائر الإسلام التى سنها رسول الله ﷺ للمسلمين. وإعانة الفقراء بالإطعام فى شهر رمضان هو من سنن الإسلام (فقد) قال النبى ﷺ : من فطر صائماً فله مثل أجره (٣). ﴿٤٠٨﴾ وإعطاء فقراء القرّاء ما يستعينون به على القرآن عمل صالح فى كل وقت، ومن أعانهم على ذلك كان شريكهم فى الأجر " وأما اتخاذ " موسم غير المواسم الشرعية لبعض ليالى شهر ربيع الأول التى يقال لها ليلة المولد. أو بعض ليالى رجب. أو ثامن عشر ذى الحجة أو أول جمعة من رجب،

стр. 1181

أو ثامن شوال الذى تسميه الجهال عيد الأبرار " فإنها " من البدع التى لم يستحينها السلف ولم يفعلوها (١). (وقال) الشيخ محمد بخيت فى كتابه " أحسن الكلام ": ما ليس بفرض من الطاعات إذا ترتب على فعله محرم أو مكروه تحريماً، وجب تركه تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح " والمحرمات " كاختلاط الرجال بالنساء وتحريف أسماء الله تعالى والرقص وشد الرحال إلى تلك البقاع والسفر إليها وإيقاد الشموع ونحوها " مما يدخل " تحت الإسراف والتبذير. وإحراق السواريخ والشنكات ونحو ذلك مما هو إضاعة للمال فى الباطل، خصوصاً إن كان ما يصرف على ذلك من أموال بيت المال، أو من الأموال الأوقاف. وآلات الملاهى والمغانى وما أشبه ذلك فكل ذلك محرم بلا شبهة. (ولذا أبطل) الأفضل بن أمير الجيوش الموالد التى كانت فى زمانه مع أن المخالفات التى كانت تقع فيها أقل بكثير من المخالفات التى تقع فى موالد زماننا كما هو مشاهد. فعلى شيخ الأزهر والسادة العلماء أن يبينوا لولاة الأمر ما فى عمل الموالد من المفاسد والمنكرات، ليأمروا بإبطالها ولا يسمحوا بإقامتها. وعلى كل مكلف البعد عن حضورها ومشاهدتها، وإلا وقع فى الندم والعطب " يو مينظر المرء ما قدمت يداه". (٦) ومن البدع المذمومة زيادة النور فى المساجد والمآذن ليلة أول جمعة من رجب، وليلة السابع والعشرين منه، وليلة نصف شعبان وليالى رمضان وليلتى العيد وغيرها من ليالى المواسم المحدثة فإنها إسراف وتبذير لم يكن فى زمن السلف الصالح (قال الإمام) أبو شامة نقلا عن الحافظ أبى الخطاب بن دحية " ومما أحدثه" المبتدعون وخرجوا به عما رسمه

стр. 1182

المتشرعون. وجَرَوْا فيه على سَنَن المحبوس، واتخذوا دينهم لهواً ولعباً "الوقيد" ليلة نصف من شعبان ولم يصح فيها شئ عن رسول الله ﷺ ، ولا نطق بالصلاة فيها والإيقاد "أحد" من الرواة وما أحدثه إلا متلاعب بالشريعة المحمدية، راغب فى دين المجوسية، لأن النار معبودُهم (وأول) ما حدث ذلك فى زمن البرامكة، فأدخلوا فى دين الإسلام ما يموهون به على الطِّغام، وهو جعلهم الإيقاد فى شعبان كأنه من سنن الإيمان ومقصودهم عبادة النيران وإقامة دينهم وهو أخسر الأديان حتى إذا صلى المسلمون وركعوا وسجدوا، كان ذلك إلى النار التى أوقدوها، ومضت على ذلك سنون وأعصار. هذا. مع ما يجتمع فى تلك الليلة من الرجال والنساء واختلاطهم. فالواجب على السلطان منعهم وعلى العالم ردعهم (١). (ثم قال) ولم يأت فى الشريعة استحباب زيادة الوقيد على قدر الحاجة فى موضع مّا أصلا. وما يفعله عوام الحجاج يوم عرفة بجبال عرفات وليلة النح بالمشعر الحرام، فهو من هذا القبيل يجب إنكاره لأنه بدعة منكرة خلاف الشريعة المطهرة (٢) (وقال) ملا على القارى: ولم يأت فى الشرع استحباب زيادة الوقيد على الحاجة فى موضع مّا (٣) وتقدم عن الإمام النووى بيان بعض المفاسد المترتبة على مثل هذه البدع (٤).

стр. 1183

(٧) ومما يقع فى المساجد من البدع المنكرة. (أ) صلاة الغائب، وهى صلاة ثنتى عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمع من رجب (ب) والصلاة الألفية، وهى صلاة مائة ركعة ليلة نصف شعبان يقرا فى كل ركعة بعد الفاتحة قل هو الله أحد عشر مرات. (وهما صلاتان) محدثتان لا أصل لهما فى الشريعة السمحة، ولا من فعل الصحابة ومن بعدهم (قال الإمام الجزرى) فى الحصن: وأما صلاة الرغائب أول خميس من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة ليلة القدر من رمضان، فلا تصح، وسندها موضوع باطل. (وقال النووى) الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهى اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة. وهاتان الصلاتان بدعتان منكرتان. ولا يغتر بذكرهما فى كتاب قوت القلوب وإحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل. ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات فى استحبابهما فإنه غالط فى ذلك. وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسى كتاباً نفسياً فى إبطالهما فأحسن فيه وأجاد (١) (وقال) فى موضع آخر: وليس لحد ان يستدل على مشروعيتهما بقوله ﷺ : الصلاة خير موضوع (٢) ﴿٤٠٩﴾ فإن ذلك يختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه (وقد صح) النهى عن الصلاة فى الأوقات المكروهة.

стр. 1184

(وقال) العز بن عبد السلام: لم يكن عندنا ببيت المقدس قط صلاة الرغائب هذه التى تصلى فى رجب ولا صلاة نصف شعبان فحدث فى سنة ٤٤٨ ثمان وأربعين وأربعمائة أن قدم عليهم رجل من نابلس يعرف بابن أبى الحمارء، وكان حسن التلاوة، فقام يصلى فى المسجد الأقصى ليلة النصف من شعبان فأحرم خلفه رجل ثم انضاف إليهما ثالث ورابع، فما ختمها إلا هم جماعة كثيرة. ثم جاء فى العام القابل فصلى معه خلق كثير وانتشرت فى المسجد الأقصى وبيوت الماس ومنازلهم. ثم استقرت كأنها سنة إلى يومنا هذا (١) (وقال) أبو شامة نقلا عن الإمام الطرشوشى: وأما صلاة رجب فلم تحدث عندنا ببيت المقدس إلا بعد سنة ثمانين وأربعمائة. وما كنا رأيناها لا سمعنا بها قبل ذلك ثم قال (وروى) ابن وضاح عن زيد بن أسلم قال: ما أدركنا أحداً من مشيختا ولا فقهائنا يلتفتون إلى ليلة النصف من شعبان، ولا يرون لها فضلا على سواها. وقيل لابن أبى مُليكة: إن زياداً النمرى يقول: عن أجر ليلة الصف من شعبان كأجر ليلة القدر فقال: لو سمعته وبيدى عصا لضربته. وكان زيادٌ قاصًّا. وانبأنا الحافظ أبو الخطاب بن دحية قال فى كتابه أداء ما وجب: وقد روى الناس الأغفال فى صلاة ليلة النف من شعبان أحاديث موضوعة وواحداً مقطوعاً وكلفوا عباد الله بالأحاديث الموضوعة فوق طاقتهم من صلاة مائة ركعة، فى كل ركعة الحمد لله مرة، وقل هو الله أحد عشر مرات فينصرفون وقد غلبهم النوم فتفوتهم صلاة الصبح التى ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال فيها: من صلى الصبح

стр. 1185

فهو فى ذمة الله (١). ﴿٤١٠﴾ (وقال) أبو الخطاب فى كتاب " ما جاء فى شهر شعبان " قال أهل التعديل والتجريح ليس فى ليلة النصف من شعبان حديث يصح. فتحفظوا عباد الله من مفتر يروى لكم حديثاً موضوعاً يسوقه فى معرض الخير، فاستعمال الخير ينبغى أن يكون مشروعاً من النبى ﷺ . فإذا صح أنه كذب خرج من المشروعية، وكان مستعمله من خدم الشيطان، لاستعماله حديثاً على رسول الله صلى اله عليه وسلم لم يُنزل الله به من سلطان (٢). (ثم قال) أبو شامة: قال الحافظ أبو الخطاب: أما صلاة الرغائب فالمتهم بوضعها علىّ بن عبد الله بن جهضم وضعها على رجال مجهولين لم يوجدوا فى جميع الكتب ومذلك عمل الحسين بن إبراهيم حديثاً موضوعاً على رجال مجهولين لا يعرفون وألصقه بأنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : من صلى ليلة النصف من شعبان ورجب أربع عشرة ركعة (الحديث) قال: وهو حديث، جمع من الكذب والزور غير قليل (٣).

стр. 1186

(قال) أبو شامة: وما ذكره هذا الحافظ فى أمر صلاتى رجب وشعبان هو كان سبب تبطيلهما فى بلاد مصر بأمر سلطانها الكامل محمد بن أبى بكر رحمه الله تعالى، فإنه كان مائلا إلى إظهار السنن وإمانة البدع (وقد وقعت) هذه المسألة فى الفتاوى بدمشق قبل سنة عشرين وستمائه. صورتها: ما تقول السادة الفقهاء الأئمة رضى الله عنهم فى الصلاة المدعوة بصلاة الرغائب؟ هل هى بدعة فى الجماعات؟ وهل ورد فيها حديث صحيح؟ (فأجاب) الحافظ الفقيه أبو عمرو بن الصلاح بما صورته: حديثها موضوع على رسول الله ﷺ ، وهى بدعة حدثت بعد أربعمائة من الهجرة، ظهرت بالشام وانتشرت فى سائر البلاد (ولا بأس) بأن يصليها الإنسان بناء على أن الإحياء فيما بين العشاءين مستحب كل ليلة. ولا بأس بالجماعة فى النوافل مطلقاً. أما أن تتخذ الجماعة فيها سنة وتتخذ هذه الصلاة من شعائر الدين الظاهرة، فهذه من البدع المنكرة، وما أسرع الناس إلى البدع. (ووقعت) هذه المسألة مرة ثانية صورتها: ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين فيمن ينكر على من يصلى لا فى ليلة الرغائب وليلة النصف من شعبان، ويقول: إن الزيت الذى يشعل فيها حرام وتفريط، ويقول إن ذلك بدعة. وما لهما فضل ولا ورد فى الحديث عن النبى ﷺ فيهما فضل ولا شرف؟ فهل هو على الصواب؟ أفتونا رضى الله عنكم (فأجاب) أيضاً: أما الصلاة المعروفة فى ليلة الرغائب فهى بدعة، وحديثها المروىّ موضوع. وما حدثت إلا بعد أربعمائة سنة من الهجرة، وليس لليلتها تفضيل على أشباهها من ليالى الجمع (وأما ليلة) النصف من شعبان فلها فضيلة وإحياؤها بالعبادة مستحب ولكن على الانفراد من غير جماعة، واتخاذ الناس لها ولليلة الرغائب موسماً وشعاراً بدعة منكرة. وما يزيدونه فيها على الحاجة والعادة من الوقيد ونحوه،

стр. 1187

فغير موافق للشريعة. (والألفية) التى تصلى فى ليلة النصف لا أصل لها ولا لأشباهها. ومن العجب حرصُ الناس على المبتدعَ فى هاتين الليلتين وتقصيرُهم فى المؤكدات الثابتة عن رسول الله ﷺ والله المستعان (١). (٨) ومما تقدم تعلم أن من المبدع المنكرة الاحتفال فى المساجد بإحياء هذه الليالى بالصلاة والدعاء وغيرهما، لأنه لم يكن فى عهد النبى ﷺ ولا فى عهد السلف الصالح، ولم يرد فيه حديث يعتمد عليه، ولما يترتب عليه من المفاسد وامتهان المساجد (قال) أبو شامة: قد أنكر الإمام الطرطوشى على أهل القيروان اجتماعهم ليلة الختم فى صلاة التراويح فى شهر رمضان ونصب المنابر، وبين أنه بدعة ومنكر، وان مالكاً ﵀ كرهه إن كان ذلك عل وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض يستمعون الذكر ولم تنتهك فيه شعائر الرحمن، فهذه البدعة التى كره مالك ﵀ " وأما إن كان " على الوجه الذى يجرى فى هذا الزمان من اختلاط الرجال والنساء ومضامَّة أجسامهم، ومزاحمة من فى قلبه مرض من أهل الريب، ومعانقة بعضهم لبعض كما حكى لنا أن رجلا وُجِد يطأ امرأة وهم وقوف فى زحام الناس وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما حال بنيهما إلا الثياب. وأمثال ذلك من الفسق واللغط " فهذا فسق " فيفسق الذى يكون سبباً لاجتماعهم (فإن قيل) أليس روى عبد الرزاق فى تفسير أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله (قلنا) هذا هو الحجة عليكم. فإنه كان يصلى فى بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر وتلفيق الخطب على رءوس الأشهاد فيخلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء

стр. 1188

وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر ويذهب بهاء الإسلام (١) (ثم قال) أبو شامة: وكل من حضر ليلة نصف شعبان يعلن " أنه يقع " فى تلك الليلة من الفسوق والمعاصى وكثرة اللغط والخطف والسرقة وتنجيس مواضع العبادات، وأنها تهان بيوت الله تعالى " أكثر" مما ذكره الإمام أبو بكر الطرطوشى فى ختم القرآن والله المستعان فكل ذلك سببه الاجتماع للتفرج على كثرة الوقيد. وكثرة الوقيد سببها تلك الصلاة المبتدعة المنكرة، وكل بدعة ضلالة (٢). (وقال) الحافظ الزبيدى: وقد توارث الخلف عن السلف فى إحياء هذه الليلة بصلات ست ركعات بعد صلاة المغرب كل ركعتين بتسليمه يقرا فى كل ركعة منها بالفاتحة مرة والإخلاص ست مرات، وبعد الفراغ من كل ركعتين يقرأ سورة يس مرة ويدعو بالدعاء المشهور ليلة النصف ويسأل الله تعالى البركة فى العمر، ثم فى الثانية البركة فى الرزق ثم فى الثالثة حسن الخاتمة. وذكروا أن من صلى هكذا بهذه الكيفية أعطى جميع ما يطلب. وهذه الصلاة مشهورة فى كتب المتأخرين من السادة الصوفية، ولم أر لها ولا لدعائها مستنداً صحيحاً فى السنة. ثم قال: وقد قال أصحابنا: إنه يكره الاجتماع على إحياء ليلة من هذه الليالى المذكورة فى المساجد وغيرها (وقال) التجم الغيطى فى صفة إحياء ليلة النصف من شعبان بجماعة: إنه قد أنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز منهم عطاء وابن أبى مُليكة وفقهاء أهل المدينة واصحاب مالك وقالوا ذلك كله بدعة، ولم يثبت فى قيامها جماعة شئ عن النبى ﷺ ولا عن أصحابه (٣).

стр. 1189

(وأما الدعاء) المشهور ليلة نصف شعبان فلم يثبت. والاجتماع له بدعة ونسبته إلى بعض الصحابة غير صحيح. وإنما هو من اختراع بعض المشايخ (قال) العلامة أحمد الشرجى اليمنى فى كتاب الفوائد فى الصِّلات والعوائد فى بحث " ما يدعى به ليلة النصف من شعبان " من ذلك ما وجد بخط الفقيه أبى بكر بن أحمد دعير قال: أملى علىّ الخ الفقيه عبد الله بن أسد اليافعى فى طريق مدينة الرسول صلى الله علهي وسلم سنه ٧٣٣ ثلاث وثلاثين وسبعمائة هذا الدعاء وهو: اللهم ياذا المن الخ. (قال) بعضهم: أولى ما يدعى به فيها: إلهى بالتجلى الأعظم فى ليلة النصف من شهر شعبان المعظم الخ. فجمع الناس بينهما وروّجوه. وقد يشترطون لقبوله قراءة يس وصلاة ركعتين قبله يكررون القراءة والصلاة والدعاء ثلاث مرات: يصلون المرة الأولى بنية طول العمر، والثانية بنية دفع البلايا، والثالثة بنية الاستغناء عن الناس، ويعتقدون أن هذا العمل من الشعائر الدينية، ومن مزايا هذه الليلة حتى اهتموا به أكثر من اهتمامهم بالواجبات، فهم يسارعون إلى المساجد قبيل الغروب من هذه الليلة. وفيهم تاركو الصلاة ومرتكبو الموبقات معتقدين أنه يجبر كل تقصير سابق، وانه يطيل العمر ويتشاءمون من فوته، لهذا ينبغى تركه وعدم الاهتمام به، سيما وأنه يفهم منه أن ليلة النصف هى الليلة المباركة التى يفرق فيها كل أمر حكيم. وهو مخالف لصريح القرآن، لأن الليلة المباركة المذكورة فى قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ المُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (١) هى ليلة القدر، لا ليلة النصف من شعبان.

стр. 1190

(قال) ابن كثير: يقول تعالى مخبراً عن القرآن العظيم: " إنَّا أَنزَلْناُه فِى ليْلَةٍ مُبَارَكَةٍ " وهى ليلة لاقدر كما قال ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ وكان ذلك فى شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ (١)﴾ ومن قال إنها ليلة النصف من شعبان كما رُوى عن عكرمة، فقد أبعد النجعة فإن نص القرآن أنها فى رمضان " والحديث " الذى رواه عثمان بت محمد بن المغيرة بن الأخنث قال: إن رسول الله ﷺ قال: تُقطع الآجالُ من شعبانَ إلى شعبانَ، حتى إن الرجل ليَنْكح ويوُلد له ود أخرْجَ اسمه فى الموتى " فهو" حديث مرسل ومثله لا يعارض النصوص (٢). ﴿٤١١﴾ (وقال) العلامة الأوسى (إنا أنزلناه) أى الكتاب المبين الذى هو القرآن على القول المعول عليه (فى ليلة مباركة) هى ليلة القدر على ما روى عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد والحسن. وعليه أكثر المفسرين. والظاهر معهم (٣)? (وقال) وعن عكرمة أن ليلة القدر هى ليلة النصف من شعبان. وهو قول شاذ غريب. وظاهر ما هنا مع ظاهر قوله تعالى " شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن " يرده (٤)? (وقال) أبو بكر بن العربى: جمهور العلماء على أنها ليلة القدر. ومنهم من قال إنها ليلة النصف من شعبان وهو باطل، لأن الله تعالى قال فى كتابه الصادق القاطع " شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن " فنص على أن ميقات نزوله رمضان ثم عبر عن زمنية الليل هنا بقوله: فى ليلة مباركة (٥)? أى أن ابتداء نزوله على النبى ﷺ كان فى رمضان فى تلك الليلة المباركة التى سماها الله ليلة القدر (وظاهر)

стр. 1191

القرآن أيضاً أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم، هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان (وظاهره) أيضاً أن المحو والإثبات فى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١)? ليس المراد به محو الشقاوة والحرمان، وإقتار الرزق وإثبات ضدها، وإنما المراد المحو والإثبات فى الشرائع بالنسخ والتبديل، فإنه الذى يقتضيه سياق الكلام (٢)

стр. 1192

(وقال) العلامة الخطيب: واختلف فى قوله تعالى " فى ليلة مباركة " فقال قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين: هى ليلة القدر، وقال عكرمة، وطائفة: إنها ليلة البراءة، وهى ليلة النصف من شعبان. واحتج الأولون بوجوه. (الأول) قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ فقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ مُبَارَكَةٍ﴾ يجب أن تكون هى تلك الليلة المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض. (ثانيها) قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فيهِ الْقُرآنُ﴾ فقوله تعالى ها هنا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ مُبَارَكَةٍ﴾ يجب أن تكون هذه الليلة المباركة فى رمضان فثبت أنها ليلة القدر. (ثالثها) قوله تعالى فى صفة ليلة القدر ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ وقال تعالى ها هنا ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وقال ها هنا ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ وقال تعالى فى ليلة القدر: ﴿سَلامٌ هِىَ﴾ وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هى الأخرى. (رابعها) نقل محمد بن جرير الطبرى فى تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لثنتى عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان والليلة المباركة هى ليلة القدر. ﴿١٠٧﴾ (خامسها) أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان، لأن الزمان

стр. 1193

شئ واحد فى الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم. (ومن المعلوم) أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا. وأعظم الأشياء وأشرفها شعباً فى الدين هو القرآن، لأنه ثبت به نبوّة محمد ﷺ : وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل، كما قال تعالى فى صفته: " وَمُهيْمِناً عَليْهِ " وبه ظهرت درجات أرباب السعادات. ودركات أرباب الشقاوات. فعلى هذا لا شئ إلا والقرآن أعظُم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً " منه ". وحيث أطبقوا أن ليلة القدر هى التى وقعت فى رمضان، علمنا أن القرآن إنما أنزل فى تلك الليلة (وهذه) أدلة ظاهرة واضحة (واحتج) الآخرون بأنها مختصة بأربع خصال: (الأولى) فضل العبادة فيها. روى الزمخشرى أنه ﷺ قلا: من صلى فى هذه الليلة مائةَ ركعة أرسل الله إليه مائة ملك: ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمِّنُونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان. ﴿٤١٢﴾ (الثانية) نزول الرحمة. قال ﷺ : إن الله يرحم من أمتى فى هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب. ﴿٤١٣﴾ (الثالثة) حصول المغفرة فيها. قال ﷺ : إن الله يغفر لجميع المسلمين فى تلك الليلة غلا الكاهنَ والساحرَ ومُدْمن الخمر وعاقّ والديه والمصرّ على الزنا. ﴿٤١٤﴾ (الرابعة) أنه تعالى أعطى رسول الله ﷺ فى هذه الليلة تمام الشفاعة فى أمته (قال) الزمخشرى: وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان الشفاعة فى أمته فأعطى الثلث منها. ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين. ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد عن

стр. 1194

الله شرود البعير (١)? (ومما ورد) فى ليلة النصف حديث على أن النبى ﷺ قال: إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصموا نهارها (الحديث) أخرجه ابن ماجه وابن حبان (٢). ﴿٤١٥﴾ (وأجاب) الأولون بأنها أحاديث ضعيفة لا يعارَضُ بها ظاهرُ القرآن (فالحديث) الأول ذكره صاحب الفردوس من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو الفتح سليم بن أيوب فى الترغيب عن علىّ موقوفاً (٣) وعلامة الوضع عليه لائحة (والحديث) الثانى أخرجه ابن ماجه والترمذى من حديث عائشة مرفوعاً: إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بنى كلب (قال) الترمذى: لا نعرفه إلا من حديث الحجاج. وسمعت محمداً (يعنى البخارى) يضعفه وقال: يحى بن أبى كثير لم يسمع من عروة. والحجاج لم يسمع من يحيى (٤)? فالحديث منقطع فى موضعين بين الحجاج ويحيى وبين يحيى وعروة. وأيضاً فإن الحجاج بن أرطاة ليس بحجة (قال) الحافظ: وفى الباب عن أنس عن عائشة فى الدعواتن للبيهقى، وفى روايته مجاهيل (٥).

стр. 1195

(والحديث) الثالث قال الحافظ: لم أجده هكذا. وفى ابن حبان من حديث معاذ بن جبل قال: يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن. وفى ابن ماجه من حديث أبى موسى كذلك، والبزار من حديث أبى بكر، وفى إسناده ضعف. أخرجه البزار أيضاً من حديث عوف بن مالك، وفيه ابن لهيعة (١). (والحديث) الرابع لم يعرف مُخَرِّحهِ. (والحديث) الخامس ضعيف جداً فى سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة. ضعفه البخارى وغيره قال ابن معين وأحمد: إنه يضع الحديث، وقال النسائى متروك (٢). (وعلى الجملة) فكل الأحاديث الواردة فى ليلة النصف من شعبان دائر أمرها بين الوضع والضعف (قال) أبو بكر بن العربى: ليس فى ليلة النصف من شعبان حديث يعول لعيه، لا فى فضلها ولا فى نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليه (٣) (ونقل) أبو شامة عنه قال: ليس فى ليلة النصف من شعبان حديث يساوى سماعه " وقولهم " الحديث الضعيف يعمل به فى فضائل الأعمال " محله " إن لم يشتد ضعفه كما هنا. على أننا لا ننكر استحباب إحيائها بالطاعة مغيرها من باقى الليالى على الوجه المشروع بلا ارتكاب محذور أهـ (وقال) أبو شامة: قيام الليل مستحب فى جميع ليالى السنة وهذه بعض الليالى التى كان يصلى فيها ويحييها النبى ﷺ وإنما المحذور المنكر تخصيص بعض الليالى بصلاة مخصوصة على صفة مخصوصة أهـ. (ومن هذا) القبيل دعاء ليلتى أول السنة وآخرها والاجتماع له فى بعض
следующие страницы →