القرآن أيضاً أن الليلة التى يفرق فيها كل أمر حكيم، هى ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان (وظاهره) أيضاً أن المحو والإثبات فى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (١)? ليس المراد به محو الشقاوة والحرمان، وإقتار الرزق وإثبات ضدها، وإنما المراد المحو والإثبات فى الشرائع بالنسخ والتبديل، فإنه الذى يقتضيه سياق الكلام (٢)
стр. 1192
(وقال) العلامة الخطيب: واختلف فى قوله تعالى " فى ليلة مباركة " فقال قتادة وابن زيد وأكثر المفسرين: هى ليلة القدر، وقال عكرمة، وطائفة: إنها ليلة البراءة، وهى ليلة النصف من شعبان. واحتج الأولون بوجوه.
(الأول) قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ فقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ مُبَارَكَةٍ﴾ يجب أن تكون هى تلك الليلة المسماة بليلة القدر، لئلا يلزم التناقض.
(ثانيها) قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِى أُنزِلَ فيهِ الْقُرآنُ﴾ فقوله تعالى ها هنا: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ مُبَارَكَةٍ﴾ يجب أن تكون هذه الليلة المباركة فى رمضان فثبت أنها ليلة القدر.
(ثالثها) قوله تعالى فى صفة ليلة القدر ﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ وقال تعالى ها هنا ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ وقال ها هنا ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ وقال تعالى فى ليلة القدر: ﴿سَلامٌ هِىَ﴾ وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأن إحدى الليلتين هى الأخرى.
(رابعها) نقل محمد بن جرير الطبرى فى تفسيره عن قتادة أنه قال: نزلت صحف إبراهيم فى أول ليلة من رمضان، والتوراة لست ليال منه، والزبور لثنتى عشرة ليلة مضت منه، والقرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان والليلة المباركة هى ليلة القدر. ﴿١٠٧﴾
(خامسها) أن ليلة القدر إنما سميت بهذا الاسم، لأن قدرها وشرفها عند الله عظيم ومعلوم أن قدرها وشرفها ليس بسبب نفس الزمان، لأن الزمان
стр. 1193
شئ واحد فى الذات والصفات فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته فثبت أن شرفه وقدره بسبب أنه حصل فيه أمور شريفة لها قدر عظيم.
(ومن المعلوم) أن منصب الدين أعظم من مناصب الدنيا. وأعظم الأشياء وأشرفها شعباً فى الدين هو القرآن، لأنه ثبت به نبوّة محمد ﷺ : وبه ظهر الفرق بين الحق والباطل، كما قال تعالى فى صفته: " وَمُهيْمِناً عَليْهِ " وبه ظهرت درجات أرباب السعادات. ودركات أرباب الشقاوات. فعلى هذا لا شئ إلا والقرآن أعظُم قدراً وأعلى ذكراً وأعظم منصباً " منه ". وحيث أطبقوا أن ليلة القدر هى التى وقعت فى رمضان، علمنا أن القرآن إنما أنزل فى تلك الليلة (وهذه) أدلة ظاهرة واضحة (واحتج) الآخرون بأنها مختصة بأربع خصال:
(الأولى) فضل العبادة فيها. روى الزمخشرى أنه ﷺ قلا: من صلى فى هذه الليلة مائةَ ركعة أرسل الله إليه مائة ملك: ثلاثون يبشرونه بالجنة، وثلاثون يؤمِّنُونه من عذاب النار، وثلاثون يدفعون عنه آفات الدنيا، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان. ﴿٤١٢﴾
(الثانية) نزول الرحمة. قال ﷺ : إن الله يرحم من أمتى فى هذه الليلة بعدد شعر أغنام بنى كلب. ﴿٤١٣﴾
(الثالثة) حصول المغفرة فيها. قال ﷺ : إن الله يغفر لجميع المسلمين فى تلك الليلة غلا الكاهنَ والساحرَ ومُدْمن الخمر وعاقّ والديه والمصرّ على الزنا. ﴿٤١٤﴾
(الرابعة) أنه تعالى أعطى رسول الله ﷺ فى هذه الليلة تمام الشفاعة فى أمته (قال) الزمخشرى: وذلك أنه سأل ليلة الثالث عشر من شعبان الشفاعة فى أمته فأعطى الثلث منها. ثم سأل ليلة الرابع عشر فأعطى الثلثين. ثم سأل ليلة الخامس عشر فأعطى الجميع إلا من شرد عن
стр. 1194
الله شرود البعير (١)? (ومما ورد) فى ليلة النصف حديث على أن النبى ﷺ قال: إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصموا نهارها (الحديث) أخرجه ابن ماجه وابن حبان (٢). ﴿٤١٥﴾
(وأجاب) الأولون بأنها أحاديث ضعيفة لا يعارَضُ بها ظاهرُ القرآن (فالحديث) الأول ذكره صاحب الفردوس من حديث ابن عمر. وأخرجه أبو الفتح سليم بن أيوب فى الترغيب عن علىّ موقوفاً (٣) وعلامة الوضع عليه لائحة (والحديث) الثانى أخرجه ابن ماجه والترمذى من حديث عائشة مرفوعاً: إن الله ينزل ليلة النصف من شعبان إلى سماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم بنى كلب (قال) الترمذى: لا نعرفه إلا من حديث الحجاج. وسمعت محمداً (يعنى البخارى) يضعفه وقال: يحى بن أبى كثير لم يسمع من عروة. والحجاج لم يسمع من يحيى (٤)? فالحديث منقطع فى موضعين بين الحجاج ويحيى وبين يحيى وعروة. وأيضاً فإن الحجاج بن أرطاة ليس بحجة (قال) الحافظ: وفى الباب عن أنس عن عائشة فى الدعواتن للبيهقى، وفى روايته مجاهيل (٥).
стр. 1195
(والحديث) الثالث قال الحافظ: لم أجده هكذا. وفى ابن حبان من حديث معاذ بن جبل قال: يطلع الله إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن. وفى ابن ماجه من حديث أبى موسى كذلك، والبزار من حديث أبى بكر، وفى إسناده ضعف. أخرجه البزار أيضاً من حديث عوف بن مالك، وفيه ابن لهيعة (١).
(والحديث) الرابع لم يعرف مُخَرِّحهِ. (والحديث) الخامس ضعيف جداً فى سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبى سبرة. ضعفه البخارى وغيره قال ابن معين وأحمد: إنه يضع الحديث، وقال النسائى متروك (٢).
(وعلى الجملة) فكل الأحاديث الواردة فى ليلة النصف من شعبان دائر أمرها بين الوضع والضعف (قال) أبو بكر بن العربى: ليس فى ليلة النصف من شعبان حديث يعول لعيه، لا فى فضلها ولا فى نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليه (٣) (ونقل) أبو شامة عنه قال: ليس فى ليلة النصف من شعبان حديث يساوى سماعه " وقولهم " الحديث الضعيف يعمل به فى فضائل الأعمال " محله " إن لم يشتد ضعفه كما هنا. على أننا لا ننكر استحباب إحيائها بالطاعة مغيرها من باقى الليالى على الوجه المشروع بلا ارتكاب محذور أهـ (وقال) أبو شامة: قيام الليل مستحب فى جميع ليالى السنة وهذه بعض الليالى التى كان يصلى فيها ويحييها النبى ﷺ وإنما المحذور المنكر تخصيص بعض الليالى بصلاة مخصوصة على صفة مخصوصة أهـ.
(ومن هذا) القبيل دعاء ليلتى أول السنة وآخرها والاجتماع له فى بعض
стр. 1196
المساجد وهو دعاء مخترع لم ينقل عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه ولا عن التابعين، ولم يرو حتى فى كتب الموضوعات.
(ومن الفرية) على الله ورسوله قول مخترعه: إن من قرأه يقول الشيطان: قد تعبنا منه طول السنة فأفسد عملنا فى ساعة. والأغرب تلقى بعض المتعلمين له بالقبول وإقرارهم إياه بدعوى أنه دعاء وهو خير. وغفلوا عما قاله أبو الخطاب بن دحية: إن استعمال الخير ينبغى أن يكون مشروعاً من النبى صلى الله عليه وعل آله وسلم فإذا علمنا أنه كذب خرج من المشروعية. وتمامه فى كتاب الباعث.
(٩) ومن البدع المنكرة التبرير الذى يفعله بعض المؤذنين. وهو تلاوتهم على المآذن ونحوها بصوت مرتفع عند موت عالم: قوله تعالى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ (١) (الآيات) ويجتمع عدد منهم فيقرءون هذه الآيات بصوت واحد مع التنازع والتناوب. وقراءة القرآن على هذا الوجه بدعة محدثة منكرة، خالية من الخشوع والتدبر المطلوبين من قارئ القرآن. وفيها تلحين القراءة كتلحين الغناء المؤدى إلى التمطيط الفاحش وإخراج الحروف عن أوضاعها، والنقص والزيادة فى القرآن وهو حرام بالإجماع. وإن لم يؤد إلى هذا فهو مكروه، لما تقدم، ولأنه إن قصد منه الإعلام بموت عالم فهو من النعى المنهى عنه، على أن القرآن لم ينزل للإعلام بموت العلماء، وغن كان القصد منه الإخبار بأن هذا الميت من الأبرار فلم اتخذ شعاراً خاصاً بالعلماء؟ . (وعلى الجملة) فنعى الميت فى المآذن والنداء للصلاة عليه بخلاف السنة (قال) حذيفة: إذا مت فلا تؤذنوا بى أحداً فإنى أخاف أن يكون نعياً وإنى سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن
стр. 1197
النعى. أخرجه الترمذى وحسنه وابن ماجه (١) ﴿٤١٦﴾
(وقال) ابن الحاج: قال القاضى ابن رشد فى البيان والتحصيل: أما النداء بالجنائز داخل المسجد فلا ينبغى ولا يجوز باتفاق، لكراهة رفع الصوت فى المسجد. وأما النداء بها على أبواب المسجد فكرهه مالك ورآه من النعى المنهى عنه (والنعى) أن ينادى فى الناس: ألآ إن فلاناً قد مات فاشهدوا جنازته. وأما الإعلام بها من غير نداء فجائز بالإجماع (٢).
(١٠) ومن البدع المنكرة رثاء الميت فى المسجد وتعديد محاسنه قبل الصلاة عليه وبعدها، وقد يكون عند القبر، فإنه إن خلا من الكذب والتغالى فى المدح، ففيه رفع الصوت فى المسجد لما لم يعدّله. وفيه ترك سنة التعجيل بالدفن. وإن اشتمل على الكذب والتغالى فى المدح والمبالغة فى تعداد محاسن الميت على وجه يثير الحزن والجزع كان من النياحة المحرمة (قال) ابن الحاج وينهى الإمام المؤذنين عما أحدثوه من النداء على الميت بالألفاظ التى فيها التزكية والتعظيم. لأن النبىّ ﷺ قال: لا تزكوا على الله أحداً (٣) والميت مضطر إلى الدعاء. والتزكية ضد ما هو مضطر إليه، فقد تكون سبباً لعذابه أو توبيخه فيقال له أهكذا كنت؟ (٤) (وفى فتاوى) ابن حجر: إن المرائى التى " تبعث " على النوح وتجديد الحزن كما يصنع الشعراء فى عظماء الدنيا " وتنشد " فى المحافل عقب الموت فهى نياحة محرمة بلا شك. و (قال) ابن عبد السلام: بعض المراثى حرام كالنوح لما فيه من التبرم بالقضاء (وقال) الشيخ تقى الدين: وما هيَّج المصيبة من وعظ أو إنشاد شعر فمن النياحة (٥) نقله فى كشاف القناع.
стр. 1198
(١١) ومن البدع المنكرة الاجتماع فى المسجد للدعاء برفع الوباء، فإنه بدعة حدثت سنة ٧٤٩ تسع وأربعين وسبعمائة كما قال ابن حجر.
(وقال) السيوطى: إن ذلك بدعة لا أصل لها، لأنه لم يثبت عن النبى ﷺ الدعاء برفعه ولا عن أصحابه بل ثبت أنه ﷺ دعا بالوباء وطلبه لأمته (وعن) مَعْمر بن قتادة أن أبا بكر كان إذا بعث جيوشاً إلى الشام قال: اللهم ازرقهم الشهادة طعناً وطاعوناً. أخرجه عبد الرزاق ﴿١٠٨﴾ (وقد وقع) الطاعون فى عهد عمر والصحابة متوافرون فلم ينقل عن أحد منهم أنه دعا برفع الوباء ولا أمر به، كما ورد أنهم دعوا برفع القحط. وكذلك وقع الطاعون عدة مرات فى القرن الأول والقرون الثلاثة بعده فلم ينقل عن أحد من خيار الأمة وهم كثيرون أنه فعل ذلك ولا أمر به (وقال) بعض الحنابلة: لا يقنت للطاعون، لأنه لم يثبت عن السلف. (وقال) التيمى: يكره الدعاء برفعه لأن معاذ امتنع عن ذلك واعتل بكونه شهادة ورحمة ودعوة نبينا ﷺ به لأمته (ومال) ابن حجر إلى مشروعية الدعاء برفعه فرادى، ومنع الاجتماع له. أفاده العلامة القاسمى فى إصلاح المساجد، (ومن هذا) القبيل أنه إذا ألم بالبلاد نازلة مهمة كوباء أو حرب أو قحط اجتمع العلماء والأعيان فى الجامع الأزهر ونحوه ويوزعون أجزاء البخارى على الحاضرين لقراءته زاعمين أنه يرفع ما حل بالبلاد من
стр. 1199
وباء غيره. وقد ينتدب بعض الشيوخ لقراءته فى عدة أيام ثم يختم فى اجتماع حافل لمرض والى ابلد أو عظيم عظمائها مجاناً أو بجائزة. وقد يستأجر من يقرأه لخلاص وجيه من سجن أو شفائه من مرض. وهذا لا أصل له ولا دليل يدل عليه ولم يثبت عن أحد من السلف الصالح أنه فعله أو أمر به (وقد أنكر) هذا العمل - الذى لا يشهد له نقفل ولا يقبله عقل - كثير من العلماء.
وكتب بعضهم فى إحدى المجلات ف جمادى الثانية سنة ١٣٢٠ الهجرية وتحت عنوان: (بماذا دفع العلماء نازلة الوباء) منتقداً هذه الحالة بما شفى صدور الناقمين على البدع. وهناك ملخصها:
دفعوها يوم الأحد الماضى بقراءة متن البخارى موزعاً كراريس على العلماء جرياً على عادتهم من إعداد هذا المتن أو السلاح الحبرى لكشف الخطوب، وتفريج الكروب، فهو يقوم عندهم فى الحرب مقام المدفع والصارم وفى الحريق مقام المضخة والماء. وفى الهيضة (١) مقام الحيطة الصحية وعقاقير الأبطاء. وفى البيوت مقام الخفراء والشرطة " ولما كان " العلماء أهل الذكر والله يقول " فاسْئلوا أهْلَ الذِّكر إن كنتْم لا تَعْلمُون " " قد جئت " أسألهم بلسان كثير من المسترشدين عن مأخذ هذا الدواء من كتاب الله أو صحيح سنه رسوله، أو رأى مستدل عليه لأحد المجتهدين إن كانوا أتوا هذا العمل على أنه أمر دينى، وإلا فعن أىّ الأطباء تلقوه؟ وإذا كان هذا السر العجيب جاء من جهة أن المقروء حديث نبوى، فلم خص بهذه المزية صحيح البخارى؟ ولم لم يكف فى هذا الموطأ مالك أو غيره من كتب السنة؟ وإذا جروا على أن الأمر من رواء الأسباب فلم لا يقرءونه لدفع ألم الجوع وغيره؟ كما يقرأ لإزالة المغص أو الإسهال. فإن لم يستطيعوا عزو هذا الدواء
стр. 1200
إلى حذاق الأطباء، سألت الملم منهم بالتاريخ أن يرشدنا إلى من سن هذه السنة فى الإسلام.
وهل قرئ البخارى لدفع الوباء قبل هذه المرة؟ فإنا نعلم أنه قرئ للعرابيين فى واقعة التل الكبير، فلم يلبثوا أن فشلوا ومزقوا شر ممزق، فإن لم يجيبوا عن هذه المسألة إجابة شافية، خشيت كما يخشى العقلاء أن يحمل عليهم أهل الأقلام حملة تسقط الثقة بهم حتى من نفس العامة " ولولا " وقوف أهل الفكر م المسلمين على أن هذا العمل ليس من الدين، ، وأن القرآن يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١) " لضلوا " وأضلوا. وقد جرأ هذا الأمر غير المسلمين على الخوص فى الدين الإسلامى وإقامة الحجة على المسلمين من عمل علمائهم. فلا حول ولا قوة إلا بالله. وإنى لا أزال ألح فى طلب الجواب الشافى عن أصل دفع الوباء بقراءة الحديث، وعن منح متن البخارى مزية لم يمنحها كتاب الله الذى نعتقد أنه متعبد بتلاوته. (أقول) لو أن هذا الكاتب الفاضل وقف على ما نقلناه أول البحث عن السيوطى وغيره: أن الدعاء برفع الطاعون والاجتماع له بدعة محدثة، لعرف الجواب وكفاه.
(١٢) ومنها اتخذا المنبر العالى - يسن اتخاذ منبر للخطبة، لأنه أبلغ فى إسماع الناس. ومشاهدتهم للخطيب " ولقول " سهل بن سعد الساعدى: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: انظرى غلامك النجار يعمل لى أعواداً أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاث درجات فهى من طرفاء الغابة (الحديث) أخرجه مسلم (٢). ﴿٤١٧﴾
стр. 1201
" ولقول " أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعةُ يسند ظهره على خشبة فلما كثر الناس قال: ابنوا لى منبراً. أراد أن يسمِعهم. فبنَوا له عتَبتين فتحوَّل من الخشبة إلى المِنبر فسُمِعَت الخشبةُ تَحِنُّ حنين الوالد فما زالت تحن حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر فمشى إليها فاحْتضنها فسَكنتْ. أخرجه أحمد (١). ﴿٤١٨﴾
" ولقول " ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبرَ فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حَنّ فأتاه فاحتضنه فسكن قال: ولو لم أحْتضِنه لحَنّ إلى يوم القيامة. أخرجه أحمد (٢). ﴿٤١٩﴾
" ولقول " باقوم الرومى: صنعت لرسول الله ﷺ منبراً من طَرفاء، له ثلاثُ درجات المقعَدةَ ودَرجتان. أخرجه ابن عبد البر (٣). ﴿١٠٩﴾
(وكان) ارتفاع المنبر ذراعين، وامتداده مما يلى القبلة إلى الجهة المقابلة لها ذراعين وكان عرضه ذراعاً، وارتفاع كل درجة نصف ذراع، وارتفاع المقعدة ذراعاً وسطحها ذراعاً فى ذراع (وكان) له رماتنان فى جانبى المقعدة مان يقبضهما ﷺ بيديه إذا جلس، وارتفاع كل واحدة نصف ذراع (وكان) به خمسة أعواد من جوانبه: ثلاثة خلف الظهر كان ﷺ يستند إليها، طولُ كلٌ ذراع، وفى كلْ جانب عود (وكان) فيه سبع كوُى: واحدة من خلف، وثلاثة فى الجانب الأيمن، ومثلها فى الجانب الأيسر. (ولم يزل) المنبر ثلاث درجات حتى زاده مروان
стр. 1202
فى خلافة معاوية ست درجات من أسفله (قال) حُميد بنُ عبد الرحمن بن عوف: بعث معاوية إلى مروان وهو عامله بالمدينة أن يحمل النبر إليه، فأمر به فقلع فأظلمت المدينة فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرنى أمير المؤمنين أن أرفعه فدعا نجاراً وكان ثلاث درجات فزاد فيه الزيادة التى هو عليها اليوم. ذكره الزبير بن بكار فى أخبار المدينة. ورواه من وجه آخر وفيه: فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم. قال: وزاد فيه ست درجات وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس.
(واستمر) المنبر على ذلك إلى أن احترق مع المسجد سنة ٦٥٤ أربع وخمسين وستمائة. ثم جدده المظفر صاحب اليمن سنة ٦٥٦ ست وخمسين وستمائة. ثم أرسل الظاهر بيبرس منبراُ آخر سنة ٦٧٦ ست وسبعين وستمائة فوضع بدل منبر المظفر. وفى سنة ٨٢٠ عشرين وثمانمائة أرسل الملك المؤيد منبراً جديداً. ذكره ابن النجار. (ومما تقدم) تعلم أن علو المنبر وزيادته عن ثلاث درجات محدث. (قال) ابن الحاج: ومن هذا الباب - أعنى إمساك مواضع فى المسجد وتقطيع الصفوف بها - اتخاذ هذا المنبر العالى فإنه أخذ من المسجد جزءاً جيداً وهو وقف على صلاة المسلمين، وكفى به أنه لم يكن من فعل النبى ﷺ ولا من فعل الخلفاء بعده فهو من جملة ما أحدث فى المساجد. وفيه تقطيع الصفوف ومنبر السنة غير هذا كله. كان ثلاث درجات لا غير، والثلاث درجات لا تشغل مواضع المصلين (فإن قيل) بل تشغل ولو موضعَ واحدٍ (فالجواب) أن هذا مستثنى بفعل صاحب الشرع ﷺ وهو أكمل الحالات. وما عداه بدعة لا ضرورة تدعو إليه.
(فإن قيل) قد كثر الناس واتسع الجامع، فإذا صعد الخطيب على المنبر
стр. 1203
وهو ثلاث درجات قل أن يُسمع الخطيبُ الجميع أو أكثرهم (فالجواب) أن من كان على منبر على هو الذى لا يسمعهم لكونه بعيداً عنهم فكأنه فى سطح وحده، وهذا مشاهد ألا ترى أن الخطيب على هذا المنبر العالى كثير من الناس لا يسمعونه وإذا دخل فى الصلاة سمعوا قراءته أكثر من خطبته، وما ذاك إلا لكونه فى الصلاة واقفاً معهم على الأرض. وفى حال الخطبة لم يكن معم كذلك (١).
(١٣) ومنها فرش المنبر بسجادة وغيره.
(قال) ابن الحاج: وليحذر أن تفرش السجادة وغريها على المنبر ودرجة، لأنه بدعة إذ لم يأت عن النبى ﷺ ولا عن أحد من الصحابة ولا السلف وليس بموضع صلاة، فهو من الترفه يطلب تركه (٢).
(١٤) ومنها وضع الأعلام على جانبى المنبر والستائر على بابه، فإنه أمر محدث لم يكنم فى عهد النبى ﷺ والسلف الصالح وقد يمنع من رؤية الخطيب. والسنة النظر إليه حال الخطبة (قال) على رضى الله عنه وهو على منبر الكوفة: إذا كان يومُ الجمعة غدت الشياطين براياتها إلى الأسواق. فيرمون الناس بالرباثث ويثبطونهم عن الجمعة. وتغْدو الملائكةُ فتجلس على باب المسجد فيكتبون الرجلَ من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام. فإذا جلس الرجل مجَلساً يسْتمكنُ فيه من الاستماع والنظر فأنصت ولم يلغُ، كان له كفْلان م أجر (الحديث) وفيه: ثم يقول فى آخر ذلك: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك أخرجه أبو داود والبيهقى (٣). ﴿٤٢٠﴾
(قال) ابن الحاج وليحذر من جعل الأعلام السود على المنبر حال الخطبة فإنه من البدع وتقييد الأعلام بالسود لا مفهوم له فإن وضع أعلام عل المنبر
стр. 1204
مطلقاً بدعة مذمومة (وعلى الجملة) فهذا قليل من كثير من بدع المساجد. وقد أشبعت الكلام عليها فى كتابى إصابة السهام فانظره وانظر كتاب المدخل لابن الحاج فقد وفى الكلام فيها وفى غيرها حقه.
(العاشر) واجبات نظار المساجد
على الناظر واجبات كثيرة (منها) أن يكون همه إصلاح المسجد وتعميره وتثمير أوقافه وتنميتها بقدر المستطاع. وأن يكون تقياً أميناً على دخله، فلا يخلطه بماله، ولا يتساهل فى شئ من ريعه. (وإذا دعا) الحال إلى ساع يجمع ماله فليتخذ أميناً مستقيماً مجداً فى السعى، وليراقبه فى عمله كى لا يفرط ولا يزل عن الطريق السوى (وإذا دعت) الحاجة إلى كاتب فليتخذ كاتباً ماهراً ملماً بالأعمال الحسابية والكتابية إلماماً تاماً. وأن يتعهد دائماً المسجد كى لا يقصر خادمه فى كنسه وتنظيفه. ولا يتهاون مؤذن فى أذانه، ولا إمام فى إمامته. وأن يتفقد العقارات وما تحتاج إليه من إصلاح. وأن يلاحظ دورة المياه بالإصلاح والترميم أولا فأولا. وأن ينظر فيما يتحصل من ربع الوقف وغلاته نظره فى أملاكه الخاصة. وأن يلاحظ أنه مسئول عما وكل إليه، وعن حال القائمين بأعمال المسجد، وإذا رأى أن حالتهم وحالة ريع الوقف تستدعى رفع رواتبهم زاد فيها بما لا يضر بالمورد.
(وعل الجملة) يلزم ناظر وقف المسجد وغيره أن يتقى ربه ويراقبه فى كل أعماله، وان يعلم أن المؤمنين إخوة، وأنه لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وان السعادة الخالدة هى السعادة الأخروية، وأن الدنيا دار ابتلاء ﴿خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (١) وأن من خالف
стр. 1205
أوامر الله تعالى وأكل أموال الناس بغير حق فعاقبته الدمار والهلاك وغضب الواحد القهار، وأن السعيد من باع دنياه بأخراه. وىثر الباقى على الفانى. وليحذر من مخالفة شرط الواقف. وعليه أن يتحرى فى كل أعماله سبيل السداد. والله ولى التوفيق والرشاد.
(الحادى عشر) ما يباح فى المسجد
يباح فيه أمور: المذكور منها هنا اثنا عشر:
(١) يباح فيه النوم عند الحاجة قال نافع: أخبرنى ابن عمر أنه كان ينام وهو شاب عَزِب لا أهل له فى السجد النبىّ ﷺ . أخرجه البخارى (١). ﴿١١٠﴾
(وقال) سهل بن سعد: جاء رسول الله ﷺ بيت فاطمة فلم يجد علياً ف البيت فقال: أينَ ابنُ عمك؟ قالت: كان بينى وبينه شئ فغاضبنى فلم يقِلْ عندى رسول الله ﷺ لإنسان: انظرْ أين هو؟ فجاء فقال يا رسول الله هو راقد فى المسجد. فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل ﷺ يمسحُ عنه ويقول: قم أبا تراب. أخرجه البخارى (٢). ﴿٤٢١﴾
(ولهذا) قال أكثر الحنفيِّين والشافعى وأحمد والجمهور: يجوز النوم فى المسجد بلا كراهة ما لم يضيق على مصل أو يشوش عليه وإلا حرم (قال) البدر العينى: قد سئل ابن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه فقالا: كيف تسألون عنه وقد كان أهل الصفة ينامون فيه وهم قوم كان مسكنهم المسجد.
(وذكر) الطبرى عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفان نائماً فيه ليس
стр. 1206
حوله أحد وهو أمير المؤمنين (١). ﴿١١١﴾
(وقال) النووى: ثبت أن أصحاب الصفة والعُرنيين وعلياً وصفوان ابن أمية وجماعات من الصحابة كانوا ينامون فى المسجد وأن ثمامة بن أثال كان يبيت فيه قبل إسلامه كل ذلك فى زمن رسول الله ﷺ (قال) الشافعى فى الأم: وإذا بات المشرك فى المسجد فكذا المسلم (وقال) فى المختصر: ولا باس أن يبيت المشرك فى كل مسجد إلا السجد الحرام (٢) (وقال) الشيخ منصور بن إدريس: يباح للمعتكف وغيره النوم فيه لأن النبى ﷺ رأى رجلا مضطجعاً فى المسجد على بطنه فقال: إن هذه ضجْعة يبغضُها الله. رواه أبو داود وهو حديث صحيح وكذا الترمذى عن أبى هريرة (٣). ﴿٤٢٢﴾
فأنكر الضجعة ولم ينكر نومه بالمسجد من حيث هو. وكان أهل الصفة ينامون فى المسجد (قال) الحارثى: لا خلاف فى جواز النوم للمعتكف. وكذا وكذا مالا يستدام كبيتوتى الضيف والمريض والمسافر وقيلولة المجتاز ونحو ذلك. لكن لا ينام قدّام المصلين، لما تقدم أنه يكره للمصلى استقبال نائم. وما يستدام من النوم كنوم المقيم، عن أحمد المنع منه. وحكى القاضى رواية بالجواز. وهو قول الشافعى وجماعة (٤) وقال: ويباح للمريض أن يكوِن فى المسجد. وان يكون فى خَيْمَة. قالت عائشة: أصيب سعدُ يومَ الخندقِ فى الأكحل فضرب عليه رسول الله ﷺ خيمة فى المسجد يعوده من قريب. متفق عليه (٥). ﴿٤٢٣﴾
стр. 1207
(وفصل) مالك وإسحاق بين من له مسكن فيكره له، ومن لا مسكن له فيباح (وقال) بعض الحنفيين: يكره النوم فيه لغير المعتكف والغريب (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: والنوم فيه لغير المعتكف مكروه. وقيل لا بأس للغريب أن ينام فيه. والأولى أن ينوى الاعتكاف ليخرج من الخلاف (١) (وكره) النوم فيه مطلقاً ابن مسعود وطاوس ومجاهد والأوزاعى.
(٢) ويباح المبيت فى المسجد لمن يكن له بيت ولا مكان مبيت ولو امرأة إذا أمنت الفتنة (روى) عروة عن عائشة: إنَّ وليدةَ كانت سوداء لحىّ من العرب فأعتقوها فكانت معهم فخرجت صَبِيةٌ لهم عليها وِشاحٌ أحمرُ من سُيور فوضعتْه أو وقع منها فمرت به حُدَيّاة وهو ملقى فحِسبته لحماً فخطفته، فالتمسوه فلم يجدوه قالت: فاتهمونى به فطفِقوا يفُتشون حتى فتشوا قبلها قالت: والله إنى لقائمة معهم إذْ مرَّت الحدَيَّاة فألفتْه فوقع بينهم. فقلت هذا الذى اتهمتونى به زعمتم وأنا منه برئية. وهو ذا هو. فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمتْ. فكانَ لها خِباء فى المسجد أو حِفشٌ فكانت تأتينى فتحدِّثُ عندى فلا تجلس عندى مجلساً إلا قالت:
ويومُ الوِشاح من تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنجانى
قالت عائشة: فقلت لها ما شأنك لا تقعدين معى مَقْعداً إلا قلت هذا؟ فحدّثتنى بهذا الحديث. أخرجه البخارى (٢). ﴿٤٢٤﴾
стр. 1208
(٣) ويباح عند جمهور العلماء الوضوء فى المسجد إلا أن يقُذره أو يتأذى به الناس فإنه يكره (قال) ابن المنذر: أباح كلُّ من يحُفظ عنه العلمُ الوضوء ف المسجد إلا أن يبله أو يتأذى به الناس فإنه يكره.
(ونُقِل) الترخيص فى الوضوء فى المسجد عن ابن عمر وابن عباس وطاوس وعطاء والنخعى وابن القاسم المالكى وأكثر أهل العلم (وعن) ابن سيرين ومالك وسحنون أنه مكروه تنزيهاً للمسجد. ذكره النووى (١).
(وعند الحنفيّين) يكره التوضؤ فيه إلا إذا كان فى موضع أعد لذلك.
(وعليه) وعلى ما قاله الجمهور يحمل حديث أبى العالية عن رجل م أصحاب رسول الله ﷺ قال: حفظتُ لك أن رسول الله ﷺ توضأ فى المسجد. أخرجه أحمد بسند حسن. ﴿٤٢٥﴾
(٤) ويجوز نضح المسجد بالماء الطاهر ولو مستعملا على المختار.
(٥) ويجوز الاستلقاء على الظهر فى المسجد ووضع إحدى الرجلين على الأخرى " لحديث " عبَّاد بن تميم عن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم: أنه رأى رسول الله ﷺ مستقلياً فى المسجد على ظهره واضعهاً إحدى رجليه على الأخرى. أخرجه السبعة إلا ابن ماجه وقال الترمذى: حسن صحيح. ﴿٤٢٦﴾
وفيه جواز الإتكاء فى المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة.
стр. 1209
(وقال) محمد بن سيرين ومجاهد وطاوس وإبراهيم النخعى: يكره وضع إحدى الرجلين على الأخرى فى المسجد. ورُوى عن ابن عباس وكعب ابن عُجْرة (وفى) حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ أن يرفع الرجلَ إحدى رجليه على الأخرى وهو مسْتلق على ظهره. أخرجه مسلم وأبو داود (١). ﴿٤٢٧﴾
(وأجاب) عنه الجمهور بأنه محمول على ما إذا كان الوضع يؤدى إلى كشف العورة (روى) سعيد بن المسيِّب أن عمَر بن الخطاب وعثمان كانا يفعلان ذلك (يعنى وضع إحدى الرجلين على الأخرى حال الاستلقاء فى المسجد). أخرجه البخارى وأبو داود وابن أبى شيبة (٢). ﴿١١٢﴾
(قال) الخطلابى النهى الوارد عن ذلك منسوخ أو يحمل النهى حيث يخشى أتبدو عورته. والجواز حين يؤمن من ذلك (قال) الحافظ: والثانى أولى من ادعاء النسخ، لأنه لا يثبت بالاحتمال. وممن جزم به ابيهقى والبغوى وغيرهما من المحدثين. وجزم ابن بطال بأنه منسوخ " ودعوى " أن الجواز خاص به ﷺ ، والنهى عام لغيره " يرده " ما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك، سيما وأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز، وكان ذلك ف وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس، لما عرف من هادته ﷺ من الجلوس بينهم بالوقار التام (٣).
(٦، ٧) ويباح الأكل والشرب فى المسجد للمعتكف وغيره عند الشافعى وأحمد إن لم يكن فيه تعفيش أو تقذير للمسجد أو تضييق على مصل ولم يكن المأكول ذا رائحة كريهة كالثوم والبصل " لقول " عبد الله بن الحارث الزبيدى: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ فى المسجد الخبز واللحم. أخرجه ابن ماجه بسند حسن رجاله ثقات (٤). ﴿٤٢٨﴾
стр. 1210
" ولحديث " ابن عمر أن النبى ﷺ أتِىَ بفضيخ فى مسجد الفَضيخ فشربه فلذلك سمى مسجد الفضيخ. أخرجه احمد وأبو يعلى، وفى سنده عبد الله بن نافع ضعفه البخارى وأبو حاتم والنسائى، وقال ابن معين: يكتب حديثه. قاله الهيثمى (١). ﴿٤٢٩﴾
(قال) الحنفيون: يباح الأكل للمعتكف ويكره لغيره لأن المسجد لن يُبن لذلك ولا حاجة إلى الأكل فيه لغير المعتكف (وقالت) المالكية: يباح للمعتكف مطلقاً ولغيره إن كان المأكول يسيرا وإلا كره.
(وأما) ما يؤدى إلى تقذير المسجد أو تضييقه على المصلى وأكل ما فيه رائحة كريه ة. فاتفقوا على تحريمه (قال) الشيخ منصور بن إدريس: ومن له الأكل فيه فلا يلوث حُصْره ولا يلقى العظام ونحوها كقشور البطيخ ونوى التمر ونحوه فيه، لأنه تقذير له. فإن فعل فعليه تنظيف ذلك. وإن لم يزله فاعله وجب على من علمه غيره (٢).
(٨) ويباح فى المسجد اللعب بالحراب ونحوها للتدريب عِلى حرب العدو " لقول " أبى هريرة: دخل رسول الله ﷺ المسجد والحبشَةُ يلعبون فزجرهم عمر. فقال النبى ﵌ دعْهم يا عمر. فإنهم بنو أرْفِدة. أخرجه أحمد - وهذا لفظه - والشيخان (٣). ﴿٤٣٠﴾
يعنى أن اللعب بالحراب للتدريب شأنُ أهل الحبشة وهو من الأمور المباحة فلا إنكار عليهم. كأن عمر رضى الله عنه بنى على الأصل فى تنزيه المساجد عن مثل هذا، فبين له النبى ﷺ وجه الجواز فيما
стр. 1211
كان هذا سبيله، أو لعله لم يكن يعلم أن النبى ﷺ كان يراهم أفاده الحافظ (١).
(وقال) اللعب بالحراب ليس لعباً مجرداً بل فيه تدريب الشُّجعان على تعود الحرب والاستعداد للعدو
(وقال) المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه (٢).
(وقال) الحافظ: قال الطبرى: فى الحديث تنبيه على أنه يغتفر لهم ما لم يغتفر لغيرهم، لأن الأصل فى المساجد تنزيهاً عن اللعب فيقتصر على ما ورد فيه النص أهـ.
وروى السراج من طريق أبى الزناد عن عروة عن عائشة أنه ﷺ قال يؤمئذ: لتعلم اليهود أن فى ديننا فسحة. إنى بعثت بحنيفية سمحة. ﴿٤٣١﴾
وهذا يشعر بعدم التخصيص (٣) (وحكى) ابن التين عن أبى الحسن اللخمى أن اللعب بالحراب فى المسجد منسوخ بالقرآن والسنة.
(أما القرآن) فقوله تعالى: " فِى بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ " (٤).
(وأما السنة) فحديث: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم (٥).
(وردّ) بأن هذا الحديث ضعيف كما تقدم. وليس فيه ولا فى الآية تصريح بما ادعاه ولا عرف التاريخ حتى يثبت النسخ. أفاده الحافظ (٦).
(٩) ويجوز عند الشافعى دخول الكافر - ولو غير كتابى - المسجِد بغذن المسلم " لقول " أبى هريرة: بعث النبى ﷺ خيلا قِبل نجدٍ فجاءتْ برجل من بنى حَنيفة يقال له ثمامةُ بن أثُال فربطوه بسارية منِ سوارى المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: أطلقوا ثُمامة
стр. 1212
فانطلق إلى نَجْل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. أخرجه الشيخان وأبو داود (١). ﴿٤٣٢﴾
(واستثنى) الشافعية: مسجدَ مكة وحرَمها. (قال) النووى: قال أصحابنا لا يمُكن كافر من دخول حرم مكة. وأما غيره فيجوز أن يدخل كل مسجد ويبيت فيه بإذن المسلمين ويمنع منه بغير إذن. ول وكان كافر جنباً فهل يمكن من اللبث فى المسجد؟ فيه وجهان أصحهما يمكن (وقال) الحنفيّون ومجاهد: يجوز دخول الكتابى دون غيره " لحديث " جابر أن النبى ﷺ قال: لا يدخل مسجدنا هذا مشرك بعد عامنا هذا غير أهل الكتاب وخدمهم. أخرجه أحمد بسند جيد (٢). ﴿٤٣٣﴾
وهذا هو الظاهر. (قالت) المالكية: لا يجوز للكافر دخول المسجد الحل والحرام إلحاجة. (قال) العلامة الصاوى: يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم واتقانه على الظاهر (٣). (وقالت) الحنبلية: لا يجوز لكافر دخول الحرم مطلقاً ولا مسجد الحل إلا لحاجة (قال) الشيخ منصور بن إدريس: ولا يجوز لكافر دخول مسجد الحل ولو بإذن مسلم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (٤)﴾ ويجوز دخول مساجد الحل للذمى والمعاهد والمستأمن إذا استؤجر لعمارتها لأنه لمصلحتها (٥).
(١٠) ويجوز الجلوس فى المسجد على متكأ من فرو ووسادة وغيرهما بلا كراهة إن لم يكن للترفه، وإلا كره (وعليه) يحمل قول ابن الحاج:
стр. 1213
وقد منع مالك بأن يأتى الرجل بوسادة فى المسجد يتكئ عليها أو بفروة يجلس عليها. وأنكر ذلك وقال: تشبّه المساجد والبيوت (١).
(١١، ١٢) ويباح عقد النكاح والقضاء فى المسجد عند الحنفيين وأحمد " لحديث " عائشة أن النبى ﷺ قال: أعلنوا هذا النكاح واجعلوه فى المساجد، واضربوا عليه بالدفوف. أخرجه الترمذى وقلا:
غريب. وفى سنده عيسى بن ميمون الأنصارى ضعيف (٢). ﴿٤٣٤﴾
(وقال) البخارى: وقضى شريح والشعبى ويحيى بن يعمر فى المسجد (٣).
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: ويباح فيه عقد النكاح بل يستحب كما ذكره بعض الأصحاب، والقضاء واللعان " لحديث " سهل بن سعد، وفيه: قلا تلاعنا فى المسجد وأنا شاهد. منفق عليه (٤). ﴿٤٣٥﴾
(وقال) المالكيون: يستحب إجراء صيغة عقد النكاح بالمسجد بلا رفع صوت ولا ذكر شروط وإلا كره. ويستحب الجلوس للقضاء فى المسجد أو فى رحبته، (وقالت) الشافعية: لا بأس بعقد النكاح فيه، يوركه اتخاذه محلا للقضاء (قال) النووى: ينبغى للقاضى أن لا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء فإن جلس فيه لصلاة أو غيرها فاتفقت له حكومة فلا بأس بالقضاء فيها فيه (٥).
(وهذا) هو ظاهر حديث كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبى حدْردٍ ديْناً
стр. 1214
كان له عليه فى المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو فى بيته فخرج إليهما حتى كشف سَجْفَ حجرته فنادى: يا كعب فقال: لبيك يا رسول الله. فأشار بيده أن ضع الشطر من ديْنك: قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال رسول الله: قم فاقضه. أخرجه الستة إلا الترمذى (١). ﴿٤٣٦﴾
(الثانى عشر) مسائل تتعلق بالمساجد
المذكور منها هانا ثمانية عشرة:
(١) يصير المسجد موقوفاً ببنائه وإفرازه بطريقة عن مالك البانى والإذن للناس بالصلاة فيه وتأديتها فيه جماعة بأذان وإقامة على الصحيح عند أبى حنيفة ومحمد. وقيل يكفى صلاة واحدة ولو بلا أذان ولا إقامة (وقال) أبو يوسف ومالك والشافعى وأحمد: يصير مسجداً بما ذكر وبقوله جعلته مسجداً.
(٢) ويجوز عند المالكية وبعض الحنفيين اتخاذ مسجد فى موضع مستأجر أخذاً من جواز وقف البناء وتسرى عليه أحكام المسجد. وأفاد كلام الحاوى الحنفى اشتراط كون أرض المسجد ملكاً للبانى. وسئل فى الخيرية عمّن جعل خيمة مسجداً فأفتى بأنهن لا يصح (٢).
(٣) ويستحب إضاءته كل ليلة على حسب الحالة (قالت) ميمونة مولاةُ النبى ﵌: يا رسول الله أفتنا فى بيت المقدس: فقال: ائتوه فصلّوا فيه. وكانت البلاد إذ ذاكَ حرباً فإن لم تأتوه وتُصلّوا فيه فابعثوا بزيت يسرج فى قناديله. أخرجه أحمد وأبو داود. وهذا لفظه (٣). ﴿٤٣٧﴾
стр. 1215
(وكره) إنارة المسجد زيادة عن الحاجة، لأنه إضاعة مال بلا مصلحة.
(٤) الموقوف على الاستصباح فى المسجد يستعمل بالمعروف ولا يزاد على المعتاد. فزيادة النور فيها ليلة أول جمعة من رجب، وليلة السابع والعشرين منه، وليلة نصف شعبان وليالى رمضان بدعة كما تقدم، وفيه إضاعة مال وسرف ويؤدى إلى اللفظ واللهو وشغل قلوب المصلين. وكذا إيقاد المآذن فى ليالى رمضان وليالى المواسم. ومن أمر بهذه الزيادة أو فعلها من مال الوقف ضمن ما صرف فيها.
(٥) يسن أن يشتغل من بالمسجد بالصلاة والقراءة والذكر، لأن المسجد بنى لذلك، وأن يستقبل القبلة لما تقدم. وينبغى لمن قصد المسجد لصلاة أو غيرها أن ينوى الاعتكاف مدة لبثه به لاسيما إن كان صائماً.
(٦) من أتلف المسجد ضمنه إجماعاً. ومن غصبه فاتخذه مسكناً أو مخزناً أو غير ذلك ضمن أجرته.
(٧) يصح عند الحنبلية جعل أسفل البيت مسجداً والانتفاع بعُلْوه وعكسه. وقيل بالثانى فقط. وروى عن الحنفيين. ففى شروح الهداية ما ملخصه: وعن أبى حنيفة أنه إذا جعل السفل مسجداً دون العلو جاز لأنه يتأبد بخلاف العلو. وعن أبى يوسف أنه جوز ذلك فى الوجهين (يعنى فيما إذا كان تحته سرداب أو فوقه بيت) حين قدم بغداد ورأى ضيق المتازل فكأنه اعتبر الضرورة وعن محمد أنه حين دخل الرى أجاز ذلك كله (أى ما تحته سرداب وفوقه بيت مستقل أو دكاكين) (١) ومشهور مذهبهم: أنه يلزم أن يكون سُفْلة وعلوه مسجداً لينقطع حق العبد عنه. ولقوله تعالى " وأن المساجد لله " غير أنه يصح أن يكون تحته سرداب أو فوقه بيت لمصالح المسجد فقط (قال) ابن نجيم: وبما ذكرناه علم أنه لو بنى بيتاً على سطح المسجد لسكنى الإمام فإنه لا يضر، لأنه من المصالح (قال) فى التتارخانية: إذا بنى مسجداً وبنى فوقه غرفة وهو فى يده فله ذلك. وإن كان حين بناه خَّلى بينه وبين
стр. 1216
الناس ثم جاء بعد ذلك يبنى لا يترك. وإذا قال عنيت ذلك فإنه لا يصدق فإذا كان هذا فى الواقف فكيف بغيره، فمن بنى بيتاً ولو على جدار المسجد وجب هدمه ولا يجوز أخذ الأجرة منه. ولا يجوز للقيم أن يجعل شيئاً من المسجد مستغلا ولا مسكناً (١) (قال) ابن عابدين: وبه علم حكم ما يصنعه بعض جيران المسجد من وضع جذوع على جداره فإنه لا يحل ولو دفع الأجرة ثم قال: وعلم أيضاً حرمة إحداث الخَلواتِ فى المساجد كالتى فى رواق المسجد الأموى ولا سيما ما يترتب عى ذلك من تقذير المسجد بسبب الطبخ والغسل ونحوهما (٢).
(٨) يجوز للعامة الانتفاع بحريم المسجد إن لم يضر بأهله. وإن ضر لا يجوز ولا يعتبر فيه إذن السلطان ولا نائبه للحرج. ولو أراد قيِّم المسجد أن يبنى حوانيتَ فى حرَمه وفنائه، لا يجوز له ذلك وليس لمتولى المسجد أن ينتفع بشئ من سراحه فى بيته. ولو كان المسجد فى مهب الريح يصيب المطرُ بابه ويبتل مدخله فيشق على الناس دخوله، جاز اتخاذ ظلة من غلة وقفه إن تضر بأهل الطريق.
(٩) يلزم الوقف ويزول ملك الواقف عنه بمجرد قوله وقفته عند أبى يوسف والثلاثة، فلا يباع ولا يوهب ولا يورث " لحديث " ابن عمر أن عرم أصاب أرضاً بخبير فقال: يا رسول الله أصبتُ أرضاً بخبير لم أصَب مالا قطْ أنْفسَ عندى مه فما تأمرنى؟ فقال: إن شئت حبَّستَ اصلها وتصدّقتَ بها فتصدق بها عمر أنه لا يُباع أصلُها ولا يوهَبُ ولا يورثُ (الحديث) أخرجه الجماعة. وفى رواية للبخارى فقال النبىُّ ﷺ : تَصدقْ بأصله لا يُباع ولا يوهب. ولكنْ يُنفق من ثمره. فتصدق به عمر للفقراء والقربى والرَّقاب وفى سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متأثل قال الترمذى:
стр. 1217
هذا حديث حسن صحيح (١). ﴿٤٣٨﴾
(وقال) الشيخ منصور بن إدريس: ولا يصح بيع الوقف ولا هبته وإبداله ولو بخير للحديث السابق، إلا أن تتعطل منافعه المقصودة منه بخراب أو غيره بحيث لا يرُدّ الوقف شيئاً على أهله، أو يرد شيئاً لا يعد نفعاً وتتعذر عمارته وعود نفعه بأن لا يكون ف الوقف ما يعمر به. ولو كان مسجداً ضاق لعى أهله وتعذر توسيعه فى محله، أو تعذر الانتفاع به لخراب الناحية التى بها المسجد، أو كان موضعه قذراً، فيصح بيعه ويصرف ثمنه فى مثله، للنهى عن إضاعة المال، ولأن المقصود انتفاع الموقوف عليه بالثمرة لا بعين الأصل من حيث هو ومنه البيع إذاً مبطل لهذا المعنى الذى اقتضاه الوقف فيكون خلاف الأصل، ولأن فيما نقوله إبقاء للوقف بمعناه حين تعذر الإبقاء بصورته. فيكون متعيناً، وعموم (لا يباع أصلها) مخصوص بحالة تأهل الموقوف للانتفاع المخصوص لما ذكرنا (قال) ابن رجب: ويجوز فى أزهر الروايتين عن أحمد أن يباع ذلك المسجد ويعمّر بثمنه مسجد آخر فى قرية أخرى إذا لم يحتج إليه فى القرية الأولى (٢) (وقال) برهان الدين الطرابلسى: ولو خرب المسجد وما حوله وتفرق الناس عنه لا يعود إلى ملك الواقف عند أبى يوسف فيباع نِقْضه بإذن القاضى ويصرف ثمنه إلى بعض المساجد. ويعود إلى ملكه أو إلى ورثته عند محمد (٣).
(وقال) ابن الهمام: ولو خرب ما حول المسجد واستغنى عن الصلاة فيه
стр. 1218
يبقى مسجداً على حاله عند أبى يوسف وهو قول أبى حنيفة ومالك والشافعة وعن أحمد يباع نقضه ويصرف إلى مسجد آخر وكذا الدار الموقوفه إذا خربت يباع نقضها ويصرف ثمنها إلى وقف آخر، لما روى أن عمر كتب إلى أبى موسى لما نقب بيت المال بالكوفة: انقل المسجد الذى بالتمارين واجعل بيت المال فى قبلة المسجد. ﴿١١٣﴾
وعن محمد: يعود إلى ملك الواقف إن كان حيا وإلى ورثته إن كان ميتاً ثم قال: وأما الحصير والقنديل فالصحيح من مذهب أبى يوسف أنه لا يعود إلى ملك متخذه بل يحول إلى مسجد آخر أو يبيعه قيِّم المسجد للمسجد. وأما استدلال أحمد بما كتبه عمر لا يفيده لأنه يمكن أنه أمره باتخاذ بيت المال فى المسجد. وتمامه فيه (١) (وقال) الحصنى: ومثله فى الخلاف حشيش المسجد وحُصْره مع الاستغناء عنهما. وكذا الرباط والبئر إذا لم ينتفع بهما فيصرف وقف المسجد والرباط والبئر والحوض إلى أقرب مسجد أو رباط أو بئر أو حوض إليه (٢) (وظاهره) أنه لا يجوز صرف وقف مسجد خرب إلى حوض وعكسه.
(وقال) الشيخ منصور بن إدريس: ويجوز نقل آلة المسجد الذى يجوز بيعه لخرابه أو خراب محلته أو قذر محله ونقل أنقاضه إلى مثله إن احتاجها مثله، لأن ابن مسعود قد حوَّل مسجد الجامع من التمارين بالكوفة. وهذا النقل أولى من بيعه لبقاء الانتفاع من غير خلل فيه. وعلم من قوله إلى مثله أنه لا يعمَّر بآلات المسجد مدرسة ولا رباط ولا بئر ولا حوض ولا قنطرة. وكذا آلات كل واحد من هذه الأمكنة لا يعمّر بها ما عداه لأن جعلها فى مثل العين ممكن فتعين ويصير حكم المسجد بعد بيعه للثانى الذى اشترى بدله. وأما إذا نقلت آلات المسجد من غير بيع فالبقعة باقية على أنها مسجد ثم قال: وأفتى عبادة بجواز عمارة وقف من ريع آخر وهو قوى بل عمل الناس
стр. 1219
عليه (١) ثم قال: ولو وقف على مسجد أو حوض وتعطَّل الانتفاع بهما صرف إلى مثلهما. ول نذر التصدق بمال فى يوم مخصوص من السنة وتعذر فيه وجب متى أمكن (٢).
(١٠) يشترط فى الواقف أن يكون ممن يصح تصرفه فى ماله وهو المكلف الرشيد فلا يصح من صغير أو سفيه (٣) (ويشترط) فى الوقف عند الحنفيّين أن يكون قربه عند الواقف كوقف المسلم عل مسجد أو حج أو عمرة. فلا يصح وقفه على بيعه أو كنيسة (وشرطه) عند الحنبلية أن يكون على بر من مسلم أو ذمى، لأن مالا يصح من المسلم الوقف عليه لا يصح من الذمى كالوقف على غير معين. وعليه فيصح التصدق بما يضاء به المسجد، لأن تنويره مندوب إليه وهو من باب الوقف. ولا يصح وقف الستور وإن لم تكن حريراً لغير الكعبة كوقفها على الأضرحة، لأنه ليس بقربة. ولا على تنوير قبر وتبخيره ولا على من يقيم عنده أو يخدمه، لأن ذلك ليس من البر. ولا على بناء مسجد على القبر ولا وقف بيت فيه قبر مسجداً (لقول) ابن عباس: لعن النبى صل الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج (٤). ﴿٤٣٩﴾
(ويحرم) وقف قنديل من ذهب أو فضة على مسجد. بل لا يصح ويكون بمنزلة الصدقة على المسجد فيكسر ويصرف فى مصلحته وعمارته.
(١١) يُتَّبع شرط الواقف فى صرف غلة الوقف فيجوز صرف الموقوف على بناء المسجد لبناء منارته وإصلاحها وبناء منبره، وأن يشترى منه سلم للسطح، وأن يبنى منه ظلة، لأن ذلك من حقوقه ومصالحه. ولا يجوز صرفه فى بناء بيت الخلاء لمنافاته المسجد وإن ارتفق به أهله، ولا صرفه فى زخرفة مسجد بالذهب أو الأصباغ، لأنه منهى عنه وليس ببناء، بل لو شرط لما صح، لأنه ليس قربه، ولا فى شراء مكانس ومجارف، لأنه ليس بناء
стр. 1220
ولا سبباً له. وإن وقف على مسجد أو مصالحه جاز صرفه فى نوع العمارة وفى مكانس وحصر ومجارف ومساحى وقناديل وإنارة ورزق إمام ومؤذون وقيم، لدخول ذلك كله فى مصالح المسجد وضعاً أو عرفاً. ولو وقف على مصالح المسجد وعمارته فالقائمون بالوظائف التى يحتاج إليها المسجد من التنظيف والحفظ والفرش وفتح الأبواب وغلقها وغير ذلك يجوز الصرف إليهم (١). هذا. وما فضل عن حاجة المسجد من حُصره وزيته ومغله وأنقاضه وآلته وثمنها إذا بيعت جاز صرفه إلى مسجد آخر محتاج إليه، لأنه صرف فى نوع المعيَّن. وتجوز الصدقة بما ذكر على فقراء المسلمين وفى سائر المصالح وفى بناء مساكن لمستحق ريعه القائم بمصلحته (٢).
(١٢) لو أوصى بثلث ماله لأعمال البرّ يجوز إسراج المسجد منه ولا يزاد على سراج واحد ولو فى رمضان لأنه إسراف. ولو أوصى لعمارة المسجد يصرف فيما كان من البناء ومنه المنارة دون التزيين.
(١٣) لو وقف أرضا على عمارة المسجد على أن ما فضل من عمارته فهو للفقراء فاجتمعت الغلة والمسجد غير محتاج إلى عمارة (قال) البلخى: تحبس الغلة لأنه ربما يحدث فى المسجد ما يحتاج إلى العمارة. وتصير الأرض بحال لا تثمر إلا إذا زادت الغلة عما يحتاج إليه المسجد لو حدث به حدث فالزائد يصرف للفقراء كما شرط الواقف.
(١٤) يجوز إحداث تغيير فى المسجد تدعو إليه المصلحة، فيجوز تجديد بناء المسجد للمصلحة " روت " عائشة أن النبى ﷺ قال لها: يا عائشة لولا أنَّ قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرتُ بالبيت فهُدِم فأدخلتُ فيه ما أخْرج منه، وألزقتُه بالأرض، وجعلتُ له بابين بابا شرقياً وباباً غربياً فبلغتُ به أساسَ إبراهيم. أخرجه البخارى (٣). ﴿٤٤٠﴾
стр. 1221
(١٥) يحوز نقض منارة المسجد وجعلها فى حائطه لتحصينه من نحو كلاب (١) ويجوز تحويل بابه من جهة سفله سقاية وحوانيت. وقيل لا يجوز رفعه لأجل السقاية. ولا بأس بتغيير حجارة الكعبة لإصلاحها إلا الحجر الأسود فلا يجوز تغييره ولا نقله من موضعه ولا يقوم غيره مقامه مع وجوده ولا ينقل النسك معه إذا نقل م موضعه. ويحرم نقل حجارتها لعمارة غيرها كما لا يجوز ضرب تراب المساجد لبَنِا ليبنى به غيرها (٢) لما تقدم من أنه يتعيين صرف الوقف للجهة المعينة.
(١٦) يجوز تغيير صورة الوقف للمصلحة كجعل الدور حوانيت ولا يجوز قسمة المسجد مسجدين ببابين إلى دربين مختلفين لأنه تغيير لغير مصلحة (٣).
(١٧) حائط المسجد من داخله وخارجه له حكم المسجد فى وجوب صيانته وتعظيم حُرُماته وكذا سطحه والبئر التى فيه ورحبته. ولذا يصح الاعتكاف فى رحبته وسطحه، ويصح اقتداء من بهما بمن فى المسجد.
(١٨) المصلى المتخذ للعيد وغيره ليس له حكم المسجد فلا يحرم المكث فيه على الجنب والحائض. وبه قال الجمهور. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. والصلاة والسلام على سيد الكائنات. وآله الأطهار. وصحابته الأخيار. ومن تبعهم بإحسان.
تم الجزء الثالث من كتاب الدين الخالص
ويليه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى وأوله (مبطلات الصلاة)
(تنبيه) قد بينا بهامش هذا الجزء أهم المراجع التى استعنَّا بها فى تخريج أحاديثه ومراجع النصوص العلمية. فلينظر بيانها بصفحتى ٣٧٥، ٣٧٦ من الجزء السابع من الدين الخالص. والله تعالى ولى الهداية والتوفيق.
стр. 1222
الدين الخالص
أو
إرشاد الخلق إلى دين الحق
وهو آخر كتاب وضع أصله الشيخ الإمام محيي السنة ومميت البدعة
صاحب الفضيلة والإرشاد المرحوم السيد
محمود محمد خطاب السّبكى
المتوفى فى الرابع عشر من ربيع الاول سنة ١٣٥٢ هـ -٧ يوليو سنة ١٩٣٣ م
عمه الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه عالى الجنان
الجزء الرابع
عنى بنتقيحه وتصحيحه وتنسيقه والتعليق عليه وضبط الآيات والأحاديث وترقيمها وبيان حالها وغريبها ومراجعها خليفة الشيخ الامام المرحوم السيد
أمين محمود خطاب
المتوفى فى السابع والعشرين من ذى القعدة ١٣٨٧ هـ - ٢٦ فبراير ١٩٦٨ م ﵀ رحمة واسعة وجعل قبره
روضة من رياض الجنة وحشره مع الصالحين
حقوق الطبع محفوظة له
الطبعة الرابعة ١٤٠٦ هـ/١٩٨٦ م
стр. 1223
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الهادى للصواب، والصلاة والسلام على سيد الأحباب وآله والأصحاب. هذا والكلام هنا فى ثمانية أصول.
(الأول) مبطلات الصلاة
الفاسد والباطل فى العبادة غير الحج سواء، وهو ما خرج عن كونه عبادة بسبب فوات بعض الفرائض من الشروط والأركان.
وللصلاة مبطلات: المذكور منها هنا ثلاثة عشر:
(١) الكلام: يحرم الكلام عمداً فى الصلاة، ويبطلها إذا كان لغير إصلاحها ولا لأمر يوجبه (لقول) زيد بن أرقم: كنا نتكلم فى الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه فى الصلاة حتى نزلت: "وقوموا لله قانتين"، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. أخرجه السبعة إلا ابن ماجه. وهذا لفظ مسلم. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (١). [١]
ولذا اتفق العلماء على بطلان من تكلم فيها لغير إصلاحها عامداً عالماً بتحريمه وبطلان صلاته. واختلفوا فى كلام الناسى والجاهل (فقال) الجمهور: تبطل صلاة المتكلم ولو ناسياً أو جاهلاً. ومنهم الثورى وابن المبارك والحنفيون، لعموم أحاديث النهى عن الكلام فى الصلاة.
стр. 1224
(ومنها) ما تقدم عن ابن مسعود قال: كنا نسلم فى الصلاة ونأمر بحاجتنا (الحديث) وفيه أن النبى ﷺ قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله تعالى قد أحدث ألا تكلموا فى الصلاة، فرد علىّ السلام (١). [٢]
(وقال) مالك والشافعى وأحمد وأبو ثور: لا يفسدها الكلام العمد، ولا تفسد بكلام الناسى والجاهل. وهو مروى عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ تكلم فى الصلاة ناسياً فبنى على ما صلى. أخرجه الطبرانى فى الأوسط وفى سنده معلى بن مهدى، قال أبو حاتم: يأتى أحياناً بالمناكير. وقال الذهبى: صدوق فى نفسه (٢). [٣]
(ولما يأتى) عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. أخرجه ابن ماجه والدارقطنى والطبرانى والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣). [٤]
(واستدلوا) على عدم بطلان صلاة الجاهل (بقول) معاوية بن الحكم السلمى: بينما أنا أصلى مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرمانى القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلى، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتوننى لكنى سكت. فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبى وأمى ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ما كهرنى (٤) ولا ضربنى ولا شتمنى قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس، إنما هى التسبيح
стр. 1225
والتكبير وقراءة القرآن (الحديث) أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى والبيهقى وابن حبان. وفى رواية أبى داود: لا يحل مكان لا يصلح (١). [٥]
(وهذا) الحصر يدل بمفهومه على منع التكلم فى الصلاة بغير التسبيح والتكبير والقراءة. وقد تمسك به الحنفيون وأحمد فقالوا: يمنع الدعاء فى الصلاة بما يشبه كلام الناس، وهو ما لا يستحيل طلب مثله منهم نحو: اللهم اقض دينى. وتقدم بيانه، والجواب عنه فى بحث " الدعاء فى الصلاة بما يشبه كلام الناس " (٢). وفى الحديث دليل على تحريم الكلام فى الصلاة، سواء أكان لحاجة أم لا، وسواء أكان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإن احتاج إلى تنبيه أو إلى إذن لداخل سبح الرجل وصفقت المرأة.
(وقالت) طائفة منهم الأوزاعى ومالك: يجوز الكلام لمصلحة الصلاة لحديث عمران بن حصين أن النبى ﷺ سلم فى ثلاث ركعات
стр. 1226
من العصر ثم دخل الحجرة، فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان طويل اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً يجر رداءه فقال: أصدق؟ قالوا: نعم. فصلى تلك الركعة ثم سلم ثم سجد ثم سلم. أخرجه الشافعى والسبعة إلا البخارى (١). [٦]
وعند المالكية: يشترط لعدم بطلان الصلاة بالكلام لإصلاحها ألا يزيد الكلام عما به الحاجة، وألا يفهم المقصود بالتسبيح، فإن كثر كلام المصلى أو تكلم قبل التسبيح أو مع فهم المقصود بطلت صلاته. فلو قام الامام لخامسة ولم يفهم بالتسبيح، فللمأموم أن يقول له قمت لخامسة. ويزاد فى حق الامام ألا يحصل له شك فى صلاته من نفسه بأن لم يشك أصلا أو شك لكلام المأمومين. فإن شك من نفسه لزمه طرح ما شك والبناء على اليقين ولا يسأل أحداً، فإن سأل بطلت صلاته.
(وأجاب) القائلون بفساد الصلاة بالكلام مطلقاً ولو جهلاً أو سهواً أو لمصلحة الصلاة:
(أ) عن حديث بنائه ﷺ على ما صلى وقد تكلم ناسياً، بأنه ضعيف كما تقدم.
(ب) وعن حديث: " إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان" بأنه لا ينتهض الاحتجاج به، فقد أنكره أحمد وقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة موضوعة. وعلى فرض ثبوته فالمراد رفع الإثم لا الحكم فإن الله أوجب فى قتل الخطأ الكفارة.
стр. 1227
(حـ) وعن حديث معاوية بن الحكم بأن عدم حكاية الأمر بالإعادة لا يستلزم العدم وغايته أنه لم ينقل إلينا فيرجع إلى غيره من الأدلة. كذا قيل.
(د) وعن قصة ذى اليدين بأن حديثها منسوخ بحديث زيد بن أرقم (١) أو حديث ابن مسعود (٢) لأن صاحب القصة قتل ببدر كما قاله الزهرى.
(ورد) بأن المقتول يوم بدر ذو الشمالين عمير بن عمرو الخزاعى، وهو غير ذى اليدين الخرباق بن عمرو العلمى، وقد عاش بعد وفاة النبى ﷺ زماناً وحدث بهذه القصة بعده ﷺ ، كما أخرجه الطبرانى وغيره. أفاده الحافظ (٣) (ولا ينافيه) قول أبى هريرة: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر فسلم فى ركعتين وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال النبى ﷺ : ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا نبى الله. فأتم بهم الركعتين اللتين نقص. أخرجه النسائى (٤). [٧]
(لاحتمال) أن كلا منهما كان يلقب بذى اليدين وذى الشمالين. وعلى تقدير أنهما واحد فالقول بأن ذا اليدين مات ببدر وهم يرده صريح الحديث المروى من عدة طرق عن أبى هريرة بلفظ: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتى العشى الظهر أو العصر فسلم فى ركعتين (الحديث) وفيه: فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت .. إلخ.
وهذا لفظ مسلم وأبى داود. وعند أحمد: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر فسلم من ركعتين ... إلخ (٥). [٨]
стр. 1228
(وأجاب) بعضهم بأن ذا اليدين إنما تكلم وهو يرى أن الصلاة قد قصرت. وتكلم النبى ﷺ يرد عليه ظاناً أنه ليس فى صلاة ثم كلم القوم فأجابوه لوجوب إجابته عليهم. وهى لا تبطل الصلاة على المعتمد عند بعض الأئمة كما تقدم بيانه فى بحث " قطع الصلاة " (١).
هذا. ويلحق بالكلام فى الصلاة أمور منها:
(أ) التنحنح فيها. قال الحنفيون والشافعية: التنحنح لغير ضرورة وبلا غرض صحيح مبطلا للصلاة إن ظهر منه حرفان وإلا فلا. وهو مشهور مذهب الحنبلية. أما إن كان لعذر بأن غلبه أو كان مريضاً لا يملك نفسه عنه، فلا تفسد به، وكذا إن كان لغرض صحيح كتحسين صوته للقراءة أو للإغلام أنه فى الصلاة أو ليهتدى به إمامه عند خطئه، لا تفسد على الصحيح عند الحنفيين. وخرج بالتنحنح التثاؤب والعطاس فلا تفسد بهما اتفاقاً.
(وقالت) المالكية: التنحنح لا يبطل الصلاة إن كان لحاجة، وكذا إن كان لغيرها على المعتمد ما لم يكن كثيراً أو تلاعباً، وهو قول الشافعى وأحمد (لقول) علي رضى الله عنه: كان لى من رسول الله ﷺ مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لى. أخرجه النسائى (٢). [٩]
قال أبو محمد بن قدامة: واختلفت الرواية عن أحمد فى كراهة تلبية المصلى بالنحنحة فى صلاته، فقال فى موضع: لا تنحنح فى الصلاة، قال النبى ﷺ : " إذا فاتكم شئ فى صلاتكم فلتسبح الرجال وليصفق النساء". [١٠]
وروى عنه المروذى أنه كان يتنحنح ليعلم أنه فى صلاة. وحديث علىّ
стр. 1229
يدل عليه. وهو خاص فيقدم على العام (١). وأجاب الجمهور بأن حديث علىّ فيه اضطراب لا ينهض معه الاحتجاج به.
(ب) تشميت عاطس بيرحمك الله (لحديث) معاوية بن الحكم السابق (٢).
وهذا متفق عليه. وكذا لو شتمه بغير خطاب كيرحمه الله ويرحمنا الله فإنها تبطل عند الحنفيين ومالك، خلافاً للشافعية والحنبلية، ولو عطس وشمت نفسه لخطاب أو غيره لا تبطل، خلافاً للمالكية فقد قالوا: تبطل الصلاة بتشميت العاطس مطلقاً.
(حـ) فتح المصلى على غير إمامه ولو كان الغير فى الصلاة عند الحنفيين ومالك، لأنه تعليم، فكان من كلام الناس إلا أن ينوى التلاوة دون التعليم فلا تفسد كما لو فتح على إمامه. وتقدم تمامه (٣).
(د) السلام بنية التحية، لأنه خطاب، وكذا لو سلم على ظن أنها ترويحة بأن كان يصلى العشاء فظن أنها التراويح فسلم من ركعتين، فإنها تبطل عند الحنفيين لتعمده السلام فى غير محله. ولا تبطل عند غيرهم لظنه تمام الصلاة، كما لو سلم للخروج من الصلاة قبل إتمامها ظاناً أنها تمت فلا تفسد اتفاقاً، لأن النبى ﷺ وأصحابه فعلوه حال صلاتهم، ولأن جنسه مشروع فى الصلاة، فأشبه الزيادة فيها من جنسها.
(هـ) رد السلام باللسان عند الأئمة والجمهور، لأنه خطاب فأشبه تشميت العاطس (ولقول) ابن مسعود رضى الله عنه: كنا نسلم على النبى ﷺ وهو فى الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا عليه فلم يرد علينا. فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا. فقال: إن فى الصلاة لشغلا. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود (٤). [١١]
стр. 1230
وإن رد المصلى بعد سلامه فحسن، لما تقدم عن ابن مسعود من قوله: فردّ (النبى ﷺ علىّ السلام (١).
(ومنه) يعلم مشروعية السلام على المصلى، لأن النبى ﷺ لم ينكر على أصحابه حين سلموا عليه، بل رد عليهم بالإشارة وهو يصلى، أو باللسان بعد أن فرغ، ولعموم قوله تعالى: " فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم" (٢).
أى على أهل دينكم.
وبهذا قال أحمد ومالك، قال أبو محمد عبد الله بن قدامة: سئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيسلم عليهم؟ قال: نعم. وروى ابن المنذر عن أحمد أنه سلم على مصلّ. فعل ذلك ابن عمر. وكرهه عطاء وأبو مجلز والشعبى وإسحاق، لأنه ربما غلط المصلى فرد عليه كلاماً.
وقد روى مالك فى الموطأ أن ابن عمر سلم على رجل وهو يصلى فرد ﵇، فرجع إليه ابن عمر فنهاه عن ذلك (٣)(١). وممن كره السلام على المصلى الحنفيون والشافعيون.
وعن أبى هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة أن رد السلام فى الصلاة لا يبطلها. والحديث حجة عليهم.
(و) الأذان فى الصلاة إن قصد به الإعلام، وحكايته إن قصدها، يبطلها عند أبى حنيفة ومحمد بن الحسن، لأنه إن قصد الاعلام والحكاية صار ككلام الناس. وقال أبو يوسف وباقى الأئمة: لا تفسد ما لم يقل حى على الصلاة، حى على الفلاح، لأن غيرهما ذكر فلا (تفسد) به بخلاف الحيعلتين فإنهما خطاب فيفسدان الصلاة، ولو سمع المصلى اسم الله تعالى فقال جلّ