من العصر ثم دخل الحجرة، فقام إليه رجل يقال له الخرباق وكان طويل اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً يجر رداءه فقال: أصدق؟ قالوا: نعم. فصلى تلك الركعة ثم سلم ثم سجد ثم سلم. أخرجه الشافعى والسبعة إلا البخارى (١). [٦]
وعند المالكية: يشترط لعدم بطلان الصلاة بالكلام لإصلاحها ألا يزيد الكلام عما به الحاجة، وألا يفهم المقصود بالتسبيح، فإن كثر كلام المصلى أو تكلم قبل التسبيح أو مع فهم المقصود بطلت صلاته. فلو قام الامام لخامسة ولم يفهم بالتسبيح، فللمأموم أن يقول له قمت لخامسة. ويزاد فى حق الامام ألا يحصل له شك فى صلاته من نفسه بأن لم يشك أصلا أو شك لكلام المأمومين. فإن شك من نفسه لزمه طرح ما شك والبناء على اليقين ولا يسأل أحداً، فإن سأل بطلت صلاته.
(وأجاب) القائلون بفساد الصلاة بالكلام مطلقاً ولو جهلاً أو سهواً أو لمصلحة الصلاة:
(أ) عن حديث بنائه ﷺ على ما صلى وقد تكلم ناسياً، بأنه ضعيف كما تقدم.
(ب) وعن حديث: " إن الله وضع عن أمتى الخطأ والنسيان" بأنه لا ينتهض الاحتجاج به، فقد أنكره أحمد وقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة موضوعة. وعلى فرض ثبوته فالمراد رفع الإثم لا الحكم فإن الله أوجب فى قتل الخطأ الكفارة.
стр. 1227
(حـ) وعن حديث معاوية بن الحكم بأن عدم حكاية الأمر بالإعادة لا يستلزم العدم وغايته أنه لم ينقل إلينا فيرجع إلى غيره من الأدلة. كذا قيل.
(د) وعن قصة ذى اليدين بأن حديثها منسوخ بحديث زيد بن أرقم (١) أو حديث ابن مسعود (٢) لأن صاحب القصة قتل ببدر كما قاله الزهرى.
(ورد) بأن المقتول يوم بدر ذو الشمالين عمير بن عمرو الخزاعى، وهو غير ذى اليدين الخرباق بن عمرو العلمى، وقد عاش بعد وفاة النبى ﷺ زماناً وحدث بهذه القصة بعده ﷺ ، كما أخرجه الطبرانى وغيره. أفاده الحافظ (٣) (ولا ينافيه) قول أبى هريرة: صلى رسول الله ﷺ الظهر أو العصر فسلم فى ركعتين وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال النبى ﷺ : ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا نبى الله. فأتم بهم الركعتين اللتين نقص. أخرجه النسائى (٤). [٧]
(لاحتمال) أن كلا منهما كان يلقب بذى اليدين وذى الشمالين. وعلى تقدير أنهما واحد فالقول بأن ذا اليدين مات ببدر وهم يرده صريح الحديث المروى من عدة طرق عن أبى هريرة بلفظ: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتى العشى الظهر أو العصر فسلم فى ركعتين (الحديث) وفيه: فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت .. إلخ.
وهذا لفظ مسلم وأبى داود. وعند أحمد: صلى بنا رسول الله ﷺ العصر فسلم من ركعتين ... إلخ (٥). [٨]
стр. 1228
(وأجاب) بعضهم بأن ذا اليدين إنما تكلم وهو يرى أن الصلاة قد قصرت. وتكلم النبى ﷺ يرد عليه ظاناً أنه ليس فى صلاة ثم كلم القوم فأجابوه لوجوب إجابته عليهم. وهى لا تبطل الصلاة على المعتمد عند بعض الأئمة كما تقدم بيانه فى بحث " قطع الصلاة " (١).
هذا. ويلحق بالكلام فى الصلاة أمور منها:
(أ) التنحنح فيها. قال الحنفيون والشافعية: التنحنح لغير ضرورة وبلا غرض صحيح مبطلا للصلاة إن ظهر منه حرفان وإلا فلا. وهو مشهور مذهب الحنبلية. أما إن كان لعذر بأن غلبه أو كان مريضاً لا يملك نفسه عنه، فلا تفسد به، وكذا إن كان لغرض صحيح كتحسين صوته للقراءة أو للإغلام أنه فى الصلاة أو ليهتدى به إمامه عند خطئه، لا تفسد على الصحيح عند الحنفيين. وخرج بالتنحنح التثاؤب والعطاس فلا تفسد بهما اتفاقاً.
(وقالت) المالكية: التنحنح لا يبطل الصلاة إن كان لحاجة، وكذا إن كان لغيرها على المعتمد ما لم يكن كثيراً أو تلاعباً، وهو قول الشافعى وأحمد (لقول) علي رضى الله عنه: كان لى من رسول الله ﷺ مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لى. أخرجه النسائى (٢). [٩]
قال أبو محمد بن قدامة: واختلفت الرواية عن أحمد فى كراهة تلبية المصلى بالنحنحة فى صلاته، فقال فى موضع: لا تنحنح فى الصلاة، قال النبى ﷺ : " إذا فاتكم شئ فى صلاتكم فلتسبح الرجال وليصفق النساء". [١٠]
وروى عنه المروذى أنه كان يتنحنح ليعلم أنه فى صلاة. وحديث علىّ
стр. 1229
يدل عليه. وهو خاص فيقدم على العام (١). وأجاب الجمهور بأن حديث علىّ فيه اضطراب لا ينهض معه الاحتجاج به.
(ب) تشميت عاطس بيرحمك الله (لحديث) معاوية بن الحكم السابق (٢).
وهذا متفق عليه. وكذا لو شتمه بغير خطاب كيرحمه الله ويرحمنا الله فإنها تبطل عند الحنفيين ومالك، خلافاً للشافعية والحنبلية، ولو عطس وشمت نفسه لخطاب أو غيره لا تبطل، خلافاً للمالكية فقد قالوا: تبطل الصلاة بتشميت العاطس مطلقاً.
(حـ) فتح المصلى على غير إمامه ولو كان الغير فى الصلاة عند الحنفيين ومالك، لأنه تعليم، فكان من كلام الناس إلا أن ينوى التلاوة دون التعليم فلا تفسد كما لو فتح على إمامه. وتقدم تمامه (٣).
(د) السلام بنية التحية، لأنه خطاب، وكذا لو سلم على ظن أنها ترويحة بأن كان يصلى العشاء فظن أنها التراويح فسلم من ركعتين، فإنها تبطل عند الحنفيين لتعمده السلام فى غير محله. ولا تبطل عند غيرهم لظنه تمام الصلاة، كما لو سلم للخروج من الصلاة قبل إتمامها ظاناً أنها تمت فلا تفسد اتفاقاً، لأن النبى ﷺ وأصحابه فعلوه حال صلاتهم، ولأن جنسه مشروع فى الصلاة، فأشبه الزيادة فيها من جنسها.
(هـ) رد السلام باللسان عند الأئمة والجمهور، لأنه خطاب فأشبه تشميت العاطس (ولقول) ابن مسعود رضى الله عنه: كنا نسلم على النبى ﷺ وهو فى الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا عليه فلم يرد علينا. فقلنا: يا رسول الله كنا نسلم عليك فى الصلاة فترد علينا. فقال: إن فى الصلاة لشغلا. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود (٤). [١١]
стр. 1230
وإن رد المصلى بعد سلامه فحسن، لما تقدم عن ابن مسعود من قوله: فردّ (النبى ﷺ علىّ السلام (١).
(ومنه) يعلم مشروعية السلام على المصلى، لأن النبى ﷺ لم ينكر على أصحابه حين سلموا عليه، بل رد عليهم بالإشارة وهو يصلى، أو باللسان بعد أن فرغ، ولعموم قوله تعالى: " فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم" (٢).
أى على أهل دينكم.
وبهذا قال أحمد ومالك، قال أبو محمد عبد الله بن قدامة: سئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيسلم عليهم؟ قال: نعم. وروى ابن المنذر عن أحمد أنه سلم على مصلّ. فعل ذلك ابن عمر. وكرهه عطاء وأبو مجلز والشعبى وإسحاق، لأنه ربما غلط المصلى فرد عليه كلاماً.
وقد روى مالك فى الموطأ أن ابن عمر سلم على رجل وهو يصلى فرد ﵇، فرجع إليه ابن عمر فنهاه عن ذلك (٣)(١). وممن كره السلام على المصلى الحنفيون والشافعيون.
وعن أبى هريرة وجابر والحسن وسعيد بن المسيب وقتادة أن رد السلام فى الصلاة لا يبطلها. والحديث حجة عليهم.
(و) الأذان فى الصلاة إن قصد به الإعلام، وحكايته إن قصدها، يبطلها عند أبى حنيفة ومحمد بن الحسن، لأنه إن قصد الاعلام والحكاية صار ككلام الناس. وقال أبو يوسف وباقى الأئمة: لا تفسد ما لم يقل حى على الصلاة، حى على الفلاح، لأن غيرهما ذكر فلا (تفسد) به بخلاف الحيعلتين فإنهما خطاب فيفسدان الصلاة، ولو سمع المصلى اسم الله تعالى فقال جلّ
стр. 1231
جلاله، أو . أو سمع اسم النبى ﷺ فصلى عليه، فإن قصد إجابة الذاكر فسدت صلاته، وإن قصد مجرد الثناء على الله تعالى والصلاة على النبى ﷺ ، لا تفسد؛ لأن هذا لا ينافى الصلاة، ولا يقطع ما ذكر حكم الموالاة عند الشافعية إلا إذا ذكر الاسم الظاهر كأن قال: صلى الله علي محمد وآله. ولو قرأ المصلى القرآن من مصحف ونحوه، فإن كان حافظاً لا تفسد صلاته اتفاقاً، لعدم التلقن، وكذا إن كان غير حافظ عند أبى يوسف ومحمد، لكنه يكره، لقول أبى حنيفة: بلغنى عن ابن عباس أنه قال فى الرجل يؤم القوم وهو ينظر فى المصحف: إنه يكره ذلك وقال كفعل أهل الكتاب. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (١)(٢).
ولا يكره عند الشافعى (روى) ابن أبى مليكة عن عائشة أنها أعتقت غلاماً لها عن دبر فكان يؤمها فى رمضان فى المصحف. أخرجه ابن ابى شيبة (٣).
وقال الحنفيون: تفسد لأن التلقن من المصحف تعلم ليس من أعمال الصلاة فيفسدها إذا قرأ ما تصح به الصلاة على الأظهر (وأجابوا) عن أثر عائشة بأن الذى فى الموطإ أن ذكوان، وكان عبداً لعائشة فأعتقته عن دبر منها، وكان يقوم يقرأ لها فى رمضان (٢)(٤)، فليس فيه أنه كان يقرأ فى المصحف، وإن صح ما روى ابن أبى شيبة يحمل على أنه كان يراجع المصحف قبل الصلاة ليكون قريب عهد بما يقرؤه.
(ز) النفخ: فيبطلها إن ظهر منه حرف مفهم أو حرفان وإن لم يفهما لعموم حديث النهى عن الكلام فى الصلاة ولقول زيد بن ثابت: نهى النبى ﷺ عن النفخ فى السجود، وعن النفخ فى الشراب. أخرجه الطبرانى فى الكبير. وفى سنده خالد بن إياس، وهو متروك فلا تقام به حجة.
وضعف البيهقى رفعه (٣). [١٢].
стр. 1232
ولحديث بريدة أن النبى ﷺ قال: ثلاثة من الجفاء: أن يبول الرجل قائماً، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ فى سجوده. أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح. قاله الهيثمى (١). [١٣].
وهذه الأدلة وإن كان فى كل منها مقال لكن لكثرتها يقوى بعضها بعضاً.
ولذا قال يمقتضاها أبو حنيفة ومحمد والشافعى وجمهور السلف والخلف.
وهو مشهور مذهب الحنبلية. قال أحمد: النفخ عندى بمنزلة الكلام. وروى عنه أنه قال: أكرهه ولا أقول يقطع الصلاة، ليس هو كلاماً.
قال القاضى: الموضع الذى قال فيه أحمد: يقطع الصلاة إذا انتظم حرفين لأنه جعله كلاماً، ولا يكون كلاماً بأقل من حرفين، والموضع الذى قال فيه: لا يقطع الصلاة إذا لم ينتظم منه حرفان. أفاده ابن قدامة (٢).
وقالت المالكية: النفخ بالفم مبطل للصلاة. وكذا بالأنف إن كان عبثاً وكثر.
وقال أبو يوسف وابن سيرين والنخعى وإسحاق: يكره النفخ للمصلى ولا يؤمر بالإعادة (لقول) عبد الله بن عمرو: انكسفت الشمس على عهد النبى ﷺ (الحديث) وفيه: ثم نفخ فى آخر سجوده فقال: أُف أُف، ثم قال: رب ألم تعدنى ألا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدنى ألا تعذبهم وهم يستغفرون؟ ففزع رسول الله ﷺ من صلاته وقد انمحصت الشمس. أخرجه أحمد والنسائى وأبو داود. وهذا لفظه (٣). [١٤].
(وأجاب) الأولون بأنه إنما نفخ صلى الله عل يه وسلم غلبة حزناً على
стр. 1233
ما وقع من المخالفات التي هي سبب في الانتقام وتخويف الله عباده بالآيات التي منها الكسوف.
(والجواب) عن هذا الحديث بأنه منسوخ بالأحاديث السابقة (مردود) بأنه لا دليل على النسخ (١).
(ح) الأنين كأن يقول: أه بالقصر كدع. والتأفف كأن يقول: أُف أُف. والتأوه بأن يقول: أوه أو آه. والبكاء فتفسد الصلاة بها- عند الحنفيين وأحمد- إذا كانت بصوت يحصل به حروف، وكانت لوجع أو مصيبة. وكان يملك نفسه عنها. أما إذا كانت لذكر جنة أو نار أو حصلت غلبة فلا تفسد الصلاة، وإن حصل بها حروف للضرورة فتكون حينئذ كالعطاس والسعال والجشاء والتثاؤب. قال أبو محمد عبد الله بن قدامة: فأما البكاء والتأوه والأنين الذي ينتظم منه حرفان، فما كان مغلوباً عليه لم يؤثر.
стр. 1234
وما كان من غير غلبة، فإن كان لغير خوف الله أفسد الصلاة، وإن كان من خشية الله لم تبطل صلاته (١). وفى منية المصلى: المصلى إذا وسوسه الشيطان فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا تفسد صلاته إن كانت الوسوسة في أمر أُخروى، وتفسد إن كانت في أمر دنيوي (٢).
(وقالت المالكية) الأنين والتأوه والبكاء ونحوها الناشئة من خشية الله، لا تبطل الصلاة، وكذا الأنين من وجع إن قل. وإن كانت لغير ما ذكر فحكمها حكم الكلام إن حصلت سهواً، لا تبطل الصلاة إلا إذا كثرت. وإن وقعت عمداً لغير إصلاح الصلاة تبطلها.
(وقالت الشافعية) الأنين والتأوه والتأفف والتثاؤب والعطاس والجشاء إن حصلت غلبة ولم يستطع دفعها يعفى عن قليلها عرفاً لاعن كثيرها ولو كان ناشئاً من خوف الآخرة، إلا إذا صارت مرضاً ملازماً فإنه يعفى عنها للضرورة. أو إن لم تغلب، بل أمكن دفعها، لا يعفى عنها ولو قلت وكانت ناشئة عن خوف الآخرة.
(ط) الضحك بصوت يسمعه المصلى أو من بجواره فتبطل به الصلاة عند غير الشافعية ولو قل، أو وقع سهواً أو غلبة ولم يشتمل على حروف وكان قبل القعود الأخير قدر التشهد، وكذا بعده وقبل السلام خلافاً لأبى يوسف ومحمد. وقالت الشافعية: والضحك لا يبطل الصلاة إلا إذا حصل اختياراً وظهر منه حرفان فأكثر أو حرف مفهم، وكذا إن حصل غلبة وكثر وإلا لا يبطل.
(٢ و ٣) وتبطل الصلاة بالأكل والشرب عمداً اتفاقاً. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامداً أن عليه الإعادة،
стр. 1235
وكذا في صلاة التطوع عند الجمهور، لأن كل ما أبطل الفرض يبطل التطوع (وعن) أحمد أنه يبطل. ويروى عن ابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في التطوع. وعن طاوس وإسحاق أنه لا بأس به لأنه عمل يسير. أما إن كثر فلا خلاف في أنه يفسدها، لأن غير الأكل من الأعمال يفسدها إذا كثر، فالأكل والشرب أولى. وإن أكل أو شرب فيها ناسياً أو وقع في فمه قطرة ماء فابتلعها، بطلت صلاته عند الحنفيين والأوزاعي، لأنه فعل مبطل من غير جنس الصلاة فاستوى عمده وسهوه.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: لا تبطل بالأكل والشرب ناسياً أو جاهلاً، لعموم حديث: إن الله وضع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
وقد أنكره أحمد، وقال أبو حاتم. هذه أحاديث منكرة موضوعة كما تقدم (١).
(والراجح) عند المالكية أنها لا تبطل بالأكل أو الشرب ناسياً ويسجد له بعد السلام، أما إذا اجتمعا أو وجد أحدهما مع السلام ولو سهواً فإنها تبطل لكثرة المنافي (٢).
(وإذا كان) بين اسنانه مأكول دون الحمصة فابتلعه، لا تفسد صلاته عند الحنفيين ومالك، وكذا عند الشافعية والحنبلية إذا جرى به الريق وعجز عن مجه لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. أما إذا ترك في فمه ما يذوب كالسكر فذاب عنه شئ فابتلعه، فإن صلاته تبطل اتفاقاً، لأنه أكل.
(٤) وتبطل بالعمل الكثير وهو ما يكونه بحيث لو رآه إنسان من بعد تيقن أنه ليس في الصلاة، وإلا فهو قليل على المختار عند الحنفيين، فلو رفع العمامة من رأسه ووضعها على الأرض أو بالعكس بيد واحدة بلا تكرار متوال، لا تفسد صلاته، لأنه عمل قليل، لكنه يكره لغير عذر.
стр. 1236
قالت المالكية والحنبلية: هو ما يخيل للناظر أن فاعله ليس في الصلاة (وقدرته) الشافعية بنحو ثلاث خطوات متواليات عرفاً وما في معناه كوثبة كبيرة. وهو مبطل للصلاة إذا لم يكن من أعمالها ولا لإصلاحها ولا لدفع الأذى، فلا تفسد بزيادة نحو ركوع سهواً اتفاقاً وكذا عمداً عند الحنفيين، ولا تبطل بالمشي والوضوء لسبق الحدث لأنهما لإصلاحها ولا لقتل نحو حية خاف أذاها على ما تقدم بيانه (١). وكذا لا تبطل بزيادة قولية كتكرير الفاتحة ولو عمداً اتفاقاً.
(٥) وتبطل بالتحول عن القبلة إذا تحول بصدره عنها ولو مضطراً إذا مكث قدر أداء ركن لفقد شرط من شروط الصلاة. وكذا إن تحول مختاراً لغير عذر عند الحنفيين وإلا فلا تبطل ولو كثر التحول.
(وقالت) الشافعية: إذا تحول بصدره عن القبلة أو حول غيره قهراً بطلت صلاته ولو عاد عن قرب، أما لو انحرف جاهلا أو ناسياً وعاد من قرب فلا تبطل.
(وقالت) المالكية والحنبلية: التحول عن القبلة لا يبطل الصلاة ما لم تتحول قدماه عن القبلة.
(٦) وتبطل بترك شرط من شروط الصلاة، أو ركن من أركانها بلا عذر اتفاقاً.
(٧) وتبطل بحصول مبطل للطهارة غير سبق الحدث قبل القعود الأخير قدر التشهد اتفاقاً، وكذا بعده وقبل السلام عند الأئمة الأربعة لفقد شرط من شروط الصلاة. ولا تبطل عند أبى يوسف ومحمد، لأن الخروج بالصنع واجب عندهما، وفرض عند أبى حنيفة".
(٨) وتبطل بسبق المأموم إمامه بركن عمداً كما لو ركع ورفع رأسه قبل إمامه عمداً ولم يعده معه أو بعده، وإن سبقه سهواً، فإن عاد وركع
стр. 1237
مع إمامه أو بعده وسلم صحت صلاته، وإلا فلا على ما تقدم تفصيله في "بحث المتابعة" (١).
(٩) وتبطل بزوال مسقط الركن أو الشرط وتحته صور:
(أ) من صلى بالإيماء ثم قدر على الركوع والسجود تبطل صلاته ويستأنفها بركوع وسجود عند الحنفيين، لأنه لا يصح بناء القوى على الضعيف. وقال غيرهم: يتمها بما قدر عليه ولا يستأنفها لأنه دخلها بوجه مشروع.
(ب) من صلى متيمماً ثم قدر على استعمال الماء قبل القعود الأخير قدر التشهد تبطل صلاته عند الحنفيين وأحمد والشافعي. وكذا إن قدر على استعماله بعده وقبل السلام عند أبى حنيفة والشافعي وأحمد (وقال) أبو يوسف ومحمد: لا تبطل، لأن الصلاة قد تمت عندهما كما تقدم.
(وقالت المالكية) إن قدر المتيمم على استعمال الماء في أثناء الصلاة لا تبطل إلا إذا كان ناسياً له واتسع الوقت لإدراك ركعة منها بعد استعماله.
(حـ) من صلى عرياناً ثم قدر على الساتر الطاهر ولو ربعه فسدت صلاته واستأنفها عند الحنفيين. أما إذا كان كله نجساً فلا تبطل بل يخير بين إتمام الصلاة عارياً واستئنافها لابساً له.
(وقالت المالكية) إذا كان الساتر قريباً بأن كان بينه وبينه نحو صفين من صفوف الصلاة، لزمه أخذه والستر به، فإن لم يفعل أعاد الصلاة في الوقت.
وإن كان بعيداً كمل الصلاة عارياً ثم أعادها مستوراً في الوقت.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: إذا أمكنه الاستتار بدون عمل كثير استتر به وأتم صلاته، وإلا بطلت صلاته واستأنفها مستوراً.
(د) من صلى عاجزاً عن القراءة ثم قدر عليها في أثناء الصلاة، فسدت واستأنفها بقراءة ما لم يكن مقتدياً بقارئ عند الحنفيين وأحمد.
стр. 1238
(وقالت) المالكية والشافعية: الأمي إذا تعلم شيئاً من القراءة في أثناء الصلاة، بنى على ما تقدم بقراءة ما تعلم، ولا تبطل لدخوله فيها بوجه جائز.
(١٠) وتبطل بفقد شرط من شروط الجماعة على ما تقدم بيانه (١).
(١١) وتبطل بالاقتداء في موضع الانفراد كما لو تابع المسبوق الأمام في سجود السهو بعد تأكد انفراده، بأن قام بعد قعود الإمام قدر التشهد وقيد ركعته بسجدة ثم تذكر الإمام سجود سهو فتابعه.
وهذا مذهب الحنفيين (وقالت) المالكية تبطل صلاة من لم يدرك ركعة بسجوده السهو مع الإمام، وكذا من أدرك ركعة فأكثر إذا سجد مع إمامه السجود البعدي، بخلاف السجود القبلي.
(وقالت) الشافعية: إذا عاد الإمام إلى سجود السهو بعد سلامه ناسياً موجب السجود، فعلى المسبوق العود للسجود معه ولو تلبس بالقيام، لتبين أن إمامه لم يخرج من الصلاة. فإن لم يعد بطلت صلاته ولا تنفعه نية المفارقة في القيام.
(وقالت) الحنبلية: لو قام مسبوق بعدم سلام إمامه ظاناً عدم سهوه فسجد الإمام رجع المسبوق وجوباً إن لم يستتم قائماً فسجد معه. وإن استتم قائماً كره رجوعه. وإن شرع في القراءة حرم رجوعه وبطلت صلاته، لأنه تلبس بركن مقصود فلا يرجع إلى واجب.
(١٢) وتبطل الصلاة بقطعها بنية الانتقال إلى غيرها، كما لو نوى المنفرد الاقتداء بغيره، أو نوى المقتدى الانفراد، أو انتقل بالتكبير من فرض لفرض، أو من فرض إلى نفل وبالعكس. ويستثنى من ذلك عند الشافعية الانتقال من فرض إلى نفل لمنفرد رأى جماعة يريد الدخول معهم في الفرض.
стр. 1239
(١٣) وتبطل باستخلاف من لا يصلح إماماً كأمي ومعذور على ما تقدم بيانه في شروط الجماعة (١).
(فائدة) لا تبطل الصلاة بأفعال القلب وتفكيره في غير أعمالها ما لم يصحبها فعل الجوارح، فمن رتب في فكره كلاماً أو عملا ولم يتكلم ولم يفعل، لا تفسد صلاته، لكنه خلاف الأولى، إن فكر في أمر أُخروى غير الصلاة، لما فيه من الإعراض عن الصلاة المقصودة بالمناجاة، ومكروه تحريماً إن فكر في أمر دنيوي لمنافاته الخشوع الذي هو للصلاة كالروح للجسد، ولما فيه من الإعراض بالقلب عن مناجاة الرب ، وفيه من سوء الأدب مع الله تعالى ما لا يخفى، كيف ومن وقف بين يدي كبير من أكابر الدنيا يحذر كل الحذر من أن يحصل منه التفات إلى شئ آخر مع أنه عبد مثله، ولو التفت مناجيه حال مناجاته إلى غيره لاشتد سخطه عليه وعظم غضبه منه. وما أحسن ما قاله الشيخ شرف الدين إسماعيل بن المقري في تائيته:
تصلى بلا قلب صلاة بمثلها ... يكون الفتى مستوجباً للعقوبة
تظل وقد أتممتها غير عالم ... تزيد احتياطاً ركعة بعد ركعة
فويلك، تدرى من تناجيه معرضاً ... وبين يدي من تنحني غير مخبت (٢)
تخاطبه إياك نعبد مقبلا ... على غيره فيها بغير ضرورة
ولو رد من ناجاك للغير طرفه ... تميزت (٣) من غيظ عليه وغيرة
أما تستحي من مالك الملك أن يرى ... صدودك عنه يا قليل المروءة
ذكره الحلبي (٤). ثم قال: قال الإمام الغزالى: لا تسجد ولا تركع إلا وقلبك خاشع متواضع على موافقة ظاهرك، فإن المراد خشوع القلب
стр. 1240
لا خضوع البدن فقط، ولا تقل الله أكبر وفى قلبك شئ أكبر من الله، ولا تقل وجهت وجهي إلا وقلبك متوجه بكله إلى الله ومعرض عن غيره، ولا تقل الحمد لله إلا وقلبك طافح بشكر نعمته عليك فرح مستبشر، ولا تقل إياك نعبد وإياك نستعين إلا مستشعر ضعفك وعجزك وأنه ليس إليك ولا إلى غيرك من الأمر شئ، وكذلك في جميع الأذكار والأعمال. أهـ (١).
(وقال) الغزالى: وقد روى أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵊: يا موسى إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكرى خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم قيام العبد الذليل وناجني بقلب وجل ولسان صادق (٢).
(وقال) العلامة الحلبي: وبالجملة فالتفكير في الصلاة بغير ما يتعلق بها إن كان دنيوياً فمكروه أشد الكراهة، بل مفسد عند أهل الحقيقة (٣) لفوات الركن الأصلي المقصود بالذات، وإن كان أُخروياً فهو ترك الأولى، فإن الاشتغال في الصلاة بها أولى من الاشتغال بغيرها من أمور الآخرة؛ فإنها قد ساوت ذلك الغير في كونها من أمور الآخرة، وترجحت بأن الوقت والمحل لها. فاعلم ذلك راشداً. وبالله التوفيق (٤).
(الثاني) قضاء الفوائت
اعلم أن الأداء الكامل تسليم عين المطلوب في وقته بجماعة، والأداء الناقص تسليم المطلوب في وقته بلا جماعة. والقضاء تسليم نفس المطلوب بعد وقته.
стр. 1241
والإعادة فعل مثل المطلوب في وقته لخلل غير الفساد. والكلام هنا في ستة فروع:
(أ) حكم القضاء:
هو فرض في الفرض، وواجب في الواجب كالوتر عند من يوجبه، وسنة فيه عند من يرى أنه سنة كما تقدم بيانه في بحث "قضاء الوتر" (١).
وسنة أيضاً في سنة الصبح وغيرها من الرواتب على ما تقدم تفصيله في بحث "قضاء الرواتب" (٢). هذا. ويفترض قضاء المكتوبة على من فاتته لعذر أو غيره (لقول) أبى قتادة: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة. فقال: إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسى أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها. أخرجه النسائي والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح (٣). [١٥]
(ولحديث) أنس رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: "أقم الصلاة لذكرى". أخرجه مسلم (٤). [١٦]
(ففي) هذه الأحاديث دلالة على وجوب القضاء على من فاتته الصلاة ولو عامداً وهو مذهب الجمهور. والتقييد فيها بالنسيان أو النوم، لا للاحتراز بل من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا وجب القضاء على الناسي والنائم مع سقوط الإثم عنهما، فيجب على العامد بالأولى.
стр. 1242
(وقال) جماعة: العامد لا يقضى الصلاة أخذاً بمفهوم قوله ﷺ "فإذا نسى" لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط، فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلى (وهو مردود) بما تقدم وبعموم قوله ﷺ : نعم فدين الله أحق أن يقضى. أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس (١). [١٧]
وبأنه قد ثبت في حق تارك الصلاة أمران:
(الأول) ثبوت الإثم عن تاركها عمداً. والإثم سوء أكان صغيراً أم كبيراً يرتفع بالتوبة. وهى لا تتحقق إلا بقضاء ما عليه. ولا نزاع في أن تارك الصلاة عمداً إذا قضاها لا يسقط عنه إثم التأخير. ولا يلزم من عدم سقوطه أنه لا فائدة في القضاء فقد سقط به الطلب الثابت بطريق الأولى من أمر الناسي والنائم بالقضاء.
(الثاني) شغل ذمة التارك بوجوب الصلاة عليه إذا دخل وقتها. وبراءة ذمته تكون إما بالأداء ولم يوجد في وقتها، وإما بالعجز ولم يتحقق فإنه قادر على أصل العبادة وإن عجز عن إدراك فضيلة الوقت لخروجه، وإما بإسقاط صاحب الحق لحقه، وهذا لم يوجد لا صراحة ولا ضمناً، إنما الذي وجد خروج الوقت وهو لا يصلح مسقطاً لما تقرر في ذمته أولاً. ولما لم توجد براءة الذمة بأي نوع من تلك الأنواع كان ما ترتب في ذمته باقياً يطلب منه أداؤه، فيجب الإتيان به لأجل براءة الذمة.
(وبما تقدم) تعلم سقوط قول الشوكاني: إن قضاء العامد لا فائدة فيه، فيكون إثباته مع عدم النص عبثاً (٢).
(قال) النووي: وشذ بعض أهل الظاهر فقال: لا يجب قضاء الفائتة بغير عذر، وزعم أنها أعظم من أن يخرج من وبال معصيتها بالقضاء. وهذا خطأ من صاحبه وجهالة (٣). وهو كلام حق يجب المصير إليه.
стр. 1243
(ب) وقت القضاء:
الأمر في الأحاديث السابقة بفعل الفائتة عند تذكرها استدل به جماعة على وجوبها على الفور، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد، وهو الراجح من مذهب مالك. فلا يجوز تأخير القضاء إلا لعذر كالسعى لتحصيل الرزق ودرس العلم الواجب عليه وجوباً عينياً والأكل والنوم. ولا يرتفع الإثم بمجرد القضاء بل لابد من التوبة، والاشتغال بالنوافل لا ينافى القضاء فوراً عند الحنفيين. لكن الأولى أن يشتغل بقضاء الفوائت ويترك النوافل إلا الرواتب وصلاة الضحى وتحية المسجد.
(وقالت) المالكية: يحرم على من عليه فوائت التنقل بغير السنة كصلاة العيد وركعتي الفجر والشفع المتصل بالوتر. فإن صلى نافلة غير هذه كالتراويح، فله ثواب الصلاة وعليه إثم تأخير القضاء.
(وقالت) الحنبلية: يحرم عليه النفل المطلق ولا ينعقد. أما النفل المقيد كالرواتب والوتر فله أن يصليه، ولكن الأولى تركه إن كثرت الفوائت إلا سنة الفجر لتأكدها.
(وقالت) الشافعية: إن فاتت الصلاة لغير عذر وجب قضاؤها فوراً إلا لضرورة كالسعى لتحصيل الرزق وضيق وقت الحاصر وتذكر الفائتة وقت خطبة الجمعة، فإنه يجب تأخيرها حتى يصلى الجمعة، وكذا لو تذكرها بعد الشروع في الحاضرة فإنه يتمها ولو اتسع الوقت. ويحرم على من لزمه القضاء فوراً الاشتغال بصلاة التطوع ولو راتبة حتى تبرأ ذمته من الفوائت.
(أما من فاتته) الصلاة لعذر كنوم أو نسيان فيلزمه القضاء على التراخي لما روى ابن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس وقال لبلال: اكلأ لنا الليل. فغلبت بلالا عيناه وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ النبي ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً، ففزع فقال: يا بلال، فقال: أخذ
стр. 1244
بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله بأبي أنت وأمي. فاقتادوا رواحلهم شيئاً ثم توضأ النبي ﷺ وأمر بلالا فأقام لهم الصلاة وصلى لهم الصبح.
فلما قضى الصلاة قال: من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله تعالى قال: "أقم الصلاة لذكرى". أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه وأخرجه الشافعي مرسلا عن ابن المسيب (١). [١٨]
فقوله: فاقتادوا رواحلهم شيئاً، دليل على أن قضاء الفائتة واجب على التراخي (والأمر) في قوله ﷺ : فليصلها إذا ذكرها (محمول) على الاستحباب. ووقت التذكر متسع، فإنه لو تذكرها ودام ذلك التذكر مدة وصلى أثناء تلك المدة صدق عليه أنه صلاها حين التذكر، وليس بلازم أن يكون أول حال التذكر.
هذا (وقد) اتفق العلماء على أن النائم ليس بمكلف حال نومه للأحاديث السابقة (ولا ينافيه) إيجاب الضمان عليه فيما أتلفه من المال وإلزامه دية ما جناه على إنسان (لأن ذلك) من الأحكام الوضعية لا التكليفية. وأحكام الوضع تلزم النائم والصبي والمجنون بالاتفاق.
(وظاهر) الأحاديث أنه لا تفريط في النوم سواء أكان قبل دخول وقت الصلاة أم بعده قبل تضييقه إلا إذا اتخذ ذلك وسيلة إلى ترك الصلاة لغلبة ظنه بأنه لا يستيقظ إلا وقد خرج الوقت، فإنه يكون آثماً بذلك، كما أنه يأثم إذا نام بعد ضيق الوقت.
стр. 1245
(جـ) القضاء لا يتكرر:
لا يجب على من قضى الصلاة إعادتها في مثل وقتها من الغد إجماعاً (لقول) عمران بن حصين: سرينا مع النبي ﷺ ، فلما كان من آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشاً إلى طهوره. فأمرهم النبي ﷺ أن يسكنوا. ثم ارتحلنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلالا فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام الصلاة فصلينا فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم؟ . أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وصححه (١). [١٩]
(قال) الخطابي: وأما قوله: ومن الغد للوقت (٢). فلا أعلم أحداً من الفقهاء قال بإعادتها وجوباً، ويشبه أن يكون الأمر بها استحباباً ليحرز فضيلة الوقت في القضاء عند مصادفة الوقت (٣). وما قاله من استحباب الإعادة من الغد لم يقل به أحد من السلف.
قال النووي: وأما قوله ﷺ : فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها. فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ولا يتحول في المستقبل بل يبقى كما كان. فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول، وليس معناه أنه يقضى الفائتة مرتين: مرة في الحال ومرة في الغد. وإنما معناه ما قدمناه وهو الصواب (٤).
стр. 1246
هذا. وقد استفيد من حديث عمران مشروعية الأذان والإقامة والجماعة للفائتة، وأن سنة الفجر تقضى إذا فاتت. وقد تقدم بيانه في محله.
(فائدة) من فاتته فرائض لا يدرى عددها يلزمه القضاء حتى يغلب على ظنه براءة ذمته عند الحنفيين ومالك وحتى يتيقن براءتها عند الشافعية والحنبلية. ويكفى حال القضاء تعيين المنوي كالظهر أو العصر عند الأئمة الثلاثة. وقال الحنفيون: إنه لابد من تعيين الزمن بأن ينوى أول ظهر أو آخر ظهر عليه.
(د) ترتيب الفوائت:
قال الحنفيون والثوري والليث: يجب الترتيب بين الفوائت وبين الفائتة والوقتية (لحديث) جابر أن عمر رضى الله عنه شغل يوم الخندق وقال: يا رسول الله ما كدت أُصلى العصر حتى كادت الشمس أن تغرب. فقال النبي ﷺ : والله ما صليتها، فتوضأ وتوضأنا، فصلى العصر بعدما غربت الشمس وصلينا بعدها المغرب. أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي وقال هذا حسن صحيح (١). [٢٠]
فلو كان الترتيب مستحباً لما أخر النبي ﷺ لأجله المغرب. وعن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله. وأخرجه
стр. 1247
الشافعي والطحاوى عن أبى سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة (الحديث) بنحوه إلى: ثم أقام العشاء فصلاها، قال: وذلك قبل أن ينزل فى صلاة الخوف: " فرجالا أو ركباناً" (١). [٢١].
(قال) الحلبى: ولو كان الترتيب مستحباً لتركه ﵊ مرة أو أشار إلى تركة ولم ينقل. ولا نقل أيضاً عن أحد من الصحابة قولا ولا فعلا (٢).
هذا. ويسقط الترتيب عند الحنفيين بواحد من ثلاثة:
(الأول) ضيق الوقت؛ لأنه يحرم تأخير الصلاة عن وقتها بالكتاب والسنة والإجماع، فرجح على دليل اشتراط الترتيب.
(الثانى) نسيان الفائتة؛ لأن وقتها وقت تذكرها ولم يوجد (لحديث أنس أن النبى ﷺ قال: "من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك: وأقم الصلاة لذكرى" أخرجه الشيخان وأبو داود والطحاوى (٣). [٢٢].
فلو صلى الظهر ناسياً أن عليه الصبح مثلا، أو صلى فائتة ناسياً ما قبلها ثم تذكر بعد ما صلى، فلا شئ عليه.
стр. 1248
(الثالث) كثرة الفوائت بصيرورتها ستاً، سواء أكانت فوائت حقيقية أم حكمية، كما لو كان عليه فائتة وصلى خمس صلوات متذكراً فى كل الفائتة، فإذا صلاها بعد خروج وقت الخامسة تبين صحة الكل. وإنما سقط الترتيب بكثرة الفوائت لأن فى التزامه حرجاً وهو مرفوع بنص الكتاب، وقد يؤدى الاشتغال بالترتيب إلى تأخير الوقتية، وه حرام كما تقدم.
(ولا يعود) الترتيب بعود الفوائت إلى القلة بقضاء بعضها على المختار.
(وحاصل) مذهب المالكية أن ترتيب الفوائت فى نفسها قلت أو كثرت واجب غير شرط عند الذكر فيقدم الظهر على العصر وهى على المغرب وهكذا، فإن نكس صحت وأثم إن تعمد. وكذا يجب ترتيب يسير للفوائت وهو خمس فأقل مع الحاصرة، فمن كان عليه المغرب والعشاء والصبح وجب عليه تقديمهما على الصبح الحاضرة وإن أدى ذلك إلى إخراجها عن وقتها. وعن أشهب: يتخير فى البدء بالحاضرة أو الفائتة.
(وقالت) الشافعية: ترتيب الحاضرتين المجموعتين جمع تقديم واجب وترتيب المجموعتين جمع تأخير سنة، وكذا الترتيب بين الفوائت وبين الفائتة والحاضرة التى لم يضق وقتها ولم يخش فواتها بعدم إدراك ركعة منها فى الوقت.
(وإذا) شرع فى الفائتة قبل الحاضرة معتقداً سعة الوقت فظهر له بعد الشروع فيها أنه لو أتمها لم يدرك من الحاضرة ركعة فى الوقت، فإما أن يقطع الفائتة أو يقبلها نفلا وهو أفضل.
(وأجابوا) عن أدلة من قال بوجوب الترتيب بأن مجرد فعله ﷺ لا يدل على الوجوب.
(ورد) بأن فعله ﷺ قرن:
(أ) بقوله ﷺ : صلوا كما رأيتمونى أُصلى. أخرجه البخارى من حديث مالك بن الحويرث (١)
[٢٣].
стр. 1249
(ب) وقوله: من نسى صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليتم صلاته فإذا فرغ منها فليصل التى نسى ثم ليعد التى صلاها مع الإمام. أخرجه مالك والطحاوى والدارقطنى وصحح وقفه والطبرانى فى الأوسط بسند رجاله ثقات عن ابن عمر والبيهقى وقال: تفرد أبو إبراهيم الترجمانى برواية هذا الحديث مرفوعاً. والصحيح (أنه من قول ابن عمر موقوفاً (١). [٢٤].
(ورد) بأن الترجمانى وثقه غير واحد وفى روايته زيادة الرفع، وهى زيادة ثقة فوجب قبولها.
(وقالت) الحنبلية: يجب ترتيب الحاضرين بشرط التذكر، فإن كان مسافراً وأراد الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم أو تأخير، وجب عليه تقديم الظهر على العصر. فإن خالف وهو متذكر للظهر ولو فى أثناء العصر بطلت ويقطعها، وقيل يتمها نفلا. وإن استمر ناسياً حتى فرغ من صلاة العصر صحت.
(ويجب) الترتيب بين الفائتة والحاضرة عند التذكر واتساع الوقت الاختيارى للحاضرة. فمن أحرم بالحاضرة ثم ذكر فى أثنائها أن عليه فائتة والوقت متسع، فإنه يتمها ويقضى الفائتة ثم يعيد الصلاة التى كان فيها، وقيل يقطعها. أما إذا لم يتذكر الفائتة إلا بعد فراغه من الحاضرة فإنها تجزئه ويقضى الفائتة. وكذا الترتيب بين الفوائت واجب قلت أو كثرت. فإن كان عليه ظهر وعصر مثلا وصلى العصر قبل الظهر متذكرها بطلت المتقدمة.
(واستدلوا) بما تقدم للحنفيين (وبحديث) أبى جمعة حبيب بن سباع:
стр. 1250
أن النبى ﷺ صلى المغرب عام الأحزاب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أنى صليت العصر؟ فقالوا: يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر ثم أعاد المغرب. أخرجه أحمد والبيهقى والطبرانى فى الكبير. وفى سنده ابن لهيعة وهو ضعيف (١). [٢٥].
(هـ) كيفية القضاء:
تقضى الصلاة على الصفة التى فاتت عليها، ففائتة الحضر تقضى أربعاً ولو قضاها فى السفر اتفاقاً. وكذا لو كان القضاء فى الحضر عند الحنفيين ومالك، لأنها وجبت مقصورة، فيجب قضاؤها كما وجبت.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: يجب قضاؤها أربعاً، لن الأصل الإتمام فيجب الرجوع إليه فى الحضر. ومن فاتته صلاة سرية كالظهر أسر فى قضائها إن قضاها نهاراً اتفاقاً، وكذا لو قضاها ليلا خلافاً للشافعى فإنه اعتبر وقت القضاء فى السر والجهر. ومن فاتته صلاة جهرية كالعشاء جهر فى قضائها إن قضاها ليلا اتفاقاً، وكذا لو كان القضاء نهاراً خلافاً للشافعى.
(و) هل تقضى الفائتة فى أوقات النهى؟
تقدم بيانه مفصلا فى بحث " الأوقات المنهى عن الصلاة فيها" وما بعدها (٢).
(وجملة) القول فيه أن مذهب الحنفيين أنها تقضى فى كل وقت إلا وقت طلوع الشمس ووقت استوائها ووقت غروبها، مستدلين بعموم النى عن الصلاة فى هذه الأوقات، بناء على أن النهى يقتضى الفساد. وهذا ما يشهد له الدليل.
(وقالت) المالكية: إن كانت الفائتة فى ذمته يقيناً أو ظناً قضاها فى
стр. 1251
أى وقت، مستدلين بما تقدم عن أنس أن النبى ﷺ قال: من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها (١).
(وإن شك) فى شغل ذمته بها قضاها فى غير أوقات النهى عن النافلة.
ويحرم قضاؤها فى أوقات حرمة النافلة، ويكره فى أوقات كراهتها.
(وقالت) الشافعية: يجوز قضاؤها فى كل وقت (لحديث) أنس السابق إلا وقت خطبة الجمعة، فإنه لا يجوز فيه قضاء الفوائت لما تقدم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت. أخرجه الشافعى والجماعة وصححه الترمذى (٢). [٢٦].
ووجه الدلالة أنه إذا منع من هذه الكلمة وهى أمر بمعروف-لما فيها من الاشتغال عن الخطبة- فالمنع من الصلاة أولى. ويستثنى من ذلك تحية المسجد لورود النص بها كما تقدم فى بحث " التحية" (٣).
(وقالت) الحنبلية: يجوز قضاؤها فى كل وقت بلا استثناء، لعموم حديث أنس السابق.
(الثالث) صلاة المريض
قال الله تعالى: " الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ" (٤).
قال ابن مسعود وغيره: الآية نزلت فى الصلاة، أى صلوا قياماً إن قدروا
стр. 1252
وقعوداً إن عجزوا عنه وعلى جنوبهم إن عجزوا عن القعود. أخرج معناه الطبرانى وابن أبى حاتم (١).
(وقال) عمران بن حصين: كانت بى بواسير، فسألت النبى ﷺ عن الصلاة. فقال: صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب. أخرجه السبعة إلا مسلماً وزاد النسائى: فإن لم تستطع فمستلقياً "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" (٢). [٢٧].
والكلام بعد ينحصر فى أحد عشر فرعاً:
(١) قيام المريض:
يلزمه القيام فى الفرض إجماعاً إن قدر عليه ولو معتمداً على نحو حائط وعصا لما تقدم عن أُم قيس بنت محصن أن النبى ﷺ لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً فى مصلاة يعتمد عليه. أخرجه أبو داود، وفى سنده عبد الرحمن بن صخر، مجهول (٣). [٢٨].
(ويلزمه) حينئذ القيام مستنداً عند غير المالكية على ما تقدم فى بحث " القيام" من أركان الصلاة (قال) أبو عبد الله بن قدامة: وإن قدر على القيام بأن يتكئ على عصا، أو يستند إلى حائط، او يعتمد على أحد جانبيه لزمه؛ لأنه قادر على القيام من غير ضرر، فلزمه كما لو قدر بغير هذه
стр. 1253
الأشياء (١). ومن قدر على بعض القيام ولو متكئاً على عصا أو حائط قام لزوماً بقدر ما يقدر ولو بقدر آية أو تكبيرة على الصحيح عند الحنفيين وغيرهم. ومن قدر على القيام إذا صلى منفرداً وعجز عنه إذا صلى مع الإمام لتطويله صلى مع الإمام قائماً، وإذا شعر بضعف قعد وأتم الصلاة جماعة حسبما يقدر عند غير الحنبلية. وعن أحمد روايتان.
(قال) أبو عبد الله بن قدامة: وإن قدر المريض على الصلاة وحده قائماً ولا يقدر عليه مع الإمام لتطويله يحتمل ان يلزمه القيام ويصلى وحده، لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة، والجماعة تصح الصلاة بدونها.
ويحتمل أنه يخير بين الأمرين، لأنا أبحنا له ترك القيام المقدور له مع إمام عاجز عن القيام مراعاة للجماعة، فهنا أولى ولأن الثواب يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام، بدليل أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة الجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده سبعاً وعشرين درجة. وهذا أحسن وهو مذهب الشافعي (٢).
(٢) عجز المريض عن الركوع
من قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، لم يسقط عنه القيام عند مالك والشافعي وأحمد والجمهور، بل يصلى قائماً مومياً بالركوع ثم يجلس فيومئ بالسجود. ومن عجز عن السجود وحده ركع وأومأ للسجود، لأن القيام ركن قدر عليه فلزمه الإتيان به، والعجز عن غيره لا يقتضى سقوطه، لأن الطاعة بقدر الطاقة.
(قال) الحنفيون: يسقط عنه القيام لأن ركنيته لكونه وسيلة إلى السجود
стр. 1254
فيسقط بسقوط اصله، ويخير المصلى بين القيام مومياً بالركوع والسجود وبين القعود وهو أفضل من القيام، لأن رأسه فى الإيماء قاعداً يكون أقرب إلى الأرض، ويكون إيماؤه للسجود اخفض من إيمائه للركوع.
(٣) عجزه عن القيام:
من عجز عن القيام بنفسه او مستنداً لمرض حقيقى بأن يلحقه بالقيام ضرر، او حكمى بأن خاف زيادته أو بطأه أو دوران رأسه، أو وجد ألماً شديداً بسبب القيام، أو كان لو صلى قائماً سلس بوله او تعذر عليه الصيام صلى قاعداً كيف شاء ولو مستنداً بركوع وسجود، لما تقدم، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١).
(وعن ابن عباس) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: " يصلى المريض قائماً، فإن نالته مشقة صلى جالساً، فإن نالته مشقة صلى نائماً يومئ براسه " أخرجه الطبرانى فى الأوسط وفى
سنده حلس بن محمد الضبعى. قال الهيثمى: لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات (٢) [٢٩].
(وبهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور، لأن فى تكليفه القيام حينئذ حرجاً، والعبرة فى عدم استطاعة القيام بوجود مشقة فيه، ومنها دوران الرأس فى حق راكب السفينة ونحوها.
(قال النووى) ولو جلس للغزاة رقيب يراقب العدو فحضرت الصلاة ولو قام لرآه العدو، أو جلس الغزاة فى مكمن ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير، فلهم الصلاة قعوداً وتجب الإعادة لندوره (٣).
стр. 1255
(قال المختار) بن فلفل: سألت أنساً عن صلاة المريض، فقال: يركع ويسجد قاعداً فى المكتوبة. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (١)(٦).
(وعلى) أى حال إن قعد العاجز عن القيام أجزأه، واختلفوا فى الأفضل (فقال) مالك والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد: الأفضل التربع، لأنه بدل القيام، والقيام يخالف القعود فى الصلاة، فينبغى أن يكون بدله كذلك، ولأنه أبعد عن السهو والاشتباه (وعن) أبى حنيفة وزفر والزنى أن الافتراش أفضل.
(٤) عجزه عن السجود:
من قدر على القعود وعجز عن السجود ركع وأ ومأ إلى السجود، وإن عجز عن الركوع والسجود وأومأ بهما (ويكره) تحريماً عند الحنفيين أن يرفع إلى وجهه شيئاً يسجد عليه (الحديث) جابر أن النبي ﷺ عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة، فأخذه فرمى بها، فأخذ عوداً ليصلي عليه، فأخذه فرمى به وقال: صلى على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك. أخرجه البراز والبيهقي في المعرفة والسنن بسند قوي (٢). [٣٠].
(وعن أبي حنيفة) عن حماد عن إبراهيم أنه قال في المريض: إذا لم يستطع القيام يصلي جالساً، فإن لم يستطع يسجد فليوم إيماء، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يسجد على الحجر ولا على عود. أخرجه أبو يوسف في الآثار (٣)(٧).
стр. 1256
فإن رفع شيئاً يسجد عليه وكان ينخفض رأسه للسجود صح، وإلا فلا، لتركه فرض الإيماء للسجود (وهذا) مشهور مذهب الحنبلية.
(قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: فأما إن رفع إلى وجهه شيئاً فسجد عليه، فقال بعض أصحابنا لا يجزيه. وروى عن ابن مسعود وابن عمر وجابر وأنس أنهم قالوا: يومئ ولا يرفع إلى وجهه شيئاً. وهو قول عطاء ومالك والنووي. وروي الأثري عن أحمد أنه قال: أي ذلك فعل فلا بأس يومئ أو يرفع المرفقة فيسجد عليها، قيل له: المروحة؟ قال: لا، أما المروحة فلا. وعن أحمد أنه قال: الإيماء أحب إلي. وإن رفع إلى وجهه شيئاً فسجد عليه أجزأه. وهو قول أبي ثور. ولابد من أن يكون بحيث لا يمكنه الانحطاط أكثر منه. ووجه الأول أنه سجد على ما هو حامل له فلم يجزه كما على يديه (١).
(٥) عجزه عن القعود:
من عج عن القعود بنفسه أو مستنداً ولو كان العجز حكمياً كما لو أخرج الطبيب الماء من عينيه وأمره بعدم القعود أياماً صلى بالإيماء للركوع والسجود مضطجعاً على جنبه الأيمن أو الأيسر، ووجهه إلى القبلة.
(٦) عجزه عن الإضطجاع:
فإن عجز عن الإضطجاع على جنبه: صلى - عند الشافعية - بالإيماء فى الركوع والسجود مستلقياً على ظهره رافعاً رأسه بوسادة ليصير وجهه ورجلاه إلى القبلة (لحديث) علىّ رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال: يصلى المريض قائماً إن استطاع، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ برأسه وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلى قاعداً صلى على
стр. 1257
جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلى على جنبه الأيمن صلى مستلقياً ورجلاه مما يلى القبلة. أخرجه الدارقطنى (١). [٣١].
وفى سنده: (أ) حسين بن زيد، ضعفه على بن المدينى.
(ب) الحسن بن الحسين العرنى، قال الحافظ متروك. ولذا قال النووى: هذا حديث ضعيف. أ. هـ لكن له شواهد منها حديث ابن عباس عند الطبرانى (٢).
(قالت) المالكية والحنبلية: الترتيب بين الاضطجاع والاستلقاء مستحب، فلو صلى على ظهره، استلقى على بطنه عند المالكية وجعل رأسه للقبلة، فإن استلقى على بطنه مع قدرته على الاستلقاء على ظهره لا تصح صلاته.
(٧) عجزه عن الإيماء:
من عجز عن الإيماء للركوع والسجود برأسه أومأ بعينه ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتاً عند جماعة من المالكية والشافعية والحنبلية (لحديث) جعفر بن محمد عن أبيه عن علىّ بن أبى طالب أن
стр. 1258
النبى ﷺ قال: فإن لم يستطع أومأ بطرفه. أخرجه زكريا الساجى (١) [٣٢].
ولما يأتى فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه منقوله ﷺ : وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطتعم. أخرجه مسلم والنسائى والبيهقى (٢). [٣٣].
(وقال) (الحنفيون) من تعذر عليه الإيماء بالرأس تؤخر عنه الصلاة ويقضيها متى قدر إن دام عجزه خمس صلوات فأقل وهو يعقل، وإن زادت على خمس فلا يقضيها وإن كان يفهم الخطاب على الصحيح، لأن مجرد العقل لا يكفى لتوجه الخطاب، ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبه لعدم الأمر به فى حديث عمران (ولما روى) ابن عمر أن النبى ﷺ قال: يصلى المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه. ذكره صاحب الهداية. وقال ابن الهمام: غريب (٣). [٣٤].
ولأن السجود تعلق بالرأس دون العين والحاجب والقلب، فلا ينتقل إليه خلفه وهو الإيماء (واختاره) بعض الحنبلية (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: وإن لم يقدر على الإيماء براسه أومأ بطرفه أو نوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة عنه ما دام عقله ثابتاً. وحكى عن ابى حنيفة أن الصلاة تسقط عنه.
وذكر القاضى: أن هذا ظاهر كلام أحمد فى رواية محمد بن يزيد، لما روى عن أبى سعيد الخدرى أنه قيل له فى مرضه: الصلاة. قال: قد كفانى، إنما العمل فى الصحة (٨). ولأن الصلاة أفعال عجز عنها بالكلية فسقطت عنه لقول الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤).
стр. 1259
(وقال) محمد بن الحسن فيمن قطعت يداه من المرفقين ورجلاه من الساقين: إنه لا صلاة عليه.
(وقال) علاء الدين الحصكفى: ولو اشتبه على مريض أعداد الركعات والسجدات لنعاس يلحقه، لا يلزمه الأداء ولو أداها بتلقين ينبغى أن يجزئه (١).
(٨) تركه القيام للتداوى:
ومن كان مريضاً يقدر على القيام أو القعود، فقال له طبيب حاذق مسلم ثقة: إن صليت مستلقياً أمكن مداوتك، فله الصلاة مستلقياً عند أبى حنيفة والثورى وأحمد؛ لأن النبى ﷺ صلى جالساً حين جحش شقه (٢). والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بل تركه للمشقة او وجود الضرر فأشبه المريض، فهو حجة على الجواز، ولأنا أبحنا له ترك الوضوء إذا لم يجد الماء أو وجده زائداً على ثمن المثل حفظاً لجزء من ماله، وحفظ البدن مقدم على حفظ المال.
وقال مالك والأوزاعى: لا يجوز، لما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه لما كف بصره أتاه رجل فقال: " لو صبرت سبعة ايام لم تصلّ إلا مستلقياً داويت عينك ورجوت أن تبرأ، فأرسل فى ذلك إلى عائشة وأبى هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكل قال له: إن مت فى هذه الأيام ما الذى تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه. ذكره ابن قدامة (٣)(٩).
(وأجاب) عنه الأولون بأنه إن صح يحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين وإنما قال أرجو، أو أنه لم يقبل خبره لكونه مجهول الحال.
стр. 1260
المرض والصحة فى اثناء الصلاة:
ومن مرض فى أثناء الصلاة أتمها بما قدر، فلو شرع فيها قائماً فعرض له مرض منعه من القيام أتمها قاعداً يركع ويسجد إن قدر، وإلا أتمها مومياً قائماً أو قاعداً إن قدر، وإلا أتمها مضطجعاً أو مستلقياً؛ لأن ما مضى من الصلاة كان صحيحاً فيبنى عليه كما لو لم يتغير حاله. وهذا مجمع عليه.
ولو كان مريضاً فافتتح الصلاة قاعداً بركوع وسجود ثم صح فى أثنائها أتم قائماً عند ابى حنيفة وأبى يوسف والشافعى ومالك والثورى وأحمد لما تقدم أنه يجوز عندهم اقتداء القائم بالقاعد لعذر، فجاز البناء، وشهد له الدليل.
(وقال) محمد بن الحسن: يستأنف الصلاة ولا يبنى لما فيه من بناء القوى على الضعيف. ومن افتتحها بإيماء للعجز عن الركوع والسجود ثم قدر عليهما فى أثنائها بنى على ما مضى من صلاته عند الشافعية والمالكية والحنبلية.
(وقال) الحنفيون: يستأنف، لما فيه منبناء القوى على الضعيف. وقد تقدم أنه لا يجوز اقتداء الراكع والساجد بالمومى.
(١٠) من صلى جالساً لعذر فله أجر القائم من رحمة الله بعبده المؤمن وإحسانه إليه أنه إذا اعتاد تأدية طاعة من الطاعات فأقعده مانع قهرى من مرض أو سفر أو نوم عن تأديتها على وجهها يعطى ثوابها كاملا.
(روى) ابن عمرو أن النبى ﷺ قال: ما أحد من الناس يصاب ببلاء فى جسده إلا أمر الله الملائكة الذين يحفظونه فقال: اكتبوا لعبدى كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير ما كان فى وثاقى. أخرجه أحمد والبزار والطبرانى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما (١). [٣٥].
стр. 1261
(وعن عائشة) أن النبى ﷺ قال: ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم أو وجع إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة. اخرجه النسائى (١). [٣٦].
(وعن أبى هريرة) أن النبى ﷺ قال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج على المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك منأجرهم شيئاً. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى بسند قوى (٢). [٣٧].
(١١) كفارة الصلاة:
تقدم أن الصلاة لا تجب عند الحنفيين على مريض عجز عن الإيماء براسه، فغذا مات ولم يقدر على أدائها ولو بالإيماء برأسه لا يلزمه الإيصاء بها وإن قلت، بأن كانت خمس صلوات فأقل (لما تقدم) عن ابن عمر مرفوعاً: يصلى المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه (٣) (ولعدم) قدرته على القضاء بإدراك زمنه على قول من فسر قبول العذر بجواز التأخير. ومن فسره بالسقوط فظاهر.
(ومن مات) وهو يقدر على أدائها ولو بالإيماء ولم يؤدها، يلزمه الإيصاء بكفارتها من ثلث ماله، وعلى من له التصرف فى ماله بوصاية أو وراثة أن يعطى الفقير لكل صلاة نصف صاع من بر أو دقيقة أو سويقه أو صاع تمر أو زبيب أو شعير او قيمته وهى أفضل، لأنها انفع. ونصف الصاع قدح بالكيل المصرى. والوتر كصلاة عند ابى حنيفة، لأنه فرض
стр. 1262
عملى عنده خلافاً لبى يوسف ومحمد (وإن لم يوص) لا يلزم الولى الإطعام.
وإن تبرع به هو أو غيره صح وله الثواب. ول قضاها ورثته أو غيرهم ولو بإذنه لا تسقط عنه، لأنها عبادة بدنية، ولما يأتى عن ابن عباس قال: لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة. أخرجه النسائي فى الكبير والبيهقى بسند صحيح (١)(١٠).
(وقال) ابن عمر: لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومنّ أحد عن أحد، ولكن عن كنت فاعلا تصدقت عنه أو أهديت. أخرجه عبد الرزاق (٢)(١١).
(فقد دل) الأثر على أن من مات وعليه صيام يطعم عنه وليه عن كل يوم قدر على قضائه ولم يقضه مداً من حنطة.
(وقاس) الحنفيون الصلاة على الصوم، (قال) الطحاوى: اعلم أنه قد ورد النص فى الصوم بإسقاطه بالفدية. واتفقت كلمة المشايخ على أن الصلاة كالصوم استحساناً، لكونها أهم منه، وإنما الخلاف بينهم فى أن صلاة يوم كصومه، أو كل فريضة كصوم يوم وهو المعتمد. إذا علمت ذلك تعلم جهل من يقول: إن إسقاط الصلاة لا أصل له (٣).
(وقال) غير الحنفيين: لا كفارة للصلاة إلا قضاؤها. فمن مات وعليه صلوات لا يكفى فى إسقاطها الإطعام (لما تقدم) عن أنس أن النبى ﷺ قال: من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (٤).
стр. 1263
(فقوله) لا كفارة لها إلا ذلك، أى قضاؤها (صريح) فى أنه لا يكفى فيها الإطعام. فقياسها على الصوم قياس معارض للنص فلا يعول عليه.
(قال) الخطابى فى شرح حديث أنس: لا كفارة لها إلا ذلك، يريد انه لا يلزمه فى تركها غرم أو كفارة من صدقة أو نحوها كما تلزمه - فى ترك الصوم فى رمضان من غير عذر- الكفارة، وكما يلزم المحرم- إذا ترك شيئاً من نسكه -كفارة وجبران من دم أو طعام ونحوه.
(وفيه) دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يصلى عن أحد كما يحج عنه وكما يؤدى عنه الديون ونحوها.
(وفيه) دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره (١).
(ومنه) تعلم أن من يقول: إن إسقاط الصلاة بالإطعام لا أصل له - عالم لا جاهل- كما زعمه الطحاوى.
(الرابع) الأعذار المسقطة للصلاة
هى ستة:
(١ و ٢) الحيض والنفاس، فلا يلزم الحائض والنفساء قضاء صلوات أيام الحيض والنفاس بعد زوالهما لما يأتى عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك (يعنى دم الحيض) على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. أخرجه السبعة والبيهقى (٢). [٣٨].
وعلى هذا استقر الإجماع.
стр. 1264
(٣) وتسقط بالردة، فلا يجب على المرتد إذا عاد إلى الإسلام قضاء ما فاته من العبادات زمن ردته عند الجمهور (وقالت) الشافعية: الردة لا تسقط العبادات فيلزمه قضاء ما فاته منها من ردته تغليظاً عليه، كما يلزمه قضاء ما فاته قبل الردة اتفاقاً. وهل يسقط بإسلامه ما فعله من المعاصى قبل الردة؟ الظاهر نعم (لحديث) الإسلام يجبّ ما كان قبله. أخرجه أحمد والطبرانى عن عمرو بن العاص. وابن سعد فى الطبقات عن الزبير وجبير ابن مطعم (١). [٣٩].
فإنه بعمومه يشمل إسلام المرتد.
(٤، ٥) وتسقط بالجنون والإغماء، المطبقين أكثر من يوم وليلة عند الحنفيين. فمن جنّ أو أُغمى عليه يوماً وليلة لزمه قضاء ما فاته من الصلوات لعدم الحرج فيه. وإن زاد ما ذكر على يوم وليلة وزمناً يسيراً لا يقضى ما فاته عند أبى حنيفة وأبى يوسف.
(وقال محمد) يقضى ما لم يمض وقت صلاة سادسة وهو الأصح، لأن الكثرة إنما تتحقق بالدخول فى حد التكرار، وبه يكون الحرج فى القضاء ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، (ومحله) إن لم يكن متعدياً فى سبب الإغماء وإلا لزمه القضاء.
(قال) شيخ زاده: وفى المحيط: لو حصل الإغماء بمعصية كشرب الخمر أكثر من يوم وليلة لا يسقط عنه القضاء اتفاقاً. ولو حصل بالبنج قال محمد: يسقط. وقال الإمام: لا يسقط (٢).
(أما) من كان جنونه أو إغماؤه غير مطبق بأن افاق إفاقة منتظمة فى وقت معلوم كوقت الصبح (فإنه) يلزمه القضاء. وإذا طرأ عذر مسقط للصلاة ولم يبق من الوقت إلا ما يسع التحريمة، فلا يجب قضاء تلك الصلاة بعد زوال
стр. 1265
العذر. أما إن زال وقد بقى من الوقت ما يسع التحريمة، فإنه يجب قضاء ذلك الفرض، غير أنه يشترط لذلك فى حق الحائض والنفساء أن يكون الانقطاع لأكثر مدة الحيض والنفاس. أما إن انقطع لأقل من ذلك فلا يلزمهما القضاء إلا إذا بقى من الوقت ما يسع الغسل والتحريمة.
(وقالت الشافعية) إن استمر الجنون أو الإغماء أو السكر بلا تعد وقتاً كاملا سقطت الصلاة، وإن كان ما ذكر بتعد لا تسقط، وإذا طرأ الجنون ونحوه كالحيض بعد أن مضى من الوقت ما يسع الصلاة وطهرها الفرض يجب قضاء الصلاة، وإن ارتفع العذر وقد بقى منالوقت قدر تكبيرة الإحرام فأكثر وجب قضاء هذه الصلاة، وما قبلها إن كانت تجمع معها كالظهر مع العصر بشرط أن يستمر ارتفاع العذر زمناً يسع الطهر والصلاتين والصلاة المؤداة وطهرها.
(وقالت الحنبلية) الجنون عذر مسقط دون الإغماء، فإن استمر الجنون وقتاً كاملا لا يجب قضاء الصلاة، أما من استتر عقله بإغماء أو مرض غير الجنون أو دواء ولو مباحاً، فإنه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلاة مطلقاً.
(وإذا) طرأ العذر بعد أن مضى من الوقت ما يسع تكبيرة الإحرام وجب قضاء الصلاة بعد زوال العذر، وكذا إن ارتفع وقدبقى من الوقت ما يسع تكبيرة الإحرام، فإنه يجب عليه قضاء تلك الصلاة والتى تجمع معها كالظهر مع العصر.
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: ومن أدرك من أول وقت مكتوبة قدر تكبيرة ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض أو نفاس ثم زال المانع بعد خروج وقتها، لزمه قضاؤها. وإن بقى قدر التكبيرة من آخر الوقت ثم زال المانع ووجد المقتضى للوجوب ببلوغ صبى أو إفاقة مجنون أو إسلام كافر أو طهر حائض أو نفساء، وجب قضاؤها وقضاء ما تجمع إليها قبلها.
فإن كان زوال المانع أو طرو التكليف قبل طلوع الشمس لزمه قضاء الصبح