(وعن عائشة) أن النبى ﷺ قال: ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم أو وجع إلا كتب الله له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة. اخرجه النسائى (١). [٣٦].
(وعن أبى هريرة) أن النبى ﷺ قال: من توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج على المسجد فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك منأجرهم شيئاً. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى بسند قوى (٢). [٣٧].
(١١) كفارة الصلاة:
تقدم أن الصلاة لا تجب عند الحنفيين على مريض عجز عن الإيماء براسه، فغذا مات ولم يقدر على أدائها ولو بالإيماء برأسه لا يلزمه الإيصاء بها وإن قلت، بأن كانت خمس صلوات فأقل (لما تقدم) عن ابن عمر مرفوعاً: يصلى المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ إيماء، فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه (٣) (ولعدم) قدرته على القضاء بإدراك زمنه على قول من فسر قبول العذر بجواز التأخير. ومن فسره بالسقوط فظاهر.
(ومن مات) وهو يقدر على أدائها ولو بالإيماء ولم يؤدها، يلزمه الإيصاء بكفارتها من ثلث ماله، وعلى من له التصرف فى ماله بوصاية أو وراثة أن يعطى الفقير لكل صلاة نصف صاع من بر أو دقيقة أو سويقه أو صاع تمر أو زبيب أو شعير او قيمته وهى أفضل، لأنها انفع. ونصف الصاع قدح بالكيل المصرى. والوتر كصلاة عند ابى حنيفة، لأنه فرض
стр. 1262
عملى عنده خلافاً لبى يوسف ومحمد (وإن لم يوص) لا يلزم الولى الإطعام.
وإن تبرع به هو أو غيره صح وله الثواب. ول قضاها ورثته أو غيرهم ولو بإذنه لا تسقط عنه، لأنها عبادة بدنية، ولما يأتى عن ابن عباس قال: لا يصلى أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة. أخرجه النسائي فى الكبير والبيهقى بسند صحيح (١)(١٠).
(وقال) ابن عمر: لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومنّ أحد عن أحد، ولكن عن كنت فاعلا تصدقت عنه أو أهديت. أخرجه عبد الرزاق (٢)(١١).
(فقد دل) الأثر على أن من مات وعليه صيام يطعم عنه وليه عن كل يوم قدر على قضائه ولم يقضه مداً من حنطة.
(وقاس) الحنفيون الصلاة على الصوم، (قال) الطحاوى: اعلم أنه قد ورد النص فى الصوم بإسقاطه بالفدية. واتفقت كلمة المشايخ على أن الصلاة كالصوم استحساناً، لكونها أهم منه، وإنما الخلاف بينهم فى أن صلاة يوم كصومه، أو كل فريضة كصوم يوم وهو المعتمد. إذا علمت ذلك تعلم جهل من يقول: إن إسقاط الصلاة لا أصل له (٣).
(وقال) غير الحنفيين: لا كفارة للصلاة إلا قضاؤها. فمن مات وعليه صلوات لا يكفى فى إسقاطها الإطعام (لما تقدم) عن أنس أن النبى ﷺ قال: من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك (٤).
стр. 1263
(فقوله) لا كفارة لها إلا ذلك، أى قضاؤها (صريح) فى أنه لا يكفى فيها الإطعام. فقياسها على الصوم قياس معارض للنص فلا يعول عليه.
(قال) الخطابى فى شرح حديث أنس: لا كفارة لها إلا ذلك، يريد انه لا يلزمه فى تركها غرم أو كفارة من صدقة أو نحوها كما تلزمه - فى ترك الصوم فى رمضان من غير عذر- الكفارة، وكما يلزم المحرم- إذا ترك شيئاً من نسكه -كفارة وجبران من دم أو طعام ونحوه.
(وفيه) دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يصلى عن أحد كما يحج عنه وكما يؤدى عنه الديون ونحوها.
(وفيه) دليل على أن الصلاة لا تجبر بالمال كما يجبر الصوم وغيره (١).
(ومنه) تعلم أن من يقول: إن إسقاط الصلاة بالإطعام لا أصل له - عالم لا جاهل- كما زعمه الطحاوى.
(الرابع) الأعذار المسقطة للصلاة
هى ستة:
(١ و ٢) الحيض والنفاس، فلا يلزم الحائض والنفساء قضاء صلوات أيام الحيض والنفاس بعد زوالهما لما يأتى عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك (يعنى دم الحيض) على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. أخرجه السبعة والبيهقى (٢). [٣٨].
وعلى هذا استقر الإجماع.
стр. 1264
(٣) وتسقط بالردة، فلا يجب على المرتد إذا عاد إلى الإسلام قضاء ما فاته من العبادات زمن ردته عند الجمهور (وقالت) الشافعية: الردة لا تسقط العبادات فيلزمه قضاء ما فاته منها من ردته تغليظاً عليه، كما يلزمه قضاء ما فاته قبل الردة اتفاقاً. وهل يسقط بإسلامه ما فعله من المعاصى قبل الردة؟ الظاهر نعم (لحديث) الإسلام يجبّ ما كان قبله. أخرجه أحمد والطبرانى عن عمرو بن العاص. وابن سعد فى الطبقات عن الزبير وجبير ابن مطعم (١). [٣٩].
فإنه بعمومه يشمل إسلام المرتد.
(٤، ٥) وتسقط بالجنون والإغماء، المطبقين أكثر من يوم وليلة عند الحنفيين. فمن جنّ أو أُغمى عليه يوماً وليلة لزمه قضاء ما فاته من الصلوات لعدم الحرج فيه. وإن زاد ما ذكر على يوم وليلة وزمناً يسيراً لا يقضى ما فاته عند أبى حنيفة وأبى يوسف.
(وقال محمد) يقضى ما لم يمض وقت صلاة سادسة وهو الأصح، لأن الكثرة إنما تتحقق بالدخول فى حد التكرار، وبه يكون الحرج فى القضاء ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، (ومحله) إن لم يكن متعدياً فى سبب الإغماء وإلا لزمه القضاء.
(قال) شيخ زاده: وفى المحيط: لو حصل الإغماء بمعصية كشرب الخمر أكثر من يوم وليلة لا يسقط عنه القضاء اتفاقاً. ولو حصل بالبنج قال محمد: يسقط. وقال الإمام: لا يسقط (٢).
(أما) من كان جنونه أو إغماؤه غير مطبق بأن افاق إفاقة منتظمة فى وقت معلوم كوقت الصبح (فإنه) يلزمه القضاء. وإذا طرأ عذر مسقط للصلاة ولم يبق من الوقت إلا ما يسع التحريمة، فلا يجب قضاء تلك الصلاة بعد زوال
стр. 1265
العذر. أما إن زال وقد بقى من الوقت ما يسع التحريمة، فإنه يجب قضاء ذلك الفرض، غير أنه يشترط لذلك فى حق الحائض والنفساء أن يكون الانقطاع لأكثر مدة الحيض والنفاس. أما إن انقطع لأقل من ذلك فلا يلزمهما القضاء إلا إذا بقى من الوقت ما يسع الغسل والتحريمة.
(وقالت الشافعية) إن استمر الجنون أو الإغماء أو السكر بلا تعد وقتاً كاملا سقطت الصلاة، وإن كان ما ذكر بتعد لا تسقط، وإذا طرأ الجنون ونحوه كالحيض بعد أن مضى من الوقت ما يسع الصلاة وطهرها الفرض يجب قضاء الصلاة، وإن ارتفع العذر وقد بقى منالوقت قدر تكبيرة الإحرام فأكثر وجب قضاء هذه الصلاة، وما قبلها إن كانت تجمع معها كالظهر مع العصر بشرط أن يستمر ارتفاع العذر زمناً يسع الطهر والصلاتين والصلاة المؤداة وطهرها.
(وقالت الحنبلية) الجنون عذر مسقط دون الإغماء، فإن استمر الجنون وقتاً كاملا لا يجب قضاء الصلاة، أما من استتر عقله بإغماء أو مرض غير الجنون أو دواء ولو مباحاً، فإنه يجب عليه قضاء ما فاته من الصلاة مطلقاً.
(وإذا) طرأ العذر بعد أن مضى من الوقت ما يسع تكبيرة الإحرام وجب قضاء الصلاة بعد زوال العذر، وكذا إن ارتفع وقدبقى من الوقت ما يسع تكبيرة الإحرام، فإنه يجب عليه قضاء تلك الصلاة والتى تجمع معها كالظهر مع العصر.
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: ومن أدرك من أول وقت مكتوبة قدر تكبيرة ثم طرأ عليه مانع من جنون أو حيض أو نفاس ثم زال المانع بعد خروج وقتها، لزمه قضاؤها. وإن بقى قدر التكبيرة من آخر الوقت ثم زال المانع ووجد المقتضى للوجوب ببلوغ صبى أو إفاقة مجنون أو إسلام كافر أو طهر حائض أو نفساء، وجب قضاؤها وقضاء ما تجمع إليها قبلها.
فإن كان زوال المانع أو طرو التكليف قبل طلوع الشمس لزمه قضاء الصبح
стр. 1266
فقط، لأن التى قبلها لا تجمع إليها، وإن كان قبل غروبها لزم قضاء الظهر والعصر، وإن كان قبل طلوع الفجر لزم قضاء المغرب والعشاء (لما روى) الأثرم وابن المنذر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أنهما قالا فى الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلى المغرب والعشاء (١٢).
فإذا طهرت قبل غروب الشمس صلت الظهر والعصر جميعاً، لأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه قضاء فرضها كما يلزم فرض الثانية، وإنما تعلق الوجوب بقدر تكبيرة، لأنه إدراك فاستوى فيه القليل للمسبوق، لأن الجماعة شرط لصحتها فاعتبر إدراك الركعة لئلا يفوته الشرط فى معظمها (١).
(٦) ومما يسقط الصلاة عند المالكية السكر بالحلال، كأن شرب لبناً حامضاً ظاناً أنه لا يسكر فسكر منه. (وللعذر) أربع حالات:
(الأولى) أن يستغرق العذر كل وقت الصلاة الاختيارى والضرورى، كأن يحصل الإغماء مثلا من الزوال إلى الغروب، وحينئذ تسقط الصلاة ولا يجب قضاؤها بعد الإقامة.
(الثانى) أن يطرأ العذر وقد بقى من الوقت ما يسع الصلاتين المشتركتين فيه (٢) فيسقطان العذر.
(الثالثة) أن يطرأ وقد بقى من الوقت ما يسع الصلاة الأخيرة فقط أو جزءاً منها، فتسقط ويلزمه قضاء الأولى.
(الرابعة) أن يرتفع العذر وقد بقى من الوقت ما يسع ركعة من الصلاة بعد الطهارة، فتجب وإلا فلا.
стр. 1267
(الخامس) صلاة المسافر
السفر لغة: قطع المسافة مطلقاً. وشرعاً: قطع مسافة تتغير بها الأحكام من قصر الصلاة، وإباحة الفطر فى رمضان، وامتداد مدة المسح على الخفين، وسقوط الجمعة والعيدين والأضحية، وحرمة الخروج على المرأة الحرة بلا محرم أو زوج. والكلام هنا ينحصر فى ثلاثة عشر فرعاً:
(١) مسافة السفر:
المسافة التى تقصر فيها الصلاة عند الحنفيين ثلاثة أيام أو ليال من أقصر ايام السنة بالسير الوسط، وهو سير الإبل ومشى الأقدام فى السهل، ولا يشترط سفر كل يوم إلى الليل بل إلى الزوال لأنه أكثر النهار الشرعى الذى هو من الفجر إلى الغروب. والمدة من الفجر إلى الزوال فى أقصر ايام السنة فى القطر المصرى سبع ساعات إلا ثلثاً. فزمن السير فى الثلاثة الأيام عشرون ساعة.
وأصل تقدير المدة بما ذكر حديث خزيمة بن ثابت أن النبى ﷺ قال: " المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة " أخرجه أحمد وابو داود والبيهقى والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح (١). [٤٠].
قالوا فى الحديث إشارة إلى أن السفر التام الذى تتغير به الأحكام - لكونه مظنة المشقة المقتضية للتخفيف- هو الثلاثة والأخذ بها هو الأحوط. وقد اتبر الشرع هذا العدد فى أحكام كثيرة.
(هذا) ويعتبر فى كل شئ السير المعتاد فيه مع الاستراحة المعتادة حتى لو ركب قطاراً أو طائرة فقطع مسيرة الثلاثة الأيام فى زمن يسير، قصر الصلاة.
стр. 1268
(ولو) كان لموضع طريقان أحدهما يقطع فى مدة سفر والآخر فى أقل، فإن سلك الأول قصر، وإن سلك الثانى لا يقصر. ولا عبرة عندهم بالفراسخ على الصحيح (١)، لأن الطريق لو كان وعراً بحيث يقطع فى ثلاثة أيام اقل من خمسة عشر فرسخاً، قصر بالنص، وعلى التقدير بها لا يقصر فيعارض النص فلا يعتبر سوى سير الثلاثة.
(وقالت) الشافعية والمالكية والحنبلية والليث وإسحاق والجمهور: مسافة القصر مرحلتان وهى أربعة برد. والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، لما روى عطاء بن أبى رباح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان الرباعية ركعتين ويفطران فى أربعة برد فما فوق ذلك. أخرجه البيهقى بسند صحيح وعلقه البخارى (٢)(١٣).
(ولقول) عطاء بن أبى رباح: قلت لابن عباس: اقصر الصلاة إلى عرفة؟ فقال: لا ولكن إلى جدة وعسفان والطائف، وإن قدمت إلى أهل أو ماشية فأتم. أخرجه الشافعى والبيهقى بسند صحيح (٣)(١٤).
стр. 1269
(وقال) ابن عباس: تقصر الصلاة إلى عسفان والطائف وإلى جدة. وهذا كله من مكة على أربعة برد ونحو من ذلك. أخرجه الشافعى (١)(١٥) مسيرة يومين معتدلين أو يوم وليلة يسير الإبل المثقلة بالأحمال على المعتاد من سير وحط وترحال وأكل وشرب وصلاة معتبرة.
(وأما حديث) ابن عباس أن النبى ﷺ قال: يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة فى أقل من أربعة برد من مكة إلى عسفان. أخرجه الطبرانى فى الكبير والدار قطنى والبيهقى (فلا يحتج به) لأن فى سنده عبد الوهاب بن مجاهد بن جبير وهو متروك، وقد نسبه النووى إلى الكذب، وقال البيهقى: هذا حديث ضعيف فى سنده إسماعيل بن عياش لا يحتج به، وعبد الوهاب بن مجاهد ضعيف بمرة، والصحيح أنه منقول ابن عباس (٢). [٤١].
(وقالت) الظاهرية: اقل مسافة القصر ثلاثة أميال (لقول) يحيي ابن يزيد الهنائى: سألت انس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال أنس: كان النبى ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال او فراسخ يصلى ركعتين. اخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (٣). [٤٢]
стр. 1270
قال الحافظ: وهو أصح حديث ورد فى بيان ذلك (١) وأصرحه. وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التى يبتدأ منها القصر لا غاية السفر، ولا يخفى بعد هذا الحمل، مع أن البيهقى ذكر فى روايته أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال: سألت أنساً عن قصر الصلاة وكنت أخرج إلى الكوفة - يعنى من البصرة - فأصلى ركعتين ركعتين حتى أرجع. فقال أنس .. فذكر الحديث.
فظهر أنه سأله عن جواز القصر فى السفر لا عن الموضع الذى يبتدأ القصر منه. ورده القرطبى بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به، فإن كان المراد به أنه لا يحتج به فى التحديد بثلاثة أميال فمسلم، لكن لا يمتنع ان يحتج به فى التحديد بثلاثة فراسخ. فإن الثلاثة أميال مدرجة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطاً (٢).
(لكن) قال أبو سعيد الخدرى: كان رسول الله ﷺ إذا سافر فرسخاً يقصر الصلاة. أخرجه سعيد بن منصور. وذكره الحافظ فى التلخيص ولم يتكلم عليه (٣). [٤٣].
فإن صح كان الفرسخ هو المتيقن ولا يقصر فيما دونه إلا إذا كان يسمى سفراً لغة أو شرعاً.
(وقال) ابن حزم: اقل مسافة القصر ميل لإطلاق السفر فى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ (٤)، قال: فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون سفراً من سفر. واحتج على ترك القصر فيما دون الميل بأنه ﷺ خرج إلى البقيع لدفن الموتى وخرج إلى الفضاء لقضاء الحاجة ولم يقصر.
стр. 1271
(ورده) الجمهور بأنه لم ينقل عنه ﷺ القصر صريحاً فى اقل من مرحلتين أو فرسخ، فهو مقيد لإطلاق الآية والأحاديث.
(وعلى الجملة) فلم يرد عن النبى ﷺ دليل صحيح صريح يفيد تحديد مسافة القصر. قال أبو محمد عبد الله بن قدامة: قال المصنف (يعنى الإمام أبا القاسم الخرقى): ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة متعارضة مختلفة، ولا حجة فيها مع الاختلاف. وقد روى عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما احتج به أصحابنا. ثم لو لم يوجد ذلك لم يكن فى قولهم حجة مع قول النبي ﷺ وفعله. وإذا لم تثبت أقوالهم امتنع المصير إلى التقدير الذى ذكروه لوجهين:
(أحدهما) أنه مخالف لسنة النبي ﷺ التى رويناها، ولظاهر القرآن، لأن ظاهره إباحة القصر لمن ضرب فى الأرض، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾.
وقد سقط شرط الخوف بالخبر المذكور عن يعلى بن أُمية (١) فبقى ظاهر الآية متناولا كل ضرب فى الأرض.
(وقول) النبى ﷺ : يمسح المسافر ثلاثة ايام (٢) (جاء) لبيان مدة المسح فلا يصح الاحتجاج به ههنا، وعلى أنه يمكنه قطع المسافة القصيرة فى ثلاثة ايام، وقد سماه النبى ﷺ سفراً فقال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذى محرم (٣).
стр. 1272
(والثانى) أنالتقدير بابه التوقيف فلا يجوز المصير إليه برأى مجرد سيما وليس له أصل يرد إليه ولا نظير يقاس عليه. والحجة مع منأباح القصر لكل مسافر إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه (١).
(ويؤيده) أن الأحاديث وردت مصرحة بالسفر مطلقاً، وبالسفر يوماً وليلة ويومين وثلاثة ايام فصاعداً، وأن كل ذلك يسمى سفراً ,
(روى) ابن عباس أن النبى صلى الله عليهوسلم قال: لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم (الحديث) أخرجه الشافعى وأحمد والشيخان (٢). [٤٤]
(وعن أبى هريرة) أنالنبى ﷺ قال: لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذى محرم. أخرجه الشافعى وأحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه (٣). [٤٥].
(وعن أبى سعيد) أن النبى ﷺ قال: لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها. أخرجه البخارى (٤). [٤٦].
(وعن ابن عمر) أن النبى ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث إلا ومعها ذو محرم. اخرجه أحمد ومسلم. وهذا لفظه (٥). [٤٧].
стр. 1273
وسيأتى الجمع بين هذه الروايات ومزيد كلام عليها فى بحث (سفر المرأة) إن شاء الله تعالى.
(٢) قصر الصلاة فى السفر:
هو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١)، والتقييد بالخوف ليس للاحتراز. قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، وقد أمن الناس. فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. أخرجه الشافعى والسبعة إلا البخارى (٢). [٤٨].
(وقد) تواترت الأخبار على القصر فى السفر (قال) يحيى بن أبى إسحاق: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال: سافرنا مع النبى ﷺ من المدينة إلى مكة فصلى بنا ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان والنسائى والبيهقى (٣). [٤٩].
стр. 1274
(وعن ابن عباس) أن رسول الله ﷺ سافر من المدينة لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع. أخرجه الشافعة وأحمد والنسائى والبيهقى (١). [٥٠].
(وقال) ابن عمر: صليت مع النبى ﷺ وابى بكر وعمر وعثمان ست سنين بمنى، فصلوا صلاة المسافر. أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (٢). [٥١].
(وعلى هذا) أجمع العلماء. واختلفوا فى حكم القصر (قال) الحنفيون وعمر وعلى وابن عباس وابن مسعود وابن عمر وجابر: فرض المسافر فى الرباعية ركعتان. فالقصر واجب، لأن الصلاة فرضت أولا ركعتين فزيدت فى الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد فى صلاة الحضر. أخرجه الأئمة والشيخان والنسائي وأبو داود (٣). [٥٢].
(والزيادة) فى غير الصبح والمغرب (لقول) عائشة: قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع
стр. 1275
كل ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها وكان إذا سافر صلى الصلاة الأولى. أخرجه أحمد والبيهقى بسند رجاله ثقات (١). [٥٣].
(وقال) عمر بن الخطاب: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد ﷺ . اخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه وابن حبان بسند رجاله ثقات (٢). [٥٤]
(وعليه) فالقصر عزيمة لا رخصة، فإن صلى الفرض الرباعى أربعاً وقعد فى الثانية قدر التشهد صحت صلاته مع الكراهة التحريمية عند الحنفيين لتأخيره السلام، وما زاد على الركعتين نفل، وإن لم يقعد فى الثانية لا يصح فرضه، لأنه خلط النفل بالفرض قبل إكماله وينقلب الكل نفلا.
(وقالت) المالكية: القصر سنة مؤكدة آكد من الجماعة، فإذا لم يجد المسافر مسافراً يقتدى به، صلى منفرداً حرصاً على القصر، ويكره اقتداؤه بالمقيم كما تقدم بيانه فى بحث " اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه " (٣).
(وقالت) الحنبلية: القصر جائز وهو أفضل من الإتمام. وكذا قالت الشافعية: إن بلغ السفر أقل من مسافة قصر ولم يختلف فى جواز قصره، ف، كان السفر اقل من مسافة القصر أو كان المسافر ملاحاً وهو من له دخل فى
стр. 1276
تسيير السفينة فإن الإتمام له أفضل، لأن الإمام أحمد يقول: لا يباح القصر لملاح ليس له بيت سوى سفينته فيها أهله وحاجته.
(ويجب) القصر إذا لم يبق من الوقت فى السفر إلا ما يسعها مقصورة.
(فالقصر) فى غير هذه رخصة عند الشافعى وأحمد لا عزيمة، وهو مشهور مذهب مالك. وبه قال عثمان وسعد بن أبى وقاص وأكثر العلماء، مستدلين:
(أ) بقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١)، لأن نفى الجناح لا يستعمل إلا فى المباح.
(ب) وبحديث عائشة: أنها اعتمرت مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله بأبى أنت وأمى أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علىّ. أخرجه النسائى والدار قطنى والبيهقى وقالا إسناده حسن (٢). [٥٥].
(حـ) وبقول ابن عمر: ﷺ بمنى ركعتين وابو بكر بعده وعمر بعد أبى بكر وعثمان صدراً من خلافته. ثم إن عثمان صلى بعد أربعاً. فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلى وحده صلى ركعتين. أخرجه مسلم والطحاوى (٣). [٥٦].
(فلو كان) القصر عزيمة ما تركه عثمان ولما وافقه الصحابة على تركه.
(وأجاب) الأولون:
(أ) عن الآية (أولا) بأنها وردت فى قصر الصفة فى صلاة الخوف
стр. 1277
لا فى قصر العدد (قال) ابن القيم: عمر هو الذى سأل النبى ﷺ : ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال له رسول الله ﷺ : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته (١)، ولا تناقض بين حديثيه، فإن النبى ﷺ (لما أجابه) بأن هذه صدقة الله عليكم ودينه اليسر السمح (علم) عمر أنه ليس المراد منالآية قصر العدد كما فهمه كثير من الناس، فقال (أى عمر): صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر. وعلى هذا فلا دلالة فى الآية على أن قصر العدد مباح منفى عنه الجناح، فإن شاء المصلى فعله وإن شاء اتم. وكان رسول الله ﷺ يواظب فى أسفاره على ركعتين ركعتين، لم يربع قط إلا شيئاً فعله فى بعض صلاة الخوف (٢).
(ثانياً) أن قول من يرى أن القصر رخصة: إن نفى الجناح لا يستعمل إلا فى المباح (أجاب) عنه الطحاوى بأنه قد يكون كذلك وقد يكون على غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٣). وهذا واجب عند جميع العلماء لأنه ليس لأحد حج أو اعتمر ألا يطوف بهما، فلما كان نفى الجناح قد يكون على التخيير وقد يكون على الإيجاب، لم يكن لأحد أن يحمله على أحد المعنيين دون الآخر إلا بدليل يدل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع (٤).
(ب) وعن حديث عائشة (٥) بأنه ضعيف عند أكثر الحفاظ (قال) الحافظ فى التلخيص: واختلف قول الدار قطنى فيه. فقال فى السنن: إسناده
стр. 1278
حسن. وقال فى العلل: المرسل أشبه (١)، فلو كان صحيحاً لكان حجة لقوله ﷺ لعائشة: أحسنت. ولكنه مطعون فيه فلا يصلح للاحتجاج به لا سيما وقد عارضه ما فى الصحيحين وغيرهما من الأحاديث الدالة على أن القصر عزيمة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الحديث كذب على عائشة ولم تكن تصلى بخلاف صلاة رسول الله ﷺ وسائر الصحابة، وهى تشاهدهم يقصرون ثم تتم وحدها بلا موجب، كيف وهى القائلة: فرضت الصلاة ركعتين فى الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر وزيد فى صلاة الحضر (٢)، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله ﷺ وأصحابه.
قال الزهرى لعروة لما حدثه عن أبيه عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ فقال: تأولت كما تأول عثمان، فإذا كان النبى ﷺ قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح ان يضاف إتمامها إلى التأويل مع هذا التقدير. قاله ابن القيم (٣).
(جـ) وعن إتمام عثمان بمنى بأن كثيراً من الصحابة أنكروا عليه ذلك وتأولوا له تأويلات، أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى. والمسافر إذا أقام بموضع وتزوج به أو كان له به زوجة أتم (روى) عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبى ذباب عن أبيه ان عثمان بن عفان صلى بمنى أربع ركعات فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إنى تأهلت بمكة منذ قدمت، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأهل فى بلد فليصل صلاة المقيم. أخرجه أحمد وابن أبى شيبة (٤). [٥٧].
стр. 1279
(قال) الشوكانى: وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بوجوب القصر، وأما دعوى أن التمام افضل فمدفوعه بملازمته ﷺ القصر فى جميع أسفاره وعدم صدور التمام عنه كما تقدم، ويبعد أن يلازم ﷺ طول عمره المفضول ويدع الأفضل (١).
(٣) أقسام السفر:
السفر ثلاثة أقسام: سفر طاعة كالحج والجهاد، وسفر مباح كالتجارة، وسفر معصية كقطع الطريق. وفى الكل تصلى الرباعية ركعتين. والعاصى بالسفر او فيه والمطيع سواء فى الأحكام من قصر وغيره عند من قال إن القصر عزيمة، لإطلاق الأدلة السابقة.
(وقالت) المالكية والشافعية والحنبلية وأكثر العلماء: لا يجوز القصر فى سفر معصية، لأن القصر رخصة والعاصى ليس من أهلها (قال) ابو محمد عبد الله بن قدامة: والنصوص وردت فى حق الصحابة رضى الله عنهم وكانت أسفارهم مباحة فلا يثبت الحكم فيمن سفره مخالف لسفرهم، ويتعين حمله على ذلك، جمعاً بين النصين. وقياس المعصية على الطاعة بعيد لتضادهما (٢).
(وقال) ابن رشد: اختلف العلماء فى نوع السفر الذى تقصر فيه الصلاة، فرأى بعضهم أن ذلك مقصور على السفر المتقرب به كالحج والعمرة والجهاد.
وممن قال بهذا أحمد (ومنهم) من أجازه فى كل سفر، قربة كان أو مباحاً أو معصية. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثورى.
والسبب فى اختلافهم معارضة المعنى المعقول أو ظاهر اللفظ لدليل الفعل، وذلك أن من اعتبر المشقة أو ظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر
стр. 1280
وسفر. وأما من اعتبر الفعل فقال: إنه لا يجوز إلا فى السفر المتقرب به، لأن النبى ﷺ لم يقصر قط إلا فى سفر متقرب به. وأما من فرق بين المباح والمعصية فعلى جهة التغليظ. والأصل فيه: هل تجوز الرخص للعصاة أولا؟ وهذه مسألة عارض فيها اللفظ المعنى فاختلف الناس فيها لذلك (١).
ولذا قال الحنفيون: يجب القصر فى كل سفر ولو محرماً.
(وقالت) المالكية: يسن القصر فى السفر المباح، ويكره فى المكروه، ويحرم فى المحرم.
(وقالت) الشافعية: يحرم القصر فى السفر الحرام، ويجوز فى السفر المكروه.
(وقالت) الحنبلية: يحرم القصر فى السفر المحرم، ويكره فى المكروه، ولا تنعقد الصلاة فيهما.
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: ولا يترخص فى سفر معصية بقصر ولا فطر ولا أكل ميتة، لأنها رخص، والرخص لا تناط بالمعاصى، فإن خاف المسافر سفر معصية على نفسه، لإن لم يأكل الميتة، قيل له تب وكل لتمكنه من التوبة كل وقت. ولا يترخص فى سفر مكروه كالسفر لفعل مكروه للنهى عنه. ويترخص إن قصد مشهداً أو قصد مسجداً ولو غير المساجد الثلاثة، أو قصد قبر نبى أو غيره كولى. وحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد (٢)، أى لا يطلب ذلك، فليس نهياً (٣) عن شدها لغيرها خلافاً لبعضهم، لأنه ﵊ كان يأتى قباء راكباً وماشياً، ويزور
стр. 1281
القبور، وقال: زرزرها فإنها تذكركم الآخرة. ويقصر من ابتدأ سفراً جائزاً ولو عصى فى سفره، كأن شرب فيه مسكراً أو زنى أو قذف أو اغتاب، لنه لم يقصد السفر لذلك (١).
(٤) شروط القصر:
لا يصح للمسافر قصر الرباعية إلا بشروط سبعة ذكرها الفقهاء:
(١) أن يكون السفر مسافة قصر على ما تقدم بيانه، ولا يضر نقصانها نحو ميل أو ميلين عند غير المالكية (وقالت): لا يضر نقصانها نحو ثمانية أميال. واستثنوا من اشتراط المسافة اهل مكة ومنى ومزدلفة إذا خرجوا فى موسم الحج للوقوف بعرفة، فإنه يسن لهم القصر ذهاباً وإياباً إذا بقى عليهم عمل من أعمال الحج التى تؤدى فى غير وطنهم، وإلا أتموا. وقد تقدم أنه لا دليل صريح صحيح فى تحديد المسافة.
(٢ و ٣) ويشترط كون المسافر مستقلا قاصداً قطع مسافة القصر، فلا يقصر التابع كالمرأة مع زوجها إذا أوفاها معجل صداقها، والجندى مع أميره إذا كان يرتزق منه أو من بيت المال إلا إذا نوى المتبوع السفر وعلم التابع فيكون تبعاً له فى القصر، ومن خرج هائماً لا يدرى اين يتوجه لا يقصر، لأنه لو طاف الدنيا بلا قصد قطع المسافة لا يقصر، أما فى الرجوع فإن كان بينه وبين وطنه مسافة قصر قصر وإلا فلا.
(٤) ويشترط كون المسافر بالغاً، فلا يقصر الصبى عند الحنفيين.
وقال غيرهم: لا يشترط البلوغ، فلو نوى الصبى مسافة القصر قصر. وهذا هو الظاهر.
(٥) ويشترط فيه القصر فى كل رباعية عند الشافعية والحنبلية.
стр. 1282
(وقالت) المالكية: تكفى نية القصر فى أول صلاة يقصرها ولا يلزم تجديدها فيما بعد.
(وقال) الحنفيون: متى نوى السفر كان فرضه فى الرباعية ركعتين فلا يلزمه نية القصر، لأنه لا يلزم فى النية تعيين عدد الركعات كما تقدم فى بحث " النية" من أركان الصلاة.
(٦) ويشترط للقصر عدم الاقتداء بمقيم أو مسافر يتم الصلاة، فإن اقتدى المسافر بمن ذكر لزمه الإتمام على ما تقدم بيانه فى بحث" اقتداء المقيم بالمسافر وعكسه".
(٧) ويشترط- عند الأربعة وإسحاق - مجاوزته محل إقامته من الجانب الذى خرج منه، فلا يقصر قبل أن يفارق بيوت القرية أو المصر من الجانب الذى خرج منه حتى لو كان ثمة محلة منفصلة عن المصر وقد كانت متصلة به، لا يقصر ما لم يجاوزها. ولو جاوز للعمران من جهة خروجه وكان بحذائه أبنية من الجانب الآخر يقصر، غذ المعتبر جانب خروجه. ويدخل فى محل الإقامة ربضه (وهو ما حوله من المساكن) وكذا يشترط مجاوزة القرية المتصلة بربض المصر، بخلاف المتصلة بفنائه، فإنه لا يشترط مجاوزتها على الصحيح. أما فناء المصر أو القرية فإن كان بينه وبينها أقل من غلوة (١).
(ودليل) هذا قول أنس: صليت الظهر مع النبى ﷺ بالمدينة أربعاً والعصر بذى الحليفة ركعتين. أخرجه الشافعى وأحمد والشيخان وأبو داود والبيهقى (٢). [٥٨]
стр. 1283
وقول على بن ربيعة: خرجنا مع على بن أبى طالب فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت، ثم رجعنا فقصرنا الصلاة ونحن نرى البيوت. أخرجه الحاكم والبيهقى، وذكره البخارى معلقاً، قال: وخرج على رضى الله عنه فقصر وهو يرى البيوت، فلما رجع قيل له: هذه الكوفة؟ قال: حتى ندخلها (١). (١٦).
(قال الحافظ): ومناسبة أثر على لحديث أنس أن اثر على دال على أن القصر يشرع بفراق الحضر، وكونه ﷺ لم يقصر حتى نزل ذا الخليفة، إنما هو لكونه أول منزل نزله ولم يحضر قبله وقت صلاة. واستدل به على أن من اراد السفر لا يقصر حتى يبرز من البلد (٢).
وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه لا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال لظاهر ما تقدم من قول أنس: كان النبى ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو فراسخ يصلى ركعتين (٣). قالوا: المراد به بيان المسافة التى يبتدئ منها القصر ولا يخفى بعده كما تقدم فى بحث (مسافة القصر).
(قال) ابن المنذر: ولا أعلم أن النبى ﷺ قصر فى سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة (٤).
(٥) مدة القصر:
هى مدة السفر فيستمر المسافر يقصر حتى يرجع إلى وطنه أو ينوى الإقامة خمسة عشر يوماً فأكثر بموضوع واحد يصلح لإقامته عند الحنفيين والثورى والمزنى والليث بن سعد (لقول) ابن عباس وابن عمر: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفى نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها،
стр. 1284
وإن كنت لا تدرى متى تظعن فاقصرها. أخرجه الطحاوى (١). (١٧).
وأخرج نحوه- عن ابن عمر- محمد بن الحسن فى الآثار (٢).
(وروى) أبو حنيفة عن حماد أن إبراهيم قال: إذا خرجت من البيوت فصل ركعتين، وإذا قدمت البلد الذى تريد فصل ركعتين حتى ترجع إلى أهلك. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (٣). (١٨).
والموقوف فى هذا كالمرفوع، إذ لا مدخل للرأي فى التقديرات الشرعية (فإن نوى) إقامة أقل من خمسة عشر يوماً أو نوى إقامتها بموضعين كبنها وطنطا لا يصير مقيماً إلا أن يبيت بأحدهما، لأن إقامة المرء تضاف إلى مبيته.
(وقال) الشافعى وأبو ثور: إن المسافر إذا نوى إقامة اقل من أربعة أيام قصر، وإن نوى الإقامة أربعة ايام سوى يومى الدخول والخروج أتم. وهى رواية عن أحمد (روى) مالك عن عطاء الخرسانى أنه سمع سعيد بن المسيب قال: من أجمع إقامة أربع ليالى وهو مسافر أتم الصلاة. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلىّ (٤). (١٩).
(وبه قالت) المالكية، غير أنهم اعتبروا نية إقامة أربعة ايام صحاح (ومشهور) مذهب احمد انه إذا عزم المسافر على إقامة ثنتين وعشرين صلاة فأكثر يتم، وإن نوى اقل من ذلك قصر (لحديث) جابر أن النبى ﷺ قدم مكة صبيحة الرابع من ذى الحجة فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح فى اليوم الثامن ثم خرج إلى منى. ذكره فى منتقى الأخبار وقال: ومعنى ذلك فى الصحيحين (٥). [٥٩].
стр. 1285
(قال) الحافظ: وتكون مدة إقامته ﷺ بمكة أربعة أيام سواء، لأنه خرج منها فى اليوم الثامن فصلى الظهر بمنى. ومن ثم قال الشافعي: إن المسافر إذا أقام ببلد قصر أربعة أيام. وقال أحمد: يقصر إحدى وعشرين صلاة (١) أى لأنه ﷺ أقام بمكة من صبح رابع ذى الحجة إلى صبح الثامن.
(وأجاب) الأولون:
(أ) بأن سعيد بن المسيب تابعي فلا يعارض قوله قول الصحابي كابن عمر وابن عباس.
(ب) وبأن قصره ﷺ إحدى وعشرين صلاة بمكة حجة على من قدر المدة بأقل من ذلك، لا على من قدر بأكثر، لأنه مسكوت عنه. فالراجح ما قاله الحنفيون ومن وافقهم.
وأما من لم ينو الإقامة بل عزم على الرجوع إلى بلده متى قضى حاجته، فإنه يقصر مدة انتظاره قضاء حاجته، ولو بقى على ذلك سنين عند الحنفيين ومالك وأحمد. وروى عن الشافعي، لأن الأصل فى حقه السفر.
(روى) يحيى بن أبى إسحاق عن أنس قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة فكان يصلى ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة. قلت: أقمتم بها شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً. أخرجه الستة وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢). [٦٠].
стр. 1286
(وقال) عمران بن حصين: ما سافرت مع رسول الله ﷺ سفراً قط إلا صلى ركعتين حتى يرجع، وشهدت معه حنيناً والطائف فكان يصلى ركعتين. ثم حججت معه واعتمرت، فصلى ركعتين. ثم قال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع ابى بكر واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم قال: يا أهل مكة أتموا فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عمر واعتمرت فصلى ركعتين ركعتين، ثم قال: أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم حججت مع عثمان واعتمرت فصلى ركعتين، ثم إن عثمان أتم بمنى. أخرجه أبو داود الطيالسى والبيهقى (١). [٦١].
(وقال) جابر: أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة. أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقى وقال: تفرد معمر بروايته سنداً (٢). [٦٢].
(ومشهور) مذهب الشافعية أن من أقام ببلد ينتظر قضاء حاجة يقصر الصلاة إلى ثمانية عشر يوماً (لما تقدم) عن عمران بن حصين قال: غزوت مع النبي ﷺ ، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثمان عشرة ليلة لا يصلى إلا ركعتين ويقول: يا أهل البلد صلوا أربعاً فإنا قوم سفر. أخرجه الشافعي مطولا وأبو داود (٣). [٦٣].
(وعن) ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة. قال ابن عباس: ومن أقام سبع عشرة قصر، ومن أقام
стр. 1287
أكثر أتم. أخرجه أبو داود، وابن حبان بسند على شرط البخاري (١). [٦٤].
(وأجاب) الأولون:
(أ) بأنه ليس فى حديث عمران بن حصين ما يدل على نفى القصر فى الزيادة، كيف وقد تقدم أنه ﷺ أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر.
(ب) وبأن اختيار ابن عباس قد عارضه اختيار غيره من الصحابة ومن بعدهم. وقد ذكر الترمذى خلاف العلماء فى هذا وقال: ثم أجمع أهل العلم على أن المسافر يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون (٢).
(وقال) أنس: إن أصحاب النبى ﷺ أقاموا برامهرمز تسعة اشهر يقصرون الصلاة. أخرجه البيهقى بسند صحيح فيه عكرمة بن عمار احتج به مسلم (٣)(٢٠).
(٦) ما يوجب إتمام الصلاة:
يجب على المسافر إتمام الصلاة بواحد من أربعة:
(الأول) أن ينوى الإقامة بموضع صالح إقامته مدة معينة على ما تقدم تفصيله فى البحث السابق.
(الثانى) اقتداء المسافر بمتم كمقيم أو مسافر نوى الإقامة كما تقدم تفصيله فى بحث (علم المأموم بحال إمامه) (٤).
стр. 1288
(الثالث) الرجوع إلى المكان الذى ابتدأ منه السفر أو نية الرجوع إليه قبل أن يقطع مسافة القصر، أما إن نوى الرجوع بعد قطع مسافة القصر فإنه لا يتم إلا إذا عاد بالفعل.
هذا. والوطن قسمان على التحقيق:
الأول: وطن أصلى: وهو المكان الذى ولد فيه أو تزوج أو قصد التعيش فيه دون الارتحال منه.
الثانى: وطن إقامة: وهو ما خرج إليه ونوى الإقامة فيه خمسة عشر يوماً فأكثر ثم يسافر ولم يكن مولداً له ولا به أهل (ويبطل) الوطن الأصلى بمثله. فمن ولد بطنطا ثم تركها إلى القاهرة وتزوج بها أو قصد التعيش فيها صارت وطناً أصلياً له، فإذا سافر من القاهرة إلى طنطا لزمه القصر ما لم ينو الإقامة بها مدة تقطع السفر، لما تقدم أن النبى ﷺ وأصحابه المهاجرين قصروا بمكة وقد كانت وطنهم الأصلى، لكونهم استوطنوا المدينة (ولا يبطل) الوطن الأصلى بوطن الإقامة ولا بالسفر، فلو سافر من وطنه الأصلى إلى جهة وأقام بها خمسة عشر يوماً فأكثر ثم عاد إلى وطنه لزمه الإتمام وإن لم ينو الإقامة (ويبطل) وطن الإقامة بمثله وبالسفر وبالوطن الأصلى. وهذا متفق عليه.
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: ولو مر المسافر بوطنه أتم ولو لم يكن به حاجة سوى المرور عليه، لأنه فى حكم المقيم به، أو مر ببلد له فيه امرأة أتم ولو لم يكن وطنه حتى يفارقه لما تقدم، أو مر ببلد تزوج فيه أتم حتى يفارق البلد الذى تزوج فيه (لقول) عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تأهل فى بلد فليصل صلاة المقيم. أخرجه أحمد (١).
(الرابع) دخول وقت الصلاة وهو مقيم فيلزمه صلاتها تامة عند الحنبلية لوجوبها عليه تامة بدخول الوقت (وقال) غيرهم: المعتبر فى كون الصلاة
стр. 1289
سفرية أو حضرية آخر الوقت. وهو عند الحنفيين قدر ما يسع التحريمة، لأن وجوب الصلاة يتعلق به، فمن سافر آخر الوقت ولم يكن صلى، لزمته مقصورة فتقضى ولو فى الحضر ركعتين، كما أن فائتة الحضر الرباعية تقضى أربعاً، لأن القضاء يكون على حسب الأداء.
وعند الشافعية يعتبر قدر ما يسع ركعة لأن أداء الصلاة يتعلق به؛ فمن سافر وقد بقى من الوقت ما لا يسع ركعة لزمته تامة فيقضيها أربعاً ولو فى السفر، وإن بقى من الوقت ما يسع ركعة فأكثر اعتبرت فائتة سفر تقصى فى السفر ركعتين وفى الحضر أربعاً كما تقدم فى بحث (كيفية القضاء) (١).
(وعند) المالكية: المعتبر أن يبقى قبل الغروب بالنسبة للظهر والعصر ما يسع ثلاث ركعات، وقبل الفجر بالنسبة للمغرب والعشاء ما يسع أربع ركعات. فمن سافر قبل الغروب بقدر ما يسع أقل من ثلاث ركعات ولم يكن صلى الظهر والعصر، لزمته الظهر تامة وتكون العصر فائتة سفر يقضيها ركعتين ولو فى الحضر. وإن بقى قبل الغروب ما يسع ثلاث ركعات فأكثر صلاهما مقصورتين إن تركهما ناسياً، وكذا إن تركهما عمداً على المنصوص ويكون آثماً بالتأخير. ومن سافر قبل الفجر بقدر ما يسع ثلاث ركعات فأقل ولم يكن صلى المغرب والعشاء لزمته العشاء تامة، وإن بقى على الفجر ما يسع أربع ركعات فأكثر كانت العشاء فائتة سفر تقضى ركعتين ولو فى الحضر.
(تنبيه) علم مما تقدم أن شروط الإتمام على ما قاله الفقهاء ستة: ترك السفر، ونية الإقامة مدة تقطع السفر على ما تقدم تفصيله، وكونه مستقلا بالرأى، فلا تعتبر نية التابع إلا إذا علم بنية المتبوع، واتحاد موضع الإقامة وصلاحيته لإقامة المسافر، فلا تصح نيتها بمفازة لغير سكان البوادى.
стр. 1290
(٧) التطوع فى السفر:
النفل المطلق والتهجد والوتر مشروعة فى السفر اتفاقاً، وكذا رواتب الفرائض عند مالك والشافعى وأحمد والجمهور (لقول) ابن عباس: سن رسول الله ﷺ الصلاة فى السفر ركعتين وهى تمام، والوتر فى السفر سنة. أخرجه أحمد والبزار. وفى سنده جابر الجعفى، وثقه شعبة والثورى وضعفه آخرون (١). [٦٥].
(ولقول) جابر الجعفى: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان لا يصلى فى السفر إلا ركعتين، غير أنه كان يتهجد من الليل. قال جدابر: فقلت لسالم: كانا يوتران؟ قال: نعم. أخرجه أحمد (٢). [٦٦].
(ولحديث) ابن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه. وكان ابن عمر يفعله. أخرجه البخارى (٣) [٦٧].
(ولقول) ابن عمر: صليت مع رسول الله ﷺ فى الحضر والسفر، فصلى الظهر فى الحضر أربعاً وبعدها ركعتين، وصلى العصر أربعاً وليس بعدها شئ، وصلى المغرب ثلاثاً وبعدها ركعتين، وصلى العشاء أربعاً، وصلى فى السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين وليس بعدها شئ، والمغرب ثلاثاً وبعدها ركعتين، والعشاء ركعتين وبعدها ركعتين. أخرجه أحمد. وكذا الترمذى مختصراً (٤). [٦٨].
стр. 1291
(ولقول) الباء بن عازب: سافرت مع النبى ﷺ ثمانية عشر سفراً فلم أره ترك الركعتين قبل الظهر. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى والترمذى وقال: حسن غريب (١). [٦٩].
وقال يحيى: سئل مالك عن النافلة فى السفر فقال: لا بأس بذلك بالليل والنهار، وقد بلغني أن بعض أهل العلم كان يفعل ذلك (٢). (وقال) أحمد: أرجو ألا يكون بالتطوع بالسفر بأس (٣). (وقال) الحسن البصري: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون ويتطوعون قبل المكتوبة وبعدها (٤)(٢١).
(وقال) جماعة منهم ابن عمر: لا تستحب الرواتب فى السفر. واختاره ابن القيم (لقول) حفص بن عاصم بن عمر: صحبت ابن عمر فى طريق فصلى بنا ركعتين ثم أقبل فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون.
قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتى، يا بن أخى إنى صحبت رسول الله ﷺ فى السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله . وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله. وقد قال الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أخرجه أحمد ومسلم والأربعة إلا الترمذى. وهذا لفظ ابى داود (٥). [٧٠].
стр. 1292
وأجاب الجمهور:
(أ) عن الحديث باحتمال أن النبى ﷺ كان يصلى الرواتب فى رحله ولا يراه ابن عمر، أو باحتمال أنه تركها أحياناً تنبيهاً على جواز الترك.
ويؤيده ما تقدم عنه أن النبى ﷺ صلى الرواتب فى السفر.
(ب) وعن قول ابن عمر: ولو تطوعت لأتممت، بأن الفريضة متحتمة فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وفيه مشقة على المسافر، وأما النافلة فهى إلى اختيار المكلف، فالرفق به يقتضى مشروعيتها، وهو بالخيار إن شاء فعلها وحصل ثوابها وإن شاء تركها (١) (وقول) ابن القيم: لم يحفظ عن النبى ﷺ أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها فى السفر إلا ما كان من سنة الفجر (يرده) ما تقدم عن ابن عمر والبراء بن عازب (٢).
(والمختار) عند الحنفيين أن المسافر إذا كان فى حال أمن وقرار يأتى بالرواتب، وإن كان فى حال خوف وفرار لا يأتى بها. وبه يجمع بين الأحاديث.
(٨) الجمع بين الصلاتين:
لا يجوز- عند الحنفيين - الجمع بين صلاتين فى وقت واحد سوى الظهر والعصر يجمع الحاج بينهما بعرفة جمع تقديم، والمغرب والعشاء يجمع
стр. 1293
بينهما بمزدلفة جمع تأخير. ورواه ابنالقاسم عن مالك (لقول) ابن مسعود: ما رايت رسول الله صلى الله عليهوسلم صلى صلاة قط إلا لوقتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائى والطحاوى (١). [٧١].
(ولقول) الحسن وابن سيرين: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين فى حضر ولا سفر إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع. أخرجه ابن أبى شيبة (٢٢).
(وقال) الجمهور ومنهم الشافعى وأحمد فى المشهور عنه: يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فى السفر تقديماً وتأخيراً بعرفة وغيرها.
وروى عن مالك (لحديث) ابى الزبير عن أبى الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك، فكان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً. أخرجه الشافعي والجماعة إلا البخاري. وهذا لفظ الشافعي وأبى داود. وزاده أحمد ومسلم: قلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد ألا يخرج أمته (٢). [٧٢].
стр. 1294
(وروى) ابن عباس قال: ألا اُخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ فى السفر؟ قلنا: بلى. قال: كان إذا زالت الشمس وهو فى المنزل قدم العصر إلى وقت الظهر، ويجمع بينهما فى الزوال. وإذا سافر قبيل الزوال أخر الظهر إلى وقت العصر ثم جمع بينهما فى وقت العصر. وإذا حانت المغرب فى منزله جمع بينها وبين العشاء. وإذا لم تحن فى منزله ركب حتى إذا حانت العشاء نزل فجمع بينهما. أخرجه الشافعي وأحمد بسند جيد (١). [٧٣].
(ولقول) أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فى السفر. أخرجه أحمد (٢). [٧٤].
(وأجاب) الأولون عن أحاديث جمع التأخير بأن المراد بالجمع فيها الجمع الصوري، أى أنه ﷺ صلى الأولى فى آخر وقتها والثانية فى أول وقتها (لقول) ابن عباس: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً، لا فى خوف ولا فى سفر. أخرجه مالك وقال: أرى ذلك كان فى مطر. وأخرجه الشافعي ومسلم والنسائي والطحاوى وأبو داود، وأخرجه من طريق آخر بلفظ: جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته (٣). [٧٥].
стр. 1295
(وجه) الدلالة أن الإجماع على عدم جواز الجمع الحقيقى فى الحضر بغير مطر؛ فدل على أن المراد بالجمع هنا الصورى (ولا ينافيه) حديث أيوب السخستيانى عن نافع أن ابن عمر استصرخ على صفية وهو بمكة، فسار حتى غربت الشمس ووبدت النجوم فقال: إنالنبى صلى الله عليهوسلم كان إذا عجل به أمر فى سفر جمع بين هاتين الصلاتين، فسار حتى غاب الشفق، فنزل فجمع بينهما. أخرجه أبو داود والبيهقى. وكذا الترمذى من حديث عبد الله عن نافع وقال هذا حديث حسن صحيح (١). [٧٦].
(لأن المراد) بقوله: حتى غاب الشفق: أى قرب غيابه.
(روى نافع) وعبد الله بن واقد أن مؤذن ابن عمر قال: الصلاة. قال: سر حتى إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب ثم انتظر حتى غاب الشفق فصلى العشاء ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان إذا عجل به أمر صنع مثل الذى صنعت (الحديث) أخرجه أبو داود والدار قطنى (٢). [٧٧].
دل على أن ذلك الجمع صوري. وبه يتم الجمع بين الأحاديث.
стр. 1296
(وقول) النووى: وهو ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل (مردود)
فقد استحسن القرطبي القول بالجمع الصوري، رجحه إمام الحرمين وابن الماجشون والطحاوى، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء - راوي الحديث عن ابن عباس- قال به.
(روى) ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبى الشعثاء عن ابن عباس قال: صليت مع النبى ﷺ ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً.
قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك. أخرجه الشافعي وأحمد ومسلم (١). [٧٨].
وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. ويقوى الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بلا عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم إخراج الصلاة عن وقتها. ويجمع بها بين الأحاديث والجمع الصوري أولى. قاله الحافظ (٢).
واستدل الجمهور على جمع التقديم فى السفر بما روى هشام بن سعد عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ كان فى غزوة تبوك إذ زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
стр. 1297
والعصر. وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر. وفى المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما. أخرجه أبو داود والبيهقى والدار قطنى (١). [٧٩].
وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبى الزبير كمالك والثورى وقرة بن خالد، فلم يذكروا فى روايتهم جمع التقديم (٢).
(ولذا) لم يقل الحنفيون به. والصحيح فى هذا الباب حديث أنس قال: كان النبى ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقى (٣). [٨٠].
احتج به من أبى جمع التقديم، لكن رواه إسحاق بن راهويه عن شبابة فقال: كان إذا كان فى سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم ارتحل. أخرجه الإسماعيلى. وأعل: (أ) بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة.
(ب) ثم تفرد جعفر الفريابى به عن إسحاق. وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان
стр. 1298
حافظان. وأخرج الحاكم فى الأربعين الحديث بسند جيد وفيه: فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب. قاله الحافظ (١). [٨١].
(والمشهور) عند المالكية اختصاص الجمع بحالة الجد فى السير لخوف فوات أمر أو لإدراك مهم. وبه قال أشهب (لقول) عبد الله بن دينار: غابت الشمس وأنا عند عبد الله بن عمر فسرنا، فلما رأيناه قد أمسى قلنا الصلاة، فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم، ثم إنه نزل فصلى الصلاتين جميعاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا جد به السير صلى صلاتى هذه يقول يجمع بينهما بعد ليل. أخرجه أبو داود والبيهقى (٢). [٨٢].
(وأجاب) الجمهور بأن فى حديث معاذ وغيره التصريح بأنه ﷺ جمع نازلا، وهى زيادة يجب الأخذ بها.
(قال) ابن عبد البر بعد ذكر حديث معاذ: فى هذا أوضح الدلائل واقوى الحجج فى الرد على من قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا إذا جد به السير. وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. وروى مالك عن ابن شهاب أنه سأل سالم بن عبد الله: هل يجمع بين الظهر والعصر فى السفر؟ فقال: نعم لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة (٣)؟ (٢٣).
стр. 1299
(وقال) ابن الماجشون وابن حبيب وأصبغ من المالكية: يجمع المسافر إذا جد به السير لمجرد قطع المسافة (لقول) ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء. أخرجه البخارى (١). [٨٣].
(وجوابه) ما تقدم من أن النبى ﷺ جمع نازلا وسائراً، فقد تقدم فى حديث معاذ: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً (٢).
(قال) الشافعى فى الأم: قوله " ثم دخل ثم خرج " لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلا وسائراً (٣). وقال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل على رد من قال: لا يجمع إلا من جد به السير. ففيه أن المسافر له أن يجمع نازلا وسائراً. وكأنه ﷺ فعله لبيان الجواز (٤).
(ولتعارض) الأدلة قال مالك بكراهة الجمع (وحكى) القرطبى عنه أنه كره الجمع للرجال دون النساء (وقالت) الشافعية: ترك الجمع أفضل للخروج من خلاف من لا يجوز الجمع. وعن أحمد روايتان.
﴿فائدة﴾ قال الحافظ العراقى: لم يبين فى حديث ابن عمر ولا فى غيره هل كان يجمع فى كل سفر أو كان يخص به السفر الطويل وهو سفر القصر، لكن الظاهر من الجد فى السفر أنه إنما يكون فى الطويل. والحق أن هذه واقعة عين محتملة. فلا يجوز الجمع فى السفر القصير مع الشك فى ذلك. ومذهب مالك أنه لا يختص ذلك بالطويل. ومذهب أحمد اختصاصه به وهو الأصح عند الشافعية (٥).
стр. 1300
(وقال) ابن رشد: اختلفوا فى نوع السفر الذى يجوز فيه الجمع، فظاهر رواية ابن القاسم أنه سفر القربة كالحج والغزو. وقال الشافعى: هو السفر المباح، وهو ظاهر رواية المدنيين عن مالك (١).
الجمع فى الحضر لمطر أو غيره:
اختلف العلماء فى ذلك، فقال الشافعى: يجوز الجمع- فى الحضر لمطر- بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم، بشرط أن يكون المطر حاصلا وقت افتتاح الصلاتين. وبه قال أبو ثور وجماعة (لما تقدم) عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً فى غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان فى مطر (٢).
(وقال أحمد) يجمع بين المغرب والعشاء فقط. وبه قال ابن عمر وعروة ابن الزبير والفقهاء السبعة (٣) لقول أبى سلمة بن عبد الرحمن: إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. أخرجه الأثرم (٢٤).
وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ . وقال نافع: كان عبد الله بن عمر يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء (٢٥).
وقال هشام بن عروة: رأيت أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين فى الليلة المطيرة: المغرب والعشاء. فيصليهما معه عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن ولا ينكرونه، ولا يعرف لهم فى عصرهم مخالف فكان إجماعاً. رواه الأثرم (٤)(٢٦).