← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

(وقول) النووى: وهو ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل (مردود) فقد استحسن القرطبي القول بالجمع الصوري، رجحه إمام الحرمين وابن الماجشون والطحاوى، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء - راوي الحديث عن ابن عباس- قال به. (روى) ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبى الشعثاء عن ابن عباس قال: صليت مع النبى ﷺ ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً. قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك. أخرجه الشافعي وأحمد ومسلم (١). [٧٨]. وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره. ويقوى الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع، فإما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بلا عذر، وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم إخراج الصلاة عن وقتها. ويجمع بها بين الأحاديث والجمع الصوري أولى. قاله الحافظ (٢). واستدل الجمهور على جمع التقديم فى السفر بما روى هشام بن سعد عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل أن رسول الله ﷺ كان فى غزوة تبوك إذ زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر

стр. 1297

والعصر. وإن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر. وفى المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن يرتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم جمع بينهما. أخرجه أبو داود والبيهقى والدار قطنى (١). [٧٩]. وهشام مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبى الزبير كمالك والثورى وقرة بن خالد، فلم يذكروا فى روايتهم جمع التقديم (٢). (ولذا) لم يقل الحنفيون به. والصحيح فى هذا الباب حديث أنس قال: كان النبى ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والبيهقى (٣). [٨٠]. احتج به من أبى جمع التقديم، لكن رواه إسحاق بن راهويه عن شبابة فقال: كان إذا كان فى سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً، ثم ارتحل. أخرجه الإسماعيلى. وأعل: (أ) بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة. (ب) ثم تفرد جعفر الفريابى به عن إسحاق. وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان

стр. 1298

حافظان. وأخرج الحاكم فى الأربعين الحديث بسند جيد وفيه: فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر ثم ركب. قاله الحافظ (١). [٨١]. (والمشهور) عند المالكية اختصاص الجمع بحالة الجد فى السير لخوف فوات أمر أو لإدراك مهم. وبه قال أشهب (لقول) عبد الله بن دينار: غابت الشمس وأنا عند عبد الله بن عمر فسرنا، فلما رأيناه قد أمسى قلنا الصلاة، فسار حتى غاب الشفق وتصوبت النجوم، ثم إنه نزل فصلى الصلاتين جميعاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ إذا جد به السير صلى صلاتى هذه يقول يجمع بينهما بعد ليل. أخرجه أبو داود والبيهقى (٢). [٨٢]. (وأجاب) الجمهور بأن فى حديث معاذ وغيره التصريح بأنه ﷺ جمع نازلا، وهى زيادة يجب الأخذ بها. (قال) ابن عبد البر بعد ذكر حديث معاذ: فى هذا أوضح الدلائل واقوى الحجج فى الرد على من قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين إلا إذا جد به السير. وقد أجمع المسلمون على الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. وروى مالك عن ابن شهاب أنه سأل سالم بن عبد الله: هل يجمع بين الظهر والعصر فى السفر؟ فقال: نعم لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة (٣)؟ (٢٣).

стр. 1299

(وقال) ابن الماجشون وابن حبيب وأصبغ من المالكية: يجمع المسافر إذا جد به السير لمجرد قطع المسافة (لقول) ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير ويجمع بين المغرب والعشاء. أخرجه البخارى (١). [٨٣]. (وجوابه) ما تقدم من أن النبى ﷺ جمع نازلا وسائراً، فقد تقدم فى حديث معاذ: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً (٢). (قال) الشافعى فى الأم: قوله " ثم دخل ثم خرج " لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلا وسائراً (٣). وقال ابن عبد البر: هذا أوضح دليل على رد من قال: لا يجمع إلا من جد به السير. ففيه أن المسافر له أن يجمع نازلا وسائراً. وكأنه ﷺ فعله لبيان الجواز (٤). (ولتعارض) الأدلة قال مالك بكراهة الجمع (وحكى) القرطبى عنه أنه كره الجمع للرجال دون النساء (وقالت) الشافعية: ترك الجمع أفضل للخروج من خلاف من لا يجوز الجمع. وعن أحمد روايتان. ﴿فائدة﴾ قال الحافظ العراقى: لم يبين فى حديث ابن عمر ولا فى غيره هل كان يجمع فى كل سفر أو كان يخص به السفر الطويل وهو سفر القصر، لكن الظاهر من الجد فى السفر أنه إنما يكون فى الطويل. والحق أن هذه واقعة عين محتملة. فلا يجوز الجمع فى السفر القصير مع الشك فى ذلك. ومذهب مالك أنه لا يختص ذلك بالطويل. ومذهب أحمد اختصاصه به وهو الأصح عند الشافعية (٥).

стр. 1300

(وقال) ابن رشد: اختلفوا فى نوع السفر الذى يجوز فيه الجمع، فظاهر رواية ابن القاسم أنه سفر القربة كالحج والغزو. وقال الشافعى: هو السفر المباح، وهو ظاهر رواية المدنيين عن مالك (١). الجمع فى الحضر لمطر أو غيره: اختلف العلماء فى ذلك، فقال الشافعى: يجوز الجمع- فى الحضر لمطر- بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم، بشرط أن يكون المطر حاصلا وقت افتتاح الصلاتين. وبه قال أبو ثور وجماعة (لما تقدم) عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً فى غير خوف ولا سفر. قال مالك: أرى ذلك كان فى مطر (٢). (وقال أحمد) يجمع بين المغرب والعشاء فقط. وبه قال ابن عمر وعروة ابن الزبير والفقهاء السبعة (٣) لقول أبى سلمة بن عبد الرحمن: إن من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. أخرجه الأثرم (٢٤). وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ . وقال نافع: كان عبد الله بن عمر يجمع إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء (٢٥). وقال هشام بن عروة: رأيت أبان بن عثمان يجمع بين الصلاتين فى الليلة المطيرة: المغرب والعشاء. فيصليهما معه عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن ولا ينكرونه، ولا يعرف لهم فى عصرهم مخالف فكان إجماعاً. رواه الأثرم (٤) (٢٦).

стр. 1301

(وقال) مالك: يجمع بين المغرب والعشاء لمطر واقع أو متوقع، وللطين مع الظلمة إذا كان الطين كثيراً يمنع أواسط الناس من لبس النعل. وكره الجمع بين الظهر والعصر للمطر، لأن الغالب أن الناس وقتئذ ينتشرون فى أسواقهم وزراعائهم وأمور معايشهم ولا يمنعهم مطر ولا طين من ذلك، فيكره أن يمتنعوا لذلك من أداء فرائضهم فى أوقاتها المختارة، وأمما المغرب والعشاء فإن وقتهما ليس وقت سعى لما ذكر، بل إذا جمع بينهما رجع إلى منزله للراحة. (وجملة) القول فى هذا ما قاله النووى: ويجوز الجمع بالمطر فى وقت الأولى ولا يجوز فى الثانية على الأصح لعدم الوثوق باستمراره إلى الثانية. ويشترط وجوده عند الإحرام للأولى والفراغ منها وافتتاح الثانية. ويجوز ذلك لمن يمشى إلى الجماعة فى غير كِنّ بحيث يلحقه بلل المطر. وبه قال جمهور العلماء فى الظهر والعصر وفى المغرب والعشاء. وخصه مالك وأحمد بالمغرب والعشاء. وأما المريض فالمشهور من مذهب الشافعى والأكثرين أنه لا يجوز له الجمع. وجوزه مالك وأحمد وجماعة من الشافعية، وهو قوى فى الدليل (١). والدليل ما تقدم عن ابن عباس قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، فقيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته (٢).

стр. 1302

(وأجاب) من لم يقل بالجمع للمرض ونحوه بأنه لا يصح حمل الجمع فيه على الجمع للمرض، لأنه لو كان كذلك لما صلى معه ﷺ إلا من كان مريضاً. والظاهر أنه ﷺ جمع بأصحابه كما صرح بذلك ابن عباس فى روايته. قاله الحافظ (١). (بل يحمل) الجمع فى الحديث على الجمع الصورى كما تقدم. ويؤيده ما تقدم عن عمرو بن دينار قال: أخبرنى أبو الشعثاء جابر بن زيد أنه سمع ابن عباس يقول: صليت مع رسول الله ﷺ ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً. قلت له: يا ابا الشعثاء أظنه أجل الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظن ذلك (٢). (وقول) النووي: حمله على الجمع الصوري احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مخالف للظاهر لا تحتمل (تقدم رده) (٣). (ومما يدل) على تعيين حمل أحاديث الباب على الجمع الصوري قول ابن مسعود: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء. فقيل له فى ذلك، فقال: صنعت هذا لكى لا تخرج أمتي. أخرجه الطبرانى فى الأوسط والكبير. وفى سنده عبد الله بن عبد القدوس. ضعفه ابن معين والنسائي ووثقه ابن حبان. وقال البخاري: صدوق. قال الهيثمى: وقد روى هذا عن الأعمش وهو ثقة (٤). [٨٤]. (وهذه) الرواية تعين المراد بلفظ جمع، لما تقرر فى الأصول أن لفظ جمع بين الظهر والعصر لا يعم وقتهما، بل مدلوله لغة الهيئة الاجتماعية وهى

стр. 1303

موجودة فى جمع التقديم والتأخير والجمع الصورى، إلا أنه لا يتناول جميعها ولا اثنين منها، إذ الفعل المثبت لا يعم أقسامه ولا يتعين واحد إلا بدليل. وقد قام الدليل على أن الجمع فى أحاديث الباب هو الجمع الصورى. (وقول) الحافظ: وإرادة نفى الحرج تقدح فى حمل الجمع على الجمع الصورى، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج (١). (يجاب عنه) بأن الشارع قد عين الأوقات بعلامات لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة، فلا حرج فى مراعاتها لمن أراد الجمع الصورى. ولا شك أن فعل الصلاتين والخروج إليهما مرة واحدة أخف وأيسر من خلافه. (ولا يقال) حمل الجمع فى الأحاديث على الجمع الصورى مناف لقوله ﷺ : لئلا تحرج أُمتى، وإلغاء لمضمونه (لأنا نقول) رفع الحرج ليس منسوباً إلى أقواله ﷺ المبينة للأوقات الشاملة للجمع الصورى، بل الحرج منسوب لأفعاله ﷺ ليس إلا (قالت) عائشة: ما صلى النبى ﷺ صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله. ذكره الشوكانى (٢). [٨٥]. فربما ظن ظان أن فعل كل صلاة فى أول وقتها متحتم، لمواظبته ﷺ على ذلك. فكان فى جمعه جمعاً صورياً تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل. وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر من اقتدائهم بالأقوال كما هو معروف. وتمامه فى المنهل (٣). (ولذا) قال الحنفيون: لا يجوز الجمع بين الصلاتين لسفر ولا مطر

стр. 1304

ولا مرض ولا عذر آخر إلا للحاج يجمع بين الظهر والعصر بعرفة جمع تقديم، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة جمع تأخير. (١٠) الأذان والإقامة للمجموعتين: يسن لمن جمع بين الصلاتين لسفر أو غيره أن يؤذن للأولى ويقيم لكل منهما (لحديث) جابر بن عبد الله أن النبى ﷺ سار حتى أتى عرفة رأى القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له حتى إذا انتهى إلى بطن الوادى خطب الناس ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً. أخرجه النسائى (١). [٨٦]. وفى هذا خلاف يأتى بيانه فى الحج، وأن الراجح ما دل عليه حديث جابر (٢): هذا. ويستحب السفر لمصلحة دينية أو دنيوية، وهو وإن كان فيه مشقة على النفس ففيه فوائد دنيوية وأُخروية عظيمة يأتى بيانها. ويطلب ممن عزم على السفر التحلى بآداب والاشتغال بالدعاء والذكر كما يأتى تفصيله فى الحج (٣). (فائدة) يجوز ركوب اثنين على الدابة إذا كانت تطيق ذلك. ويسن أن يكون صاحبها فى المقدمة إلا إذا أذن لغيره بالركوب أمامه (لقول) بريدة الأسلمى: بينما رسول الله ﷺ يمشى إذ جاءه رجل معه حمار فقال: يا رسول الله راكب، فتأخر الرجل. فقال رسول الله ﷺ : لا، أنت أحق بصدر دابتك منى إلا أن تجعله لى. فقال: فإنى

стр. 1305

جعلته لى. فركب. أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان بسند جيد (١). [٨٧]. (ولقول) عمر: قضى النبى ﷺ أن صاحب الدابة أحق بصدرها. أخرجه أحمد بسند جيد (٢). [٨٨]. (١١) السفر يوم الجمعة: يباح السفر يوم الجمعة قبل الزوال عند الجمهور ومنهم الحنفيون ومالك وأحمد فى المشهور عنهما والشافعى فى القديم (لحديث) الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: بعث النبى ﷺ عبد الله بن رواحة فى سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، فقال: أتخلف فأصلى مع رسول الله ﷺ ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبى ﷺ رآه فقال له: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أُصلى معك ثم أحلقهم. فقال: لو أنفقت ما فى الأرض ما أدركت فضل غدوتهم. أخرجه أحمد والبيهقى وقال: انفرد به الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف. وأخرجه الترمذى وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٣). [٨٩]. (وروى) الأسود بن قيس عن أبيه قال: أبصر عمر رضى الله عنه رجلا عليه هيئة السفر فسمعه يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت، فقال عمر:

стр. 1306

اخرج فإن الجمعة لا تحبس من سفر. أخرجه الشافعى والبيهقى (١) (٢٧). (وقال الشافعى) فى الجديد: يمنع السفر يوم الجمعة من بعد طلوع الفجر، وهو رواية عن مالك وأحمد (لحديث) ابن عمر أن النبى ﷺ قال: من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة ألا يصحب فى سفره ولا يعان على حاجته. أخرجه الدارقطنى فى الأفراد، وفى سنده ابن لهيعة متكلم فيه. [٩٠] (ويعارضه) ما تقدم. والأولى الجواز مطلقاً، لأن ذمته بريئة من الجمعة. فلم يمنعه إمكان وجوبها عليه كما قبل يومها (واختار) (أبو إسحاق المروزى وإمام الحرمين جواز السفر يومها لواجب دون غيره ٠ وقال) كثير من الشافعية: يجوز السفر يومها لمطلق الطاعة واجبة أو مندوبة. (وأما السفر) بعد دخول وقتها ممن تجب عليه، فالجمهور على منعه لما تقدم فى حديث ابن عمر من أن الملائكة تدعو على من يسافر يوم الجمعة (٢) ولأن الجمعة قد وجبت عليه فلا يجوز له الاشتغال بما يمنع منها كاللهو والتجارة والسفر. (وروى) عن أبى حنيفة والأوزاعى جواز السفر بعد دخول وقت الجمعة كسائر الصلوات، ولما تقدم عن عمر أنه قال: الجمعة لا تحبس عن سفر (٣). (وأجاب) عنه الجمهور بأنه محمول على السفر قبل الوقت جمعاً بين الأدلة، وفرقوا بين الجمعة وغيرها من الصلوات بوجوب الجماعة فى الجمعة دون غيرها (فالظاهر) ما ذهب إليه الجمهور من منع السفر بعد دخول

стр. 1307

الوقت لمن وجبت عليه إلا أن يخشى ضرراً من تخلفه للجمعة كانقطاع رفقة لا يمكن السفر إلا معها. وقد أجاز الشارع التخلف عن الجمعة لعذر المطر ونحوه، فجوازه لما هو أشق منه أولى. (١٢) آداب الرجوع من السفر: يستحب لمن قدم من السفر أن يبدأ بالمسجد فيصلى فيه ركعتى القدوم من السفر، وأن يجلس من يقصد للسلام عليه والتهنئة فى مكان بارز سهل على زائريه، وألا يأتى أهله بغتة (لقول) جابر بن عبد الله: كنت مع رسول الله ثلى الله عليه وسلم فى سفر، فلما قدمنا المدينة قال لى: ادخل المسجد فصلى ركعتين. أخرجه البخارى (١). [٩١]. (ولقول) كعب بن مالك: كان النبى ﷺ لا يقدم من سفر إلا نهاراً فى الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم جلس فيه فيأتيه الناس فيسلمون عليه. أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود (٢). [٩٢] (ولقول) أنس بن مالك: كان النبى ﷺ لا يطرق أهله ليلا، كان يدخل عليهم غدوة أو عشية. اخرجه أحمد والبخارى (٣). [٩٣].

стр. 1308

(ولحديث) جابر بن عبد الله أن النبىصلى الله عليه وسلم قال له: إذا دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وإذا دخلت فعليك الكيس الكيس. أخرجه أحمد والبخارى (١). [٩٤]. (أفادت) هذه الأحاديث أنه يكره لمن طال سفره ان يقدم على امرأته ليلا بغتة (فأما) من كان سفره قريباً تتوقع امرأته إتيانه ليلا فلا بأس. ففى رواية: إذ أطال الرجل الغيبة، وكذا إذا علمت امرأته وأهله وقت قدومه فلا بأس بقدومه متى شاء، لزوال سبب النهى وهو مفاجأة أهله قبل أن يتأهبوا لقدومه. ويؤيده قوله ﷺ : فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة. (ويستحب) لمن قدم من سفر ودخل بيته أن يقول ما فى حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذ ١ اراد الرجوع (يعنى من السفر) قال: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. وإذا دخل على أهله قال: توباً توباً، لربنا أوباً، لا يغادر حوباً. أخرجه أحمد وابن السنى، والطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح (٢). [٩٥]. (ويستحب) أن يقال لمن قدم من سفر: الحمد لله الذى سلمك، الحمد لله الذى سلمك، الحمد لله الذى جمع الشمل بك، ونحو ذلك (قالت) عائشة: كان رسول الله صلى الله

стр. 1309

عليه وسلم فى غزوة، فلما دخل استقبلته فأخذت بيده فقلت: الحمد لله الذى نصرك وأعزك وأكرمك. أخرجه ابن السنى. [٩٦]. (١٣) سفر المرأة: لا يحل للمرأة السفر ولو للحج إلا مع محرم أو زوج (لما تقدم) عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: " لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" (الحديث) (١). (وتقدم) عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوماً وليلة إلا مع ذى محرم " (٢). (فهذه) الأحاديث تشمل كل سفر ومنه الحج، ولا تعارض آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، لأن الأحاديث تضمنت أن المحرم فى حق المرأة من جملة الاستطاعة - علىالسفر- المطلقة فى الاية. هذا. والمحرم كل من حرم عليه نكاح المرأة على التأييد لسبب مباح لحرمتها. وسيأتى بيان من ليس بمحرم (٣). ومنه عند الحنبلية المحرم الكافر فإنه لا يعد محرماً لقريبته المسلمة عندهم، لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها. (وهل العبد) كالمحرم؟ عند الجمهور لا (لحديث) ابن عمر: أن النبى ﷺ قال: سفر المرأة مع عبدها ضيعة. أخرجه سعيد بن

стр. 1310

منصور والبزار والطبرانى فى الأوسط بسند فيه ضعيف (١). [٩٧]. وقيل إنه كالمحرم إذا كانافى قافلة. أما إذا كانا وحدهما فلا، لهذا الحديث. هذا. وقد أطلق السفر فى الحديث الأول وقيد فى غيره. وقد عمل أكثر العلماء فى هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات، وليس المراد بالتحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفراً، فالمرأة منهية عنه بغير زوج أو محرم (٢). (وقال) الحنفيون: النهى مقيد بسفر القصر (لحديث) أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: لا تسافر المرأة سفر ثلاثة أيام فصاعداً إلا مع أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها أو مع ذى محرم. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه (٣). [٩٨]. (وجه) الدجلالة أنه قيد المنع من سفرها وحدها بالثلاث فيعمل به، لأنه المتحقق، وما عداه مشكوك فيه فيترك على الأصل. (وأجاب) الجمهور بأن التحديد غير مارد، لأنه مختلف باختلاف حال السائلين فلا يعمل بمفهومه، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد من ذلك وهو البريد (فعن أبى هريرة) أن النبى ﷺ قال: لا تسافر امرأة بريداً إلا مع زوج أو ذى رحم محرم. أخرجه الطحاوى والبيهقى (٤). [٩٩].

стр. 1311

(وقال) الشوكانى: قد ورد من حديث ابن عباس عند الطبرانى ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد. ولفظه: لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذى محرم. [١٠٠]. (وهذا) هو الظاهر، أعنى الأخذ بأقل ما ورد، لأن مافوقه منهى عنه بالأولى (والتنصيص) على ما فوقه كالثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين (لا ينافيه) لأن الأقل موجود فى ضمن الأكثر، وغاية الأمر أن النهى عن الأكثر يدل مفهومه على أن ما دونه غير منهى عنه، والنهى عن الأقل منطوق، وهو أرجح من المفهوم (١). (فائدة) يستحب لمن له أكثر منزوجة وأراد السفر بإحداهن أن يقرع بينهن تطبيباً لخاطرهن، فمن خرج سهمها أخذها معه (لحديث) عائشة: أن النبى ﷺ كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. أخرجه أحمد والبخارى وابن ماجه وأبو داود. واللفظ له (٢). [١٠١].

стр. 1312

(السادس) صلاة الخوف الكلام فيها ينحصر فى تسعة فروع: (١) سببها: هو حضور العدو يقيناً ولو لم يشتد الخوف. (٢) دليلها: هى مشروعة بالكتاب والسنة (قال) تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الآية (١). (وقد ثبت) عن النبى ﷺ من طرق كثيرة أنه صلاها مع أصحابه رضى الله عنهم كما سيمر عليك. (٣) شرعت فى السنة السابعة من الهجرة على الراجح (لقول) جابر بن عبد الله: غزا رسول الله ﷺ ست مرار قبل صلاة الخوف، وكانت صلاة الخوف فى السنة السابعة. أخرجه أحمد وفى سنده ابن لهيعة ضعيف (٢). [١٠٢]. (٤) حكمها: قد أجمع العلماء على أنها كانت مشوعة فى زمن النبى ﷺ . واختلفوا فى جوازها بعد وفاته ﷺ (فقال) الجمهور: هى جائزة بعده لا تختص بزمانه، لعموم آية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾. ولفتوى ابن عمر وغيره من الصحابة بها بعد النبى ﷺ ، وفعلهم لها فى عدة أماكن، وإجماعهم على ذلك, وقد تقدم أن النبى ﷺ قال: صلوا كما رأيتمونى أُصلى (٣).

стр. 1313

(وقال) المزنى والحسن بن زياد: إنها غير مشروعة بعد وفاة النبى ﷺ . وروى عن أبى يوسف لمفهوم آية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ فإنه يفيد أنه إذا لم يكن فيهم لا تصلى بهذه الكيفية. (وقال) بعض فقهاء الشام: تؤخر الصلاة فى الحرب إلى وقت الأمن كما فعل رسول الله ﷺ يوم الخندق. (وسبب) الاختلاف أن صلاة النبى ﷺ بأصحابه صلاة الخوف، هل هى عبادة أو لمكان فضل النبى ﷺ ؟ فمن رأى أنها عبادة، لم ير أنها خاصة بزمانه ﷺ ، ومن رآها لمكان فضله، رأى أنها خاصة به ﷺ . قال الطحاوى: كان أبو يوسف قد قال مرة: لا تصلى صلاة الخوف بعد رسول الله ﷺ ، وزعم أن الناس إنما صلوها معه ﷺ لفضل الصلاة معه. وهذا القول عندنا ليس بشئ (١). (وأجاب) الجمهور: (أولا) بأن الأصل فى فعل النبى ﷺ التشريع حتى يقوم دليل على التخصيص. فآية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ كآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾. وليس هذا من خصائصه ﷺ اتفاقاً، وإن كان هو المخاطب به. فالحكم بعده باق لا سيما وقد قال ﷺ : صلوا كما رأيتمونى أُصلى. فمنطوقه مقدم على مفهوم آية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾. وأيضاً فإن شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم لا لخصوص وجوده، والمعنى: بين لهم بفعلك كيفية صلاة الخوف لكونه لا لخصوص وجوده، والمعنى: بينلهم بفعلك كيفية صلاة الخوف لكونه أوضح من القول (قال) ابن المنير: الشرط إذا خرج مخرج التعليم لا يكون له مفهوم كالخوف فى

стр. 1314

قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ (١). (ثانياً) بأن تأخيره ﷺ يوم الخندق كان قبل مشروعية صلاة الخوف فهو منسوخ بها، ويحتمل أنه شغله المشركون فنسى الصلاة (٢). (ويؤيده) مذهب الجمهور تأدية الصحابة والأئمة بعدهم صلاة الخوف فى عدة أماكن من غير نكير بعد وفاته ﷺ (قال) النووى قد ثبتت الآثار الصحيحة عن جماعة من الصحابة أنهم صلوها فى مواطن بعد وفاة رسول الله ﷺ فى مجامع بحضرة كبار الصحابة (وممن) صلاها على بن أبى طالب فى حروبه بصفين (٣) وغيرها، وحضرها من الصحابة خلائق لا ينحصرون (ومنهم) سعد بن أبى وقاص وأبو موسى الأشعرى البيهقى وغيره، وبعضها فى سنن أبى داود. قال البيهقى: والصحابة الذين رأوا صلاة النبى ﷺ فى الخوف لم يحملها أحد منهم على تخصيصها للنبى ﷺ ولا بزمنه، بل رواها كل واحد وهو يعتقدها مشروعة على الصفة التى رآها (٤). (٥) وشروط أربعة: (أ) حضور العدو يقيناً أو خوف من نحو سبع كحية عظيمة أو حرق أو غرق، وإن لم يخف فوت الوقت على الصحيح عند الحنفية (وقالت الشافعية): يشترط تأديتها آخر الوقت، وهو قول لبعض الحنفيين،

стр. 1315

فلو صلوها مع ظن حضور العدو فى غير جهة القبلة فبان خلافه أعادوا. (قال) أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: ومن صلى صلاة الخوف لسواد ظنه عدواً فبان أنه ليس بعدو أو بينه وبينه ما يمنعه منه فعليه الإعادة، سواء أصلى صلاة شدة الخوف او غيرها، وسواء أكان ظنهم مستنداً إلى خبر ثقة او غيره أو رؤية سواد أو نحوه، لأنه ترك بعض واجبات الصلاة ظناً منه أنه قد سقط فلزمته الإعادة، كما لو ترك غسل رجليه ومسح على خفيه ظناً منه أن ذلك يجزى فباتا مخرقين، وكما لو ظن المحدث أنه متطهر فصلى، ويحتمل ألا تلزم الإعادة إذا كان بينه وبين العدو ما يمنع العبور، لأن سبب الخوف متحقق وإنما خفى المانع (١). (ب) أن يكون فى المصلين كثرة يمنكن تفريطهم طائفتين كل طائفة تقاوم العدو. (حـ) وأن يخاف هجوم العدو. (د) وأن يكون قتاله مباحاً. فتجوز فى قتاله الكفار، ولأهل العدل فى قتال البغاة وقطاع الطرق، ولا يجوز للبغاة والقطاع أن يصلوا صلاة يرتكبون فيها ما لا يباح فى غير حالة الخوف لما فى ذلك من إعانتهم على معصيتهم. أما ما يباح فى حالة الأمن، كأن يصلى الإمام لكل من الطائفتين جميع الصلاة، فلا يمنع منه العصاة، إذ لا ترخص فيه. قاله العراقى فى طرح التثريب (٢). (٦) أنواعها: هى ثلاثة أنواع: أن تكون فى غير شدة الخوف، والعدو فى جهة القبلة أو فى غير جهتها، وأن تكون فى شدة الخوف.

стр. 1316

(٧) كيفيتها: لصلاة الخوف فى غير شدته سبع كيفيات: (الأولى) أن يكون العدو فى جهة القبلة، فيصفّ الإمام القوم صفين ثم يحرم فيحرمون خلفه ويركعون إذا ركع ويرفعون إذا رفع، فإذا سجد سجد معه الصف الذى يليه وبقى الصف الآخر قائماً للحراسة، وإذا قام الإمام ومن سجد معه للركعة الثانية سجد الآخرون السجدتين، فإذا قاموا إلى الركعة الثانية تقدموا مكان الصف الأول وتأخر الصف الأول مكانه، فإذا ركع الإمام ركوع الثانية ركعوا جميعاً ثم يرفعون برفعه ثم يسجد معه الصف الذى يليه ويبقى الصف الآخر السجدتين وجلس للتشهد، فإذا سلم الإمام سلموا جميعاً، والتقدم والتأخر غير لازم. ويشترط فى الصلاة على هذه الكيفية ألا يخاف المسلمون كميناً يأتى من خلفهم، وألا يخفى بعض الكفار عنا، فإن خفنا كميناً أو خفى بعضهم عنا صلينا كما لو كانوا فى غير جهة القبلة. وبهذه الكيفية قال سفيان الثورى والشافعى وأحمد، وهى رواية عن مالك، مستدلين: (أ) بقول أبى عياش الزرقى: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان (١) وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون:

стр. 1317

لقد أُصبنا غرة، لقد أُصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم وهم فى الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر والعصر. فلما حضرت العصر قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه. فصفّ خلف رسول الله ﷺ صف، وصفّ بعد ذلك صف آخر، فركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذى يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء السجدتين وقاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذى يليه إلى مقام الآخرين وتقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول. ثم ركع رسول الله ﷺ وركعوا جميعاً، ثم سجد وسجد الصف الذى يليه وقام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله صلى الله ﷺ والصف الذى يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعاً فسلم عليهم جميعاً، فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بنى سليم. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى وابن حبان والبيهقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (١). [ ١٠٣].

стр. 1318

(ب) وبما روى عطاء عن جابر عبد الله أنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف وذكر أن العدو كانوا بينه وبين القبلة، وأنا صففنا خلفه صفين، فكبر وكبرنا معه جميعاً ثم ركع وركعنا معه جميعاً، فلما رفع رأسه من الركوع سجد وسجد معه الصف الذى يليه، وقام الصف المؤخر فى نحو العدو، فلما قام وقام معه الصف المقدم، فركع وركعنا معه جميعاً، ثم سجد وسجد معه الصف الذى يليه، فلما سجد الصف الذى يليه وجلس انحدر للصف المؤخر بالسجود، ثم سلم وسلمنا جميعاً. أخرجه أحمد ومسلم والنسائى والبيهقى (١). [١٠٤]. (الكيفية الثانية) أن يكون العدو فى غير جهة القبلة، فيجعل الإمام الجيش طائفتين بحيث تكون كل طائفة تقاوم العدو تقف بإزاء العدو، ويصلى بطائفة ركعة فى فرض ثنائى - وكذا فى العيد عند الحنفيين وركعتين فى غيره ولو مغرباً. وبعد السجدة الثانية من الركعة الأولى فى الثنائى، وبعد التشهد فى غيره تمضى هذه الطائفة مشاة إلى وجه العدو ولو مستدبرة القبلة، وتجئ الطائفة التى كانت عند العدو فيصلى الإمام بهم ما بقى له ويسلم وحده، وتذهب

стр. 1319

الطائفة الثانية ندباً إلى وجه العدو، فلو أتموا الصلاة مكانهم صحت، وتجئ الطائفة الأولى إلى مكان صلاتهم ندباً ويتمون بلا قراءة عند الحنفيين، لأنهم لاحقون، ثم يذهبون إلى العدو، ولو أتموا عنده صح، ثم تجئ الطائفة الأخرى إن شاءوا ويتمون صلاتهم بقراءة اتفاقاً، لأنهم مسبوقون. وبهذه الكيفية أخذ الحنفيون والأوزاعى والشافعى وأحمد وأشهب المالكى. ورجحها ابن عبد البر: (أولا) لقوة أدلتها. وهى: (أ) (قول) ابن مسعود: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فقاموا صفين، فقام صف خلف النبى ﷺ صف مستقبل للعدو، فصلى النبى ﷺ بالصف الذى يليه ركعة، ثم قاموا فذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلى العدو وجاء أولئك فقاموا مقامهم، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة ثم سلم، ثم قاموا فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبل العدو ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا. أخرجه احمد وأبو داود والطحاوى والبيهقى بسند رجاله ثقات (١). [١٠٥]. (وظاهره) أن الطائفة الثانية والت بين ركعتها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها. (ب) وقو ابن عمر: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة للعدو. ثم انصرفوا وقاموا

стр. 1320

مقام اصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك فصلى بهم النبى ﷺ ركعة ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة. أخرجه البيهقى والسبعة إلا ابن ماجه وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (١). [١٠٦]. (وظاهره) أنهم أتموا لأنفسهم فى حالة واحدة، ويحتمل أنهم اتموا على التعاقب كما فى حديث ابن مسعود وهو الراجح، لئلا يلزم تضييع الحراسة المطلوبة. (حـ) وما روى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال فى صلاة الخوف: تقوم طائفة مع الإمام وطائفة بإزاء العدو، فيكبر الإمام بالطائفة التى معه ويصلى بهم ركعة، فإذا فرغ منها وذهبوا حتى يكونوا بإزاء العدو من غير أن يتكلموا والإمام مكانه، وتأتى الطائفة التى بإزاء العدو فيصلى بهم الإمام ركعة أخرى حتى إذا فرغ منها انصرف الإمام وذهب هؤلاء من غير أن يتكلموا حتى يكونوا بإزاء العدو، فيجئ الآخرون فيقضون وحداناً ركعة ركعة ويسلمون. فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الآية. أخرجه أبو يوسف فى الآثار (٢) (٢٨)

стр. 1321

(ثانياً) ولموافقتها الأصول فى أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام غمامه (ولم يفرق) الحنفيون ومالك فى العمل بهذه الكيفية بين أن يكون العدو فى جهة القبلة أم لا (وفرق) الشافعى وأحمد والجمهور فحملوا حديثى ابن مسعود وابن عمر على أن العدو كان فى غير جهة القبلة. وأما إذا كان فى جهتها فيعمل بما تقدم فى حديثى ابى عياش وجابر (ويؤيده) ما تقدم فى حديث ابى عياش من (قوله) قام رسول الله ﷺ مستقبل القبلة والمشركون أمامه (وقول) عطاء عن جابر: وذكر أن العدو كانوا بينه وبين القبلة. (ولا فرق) فى ذلك بين الثنائية وغيرها، لعموم آية: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ فإذا صلى الرباعية صلاة الخوف فرق القوم طائفتين فصلى بكل طائفة ركعتين وتتم لنفسها. وهل تفارقه الطائفة الأولى فى التشهد الأول أو حين يقوم إلى الثالثة؟ وجهان. (ودليل) هذا ما روى ابو سلمة عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبى ﷺ بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبى ﷺ ، فجاء رجل من المشركين وسيف النبى ﷺ معلق بالشجرة فاختر طه فقال له: تخافنى؟ فقال له: لا. قال: فمن يمنعك منى؟ قال: الله، فتنهده أصحاب النبى ﷺ ، وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، وكان للنبى ﷺ اربع وللقوم ركعتان. أخرجه أحمد والشيخان والبيهقى (١). [١٠٧].

стр. 1322

حمل الحنفيون ومالك هذا الحديث على الصلاة الرباعية فى الخوف، وتأولوا قوله: وللقوم ركعتان، بأن المراد ركعتان مع الإمام ثم أتموا لنفسهم. وحمله الشافعى وأحمد والحسن البصرى على أنه بيان لصفة أخرى لصلاة الخوف وهى أن يصلى الإمام بكل طائفة ركعتين فيكون مفترضاً فى الأولين متنفلا فى الأخريين، مستدلين بقول أبى بكرة: صلى بنا النبى ﷺ صلاة الخوف، فصلى ببعض اصحابه ركعتين ثم سلم فتأخروا، وجاء آخرون فكانوا فى مكانهم فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فصار لنبى ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان. اخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والدارقطنى والطحاوى (١). [١٠٨]. (وأعله) ابن القطان بأن أبا بكرة اسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة (ورده) الحافظ بأن هذا ليس بعلة لنه يكون مرحل صحابى. ويرده أيضا قول أبى بكرة: صلى بنا فى رواية أحمد، وعند الطحاوى: صلى بهم. (وأجاب) الحنفيون عن حديث أبى بكرة بأنه معلول كما تقدم (لكن) يريده حديث أشعث بن عبد الملك الحمرانى عن الحسن عن أبى بكرة أن النبي ﷺ صلى بالقوم فى صلاة الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف، وجاء الآخرون فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي ﷺ ست ركعات وللقوم ثلاثاً ثلاثاً. أخرجه الدارقطنى والحاكم وقال:

стр. 1323

هذا حديث غريب. أشعث الحمرانى لم يكتبه غلا بهذا الإسناد، وهو صحيح على شرط الشيخين (١). [١٠٩]. (وأما قول) الحافظ: لم يقع فى شئ من الأحاديث المروية فى صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب (٢) (فمحمول) على أنه لم يرد فى صلاتها مجزأة بين الطائفتين. واختلفوا فيما إذا صليت كذلك. هل يصلى الإمام بالأولى ركعتين وبالثانية واحدة أو العكس؟ (فقال) الحنفيون ومالك وأحمد: يتعين الأول واختاره الشافعى. لما روى فى البحر عن علىّ أنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين. قال: وهو توقيف. (وأجاز) الشافعى أن يصلى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين، لما ورى عن علىّ أيضاً أنه صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين. (وأجاب) عنه فى البحر بأن الرواية الأولى ارجح من جهة المعنى، لأنها أخف وأوفق للمعتاد فى نظم الصلاة من انصراف كل طائفة عقب التشهد (وعليه) تفارق الطائفة الأولى الإمام وهو جالس للتشهد او قائم على الثالثة وتتم لنفسها، وتأتى الطائفة الثانية فتصلى معه الركعة الثالثة له ثم تفارقه بعد السلام أو حين جلوسه للتشهد. (وإذا صلى) بالطائفة الأولى ركعة تفارقه إذا قام للثانية وتتم لنفسها وتأتى الطائفة الثانية وهو فى قيام الثانية وتصلى معه ركعتين ثم تفارقه إذا جلس للتشهد الأخير او بعد سلامه. (فائدة) يستحب عند الجمهور حمل السلاح حال صلاة الخوف، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ (٣)، ولأنهم لا يؤمنون أن يفاجئهم عدوهم

стр. 1324

فيميلون عليهم كما قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ (١). (وقالت) الظاهرية: يجب حمل السلاح حال صلاة الخوف. وهو قول للشافعى لظاهر الأمر، وقد اقترن به ما يدل على الوجوب وهو قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (٢) فنفى الحرج مشروطاً بالأذى دليل على لزوم حمل السلاح عند عدم الأذى. (وأجاب) الجمهور: بأن الأمر بأخذ السلاح للرفق بهم والصيانة. فليس للإيجاب، لأنه لو وجب لكان شرطاً فى الصلاة كالسترة. (والحجة) مع من قال بوجوب حمله، لما تقدم، وهم يقولون بأن حمل السلاح عند عدم الذى شرط فى صحة الصلاة كالسترة. (الكيفية الثالثة) إذا كان العدو فى غير جهة القبلة وهى: أن يجعل الإمام القوم طائفتين، طائفة تقف عند العدو وطائفة تصلى معه ركعة ثم تتم لنفسها وتنصرف على وجه العدو والإمام قائم للثانية، وتأتى الطائفة التى كانت عند العدو فيصلى بهم ركعة ويثبت جالساً حتى يصلى هؤلاء ركعتهم الثانية ثم يسلم بهم. وبهذا قال مالك والشافعى وأحمد لما روى صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتى معه ركعة ثم ثبت قائماً وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم

стр. 1325

الركعة التى بقيت من صلاته ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم. أخرجه الشافعى والجماعة غلا ابن ماجه (١). [١١٠]. ولا يقدح فيه جهالة من روى عنه صالح بن خوات، لأنه صحابى، والصحابة كلهم عدول. (الكيفية الرابعة) هى كالثالثة، غير أن الإمام لا ينتظر الطائفة الثانية حتى تتم لنفسها ويسلم بها، بل تجلس معه للتشهد، فإذا سلم أتموا صلاتهم وسلموا. وبهذا قال مالك والشافعى وأحمد والظاهرية، لما روى عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات ان سهل بن أبى حشمة حدثه أن صلاة الخوف ان يقوم الإمام وطائفة من أصحابه - وطائفة مواجهة العدو- فيركع الإمام ركعة ويسجد بالذين معه ثم يقوم، فإذا استوى قائماً ثبت قائماً وأتموا لنفسهم الركعة الباقية ثم سلموا وانصرفوا والإمام قائم، فكانوا وجاه العدو. ثم يقبل الآخرون الذين لم يصلوا فيكبرون وراء الإمام فيركع

стр. 1326

بهم ويسجد بهم ثم يسلم، فيقومون فيركعون لأنفسهم الركعة الباقية ثم يسلمون. أخرجه مالك والبخارى والأربعة، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح لم يرفعه يحيى بن سعد الأنصارى عن القاسم بن محمد. وهكذا رواه أصحاب يحيى بن سعيد موقوفاً. ورفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد (١) (٢٩). (الكيفية الخامسة) أن يفرق الإمام القوم فرقتين: فرقة تقف عند العدو، وفرقة تقف خلفه، فيحرم الكل بإحرامه ولو مستدبرين القبلة، ويصلى بمن خلفه ركعة ثم ينصرفون مقابل العدو، ويأتى الآخرون فيصلون لأنفسهم ركعة والإمام قائم، ثم يصلون معه الركعة الثانية، ثم تأتى الطائفة التى عند العدو فتصلى لنفسها الركعة الثانية والإمام والطائفة الثانية جالسون ثم يسلم بالطائفتين جميعاً. وبهذه الكيفية قال إسحاق وأحمد والظاهرية (لقول) أبى هريرة: قام رسول الله ﷺ لصلاة العصر فقامت معه طائفة وطائفة أخرى مقابلة العدو ظهورهم إلى القبلة، فكبر رسول الله ﷺ فكبروا جميعاً الذين معه والذين يقابلون العدو، ثم ركع رسول الله ﷺ

стр. 1327

ركعة واحدة، وركعت الطائفة التى معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التى تليه، والآخرون قيام مقابلة العدو، ثم قام رسول الله ﷺ وقامت الطائفة التى معه فذهبوا إلى العدو فقابلوهم، وأقبلت الطائفة التى كانت مقابلة العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو. ثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التى تقابل العدو فركعوا وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد ومن معه، ثم كان السلام فسلم رسول الله ﷺ وسلموا جميعاً. فكان لرسول الله ﷺ ركعتان ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم وصححه والطحاوى والبيهقى بسند رجاله ثقات (١). [١١١]. (الكيفية السادسة) أن تصلى إحدى الطائفتين مع الإمام الركعة الأولى إلى الجلوس بين السجدتين ويبقى هو جالساً وتسجد وحدها السجدة الثانية وترجع إلى الوراء حتى تقف عند العدو، وتأتى الطائفة الثانية فتقف خلف الإمام فيحرمون ثم يركعون ويرفعون من الركوع وحدهم، ثم يسجد الإمام سجدته الثانية فيسجدون معه، ثم يقوم إلى الركعة الثانية ويسجدون

стр. 1328

لأنفسهم السجدة الثانية، ثم تجئ الطائفة الأولى خلف الإمام فيصلى بهم جميعاً الركعة الثانية ثم يسلم بهم جميعاً. وبهذا قال إسحاق وأحمد وابن المنذر والظاهرية لما روى عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف بذات الرقاع، فصدع رسول الله ﷺ الناس صدعين، فصفت طائفة وراءه وقامت طائفة تجاه العدو، فكبر رسول الله ﷺ وكبرت الطائفة الذين صفوا خلفه ثم ركع وركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع رسول الله ﷺ رأسه فرفعوا معه، ثم مكث رسول الله ﷺ جالساً وسجدوا لأنفسهم السجدة الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقرى حتى قاموا من ورائهم، فأقبلت الطائفة الأخرى فصفوا خلف رسول الله ﷺ فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله ﷺ فكبروا ثم ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله ﷺ سجدته الثانية فسجدوا معه، ثم قام رسول الله ﷺ فى ركعته وسجدوا هم لأنفسهم السجدة الثانية. ثم قامت الطائفتان جميعاً فصفوا خلف رسول الله ﷺ فركع فركعوا جميعاً ثم سجد فسجدوا جميعاً ثم رفع رأسه ورفعوا معه، كل ذلك من رسول الله ﷺ سريعاً جداً لا يألو أن يخفف ما استطاع. ثم سلم فسلموا. فقام وقد شاركه الناس فى الصلاة كلها. أخرجه أحمد - وهذا لفظه - وأبو داود والبيهقى والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وهو أتم حديث وأشفاه فى صلاة الخوف (١). [ ١١٢].

стр. 1329

(الكيفية السابعة) أن يصلى الإمام بإحدى الطائفتين ركعة ثم تذهب تحرس العدو، وتأتى الطائفة الأخرى فتصلى معه الركعة الثانية ثم يسلم، فتكون له ركعتان ولكل طائفة ركعة بلا قضاء. وبهذا قال الثورى وأحمد وإسحاق وابن المنذر والظاهرية، مستدلين بما روى ثعلبة بن زهدم قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال حذيفة بن اليمان: أنا. فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. أخرجه أبو داود والنسائى والطحاوى والبيهقى والحاكم وقال: هذا صحيح الإسناد (١) [١١٣]. (وقال) الجمهور: صلاة الخوف كصلاة الأمن، فلا يجوز الاقتصار فيها على ركعة واحدة، وتأولوا الحديث ونحوه بأن المراد أن كل طائفة صلت مع الإمام ركعة وأتموا لنفسهم ركعة (وقوله) ولم يقضوا: أى لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن، وهو بعيد، لن معناه المتبادر: لم يصلوا ركعة أخرى غير التى صلوها مع الإمام.

стр. 1330

ويؤيده (حديث) ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى بذى قرد وصف الناس خلفه صفين: صفاً خلفه وصفاً موازى العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا. أخرجه النسائي والحاكم وقال: هذا شاهد للحديث الذي قبله وهو صحيح الإسناد (١). [١١٤]. (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: ويجوز أن يصلى صلاة الخوف على كل صفة صلاها رسول الله ﷺ . قال أحمد: كل حديث يروى فى أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز. وقال: ستة أوجه أو سبعة تروى فيها كلها جائز. قال الأثرم: قلت لبى عبد الله: تقول بالأحاديث كلها، كل حديث فى موضعه أو تختار واحداً منها؟ قال: أنا أقول: من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره (٢). ﴿فوائد﴾: (الأولى) إنما تلزم صلاة الخوف بكيفية مما ذكر إذا لم يرض القوم

стр. 1331

إلا بالصلاة خلف الإمام، اما إذا رضوا فالأفضل ان يصلى بطائفة كل الصلاة ويصليها بالأخرى غمام آخر. (الثانية) تجوز صلاة الخوف فى الحضر إذا دعت غليها الحاجة بنزول العدو بالبلد أو قريباً منها، لعموم أدلة صلاة الخوف، ولأنها جوزت للاحتياط للصلاة والحرب، وهذا موجود فى الحضر. (وبهذا) قال الحنفيون والشافعي وأحمد والأوزاعى. وهو مشهور مذهب مالك. وعنه أنها لا تجوز فى الحضر؛ لأن الآية غنما دلت على صلاة ركعتين، وصلاة الحضر أربعاً، ولأن النبي ﷺ لم يفعلها فى الحضر. (وأجاب) الأولون بأن الآية عامة فى الحضر والسفر. وصلاة الحضر كما تكون أربعاً تكون ركعتين كما فى الصبح والجمعة، وثلاثاً كالمغرب. وترك للنبى ﷺ فعلها فى الحضر إنما كان لغناه عنها فيه. (الثالثة) تبطل صلاة الخوف بالمشي لغير اصطفاف طالباً او مطلوباً وبالركوب مطلقاً ولو لاصطفاف، لأنه عمل كثير بلا ضرورة. وبالقتال الكثير الزائد على الحاجة، وكذا إذا صلى فى المغرب بالطائفة الأولى ركعة وبالأخرى ركعتين تفسد صلاتهما عند الحنفيين ومالك وأحمد لانصراف الأولى فى غير أوان الانصراف، ولأن الثانية لما أدركت الركعة الثانية صارت من الطائفة الأولى، وقد انصرف أوان رجوعها، ولا تبطل صلاتهما عند الشافعي لما روى أن علياً رضى الله عنه صلى المغرب ليلة الهرير بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين. ذكره البيهقى بلا سند وأشار على ضعفه فقال: ويذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً .... إلخ (١) (٣٠).

стр. 1332

ولو جعلهم ثلاث طوائف فصلى بكل طائفة ركعة فسدت صلاة الأولى فقط- عند الحنفيين ومالك وأحمد - لانصرافها فى غير أوان الانصراف. والأصح عند الشافعية صحة صلاة الكل. (الرابعة) دلت أحاديث صلاة الخوف والعدو فى غير جهة القبلة على تفريق الجيش فرقتين، وأنه لا يجوز أن يفرقهم الإمام أكثر من فرقتين، فيصلى لكل فرقة ركعة أو يصلى بالأولى ركعتين وبالباقيتين ركعة ركعة فى الصلاة الرباعية، إذ لم يرد ذلك فى شئ من أحاديث الباب. والرخص يقتصر فيها على ما ورد. فإذا فعل الإمام ذلك بطلت صلاته ومن خلفه عند سحنون المالكى لمخالفتها المشروع فى صلاة الخوف. وقال الحنفيون وأحمد: تبطل صلاة الإمام لزيادته على انتظارين ولم يعهد فى صلاة الخوف سواهما. وتبطل صلاة الطائفة الثالثة والرابعة لاقتدائهم بالإمام بعد بطلان صلاته. وأما الطائفة الأولى والثانية فصلاتهم صحيحة لمفارقتهم الإمام قبل بطلان صلاته كما جزم به الرافعى. (وقال النووى) الأصح ان صلاة الإمام صحيحة، فإنه قد تدعوا الحاجة إلى ذلك، وعليه ففى صلاة المأمومين قولان: أصحهما أنها صحيحة (والصحيح) عند المالكية ان صلاة الطائفة الأولى والثالثة باطلة وصلاة غيرهما صحيحة. أفاده العراقى (١). (الخامسة) ظاهر إطلاق أحاديث الباب أن صلاة الخوف تجوز ايضاً فى الجمعة، وعليه فيجوز أن تصلى على هيئة صلاة عسفان بأن يرتبهم الإمام صفين خلفه ويحرس فى سجود كل ركعة صف على ما تقدم. ويجوز أن تصلى علىهيئة صلاة ذات الرقاع بشرط أن يخطب بهم جميعاً أو يخطب بفرقة تفى بالعدد الواجب حضوره فى الجمعة على ما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 1333

(٨) صلاة شدة الخوف: وإن اشتد الخوف والتحم القتال ولم يتمكن الجيش من تركه لقتلهم وكثرة العدو أو لم يلتحم، لكن لم يأمن الجيش أن ينقلب العدو عليهم لو انقسموا صلوا، بحسب الإمكان رجالا وركباناً مستقبلى القبلة وغير مستقبليها يؤمنون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويجعلون السجود اخفض من الركوع فيسقط عنهم ما عجزوا عنه من الأركان (لقول) الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾، ولما روى نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلى بهم الإمام ركعة. (ثم قال) فإن كان خوف هو اشد من ذلك صلوا رجالا قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلى القبلة أو غير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . أخرجه مالك والشافعي والشيخان والبيهقى، وهذا لفظ البخاري (١). [١١٥]. (وبهذا) قالت الأئمة والجمهور إلا أن المالكية قالوا: لا تصلى على هذه الحالة إلا إذا ضاق الوقت (واختلفوا) هل يغتفر للجيش حينئذ التقدم والتأخر والقتال والأفعال الكثيرة المحتاج إليها؟ فعند مالك وأحمد يغتفر ذلك، وهو الأصح عن الشافعى. وقيل: تبطل الصلاة به، لكن يمضى فيها لحرمة الوقت ثم يعيد (قال) الشافعى: فأما إذا تابع الضرب أو الطعن فلا تجزئه صلاته ويمضى فيها ولا يدعها فى هذه الحال إذا خاف ذهاب وقتها ويصليها ثم يعيدها (٢).

стр. 1334

(وقال) الحنفيون: إن اشتد الخوف صلوا وحداناً (رجالا) واقفين - لا مشاة - (أو ركباناً) ولو مع السير مطلوبين للضرورة لا طالبين، يؤمنون بالركوع والسجود إلى أى جهة قدروا إن عجزوات عن التوجه إلى القبلة، فليس لهم أن يقاتلوا فى حال الصلاة، فإن فعلوا بطلت صلاتهم. وإذا دعا الحال إلى القتال أخروا الصلاة لجله. (وقال) ابن أبى ليلى والحكم بن عتبة: إذا اشتد القتال ودعا الحال إلى الركوب لا تصلى الفريضة على الدابة بل تؤخر الصلاة، لأن النبى ﷺ لم يصل يوم الخندق راكباً وأخر الصلاة. (قال) علىّ رضى الله عنه: قال النبي ﷺ يوم الخندق: ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. أخرجه الشيخان (١). [١١٦]. (وأجاب) الأولون بأن غزوة الخندق كانت قبل مشروعية صلاة الخوف فلا يحتج بما وقع فيها على ترك الصلاة فى شدة الخوف راكباً او تأخيرها إن احتاج الأمر للقتال (فقد) تقدم أن أبا سعيد الخدرى قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد الغروب بهوى من الليل حتى كفينا وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِياً عَزِيزاً﴾ فدعا رسول الله ﷺ بلالاً فأقام الظهر (الحديث)، وفيه: ثم أقام العشاء فصلاها كذلك. وذلك قبل أن ينزل الله فى صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾.أخرجه الشافعى والطحاوى وقال: فأخبر أبو سعيد أن تركهم للصلاة يومئذ ركباناً إنما كان قبل ان يباح لهم ذلك، ثم أُبيح لهم بهذه الآية (٢).

стр. 1335

(فالراجح) جواز صلاة الخوف إن اشتد الخوف والتحم القتال ركباناً ومشاة مع القتال، والضرب والكر والفر إن دعت إليه الحاجة، لأن النبى ﷺ صلى بأصحابه فى غير شدة الخوف، فأمرهم بالمشى إلى جهة العدو وهم فى الصلاة ثم يعودون لقضاء ما بقى من صلاتهم، وهذا مشى كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة. فإذا جاز ذلك مع عدم شدة الخوف فمع شدته أولى. ﴿فوائد﴾: (الأولى) اختلف العلماء فى جواز الكلام فى صلاة شدة الخوف إن احتيج إليه (فقالت) المالكية: يحل فيها كلام أجنبى لغير إصلاح الصلاة إن احتيج له فى القتال كتحذير وإغراء وأمر ونهى (لقول) حذيفة بن اليمان لسعيد بن العاص: وتأمر أصحابك إن هاجم هيج من العدو فقد حل لهم القتال والكلام. هذا بعض أثر أخرجه أحمد بسند صحيح (١) (٣١). (وقال) الحنفيون والشافعى وأحمد: تبطل صلاة الخوف بالكلام وإن احتيج إليه. قال الشافعى: وإذا تعمد فى الصلاة كلمة يحذر بها مسلماً أو يسترهب بها عدواً وهو ذاكر انه فى صلاة فقد انتقضت صلاته وعليه إعادتها متى أمكنه (٢). (وقال) النووى: ولا يجوز الصياح ولا فيره، والكلام بلا خلاف، فإن صاح فبان معه حرفان فإن بطلت صلاته، لأنه غير محتاج إليه، بخلاف المشى وغيره. ولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف، لأنها لا تضر فى غير الخوف
следующие страницы →