إلا بالصلاة خلف الإمام، اما إذا رضوا فالأفضل ان يصلى بطائفة كل الصلاة ويصليها بالأخرى غمام آخر.
(الثانية) تجوز صلاة الخوف فى الحضر إذا دعت غليها الحاجة بنزول العدو بالبلد أو قريباً منها، لعموم أدلة صلاة الخوف، ولأنها جوزت للاحتياط للصلاة والحرب، وهذا موجود فى الحضر.
(وبهذا) قال الحنفيون والشافعي وأحمد والأوزاعى. وهو مشهور مذهب مالك. وعنه أنها لا تجوز فى الحضر؛ لأن الآية غنما دلت على صلاة ركعتين، وصلاة الحضر أربعاً، ولأن النبي ﷺ لم يفعلها فى الحضر.
(وأجاب) الأولون بأن الآية عامة فى الحضر والسفر. وصلاة الحضر كما تكون أربعاً تكون ركعتين كما فى الصبح والجمعة، وثلاثاً كالمغرب.
وترك للنبى ﷺ فعلها فى الحضر إنما كان لغناه عنها فيه.
(الثالثة) تبطل صلاة الخوف بالمشي لغير اصطفاف طالباً او مطلوباً وبالركوب مطلقاً ولو لاصطفاف، لأنه عمل كثير بلا ضرورة. وبالقتال الكثير الزائد على الحاجة، وكذا إذا صلى فى المغرب بالطائفة الأولى ركعة وبالأخرى ركعتين تفسد صلاتهما عند الحنفيين ومالك وأحمد لانصراف الأولى فى غير أوان الانصراف، ولأن الثانية لما أدركت الركعة الثانية صارت من الطائفة الأولى، وقد انصرف أوان رجوعها، ولا تبطل صلاتهما عند الشافعي لما روى أن علياً رضى الله عنه صلى المغرب ليلة الهرير بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين. ذكره البيهقى بلا سند وأشار على ضعفه فقال: ويذكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علياً .... إلخ (١)(٣٠).
стр. 1332
ولو جعلهم ثلاث طوائف فصلى بكل طائفة ركعة فسدت صلاة الأولى فقط- عند الحنفيين ومالك وأحمد - لانصرافها فى غير أوان الانصراف.
والأصح عند الشافعية صحة صلاة الكل.
(الرابعة) دلت أحاديث صلاة الخوف والعدو فى غير جهة القبلة على تفريق الجيش فرقتين، وأنه لا يجوز أن يفرقهم الإمام أكثر من فرقتين، فيصلى لكل فرقة ركعة أو يصلى بالأولى ركعتين وبالباقيتين ركعة ركعة فى الصلاة الرباعية، إذ لم يرد ذلك فى شئ من أحاديث الباب. والرخص يقتصر فيها على ما ورد. فإذا فعل الإمام ذلك بطلت صلاته ومن خلفه عند سحنون المالكى لمخالفتها المشروع فى صلاة الخوف.
وقال الحنفيون وأحمد: تبطل صلاة الإمام لزيادته على انتظارين ولم يعهد فى صلاة الخوف سواهما. وتبطل صلاة الطائفة الثالثة والرابعة لاقتدائهم بالإمام بعد بطلان صلاته. وأما الطائفة الأولى والثانية فصلاتهم صحيحة لمفارقتهم الإمام قبل بطلان صلاته كما جزم به الرافعى.
(وقال النووى) الأصح ان صلاة الإمام صحيحة، فإنه قد تدعوا الحاجة إلى ذلك، وعليه ففى صلاة المأمومين قولان: أصحهما أنها صحيحة (والصحيح) عند المالكية ان صلاة الطائفة الأولى والثالثة باطلة وصلاة غيرهما صحيحة. أفاده العراقى (١).
(الخامسة) ظاهر إطلاق أحاديث الباب أن صلاة الخوف تجوز ايضاً فى الجمعة، وعليه فيجوز أن تصلى على هيئة صلاة عسفان بأن يرتبهم الإمام صفين خلفه ويحرس فى سجود كل ركعة صف على ما تقدم. ويجوز أن تصلى علىهيئة صلاة ذات الرقاع بشرط أن يخطب بهم جميعاً أو يخطب بفرقة تفى بالعدد الواجب حضوره فى الجمعة على ما سيأتى بيانه إن شاء الله تعالى.
стр. 1333
(٨) صلاة شدة الخوف:
وإن اشتد الخوف والتحم القتال ولم يتمكن الجيش من تركه لقتلهم وكثرة العدو أو لم يلتحم، لكن لم يأمن الجيش أن ينقلب العدو عليهم لو انقسموا صلوا، بحسب الإمكان رجالا وركباناً مستقبلى القبلة وغير مستقبليها يؤمنون بالركوع والسجود على قدر الطاقة، ويجعلون السجود اخفض من الركوع فيسقط عنهم ما عجزوا عنه من الأركان (لقول) الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾، ولما روى نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلى بهم الإمام ركعة.
(ثم قال) فإن كان خوف هو اشد من ذلك صلوا رجالا قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلى القبلة أو غير مستقبليها.
قال مالك: قال نافع: لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ . أخرجه مالك والشافعي والشيخان والبيهقى، وهذا لفظ البخاري (١). [١١٥].
(وبهذا) قالت الأئمة والجمهور إلا أن المالكية قالوا: لا تصلى على هذه الحالة إلا إذا ضاق الوقت (واختلفوا) هل يغتفر للجيش حينئذ التقدم والتأخر والقتال والأفعال الكثيرة المحتاج إليها؟ فعند مالك وأحمد يغتفر ذلك، وهو الأصح عن الشافعى. وقيل: تبطل الصلاة به، لكن يمضى فيها لحرمة الوقت ثم يعيد (قال) الشافعى: فأما إذا تابع الضرب أو الطعن فلا تجزئه صلاته ويمضى فيها ولا يدعها فى هذه الحال إذا خاف ذهاب وقتها ويصليها ثم يعيدها (٢).
стр. 1334
(وقال) الحنفيون: إن اشتد الخوف صلوا وحداناً (رجالا) واقفين - لا مشاة - (أو ركباناً) ولو مع السير مطلوبين للضرورة لا طالبين، يؤمنون بالركوع والسجود إلى أى جهة قدروا إن عجزوات عن التوجه إلى القبلة، فليس لهم أن يقاتلوا فى حال الصلاة، فإن فعلوا بطلت صلاتهم. وإذا دعا الحال إلى القتال أخروا الصلاة لجله.
(وقال) ابن أبى ليلى والحكم بن عتبة: إذا اشتد القتال ودعا الحال إلى الركوب لا تصلى الفريضة على الدابة بل تؤخر الصلاة، لأن النبى ﷺ لم يصل يوم الخندق راكباً وأخر الصلاة.
(قال) علىّ رضى الله عنه: قال النبي ﷺ يوم الخندق: ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. أخرجه الشيخان (١). [١١٦].
(وأجاب) الأولون بأن غزوة الخندق كانت قبل مشروعية صلاة الخوف فلا يحتج بما وقع فيها على ترك الصلاة فى شدة الخوف راكباً او تأخيرها إن احتاج الأمر للقتال (فقد) تقدم أن أبا سعيد الخدرى قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد الغروب بهوى من الليل حتى كفينا وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِياً عَزِيزاً﴾ فدعا رسول الله ﷺ بلالاً فأقام الظهر (الحديث)، وفيه: ثم أقام العشاء فصلاها كذلك. وذلك قبل أن ينزل الله فى صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾.أخرجه الشافعى والطحاوى وقال: فأخبر أبو سعيد أن تركهم للصلاة يومئذ ركباناً إنما كان قبل ان يباح لهم ذلك، ثم أُبيح لهم بهذه الآية (٢).
стр. 1335
(فالراجح) جواز صلاة الخوف إن اشتد الخوف والتحم القتال ركباناً ومشاة مع القتال، والضرب والكر والفر إن دعت إليه الحاجة، لأن النبى ﷺ صلى بأصحابه فى غير شدة الخوف، فأمرهم بالمشى إلى جهة العدو وهم فى الصلاة ثم يعودون لقضاء ما بقى من صلاتهم، وهذا مشى كثير وعمل طويل واستدبار للقبلة. فإذا جاز ذلك مع عدم شدة الخوف فمع شدته أولى.
﴿فوائد﴾:
(الأولى) اختلف العلماء فى جواز الكلام فى صلاة شدة الخوف إن احتيج إليه (فقالت) المالكية: يحل فيها كلام أجنبى لغير إصلاح الصلاة إن احتيج له فى القتال كتحذير وإغراء وأمر ونهى (لقول) حذيفة بن اليمان لسعيد بن العاص: وتأمر أصحابك إن هاجم هيج من العدو فقد حل لهم القتال والكلام. هذا بعض أثر أخرجه أحمد بسند صحيح (١)(٣١).
(وقال) الحنفيون والشافعى وأحمد: تبطل صلاة الخوف بالكلام وإن احتيج إليه. قال الشافعى: وإذا تعمد فى الصلاة كلمة يحذر بها مسلماً أو يسترهب بها عدواً وهو ذاكر انه فى صلاة فقد انتقضت صلاته وعليه إعادتها متى أمكنه (٢).
(وقال) النووى: ولا يجوز الصياح ولا فيره، والكلام بلا خلاف، فإن صاح فبان معه حرفان فإن بطلت صلاته، لأنه غير محتاج إليه، بخلاف المشى وغيره. ولا تضر الأفعال اليسيرة بلا خلاف، لأنها لا تضر فى غير الخوف
стр. 1336
ففيه أولى. وأما الأفعال الكثيرة فإن لم تتعلق بالقتال أبطلت بلا خلاف.، وإن تعلقت به كالطعنات والضربات المتوالية، فإن لم يحتج إليها أبطلت بلا خلاف لأنها عبث، وإن احتاج إليها ففيها ثلاثة أوجه: أصحها عند الأكثرين لا تبطل وصححه الرافعى وغيره قياساً على المشى، ولأن مدار القتال على الضرب ولا يحصل المقصود غالباً بضربة وضربتين ولا يمكن التفريق بين الضربات (١).
(وأجابوا) عن قول حذيفة بأنه موقوف عليه فلا يعارض عموم ما تقدم من قوله ﷺ : إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس (٢).
(الثانية) تجوز الجماعة فى صلاة شدة الخوف عند أحمد لإطلاق قول ابن عمر: فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياماً على أقدامهم ... إلخ (٣).
وقالت الشافعية: الجماعة أفضل، ولا يمنع من الاقتداء اختلاف الجهة كالمصلين حول الكعبة وفيها (وقالت) المالكية: تكره الجماعة فيها (وقال) الحنفيون: لا تصح الجماعة فيها فى ظاهر الرواية إلا إذا كان المقتدى والإمام على دابة واحدة، فيصح الاقتداء لاتحاد المكان والجهة.
(الثالثة) من أمن فى أثناء صلاة الخوف أتمها صلاة آمن، ومن كان آمناً فخاف أو أشتد خوفه أتم صلاة خائف (وبيانه) أن من صلى بعض الصلاة حال الخوف ثم ذهب خوفه، لا يجوز انحرافه ومشيه إلى جهة العدو، وتصلى كل طائفة فى مكانها، ومن انحرف قبل زوال الخوف بنى على
стр. 1337
ما صلى، ومن ابتدأ الصلاة آمناً ثم طرأ الخوف جاز له الانحراف إلى جهة العدو فى وقته لوجود الضرورة، ومن صلى بعض الصلاة حال شدة الخوف مع الإخلال بشئ من فرائضها كالاستقبال والركوع والسجود فآمن فى أثنائها اتمها بفرائضها؛ فإن كان راكباً إلى غير القبلة نزل واستقبلها، وإن كان ماشياً وقف واستقبل حال نزوله أو أخلّ بشئ من فرائضها بعد أمنه فسدت صلاته وإن ابتدأها آمناً ثم حدث خوف أتمها بما استطاع. افاده ابن قدامة (١).
(٩) صلاة الطالب والمطلوب:
من كان مطلوباً أو طالباً للعدو فخاف فوته أوفوت الوقت صلى بالإيماء ولو ماشياً إلى غير جهة القبلة عند الأوزاعى وابن حبيسب المالكى وهو رواية عن الشافعى (لقول) عبد الله بن أنيس: دعانى رسول الله ﷺ فقال: قد بلغنى أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لى الناس ليغزونى وهو بعرنة فأته فاقتله. قلت: يا رسول الله انعته لى حتى أعرفه. قال: إذا رايته وجدت له قشعريرة. فخرجت متوشحاً بسيفى حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظُعُن يرتاد لهن منزلا وكان وقت العصر. فلما رأيته وجدت ما وصف لى رسول الله ﷺ منالقشعريرة، فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بينى وبينه محاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه أومئ برأسى للركوع والسجود. فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل، فجاءك لهذا. قال: أجل انا فى ذلك، فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكننى حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله علييه وسلم قال:
стр. 1338
افلح الوجه. قلت: قتلته يا رسول الله. قال: صدقت (الحديث) اخرجه أحمد والبيهقى (١). [١١٧].
(وقال الحنفيون) يصلى المطلوب راكباً بالإيماء بخلاف الماشى والسائح والطالب ولو راكباً (وقال) أحمد وعطاء والثورى: المطلوب يصلى سائراً بالإيماء بخلاف الطالب. وهذا هو المختار عند الشافعى، وإذا انهزم الكفار وتبعهم المسلمون خشية أنهم لو ثبتوا وكملوا للصلاة فاتهم العدو، لا تجوز لهم صلاة شدة الخوف فى هذه الحالة- عند الشافعية- إلا إن خافوا كميناً او رجوع العدو.
وعند المالكية فى ذلك قول بالجواز وقول بالمنع.
(وكالمطلوب) فى ذلك كل من منعه عدو عن الركوع والسجود أو خاف على نفسه أو أهله أو ماله من نحو لص او سبع، فإنه يصلى بالإيماء على أى جهة توجه غليها، والمختار عند مالك الإعادة فى الوقت إن أمن، ويجوز ذلك فى كل هرب مباح من سيل أو حريق إذا لم يجد معدلا عنه، أو من سبع.
وكذا المدين المعسر إذا كان عاجزاً عن بينة الإعسار ولو ظفر به المستحق لحبسه ولم يصدقه، وكذا إذا كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغضب بتغيبه واستبعد إمام الحرمين جواز هربه بهذا التوقع. أفاده العراقي (٢).
стр. 1339
(وأجابوا) عن حديث عبد الله بن أنيس بأنه وقعة عين خاصة به لورود الأمر الخاص به وكونه ﵊ عينه لقتل هذا الرجل وجعل له علامة عليه وهى قشعريرة تحصل له عند رؤيته، فكان ذلك كما أخبر، وكان معجزة وعلماً من أعلام النبوة، فلا يلزم من اغتفار المشى الكثير له فى هذه الحالة اغتفار ذلك لغيره. ويحتمل أن يقال: كان عبد الله بن أنيس فى معنى الطالب الذى يخشى كرة العدو، إذ لا يأمن شر خالد بن سفيان لو عرفه قبل المبادرة إليه.
قال ابن المنذر: كل من أحفظ عنه من أهل العلم يقول: إن المطلوب يصلى على دابته يومئ غيماء، وإن كان طالباً نزل فصلى على الأرض. قال الشافعى: إلا أن ينقطع عن أصحابه فيخاف عود المطلوب عليه فيجزئه ذلك. وعرف بهذا أن الطالب فيه التفصيل بخلاف المطلوب. ووجه الفرق ان شدة الخوف فى المطلوب ظاهرة، وأما الطالب فلا يخاف استيلاء العدو عليه وإنما يخاف أن يفوته العدو، وهذا متعقب بكلام الأوزاعى فإنه لم يفرق بين الطالب والمطلوب: قاله الحافظ (١).
والظاهر ان مرجع هذا الخلاف إلى الخوف المذكور فى الاية، فمن قيده بالخوف على النفس والمال من العدو فرق بين الطالب والمطلوب، ومن جعله أعم من ذلك لم يفرق بينهما وجوز صلاة الخوف للراجل والراكب عند حصول أى خوف.
(تنبيه) علم مما تقدم حرص الشارع على الصلاة واهتمامه بأمرها حتى طلب تأديتها من المجاهدين فى سبيل الله تعالى والعدو يطاردهم ويطاردونه، ولم يبح لهم تأخيرها عن وقتها، وبهذا تميزت عن سائر العبادات، إذ كلها تسقط بالأعذار بخلاف الصلاة، فإنه لا يحل لمن فى راسه عقل تركها بحال من الأحوال، فإن تركها جريمة كبرى توجب قتل التارك ولو لصلاة واحدة،
стр. 1340
كما تقدم فى بحث (جاحد الصلاة وتاركها) (١) فلينظر العاقل إلى هذا وما عليه غالب أهل الزمان من إضاعتهم الصلاة فى الصحة والأمن والحضر، فضلا عن حخال المرض والخوف والسفر (فإنا لله وإنا إليه راجعون).
(السابع) الجمعة
هى بضم الميم وإسكانها وفتحها: من الإجتماع، سمى اليوم به لأنهجمع فيه خلق آدم من الماء والطين (روى) على بن أبى طلحة عن أبى هريرة قال: قيل للنبى ﷺ : لأى شئ سمى يوم الجمعة؟ قال: لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم. وفيها الصعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفى آخر ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها استجيب له. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح (٢).
وعلى بن أبى طلحة لم يسمع من أبي هريرة. [١١٨].
стр. 1341
(وقيل) سمى بذلك لاجتماع الأنصار مع أسعد بن زرارة فيه فصلى بهم وذكرهم، فسموه بالجمعة بعد أن كان يسمى يوم العروبة، أى يوم التحسين، لأنه يوم تجمل (وهو) أفضل ايام الأسبوع (لحديث) ابى هريرة: أن النبى ﷺ قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه اهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة. وما من دابة إلا وهى مسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس سفقاً من الساعة إلا الجن والإنس. وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه (الحديث) أخرجه الأئمة والثلاثة، وهذا لفظ الشافعى، وزاد هو والترمذى وأبو داود: قال ابو هريرة: قال عبد الله بن سلام: هى آخر ساعة من يوم الجمعة.
فقلت له: كيف هى آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول الله صلى الله
стр. 1342
عليه وسلم: لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى؟ وتلك الساعة لا يصلى فيها، فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : من جلس مجلساً ينتظر الصلاة فهو فى صلاة حتى يصلى؟ فقلت: بلى. قال: هو ذاك. وصححه الترمذى (١). [
١١٩].
هذا والكلام هنا فى ستة عشر فصلا:
стр. 1343
(١) فضل يوم الجمعة
قد ورد فى فضله أحاديث أخر (منها) قول أنس: أتى جبريل بمرآة بيضاء فيها وكتة إلى النبى ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما هذه؟ قال: هذه الجمعة فضلت بها أنت وأُمتك. فالناس لكم فيها تبع ك اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله تعالى بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. قال النبى ﷺ : يا جبريل ما يوم المزيد؟ قال: إن ربك اتخذ فى الفردوس وادياً اقبح فيه كثب مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من
стр. 1344
ملائكته وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثب، فيقول الله لهم: أنا ربكم قد صدقتكم وعدى، فسلونى أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم ولكم على ما تمنيتم، ولدى مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيه فيه ربهم منالخير (الحديث) أخرجه الشافعى والطبرانى فى الأوسط بسند رجاله ثقات (١). [١٢٠].
(٢) مزايا يوم الجمعة
له مزايا أخر (منها) أن من مات فيه أو فى ليلته لا يفتن فى قبره وإن سئل (لحديث) عبد الله بن عمرو: أن النبى ﷺ قال: ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر. أخرجه أحمد والترمذى وقال. هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل وحسنه السيوطى (٢). [١٢١].
стр. 1345
(ومنها) أن فيها ساعة يستجاب فيها الدعاء (لقول) أبى هريرة: ذكر النبى ﷺ الجمعة فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلى يسأل الله شيئاً إلا أعطاه الله إياه. وأشار بيده يقللها: أخرجه الشافعى والسبعة إلا أبا داود والترمذى (١). [١٢٢].
(وقد) اختلف فى تعيين هذه الساعة (فقال) عبد الله بن سلام: إنها آخر ساعة من يوم الجمعة، لما تقدم فى قصة أبى هريرة مع عبد الله بن سلام (٢) (ولحديث) جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة، لا يوجد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه الله، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر. أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح (٣). [١٢٣].
(وقال) ابن عبد البر: إنه اثبت فى هذا الباب وأكثر الأحاديث على هذا، وبه قال أكثر أهل العلم.
(وقيل) إن ساعة الإجابة من وقت جلوس الخطيب على المنبر إلى أن يفرغ من الصلاة. قال أبو بردة بن أبى موسى الأشعرى: قال لى عبد الله ابن عمر: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ
стр. 1346
يقول: هى ما بين أن يجلس الإمام (يعنى على المنبر) إلى أن تقضى الصلاة. أخرجه مسلم والبيهقى وأبو داود (١). [١٢٤].
(وقيل) غير ذلك وارجح الأقوال ما دل عليه حديث أبى موسى وحديث عبد الله بن سلام.
(واختار) ابن القيم ان ساعة الإجابة منحصرة فى أحد الوقتين المذكورتين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر، لاحتمال أن يكون ﷺ دل على أحدهما فى وقت وعلى الآخر فى وقت آخر. وهذا كقول ابن عبد البر:
الذى ينبغى الاجتهاد فى الدعاء فى الوقتين المذكورتين. وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد., وهو أولى فى طريق الجمع. ذكره الحافظ (٢).
(٣) ما يطلب ليلة الجمعة ويومها
هو أمور المذكور منها هنا عشرون:
(١) يستحب الإكثار في يومها وليلتها من قراءة القرآن والذكر والدعاء، لحديث أبى أمامة: أن النبي ﷺ قال: من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتاً فى الجنة. أخرجه الطبرانى في الكبير والأصفهاني وفى سنده فضال بن جبير وهو ضعيف جداً (٣). [١٢٥].
وحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى يغيب الشمس. أخرجه الطبرانى في الأوسط والكبير. وفى سنده طلحة بن يزيد الرقى وهو ضعيف (٤). [١٢٦].
стр. 1347
وحديث أبى سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: من قرأ سورة الكهف فى يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين. أخرجه النسائي وكذا البيهقي والحاكم مرفوعاً وموقوفاً وقال: هذا صحيح الإسناد.
ورواه الدارمى موقوفاً على أبى سعيد قال: من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق. وفى سند غير الحاكم أبو هاشم يحيى بن دينار الرماني، تكلم فيه ووثقه الأكثر. وفى سند الحاكم نعيم بن حماد. قال الأزدى: كان نعيم يضع الحديث فى تقوية السنة، وروى أحاديث منا كير عن الثقات، وضعفه النسائى ووثقه أحمد والعجلى (١). [١٢٧].
(فيسن) قراءة ما ذكر كله أو بعضه ليلة الجمعة ويومها لا على وجه يشوش على مصل أو نائم. أما رفع الصوت بالقراءة فى المسجد فمكروه أو حرام لما تقدم فى بحث (رفع الصوت فى المسجد) من الأحاديث والنصوص (٢).
(وقال) العلامة الشيخ عبد العزيز المليبارى الشافعى: وسن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها لأحاديث فيها. وقراءتهما نهاراً آكد وأولاه بعد الصبح مسارعة للخير، وأن يكثر منها وم سائر القرآن فيهما. ويكره الجهر بقراءة الكهف وغيرها إن حصل به تأذ لمصل أو نائم كما صرح به النووى.
(وقال) شيخنا فى شرح العباب: ينبغى حرمة الجهر بالقراءة فى المسجد.
وحمل قول النووى بالكراهة على ما إذا خف التأذى، وعلى كون القراءة فى غير المسجد (٣)، فها هو ذا العلامة ابن حجر شارح العباب يقول بحرمة رفع
стр. 1348
الصوت بقراءة سورة الكهف فى المسجد، وبين أن قول النووى بالكراهة محمول على ما إذا كانت القراءة خارج المسجد وكان التأذى خفيفاً.
(وقال ابن الحاج): وينبغى له (أى لإمام المسجد) (أن ينهى من يقرأ الأعشار بالجهر والناس ينتظرون صلاة الجمعة أو غيرها، لأنه موضع النهى لقول رسول الله ﷺ : " لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن " (١) ثم قال: : وينبغى له أن ينهى عن قراءة الأسباع فى المسجد لما تقدم من أن المسجد إنما بنى للمصلين والذاكرين (يعنى سراً) وقراءة الأسباع فى المسجد مشوشة، وقد قال ﷺ : لا ضرر ولا ضرار (٢). [١٢٨].
(وقد سئل) الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتى مصر عما اعتيد من قراءة فقيه سورة الكهف جهراً يوم الجمعة لأجل عدم غوغاء الفلاحين بالكلام الدنيوى (فأجاب) بقوله: وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة جاء فى عبارة الأشباه عند تعداد المكروهات ما نصه: ويكره إفراده بالصوم وإفراد ليلته بالقيام وقراءة الكهف فيه، خصوصاً وهى لا تقرأ إلا بالتلحين وأهل المسجد يلغون ويتحدثون ولا ينصتون، ثم أن القارئ كثيراً ما يشوش على المصلين فقراءتهما على هذا الوجه محظورة (٣).
(٢) ويندب الإكثار من الصلاة والسلام على النبى صلى الله عليه
стр. 1349
وسلم ليلة الجمعة ويومها لحديث أوس بن أبى أوس: أن النبى ﷺ قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علىّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علىّ. فقالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ يعنى وقد بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. أخرجه أحمد والحاكم وصححه وابن حبان والبيهقى والأربعة إلا الترمذى (١). [١٢٩].
ولحديث أبى أمامة: أن النبى ﷺ قال: أكثروا علىّ من الصلاة فى كل يوم جمعة، فإن صلاة أمتى تعرض على فى كل يوم جمعة، فمن كان أكثركم علىّ صلاة كان أقربكم منى منزلة. أخرجه البيهقى بسند حسن (٢). [١٣٠].
والأحاديث فى هذا كثيرة (٣).
стр. 1350
(٣ - ٦) ويطلب الغسل والسواك والتطيب ولبس أحسن الثياب يوم الجمعة (لحديث) أبى سعيد وأبى هريرة: أن النبى ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومس من طيب، إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتى المسجد فلم يتخط رقاب الناس حتى ركع ما شاء إن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإمام فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التى قبلها. وكان أبو هريرة يقول: ثلاثة أيام زيادة، إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها. أخرجه أحمد والحاكم وأبو داود وأخرج نحوه ابن ماجه عن أبى ذر الغفارى (١). [١٣١].
стр. 1351
(ولحديث) ابن عمرو: أن النبى ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة، كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهراً. أخرجه أبو داود، وفى سنده عمرو بن شعيب مختلف فيه (١).
والأحاديث فى هذا كثيرة (٢).
стр. 1352
(وقد اتفق) العلماء على استحباب ذلك كله إلا الغسل فقد تقدم بيان المذاهب فى حكمه ووقته وأدلته فى بحث اقسام الغسل (١).
(والمراد) بأحسن الثياب البيض، لما يأى عن ابن عباس أن النبى ﷺ قال: البسوا من ثيابكم البياض فإنها خير ثيابكم، وكفوا فيها موتاكم. أخرجه أحمد والحاكم والبيهقى والأربعة إلا النسائى وصححه الترمذى (٢).
ويأتى فى هذا أحاديث كثيرة (٣). [١٣٣].
(وحكمة) مشروعية الغسل والسواك والطيب والتجمل بأحسن الثياب يوم الجمعة أن يكون المصلى على أكمل حال وأطيبه، فلا يتأذى به أحد، ولأن الملائكة تقف على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه أو لمسوه.
(٧ - ٨) ويندب الأخذ من الشعر وقص الظفر يوم الجمعة (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة. أخرجه البزار والطبرانى فى الأوسط وفى سنده إبراهيم بن قدامة. ذكره ابن حبان فى الثقات. وقال البزار: ليس بحجة إذا تفرد بحديث، وقد تفرد بهذا (٤). [١٣٤].
стр. 1353
(ولحديث) عائشة أن النبى ﷺ قال: من قلم أظفاره يوم الجمعة وقى من السوء إلى مثلها. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفى سنده احمد بن ثابت الملقب بفرجونة أو فرجويه، وهو ضعيف (١). [١٣٥].
(٩) ويسن قراءة سورة " ألم تنزيل السجدة" بعد الفاتحة فى الركعة الأولى من صلاة صبح الجمعة، و" هل أتى على الإنسان " فى الركعة الثانية (لحديث) ابن عباس: أن النبى ﷺ كان يقرأ يوم الجمعة فى صلاة الصبح " ألم تنزيل" و" هل أتى على الإنسان "، وفى صلاة الجمعة بسورة " الجمعة "و" المنافقين ". أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه (٢). [١٣٦].
(وظاهره) أن النبى ﷺ كان يواظب على قراءة هاتين السورتين فى صبح الجمعة كما يشعر به لفظ كان. ويؤيده (حديث) ابن مسعود أن النبى ﷺ كان يقرا فى صلاة الصبح يوم الجمعة " ألم تنزيل السجدة" و" هل أتى على الإنسان" يديم ذلك. أخرجه الطبرانى فى الصغير بسند رجاله ثقات، وهوعند ابن ماجه غير قوله: يديم ذلك (٣). [١٣٧].
стр. 1354
(وكان) ﷺ يقرأ السورتين بتمامهما خلافاً لما يفعله بعض الناس من الاقتصار على بعضهما، فهو خلاف السنة.
وهذا مذهب الشافعى، وبه قال الحنفيون وأحمد، إلا أنه تكره المداومة عليهما عندهم. قال فى المحيط: يستحب قراءة هاتين السورتين فى صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحياناً لئلا يظن الجاهل أنه لا مجزئ غيره أو يرى القراءة بغيره مكروهة (١).
(وقالت) المالكية: يكره تعمد قراءة سورة سجدة فى الفريضة، وهو رواية ابن القاسم عن مالك.
(وروى) أشهب عنه جواز قراءة السورة التى فيها السجدة إذا كان وراء الإمام عدد قليل لا يخاف أن يختلط عليهم.
(وقال) ابن حبيب: يجوز قراءة سورة فيها سجدة فى الصلاة الجهرية دون السرية لأمن التخليط فى الجهرية. ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض.
(قال) ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة فينبغى أن تترك أحياناً لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك فى بعض الأوقات (٢).
ولا وجه للقول بالكراهة مطلقاً أو فى الصلاة السرية، بل يرده حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ سجد فى صلاة الظهر ثم
стр. 1355
قام فركع، فرأينا أنه قرأ " تنزيل السجدة ".أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما (١). [١٣٨].
(فهو) يدل على عدم التفرقة بين السرية والجهرية. (فالراجح) أن قراءة هاتين السورتين فى صبح يوم الجمعة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، ولا وجه للقول بتركها فى بعض الأحيان لخوف اعتقاد العوام الوجوب أو نحوه، إذ لا عبرة بتوهم خلاف الوارد وإلا لترك غالب أحكام الشريعة خوف اعتقاد العوام خلاف الوارد، وهو غير معقول.
(وليس) فى هذه الأحاديث ما يفيد أنه ﷺ كان يسجد حين يقرأ هذه السورة فى صبح يوم الجمعة (قال) الحافظ: لم أر فى شئ من الطرق التصريح بأنه ﷺ سجد لما قرأ سورة " ألم السجدة" فى هذا المحل إلا فى كتاب الشريعة لابن أبى داود من طرق أخرى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غدوت علىالنبى ﷺ يوم الجمعة فى صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد (الحديث) وفى إسناده من ينظر فى حاله (٢). [١٣٩].
(وروى) على رضى الله عنه: أن النبى ﷺ سجد فى صلاة الصبح فى تنزيل السجدة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط والصغير. وفى سنده الحارث الأعور وهو ضعيف (٣). [١٤٠].
(والحكمة) فى قراءة النبى ﷺ هاتين السورتين فى صبح الجمعة أنهما تضمنتا ما كان وما يكون فى يومها، فإنهما اشتملتا على خلق
стр. 1356
آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة، فكان فى قراءتهما فى هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه وما يكون، فتكون السجدة جاءت تبعاً وليست مقصودة.
(١٠) ويندب التبكير إلى صلاة الجمعة (لحديث) أبى سعيد الخدري أن النبى ﷺ قال: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون من جاء من لناس على منازلهم، فرجل قدم جزوراً، ورجل قدم بقرة، ورجل قدم شاة، ورجل قدم دجاجة، ورجل قدم عصفوراً، ورجل قدم بيضة. فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر. أخرجه أحمد والضياء المقدسى بسند رجاله ثقات وحسنه المنذرى (١). [١٤١].
(ولحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فى الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام اقبلت الملائكة يستمعون الذكر. أخرجه مالك والشافعى والبخارى والثلاثة والبيهقى وابن أحمد فى زوائد المسند (٢). [١٤٢].
стр. 1357
(وقوله غسل الجنابة) من باب التشبيه، أى غسلا كغسل الجنابة فى الكيفية لا فى الحكم (ففى حديث) ابن جريح عن سمى: فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة. أخرجه عبد الرزاق (١) وبهذا قال الأكثر. وقيل: المراد غسل الجنابة حقيقة. فيستحب له أن يواقع زوجه ليغتسلا من الجنابة.
(وحكمته) أن تسكن نفسه فى الرواح إلى الصلاة ويغض بصره.
(ويؤيده) ما فى حديث أوس بن أوس الثقفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها. أخرجه البيهقى والأربعة وحسنه الترمذى وأخرجه أحمد عن ابن عمرو (٢). [١٤٣].
(من غسل) روى مخففاً ومشدداً ومعناه: جامع امرأته قبل الخروج إلى الصلاة فاغتسلت، وقيل التشديد فيه للمبالغة، اى بالغ فى غسل الرأس لما
стр. 1358
فيها من الشعث (واغتسل) اى غسل سائر جسده. ويؤيده ما فى رواية لأبى داود بلفظ: من غسل رأسه يوم الجمعة واغتسل (١).
هذا. وقد اختلفوا فى المراد بالساعات الواردة فى هذه الأحاديث (فمشهور) (مذهب المالكية أن المراد بها أجزاء الساعة التى قبل الزوال ٠ وروى) عن مالك أن المراد بها لحظات لطيفة بعد زوال الشمس. وبه قال القاضى حسين وإمام الحرمين من الشافعية، لأن الرواح الذهاب بعد الزوال، ولما فى حديث ابى هريرة أن النبى ﷺ قال: المهجر إلى الجمعة كالمهدى بدنة (الحديث) أخرجه أحمد وغيره (٢). [١٤٤].
والتهجير: السير وقت الهاجرة، أى شدة الحر.
(وقال) الجمهور: يستحب التبكير إلى الجمعة أول النهار. وبه قال الشافعى وابن حبيب المالكى. فالساعات عندهم من أول النهار. والمراد بالساعات الفلكية. والرواح يكون أول النهار وآخره. والتهجير: التبكير.
هذا. ومن جاء فى أول ساعة من هذه الساعات، ومن جاء فى آخرها مشتركان فى تحصيل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن بدنة الأول أكمل من بدنة من جاء فى آخر الساعة، وبندة المتوسط متوسطة. هذا هو الراجح المختار. وقال الرافعى: ليس المراد من الساعات، الساعات الفلكية، وإنما المراد ترتيب الدرجات وتفضيل السابق على الذى يليه لئلا يستوى فى الفضيلة رجلان جاءا فى طرفى ساعة (٣).
(وقال) الصيدلانى: التبكير يكون من ارتفاع النهار وقت الضحى
стр. 1359
وأول الهاجرة. وهو الظاهر من أحاديث الباب التى فيها الحث على التهجير إلى الجمعة وينتهى بالزوال حين يحضر الإمام وتطوى الملائكة الحف.
وهذه المدة مقسمة إلى ست ساعات زمنية لا فلكية.
(١١ و ١٢ و ١٣) ويطلب المشى للجمعة، والقرب من الإمام، والإنصات له (لما تقدم) عن أوس بن أوس الثقفى وابن عمرو أن النبى ﷺ قال: من غسل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام واستمع ولم بلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها (١).
(ولحديث) عطاء الخراسانى عن مولى امرأته أم عثمان قال: سمعت علياً رضى الله عنه على منبر الكوفة يقول: إذا كان يوم الجمعة خرج الشياطين يربثون الناس إلى أسواقهم ومعهم الرايات، وتقعد الملائكة على أبواب المساجد يكتبون الرجل من ساعة والرجل من ساعتين حتى يخرج الإمام.
فمن دنا من الإمام وأنصت واستمع ولم يلغ، كان له كفلان من الأجر. ومن نأى وجلس حيث لا يسمع فأنصت ولم يلغ، كان له كفل من الأجر. ومن دنا من الإمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع، كان عليه كفلان من الزور. ومن نأى عنه فلغا ولم ينصت ولم يستمع، كان عليه كفل من الوزر. ومن قال صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له. ثم قال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه
стр. 1360
وسلم. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى. ومولى امرأة عطاء مجهول (١). [١٤٥].
(وتقدم) عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت (٢). قال الترمذى: والعمل عليه عند أهل العم. كرهوا للرجل التكلم والإمام يخطب، وإن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة.
(واللغو) الكلام الذى لا ثواب فيه، وقيل: الإثم والباطل.
(وفى هذه) الأحاديث دليل على حرمة الكلام حال خطبة الجمعة مطلقاً ولو أمراً بمعروف، وهو قول مالك والأوزاعى وأبو يوسف ومحمد وأحمد.
(وللشافعية) قولان أصحهما لا يحرم الكلام حال الخطبة. والإنصات مستحب بناء على أن المراد باللغو ما لا ثواب فيه، ويرده:
стр. 1361
(أ) ما تقدم فى حديث على رضى الله عنه: ومن دنا من الإمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفلان من الوزر. وقوله: ومن قال صه فقد تكلم، ومن تكلم فلا جمعة له (١).
(ب) (وحديث) ابن عباس أن النبى ﷺ قال: من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذى يقول له أنصت ليس له جمعة. أخرجه أحمد والبزار والطبرانى، وفى سنده مجالد بن سعيد ضعفه كثير، ووثقه النسائى فى رواية، وقال الحافظ فى بلوغ المرام: رواه أحمد بسند لا بأس به (٢). [١٤٦].
(وقال) أبو حنيفة: يحرم الكلام ويجب الإنصات إذا خرج الإمام إلى الخطبة إلى أن يفرغ منها. (والمراد) بخروجه صعوده على المنبر أو خروجه من الحجرة إن كانت، لما روى عن على وابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام. أخرجه ابن أبى شيبة (٣)(٣٢).
وقول الصحابى: فى مثل هذا حجة، فإنه لا يقال من قبل الرأى، فهو فى حكم المرفوع.
(وقال) مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد: لا بأس بالكلام ما لم يشرع فى الخطبة، لأن المنع منه لما فيه من الإخلال بفرض الاستماع، ولا استماع هنا، ولقول الزهرى: خروج الإمام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام. أخرجه مالك (٤)(٣٣).
стр. 1362
ومحل الخلاف فى الكلام الدنيوى، أما الأخروى فلا يكره قبل الخطبة عند أبى حنيفة أيضاً على الأصح. ويشهد له قول أبي أمامة بن سهل: سمعت معاوية بن أبى سفيان وهو جالس على المنبر، أذن المؤذن، فقال: الله أكبر، الله أكبر. فقال معاوية: الله أكبر، الله أكبر. فقال أشهد أن لا إله إلا الله. قال معاوية: وأنا. فلما قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال معاوية: وأنا، فلما أن قضى التأذين قال: يا أيها الناس إنى سمعت النبى ﷺ على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم من مقالتى. أخرجه البخاري (١). [١٤٧].
(وهذا) كله فى حق من سمع الخطبة، سواء أكان فى المسجد أم لا، أما من لم يسمعها بأن كان بعيداً ففيه خلاف (فقال) الجمهور: يجب الإنصات أيضاً ويحرم الكلام عليه كالسامع. (وقال) أحمد وعطاء والنخعى: لا يحرم، ويجوز له أن يسبح أو يتكلم فى مسألة علمية.
(وقالت) المالكية: يحرم الكلام على من بالمسجد أو رحبته لا خارجها سداً للذريعة لئلا يسترسل الناس حتى يتكلم من يسمع الإمام.
(وهذا) (كله فى الكلام حال الخطبة، أما قبل الشروع فيها وبعد صعود الخطيب على المنبر وبعد الفراغ منها، فالأكثر على الجواز ٠ قال) الشافعى: لا بأس أن يتكلم والإمام على المنبر قبل كلام الإمام، فإذا ابتدأ فى الكلام لم أحب أن يتكلم حتى يقطع الإمام الخطبة الآخرة، فإن قطع الآخرة فلا باس أن يتكلم حتى يكبر الإمام، وأحسن فى الأدب ألا يتكلم من حين يبتدئ الإمام الكلام حتى يفرغ من الصلاة، وإن تكلم رجل والإمام يخطب لم أحب ذلك له (٢).
стр. 1363
(وقال) الحافظ: واستدل به، أي بحديث " إذا قلت لصاحبك أنصت " على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة. وبه قال الجمهور فى حق من سمعها، وكذا الكلام فى حق من لا يسمعها عند الأكثر، وإذا أراد الأمر بالمعروف فليجعله بالإشارة (١).
ثم قال: ونقل صاحب (المغنى) الاتفاق على أن الكلام الذى يجوز فى الصلاة يجوز فى الخطبة كتحذير الضرير من البئر.
(وعبارة الشافعى): وإذا خاف على أحد لم أر باساً إذا لم يفهم عنه بالإيماء ان يتكلم. وقد استثنى من الإنصات فى الخطبة ما إذا انتهى الخطيب إلى ما لم يشرع مثل الدعاء للسلطان، بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه.
وقال النووى: محله ما إذا جازف وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب.
ومحل الترك إذا لم يخف الضرر وإلا فيباح للخطيب إذا خشى على نفسه (٢).
(وقال) الترمذي: واختلفوا فى رد السلام وتشميت العاطس، فرخص بعضهم فيهما والإمام يخطب، وهو قول أحمد وإسحاق. وكره بعض التابعين وغيرهم ذلك، وهو قول الشافعي. أ. هـ. وحكى ابن العربي عن الشافعي موافقة أحمد وإسحاق.
(قال) العراقي: وهو أولى مما نقله عنه الترمذى. وقد صرح الشافعي فى مختصر البويطى بالجواز فقال: ولو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه، لأن التشميت سنة. ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك له ورأيت أن يرد عليه؛ لأن السلام سنة ورده فرض. وقال النووى فى شرح المهذب: إنه الأصح (٣).
стр. 1364
(فعلى) العاقل أن يتأدب بآداب الشريعة ويتحلى بتعاليمها ولا سيما فى صلاة الجمعة ليكون ممن سلك أحسن سبيل (روى) عبد الله بن عمرو أن النبى ﷺ قال: يحضر الجمعة ثلاثة، فرجل حضرها يلغو فذاك حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله ، فإن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهى كفارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، فإن الله يقول: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.أخرجه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والبيهقى بسند جيد (١). [١٤٨].
(١٤) ويندب لمن أتى المسجد قبل الجمعة التنفل مع طول القيام ما لم يصعد الإمام المنبر (لقول) نافع: كان ابن عمر يغدو إلى المسجد يوم الجمعة فيصلى ركعات يطيل فيهن القيام، فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته فصلى ركعتين وقال: هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ . أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح، وهذا لفظ أحمد (٢).
[١٤٩].
(١٥) ويطلب ممن دخل المسجد ولم يجد مكاناً يجلس فيه ألا يقيم غيره ليجلس مكانه، بل يطلب التوسعة (لحديث) جابر بن عبد الله: أن النبى ﷺ قال: لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل أفسحوا. أخرجه أحمد ومسلم (٣). [١٥٠].
стр. 1365
(وذكر) يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العام لا من باب التقييد، للأحاديث المطلقة (١).
(ومن سبق) إلى مكان مباح ولو غير مسجد فى يوم جمعة أو غيره لصلاة أو غيرها، فهو أحق به. ويحرم على غيره غقامته منه والقعود فيه. وكذا من جلس فى مكان ثم قام منه لقضاء حاجته ثم يعود إليه فإنه احق به ممن جلس فيه بعد قيامه كما تقدم بيانه فى بحث (إقامة الإنسان من مكان مباح سبق إليه) (٢).
(١٦) ويندب لمن بالمسجد إذا غلبه النعاس فى مكان التحول منه إلى آخر (لحديث) ابن عمر أن النبى ﷺ قال: إذا نعس أحدكم فى المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره. أخرجه احمد وأبو داود وابن أبى شيبة والبيهقي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣). [١٥١].
(وذكر) يوم الجمعة من التنصيص على بعض إفراد العام اعتناء به أو نظراً للغالب لطول المكث فى المسجد يوم الجمعة. ففى رواية أبى داود: إذا نعس أحدكم وهو فى المسجد.
(وحكمة) الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس، أو لأن المكان
стр. 1366
الذى أصابه فيه النوم فيه شيطان، ولذا أمر النبى ﷺ أصحابه بالانتقال من الوادى الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس وقال: إن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان (١).
(ولا يقال) إن الانتقال وقت الخطبة عمل منهى عنه، لما فيه من الاشتغال عن سماع الخطبة المأمور به فلا يشمله الحديث (لأن) انتقال الناعس يؤدى إلى ذهاب نعاسه فينتبه للخطبة، ولذلك أمره الشارع بالتحول.
(١٧) ويطلب ممن دخل المسجد ألا يتخطى الرقاب (روى) عبد الله بن بسر أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبى ﷺ يخطب فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم وصححه. وأخرجه ابن ماجه عن جابر (٢). [١٥٢].
(دل) على حرمة تخطى الرقاب يوم الجمعة. وظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الحرمة مختصة به، ويحتمل أن التقييد به خرج مخرج الغالب لكثرة الناس فيه، فيكون باقي الصلوات كالجمعة فى عدم جواز التخطي. وهذا هو الظاهر لوجود العلة وهى الإيذاء، بل يجرى ذلك فى مجالس العلم وغيرها.
стр. 1367
(وبحرمة) تخطى الرقاب يوم الجمعة صرح الشافعي وهو المختار للأحاديث الصحيحة. وعدّه ابن القيم من الكبائر (ومشهور) مذهب الشافعية والحنبلية كراهة التخطي إلا لفرجة فلا يكره.
(وقالت) المالكية: يحرم التخطى حال الخطبة يوم الجمعة ولو لفرجة، ولا يكره قبل جلوس الخطيب إن كان لسد فرجة وإلا كره.
(وقال) الحنفيون: لا بأس بالتخطى ما لم يخرج الإمام أو يؤذ أحداً إلا لسد فرجة فيجوز (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: وقد علم أن التخطى جائز بشرطين: أحدهما: ألا يؤذى أحداً، لأن الإيذاء حرام والدنو مستحب.
وترك الحرام مقدم على فعل المستحب. والثانى: ألا يكون الإمام فى الخطبة، لن تخطيه حينئذ عمل وهو حرام فى حال الخطبة فلا يرتكبه لأجل أمر مستحب.
وينبغى أن يقيد بما إذا وجد بداً، أما إذا لم يجد بان لم يكن فى الوراء موضع وفى القدام موضع، فله أن يتخطى إليه للضرورة (١).
وقد استثنى من التحريم أو الكراهة الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها غلا بالتخطى ولم يجد غيرها. ويستأنس له بحديث عقبة بن الحارث قال: صليت وراء النبى ﷺ بالمدينة العصر ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئاً من تبر كان عندنا فكرهت أن يحبسنى فأمرت بقسمته. أخرجه البخاري والنسائي (٢). [١٥٣].
стр. 1368
(فهو) يدل على جواز التخطى للحاجة ولمن لا يتأذى الناس بتخطيه، ولذا خص بعضهم عدم جواز التخطى بغير من يتبرك الناس بمروره.
(فائدة) فرق النووى بين التخطى والتفريق بين الاثنين وهو الظاهر، لأن التفريق يحصل بالجلوس بينهما وإن لم يتخط، وهو ممنوع إن لم يكن بينهما فرجة، وإلا فلا بأس به.
(١٨) قال الأوزاعى وجماعة: يطلب تجنب الاحتباء فى المسجد يوم الجمعة. وهو
أن يجلس على إليتيه رافعاً ساقيه ضاماً وركيه إلى بطنه بثوبه أو يديه (لحديث) معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه الحاكم وقال: هذا صحيح الإسناد والبيهقى (١). [١٥٤].
وفى سنده سهل بن معاذ وهو ضعيف، وابو مرحوم عبد الرحيم ضعفه ابن معين، وقال النسائى: لا بأس به. وذكر ابن حبان فى الثقات.
(والحكمة) فى النهى عن الاحتباء أنه يجلب النوم ويعرض الطهارة للنقض. ويلحق به فى الكراهة الاستناد إلى الحائط أو غيره، لأنه فى معنى الاحتباء وأكثر.
(وقال) الأئمة والجمهور: لا يكره الاحتباء فى المسجد (قال) أبو داود: وكان ابن عمر يحتبى والإمام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة ابن ضوحان وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى ومكحول (٢)(٣٤).
стр. 1369
(وقال) يعلى بن شداد: شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع بنا، فنظرت فإذا جل من بالمسجد أصحاب النبى ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب. أخرجه أبو داود والبيهقي (١)(٣٥).
(وأجابوا) عن أحاديث النهى أنها ضعيفة فلا تقوم بها حجة، وعلى فرض صحتها فيجمع بينها وبين ما تقدم بأن الاحتباء المنهي عنه ما ابتدئ أثناء الخطبة لما فيه من التشاغل عنها. والاحتباء الجائز ما ابتدئ قبلها واستمر إلى الفراغ منها. أفاده الطحاوى (٢).
(هذا) ويكره الاحتباء ولو خارج الصلاة لمن كان لابسا ثوباً واحداً مخافة أن تنكشف عورته (لقول) أبى هريرة: نهى رسول الله ﷺ أن يحتبى الرجل فى ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ. أخرجه البخاري والبيهقي (٣).
[١٥٥].
ولا بأس به لمن يخش انكشاف العورة. روى أبو حاتم الرازى بالسند إلى ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ محتبياً بفناء الكعبة يقول بيده هكذا. وشبك أبو حاتم بيديه. أخرجه البخارى والبيهقى (٤). [١٥٦].
(١٩) وإذا دخل وقت الجمعة وصعد الخطيب المنبر وجلس عليه، أذن واحد خارج المسجد على سطحه أو على بابه (لقول) السائب بن
стр. 1370
يزيد: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، ويقيم إذا نزل، ثم كان كذلك فى زمن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما حتى كان عثمان. أخرجه أحمد والنسائي (١). [١٥٧].
(ولقول السائب) إن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة فى عهد النبى ﷺ وأبى بكر وعمر، فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك. أخرجه البخاري والبيهقى والأربعة. وأخرجه الشافعي.
وفيه: أمر عثمان بأذان ثان فأذن به فثبت الأمر على ذلك. وكان عطاء ينكر أن يكون أحدثه عثمان ويقول: أحدثه معاوية. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢). [١٥٨].
وقال الشافعى: وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ويقول: أحدثه معاوية. وأيهما كان فالأمر الذى على عهد رسول الله ﷺ أحب إلىّ (٣).
(والزوراء) موضع بسوق المدينة (وما قيل) من أنه حجر كبير على