الذى أصابه فيه النوم فيه شيطان، ولذا أمر النبى ﷺ أصحابه بالانتقال من الوادى الذي ناموا فيه حتى طلعت الشمس وقال: إن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان (١).
(ولا يقال) إن الانتقال وقت الخطبة عمل منهى عنه، لما فيه من الاشتغال عن سماع الخطبة المأمور به فلا يشمله الحديث (لأن) انتقال الناعس يؤدى إلى ذهاب نعاسه فينتبه للخطبة، ولذلك أمره الشارع بالتحول.
(١٧) ويطلب ممن دخل المسجد ألا يتخطى الرقاب (روى) عبد الله بن بسر أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبى ﷺ يخطب فقال: اجلس فقد آذيت وآنيت. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم وصححه. وأخرجه ابن ماجه عن جابر (٢). [١٥٢].
(دل) على حرمة تخطى الرقاب يوم الجمعة. وظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الحرمة مختصة به، ويحتمل أن التقييد به خرج مخرج الغالب لكثرة الناس فيه، فيكون باقي الصلوات كالجمعة فى عدم جواز التخطي. وهذا هو الظاهر لوجود العلة وهى الإيذاء، بل يجرى ذلك فى مجالس العلم وغيرها.
стр. 1367
(وبحرمة) تخطى الرقاب يوم الجمعة صرح الشافعي وهو المختار للأحاديث الصحيحة. وعدّه ابن القيم من الكبائر (ومشهور) مذهب الشافعية والحنبلية كراهة التخطي إلا لفرجة فلا يكره.
(وقالت) المالكية: يحرم التخطى حال الخطبة يوم الجمعة ولو لفرجة، ولا يكره قبل جلوس الخطيب إن كان لسد فرجة وإلا كره.
(وقال) الحنفيون: لا بأس بالتخطى ما لم يخرج الإمام أو يؤذ أحداً إلا لسد فرجة فيجوز (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: وقد علم أن التخطى جائز بشرطين: أحدهما: ألا يؤذى أحداً، لأن الإيذاء حرام والدنو مستحب.
وترك الحرام مقدم على فعل المستحب. والثانى: ألا يكون الإمام فى الخطبة، لن تخطيه حينئذ عمل وهو حرام فى حال الخطبة فلا يرتكبه لأجل أمر مستحب.
وينبغى أن يقيد بما إذا وجد بداً، أما إذا لم يجد بان لم يكن فى الوراء موضع وفى القدام موضع، فله أن يتخطى إليه للضرورة (١).
وقد استثنى من التحريم أو الكراهة الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها غلا بالتخطى ولم يجد غيرها. ويستأنس له بحديث عقبة بن الحارث قال: صليت وراء النبى ﷺ بالمدينة العصر ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، فقال: ذكرت شيئاً من تبر كان عندنا فكرهت أن يحبسنى فأمرت بقسمته. أخرجه البخاري والنسائي (٢). [١٥٣].
стр. 1368
(فهو) يدل على جواز التخطى للحاجة ولمن لا يتأذى الناس بتخطيه، ولذا خص بعضهم عدم جواز التخطى بغير من يتبرك الناس بمروره.
(فائدة) فرق النووى بين التخطى والتفريق بين الاثنين وهو الظاهر، لأن التفريق يحصل بالجلوس بينهما وإن لم يتخط، وهو ممنوع إن لم يكن بينهما فرجة، وإلا فلا بأس به.
(١٨) قال الأوزاعى وجماعة: يطلب تجنب الاحتباء فى المسجد يوم الجمعة. وهو
أن يجلس على إليتيه رافعاً ساقيه ضاماً وركيه إلى بطنه بثوبه أو يديه (لحديث) معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه الحاكم وقال: هذا صحيح الإسناد والبيهقى (١). [١٥٤].
وفى سنده سهل بن معاذ وهو ضعيف، وابو مرحوم عبد الرحيم ضعفه ابن معين، وقال النسائى: لا بأس به. وذكر ابن حبان فى الثقات.
(والحكمة) فى النهى عن الاحتباء أنه يجلب النوم ويعرض الطهارة للنقض. ويلحق به فى الكراهة الاستناد إلى الحائط أو غيره، لأنه فى معنى الاحتباء وأكثر.
(وقال) الأئمة والجمهور: لا يكره الاحتباء فى المسجد (قال) أبو داود: وكان ابن عمر يحتبى والإمام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة ابن ضوحان وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى ومكحول (٢)(٣٤).
стр. 1369
(وقال) يعلى بن شداد: شهدت مع معاوية بيت المقدس، فجمع بنا، فنظرت فإذا جل من بالمسجد أصحاب النبى ﷺ ، فرأيتهم محتبين والإمام يخطب. أخرجه أبو داود والبيهقي (١)(٣٥).
(وأجابوا) عن أحاديث النهى أنها ضعيفة فلا تقوم بها حجة، وعلى فرض صحتها فيجمع بينها وبين ما تقدم بأن الاحتباء المنهي عنه ما ابتدئ أثناء الخطبة لما فيه من التشاغل عنها. والاحتباء الجائز ما ابتدئ قبلها واستمر إلى الفراغ منها. أفاده الطحاوى (٢).
(هذا) ويكره الاحتباء ولو خارج الصلاة لمن كان لابسا ثوباً واحداً مخافة أن تنكشف عورته (لقول) أبى هريرة: نهى رسول الله ﷺ أن يحتبى الرجل فى ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ. أخرجه البخاري والبيهقي (٣).
[١٥٥].
ولا بأس به لمن يخش انكشاف العورة. روى أبو حاتم الرازى بالسند إلى ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ محتبياً بفناء الكعبة يقول بيده هكذا. وشبك أبو حاتم بيديه. أخرجه البخارى والبيهقى (٤). [١٥٦].
(١٩) وإذا دخل وقت الجمعة وصعد الخطيب المنبر وجلس عليه، أذن واحد خارج المسجد على سطحه أو على بابه (لقول) السائب بن
стр. 1370
يزيد: كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة، ويقيم إذا نزل، ثم كان كذلك فى زمن أبى بكر وعمر رضى الله عنهما حتى كان عثمان. أخرجه أحمد والنسائي (١). [١٥٧].
(ولقول السائب) إن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر يوم الجمعة فى عهد النبى ﷺ وأبى بكر وعمر، فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث، فأذن به على الزوراء، فثبت الأمر على ذلك. أخرجه البخاري والبيهقى والأربعة. وأخرجه الشافعي.
وفيه: أمر عثمان بأذان ثان فأذن به فثبت الأمر على ذلك. وكان عطاء ينكر أن يكون أحدثه عثمان ويقول: أحدثه معاوية. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢). [١٥٨].
وقال الشافعى: وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ويقول: أحدثه معاوية. وأيهما كان فالأمر الذى على عهد رسول الله ﷺ أحب إلىّ (٣).
(والزوراء) موضع بسوق المدينة (وما قيل) من أنه حجر كبير على
стр. 1371
باب المسجد (مردود) بما فى رواية ابن ماجه: فلما كان عثمان وكثر الناس، زاد النداء الثالث على دار فى السوق يقال لها الزوراء (١). وأمر به فى ذاك المكان ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت.
(وكان) يفعل عند دخول الوقت لا قبله، فما يفعله الناس قبل دخول الوقت مما يسمونه بالأولى والثانية، لا أصل له، لأنه لم يفعله النبى ﷺ ، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه ولا من السلف، بل هو محدث، فيتعين تركه، لأنه ﷺ تركه مع وجود المقتضى - وهو تشريع الأحكام فى حياته- واستمر على ذلك حتى فارق الدنيا. وهو يدل على عدم مشروعيته، وكذلك إجماع الأمة من الصحابة والسلف الصالح على هذا الترك دليل على أن تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة.
(ولا يقال) إنه داخل تحت الأوامر العامة، كقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لأن تركه ﷺ إياه وكذا الصحابة، دليل على عدم دخوله فى تلك الأوامر ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. وقال رسول الله ﷺ : ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله تعالى إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئاً يبعدكم عن الله تعالى إلا وقد نهيتكم عنه. أخرجه الطبرانى فى التكبير عن زيد بن أرقم (٢). [١٥٩].
وأيضا فإن هذا ليس من الخير، بل هو ضلال كما قال النبى ﷺ : أُوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدى بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً: فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعفوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. أخرجه أحمد وأبو داود
стр. 1372
وابن ماجه عن العرباض بن سارية، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (١). [١٦٠].
ويكفى فى منع ما ذكر أنه بدعة مذمومة، وأن فيه تشويشاً على من بالمسجد وهو حرام بالإجماع، وأنه وسيلة إلى اعتقاد العوام أنه من الدين ومن الأمور الشرعية التى لابد منها، والآيات والأحاديث والآثار ناطقة بمنع ذلك كله.
هذا. والأذان الذى زاده عثمان رضى الله عنه كان يفعل على الزوراء بعيداً عن المسجد لتنبيه من بالسوق (أما) ما يفعل من تأدية الذانين على سطح المسجد أو أحدهما فوقه والآخر داخل المسجد (فهو) مخالف لما كان عليه الأمر فى عهد الرسول ﷺ وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وكذا فى عهد عثمان رضى الله عنه، فإن الغرض الذى زاد سيدنا عثمان الأذان لأجله- وهو إسماع من لا يسمع الذان على سطح المسجد- ليس موجوداً فى زماننا، فإن الكل يفعل بالمسجد أو خارجه.
(ولذ ١) يطلب الاقتصار على أذان واحد فى الجمعة خارج المسجد كما كان فى زمن النبى ﷺ وابى بكر وعمر (قال) الشافعى فى الأم: وأحب أن يكون الآذان يوم الجمعة حين يدخل الإمام المسجد ويجلس على موضعه الذى يخطب عليه، منبر أو شئ مرفوع له أو الأرض، فإذا فعل أخذ المؤذن فى الذان، فإذا فرغ قام فخطب لا يزيد عليه، وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة مؤذنين (٢).
стр. 1373
(وعلى الجملة) فقد دلت الأحاديث على أنه كان لا يؤذن للجمعة إلا آذان واحد خارج المسجد حين يجلس النبى ﷺ على المنبر، وكذا فى عهد أبى بكر وعمر رضى الله عنهما.
(أما) ما يفعل الآن فى بعض المساجد أمام المنبر داخل المسجد (فمحدث) أحدثه هشام بن عبد الملك وليس من السنة فى شئ. وقد أحدثوا بدعة أخرى مذمومة وهى ما يفعلونه الآن فى بعض المساجد من جعلهم مؤذنين: أحدهما أمام المنبر، والثانى على مكان مرتفع داخل المسجد، يقول الأول جملة من الذان ويسكت فيقولها الثانى، ثم يقول الأول الجملة التى تليها من الأذان ويسكت فيقولها الثانى، وهكذا حتى ينتهى الذان بهذه الكيفية، فهذه بدعة لا اصل لها فى الدين يجب إبطالها.
(وقد) اتفقت كلمة العلماء على أن الآذان داخل المسجد خلاف السنة.
(وقال) ابن نجيم: وينبغى للمؤذن أن يؤذن فى موضع يكون اسمع للجيران ولا يؤذن فى المسجد (١). وفى فتاوى قاضيخان: وينبغى أن يؤذن على المئذنة أو خارج المسجد ولا يؤذن فى المسجد (٢).
(وقال) شمس الدين الرملى: ويستحب أن يؤذن على مكان عال كمنارة وسطح للاتباع ولزيادة الإعلام، وفى البحر: لو لم يكن للمسجد منارة من أن يؤذن على الباب. وينبغى تقييده بما إذا تعذر فى سطحه، وإلا فهو أولى (٣).
(وقال) الشيخ محمد عليش: وفعله- يعنى الأذان فى المسجد- بدعة مضيعة لثمرته من إسماع الناس الخارجين عن المسجد ليسعوا إلى ذكر الله ويذروا البيع وكل ما يشغلهم عنه نوالحاضرون فى المسجد لا حاجة لهم فى الأذان،
стр. 1374
فالصواب فعله فى محل الأذان المعتاد لإسماع من ليس فى المسجد كما كان فى عهد النبى ﷺ (١).
(وقال) ابن الحاج: السنة فى أذان الجمعة إذا صعد الإمام على المنبر أن يكون المؤذن على المنار (٢) أو الباب، كذلك كان فى عهد النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وصدر من خلافه عثمان رضى الله عنهم، ثم زاد عثمان أذاناً آخر بالزوراء وهو موضع بالسوق لما كثر الناس، وأبقى الأذان الذى كان على عهد رسول الله ﷺ على المنار والخطيب على المنبر إذ ذاك.
ثم إنه لما تولى هشام بن عبد الملك جعل الأذان الذى فعله عثمان بالزوراء على المنار، ثم نقل الأذان الذى كان على المنار حين صعود الإمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان بين يديه.
قال علماؤنا: وسنة النبى ﷺ هى التى تتبع، فقد بان أن فعل الأذان فى المسجد بين يدى الخطيب بدعة تمسك بعض الناس بها، ثم تطاول الأمر على ذلك حتى صار بين الناس كأنه سنة معمول بها، وهذا وما شاكله ليس له أصل فى الشرع (٣).
стр. 1375
(٢٠) وإذا أُذن للجمعة وجب على المكلف بها السعى إليها وترك ما يشغل عنه من نحو بيع وأكل (لقوله) تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ﴾ (١).
(والمراد) من البيع: ما يشغل عن السعى إليها. وفى عطف ترك البيع على السعى إشارة إلى أنه لو باع أو اشترى حال السعى فهو مكروه تحريماً مع انعقاد البيع على المعول عليه عند الحنفيين.
(وقالت) الشافعية: يحرم الاشتغال بنحو البيع والصنائع، فإن باع فالبيع صحيح مع الحرمة.
(وقالت) المالكية: يحرم البيع وقت الأذان ويفسخ ولو حصل فى حال السعى إليها إذا كان المتبايعان أو أحدهما ممن تلزمه الجمعة، وإن كانت لا تجب على واحد منهم كره البيع ولم يفسخ (٢).
(وقالت) الحنبلية: البيع وقت الذان حرام ولا ينعقد، أما قبل الشروع فى الأذان فلا يجب السعى إلا على من كان بعيداً عن محل إقامة الجمعة، فإنه يجب عليه السعى فى وقت يدركها فيه ولو بعد طلوع الفجر.
(٤) صلاة الجمعة (٣)
هى ركعتان بالإجماع لما تقدم عن عمر رضى الله عنه قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ (٤).
стр. 1376
(وهى) صلاة مستقلة ليست ظهراً مقصوراً على الصحيح لحديث عمر (وهى) فريضة محكمة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة يكفر جاحدها، قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيْعَ﴾ (١).
(أ) (أمر) الله تعالى بالسعى إلى الذكر، والظاهر أن المراد به الصلاة وقيل الخطبة، وعلى فهو يفيد افتراض الجمعة، لأن وجوب السعى إلى الشرط وهو مقصود لغيره فرع افتراض المشروط.
(ب) (نهى) الله عن مباح وهو البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن فرضاً لما نهى عنه من أجلها، والمراد بالسعى الذهاب إليها لا الإسراع. وقد ورد عن عمر أنه كان يقرؤها: فامضوا إلى ذكر الله.
(وقال) ابو سعيد الخدرى: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: إن الله تعالى قد كتب عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى ساعتى هذه، فى شهرى هذا، فى عامى هذا، إلى يوم القيامة، منتركها من غير عذر - مع إمام عادل أو جائر - فلا جمع الله له شمله، ولا بورك له فى أمره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا حج له، ألا ولا برّ له، ألا ولا صدقة له. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. قال الهيثمى: وفيه موسى بن عطية الباهلى ولم أجد من ترجمة وبقية رجاله ثقات (٢) [١٦١].
(وعن ابن مسعود) أن النبى ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد همتأن آمر رجلا يصلى بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم. أخرجه أحمد ومسلم (٣) [١٦٢].
стр. 1377
(وعن) ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم أن رسول الله ﷺ قال- وهو على أعواد منبره- لينتهين اقوام عن وَدْعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم وليكتبن من الغافلين. أخرجه أحمد والنسائى (١). [١٦٣].
(وقد) أجمع المسلمون على افتراض الجمعة على كل من استكمل شرائط وجوبها.
(فرضت) الجمعة فى ربيع الأول من السنة الأولى من الهجرة. وأول جمعة صلاها النبى ﷺ كانت فى مسجد بنى سالم بن عوف فى السادس عشر من الشهر المذكور.
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: وفرضت بمكة قبل الهجرة، لما روى الدارقطنى عن ابن عباس قال: أذن النبى ﷺ فى الجمعة قبل أن يهاجر فلم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد فانظر إلى اليوم الذى تجهر به اليهود بالزبور لسبتهم فأجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره، عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين (٢). [١٦٤].
فأول من جمع بالمدينة مصعب بن عمير حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة فجمع عند الزوال من الظهر (٣).
стр. 1378
(ويدل) لهذا أيضا قول ابى مسعود الأنصاري: اول من قدم من المهاجرين إلى المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة جمعهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ فصلى بهم وهم اثنا عشر رجلا. أخرجه الطبرانى فى الأوسط والكبير. وفى سنده صالح بن أبى الأخضر وهو ضعيف (١)(٣٦).
(وأما) ما روى عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لسعد بن زرارة. قال: لأنه أول من جمع بنا فى هزم النبيت من حرة بنى بياضة فى نقيع يقال له نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون. اخرجه أبو داود وابن حيان والدارقطنى والحاكم وصححه، وابن ماجه والبيهقى وقال: هذا حديث حسن الإسناد صحيح (٢)(٣٧).
стр. 1379
(فيجمع) بينه وبين ما تقدم بأن اسعد كان آمراً وكان مصعب إماماً (وقيل) صليت الجمعة بالمدينة قبل هجرة النبى ﷺ على سبيل الجواز وفرضت بها بعد الهجرة (وهذا) هو الظاهر لأن سورة الجمعة مدنية.
(ولقول) محمد بن سيرين: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبى ﷺ المدينة وقبل أن تنزل الجمعة. فقالت الأنصار: إن لليهود يوماً يجتمعون فيه كل سبعة أيام، والنصارى كذلك. فهلم فلنجعل يوماً نجتمع فيه فنذكر الله ونصلى ونشكره، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموا الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح لهم شاة، فتغدوا أو تعشوا من شاة، وذلك لقلتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.أخرجه عبد بن حميد وعبد الرزاق بسند صحيح مرسل رجاله ثقات (١). (٣٨).
стр. 1380
وبه يجمع بين الأحاديث (قال) الحافظ: واختلف فى وقت فرضيتها، فالأكثر على أنها فرضت بالمدينة، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (﴾.
وقال الشيخ أبو حامد: فرضت بمكة، وهو غريب (١).
(وحكمة) مشروعيتها ما يترتب على الاجتماع لها: من جمع الكلمة والتحاب والتعاطف والتآلف والتعلم وتعود الصبر والامتثال.
ولذا أوجب الله على أهل المدينة والقرية بأسرهم ان يجتمعوا فى كل أسبوع يوماً بعينه فى مسجد يسعهم ليجمع شملهم فى كل أسبوع، كما اجتمع شمل أهل الدور والمنازل فى كل يوم، كما طلب أن يجتمع أهل المدينة مع أهل القرى المتقاربين فى كل سنة مرتين فى ملى بارزين مصحرين (٢) ليسعهم المكان، ويتجدد الأنس بين كافتهم وتشملهم المحبة الناظمة لهم.
ثم أوجب بعد ذلك ان يجتمعوا فى العمر كله مرة واحدة فى الموضع المقدس بمكة، ولم يعين من العمر وقتاً مخصوصاً ليتسع لهم الزمان، وليجتمع أهل المدن المتباعدة كما اجتمع أهل المدينة الواحدة، ويصير حالهم فى الأنس والمحبة وشمول الخبر والسعادة كحال المجتمعين فى كل سنة وفى كل أسبوع وفى كل يوم، فيجتمع بذلك الأنس الطبيعى إلى الخيرات المشتركة، وتتجدد بينهم محبة الشريعة، وليكبروا الله على ما هداهم، ويغتبطوا بالدين القويم القيم الذى الفهم على تقوى الله وطاعته.
стр. 1381
(٥) شروط الجمعة
اعلم أن للجمعة شروط افتراض زائدة على شروط سائر الصلوات من الاسلام والتكليف والطهارة من الحيض والنفاس، وشروط صحة زائدة على شروط سائر الصلوات من الطهارة وغيرها مما تقدم.
(أ) فشروط افتراضها: الذكورة المحققة والحرية والصحة والقدرة على السهى إليها والإقامة بمحل تقام فيه الجمعة أو بفنائه وعدم العذر الموجب للتخلف عنها " لحديث" جابر أن النبى ﷺ قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة أو مسافراً أو عبداً أو مريضاً ". أخرجه البيهقى والدارقطنى. وفى سنده أبو لهيعة ومعاذ بن محمد، وهما ضعيفان (١). [١٦٥].
لكن له شواهد (منها) حديث أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " خمسة لا جمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد والصبى وأهل البادية ". اخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفى سنده إبراهيم بن حماد ضعفه الدارقطنى (٢). [١٦٦].
(وحديث) أبى الدرداء أن النبى ﷺ قال: " الجمعة واجبة إلا على امرأة أو بى أو مريض أو عبد أو مسافر".أخرجه الطبرانى فى الكبير. وفى سنده ضرار بن عمرو الملطى، وهو ضعيف (٣). [١٦٧].
(وحديث) محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بنى وائل يقول: قال النبى ﷺ : " تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبياً أو مملوكاً ".أخرجه الشافعى (٤).
[١٦٨].
стр. 1382
وعلى الجملة فالجمعة لا تفترض على ثمانية: الصبى والأنثى والخنثى والرقيق والمريض والعاجز عن السعى إليها والمسافر والمعذور.
(١ - ٤) أما الصبى والأنثى والخنثى، فلا تلزمهم الجمعة بالإجماع، وكذا الرقيق عند الأئمة الأربعة والجمهور. وللسيد منعه عن الجمعة والجماعة والعيد، وغذا أذنه فالظاهر أنه لا يلزمه الأداء، وإن لم يأذنه فله الخروج للاتها عن علم رضا سيده وإلا فلا (وأما الأجير) فليس للمستأجر منعه منها ولكن يسقط عنه من الأجرة بقدر اشتغاله بذلك إن كان طويلاً، وإلا فلا يسقط عنه شئ.
(وقال) الشيخ إبراهيم الحلبى: فلا تجب على العبد، وعليه الإجماع، وفيما إذا حضر باب الجامع لحفظ الدابة خلاف، والأح أنه يصلى إذ ١ لم يخل بالحفظ. والمكاتب تجب عليه، وكذا معتق البعض. ولا تجب على العبد المأذون له فى التجارة (١).
(وقال) النووى: أكثر العلماء على أن العبد المدبر والمكاتب لا جمعة عليهم، وهو قول عطاء والحسن البصرى ومالك وأهل المدينة والنووى وأهل الكوفة وأحمد وإسحاق وابى ثور. وقال بعضهم: تجب الجمعة على العبد، فإن منعه السيد فله التخلف. وعن الحسن وقتادة والأوزاعى وجوبها على عبد يؤدى الضريبة وهو الخراج. وقال داود: تجب عليه مطلقاً، وهى رواية عن أحمد. دليلنا الأحاديث السابقة. وأما من بعضه حر وبعضه رقيق فلا جمعة عليه على الصحيح، وبه قطع الجمهور (٢).
(واستدل) داود بدخول الرقيق فى عموم الخطاب فى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ (﴾.
(ورد) بأن الاية مجملة والحديث مبين، وقد رح بأن العبد لا تجب عليه الجمعة.
стр. 1383
(واراجح) ما ذهب إليه الأئمة والجمهور من أنها لا تلزم العبد ولو كان مدبراً أو مكاتباً لعموم الأحاديث، والحكمة فى ذلك ان فى حضوره الجمعة تعطيلا لأعمال سيده، فإن اذن له فى حضورها حضر وصحت منه.
(٥) وأما المريض الذى لا يقدر على الذهاب إلفى محل الجمعة أو يقدر ولكن يخاف زيادة المرض أو بطء البرء او يقدر بمشقة ظاهرة، فلا تلزمه الجمعة دفعاً للحرج والمشقة. ويلحق به من يعوله إذا كان المريض يضيع بخروجه، ومن به إسهال كثير. وكذا يلحق به الشيخ الكبير الضعيف عن السعى عند أبى حنيفة ومالك (وقال) أبو يوسف ومحمد والشافعى وأحمد: إن وجد مركوباً ملكاً أو بأجرة أو إعارة وجبت عليه الجمعة وإلا فلا.
(٦) وأما العاجز عن السعى إليها، كمقعد، ومقطوع الرجلين، وأعمى لا يهتدى إلى محل الجمعة بنفسه ولم يجد قائداً، فلا تلزمهم الجمعة إجماعاً: أما العمى الذى يهتدى إلى محلها بنفسه فتلزمه اتفاقاً. وكذا من وجد قائداً متبرعاً او بأجر قادر عليه عند الثلاثة وابى يوسف ومحمد، لما تقدم عن عمرو بن أم مكتوم أنه قال: يا رسول الله، إنى رجل ضرير البصر شاسع الدار ولى قائد لا يلائمنى، فهل لى رخصلة أن أُصلى فى بيتى؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: لا أجد لك رخصة. اخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم (١). [١٦٩].
وهذا فى مطلق الجماعة، ففى الجمعة أولى.
(وقال) أبو حنيفة: لا تفترض الجمعة على الأعمى الذى لا يهتدى إلى محلها بنفسه وإن وجد قائداً متبرعاً أو مملوكاً لأن الشخص لا يعد قادراً بقدرة الغير. والحديث ظاهر فى لزومها عليه متى كان قادراً على الوصول إلى محلها بأى حال.
(٧) أما المسافر فلا تلزمه الجمعة عند الشافعية، ولو كان سفره
стр. 1384
قصيراً (وقال) الحنفيون وأحمد: لا تجب على المسافر سفر قصر. وكذا لا تجب عند الحنفيين على من كان خارجاً عن فناء المصر ولو سمع النداء منها.
وقالت المالكية: لا تجب على مسافر ولو سفراً قصيراً إذا بعد عن البلد بأكثر من فرسخ.
(والراجح) أنها لا تجب على المسافر ما لم ينو إقامة تقطع السفر وتوجب إتمام الصلاة على ما تقدم بيانه.
(قال) ابو عبد الله بن قدامة: وأما المسافر فأكثر اهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه. وحكى عن الزهرى والنخعى أنها تجب عليه، لأن الجماعة عليه، فالجمعة أولى. ولنا أن النبى ﷺ كان يسافر فلا يصلى الجمعة فى سفره، وكان فى حجة الوداع بعرفة يوم الجمعة فصلى الظهر والعصر جمع بينهما ولم يصل جمعته، والخلفاء الراشدون رضى الله عنهم كانوا يسافرون فى الحج وغيره فلم يصل أحد منهم الجمعة فى سفره. وكذلك غيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم. وأقام أنس بنيسابور سنة أو سنتين فكان لا يجمع. ذكره ابن المنذر. وهذا إجماع مع السنة الثابتة فيه، فلا يسوغ مخالفته (١).
(٨) وأما المعذور بعذر يوجب التخلف عنالجماعة، كمطر ووحل شديد وغيرهما مما تقدم فى بحث " أعذار ترك الجماعة" فلا تفرض عليه الجمعة اتفاقاً (لحديث) أبى المليح بن أسامة عن أبيه قال: اصاب الناس فى يوم جمعة- يعنى مطراً- فأمر النبى ﷺ ان الصلاة اليوم أو الجمعة اليوم فى الرحال. اخرجه أحمد وابو داود والنسائى والبيهقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد (٢). [١٧٠].
стр. 1385
(وروى) عبد الرحمن بن سمرة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: " إذا كان مطر وابل فليصل أحدكم فى رحله ". أخرجه ابن أحمد والحاكم. وفى سنده ناصح بن العلاء، ضعفه ابن معين والبخارى، ووثقه ابو داود والحاكم (١). [١٧١].
(ولا تفترض) على مدين معسر يخاف الحبس (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: وإنما اختصت الجمعة بهذه الشروط، لعدم تأديها فى أى مكان واختصاصها بمكان وصفه يحصل بهما الحرج كالمشقة بسبب العجز والضعف فى المريض ونحوه، وبسبب فوات مصلحة نفسه أو مولاه فى حق المسافر والعبد، والحرج مرفوع رحمة من الله ولطفاً، فلم تجب على هؤلاء لذلك، وكفاهم أداء الظهر. ولو حضروا وصلوا الجمعة أجزأتهم ولم يلزمهم الظهر، لأن سقوط الوجوب عنهم للرفق بهم، فإذا تحملوا المشقة وقعت فرضاً وأجزأت كحج الفقير (٢).
(وقال) أبو عبد الله بن قدامة: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن لا جمعة على النساء وعلى أنهن إذا حضرن فلين الجمعة أن ذلك يجزئ عنهنّ؛ لأن إسقاط الجمعة للتخفيف عنهن؛ فإذا تحملن المشقة وصلين أجزأهنّ كالمريض. والأفضل للمسافر حضور الجمعة لأنها أكمل.
(فأما العبد) فإن اذن له سيده فى حضورها فهو أفضل لينال فضل الجمعة وثوابها ويخرج من الخلاف. وإن منعه سيده لم يكن له حضورها إلا أن نقول بوجوبها عليه.
стр. 1386
(وأما المرأة) فإن كانت مسنة فلا بأس بحضورها، وإن كانت شابة جاز حضورها وصلاتهما فى بيوتهما خير لهما، كما روى فى الخبر: وبيوتهنّ خير لهنّ.
(وقال) أبو عمرو الشيبانى: رأيت ابن مسعود يخرج النساء من الجامع يوم الجمعة، ويقول: اخرجن إلى بيوتكنّ خير لكنّ (١). (٤٠).
(وتقدم) بيان هذا وافياً فى بحث " حضور النساء المساجد" وأن جواز خروجهن إلى المساجد مشروط بأمن الفتنة وإلا مُنِعْنَ الخروج كما هو الحال فى زماننا (٢).
(فائدة) أجمع العلماء على أن من كان مقيماً ببلدة وتحققت فيه شروط افتراض الجمعة لزمته وإن لم يسمع النداء للأحاديث المتقدمة، وأما من كان خارجها فإن أمكنه سماع النداء من مؤذن بطرف بلد الجمعة والأصوات هادئة والريح ساكنة وهو يستمع، لزمته الجمعةوسعى لها وإلا فلا، عند الشافعى وأحمد ومحمد بن الحسن.
(روى) ابن عمرو أن النبى ﷺ قال: " الجمعة على كل من سمع النداء ". أخرجه البيهقى والدارقطنى وابو داود وقال: روى هذا الحديث جماعة عن سفيان مقصوراً على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، وإنما اسنده قبيصة (٣). [١٧٢].
стр. 1387
وفى سنده ابو سلمة بن نبيه وعبد الله بن هارون، وهما مجهولان.
(وقال) أبو حنيفة وأبو يوسف: لا تجب الجمعة على من كان خارج البلد ولو سمع النداء (لقول) على رضى الله عنه: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا فى مصر جامع أو مدينة عظيمة. أخرجه ابن أبى شيبة، وهذا لفظه، وعبد الرازق والبيهقى والطحاوى فى المشكل وصححه ابن حزم (١). (٤١).
(وأجاب) الأولون عنه بأن معناه لا تصح الجمعة إلا فى مصر كما سيأتى لا ينافى وجوبها على من سمع النداء منالمصر (وقال) مالك والليث: تجب الجمعة على من كان بينه وبين بلدها ثلاثة أميال وثلث فأقل.
(ب) وأما شروط صحتها فأربعة: المكان والوقت والخطبة والجماعة.
(١) مكان الجمعة
اختلف العلماء فى المكان الذى تصح فيه إقامة الجمعة. فقال الحنفيون: لا تقام إلا فى المصر او فنائه بكسر الفاء، وهو الموضع المعد لمصالح المصر، بشرط الا ينفصل عنه بغلوة (٢)، فلا تصح فىقرية ولا مفزة. وبه قال على وحذيفة وعطاء وإبراهيم النخعى ومجاهد وابن سيربن والثورى وسحنون لما تقدم أن علياً رضى الله عنه قال: لا جمعة ولا تشريق ولا صلاةفطر ولا أضحى إلا فى مصر جامع أو فى مدينة عظيمة (٣) والموقوف فى مثله كالمرفوع، لأنه من شروط العبادة ولا مدخل للرأى فيها، وكفى بقول على رضى الله عنه قدوة.
стр. 1388
(والمصر) عندهم هى بلدة كبيرة فيها سوق ووال يقدر على إنصاف المظلوم من الظالم بحشمته وعلمه أو علم غيره، يرجع الناس إليه فيما يقع من الحوادث، وقيل هو ما لا يسع أكبر مساجده اهله المكلفين بالجمعة.
(وقال) الشيخ غبراهيم الحلبى: وعن محمد أن كل موضع مصره الإمام فهو مصر حتى إنهلو بعث إلىقرية نائباً لإقامة الحدود والقصاص تصير مراً؛ فإذا عزله تلحق بالقرى. ووجه ذلك ما صح أنه كان لعثمان عبدُ أسود أمير له على الزبدة يصلى خلفه أبو ذر وعشرة منالحابة الجمعة وغيرها. ذكره ابن حزم فىالمحلى (١).
ويجوز إقامتها بمنى أيام الموسم إذا كان الأمير أمير الحجاز أو كان الخليفة هناك عند ابى حنيفة وابىيوسف خلافاً لمحمد، لأنها تتمصر إذ ذاك، فإن لها سككاص ويصير لها بالموسم اسواق، بخلاف عرفات لأنها لا أبنية بها.
وبخلاف ما إذا لم يكن إلا أمير الموسم، أى أمير الحج، لأنه لم يفوض إليه غقامة الجمع. ولا يصلى العيد بها بالاتفاق لا لعدم التمصر، ولكن للاشتغال فيه بأمور الحج من الرمى والذبح والحلق وطواف الإفاضة وغيرها فيقع الحرج بصلاتها. فعلى هذا ينبغى أن تيقط الجمعة عن أهل مكة إذا خرجوا للحج واتفق أن العيد يوم الجمعة (٢).
(وقالت ٩ المالكية: تقام الجمعة فى المصر وفى كل قرية بيوتها متصلة ذات طرق وسوق ومسجد تؤدى فيه الصلوات جماعة وإن لم يكن لهم وال.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: تؤدى فى كل قرية فيها أربعون رجلا أحراراً مكلفين مقيمين بها، لا ينتقلون إلا لحاجة، بشرط أن تكون أبنيتها مجتمعة عرفاً.
стр. 1389
(قال) أبو عبد الله بن قدامة: فأما القرية فيعتبر أن تكونمبنية بما جرت به العادة ببنائها به من حجر او طين او لبن أو قصب او شجر ونحوه.
فأما أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات فلا جمعة عليهم ولا تصح منهم، لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً، ولذلك كانتقبائل العرب حول المدينة فلم يقيموا جمعة ولا أمرهم بها النبى ﷺ ، ولو كان ذلك لم يخف ولم يترك نقله مع كثرته وعموم البوى به، لكن إن كانوا مقيمين بموضع يسمعون النداء لزمهم السعى إليها كأهل القرية الصغيرة إلى جانب المصر. ويشترط فى القرية ايضاً ان تكون مجتمعة البناء بما جرت العادة فى القرية الواحدة، فإن كانت متفرقة المنازل تفرقاً لم تجر العادة به، لم تجب عليهم الجمعة إلا أن يجتمع منا ما يسكنه اربعون، فتجب الجمعة بهم ويتبعهم الباقون، ولا يشترط اتصال البنيان بعضه ببعض.
وحكى عن الشافعى أنه شرط ولا يصح، لأن القرية المتقاربة البنيان قرية مبنية على ما جرت به عادة القرى؛ فأشبهت المتصلة، ومتى كانت القرية لا تجب الجمعة على أهلها بأنفسهم وكانوا بحيث يسمعون النداء من المصر أو من قرية تقام فيها الجمعة لزمهم السعى إليها، لعموم الاية (١).
(وقال) العلامة منصور بن إدريس: ولا يشترط للجمعة المصر، خلافاً لأبى حنيفة، لما روى الأثرم عن أبى هريرة أنه كتب إلى عمر يسأله عن الجمعة بالبحرين، وكان عامله عليها، فكتب إليه عمر: جمعوا حيث كنتم.
قال أحمد: إسناده جيد (٢). واسنده ابن ابى شيبة عن حذيفة وعلىّ وعمر وغيرهم. (٤٣)(٣).
(واستدلوا) أيضا بقول ابن عباس: إن أول جمعة فى الإسلام بعد
стр. 1390
جمعة جمعت فى مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة لجمعة جمعت بجوائى قرية من قرى البحرين. أخرجه البخاري وأبو داود والبيهقى (١). (٤٤).
(وأجاب) الحنفيون بأن ما ذكر لا ينافى اشتراط المصر، إذ القرية تطلق فى لغة القرآن والصدر الأول على المصر، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ القَرْيَةِ﴾ (٢) أى أنطاكية ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣) أى مكة والطائف. وفى الصحاح: جوائى حصن بالبحرين. فهى مصر على ما تقدم بيانه. ولكن يؤيد القول بصحة الجمعة فى القرى ما تقدم عن عمر أنه كتب إلى أهل البحرين ان جَمَّمعوا حيثما كنتم (٤) وهو يشمل المدن والقرى، وقال الوليد بن مسلم: سألت الليث بن سعد عن المصر، فقال: كل مدينة أو قرية جماعة أمروا بالجمعة، فإن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان بأمرهما، وفيها رجال من الصحابة. أخرجه البيهقى (٥). (٤٥).
(واختلفوا) أيضاً فى اشتراط المسجد لصحة صلاة الجمعة. فقالت المالكية: يشترط إقامتها فى مسجد مبنى بناء معتاداً لأهل البلد، وأن يكون واحداً؛ فلو تعدد فالجمعة للعتيق، وهو الذى أقيمت فيه الجمعة أولا، وإن تأخر بناؤه ما لم يهجر العتيق أو يكون التعدد لحاجة أو يحكم حاكم بصحتها فى الجديد وإلا صحت فيه، ومن الحاجة المبيحة للتعدد ضيق العتيق
стр. 1391
عمن يحضر لصلاة الجمعة ولو كان حضوره مندوباً كالنساء والصبيان (ومنها) وجود عداوة بين أهل البلد.
ويشترط فى المسجد أيضاً ان يكون داخل البلد.
وقال ابن ناجى: يصح أن يكون خارجها بحيث ينعكس عليه دخان البلد، وحدّه بعضهم بأربعين ذراعاً وبعضهم بأربعين باعاً (ومحل) كلامه إذا بنى خارج البلد ابتداء، أما إذا بنى داخل البلد ابتداء ثم خرجت وصار خارجاً عنها فالجمعة فيه صحيحة.
(وقال) الحنفيون والشافعى وأحمد والجمهور: المسجد غير شرط فى صحة الجمعة، لأن الليل المثبت لوجوب الجمعة ساكت عن اشتراطه، فتجوز فى مسجد البلد وفى أبنيتها وفى الفضاء التابه لها إذا كان لا تقصر فيه الصلاة (قال) فى البحر: وهذا القول قوى إن صحت صلاته صلىالله عليه وسلم فى بطن الوادى. أ. هـ.
(وقد روى) صلاته ﷺ فى بطن الوادى ابن سعد وأهل السير. ولو سلم عدم صحة ذلك، لا يدل فعلها فى المسجد على اشتراطه، ولو كان شرطاً فى صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنه ﷺ ولا أن يترك بيانه لقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١).
(فائدة) كانت الجمعة فى عهد النبى صلىالله عليهوسلم وعهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح تقام فى مكان واحد من المر، وكانوا يتركون المساجد الصغيرة إلى المسجد الجامع (قال) ابن عمر: إن أهل قباء كانوا
стр. 1392
يجمعون مع رسول الله ﷺ يوم الجمعة. أخرجه ابن ماجه. وفى سنده عبد الله بن عمر العمرى وهو ضعيف (١).
[١٧٣].
(وقال) ابن عمر: لا جمعة إلا فى المسجد الأكبر الذى يصلى فيه الإمام. اخرجه ابن المنذر (٤٦).
(وعن) بكير بن الأشج أنه كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده ﷺ يسمع أهلها تاذين بلال، فيصلون فى مساجدهم، ولم يكونوا يصلون الجمعة فى شئ من تلك المساجد إلا مسجد النبى ﷺ . اخرجه أبو داود فى المراسيل والبيهقى فى المعرفة (٤٧).
(ويشهد) له صلاة أهل العوالى مع النبى ﷺ الجمعة كما فى التصحيح.
ذكره فى تلخيص الحبير (٢) وفيه: وروى البيهقى أن أهل ذى الحليفة كانوا يجمعون بالمدينة. ولم ينقل أنه أذن لأحد فى إقامة الجمعة فى شئ من مساجد المدينة ولا فى القرى التى بقربها (٣).
(وقال) تقى الدين السبكى فى فتاويه: إن دمشق من فتوح عمر إلى اليوم (شهر رمضان سنة ٧٥٦ هـ) لم يكن فى داخل سورها إلا جمعة واحدة (٤). أهـ.
وقد اعتمد السبكى أنه إذا كان فى مصر أو قرية جامع يسع أهلها ثم أريد
стр. 1393
إحداث جمعة ثانية فى بعض المساجد أن ذلك لا يجوز. وقال ابن جريح: قلت لعطاء: أرأيت اهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر كيف يصنعون؟ قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه ثم يجزئ ذلك عنهم. أخرجه عبد الرازق (٤٨).
هذا. وقد اختلف العلماء فى جواز غقامتها فى مواضع، فالمنقول عن الشافعى فى الجديد أنه لا يجوز غقامتها فى أكثر من موضع. قال فى الأم: ولا يجمع فى مصر وإن عظم أهله وكثر عامله ومساجده إلا فى موضع المسجد الأعظم وغن كانت له مساجد عظام لم يجمع فيها إلا فى واحد، وايها جمع فيه أولا بعد الزوال فهى الجمعة. وإن جمع فى آخر سواه بعده لم يعتد الذين جمعوا بعده بالجمعة وكان عليهم أن يعيدوا ظهراً أربعاً (١).
وعن ابى يوسف: لا تجوز فىموضعين من المصر إلا أن يكون بينهما نهر. وعنه تجوز بموضعين لا غير. (وقال) ابو حنيفة ومحمد: يجوز ذلك مطلقاً.
(قال) العلامة ابن نجيم: يصح أداء الجمعة فى مصر واحد بمواضع كثيرة. وهو قول ابى حنيفة ومحمد وهو الأصح، لن فى الاجتماع فى موضع واحد فى مدينة كبيرة حرجاً بيناً وهو مرفوع. وذكر الإمام السرخسى أن الصحيح من مذهب ابى حنيفة جواز إقامتها فى مصر واحد فىمسجدين وأكثر وبه نأخذ لإطلاق: لا جمعة إلا فى مصر (٢) شرط المصر فقط.
وبما ذكرناه اندفع ما فى البدائع من أن ظاهر الرواية جوازها فى موضعين، ولا يجوز فى أكثر من ذلك، وعليه الاعتماد. أهـ. فإن المذهب الجواز مطلقاً (٣).
стр. 1394
ثم قال: وأما ما استدل به من يمنع التعدد من أنها سميت جمعة لاستدعائها الجماعات فهى جامعة لها، فلا يفيده لأنه حاصل مع التعدد، ولهذا قال العلامة ابن جرباش فى النجعة (بضم النون) فى تعداد الجمعة: لا يقال إن القول بالاجتماع المطلق قول بالاحتياط وهو متعين فى مثله ليخرج به المكلف عن عهدة ما كلف به بيقين، لأن الاجتماع أخص من مطلق الاجتماع، ووجود الأخص يستلزم وجود الأعم من غير عكس، ولأن الاحتياط هو العمل بأقوى الدليلين، ولم يوجد دليل عدم جواز التعدد، بل قضية الضرورة عدم اشتراطه، وقد قال الله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢).
والقول بعدم تعدد الجمعة مع الحاجة وكثرة الناس، عسر يأباه سهولة الدين ويسره (وقالت) المالكية والحنبلية: يجوز تعدد الجمعة لحاجة كضيق المسجد عمن يحضر لصلاة الجمعة وكوجود عداوة بين أهل البلد (قال) الشيخ منصور بن إدريس: وتجوز إقامتها فى أكثر من موضع من البلد لحاجة (كضيق) مسجد البلد عنأهله (وخوف) فتنة بأن يكون بين أهل البلد عداوة فيخشى إثارة الفتنة ياجتماعه فى مسجد واحد (وبُعد) الجامع عن طائفة من البلد ونحوه كسعة البلد وتباعد أقطاره، فتصح الجمعة السابقة واللاحقة، لأنها تفعل فى الأمصار العظيمة فى مواضع من غير نكير، فكان إجماعاً. قال الطحاوى: وهو الصحيح من مذهبنا. وأما كونه ﷺ لم يقمها هو ولا أحد من الصحابة فى أكثر من موضع فلعدم الحاجة إليه، ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته وشهود جمعته وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله تعالى، وكذا العيد تجوز غقامتها فى أكثر منموضع من البلد للحاجة لما سبق. فإن حصل الغنى بجمعتين اثنتين لم تجز الجمعة الثلثة لعدم الحاجة إليها. وكذا إذا حصل الغنى بثلاث لم تجز الرابعة، أو بأربع لم تجز
стр. 1395
الخامسة، وهكذا. ويحرم إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة. قال فى المبدع: / لا نعلم فيه خلافاً إلا عن عطاء (١). وبقول عطاء قال أبو حنيفة ومحمد- كما علمت- والظاهرية.
ومشهور مذهب الشافعية جواز تعدد الجمعة لحاجة. قال الشيخ على الشبراملسى فى رسالة له فى حكم صلاة الظهر بعد الجمعة، الصحيح أنه لا يجوز تعدد الجمعة ما يشق الاجتماع فى محل واحد- ولو غير مسجد- مشقة لا تحتمل عادة، أى يقيناً كما قيد به الشهاب بن حجر، وتبعه شيخ مشايخنا الشمس الرملى، سواء أحال نهر بين أجزاء محلها أم لا، وسواء أكانت قرى واتصلت أم لا.
نعم إن حال بينهما سور جاز التعدد مطلقاً لفعل بعضهم لها داخله وبعضهم خارجه. وهل العبرة فيمن يعسر اجتماعه بمن يصليها بالفعل أو من تصح منه أو من يغلب حضوره، أو من تلزمه؟ احتمالات، اعتمد الشمس الرملى كأبيه والشهاب بن حجر، ثالثها حتى لو كان الغالب يختلف باختلاف الأزمنة اعتبرناه فى كل زمن بحسبه. واعتمد بعض مشايخنا. ويجوز التعدد بقدر الحاجة إن شق الاجتماع بكثرة أهل محلها أو لقتال بينهم أو لبعد أحد طرفيه عنالآخر بحيث لا يسمع من فى أحدهما النداء من الآخر على ما فى الأنوار، وبحيث لو خرج من فى أحدهما منه للآخر عقب الفجر لم يدركها على ما قاله الشهاب بن جحر وتبعه الشمس الرملى، أو بحيث تناله مشقة لا تحتمل عادة بالسعى إليها من أحدهما للآخر على ما قاله الشهاب العبادى (٢). أهـ.
(وقال) كثير من الشافعية: إن هذا هو مذهب الإمام، لأنه دخل بغداد وفيها مسجدان تقام فيهما جمعة ولم ينكر عليه، ويكون كلامه فى الأم
стр. 1396
مقيدا بما إذا لم يعسر الاجتماع (وقال) بعضهم: إن أحد المسجدين كان خارج السور، وقال آخرون: لم ينكر عليهم لأن المسألة اجتهادية، والمجتهد لا ينكر على مجتهد مثله. واياً فهذا هو مختار أكثر أصحاب الشافعى.
(تنبيه) علم مما تقدم أن جمهور العلماء قالوا بجواز تعدد الجمعة ولا سيما إذا كان لحاجة وأنها فرض الوقت. وعهليه فلا تطلب صلاة الظهر بعدها، لأن المكلف لا يطالب بفرضين فى وقت واحد مع ما فى أدائه جماعةمن إيهام نقض الجمعة، وإيقاع العامة فى اعتقاد أن ليوم الجمعة بعد زواله فرضين: صلاة الجمعة، ولاة الظهر، بل هو الذى لا يرتابون فيه، ويزيدون عليه أنه لا يصح إلا جماعة.
(قال) فى الدر المختار: وهى (يعنى الجمعة) فرض مستقل آكد من الظهر وليست بدلا عنه. وفى البحر: وقد أفتيت مراراً بعدم صلاة الأربع بعدها بنية آخر ظهر خوف اعتقاد عدم فرضية الجمعة وهو الاحتياط فى زماننا (وأما) من لا يخاف عليه مفسدة منها، فالأولى أن تكون فى بيته خفية (١).
(وقال) زين الدين بن نجيم: يلزم من فعلها (أى الظهر) فى زماننا مفسدة عظيمة، وهو اعتقاد الجهلة أن الجمعة ليست بفرض لما يشاهدونه من صلاة الظهر فيظنون أنها الفرض وأن الجمعة ليست بفرض فيتكاسلون عن أدائها فكان الاحتياط فى تركها (٢) أى الظهر. ولا يخفى أن محو اعتقاد غير الصواب من صدور العامة بتمحيص الحق باب عظيم من أبواب الدعوة إلى الخير.
(وكتب) العلامة البجرمى على قول شيخ الإسلام فى المنهج: "وألا يسبقها بتحرم ولا يقارنها فيه جمعة بمحلها إلا إن كثر أهله وعسر اجتماعهم بمكان ".
стр. 1397
(قال) أى كثروا بحيث يعسر اجتماعهم، اى بأن يحصل لهم مشقة من الاجتماع لا تحتمل أى اجتماع من يجوز له حضور الجمعة وإن لم تلزمه، فيدخل فيه الأرقاء والصبيان والنساء. فعلى هذا القول يكون التعدد في مصر كله لحاجة، فلا تجب الظهر حينئذ، كما نقل عن ابن الحق (١).
(ومن) قال من المتأخرين: إنه يسن إقامة ظهر بعد الجمعة خروجاً منت خلاف من يمنع التعدد مطلقاً كما هو ظاهر نص الشافعي في الأم (فقوله) غير مسلم، فإن الشافعي لا يجيز صلاة الظهر عند الشك في السبق وعدمه إلا حيث ضاق الوقت.
(قال) في الأم: وإن كان وال يصلى في مسجد صغير فجاء وال غيره فصلى في المسجد عظيم فأيهما صلى أولا فهي الجمعة، فإذا لم يدر أيهما صلى أولا فأعاد أحدهما الجمعة في الوقت أجزأت. وإن ذهب الوقت أعادا معاً فصليا معاً أربعاً أربعاً. قال الربيع: يريد يعيد الظهر (٢).
(وقال) النووي: من لزمته الجمعة لا يجوز أن يصلى الظهر قبل فوات الجمعة بلا خلاف لأنه مخاطب بالجمعية؛ فإن صلى الظهر قبل الجمعة , فقولان مشهوران الصحيح بطلانها ويلزمه إعادتها؛ لأن الفرض هو الجمعة (٣).
(فهذه) النصوص صريحة في أن الشافعي وأصحابه لا يجيزون صلاة الظهر لمن أشكل عليهم أمر السبق إلا حيث ضاق الوقت عن تأديتها جمعة. فما يفعله كثير من الناس إقامة ظهر عقب صلاة الجمعة في حالة التعدد وإشكال الأمر، مخالف لما قاله الشافعي وأصحابه.
стр. 1398
(ولذا) لما علم والي مصر حسين باشا في عهد السلطان مصطفي الثلث العثماني أن الظهر بعد الجمعة لا أصل له من كتاب ولا سنة ولا من عمل الأئمة (أمر) في سنة ١٢٧٧ هجرية بعدم إقامتها في الأزهر وغيره، فجزاه الله خيراً على منع هذه البدعة وأثابه، ووفق من يتنبه لمنعها (١).
стр. 1399
(٢) وقت الجمعة
الوقت وإن كان شرطاً لكل صلاة، لكن الجمعية تختص بأنها لا تصح
стр. 1400
إلا فيها، بخلاف غيرها من الصلوات فإنها تقضى بعده، ووقتها عند الحنفيين ومالك والشافعي والجمهور: وقت الظهر.
стр. 1401
(قال) أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة إِذا مالت الشمس. أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والبيهقي والترمذي (١). [١٧٤].
стр. 1402
وقال هذا حديث حسن صحيح وهو الذى أجمع عليه أكثر اهل العلم ان وقت الجمعة إذا زالت الشمس لوقت الظهر.
(وقال) سلمة بن الأكوع: كنا نصلى مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفئ. أخرجه أحمد ومسلم والبيهقى (١). [١٧٥].
(وقالت) الحنبلية وإسحق: وقت الجمعة من أول العيد إلىآخر وقت الظهر (ولقول) الشيخ منصور البهوتى: ووقت الجمعة من أول وقت العيد (ولقول) عبد الله بن سيدان السلمى: شهدت الجمعة مع أبى بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار. ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أقول قد انتصف النهار. ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكر (٢)(٤٩).
ويمتد وقتها إلى آخر وقت الظهر إلحاقاً لها بها لوقوعها موضعها. وتلزم الجمعة بالزوال، لأن ما قبله وقت جواز وفعلها بعده أفضل خروجاً من الخلاف، ولأنه الوقت الذى كان ﷺ فيه فى أكثر أوقاته. والأولى فعلها عقب الزوال صيفاً وشتاء (٣).
(وصحح) بعض الحنبلية أنه لا دخل وقتها إلا فى الساعة السادسة من النهار (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: ظاهر كلام الخرقى انه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة.
стр. 1403
وروى عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال.
وقال القاضى واصحابه: يجوز فعلها فى وقت صلاة العيد.
وروى ذلك عبد الله عن أبيه قال: نذهب إلى أنها كصلاة العيد.
وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا فى أول النهار.
وقال عطاء: كل عيد - حين يمتد الضحى - الجمعة والأضحى والفطر، لما روى عن بن مسعود أنه قفال ك ما كالن عيد إلا فى اول النهار، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلى بنا الجمعة فى ظل الحطيم (١) رواه ابن البخترى فى أماليه بإسناده (٢). [١٧٦].
(وروى) عن ابن مسعود ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحى وقالا ك إنما عجلنا خشية الحر عليكم. وروى الثرم ابن مسعود (٣). (٥٠).
ولأنها عيد فجازت فى وقت العيد كالفطر والأضحى. والدليل على أنها عيد قول النبى ﷺ : إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين (٤). [١٧٧].
وقوله: قد اجتمع فى يومكم هذا عيدان (٥). [١٧٨].
стр. 1404
وقال: ولنا- على جوازها فى الساعة السادسة- السنة والإجماع.
(أما السنة) فما روى جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة، ثم نذهب على جمالنا فنريحها حين تزول الشمس. أخرجه مسلم (١). [١٧٩].
(وعن سهل) بن سعد قال: ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة فى عهد رسول الله ﷺ متفق عليه (٢). [١٨٠].
(قال) ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال (وقال سلمة) كنا نصلى مع رسول الله لى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فئ. رواه أبو داود (٣). [١٨١].
(وأما) الإجماع فروى فيه أثر عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع ابى بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار " الأثر " (٤).
(وأجاب) الجمهور:
(أ) عن احتجاج الحنبلية بأن النبى ﷺ سمى يوم الجمعة عيداً فجازت الصلاة فيه فى وقت العيد (بأنه) لا يلزم من تسميته عيداً أن يشمل جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً، سواء
стр. 1405
أصام قبله أم بعده، بخلاف يوم الجمعة بالاتفاق (١).
(ب) وعن حديثى جابر وسهل بن سعد بأنهما محمولان على المبالغة فى تعجيل صلاة الجمعة بعد الزوال بلا إيراد (٢).
(حـ) وعن حديث سلمة بأن قوله فيه (وليس للحيطان فئ) معناه أنه ليس لها ظل يستظل به، كما صرح به عند أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه بقوله: ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به (٣) وليس المراد نفى الظل مطلقاً، لأن الظل لا ينتفى فى وقت ما، لا قبل الزوال ولا بعده.
(وقال) النووى: وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة فى تعجيلها، وإنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة فى هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشئ من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها. وقوله "نتتبع الفئ" إنما كان ذلك لشدة التبكير وقصر الحيطان. وفيه تصريح بأنه قد كان فئ يسير. وقوله: " وما نجد فيئاً نستظل به" موافق لهذا، فإنه لم ينف الفئ من أصله، وإنما نفى