(قال) أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة إِذا مالت الشمس. أخرجه أحمد والبخاري وأبو داود والبيهقي والترمذي (١). [١٧٤].
стр. 1402
وقال هذا حديث حسن صحيح وهو الذى أجمع عليه أكثر اهل العلم ان وقت الجمعة إذا زالت الشمس لوقت الظهر.
(وقال) سلمة بن الأكوع: كنا نصلى مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتبع الفئ. أخرجه أحمد ومسلم والبيهقى (١). [١٧٥].
(وقالت) الحنبلية وإسحق: وقت الجمعة من أول العيد إلىآخر وقت الظهر (ولقول) الشيخ منصور البهوتى: ووقت الجمعة من أول وقت العيد (ولقول) عبد الله بن سيدان السلمى: شهدت الجمعة مع أبى بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار. ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أقول قد انتصف النهار. ثم شهدتها مع عمر فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول زال النهار، فما رأيت أحداً عاب ذلك ولا أنكر (٢)(٤٩).
ويمتد وقتها إلى آخر وقت الظهر إلحاقاً لها بها لوقوعها موضعها. وتلزم الجمعة بالزوال، لأن ما قبله وقت جواز وفعلها بعده أفضل خروجاً من الخلاف، ولأنه الوقت الذى كان ﷺ فيه فى أكثر أوقاته. والأولى فعلها عقب الزوال صيفاً وشتاء (٣).
(وصحح) بعض الحنبلية أنه لا دخل وقتها إلا فى الساعة السادسة من النهار (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: ظاهر كلام الخرقى انه لا يجوز صلاتها فيما قبل السادسة.
стр. 1403
وروى عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال.
وقال القاضى واصحابه: يجوز فعلها فى وقت صلاة العيد.
وروى ذلك عبد الله عن أبيه قال: نذهب إلى أنها كصلاة العيد.
وقال مجاهد: ما كان للناس عيد إلا فى أول النهار.
وقال عطاء: كل عيد - حين يمتد الضحى - الجمعة والأضحى والفطر، لما روى عن بن مسعود أنه قفال ك ما كالن عيد إلا فى اول النهار، ولقد كان رسول الله ﷺ يصلى بنا الجمعة فى ظل الحطيم (١) رواه ابن البخترى فى أماليه بإسناده (٢). [١٧٦].
(وروى) عن ابن مسعود ومعاوية أنهما صليا الجمعة ضحى وقالا ك إنما عجلنا خشية الحر عليكم. وروى الثرم ابن مسعود (٣). (٥٠).
ولأنها عيد فجازت فى وقت العيد كالفطر والأضحى. والدليل على أنها عيد قول النبى ﷺ : إن هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين (٤). [١٧٧].
وقوله: قد اجتمع فى يومكم هذا عيدان (٥). [١٧٨].
стр. 1404
وقال: ولنا- على جوازها فى الساعة السادسة- السنة والإجماع.
(أما السنة) فما روى جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة، ثم نذهب على جمالنا فنريحها حين تزول الشمس. أخرجه مسلم (١). [١٧٩].
(وعن سهل) بن سعد قال: ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة فى عهد رسول الله ﷺ متفق عليه (٢). [١٨٠].
(قال) ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة بعد الزوال (وقال سلمة) كنا نصلى مع رسول الله لى الله عليه وسلم الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان فئ. رواه أبو داود (٣). [١٨١].
(وأما) الإجماع فروى فيه أثر عبد الله بن سيدان قال: شهدت الجمعة مع ابى بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار " الأثر " (٤).
(وأجاب) الجمهور:
(أ) عن احتجاج الحنبلية بأن النبى ﷺ سمى يوم الجمعة عيداً فجازت الصلاة فيه فى وقت العيد (بأنه) لا يلزم من تسميته عيداً أن يشمل جميع أحكام العيد، بدليل أن يوم العيد يحرم صومه مطلقاً، سواء
стр. 1405
أصام قبله أم بعده، بخلاف يوم الجمعة بالاتفاق (١).
(ب) وعن حديثى جابر وسهل بن سعد بأنهما محمولان على المبالغة فى تعجيل صلاة الجمعة بعد الزوال بلا إيراد (٢).
(حـ) وعن حديث سلمة بأن قوله فيه (وليس للحيطان فئ) معناه أنه ليس لها ظل يستظل به، كما صرح به عند أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه بقوله: ثم ننصرف وليس للحيطان ظل يستظل به (٣) وليس المراد نفى الظل مطلقاً، لأن الظل لا ينتفى فى وقت ما، لا قبل الزوال ولا بعده.
(وقال) النووى: وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة فى تعجيلها، وإنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة فى هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشئ من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها. وقوله "نتتبع الفئ" إنما كان ذلك لشدة التبكير وقصر الحيطان. وفيه تصريح بأنه قد كان فئ يسير. وقوله: " وما نجد فيئاً نستظل به" موافق لهذا، فإنه لم ينف الفئ من أصله، وإنما نفى
стр. 1406
ما يستظل به، وهذا مع قصر الحيطان ظاهر فى أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به (١).
(د) وعن أثر عبد الله بن سيدان (بكسر السين) بأنه ضعيف، فقد تكلم غير واحد فى ابن سيدان. قال الحافظ: تابعى كبير غير معروف العدالة. وقال ابن عدى: يشبه المجهول. وقال البخارى: لا يتابع على حديثه. وقد عارضه ما هو أقوى منه. فروى ابن ابى شيبة عن سويد بن غفلة أنه صلى مع ابى بكر وعمر حين زالت الشمس. وإسناده قوى (٢). (٥١).
فالظاهر المعول عليه أنه لا تصح الجمعة قبل الزوال.
هذا. وآخر وقت الجمعة- عند غير مالك- آخر وقت الظهر (لما تقدم) عن عبد الله بن عمرو أن النبى ﷺ قال: وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى (٣). [١٨٢].
فلا تصح بعد دخول وقت العصر.
(وقال) مالك: يمتد وقتها إلى الغروب (قال ٩ العلامة الدردير والشيخ الدسوقى: شرط صحة صلاة الجمعة وقوعها كلها بالخطبة وقت الظهر، فلو أوقع شيئاً من ذلك قبل الزوال لم يصح، ويمتد وقتها من الزوال إلى الغروب، أى وإن لم يبق ركعة للعصر. وعلى هذا فقولهم: الوقت إذا ضاق يختص بالأخير، يستثنى منه الجمعة، وهذا هو المعتمد فى المذهب، خلافاً لمن قال: إنه يمتد للاصفرار (٤).
стр. 1407
(ورّه) الجمهور بأن الجمعة شرعت على خلاف القياس. فيراعى فيها كل الخصوصيات التى وردت فيها، ولم يرد عنه ﷺ أنه صلاها بعد دخول وقت العصر، ولا عن أحد من السلف إلى يومنا هذا.
(وإن خرج) الوقت وهم فيها قبل السلام بطلت عند الحنفيين، غير أنها تنقلب نفلا عند الإمام، لفوات الشرط، ويلزم استئناف الظهر.
(وقالت) المالكية: إن غربت الشمس بعد تمام ركعة من الجمعة بسجدتيها أتموها جمعة وإلا أتموها ظهراً.
وقالت الشافعية: إذا شرعوا فيها وقد بقى من وقت الظهر ما يسعها ولكنهم أطالوها حتى خرج الوقت أتموها ظهراً، ويسر الإمام فيما بقى، ويحرم عليهم قطعها، وإن شرعوا فيها ولم يبق من الوقت ما يسعها فخرج وهم فيها بطلت واستأنفوا ظهراً.
(وقالت) الحنبلية: إن خرج وقتها وقد صلوا ركعة أتموها جمعة اتفاقاً، وكذا إن خرج ولم يتموا ركعة على المذهب.
(قال) الشيخ منصور بن يونس: ولا تسقط الجمعة بشك فى خروج الوقت، لأن الأصل عدمه والوجوب محقق؛ فإن بقى من الوقت قدر التحريمة بعد الخطبة صلوها، فإن تحققوا خروجه قبل التحريمة صلوا ظهراً، لأن الجمعة لا تقضى، وإن لم يتحققوا خروجه قبل التحريمة أتموا جمعة، لأن الأصل بقاؤه، وهى تدرك بالتحريمة كما تقدم كسائر الصلوات، فإن علموا إحرامهم بعد الوقت، قضوا ظهراً لبطلان جمعتهم (١).
(٣) خطبة الجمعة
هى شرط لصحة الجمعة عند الأئمة الأربعة والجمهور (لقوله) تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، والذكر هو الخطبة لاشتمالها عليه، أمر بالسعى إليه
стр. 1408
فيكون واجباً، لأنه يجب السعى لغير الواجب، ولمواظبته ﷺ على الخطبة.
(قال) ابن عمر: كان النبى ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يخطب فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب. اخرجه السبعة إلا ابن ماجه، وهذا لفظ أبى داود (١). [١٨٣].
(ولم يرد) أنه ﵊ أو أحداً من الخلفاء الراشدين فمن بعدهم صلى الجمعة بدون خطبة. فهى من جملة الخصوصيات التى لم يرد غسقاط الركعتين إلا مع مراعاتها فكانت شرطاً.
(ويشترط) عند المالكية والشافعية خطبتان، وهو مشهور مذهب الحنبلية لما تقدم (ومنه) قوله ﷺ : صلوا كما رأيتمونى أُصلى (٢).
ولم يثبت أنه ﷺ ، صلى الجمعة بدون خطبتين.
(وقال) الحنفيون والأوزاعى وإسحاق بن راهويه وابن المنذر: الشرط خطبة واحدة والثانية سنة. وهو رواية عن أحمد (وقال) الحسن البصرى والظاهرية وابن الماجشون المالكى: الخطبة مستحبة.
(قال) الشوكانى: وهذا هو الظاهر. وأجاب عن أدلة الجمهور بما ملخصه: أما استمراره ﷺ على الخطبة فى كل جمعة، فهو مجرد فعل لا يفيد الوجوب فضلا عن الشرطية.
стр. 1409
(وقوله) ﷺ : " صلوا كما رأيتمونى أُصلى"، لا يدل على وجوب الخطبة، لأنها ليست صلاة، بل ولا يدل على وجوب الصلاة على الصفة التى كان يصليها، لأنه كان يواظب على أشياء ليست واجبة، كما يدل عليه حديث المسئ صلاته، فإنه لم يعلمه التشهد وكان يواظب عليه.
(واستدلالهم) بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لا يفيد وجوب الخطبة، لأن الذكر ليس نصاً فى الخطبة بل محتمل لها وللصلاة، وحمله على الصلاة أولى، للاتفاق على وجوبها، بخلاف الخطبة ففى وجوبها خلاف (١).
ورد: (أ) بأن وجوب الخطبتين ظاهر من المواظبة عليهما، وهو بيان لصفة صلاة الجمعة الواجبة، وهذا ظاهر مطابق لقواعد الأصول ودقائق الشريعة المطهرة، وأيضاً فإن صلاة الجمعة وجبت بهذه الصفة التى واظب عليها رسول الله ﷺ . فمن قصر فيها عما كان عليه العمل فإنه لم يؤد ما وجب عليه وهو واضح فى الشرطية.
(ب) بأن تواتر العمل بهذه الصفة من عهد النبى ﷺ إلى الآن، والأحاديث الصحيحة بينت هذه الصفة تفصيلا، فلم يصلَّها رسول الله ﷺ مرة بدون خطبتين. وهذه المواظبة المستمرة لا يصح حملها إلا على أنها بيان لهذا الواجب يلحق به فى الوجوب.
(حـ) بأن تأدية الخطبة داخل تحت كيفية الصلاة المأمور بها فى حديث: " صلوا كما رأيتمونى أُصلى " لقيام الخطبتين مقام ركعتين. قال الشيخ منصور بن إدريس: وعن ابن عمر وعائشة قصرت الصلاة من أجل الخطبتين فهما بدل ركعتين، فالإخلال بإحداهما إخلال بإحدى الركعتين (٢).
هذا. وللخطبة شروط واركان وسنن ومكروهات:
стр. 1410
(شروطها) يشترط لصحتها عند الجمهور اثنا عشر شرطاً:
(١) كونها قبل الصلاة، لأنها شرط والشرط يتقدم على المشروط، فلا يعتد بالخطبتين عن تأخرتا عن الصلاة، وتعاد معهما عند الأئمة الثلاثة.
(وقالت) المالكية: إن تأخرتا أعيدت الصلاة فقط دون الخطبة إن قرب الزمن عرفاً ولم يخرج الإمام من المسجد، فإن طال أو خرج الإمام أعيدت الخطبتان والصلاة.
(٢) وكونها فى وقت الجمعة، لأن النبى ﷺ لم يصلَّها بدون خطبة فى الوقت، فلو خطب قبله وصلى فيه لم تصح.
(٣ و ٤) وونهما بحضرة جماعة ممن تنعقد بهم الجمعة بأن يكونوا ذكوراً مكلفين ولو صماً أو نياماً، فلو خطب بحضرة النساء أو الصبيان أو المجانين فقط لا تصح، وكذا لو خطب بحضرة واحد على الأصح عند الحنفيين.
(٥) ويشترط الجهر بالخطبة بحيث يسمع اركانها من تنعقد به الجمعة حيث لا مانع كنوم أو غفلة أو صمم عند الجمهور.
(وقالت) المالكية: الشرط الجهر بها، ولا يشترط سماع الحاضرين ولا إصغاؤهم، وإن كان الإصغاء واجباً عليهم، فلو أسر بها لا تصح.
(٦) ويشترط- عند الحنفيين - الموالاة بين الخطبة والصلاة، بألا يفصل بينهما بعمل يقطع الخطبة كالأكل والجماع، بخلاف غير القاطع كالوضوء والغسل، وقضاء فائتةوافتتاح تطوع بينهما، فإنه لا يبطل الخطبة، وإن كان الأولى إعادتها.
(وقالت) المالكية والحنبلية: يشترط الموالاة بين الخطبتين وبينهما وبين الصلاة بألا يفصل بين ذلك بفاصل طويل عرفاً.
стр. 1411
(وقالت) الشافعية: يشترط الموالاة بين أركانها وبينهما وبين الصلاة بألا يفصل بين ما ذكر بقدر ركعتين خفيفتين، وإلا بطلت الخطبة.
(٧) ويشترط كون الخطبة بالعربية للقادر عليها عند ابى يوسف ومحمد والشافعى وأحمد، فإن عجز عن العربية خطب بما يقدر عليه، إلا الآية التى هى من اركان الخطبة عند الشافعى وأحمد فلا ينطقها بغير العربية إن عجز عنها، بل يأتى بدلها بذكر أو دعاء عربى، فإن عجز عن هذا سكت بقدر الآية.
(وقالت) المالكية: يشترط كونها باللغة العربية ولو كان القوم عجماً، فإن لم يوجد فيهم من يحسن العربية سقطت عنهم الجمعة ن وقال أبو حنيفة: تصجح الخطبة بغير العربية ولو من قادر عليها والقوم عرب.
(٨، ٩) ويشترط للخطبة الطهراة من الحدث، والخبث، وستر العورة عند الشافعية، وهو رواية عن مالك، ولا يشترط ما ذكر عند الحنفية والحنبلية، وهو مشهور مذهب المالكية، فلو خطب غير متطهر او عارياً لا تصح عند الشافعية، وتصح عند غيرهم مع الكراهة لمخالفته المتوارث.
(قال) الشيخ منصور بن إدريس: ولا يشترط للخطبتين الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، فتجزئ خطبة محدث وجنب، لأنه ذكر تقدم الصلاة فاشبه الذان، وظاهره ولو كان الجنب بالمسجد، لأن تحريم مكثه لا تعلق له بواجب العبادة، كمن صلى ومعه درهم غصب. ولا يشترط لهما ستر عورة وإزالة نجاسة لما تقدم، ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة، لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة فأشبها اللاتين، ولا حضور النائب فى الصلاة والخطبة (ولا يشترط) أن يتولى الخطبتين رجل واحد، لأن كلا منهما منفصلة عن الأخرى.
(قال) فى النكت: فليلغز بها فيقال: عبادة واحدة بدنية محضة تصح
стр. 1412
من اثنين، بل يستحب ذلك، أى الطهارة وستر العورة وإزالة النجاسة، وأن يتولى الخطبتين والصلاة واحد خروجاً من الخلاف (١) وكذا لا يشترط فى الإمام أن يكون هو الخطيب عند الحنفيين، وهو الأصح عند الشافعية.
وقالت المالكية: يشترط أن يكون الخطب هو الإمام إلا لعذر كما سيأتى فى بحث " إمام الجمعة".
(١٠) ويشترط نية الخطبة عند الحنفيين وأحمد، فلو خطب بلا نية لا يعتد بالخطبة (٢).
(وقالت) الشافعية: يشترط عدم الصارف، فلو عطس وحمد الله
стр. 1413
لعطاسة أو سبح تعجباً، لم يكف عند الأولين، لعدم قصد الخطبة. وعند الشافعية للصارف. وعند المالكية وتشترط نية الخطبة.
стр. 1414
(١١) ويشترط القيام فيها للقادر عند مالك والشافعي والجمهور وأحمد في رواية (لحديث) ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة قائماً ثم يقعد فيخطب. أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والاوسط بسند رجاله ثقات (١).
(ولحديث) أبي هريرة: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر
стр. 1415
كانوا يخطبون يوم الجمعة قياماً يفصلون بينهما بجلوس، حتى جلس معاوية في الخطبة الأولى وخطب في الاثنية قائماً. أخرجه الشافعى (١). [١٨٥]
وجلوس معاوية في الخطبة كان لضرورة كثرة لحمه.
(روى) الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعداً لما كثر شحم بطنه ولحمه. أخرجه ابن أبي شيبة (٢). (٥٢)
(وقال) الحنفيون وأحمد في رواية عنه: القيام في الخطبة سنة، لأنه الثابت من فعله ﷺ وفعل الخلفاء الراشدين بعده، وليس بفرض، لأن الفعل بمجرده لا يفيد الفرضية (وهذا) هو الظاهر.
قال أبو محمد عبد الله بن قدامة: وقوله (أي الخرقي) خطبهم قائماً يحتمل أنه أراد اشتراط القيام في الخطبة، وأنه متى خطب قاعداً لغير عذر لو تصح. ويحتمله كلام أحمد ﵀.
قال الأثرم سمعت ابا عبد الله يسأل عن الخطبة قاعداً أو يقعد في إحدى الخطبتين، فلم يعجبه وقال: قال الله تعالى: ((وتركوك قائماً)) وكان النبي ﷺ يخطب قائماً فقال له الهيثم بن خارجة: كان عمر بن عبد العزيز يجلس في خطبته فظهر منه إنكار، وهذا مذهب الشافعي.
وقال القاضي: يجزيه الخطبة قاعداً، وقد نص عليه أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنه ذكر ليس من شرطه الاستقبال فلم يجب له القيام كالآذان (٣).
(وما يدل) على عدم وجوب القيام في الخطبة أن كعب بن عجرة دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم حكيم يخطب قاعداً، فقال: انظروا الى هذا
стр. 1416
الخبيث قاعداً والله تعلاى يقول: " وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها وتركوك قائماً " أخرجه مسلم والنسائي (١). (٥٣)
ولم يحكم هو ولا غيره ببطلان الخطبة، فعلم أن القيام فيها ليس بشرط بل هو سنة أو واجب، كما قاله بعض الحنفيين.
(١٢) والجلوس بين الخطبتين شرط عند الشافعية، (لقول) جابر ابن سمرة: كان النبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس. أحمد ومسلم والدرامي والبيهقي والأربعة إلا الترمذي (٢). [١٨٦]
стр. 1417
(ولقول) ابن عمر: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة مرتين بينهما جلسة. أخرجه أحمد وابن ماجه (١). ... [١٨٧]
(وقال) الجمهور: الجلوس بين الخطبتين سنة، لأن مجرد فعل النبي ﷺ لا يدل على الوجوب.
(قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: وروي عن أبي إسحق قال: رأيت علياً يخطب على المنبر فلم يجلس حتى فرغ. (٥٤)
وجلوس النبي ﷺ كان للاستراحة، فلم تكن واجبة كالجلسة الأولى (أي التي قبل الخطبة) ولكن يستحب. فإن خطب جالساً لعذر فصل بين الخطبتين، وكذلك إن خطب قائماً فلم يجلس.
(قال) ابن عبد البر: ذهب مالك والعراقيون وسائر الفقهاء إلا الشافعي أن الجلوس بين الخطبتين لا شيء على من تركه (٢).
(هذا) ويشترط في الخطيب غير ما تقدم أن يكون عالماً بالعقائد الصحيحة حتى لا يزيغ ولا يضل الناس بسوء عقيدته، وأن يكون عالماً بما تصح به الصلاة، وينبغي أن يكون ملماً بأحكام الفقه ليتمكن من إجابة من يساله عن بينة، ويرشده بنور الشريعة الى الصراط المستقيم، ولا يخبط خبط عشواء في أمور الدين.
أركان الخطبة:
ركنها عند مطلق النعمان مطلق ذكر الله تعالى بنيتها. فيكفى فيها تسبيحة أو تحميدة أو تهليلة أو تكبيرة (لقوله) تعالى: " فاسعوا إلى ذكر الله " فدل على أن الركن مطلق الذكر طويلاً أو قصيراً.
стр. 1418
(وقد) روى عن عثمان بن عفان رضى الله عنه لما خطب في أول جمعة ولى الخلافة صعد المنبر فقال: الحمد لله. فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالاً، وإنكم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى قوال، وستأتيكم الخطب بعد، وأستغفر الله لي ولكم، ونزل وصلى ولم ينكر عليه أحد. قاله ابن الهمام (١). (٥٥)
فكان إجماعاً منهم على الإكتفاء بهذا القدر وأن الطول المسمى خطبة في العرف ليس بشرط، فكان الشرط مطلق الذكر. فلو اقتصر على قوله: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، أو نحو ذلك، أجزأ مع الكراهة التنزيهية، لمخالفته المأثور عن النبي ﷺ وهو المواظبة على الذكر المسمى خطبة، المشتمل على التحذير وغيره، فكان هذا واجباً أو سنة لا ركناً.
(وقالت) المالكية والأوزاعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد: ركنها الذكر الطويل المشتمل على التحذير وتبشير المسمى خطبة عرفاً. واقله قدر التشهد أو ثلاث آيات، لأن التسبيحة ونحوها خطبة عرفاً ولا لغة.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: أركانها الحمد لله، والصلاة على رسول الله، والوصية بالتقوى في كل من الخطبتين، وقراءة آية من القرآن في إحداهما، وكذا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأخروى في الثانية عند الشافعية.
(قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: ويشترط لكل واحدة منهما الله تعالى والصلاة على رسوله ﷺ قال: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر (٢). [١٨٨]
стр. 1419
وإذا وجب ذكر الله تعالى وجب ذكر النبي ﷺ ، لما روى في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. قال: لا أذكر إلا ذكرت معي (١). [١٨٩]
(ويحتمل) ألا تجب الصلاة على النبي ﷺ ، لأن النبي ﷺ لم يذكر في خطبة ذلك (أما القراءة) فقال القاضي: يحتمل أن تشترط في إحداهما ٦، لما روي الشعبي قال: كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: السلام عليكم، ويحمد الله ويثنى عليه، ويقرأ سورة ثم يجلس، ثم يقوم ويخطب ثم ينزل. كان أبو بكر وعمر يفعلانه. رواه الأثرم. [١٩٠]
(وظاهر) هذا أنه إنما قرأ في الخطبة الأولى ووعظ في الخطبة الثانية، وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة إنما تكون في الخطبة الثانية لهذا الخبر.
وقال القاضي: تجب في الخطبتين، لأنها بيان المقصود من الخطبة، فلم يجز الإخلال بها (٢)
سنن الخطبة:
هي كثيرة المذكور منها هنا ثمان عشرة:
(١) سلام الخطيب على الحاضرين قبل صعوده المنبر عند الشافعي وأحمد
(٢، ٣) واستقبالهم وسلامه عليهم بعد صعوده المنبر اتفاقاً (لقول)
стр. 1420
ابن عمر: ((كان رسول الله ﷺ إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه ثم سلم قبل أن يجلس)) أخرجه البيهقي وحسنه. [١٩١]
(ولقول) سلمة بن الأكوع: خطب رسول الله ﷺ خطبتين وجلس جلستين. وحكى الذي حدثني قال: استوى ﷺ على الدرجة التي المستراح قائماً ثم وجلس على المستراح حتى فرغ المؤذن من الأذان، ثم قام فخطب الخطبة الأولى، ثم جلس ثم قام فخطب الثانية. أخرجه الشافعي. (١) [١٩٢]
دل ما كان: (أ) على أنه يسن للخطيب إذا صعد المنبر أن يسلم على الحاضرين ويستقبلهم. وهو متفق عليه.
(ب) على أنه يسن سلام الإمام على من عند المنبر قبل صعوده. وبه قال الشافعي وأحمد (وقالت) المالكية والحنفية: لا يسن سلامه على من عند المنبر. والحديث حجة عليهم.
(٤) ويسن الجلوس على المنبر قبل الخطبة حتى يفرغ المؤذن، لما تقدم، ومنه ما في الحديث ابن عمر قال: كان النبي صلى الله علية وسلم يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن (الحديث) (٢)) وهذا مجمع عليه.
(٥ - ١٢) ويسن ابتداء الخطبتين بالحمد لله وذكر الشهادة لله بالوحدانية وللنبي ﷺ بالرسالة. والصلاة على النبي ﷺ . والإتيان بأما بعد، واشتمالها على الغيصاء بالتقوى وعلى آية قرآنية، ,ان يدعو في الخطبة الثانية للمؤمنين والمؤمنات.
стр. 1421
(وبهذا) قال الحنفيون ومالك، وكذا الشافعية والحنبلية في غير ما عدوه مما ذكر ركناً في الخطبة، كالحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ وغيرهما مما تقدم (لما روي) الحسن بن زياد عن أبى حنيفة رحمة الله أنه قال: ينبغي أن يخطب خطبة خفيفة يفتتح بحمد الله ويثنى عليه ويتشهد ويصلى على النبي ﷺ ويعظ ويذكر ويقرأ سورة (أي آية) ثم يجلس جلسة خفيفة. ثم يقوم فيخطب خطبة أخري يحمد الله تعالى ويثني عليه ويتشهد ويصلى على النبي ﷺ ويدعو للمؤمنين والمؤمنات. ذكره علاء الدين الكاساني (١).
تقدم عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله تعالى فهو أبتر (٢).
(وقال) أبو هريرة: قال أن رسول الله عليه وسلم: كل خطبة ليس بها شهادة كاليد الجذماء. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه (٣). [١٩٣]
وفي سنده عبد الواحد بن زياد. قال الذهبي: ثقة وقال ابن معين: ليس بشيء.
(وقال) جابر بن عبد الله: خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بها هو له أهل، ثم قال: أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه إذا
стр. 1422
ذكر الساعة كأنه منذر جيش، ثم يقول: أتتكم الساعة، بعثت أنا والساعة هكذا، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطي، صبحتكم الساعة ومستكم. من ترك مالا فلأهله، ومن ترك ديناً فالي وعلى. والضياع يعني ولده المساكين. أخرجه مسلم وأحمد وهذا لفظه (١). [١٩٤]
(وعن ابن عباس) أن النبي ﷺ خطب يوماً فقال: إن الحمد لله نستعينة ونستغفره، ونستهديه ونستنصره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل بلا هادى له. واشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى حتى يفئ إلى أمر الله. أخرجه الشافعى فى مسنده (٢). [١٩٥].
(ولصلاة) على النبى ﷺ وإن لم تثبت فى خطبه إلا أنها ثبتت من عمل الصحابة. قال أبو جحيفة: صعد علىّ رضى الله عنه المنبر وحمد
стр. 1423
الله واثنى عليه وصلى على النبى ﷺ (الأثر) أخرجه عبد الله ابن أحمد (١). (٥٦).
وسيأتى أن ابا بكر رضى الله عنه قال فى خطبته: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك افضل ما صليت على أحد من خلقك (٢) وأن عمر رضى الله عنه صلى على النبى ﷺ فى خطبته (٣).
(وعن سمرة) بن جندب أن النبى ﷺ كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. أخرجه الطبرانى فى الكبير والبزار، وقال: لا نعلمه عن النبى ﷺ إلا بهذا الإسناد، وفيه يوسف بن خالد السمتى وهو ضعيف (٤). [١٩٦].
(١٣) ويسن للناس استقبال الإمام حال الخطبة (لحديث) عدى بن ثابت عن أبيه قال: كان النبى صلى الله عليه سلم إذا قام على المنبر استقبله احابه بوجوههم. اخرجه ابن ماجه بسند رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وأخرجه
стр. 1424
الترمذى عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى اله عليه وسلم إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا. وفى سنده محمد ابن الفضل بن عطية وهو ضعيف (١). [١٩٧].
والأحاديث هنا وإن كانت ضعيفة يقويها عمل السلف على مقتضاها.
(قال) الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم منأصحاب النبى ﷺ وغيرهم، يستحبون استقبال الإمام إذا خطب. أهـ. وهو قول الأئمة الأربعة وسفيان الثورى والأوزاعى وإسحاق.
(قال) الأثرم: قلت لأبى عبد الله أحمد بن حنبل: يكون الإمام متباعداً، فإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهى عن القبلة. فقال: نعم تنحرف إليه (٢).
(والحكمة) فى ذلك أنهبلغ فى الاستماع فاستُحِبّ كاستقبال الإمام للمأمومين (قال) العلامة الصنعانى: والحديث (أى حديث ابن مسعود) يدل على أن استقبال الناس الخطيب مواجهين له أمر مستمر، وهو فى حكم المجمع عليه، وجزم بوجوبه أبو الطيب من الشافعية (٣).
(١٤) ويسن أن يخطب على منبر أو مكان مرتفع، لأن النبى ﷺ كان يخطب على منبر. ويستحب كونه صغيراً ثلاث درجات بالمقعدة كما كان منبر النبى صلى الله عليه سلم. وتقدم بيانه (٤).
(١٥) ويستحب أن يكون المنبر عن يمين الإمام كما كان منبر النبى ﷺ .
стр. 1425
(١٦) ويسن- عند الجمهور- اتماد الخطيب حال خطبته على نحو قوس أو عصا (لحديث) الحكم بن حزن الكلفى قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليهوسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله ﷺ سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله زرناك فادع الله لنا بخير، فدعا لنا بخير وأمر بنا فأنزلنا، وأمر لنا بشئ منالتمر والشأن غذ ذاك دون، فلبثنا عند رسول الله ﷺ اياماً شهدنا فيها الجمعة، ، فقام متوكئاً على عصاً أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه بكلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: ايها الناس، إنكم لن تطيقوا أو لن تفعلوا كل ما أُمرتم به ولكن سددوا وابشروا. اخرجه أحمد وأبو داود والبيهقى وابو يعلى بسند جيد وصححه ابن خزيمة وابن السكن، وحسن الحافظ سنده (١). [١٩٨].
وحكمة ما ذكر ما فيه من البعد عن العبث باليد وانه اثبت للقلب (واختلف) العلماء بأى اليدين يعتمد على العصا أو القوس؟
(والظاهر) قول مالك: يستحب أخذ ما يعتمد عليه بيده اليمنى (لقول) عائشة: كان رسول الله ﷺ يعجبه التيامن فى ترجله وتنعله وطهوره وفى شأنه كله. أخرجه أحمد والشيخان (٢). [١٩٩]
стр. 1426
(قال) الإمام ابن القيم: كان رسول الله ﷺ يعتمد على قوس أو عصاً قبل أن يتخذ المنبر. وكان فى الحرب يعتمد على قوس، وفى الجمعة يعتمد على عصاً. ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف (وما يظنه) بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائماً، وأن ذلك إشارة إلى أن الدين قام بالسيف (فمن فرط) جهله القبيح من وجهين:
(أحدهما ٩ أنالمحفوظ أنه صلى اللهعليه وسلم توكأ على العصا وعلى القوس.
(الثانى) أن الدين إنما قام بالوحى، أما السيف فلمحق اهل الضلال والشرك، ومدينة النبى ﷺ التى كان يخطب فيها افتتحت بالقرآن ولم تفتح بالسيف، ولا يحفظ عنه ﷺ أنه بعد اتخاذ المنبر كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره، ولا قبل اتخاذه أنه اخذ بيده سيفاً ألبتة، وإنما كان يعتمد على عصاً أو قوس (١).
ويؤيده (حديث) عمار بن سعد قال: حدثنى أبى أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب فى الحرب خطب على قوس، وإذا خطب فى الجمعة خطب على عصاً. أخرجه ابن ماجه والبيهقى (٢). [٢٠٠].
وفى سنده عبد الرحمن بن سعد وهو ضعيف.
(وقال) ابن جريح: قلت لعطاء: أكان النبى ﷺ يقوم على عصاً إذا خطب ظ قال: نعم كان يعتمد عليها اعتماداً. اخرجه الشافعي والبيهقى مرسلا (٣). [٢٠١].
(١٧) ويسن للخطيب رفع صوته لإسماع الحاضرين، وإظهار الشهامة،
стр. 1427
وتفخيم أمر الخطبة، والإتيان فيها بجزيل الكلام (لما تقدم) فى حديث جابر ابن عبد الله (١).
(وقال) جابر: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم (الحديث) أخرجه مسلم (٢). [٢٠٢].
(وهذا) متفق عليه، فيستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير، ولا تكون ألفاظاً مبتذلة ملفقة، فإنها لا تقع فى النفوس موقعاً كاملاً، ولا تكون وحشية، لأنه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظاً جدلة مفهومة (٣).
(١٨) ويسن تقصير الخطبة قصراً معتدلا حتى لا يملها الناس (لقول) جابر بن سمرة: كان رسول الله ﷺ لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هى كلمات يسيرات. اخرجه أبو داود والحاكم والبيهقى بسند رجاله ثقات (٤). [٢٠٣].
(ولقول) عمار بن ياسر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة. اخرجه أحمد ومسلم (٥). [٢٠٤].
стр. 1428
(ولقول) عبد الله بن أبى أوفى: كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة. اخرجه النسائى بسند صحيح (١). [٢٠٥].
(ولقول) أبى راشد: خطبنا عمار بن ياسر فتجوز فى خطبته، فقال رجل من قريش: لقد قلت قولا شفاء فلو أنك أطلت؟ فقال: إن رسول الله ﷺ نهى أن نطيل الخطبة. أخرجه بسند جيد (٢).
[٢٠٦].
ويستحب للخطيب ألا يحضر للجمعة إلا بعد دخول الوقت بحيث يشرع فيها أول وصوله المنبر، لأن هذا هو المنقول عن رسول الله ﷺ . وإذا وصل المنبر صعده ولا يصلى تحية المسجد، وتسقط بسبب الاشتغال بالخطبة، كما تسقط فى حق الحاج إذا دخل المسجد الحرام بسبب الطواف.
(وقال) بعض الشافعية: تستحب له تحية المسجد ركعتان عند المنبر، والمذهب أنه لا يصليها لأن النبى ﷺ لم ينقل عنه أنه صلاها، ولم يذكر الشافعى وجماهير الأصحاب التحية، فظاهر كلامه أنه لا يصليها (٣).
(وينبغى) أن يكون الخطيب ملماً باللغة العربية خصوصاً علم الإنشاء ليقتدر على تأليف كلام بليغ، ينير به أفئدة السامعين، وان يكون نبيهاً، لا تعزب عنه شاردة ولا واردة، لسناً فصيحاً معباً عما يخطر بباله من المعانى والأسرار. وأن يكون وجيهاً تهابه القولب وتعظمه النفوس حتى يكون لكلامه تأثير فيها، ويجد له سميعاً يعى ما يقال ويعمل بما يسمع. وأن يكون
стр. 1429
صالحاً ورعاً قنوعاً غير متجاهر بمعصية ولا مرتكباً مخالفة، عاملا بما يقول، فإن ذلك أدعى إلى قبول موعظته والعمل بها. قال الإمام أبو الأسود الدؤلى رضى الله عنه:
يأيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذى السقام وذى العنا (١) ... كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرشاد عديم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
وهناك يقبل ما تقول ويشتفى ... بالقول منك وينفع التعليم
لا تنه عن خلق وتأتى مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
(وقد) حذر الله تعالى من القول بلا عمل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ؟ . كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (٢)
مكروهات الخطبة:
يكره فيها ترك سنة منهذه السنن، وتغميض الخطيب عينيه، ودقة المنبر بما فى يده من قوس أو عاً؛ فإن هذا باطل لا أصل له وبدعة قبيحة.
دويكره- عند مالك والشافعى وجماعة - رفع يديه حال الدعاء بل يقتصر على رفع السبابة (لقول) حصين بن عبد الرحمن السلمى: كنت إلى جنب عمارة ابن رؤيبة السلمى وبشر يخطبنا، فلما دعا رفع يديه فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين، رأيت رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا ورفع السبابة وحدها. أخرجه أحمد ومسلم والبيهقى والثلاثة: وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٣). [٢٠٨].
стр. 1430
(قال) القاضى عياض: كره مالك وقوم من السلف رفع اليدين فى الخطبة لهذا الحديث، لأنه ﷺ لم يزد على الإشارة بالمسبحة.
وأجازه بعض اصحابنا وآخرون؛ لأنه ﷺ رفعهما فى خطبة الجمعة حين استسقى (١). أهـ.
(وأجاب) المانعون بأن رفعه فى الاستسقاء لا يستلزم طلب رفع اليدين حال خطبة الجمعة. فقد تركه ﷺ مع قيام المقتضى وهو التشلايع وعدم المانع، فكان الترك سنة والرفع بدعة.
(ويكره) تباطؤ الخطيب حال صعود المنبر ودعاؤه مستقبل القبلة قبل جلوسه، وربما توهم بعض جهلة الخطباء أنها ساعة إجابة الدعاء، وذلك خطأ لما تقدم فى موضعه.
(ومن) مكروهات الخطبة: الالتفات فى الخطبة الثانية عند الصلاة على النبى ﷺ ، وهو باطل مكروه.
(ومنها) المجازفة فى أوصاف السلاطين فى الدعاء لهم وكذبهم فى كثير من ذلك، كقولهم: السلطان العالم العادل ونحوه.
(ومنها) مبالغتهم فى الإسراع فى الخطبة الثانية وخفض الصوت بها (٢).
(أما الدعاء) للسلطان بلا مبالغة وكذب فىالوصف فقد اختلف فيه العلماء: فأفتى العز بن عبد السلام بأنه بدعة غير محبوبة.
стр. 1431
(وقال) الشيخ الصاوى: من جملة اللغو الدعاء للسلطان والترضى عن الصحب (١).
وقال الشيخ الباجورى: ولا يسن الدعاء للسلطان بعينه كما فى شرح المنهج، بل مقتضى نالشافعى كراهته لقوله: ولا يدعو فى الخطبة لأحد بعينه، فإن فعل ذلك كرهته. والمختار كما فى المجموع أنه لابأس به، فقول المحشى (البرماوى) تبعاً للقليوبى. ويسن الدعاء للسلطان بعينه ضعيف، ولا يجوز وصفه بالصفات الكاذبة (٢).
(وقال) ابن نجيم: وأما الدعاء للسلطان فى الخطبة فلا يستحب، لما روى أن عطاء سئل عن ذلك، فقال: إنه محدث، وإنما كانت الخطبة تذكيراً (٣).
(وقال) ابو محمد عبد الله بن قدامة: ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه والحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسن.
(وقد روى) ضبة بن محسن أن ابا موسى كان إذا خطب فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبى ﷺ يدعو لعمر وابىبكر.
وأنكر عليه ضبة البداية بعمر قبل الدعاء لبى بكر، ورفع ذلك إلى عمر، فقال لضبة: أنت أوثق منه وارشد.
(وقال) القاضى: لا يستحب ذلك لأن عطاء قال: هو محدث. وقد ذكرنا فعل الصحابة له وهو مقدم على قول عطاء، ولأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، ففى الدعاء له دعاء لهم، وذلك مستحب غير مكروه (٤).
(ومن المكروه) اتفاقاً ما يفعله المؤذون حال الخطبة من الترضى ونحوه،
стр. 1432
وكذا ما يكون منهم عند ذكر السلطان من قولهم بصوت مرتفع: آمين آمين، نصره الله وأدامه، وغير ذلك (فهو) بدعة سيئة وحرام.
لما تقدم أن النبى ﷺ قال: من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا والذى يقول له " أنصت" ليس له جمة (١)، ولما فيه من التهويش على المستمعين، وكثيراً ما يتكلف فى ذلك حسن الألحان فتنصرف الآذان عن سماع الخطبة، ويكره للخطيب التكلم حال الخطبة بكلام دنيوى كما فى الذان والإقامة بل أولى. ويكره له الإتيان بالكلمات الغربية والألفاظ البعيدة عنافهام السامعين (لقول) على رضى الله عنه: حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ .أخرجه البخارى (٢). (٥٧).
(وعليه) فيطلب منالخطيب مراعاة حال الناس وتحذيرهم مما هم فيه غارقون منالبدع والمخالفات، وأن لا يلتزمفى خطبته الطرق العتيقة من التزامالسجع والاهتمام بتحسين اللفظ وترك ما تقتضيه حال الحاضرين، فإن التزام السجع قد يفوت عليه مقصوده، ولولاه لأدى كل إنسان مراده بما يقدر عليه فيعم النفع.
(٦) منهاج الخطابة (٣)
هذا، وإنى ذاكر للقارئ الكريم نموذجاً من خطب رسول الله ﷺ وأصحابه والسلف الصالح، ليحذو حذوها فى الدعوة ونفع العامة، وليعلم أنالتزام السجع بالطريقة التى عكف عليها الخطباء ليس بحسن:
стр. 1433
(١) اول خطبة للنبى ﷺ بالمدينة
قال ابن هشام فى سيرته: كانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ فيما بلغنى عن ابى سلمة بن عبد الرحمن أنه قام فيهم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد ايها الناس فقدموا لأنفسكم، تعلمن والله ليصعقن أحدكم، ثم ليدعن غنمه ليس لها راع، ثم ليقولن له ربه: ألم يأتك رسولى فبلغك؟ وآتيتك مالا وافضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فلينظرن يميناً وشمالا فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم وعلى رسول الله ورحمة الله وبركاته، وأخرجها ايضاص البيهقى (١). [٢٠٩].
(٢) خطبة أخرى له ﷺ
روى سعيد بن عبد الرحمن الجمحى أنه بلغه عن خطبة النبى ﷺ فى أول جمعة صلاها بالمدينة فى بنى سالم بن عمرو بن عوف رضى الله عنهم:
الحمد لله، احمده وأستعينه وأستغفره، واستهديه وأومن له ولا أكفره، وأُعادى من يكفره، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى وفر وضل ضلالا بعيداً، وأُوصيكم بتقوى الله، فإن خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا افضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة وعون وصدق على
стр. 1434
ما تبتغون من أمر الآخرة. ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكراً فى عاجل امره، وذخراً فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم. وما كان مما سوى ذلك يود له أن بينه أمداً بعيداً، وبحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد. هو الذى صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك، فإنه يقول تعالى: ﴿مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. واتقوا الله فى عاجل أمركم وآجله فى السر والعلانية. فإنه ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾. وإن تقوى الله توقى مقته وتوقى عقوبته وسخطه.
وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضى الرب، وترفع الدرجة. فخذوا بحظكم ولا تفرطوا فى جنب الله، فقد علمكم الله كتابة، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين دقوا وليعلم الكاذبين. فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا فى الله حق جهاده، هو اجتباكم وسماكم المسلمين " ليهلك من هلك عن بينة ويحيى منحى عن بينة " ولا حول ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعلموا لما بعد الموت، فإنه من اصلح ما بينه وبين الله يكفيه ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضى عل الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
(قال) ابن كثير فى البداية: هكذا أوردها ابن جرير. وفى السند إرسال (١). [٢١٠].
стр. 1435
(٣) خطبة أخرى للنبى ﷺ
قال ابن غسحاق: ثم خطب رسول الله ﷺ الناس مرة أخرى فقال:
إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، واشهد أن لا غله إلا الله ولا شريك له، إن أحسن الحديث كتاب الله تعالى، قد افلح من زينه الله فى قلبه، وأدخله فى الإسلام بعد الكفر، واختاره على وأحبوا الله من أحاديث الناس. إنه أحسن الحديث وابلغه. حبوا منأحب الله وأحبوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقس عنه قلوبكم، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ذكرها ابن هشام وأبو بكر الباقلانى وابن كثير وقال: وهذه الطريق أيضاً مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها (١). [٢١١].
(٤) خطبة له ﷺ فى التوبة والعمل
(قال) جابر بن عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يخطب على منبرة يقول:
يايها الناس: توبوا على ربكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، ولوا الذى بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة
стр. 1436
الصدقة فى السر والعلانية، ترزقوا وتؤجروا وتنصروا وتحمدوا وتجبروا.
واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى يومى هذا، فى شهرى هذا، فى عامى هذا، إلى يوم القايمة، فريضة مكتوبة من وجد إليها سبيلا، فمن تركها فى حياتى أو بعد مماتى جحوداً بها واستخفافاً بحقها، وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له فى أمره، ألا ولا صلاة له. ألا ولا صوم له. ألا ولا ضوء له. ألا ولا حج له. ألا ولا صدقة له، ألا ولا زاة له، ألا ولا بر له حتى يتوب. من تاب، تاب الله عليه، ألا لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلا، ولا يؤمّ أعرابى مهاجراً، ولا يؤمّ فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسوطه.
أخرجه ابن ماجه والبيهقي والباقلانى. وفى سنده عبد الله بن محمد العذري عن على بن يزيد بن جدعان، وهما ضعيفان (١).
[٢١٢].
(٥) خطبة له ﷺ
وخطب النبى ﷺ أيضا فقال:
أيها الناس: إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله تعالى قاض عليه فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت. والذى نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار
стр. 1437
إلا الجنة أو النار. ذكره الباقلانى (١). [٢١٣].
(٦) خطبة جامعة له ﷺ
قال أبو سعيد الخدري رضى الله عنه: خطبنا النبي ﷺ خطبة بعد العصر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
(أما بعد) فإن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، ألا إن بنى آدم خلقوا على طبقات شتى: منهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً. الا إن الغضب جمرة توقد فى جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فإذا وجد أحدكم شيئاً من ذلك فالأرض الأرض. إلا عن خير الرجال من كان بطئ الغضب، سريع الرضا، وشر الرجال من كان سريع الغضب، بطئ الرضا. فإذا كان الرجل بطئ الغضب، بطئ الفئ، وسريع الغضب، وسريع الفئ، فإنها بها.
ألا إن خير التجار من كان حسن الفضاء، حسن الطلب، وشر التجار من كان سئ القضاء، سئ الطلب. فإذا كان الرجل حسن القضاء، سئ الطلب، او كان سئ القضاء، سئ الطلب، فإنها بها. ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته. ألا وأكبر الغدر غدر أمير عامة. ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه. ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. ألا إن مثل ما بقى من الدنيا فيما مضى منها مثل ما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه.
стр. 1438
أخرجه أحمد والترمذي والحاكم. وفيه على بن زيد بن جدعان، ضعيف (١). [
٢١٤].
стр. 1439
(٧) خطبة له ﷺ فى وصف الدارين
روى شداد بن أوس انه صلىالله عليه وسلم خطب يوماً فقال:
ألاإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة اجل صادق، يقضى فيها ملك قادر. ألا وغنالخير كله بحذافيره فى الجنة. ألا وإن الشر كله بحذافيره فى النار. واعلموا وأنتم منالله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وانكم ملاقوا الله ربكم لابد " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره".
أخرجه البيهقي، وأخرج الطبرانى فى الكبير صدره إلى قوله: وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، يحق الحق ويبطل الباطل. أيها الناس: كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا ابناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها.
وفى سند الطبرانى أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف جداً. واخرج الشافعي صدره من حديث عمرو بن العاص (١). [٢١٥].
стр. 1440
(٨) خطبة له ﷺ فى الاتباع
روى عقبة بن عامر الجهنى أن النبى ﷺ حمد الله واثنى عليه ثم قال:
(أما بعد) فإن اصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد ﷺ ، واشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، واشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتى الصلاة إلا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً نوأعظم الخطاياي اللسان الكذوب، وخير ما وقر فى القلوب اليقين والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثا جهنم، والكنز كى منالنار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقى من شقى فى بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع اربع اذرع، والأمر بىخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، واكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتال على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن ي ٢ صير على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه. اللهم اغفر لى ولأمتي. اللهم اغفر لى ولأمتي. استغفر الله لى ولكم.