← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

الصدقة فى السر والعلانية، ترزقوا وتؤجروا وتنصروا وتحمدوا وتجبروا. واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى يومى هذا، فى شهرى هذا، فى عامى هذا، إلى يوم القايمة، فريضة مكتوبة من وجد إليها سبيلا، فمن تركها فى حياتى أو بعد مماتى جحوداً بها واستخفافاً بحقها، وله إمام عادل أو جائر، فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له فى أمره، ألا ولا صلاة له. ألا ولا صوم له. ألا ولا ضوء له. ألا ولا حج له. ألا ولا صدقة له، ألا ولا زاة له، ألا ولا بر له حتى يتوب. من تاب، تاب الله عليه، ألا لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلا، ولا يؤمّ أعرابى مهاجراً، ولا يؤمّ فاجر مؤمناً إلا أن يقهره سلطان يخاف سيفه وسوطه. أخرجه ابن ماجه والبيهقي والباقلانى. وفى سنده عبد الله بن محمد العذري عن على بن يزيد بن جدعان، وهما ضعيفان (١). [٢١٢]. (٥) خطبة له ﷺ وخطب النبى ﷺ أيضا فقال: أيها الناس: إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، إن المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله تعالى قاض عليه فيه، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه، ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت. والذى نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار

стр. 1437

إلا الجنة أو النار. ذكره الباقلانى (١). [٢١٣]. (٦) خطبة جامعة له ﷺ قال أبو سعيد الخدري رضى الله عنه: خطبنا النبي ﷺ خطبة بعد العصر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد) فإن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، ألا إن بنى آدم خلقوا على طبقات شتى: منهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت مؤمناً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت كافراً، ومنهم من يولد مؤمناً ويحيا مؤمناً ويموت كافراً، ومنهم من يولد كافراً ويحيا كافراً ويموت مؤمناً. الا إن الغضب جمرة توقد فى جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه؟ فإذا وجد أحدكم شيئاً من ذلك فالأرض الأرض. إلا عن خير الرجال من كان بطئ الغضب، سريع الرضا، وشر الرجال من كان سريع الغضب، بطئ الرضا. فإذا كان الرجل بطئ الغضب، بطئ الفئ، وسريع الغضب، وسريع الفئ، فإنها بها. ألا إن خير التجار من كان حسن الفضاء، حسن الطلب، وشر التجار من كان سئ القضاء، سئ الطلب. فإذا كان الرجل حسن القضاء، سئ الطلب، او كان سئ القضاء، سئ الطلب، فإنها بها. ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته. ألا وأكبر الغدر غدر أمير عامة. ألا لا يمنعن رجلا مهابة الناس أن يتكلم بالحق إذا علمه. ألا إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. ألا إن مثل ما بقى من الدنيا فيما مضى منها مثل ما بقى من يومكم هذا فيما مضى منه.

стр. 1438

أخرجه أحمد والترمذي والحاكم. وفيه على بن زيد بن جدعان، ضعيف (١). [ ٢١٤].

стр. 1439

(٧) خطبة له ﷺ فى وصف الدارين روى شداد بن أوس انه صلىالله عليه وسلم خطب يوماً فقال: ألاإن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، ألا وإن الآخرة اجل صادق، يقضى فيها ملك قادر. ألا وغنالخير كله بحذافيره فى الجنة. ألا وإن الشر كله بحذافيره فى النار. واعلموا وأنتم منالله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وانكم ملاقوا الله ربكم لابد " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". أخرجه البيهقي، وأخرج الطبرانى فى الكبير صدره إلى قوله: وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، يحق الحق ويبطل الباطل. أيها الناس: كونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا ابناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها. وفى سند الطبرانى أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف جداً. واخرج الشافعي صدره من حديث عمرو بن العاص (١). [٢١٥].

стр. 1440

(٨) خطبة له ﷺ فى الاتباع روى عقبة بن عامر الجهنى أن النبى ﷺ حمد الله واثنى عليه ثم قال: (أما بعد) فإن اصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد ﷺ ، واشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، واشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتى الصلاة إلا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً نوأعظم الخطاياي اللسان الكذوب، وخير ما وقر فى القلوب اليقين والارتياب من الكفر، والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثا جهنم، والكنز كى منالنار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقى من شقى فى بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع اربع اذرع، والأمر بىخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، واكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتال على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن ي ٢ صير على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه. اللهم اغفر لى ولأمتي. اللهم اغفر لى ولأمتي. استغفر الله لى ولكم.

стр. 1441

أخرجه البيهقي فى الدلائل وابن عساكر (١). [٢١٦]. (٩) خطبة له ﷺ جامعة روى ابن مسعود أن النبي صلى اللهعليه وسلم حمد الله واثنى عليه، ثم قال: (أما بعد) غنما هما اثنتان: الكلام والهدى، فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدى هدى محمد .. ألا وإياكم ومحدثات الأمور، فإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاللاة .. ألا لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم .. ألا عن كل ما هو آت قريب، وغنما البعيد ما ليس بىت .. ألا إنما الشقى من شقى فىبطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره .. الا إن قتال

стр. 1442

المؤمن كفر، وسبابه فسوق، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث .. ألا وإياكم والكذب، فإن الكذب لا يصلح لا بالجدل ولا بالهزل، ولا يعد الرجل صبيه فلا يفى له، وإن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار، وإن الصدق يهدى إلىالبر، وإن البر يهدى إلى الجنة، وإنه يقال للادق صدق وبر، ويقال للكاذب كذب وفجر .. ألا وإن العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً. اخرجه ابن ماجه بسند جيد (١). [ ٢١٧].

стр. 1443

(١٠) خطبة له ﷺ فى التنفير من الغفلة روى علىّ كرم الله وجهه أن النبى ﷺ حمد الله واثنى عليه وقال: (أما بعد) أيها الناس: كأن الموت فيها على غيرنا قد كتب، وكأن الحق فيها على غيرنا قد وجب، وكأن الذى نشيع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبؤئهم أجداثهم، ونأكل من تراثهم كأنا مخلدون بعدهم، قد نسينا كل واعظة، وأمنا كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، طوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وحسنت علانيته، واستقامت طويته، طوبى لمن تواضع لله فى غير منقصة، وأنفق مالا جمعه فى غير معصية نوجالس اهل الفقه والحكمة، وخالط أهل الذل والمسكنة، طوبى لمن أنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السنة ولم تستهوه البدعة. ذكره العاملى وأبو نعيم (١). [٢١٨]. (١١) خطبة له ﷺ بمنى وخطب صلى الله عليه وسلبم بالخيف من منى فقال: نصر الله عبداً سمع مقالتى فوعاها ثم أدّاها إلى من لم يسمعها، فرب حامل

стр. 1444

فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو افقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحوط من وراءهم. أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم عن جبير بن مطعم، وابو داود وابن ماجه عن زيد بن ثابت. وذكره القاضى أبو بكر الباقلانى عن زيد بن ثابت، وزاد: ومن كان همه الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه فى قلبه، وأتته الدنيا وهى راغمة. ومن كان همه الدنيا، فرق الله أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له (١). [ ٢١٩]. (١٢) خطبة له ﷺ فى تذكر الموت وخطب النبي ﷺ فحمد الله واثنى عليه ثم قال: أيها الناس: أكثروا من ذكر هازم اللذات، فإنكم إذا ذكرتموه فى ضيق وسعه ليكم فرضيتم به فأجرتم، وإن ذكرتموهفى غنى بعضه إليكم فجدتم به فأثبتم. إن المنايا قاطعات الآمال والليالى مدنيات الآجال. وإن العبد بين يومين، يوم قد مضى أحى فيه عمله فختم عليه، ويوم قد بقى لا يدرى لعله لا يصل إليه. إن العبد عند خروج نفسه وحلول رمسه يرى جزاء ما اسلف، وقلة غناء ما خلف، ولعله من باطل جمعه أو من حق منعه.

стр. 1445

أيها الناس: عن فىالقناعة لغنى، وغن فى الاقتصصاد للغة، وإن فى الزهد لراحة، ولكل عمل جزاء، وكل آت قريب. ذكره بهاء الدين محمد العاملى (١). [٢٢٠]. (١٣) خطبة له ﷺ فى فضل رمضان قال سلمان الفارسي رضى الله عنه: خطبنا رسول الله ﷺ فى آخر يوم من شعبان قال: يأيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة. وشهر المواساة، وشهر يزاد فى رزق المؤمن فيه. من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقتبه من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شئ. قالوا: يا رسول الله ﷺ كلنا يجد ما يفطر الصائم. فقال رسول الله صلى الله عليهوسلم: يعطى الله هذا الثواب من فطر صائماً على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة، واوسطه مغفرة، وآجره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر الله له، وأعتقه من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما: فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما بكم، فشهادة أن لاإله إلا الله، وتستغفرونه. وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار. ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضى شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة.

стр. 1446

أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه. وقال: إن صح الخبر. قال المنذرى: وفى سنده على بن زيد بن جدعان ضعيف (١). [٢٢١]. (١٤) خطبة له ﷺ في وصف الدنيا وخطب النبي ﷺ ، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: الدنيا دار بلاء ومنزلة بلغة وعناء، قد نزعت عها نفوس السعداء، وانتزعت بالكره من أيدى الشقياء. فاسغد الناس بها ارغبهم عنها، واشقاهم بها أرغبهم فيها، فهى الغاشة لمن استنصحها، والمغوية لمن أطاعها. الفائز من أعوض عنها، والهالك من هوى فيها. طوبى لعبد اتقى فيها ربه، وقدم توبته، وغلب شهوته من قبل أن تلقيه الدنيا إلى الآخرة، فيصبح فى بطن موحشة غبرغاء مدلهمة ظلماء، لا يستطيع أن يزيد فى حسنة ولا ينقص من سيئة، ثم ينشر فيحشر إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها. ذكره العاملى (٢). [٢٢٢]. (١٥) خطبة له ﷺ فى التنفير من الدنيا وخطب النبي ﷺ ، فحمد الله واثنى عليه، ثم قال: ايها الناس: عن هذه الدار دار التواء، لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح. فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء. الا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الاخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فليأخذ ليعطى ويبتلى ليجزى. إنها لسريعة الذهاب، وشيكة الانقلاب. فاحذروا حلاوة رضاعها

стр. 1447

لمرارة فطامها، واحذروا لذيذ عاجلها لكريه آجلها، ولا تسعوا فى تعمير دار قد قضى الله خرابها، ولا تواصلوها - فقد أراد الله منكم اجتنابها- فتكونوا لسخطه متعرضين، ولعقوبته مستحقين. ذكره العاملى. [٢٢٣]. (١٦) خطبة حجة الوداع وفى حجة الوداع خطب النبى ﷺ الناس بمنى فقال: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله. أُوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثكم على طاعة الله، وأستفتح بالذى هو خير. (وأما بعد) ايها الناس: اسمعوا منى أُبيَّن لكم، فإنى لا أدرى لعلى لا القاكم بعد عامى هذا فى موقفى هذا. ايها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسالكم عن أعمالكم، وقد بلغت. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها على من ائتمنه عليها. وإن كل رباً موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. قضى الله أنه لا ربا. إن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله. وإن كل دم كان فى الجاهلية موضوع. وإن أول دمائكم أضع دم ابن وبيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعاً فى بنى ليث فقتله هذيل- فهو اول ما أبدأ به من دماء الجاهلية. وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والخنجر وفيه مائة بعير. فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. ايها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعيد بأرضكم هذه ابداً، ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون منأعمالكم، فاحذروه على دينكم.

стр. 1448

ايها الناس: إنما النسئ زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. وغن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية، وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان. ايها الناس: إن لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن ألا يوطئن فرُشكم احداً تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن فى المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مُبّرح، فإن انتهين وأطعنكم فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف. وغاستوصوا بالنساء خير اً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئاً. وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. فاتقوا الله فى النساء واستوصوا بهن خيراً. فاعقلوا ايها الناس قولى، فإنى قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا ابداص، أمراً بيناً: كتاب الله وسنة نبيه. أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمُنَّ أنفسكم. اللهم هل بلغت؟ قالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ : الهم أشهد، فلا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم أعناق بعض. أيها الناس: إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب. أيها الناس: إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز

стр. 1449

لوارث وصية، ولا نجوز وصية فى أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير ابيه أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكره ابن هشام مختصراً وابن عبد ربه فى العقد مطولا (١). [ ٢٢٤].

стр. 1450

(١٧) آخر خطبة له ﷺ قال الفضل بن عباس رضى الله عنهما: أتانى رسول الله ﷺ وهو يوعك وعكاً شديداص وقد عصب راسه، فقال: خذ بيدى يا فضل، فأخذت بيده حتى قعد على المنبر، ثم قال: ناد في الناس يا فضل. فناديت الصلاة جامعة، فاجتمعوا. فقام رسول الله ﷺ خطيباً فقال. (أما بعد) أيها الناس: إنه قد دنا منى خلوف من بين أظهركم، ولن تروني فى هذا المقام فيكم، وقد كنت أرى أن هذا غير مغن عنى حتى أقوم فيكم مراراً، ألا فمن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يقولن قائل: أخاف الشحناء من قبل رسول الله ﷺ . ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي. وإن أحبكم إلىّ من أخذ منى حقاً إن كان له علىّ، أو حللنى فلقيت الله وليس لأحد عندي مظلمة. فقام رجل فقال: يا رسول الله لى عندك ثلاثة دراهم. فقال: أماأنا فلا أكذب قائلا ولا مستخلفه على يمين، فيم كانت لك عندى؟ قال: أما تذكر أنه مر بك سائل فامرتنى فاعطيته ثلاثة دراهم؟ قال: أعطه يا فضل. ثم قال رسول الله ﷺ : يأيها الناس من عنده من الغلول شئ فليرده. فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها فى سبيل الله. قال: فلم غللتها؟ قال: كنت إليها محتاجاً. قال: خذها منه يا فضل. ثم قال: يأيها الناس من أحسن من نفسه شيئاً فليقم أدعو الله له. فقام رجل وقال: يا رسول الله إني لمنافق، وإني لكذوب، وإني لشئوم. فقال عمر بن الخطاب: ويحك ايها الرجل لقد ترك الله لو سترت على نفسك.

стр. 1451

فقال رسول الله ﷺ : مه يا بن الخطاب، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة. اللهم ارزقه صدقاً وإيمانا، واذهب عنه الشؤم. أخرجه البيهقي وفى سنده ومتنه غرابة شديدة. قاله ابن كثير (١). [٢٢٥]. (وعلى الجملة) فخطب النبي ﷺ كثيرة غزيرة المعاني، جمة الفوائد. وقد تقدم له خطب أخرى. وفيما ذكر نفع وغناء، ولمن اقتنع مزيد إقناع. خطبة الصديق يوم مات النبي ﷺ . لما قبض رسول الله ﷺ (٢) ذهل الناس ذهولا عظيما، واختلط عليهم أمرهم، واضطرب حالهم، حتى إن عمر بن الخطاب - وهو الطود العظيم - اختلط وصار يقول: إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفنى المنافقين. وتهدد من قال إنه قبض. وسل سيفه وقال: من قال إن محمداً قد مات ضربت عنقه، وأقعد على، وأخرس عثمان رضى الله عنهم، وأضنى (٣) عبد الله بن أنيس. ولم يكن في الصحابة أثبت من أبى بكر الصديق رضى الله عنه، والعباس عم الرسول ﷺ . قالت عائشة: مات رسول الله ﷺ وأبو بكر بالسنح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله عليه وسلم، وليبعثنه الله ﷺ ، وليبعثه الله فليقطعن.

стр. 1452

أيدي رجال وأجلهم. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله عليه وسلم وقبله وقال: بأبي وأمي، طبت حياً وميتاً، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبداً ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك. فلما تكلم أبو بكر جلس عمر. فحمد الله أبو بكر وأثني عليه وقال: ألا من كان يعبد محمداً ﷺ قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. وقال: (إنك ميت وأنهم ميتون) وقال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله الشاكرين). قال: فنشج الناس يبكون (الأثر) أخرجه البخاري (١) (٥٨) وروي أبو سليمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر. فأبى عمر أن يجلس. فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: (أما بعد) (من كان منكم يعبد محمداً فإن محمداً ﷺ قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله وما محمد إلا رسول قد خلت من قلبه الرسل) ... إلى (الشاكرين). (قال) ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشراً من الناس إلا يتلوها. وقال عمر: والله ما هو إلا أن سميت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن النبي ﷺ قد مات. أخرجه البخاري (٢). (٥٩)

стр. 1453

(١٩) خطبة للصديق بعد البيعة. ولما ولي الخلافة قام خطيباً، فحمد الله وأثني عليه بالذي هو أهله، ثم قال: (أما بعد) أيها الناس، فإني قد وليت عليهم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأتن فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عند حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا أخذلهم الله بالذل. ولا تشيع فاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله. فإذا عصمت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. ذكره الحافظ ابن كثير بسند صحيح. وابن الأثير وكذا الباقلاني بلفظ: قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد) فإني وُليِّت أمركم ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن وسن النبي ﷺ وعلَّمَنا فعلِمْنا. واعلموا أن أكيس الكيس التقى، وأن أحق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق. أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زِعْت فقومني (١). (٦٠) (٢٠) خطبة للصديق يوم الجمعة. وخطب رضى الله عنه في ثاني يوم البيعة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

стр. 1454

أيها الناس: إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله عليه وسلم يطيق. إن الله اطفي محمداً على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع. فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوْط فما دونها. ألا وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله. فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوماً نسوا في مهل آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم (فإياكم أنى تكونوا أمثالهم، الجد الجد، والنجاء النجاء، والوحا الوحا، فإن وراءكم طالبا حثيثاً، أجلا مُرّه سريع. احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات. ذكره ابن كثير والطبري (١). (٦١) (٢١) خطبة للصديق في الإخلاص والاعتبار. وخطب أيضا، فحمد الله وأثني عليه ثم قال: إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أُريد به وجهه، فأريدا الله بأعمالكم. واعملوا أن أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وحظ ظفر ثم به، وضرائب أديتموها، وسلف قدمتموه من أيام فانية لأخرى باقية لحين فقركم وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمن مات منكم، وتفكروا في من كان قبلكم، أين كانوا أمس؟ وأين هم اليوم؟ أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في الوطن الحروب؟ قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميماً،

стр. 1455

قد تركت عليهم القالات الخبيثات، إنما الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات. وأين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها؟ قد بعدوا ونسى ذكرهم وصاروا كلا شيء. ألا وإن الله قد أبقي عليهم التبعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلفاً بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجونا، وإن اغتررنا كنا مثلهم، أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ صاروا تراثاً، وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم. أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ قد تركوها لمن خلفهم، فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً. أين من تعرفون من آباءكم وإخوانكم؟ قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه، وأقاموا للشقوة أو السعادة فيما بعد الموت. ألا إن الله لا شريك له. ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً، ويصرف به عنه سوءاً إلا بطاعته واتباع أمره. واعلموا أنكم عبيد مدينون، وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته. أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة. ذكره ابن كثير والطبري (١) (٦٢). (٢٢) خطبة في التقوي والامتثال عن موسى بن عقبة أن أبا بكر خطب فقال: الحمد لله رب العالمين، احمده وأستعينه، وأسأله الكرامة فيما بعد الموت، وأشهد أن لا اله إلا اله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وسراجا منيراً " لينذر من كان حياً ويحق القول علي

стр. 1456

الكافرين "، (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا). أوصيكم بتقوى الله، والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به، فإنه جوامع هدى للإسلام بعد كلمة الإخلاص. السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم، فإنه من يطع والي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد أفلح وأدي الذي عليه من الحق. وإياكم واتباع الهوى، فقد أفلح من تراب؟ ثم إلى التراب يعود، ثم يأكله الدود، ثم هو اليوم حي وغداً ميت. فاعملوا يوماً بيوم ، وساعة بساعة، وتوقوا دعاء المظلوم، وعدوا أنفسكم في الموتى، واصبروا فإن العمل كله بالصبر. واحذروا فالحذر ينفع، واعملوا فالعمل يقبل، واحذروا ما حذركم اله من عذابه. وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته، وافهموا تفهموا واتقوا تقوا، وإن الله قد بين لكم ما أهلك به من كان قبلكم، وما نجا به من نجا قبلكم. قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يجب من الأعمال وما يكره. واعملوا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربكم أطعتم، وحظكم حفظتم واغتبطتم. وما تطوعتم به فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا، بسلفكم، وتعطوا جزاءكم حين فقركم وحاجتكم إليها. ثم تفكروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الذين مضوا، قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه، وأحلوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت. إن الله له شريك وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً، النار، ولا شر في شر بعده الجنة. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. وصلوا على نبيكم محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر. (٦٣) (٢٣) خطبة جامعة للصديق وخطب رضى الله عنه لسنة ١٣ هجرية فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأومن به وأتوكل عليه، وأستهدي الله بالهدي. وأعوذ به من الضلالة والردى، ومن الشك والعمى

стр. 1457

(من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل الله فلن تجد له ولياً مرشداً)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو حي لا يموت، يعز من يشاء، بيده الخير وهو على كل شئ قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدي ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إلى الناس كافة رحمة لهم وحجة عليهم، والناس حينئذ على شر حال في ظلمات الجاهلية، دينهم بدعة، ودعوتهم فرية، فأعز الله الدين بمحمد ﷺ ، وألف بين قلوبكم أيها المؤمنون فأصبحتم نعمته إخواناً، (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)، فأطيعوا الله ورسوله، فإنه قال : (من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً). (أما بعد) أيها الناس: إني أوصيكم بتقوى الله العظيم في كل امر وعلى كل حال، ولزوم الحق فيما أحببتم وكرهتم، فإنه ليس فيما دون الصدق من الحديث خير، ومن يكذب يفجر، ومن يفجر يهلك، وإياكم والفخر، وما فخر من خلق من التراب وإلى التراب يعود؟ هو اليوم حي وغداً ميت. فاعملوا وعدوا أنفسكم في الموتى. وما أشكل عليكم فردوا علمه إلى الله، وقدموا لأنفسكم خيراً تجدوه محضراً، فإنه قال : "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد". فاتقوا الله عباد الله وراقبوه، واعتبروا بمن مضى قبلكم، واعلموا أنه لابد من لقاء ربكم، والجزاء بأعمالكم صغيرها وكبيرها، إلا ما غفر الله، إنه غفور رحيم، فأنفسكم أنفسكم، والمستعان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله "إن الله وملائكته يصلون على النبي، يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً" اللهم صلى على محمد عبدك ورسولك أفضل ما صليت على

стр. 1458

أحد من خلقك، وزكنا بالصلاة عليه، وألحقنا به، واحشرنا في زمرته، وأوردنا حوضه. اللهم أعنا على طاعتك، وانصرنا على عدوك. ذكره ابن عبد ربه (١). (٦٤) (٢٤) خطبة للصديق في الحث على العمل والإخلاص قال نعيم بن نمحة: خطب أبو بكر فكان من قوله: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم. فمن استطاع أن يقضي الأجل وهو في عمل الله فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله تعالى، إن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم "ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم". أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في سالف أيامهم، وخلوا بالشقوة والسعادة. أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخور والآبار .. هذا كتاب الله لا تفني عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه. إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: "إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين". لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله، ولا خير فيمن جعله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم. أخرجه الطبراني في الكبير. قال الهيثمي: ونعيم بن نمحة: لم أجد مكن ترجمة. وقال ابن كثير: هذا إسناد جيد ورجاله ثقات (٢). (٦٥)

стр. 1459

(٢٥) خطبة للفاروق عمر في التقوى والأمر بالمعروف خطب عمر يوماً فقال: أيها الناس: اتقوا الله في سريرتكم وعلانيتكم، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، ولا تكونوا مثل قوم كانوا في سفينة فأقبل أحدهم على موضع يخرقه، فمنعوه، فقال: هو موضعي ولي أن أحكم فيه، فإن أخذوا على يده سلم وسلموا، وإن تركوه هلك وهلكوا. وهذا مثل ضربته لكم، رحمنا الله وإياكم. ذكره ابن عبد ربه (١) (٦٦) (٢٦) خطبة جامعة للفاروق وخطب عمر ﵁ سنة ٢٣ هـ، فحمد الله وأثنى عليهن وصلى على النبي ﷺ ، ثم قال: أيها الناس: إن بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غني، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وأنتم مؤجلون في دار غرور، وكنتم على عهد رسول الله ﷺ تؤخذون بالوحي، فمن أسر شيئاً أخذ بسريرته، ومن أعلن شيئاً أخذ بعلانيته، فأظهروا لنا أحسن أخلاقكم، والله أعلم بالسرائر، فإنه من أظهر لنا قبيحاً وزعم أن سريرته حسنه لم نصدقه، ومن أظهر لنا علانية حسنة ظننا به حسناً. واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق، فأنفقوا خيراً لأنفسكم ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

стр. 1460

أيها الناس: أطيبوا مثواكم، وأصلحوا أموركم، واتقوا الله ربكم، ولا تلبسوا نساءكم القباطي، فإنه إن لم يشف فإنه يصف. أيها الناس: إني لوددت أن أنجو كفافاً لا لي ولا عليّ، وإني لأرجو إن عمرت فيكم يسيراً أو كثيراً أن أعمل بالحق فيكم إن شاء الله، ألا يبقى أحد من المسلمين وإن كان في بيته إلا أتاه حقه ونصيبه من مال الله، وإن لم يعمل إليه نفسه، ولم ينصب إليه بدنه، وأصلحوا أموالكم التي رزقكم الله، ولقليل في رفق خير من كثير في عنف، والقتل حتف من الحتوف، يصيب البر والفاجر، والشهيد من احتسب نفسه. ذكره الطبري في تاريخه (١) (٦٧). (٢٧) خطبة أخرى جامعة للفاروق ﵁ وخطب أيضاً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد) فإني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي بطاعته يكرم أولياءه. وبمعصيته يضل أعداءه، فليس لهالك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى، ولا في ترك حق حسبه ضلالة، تعلموا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه لم تبلغ منزلة ذي حق أن يطاع في معصية الله، واعلموا أن بين العبد وبين رزقه حجاباً، فإن صبر أتاه رزقه، وإن اقتحم هتك الحجاب ولم يدرك فوق رزقه، وإياكم وأخلاق العجم، ومجاورة الجبابرة، وأن تجلسوا على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن تدخلوا الحمام بغير مئزر، وإياكم والصغار أن تجعلوه في رقابكم. واعلموا أن سباب المسلم فسق، وقتاله كفر، ولا يحل لك أن تهجر أخاك فوق ثلاثة أيام،

стр. 1461

ومن أتى ساحراً أو كاهناً أو عرافاً (١) فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ لا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهما، ومن ساءته سيئة وسرته حسنة فهو أمارة المسلم المؤمن، وشر الأمور مبتدعاتها، وإن الاقتصاد في سنة خير من الاجتهاد في بدعة، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه أهون لحسابكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر يوم تعرضون لا تخفى منكم خافية، عليكم بهذا القرآن فإن فيه نوراً وشفاءً، وغيره الشقاء، وقد قضيت الذي عليّ فيما ولاني الله من أموركم، ووعظتكم نصحاً لكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. أخرجه الحاكم وابن عساكر. (٦٨) (٢٨) خطبة للفاروق في وصف الدنيا والتحلي بالفضائل وخطب أيضاً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنما الدنيا أمل مخترم، وأجل منتفض، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه، بئس الجار الغني، يأخذك بما لا يعطيك من نفسه، فإن أبيت لم يعذرك. إياكم والبطنة فإنها مكسلة عن الصلاة، ومفسدة للجسم، ومؤدية إلى السقم، وعليكم بالقصد في قوتكم، فهو أبعد من السرف وأصح للبدن. وأقوى على العبادة وإن العبد لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه. ذكره الشيخ حمزة في المواهب (٢). (٦٩)

стр. 1462

(٢٩) خطبة لسيدنا عثمان خطب ﵁ حين بايعه أهل الشورى، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلمن ثم قال: إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار، فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. ألا وإن الدنيا طويت على الغرور "فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور" اعتبروا بمن مضى، ثم جدوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم. أين أبناء الدنيا وإخوانهم الذين آثروها وعمروها ومتعوا بها طويلاً؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها، واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلاً، والذي هو خير، فقال : "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً. المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً". ذكره الطبراني (١) (٧٠) (٣٠) خطبة له في التقوى والعمل وقال الحسن البصري: خطب عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس اتقوا الله فإن تقوى الله غنم، وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نوراً لظلمة القبر، وليخش

стр. 1463

عبد أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيراً. واعلموا أن من كان الله لم يخف شيئاً، ومن كان الله عليه فمن يرجو بعده؟ أخرجه ابن عساكر وابن كثير (١). (٣١) خطبة له في الاستعداد للموت قال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابن آدم: اعلم أن ملك الموت الذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك وقصدك. فخذ حذرك واستعد له ولا تغفل فإنه لا يغفل عنك. واعلم ابن آدم إن غفلت عن نفسك ولم تستعد لها لم يستعد لها غيرك، ولابد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك والسلام. ذكره ابن كثير (٢). (٣٢) آخر خطبة لعثمان ﵁ هي قوله: إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوه بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى، وإن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فإن الدنيا منقطعة، وإن المصير إلى الله. اتقوا الله فإن تقواه جنة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزاباً "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون". ذكره ابن كثير والطبري (٣) (٧٣)

стр. 1464

(٣٣) خطبة لعلي ﵁ لما ولى الخلافة بويع عليّ بالخلافة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فخطب الناس: حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أنزل كتاباً هادياً بين الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر. الفرائض الفرائض، أدوها إلى الله تعالى يؤدكم إلى الجنة. إن الله حرم حرمات غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق. لا يحل دم امريء مسلم إلا بما يجب. بادروا أمر العامة وخاصة أحدكم الموت، فإن الناس أمامكم، وإنما خلفكم الساعة تحدوكم، فخففوا تلحقوا؛ فإنما ينتظر بالناس أخراهم. اتقوا الله عباد الله في بلاده وعباده، إنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله فلا تعصوه. وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه "واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض". ذكره ابن الأثير (١). (٧٤) (٣٤) خطبة له في الحث على العمل والإخلاص وخطب أيضاً فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد: فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، ألا وإن المضمار اليوم وغداً السباق. ألا وإنكم في أيام أمل من ورائها أجل، فمن عمل في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضره أجله، ومن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضره أجله. ألا فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة. ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ألا وإنه من لم ينفعه الحق يضره

стр. 1465

الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال إلى الردي. ألا وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد. ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل. تزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غداً. ذكره في النهج والباقلاني والعاملي (١). (٧٥) (٣٥) خطبة لسيدنا علي في التقوى وخطب أيضاً فقال بعد حمد الله: أيها الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثاً فيلهو، ولا أهمل سدي فيلغو، ما دنياه التي تحسنت إليه بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر إليها، وما الخسيس الذي ظفر به من الدنيا بأعلى همته كالآخر الذي ظفر به من الآخرة من سهمته. ذكره الباقلاني (٢). (٧٦) (٣٦) خطبة جامعة لعلي ﵁ وخطب فقال: الحمد لله فاطر الخلق، وفالق الإصباح، وناشر الموتى، وباعث من في القبور، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأوصيكم بتقوى الله، فإن أفضل ما توسل به العبد الإيمان والجهاد في سبيله، وكلمته الإخلاص، فإنها الفطرة، وإقام الصلاة، فإنها الملة، وإيتاء الزكاة، فإنها من فريضته، وصوم شهر رمضان، فإنه جنة من عذابه، وحج البيت، فإنه منفاة للفقر، مدحضة للذنب، وصلة الرحمن فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبة في الأهل، وصدقة السر، فإنها تكفر الخطيئة وتطفيء غضب الرب، وصنع المعروف، فإنه يدفع ميتة السوء وبقي مصارع الهول. أفيضوا في ذكر الله، فإنه أحسن الذكر. وارغبوا فيما وعد المتقون، فإن وعد الله أصدق الوعد. واقتدوا بهدي نبيكم ﷺ . فإنه أفضل الهدي، واستنوا بسنته فإنها أفضل السنن.

стр. 1466

وتعلموا كتاب الله، فإنه أفضل الحديث، وتفقهوا في الدين، فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره، فإنه شفاء لما في الصدور، وأحسنوا تلاوته، فإنه أحسن القصص. وإذا قريء عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه، من هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما مضلل مثبور (١). لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا. ألا وإن من الحزم أن تثقوا، ومن الثقة ألا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه. من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخف ويندم. ثم سلوا الله اليقين، وارغبوا إليه في العافية. وخير ما دام في القلب اليقين. إن عوازم الأمور أفضلها (٢). وإن محدثاتها شرارها، وكل محدث بدعة، وكل محدث مبتدع، ومن ابتدع فقد ضيع، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة. المغبون من غبن دينه (٣)، والمغبون من خسر نفسه، وإن الرياء من الشرك، وإن الإخلاص من العمل والإيمان، ومجالس اللهو تنسى القرآن، ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كل غي. ومجالسة النساء تزيغ القلوب، وتطمح إليها الأبصار، وهن مصائد الشيطان، فاصدقوا الله فإن الله مع من صدق، وجانبوا الكذب فإن الكذب مجانب للايمان. ألا إن الصدق على شرف (٤) منجاة وكرامة، وإن الكذب على شرف رديء وهلكة. ألا قولوا والحق تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من

стр. 1467

أهله، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم. وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذا عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب (١)، ولا تمازحوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً، وأعينوا الضعيف المظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب. وارحموا الأرملة (٢) واليتيم: وافشوا السلام. وردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب" وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيعوا الجنائز، وكونوا عباد الله إخواناً. (أما بعد) فإن السبقة (٣) الجنة، والغاية النار، ألا وإنكم في أيام مهل، من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص لله عمله في أيام مهله قبل حضور أجله. فقد أحسن عمله ونال أمله. ومن قصر عن ذلك (٤) فقد خسر عمله، وخاب أمله، وضره أمله. فاعملوا في الرغبة والرهبة. فإن نزلت بكم رغبة فاشكروا الله واجمعوا معها رهبة. وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله واجمعوا معها رغبة، فإن الله قد تأذن "أي أعلم" المسلمين بالحسنى، ومن شكر بالزيادة. وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ولا اكثر مكتسبا من شيء كسبه ليوم تدخر فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر (٥)، وتجتمع فيه الكبائر. وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل،

стр. 1468

ومن لا يستقيم به الهدي يجور به الضلال، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك، ومن لا ينفعه حاضرة فعازبه عنه أعور وغائبه عنه أعجز. وإنكم قد أمرتم بالظعْن , ودللتم على الزاد ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان: طول الأمل واتباع الهوى. فأما طول الأمل فينسى الآخرة. وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق. ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة , ولها بنون. فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، ولا ذكره ابن كثير (١). (٧٧) (٣٧) خطبة جامعة لسيدنا على رضى الله عنه وخطب كرم الله وجهه سنة ٤٠ فقال: الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره. وسبباً للمزيد من فضله، ودليلا على آلائه وعظمته. عباد الله: إن الدهر يجرى بالباقين كجريه بالماضين. لا يعود ما قد ولي منه، ولا يبقي سرمداُ ما فيه، آخر فعاله كأوله، متسابقة أموره، متظاهرة أعلامه. فكأنكم بالساعة تحدوكم حد الزاجر بشوله، فمن شغل نفسه بغير نفسه تحير في الظلمات، وارتبك في الهلكات، ومدت به شياطينه في طغيانه، وزينت له سيئ أعماله؛ فالجنة غاية السابقين، والنار غاية المفرطين. واعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا، وباليقين تدرك الغاية القصوى.

стр. 1469

عباد الله. الله في أعز الأنفس عليكم، وأحبكم، فإن الله قد أوضح لكم سبيل الحق. وأنا طرقه؛ فشقوة لازمة، أو سعادة دائمة. فتزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء، قد دللتم على الزاد، وأمرتم بالظعن، وحثثتم على المسير؛ فإنما أنتم كركب وقوف لا تدرون متى تؤمرون بالمسير؛ ألا فما يصنع بالدنيا من خلق للآخرة، وما يصنع بالمال من عما قليل يسبه وتبقي عليه تبعته وحسابه. عباد الله: أنه ليس لما وعد الله من الخير مترك. ولا فيما نهي عنه من الشر مرغب. عباد الله احذروا يوماً تفحص فيه الأعمال، ويكثر فيه الزلزال. ويشيب فيه الأطفال. اعلموا عباد الله أن عليكم رصداً من أنفسكم، وعيوناً من جوارحكم. وحفاظ صدق يحفظون أعمالكم، وعدد أنفسكم. لا تستركم منهم ظلمة ليل داج، ولا يكنكم منهم باب ذور تاج، وإن غداً من اليوم قريب، يذهب اليوم بما فيه، ويجئ الغد لا حقاً به. فكأن كل امرئ منكم قد بلغ من الأرض منزل وحدته ومخط حفرته، فياله من بيت وحدة ومنزل وحشية ومفرد غربة. وكأن الصيحة قد أتتكم، والساعة قد غشيتكم، وبرزتم لفصل القضاء. قد زاحت عنكم الأباطيل، واضمحت عنكم العلل، واستحقت بكم الحقائق، وصدرت بكم الأمور مصادرها. فاتعظوا بالعبر، واعتبروا بالغير وانتفعوا بالنذر. ذكره في النهج (١) (٧٨) (٣٨) خطبة لعلى ﵁ في الرجاء والخوف والصبر. وخطب أيضا فقال: أيها الناس: احفظوا عنى خمساً، فلو شددتم إليها المطايا حتى تضمنوها لم تظفروا بمثلها: ألا لا يرجون أحدكم إلا ربه ,

стр. 1470

ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم. ألا وإن الخامسة الصبر , فإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. من لا صبر له لا إيمان له. ومن لا رأس له لا جسد له. ولا خير في قراءة إلا بتدبير، ولا في عبادة إلا بتفكير، ولا في حلم إلا بعلم. ألا أُنبئكم بالعالم كل العالم؟ من لا يزين لعباد الله معاصي الله، ولم يؤمنهم مكره، ولم ييئسهم من روحه ولا تنزلوا المطيعين الجنة، ولا المذنبين الموحدين النار حتى يقضي الله فيهم بأمره. لا تأمنوا على خير هذه الأمة عذاب الله. فإنه يقول: (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). ولا تقنطوا شر هذه الأمة من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ذكره ابن عبد ربه (١). (٧٩).

стр. 1471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1473

(٣٩) آخر خطبة لسيدنا الحسين رضى الله عنه خطب رضى الله عنه فى اليوم الذى استشهد فيه (١) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عباد الله: اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقى عليها أحد، لكانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضاء، وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهر، والنزلة تلعة، والدار قلعة (٢) ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). (٨٠). (٤٠) خطبة جامعة لسيدنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال بعد حمد اله والثناء عليه: إن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم صلى الله عليه سلم، واحسن السنن سنة محمد ﷺ ، وخير الهدى هدى الأنبياء، واشرف الحديث ذكر الله، وخير القصص القرآن، وخير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها، وما قل وكفى خير مما كثر والهى، وشر الندامة ندامة القيامة، وشر الضلالة الضلالة

стр. 1474

بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما ألقى فى القلب اليقين، والريب من الكفر، وشر العمى عمى القلب، والخمر جماع كل إثم، والنساء حبالة (١) الشيطان، والشباب شعلة من الجنون، والنوح من عمل الجاهلية، ومن الناس من لا يأتى الجماعة إلا دبراً، ولا يذكر الله إلا هجراً (٢)، وأعظم الخطايا الكذب، وسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه (٣) معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله، وشر المكاسب كسب الربا، وشر الأكل أكل مال اليتيم، والشقى من شقى فى بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، وإنما يكفى أحدكم ما قنعت به نفسه (٤)، وإنما يصير إلى أربعة أذرع، والأمور بعواقبها، وملاك العمل خواتيمه، وأشرف الموت الشهادة، ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره، ومن يستكبر يضعه الله، ومن يطع الشيطان يعص الله، ومن يعص الله يعذبه. اخرجه أبو نعيم فى الحلية. (٨١).

стр. 1475

(٤١) خطبة لمعاوية بن أبى سفيان فى التقوى خطب الجمعة فى يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال: إن الله خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ قوموا إلى صلاتكم. ذكره ابن عبد ربه (١). (٨٢). (٤٢) خطبة لعبد الله بن الزبير فى الحث على العمل خطب فى موسم الحج، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإنكم جئتم من آفاق شتى، وفوداً إلى الله ، فحق على الله أن يكرم وفده، فمن كان جاء يطلب ما عند الله فإن طالب الله لا يخيب، فدقوا قولكم بفعل فإن ملاك القول الفعل، والنية النية، القلوب القلوب. الله الله فى أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب. جئتم من آفاق شتى فى غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا ترجونها. ذكره أبو نعيم. (٨٣). (٤٣) خطبة لسحبان بن زفر فى العمل للآخرة خطب سنة ٥٤ هـ فقال: إن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار. أيها الناس: فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم. وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها ابدانكم، ففيها حييتم ولغيرها خلقتم. إن الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقال الملائكة: ما قدم لله؟ قدموا بعضاً يكون لكم، ولا تخلفوا كلا يكون عليكم. (٨٤).
следующие страницы →