← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1473

(٣٩) آخر خطبة لسيدنا الحسين رضى الله عنه خطب رضى الله عنه فى اليوم الذى استشهد فيه (١) فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عباد الله: اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر، فإن الدنيا لو بقيت على أحد أو بقى عليها أحد، لكانت الأنبياء أحق بالبقاء، وأولى بالرضاء، وأرضى بالقضاء، غير أن الله تعالى خلق الدنيا للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحل، وسرورها مكفهر، والنزلة تلعة، والدار قلعة (٢) ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣). (٨٠). (٤٠) خطبة جامعة لسيدنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال بعد حمد اله والثناء عليه: إن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرى كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم صلى الله عليه سلم، واحسن السنن سنة محمد ﷺ ، وخير الهدى هدى الأنبياء، واشرف الحديث ذكر الله، وخير القصص القرآن، وخير الأمور أوساطها، وشر الأمور محدثاتها، وما قل وكفى خير مما كثر والهى، وشر الندامة ندامة القيامة، وشر الضلالة الضلالة

стр. 1474

بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما ألقى فى القلب اليقين، والريب من الكفر، وشر العمى عمى القلب، والخمر جماع كل إثم، والنساء حبالة (١) الشيطان، والشباب شعلة من الجنون، والنوح من عمل الجاهلية، ومن الناس من لا يأتى الجماعة إلا دبراً، ولا يذكر الله إلا هجراً (٢)، وأعظم الخطايا الكذب، وسباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه (٣) معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يغفر الله له، ومن يصبر على الرزية يعقبه الله، وشر المكاسب كسب الربا، وشر الأكل أكل مال اليتيم، والشقى من شقى فى بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره، وإنما يكفى أحدكم ما قنعت به نفسه (٤)، وإنما يصير إلى أربعة أذرع، والأمور بعواقبها، وملاك العمل خواتيمه، وأشرف الموت الشهادة، ومن يعرف البلاء يصبر عليه، ومن لا يعرفه ينكره، ومن يستكبر يضعه الله، ومن يطع الشيطان يعص الله، ومن يعص الله يعذبه. اخرجه أبو نعيم فى الحلية. (٨١).

стр. 1475

(٤١) خطبة لمعاوية بن أبى سفيان فى التقوى خطب الجمعة فى يوم صائف شديد الحر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله ﷺ ، ثم قال: إن الله خلقكم فلم ينسكم، ووعظكم فلم يهملكم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ قوموا إلى صلاتكم. ذكره ابن عبد ربه (١). (٨٢). (٤٢) خطبة لعبد الله بن الزبير فى الحث على العمل خطب فى موسم الحج، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فإنكم جئتم من آفاق شتى، وفوداً إلى الله ، فحق على الله أن يكرم وفده، فمن كان جاء يطلب ما عند الله فإن طالب الله لا يخيب، فدقوا قولكم بفعل فإن ملاك القول الفعل، والنية النية، القلوب القلوب. الله الله فى أيامكم هذه فإنها أيام تغفر فيها الذنوب. جئتم من آفاق شتى فى غير تجارة ولا طلب مال ولا دنيا ترجونها. ذكره أبو نعيم. (٨٣). (٤٣) خطبة لسحبان بن زفر فى العمل للآخرة خطب سنة ٥٤ هـ فقال: إن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار. أيها الناس: فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من لا تخفى عليه أسراركم. وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها ابدانكم، ففيها حييتم ولغيرها خلقتم. إن الرجل إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقال الملائكة: ما قدم لله؟ قدموا بعضاً يكون لكم، ولا تخلفوا كلا يكون عليكم. (٨٤).

стр. 1476

(٤٤) خطبة لعبد الملك بن مروان فى الرغبة والرهبة خطب سنة ٨٦ هـ فقال بعد أن حمد الله واثنى عليه: أيها الناس: اعملوا الله رغبة ورهبة؛ فإنكم نبات نعمته، وحصيد نقمته، ولا تغرس لكم الآمال إلا ما تجتنيه الآجال. وأقلوا الرغبة فيما يورث العطب، فكل ما تزرعه العاجلة تقلعه الآجلة. واحذروا الجديدين فهما يكران عليكم، وعلى أثر من سلف يمضى من خلف، فتزودوا فإن خير الزاد التقوى. (٨٥). (٤٥) خطبة لعمر بن عبد العزيز فى النصيحة والتوبة خطب يوماً فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس: إنما الدنيا أمل مخترم، وأجل منتقض، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرأً فكر فى أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه، ونور قلبه. أيها الناس: قد علمتم أن أباكم قد خرج من الجنة بذنب واحد (١) وإن ربكم وعد على التوبة، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربه على أمل. (٨١). (٤٦) خطبة له فى الاتباع خطب يوماً فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد) أيها الناس: إنه ليس بعد نبيكم ﷺ نبى، وليس بعد الكتاب الذى أُنزل عليه كتاب، فما أحل الله على لسان نبيه فهو

стр. 1477

حلال إلى يوم القيامة، وما حرم الله على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة. ألا إنى لست بقاض ولكنى منفذ لله، ولست بمبتدع ولكنى متبع. ألا إنه ليس لأحد أن يطاع فى معصية الله . ألا إنى لست بخيركم، وإنما أنا رجل منكم، غير أن الله جعلنى اثقلكم حملا. أيها الناس: إن أفضل العبادة أداء الفرائض، واجتناب المحارم، أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم. (٨٧). (٤٧) آخر خطبة لعمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس: إنكم لم تخلقوا عبثاً ولم تخلقوا سدى، وإن لكم معاداً يحكم الله بينكم فيه. فخاب وخسر من خرج من رحمة الله التى وسعت كل شئ، وحرم جنة عرضها السموات والأرض. واعلموا أن الأمان غداً لمن خاف اليوم، وباع قليلا بكثير وفانياً بباق، ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيخلفها من بعدكم الباقون حتى يرد إلى خير الوارثين، ثم إنكم فى كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله قد قضى نحبه وبلغ أجله، ثم تغيبونه فى صدع (١) من الأرض، ثم تدعونه غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب وواجه الحساب، غنياً عما ترك، فقيراً إلى ما قدم، وايم الله إنى لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم أكثر مما عندى، فاستغفر الله لى ولكم، وما تبلغنا حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها، ولا أحد منكم إلا وردت أنيده مع يدى ولحمتى (٢) الذين يلوننى حتى يستوى عيشنا وعيشكم، وايم الله إنى لو أردت غير هذا من عيش او غضارة (٣) لكان

стр. 1478

اللسان به ناطقاً ذلولا عالماً بأسبابه، ولكنه مضى من الله كتاب ناطق وسنة عادلة، دل فيها على طاعته، ونهى عن معصيته، ثم بكى فتلقى دموع عينيه بردائه ونزل، فلم يعد بعدها على تلك الأعواد حتى قبضه الله تعالى. (٨٨). (٤٨) خطبة جامعة للحسن البصرى قال بعد حمد الله والثناء عليه: يا بن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعاً، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعاً. يا بن آدم إذا رأيت الناس فى الخير فنافسهم فيه، وإذا رايتهم فى الشر فلا تغبطهم عليه، الثواء (١) ههنا قليل، والبقاء هناك طويل، أُمتكم آخر الأمم وأنتم آخر أُمتكم، وقد أسرع بخياركم، فماذا تنتظرون؟ هيهات هيهات، ذهبت الدنيا بحاليها، وبقيت الأعمال قلائد فى أعناق بنى آدم، فيالها موعظة لو وافقت من القلوب حياة. أما إنه والله لا أُمة بعد أُمتكم، ولا بنى بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأولكم أن يلحقه أخركم. من رأى محمداً ﷺ فقد رآه غادياً رائحاً، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة. فالوحاء الوحاء (٢)، والنجاء النجاء، علام تعرجون؟ (٣) أُوتيتم ورب الكعبة. قد أسرع بخياركم أنتم فى كل يوم ترذولون (٤) فماذا تنتظرون؟ إن الله تعالى بعث محمداً ﷺ على علم منه، اختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته من خلقه، ورسوله إلى

стр. 1479

عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعاً ينظر إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتاً وبلغة (١). ثم قال: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ (٢) فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. خذوا صفا الدنيا، وذروا كدرها، فليس الصفو ما عاد كدراً، ولا الكدر ما عاد صفواً، دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم. ظهر الجفاء، وقلت العلماء، وعفت السنة، وشاعت البدعة. لقد صحبت أقواماً ما كانت صحبتهم إلا قرة العين وجلاء الصدور. مالي اسمع حسيساً، ولا أرى أنيساً. ذهب الناس وبقى النسناس (٣). قال ابن الخطاب: رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوينا. اعدوا الجواب فإنكم مسئولون. المؤمن من لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكنه أخذه من قبل ربه. إن الحق قد جهد أهله، وحال بينهم وبين شهواتهم، وما يصبر عليه إلا من عرف فضله، ورجا عاقبته. فمن حمد الدنيا دم الآخرة، وليس يكره لقاء الله إلا مقيم على سخطه.

стр. 1480

يا بن آدم: الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر فى القلوب وصدقه العمل (١). (٨٩). (٤٩) خطبة لخالد بن عبد الله القسيرى فى المكارم خطب بواسط (٢) سنة ١٢٦ هـ، فحمد الله وصلى الله على نبيه ﷺ ، ثم قال: أيها الناس: نافسوا في المكارم، وسارعوا إلى المغانم، واشتروا الحمد بالجود، ولا تكسبوا بالمطل (٣) ذماً، ولا تعتدوا بالمعروف ما لم تعجلوه، ومهما يكن لأحد منكم عند أحد نعمة فلم يبلغ شكرها، فالله أحسن لها جزاءً وأجزل عليها عطاءً. واعلموا أن حوائج الناس إليكم نعمة من الله عليكم، فلا تملوا النعم فتحولوها نقماً. واعلموا أن أفضل المال ما أكسب أجراً، وأورث ذكراً، ولو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه حسناً جميلا يسر الناظرين. ولو رأيتم البخل رجلا رأيتموه مشوهاً قبيحاً تنفر عنه القلوب وتغضي عنه الأبصار. أيها الناس: إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعظم الناس عفواً من عفا عن قدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه، ومن لم يطب

стр. 1481

حرثه لم يزك نبته، والأصول عن مغارسها تنمو، وبأولها تسمو. أقول قولي هذا واستغفر الله لى ولكم. (٩٠). (٥٠) خطبة جامعة لواصل بن عطاء في سنة ١٣١ هـ خطب خطبة خالية من الراء فقال: الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يئوده حفظ ما خلق (١)، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعاً، وعدّ له اصطناعاً، فأحسن كل شئ خلقه، وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شئ لعظمته، وذل كل شئ لسلطانه، ووسع كل شئ علماً، لا يعزب عنه مثقال حبة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، إلهاً تقدست أسماؤه، وعظمت آلاؤه، وعلا عن فات كل مخلوق، وتزه عن شبيه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الإفهام، يُعصى فيحلم، ويُدعى فيسمع، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. وأشهد شهادة حق، وقول صدق، بإخلاص نية وصحة طوية، أن محمد ابن عبد الله عبده ورسوله، ونبيه وصفيه، ابتعثه إلى خلقه بالبينة والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته (٢) ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم ماضياً على سنته، موفياً على قصده (٣) حتى أتاه اليقين، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد، أفضل وأزكى

стр. 1482

وأتم وأنمى وأجلّ وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد مجيد. أُوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله، والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، وأحضكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة فى معاد، ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها وفواتن لذاتها، وشهوات آمالها. فإنها متاع قليل ومدة إلى حين، وكل شئ منها يزول، فكم عاينتم من أعاجيبها؟ وكم نبت لكم من حبائلها؟ وأهلكت من جنح إليها واعتمد عليها، أذاقتهم حلواً، ومزجت لهم سماً. أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب (١) وأعدوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد؟ (٢) قبضتهم بمحملها، وطحنتهم بكلكلها (٣) وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقاً، ومن العزة ذلا، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، واصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم نبساً (٤)، فتزودوا عافاكم الله، فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا الله يا أولى الألباب لعلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، ومنن يستمع القول فيتبع أحسنه. أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب. إن أحسن قصص المؤمنين،

стр. 1483

وابلغ مواعظ المتقين، كتاب الله الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلى عليكم فأنصتوا له واسمعوا لعلكم تفلحون. أعوذ بالله القوى من الشيطان الغوى، إن الله هو السميع العليم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾. نفعنا الله وغياكم بالكتاب الحكيم، والوحى المبين، وأعادنا وإياكم من العذاب الأليم، وأدخلنا وإياكم جنة النعيم. (٩١). (٥١) خطبة جامعة للمهدى خطب سنة ١٦٩ هـ فقال: الحمد لله الذي ارتضى الحمد لنفسه، ورضى به من خلقه. أحمده على آلائه، وأمجده لبلائه، واستعينه وأومن به وأتوكل عليه توكل راض بقضائه، وصابر لبلائه، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله إلى خلقه وأمينه على وحيه. أرسله بعد انقطاع الرجاء، وطموس العلم، واقتراب من الساعة، إى أمة جاهلية مختلفة أمية، أهل عداوة وتضاغن، وفرقة وتباين. قد استهوتهم شياطينهم، وغلب عليهم قرناؤهم؛ فاستشعروا الردى (١) وسلكوا العمى، يبشر من أطاعه بالجنة وكريم ثوابها، وينذر من عصاه بالنار وأليم ﴿عقابها لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة (٢) وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن الاقتصار عليها سلامة، والترك لها ندامة، وأحثكم على إجلال عظمته، وتوقير كبريائه وقدرته، والإنهاء إلى ما يقرب من رحمته، وينجى من سخطه، وينال به ما لديه من كريم الثواب،

стр. 1484

وجزيل المآب. فاجتنبوا ما خوفكم الله من شديد العقاب، واليم العذاب، ووعيد الحساب، يوم توقفون بين يدي الجبار، وتعرضون فيه على النار ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (١) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾ (٢) ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (٣) ﴿وَاخْشَوْا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾ (٤)، فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلب وانتقال. قد أفنت من كان قبلكم، وهى عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ركن إليها رعته، ومن وثق بها خانته، ومن أملها كذبته، ومن رجاها خذلته. عزها ذل، وغناها فقر، والسعيد من تركها، والشقى فيها من آثرها، والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها. فالله الله عباد الله، والتوبة مقبولة، والرحمة مبسوطة، وبادروا بالأعمال الزكية فى هذه الأيام الخالية قبل أن يؤخذ بالكظم (٥)، وتندموا فلا تنالون الندم، فى يوم حسرة وتأسف وكآبة وتلهف، يوم ليس كالأيام، وموقف ضنك المقام. إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة كتاب الله، يقول الله ﵎:

стр. 1485

﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ﴾.إلخ السورة (٢). أُوصيكم عباد الله بما أوصاكم الله به، وأنهاكم عما نهاكم عنه، وأرضى لكم طاعة الله، وأستغفر الله لى ولكم. (٩٢).

стр. 1486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1488

(٥٢) خطبة جامعة لهارون الرشيد خطب سنة ١٩٣ هـ فقال: الحمد لله نحمده على نعمه، ونستعينه على طاعته، ونستنصره على أعدائه، ونؤمن به حقاً، ونتوكل عليه مفوضين إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. بعثه على فترة من الرسل، ودروس (١) من العلم، وأدبار من الدنيا، وإقبال من الآخرة. بشيراً بالنعيم المقيم، ونذيراً بيم يدي عذاب أليم، فبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله، فأدى عن الله وعده ووعيده حتى أتاه اليقين. فعلى النبي من الله صلاة ورحمة وسلام. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإن في التقوى تكفير السيئات، وتضعيف الحسنات، وفوزاً بالجنة، ونجاة من النار، وأُحذركم يوماً تشخيص فيه الأبصار، وتعلن فيه الأسرار، يوم البعث ويوم التغابن (٢)، ويوم التلاق، ويوم التناد (٣)، يوم لا يستعتب فيه من سيئة (٤) ولا يزداد من حسنة، يوم

стр. 1489

الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين. ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور (١)، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. عباد الله: إنكم لم تخلفوا عبثاً، ولن تتركوا سدى. حصنوا إيمانكم بالأمانة، ودينكم بالورع، وصلاتكم بالزكاة، فقد جاء فى الخبر أن النبى صلى اله عليه وسلم قال: " لا إيمان لمن لا أمانة له (٢) ولا دين لمن لا عهد له (٣)،

стр. 1490

ولا صلاة لمن لا زكاة له". إنكم سفر مجتازون، وأنتم عن قريب تنتقلون من دار فناء إلى دار بقاء. فسارعوا إلى المغفرة بالتوبة، وإلى الرحمة بالتقوى، وإلى الهدى بالإنابة، فإن الله تعالى ذكره أوجب رحمته للمتقين، ومغفرته للتائبين، وهداه للمنيبين. قال الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (١). وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (٢). وإياكم والأمانى، فقد عزت وأردت وأوبقت كثيراً حتى أكذبتهم مناياهم، فتناشوا التوبة (٣) من مكان بعيد، وحيل بينهم وبين ما يشتهون. فأخبركم ربكم عن المثلات فيهم (٤)، وصرف الآيات (٥)، وضرب الأمثال؛ فرغب بالوعد، وقدم إليكم الوعيد، وقد رأيتم وقائعه بالقرون الخوالى جيلا فجيل، وعهدتم الآباء والأبناء والأحبة والعشائر باختطاف الموت إياهم من بيوتكم وبين أظهركم، لا تدفعون عنهم ولا تحولون دونهم، فزالت عنهم الدنيا، وانقطعت بهم الأسباب، فأسلمتم إلى أعمالهم عند المواقف والحساب والعقاب ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا

стр. 1491

وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾. إن أحسن الحديث وابلغ الموعظة كتاب الله. يقول اللع : ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. إنه هو السميع العليم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.آمركم بما أمركم الله به، وأنهاكم عما نهاكم عنه، وأستغفر الله لى ولكم. (٩٣). (٥٣) خطبة جامعة للمأمون خطب سنة ٢١٨ هـ فقال: الحمد لله مستخلص الحمد لنفسه، ومستوجبه على خلقه، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أوصيكم عباد الله بتقوى الله وحده، والعمل لما عنده والتنجز لوعده؟ والخوف لوعيده، فإنه لا يسلم إلا من اتقاه ورجاه، وعمل له وأرضاه. فاتقوا الله عباد الله، وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى بما يزول عنكم، واستعدوا للموت فقد أظلكم (٢)، وكونوا قوماً صيح بهم فانتبهوا، واعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا (٣) فإن الله لم يخلقكم عبثاً، ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة والنار إلا الموت أن ينزل به، وأن غاية تنقصها اللحظة، وتهدمها الساعة الواحدة،

стр. 1492

لجديرة بقصر المدة، وإن غائباً يحدوه الجديدان (١) الليل والنهار، لحرى بسرعة الأوبة، وإن قادماً يحل بالفوز أو بالشقوة، لمستحق لأفضل العدة، فاتقى عبد ربه ونصح نفسه، وقدم توبته وغلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به، يزين له المعصية ليركبها، ويمينه التوبة ليسوفها حتى تهجم عليه منيته أغفل ما يكون عنها، فيالها حسرة على ذى غفلة أن يكون عمره عليه حجة، أو تؤديه أيامه على شقوة. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن لا تبطره نعمة (٢)، ولا تقصر به عن طاعته غفلة، ولا تحل به بعد الموت فزعة. إنه سميع الدعاء وبيده الخير. وإنه فعال لما يريد. (٩٤). مغزى الخطب السابقة (فهذه) ثلاث وخمسون خطبة، منها سبع عشرة خطبة للنبى ﷺ ، وهى كما ترى تدور على بيان أصول العقائد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما فيه من الجنة والنار وغيرهما، وعلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعده لعدائه وأهل معصيته، وعلى ما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعده لعدائه وأهل معصيته؛ فتملئ القلوب من خطبته ﷺ -إيماناً وتوحيداً ومعرفة بالله تعالى -فهى لا كخطب غيره التى إنما تفيد أموراً مشتركة بين الخلائق، وهى النوح على الحياة، والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل فى القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته، والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون. وتقسم أموالهم، ويبلى التراب أجسامهم. فياليت شعرى أي إيمان حصل بهذا؟ وأى توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل به؟ ومن تأمل خطب النبى ﷺ وخطب أصحابه، وجدها

стр. 1493

كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الله ﷻ ، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه تعالى التى تحببه إلى خلقه، وايامه التى تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذى يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته واسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد وخفى نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوماً تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به؛ فجعلوا الرسوم والأوضاع سنناً لا ينبغى الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التى لا ينبغى الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر؛ فنقص بل عدم حظ القلوب منها، وفات المقصود بها (١). هدى الصدر الأول فى الخطابة كانت الخطب فى الصدر الأول لها المكانة العالية والمقام الأسمى. كانوا ينتقون من جواهر الألفاظ أعذبها وأظرفها أحلاها، ومن المعانى ارقها وأدقها وأغلاها، وكانوا يضمنونها آيات من كتاب الله تعالى لتزداد حلاوة وطلاوة، حتى إنه ليعاب على خطبة ليس فيها آية من القرآن الكريم. بلغت زمن الخلفاء الراشدين عنفوان شبابها (٢)، فإن القرآن بما اشتمل عليه من أبدع الأساليب، أعانهم على الخوض فى عباب التفنن فى دائرة الإرشادات الجاذبة بمغناطيسها الأفئدة. وكانوا لا يتقيدون بوقت، بل كلما دعت الحاجة اجتمعوا، فألقيت عليهم استشارة أو وعظ أو تذكير أو إعلان أمر ... إلخ. كان الخطيب إذا قام لأمر ما سحر الألباب، وملك بمرصعات المواعظ ما لا يملك بمرهفات السيوف والرماح (٣) يؤلف بين من تفرق، ويسكن

стр. 1494

الفتن، ويزيل المخاصمات، ويقطع المنازعات، يقيمهم إن شاء الله، ويقعدهم إن أراد بقوة اقتداره وشدة تأثيره. وكانت الخطابة يقوم بها الخلفاء الراشدون والرؤساء العظام، وكانت موضع احترام. كان يخطب الخطيب قائماً إلا خطبة النكاح، آخذاً بيده عصاً أو مختصرة أو قناة (١) أو غير ذلك. فلما جاءت الدولة المروانية واستولى الترف (٢) وعمّ، وتولى كرسى المملكة الوليد بن عبد الملك بن مروان، بدأ يخطب- وااسفاه- جالساً، ترفعاً منه واستهانة بهذا الموقف الجليل. ومن هذا أخذت الخطابة فى الاضمحلال والتلاشى، فكان آخر خطيب آجاد من أئمة الإسلام المأمون بن هارون الرشيد من خلفاء الدولة العباسية، وترك الملوك الخطابة ووكلوا أمرها كغيرها من الأمور لغيرهم، فصارت منحطة القدر بعد الرفعة، وموضع الاستهانة بعد التجلة، تولاها أناس ما قدروها حق قدرها، وما دروا المقصود منها بجهالتهم المطبقة، حتى إنك لو طالبت أحدهم بتغيير الخطة المتبعة بما يستدعيه الزمان، ما أجابك إلا بقوله: لا يمكن للنفوس الآن أن تتزحزح هن غيها، وإن الخطب الآن هى من قبيل الرسوم، فلا حول ولا قوة إلا بالله (٣). (٤) الجماعة فى الجمعة يشترط لصحة الجمعة أن تكون فى جماعة، وعليه أجمع العلماء، إلا أنهم اختلفوا فىالعدد الذى تنعقد به الجمعة (فقال) ابو حنيفة ومحمد والأوزاعى والثورى: أقله ثلاثة سوى الإمام، واختاره المزنى والسيوطى، لأن الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، لأنه جمع تسمية ومعنى، ولأن قوله تعالى فى الآية:

стр. 1495

"فاسعوا" يقتضى ساعين. وأقل الجمع ثلاثة. وقوله " إلى ذكر الله " يقتضى ذاكراً يسعى إليه وهو الإمام. ويؤيده ما روى عن طارق بن شهاب أن النبى ﷺ قال: الجمعة حق واجب على كل مسلم جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو صبى، أو مريض، أو امرأة. أخرجه أبو داود والبيهقى والدارقطنى، وصححه غير واحد (١). [٢٢٦]. قال أبو داود: طارق قد رأى النبى ﷺ ولم يسمع منه شيئاً. وقال البيهقى: هذا الحديث مرسل جيد. وقال النووى: هذا على شرط الشيخين. (وجه) الدلالة منه أنه أطلق الجماعة، فشمل كل ما يسمى جماعة، وذلك صادق بثلاثة غير الإمام. ويشترط أن يكونوا ممن تصح إمامتهم. (وقال) أبو يوسف والليث: أقل الجماعة اثنان سوى الإمام، لأن فى المثنى اجتماع واحد بآخر، والجمعة مشتقة من الجماعة، وفى اثنين اجتماع لا محالة. (وقالت) المالكية: أقل الجماعة التى تنعقد بهم الجمعة اثنا عشر رجلا سوى الإمام ممن تجب عليهم الجمعة، بأن يكونوا ذكورا بالغين أحراراً مقيمين مستوطنين بنية التأييد، لحديث جابر: ان النبى ﷺ كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس غليها حتى لم يبق غلا اثنا عشر رجلا (الحديث) أخرجه أحمد والشيخان والترمذى وصححه، وهذا لفظ مسلم (٢). [٢٢٧].

стр. 1496

(وجه) الدلالة أن العدد المعتبر فى الابتداء يعتبر فى الدوام، فلما لم تبطل الجمعة بانفضاض الزائد على اثنى عشر، دل على أن هذا العدد كاف. (ورد) بأنه إنما يدل على صحتها باثني عشر، ولا يدل على أنها لا تصح بدون هذا العدد، فإن هذه واقعة عين أكثر ما فيها أنهم انفضوا وبقى اثنا عشر رجلا وتمت بهم الجمعة، وليس فيها انه لو بقى اقل من هذا العدد لم تتم بهم. أفاده السيوطى (١) (وقالت) الشافعية والحنبلية وإسحاق: اقل عدد تنعقد به الجمعة أربعون بالإمام. (واحتجوا) بأحاديث ضعيفة. وأقرب ما يحتج به ما تقدم عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه قال: أسعد بن زرارة أول من جمع بنا فى نقيع الخضمات. قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون (٢). (وجه) الدلالة أن الأمة أجمعت على اشتراط العدد فى الجمعة، فلا تصح إلا بعدد ثبت فيه التوقيف. وقد ثبت جوازها بأربعين، فلا يجوز بأقل منه إلا بدليل صريح. وتقدم أن النبي ﷺ قال: صلوا كما رأيتموني أُصلى (٣). ولم تثبت صلاته بأقل من أربعين. (ورد) بأنه لا دلالة فيه على اشتراط الأربعين، لأن هذه واقعة عين، وذلك أن الجمعة فرضت على النبى ﷺ وهو بمكة قبل الهجرة، فلم يتمكن من إقامتها هناك من أجل الكفار؛ فلما هاجر من هاجر من أصحابه إلى المدينة كتب إليهم يأمرهم أن يجمعوا فجمعوا، واتفق أن عدتهم إذ ذاك كانت أربعين. وليس فيه ما يدل على أن من دون الأربعين لا تنعقد بهم الجمعة.

стр. 1497

وقد تقرر فى الأصول أن الأعيان لا يحتج بها على العموم. وقولهم: لم يثبت أنه ﷺ صلى الجمعة بأقل من أربعين، يرده: (أ) حديث الانفضاض السابق، فإنه أتمها باثنى عشر. فدل ذلك على أن تعيين الربعين لا يشترط. (ب) ما تقدم عن أبى مسعود الأنصارى قال: أول من قدم من المهاجرين إلى المدينة مصعب بن عمير، وهو أول من جمع بها يوم الجمعة، جمعهم قبل أن يقدم رسول الله ﷺ ، وهم اثنا عشر رجلا (١). (واغرب) من ذلك استدلال البيهقى بقول ابن مسعود: جمعنا رسول الله ﷺ وكنت آخر من أتاه ونحن أربعون رجلا، فقال: إنكم مصيبون ومنصورون ومفتوح لكم، فمن أدرك ذلك فليتق الله، وليأمر بالمعروف، ولينه عن المنكر، وليصل الرحم (٢). [٢٢٨]. (فاستدلاله) بهذا فى غاية العجب، لان هذه واقعة قصد فيها النبى ﷺ ان يجمع أصحابه ليبشرهم، فاتفق أن اجتمع له منهم هذا العدد، فهل يظن انه لو حضر اقل منهم لم يفعل ما دعاهم لأجله؟ وتمامه فى الحاوى (٣). (وروى) عن أحمد وعمر بن عبد العزيز أنها لا تصح إلا بخمسين (لحديث) أبى أمامة أن نبى الله ﷺ قال: الجمعة على الخمسين رجلا وليس على ما دون الخمسين جمعة. أخرجه الدارقطنى والطبرانى (٤). [٢٢٩]. وفيه جعفر بن الزبير متروك ضعيف جداً. فالحديث ضعيف. وعلى فرض صحته فهو محتمل للتأويل، لأن ظاهره أن هذا العدد شرط للوجوب لا شرط للصحة. ولا يلزم من عدم وجوبها على ما دون الخمسين عدم صحتها منهم.

стр. 1498

(وقال) ابن حزم وداود والنخعى: تنعقد بواحد مع الإمام. (وحكى) عن المازرى انها لا تنعقد إلا بثمانين. ولا مستند لهذا. (قال) السيوطى: أما اشتراط ثمانين أو ثلاثين او عشرين أو تسعة أو سبعة، فلا مستند له ألبتة. وأما الذى قال باثنين، فإنه رأى العدد واجباً بالحديث والإجماع، رأى أنه لم يثبت دليل فىاشتراط عدد مخصوص، ورأى أن أقل العدد اثنان، فقال به قياساً على الجماعة. وهذا في الواقع دليل قوى لا ينقصه إلا نص صريح من رسول الله ﷺ بأن الجمعة لا تنعقد إلا بكذا أو بذكر عدد معين. وهذا لا سبيل إلى وجوده. وأما من قال بثلاثة، فإنه رأى العدد واجباً في حضور الجمعة كالصلاة، فشرط العدد في المأمومين المستمعين للخطبة، فإنه لا يحسن عد الإمام منهم وهو الذى يخطب ويعظ (١). وأما من قال بأربعة، فمستنده ما تقدم عن طارق بن شهاب (٢). ثم قال السيوطى: والحاصل أن الأحاديث والآثار دلت على اشتراط إقامتها في بلد يسكنه عدد كبير بحيث يصلح أن يسمى بلداً، ولم تدل على اشتراط ذلك العدد بعينه في حضورها لتنعقد، بل أى جمع أقاموها به صحت بهم. وأقل الجمع ثلاثة غير الإمام، فتنعقد بأربعة أحدهم الإمام. هذا ما أدانى الاجتهاد إلى ترجيحه. وقد رجح هذا القول المزنى (٣). (فائدة) الجماعة في الجمعة شرط انعقاد عند ابى يوسف ومحمد وهو يتحقق بالتحريمة. وشرط اداء عند أبى حنيفة والشافعى نوهو لا يتحقق إلا بإدراك ركعة، وشرط بقاء عند مالك وأحمد، وهو لا يتحقق إلا بتمام الصلاة

стр. 1499

وثمرة الخلاف انه إن انصرف المأمومون أو بعضهم- ولم يبق مع الإمام ما تنعقد به الجماعة في الجمعة- قبل التحريمة، صلى الإمام الظهر اتفاقاً. وإن انصرفوا بعد التحريمة وقبل سجود الإمام لا تبطل جمعته، بل يتمها عند ابى يوسف ومحمد. وتبطل عند الأئمة الأربعة ويستأنفها ظهراً. وإن انصرفوا بعد سجود الإمام لا تبطل ويتمها جمعة عند ابى حنيفة وصاحبيه، وكذا عند الشافعية إن نووا المفارقة بعد تمام الركعة الأولى. وتبطل عند مالك وأحمد. (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: ويشترط بقاؤهم إلى السجدة الأولى عند ابى حنيفة، فلو نفروا قبلها او نقصوا يستقبل من بقى الظهر. وعندهما (يعنى الصاحبين) يشترط بقاؤهم إلى التحريمة، فلو نفروا بعدها يتم من بقى الجمعة. وعند زفر يشترط بقاؤهم إلى تمامها بالقعود قدر التشهد، فلو نفروا قبل ذلك يستأنف من بقى الظهر. للإمام (١) أن الجماعة شرط فلابد من دوامه كالوقت. وللصالحين (٢) أنها شرط للانعقاد، فلا يشترط دوامها كالخطبة. وأبو حنيفة يقول: نعم هى شرط للانعقاد، لكن انعقاد الصلاة وتحقق تمامه موقوف على وجود تمام الأركان، لأن دخول الشئ في الوجود بدخول جميع أركانه، فما لو يسجد فيها لا تسمى صلاة، ولذا لا يحنث بها لو لف لا يصلى، فكان ذهاب الجماعة قبل السجود كذهابهم قبل التكبير من جهة أنه عدمت الجماعة قبل تحقق مسمى الصلاة، بخلاف الخطبة، لأنها تنافى الصلاة، فلا يشترط دوامها إلى تحقق الصلاة. ولا عبرة ببقاء النسوان والصبيان، لأنها لا تنعقد بهم ابتداء، فكذا بقاء بخلاف العبيد وغيرهم من سائر من لا تجب عليه لما تقدم (٣).

стр. 1500

(٧) إمام الجمعة (١) يصح عند الحنفيين للذكر المكلف أن يكون إماماً في الجمعة وإن لم تفترض عليه لمرض أو سفر او رق، لأنه من أهل الإمامة. وسقوط الفرضية عنه رخصة (قال) الشيخ إبراهيم الحلبى: ويشترط كونهم- اى من تنعقد بهم الجمعة- رجالا عقلاء، فلا تنعقد بالنساء والصبيان. ولا يشترط كونهم أحراراً مقيمين، بل تنعقد بالعبيد والمسافرين، وتصح إمامتهم فيها أيضا، وكذا المرضى ونحوهم من المعذورين، خلافاً لزفر، فإنه قال: لا تصح إمامة من لا تجب عليه الجمعة فيها لسقوط وجوبها عنهم (ورد) بأن عدم الوجوب فهم كغيرهم، فتجوز إمامتهم كما تجوز إمامة غيرهم (٢). وقال ابن نجيم: لا يشترط في الإمام أن يكون هو الخطيب، فلو خطب صبى بإذن السلطان وصلى الجمعة رجل بالغ جاز (٣)، ويشترط عندهم أن يكون الإمام فيها ولى الأمر أو من أذن له في إقامتها كالقاضى والخطباء، لما تقدم عن أبى سعيد الخدرى أن النبى ﷺ قال: إن الله قد كتب عليكم الجمعة في مقامى هذا ... إلى أن قال: من تركها من غير عذر -مع إمام جائر او عادل- فلا جمع الله شمله، ولا بورك له في أمره (الحديث) (٤) وجه الدلالة أنه اشتراط في لزومها الإمام. (وقال) الحسن البصرى: أربع إلى السلطان، وذكر منها الجمعة والعيدين. ذكره الكمال ابن الهمام (٥). (٩٥). (وقال) ابن المنذر ك مضت السنة أن الذى يقيم الجمعة السلطان أو من

стр. 1501

أمره بها، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر، ولأنها تقام بجمع عظيم، إذ هى جامعة للجماعات المتفرقة في المساجد وفى غيرها، وقد تقع المنازعة في التقديم وفى التعجيل والتأخير، فلابد ممن له الولاية العامة والكلمة الفاصلة، حسماً للمنازعة المفضية إلى العداوة والفتنة، وإلى تفويت الجمعة غالباً. وعلى هذا كان السلف من الصحابة ومن بعدهم، حتى إن علياً إنما جمع أيام محاصرة عثمان بأمره (١). (وقالت) المالكية يشترط في الإمام شرطان: (الأول) أن يكون ممن تجب عليه الجمعة، ولو كان مسافراً نوى الإقامة أربعة أيام فلا قصد الخطبة؛ فإن أقام بقصد الخطبة فلا يصح أن يكون إماماً. (الثانى) أن يكون هو الخطيب، فلو صلى بهم غير الخطيب بلا عذر يبيح له الاستحلاف فالصلاة باطلة، فإن رعف أو سبقه حدث فله أن يستخلف غيره إن لم يزل عذره في زمن قريب مقدار صلاة ركعتين بفاتحة وسورة، وإلا وجب انتظاره. (وقالت) الشافعية والحنبلية: يشترط في الإمام أن يكون ذكراً تصح إمامته بالقوم مكلفاً وإن لم تجب عليه الجمعة، ولا يشترط أن يكون هو الخطيب عند الحنبلية، وهو الصحيح عند الشافعية، فلا تصح إمامة الصبى عند غير الشافعية مطلقاً، وكذا عند الشافعية إذا كان من العدد الذى تصح به الجمعة، وهذا التفصيل لا دليل عليه كما تقدم في بحث "إمامة الصبى" (٢). (٨) كيفية صلاة الجمعة إذا فرغ الإمام من الخطبة أقيمت الصلاة وصلى بالناس ركعتين نيقرا فيهما جهراً بفاتحة الكتاب وسورة، ويستحب أن يقرأ بسورتى الجمعة

стр. 1502

والمنافقين، أو سبح اسم ربك الأعلى والغاشية، أو يقرأ في الأولى بالجمعة، وفى الثانية بالغاشية، لما روى عبيد الله بن أبى رافع عن أبى هريرة أنه قرأ في الجمعة بسورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون. قال عبيد الله: فقلت له: قد قرأت بسورتين كان علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يقرأ بهما في الجمعة. فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهما. اخرجه الشافعى وأحمد ومسلم والأربعة إلا النسائى نوقال الترمذى ك هذا حديث حسن صحيح (١) [٢٣٠] (روى) سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ كان يقرا في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. اخرجه الشافعى وأحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى (٢). [٢٣١]. (ولقول) الضحاك بن قيس: سألت النعمان بن بشير الأنصارى: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ بهل أتاك حديث الغاشية. أخرجه مالك والشافعى وابن ماجه والدارمى والبيهقى (٣). [٢٣٢]. وكان ﷺ يقرا السورتين كاملتين، وأما الاقتصار على قراءة آخر السورتين فلم يفعله قط، وهو مخالف لهديه ﷺ الذى كان يحافظ عليه.

стр. 1503

(والحكمة) في قراءة سورة الجمعة والمنافقين في الجمعة، ما في الأولى من الحث على حضورها والسعى إليها نوبيان فضيلة وحكمة بعثته ﷺ المشار إليها بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١)، والحث على ذكر الله تعالى. وما فىالثانية من توبيخ المنافقين، وحثهم على التوبة، ودعائهم إلى طلب الاستغفار من رسول الله ﷺ ، وهم يكثر اجتماعهم في صلاتها، ولما في آخرها من المواعظ البليغة، والحث على الصدقة. والحكمة في القراءة فيها بسبح والغاشية، ما فيهما من التذكير بأحوال الآخرة، والوعد والوعيد، فناسب قراءتهما في تلك الصلاة الجامعة. (٩) ما تدرك به الجمعة لا تدرك الجمعة- عند مالك والشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن وإسحاق - إلا بإدراك ركعة مع الإمام فيضيف لها ركعة، لمفهوم ما تقدم عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. أخرجه أحمد والأربعة والبيهقى. وفى رواية للنسائي ك فقد أدرك الصلاة كلها، إلا انه يقضى ما فاته (٢). [٢٣٣]. وبهذه الزيادة ظهر معنى الحديث (قال) الشافعى ك معناه لم تفته تلك الصلاة، وما لم تفته الجمعة صلاها ركعتين (٣). (وقال) ابن مسعود ك من أدرك من الجمعة ركعة، فليضيف غليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا. أخرجه الطبرانى في الكبير بسند حسن (٤). (٩٦).

стр. 1504

(وقال) ابن عمر: إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها اخرى، وإن أدركتهم جلوسا فصل أربعاً. أخرجه البيهقى (١). (٩٧). (وقال) النعمان وابو يوسف والحكم وحماد: الجمعة تدرك بإدراك التشهد، فمن أدرك مع الإمام التشهد فقد ادرك الجمعة، فيصلى بعد سلام الإمام ركعتين وتمت جمعته، لعموم ما تقدم عن ابى هريرة أن النبى ﷺ قال: إذا اقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. اخرجه الشافعى والسبعة (٢). [٢٣٤]. وهو لعمومه يتناول الجمعة، فيشمل ما إذا أدرك الإمام في التشهد أو في سجود السهو. (وأجاب) الأولون بأن عمومه مخصوص بما تقدم عن ابى هريرة أن النبي ﷺ قال: من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى، فإن أدركهم جلوساً صلى أربعاً. أخرجه البيهقى والدارقطنى (٣). [٢٣٥]. (وأجاب) النعمان ومن معه بأن في سنده يحيى بن المتوكل وصالح بن أبى الأخضر، ضعيفان فلا يقبل ما زيد في روايتهما من قوله: فإن أدركهم جلوسا ... إلخ. (واختلف) فيمن أدرك من الجمعة دون ركعة، هل يدخل مع الإمام بنية الجمعة ويتمها بعد سلامه جمعة؟ وبه قال النعمان وابو يوسف ومن معهما. (وقال) مالك والشافعى ومحمد بن الحسن: ينوى جمعة ويتمها ظهراً.

стр. 1505

(وقالت) الحنبلية: إن نواها ظهراً وكان بعد الزوال أتمها ظهراً وإلا بأن نواها جمعة أو كانت قبل الزوال حسبت له نافلة وصلى الظهر بعد (١). (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: وإذا صلى الإمام الجمعة قبل الزوال فأدرك المأموم معه دون الركعة لم يكن له الدخول معه، لأنها في حقه ظهراً؛ فلا يجوز قبل الزوال نفإن دخل معه كانت نفلا في حقه ولم تجزئه عن الظهر (٢). (فائدتان): (الأولى) من أحرم مع الإمام ثم فاته الركوع أو السجود حتى سلم الإمام- لزحام أو غفلة أو نوم أو نسيان - كان مدركا للجمعة عند الحنفيين. وهو رواية عن أحمد، وعنه أنه يستأنفها ظهراً، وهو قول الشافعي. (قال) ابو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: اختلفت الرواية عن أحمد فيمن أحرم مع الإمام ثم زحم فلم يقدر على الركوع حتى سلم الإمام، فروى أنه يكون مدركاً للجمعة، وهو قول الحسن وأصحاب الرأى ح لأنه أحرم بالصلاة مع إمامه في أولها؛ فأشبه ما لو ركع وسجد معه. ونقل عنه أنه يستقبل الصلاة اربعاً وهو قول الشافعى وابن المنذر، لأنه لم يدرك ركعة كاملة فلم يكن مدركاً للجمعة كالمسبوق (٣). (وحاصل) مذهب المالكية أن من أدرك الركعة الأولى مع الإمام وغفل عن الركوع أو زوحم عنه حتى سلم الإمام قضى ركعة ثانية وأتمها جمعة، ومن لم يدرك الأولى وغفل عن الركوع او زوحم عنه حتى سلم الإمام يتم الصلاة ظهراً، ومن غفل عن السجود أو زوحم عنه حتى سلم الإمام سجد وأتمها جمعة.

стр. 1506

(الثانية) إذا اشتد الزحام في الجمعة وتمكن من السجود على ظهر غيره أو رجله لزمه ذلك، وأجزأه عند غير مالك (لقول) سياد بن المعرور: سمعت عمر وهو يخطب يقول: إن رسول الله ﷺ بنى هذا المسجد ونحن معه المهاجرون والأنصار. فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه ورأى قوماً يصلون في الطريق فقال: صلوا في المسجد. أخرجه أحمد والبيهقى بسند صحيح (١). (٩٨). (قال) ابو محمد عبد الله بن قدامة: ومتى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان أو قدمه لزمه ذلك وأجزأه. قال أحمد في رواية: يسجد على ظهر الرجل والقدم، ويمكن الجبهة والأنف في العيدين والجمعة، وبهذا قال الثورى وأبو حنيفة والشافعى وأبو ثور وابن المنذر. وقال عطاء والزهرى ومالك: لا يفعل. قال مالك: وتبطل الصلاة إن فعل، لقول النبي ﷺ : ومكن جبهتك من الأرض (٢). (ولنا) ما روى عن عمر رضى الله عنه وذكر الثر السابق وقال: وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح، كالمريض يسجد على المرفقة، والخبر لم يتناول العاجز، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يأمر العاجز عن الشيء يفعله. (وإن زحم) في الأول ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم، انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع إمامه. فإذا قضى ما عليه وأدرك الإمام في القيام أو في الركوع اتبعه فيه وصحت له الركعة. وكذا إذا تعذر عليه السجود مع إمامه بمرض أو نوم او نسيان، لأنه معذور

стр. 1507

فى ذلك فأشبه المزحوم، فإن خاف أنه إن تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام فى الثانية، لزمه متابعته، وتصير الثانية أولاه، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: يشتغل بقضاء السجود، لأنه قد ركع مع الإمام فيجب عليه السجود بعده كما زال الزحام والإمام قائم، والشافعى كالمذهبين، ولنا قول النبى ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا (١). (فإن قيل) فقد قال: فإذا سجد فاسجدوا (قلنا) قد سقط الأمر بالمتابعة فى السجود عن هذا لعذره، وبقى الأمر بالمتابعة فى الركوع متوجهاً فمكانه، ولأنه خائف فوات الركوع فلزمه متابعة إمامه فيه كالمسبوق. فأما إذا كان الإمام قائماً فليس هذا اختلافاً كثيراً، وقد فعل النبى ﷺ مثله بعسفان. إذا تقرر هذا فإنه إن اشتغل بالسجود معتقداً تحريمه، لم تصح صلاته، لأنه ترك واجباً عمداً، وفعل ما لا يجوز له فعله. وإن اعتقد جواز ذلك فسجد، لم يعتد بسجوده، لأنه سجد فى موضع الركوع جهلا، فأشبه الساهى. ثم إن أدرك الإمام فى الركوع ركع معه صحت له الثانية دون الأولى، وتصير الثانية أولاه، فإن فاته الركوع سجد معه، فإن سجد السجدتين معه، فقال القاضى: يتم بهما الركعة الأولى، وهذا مذهب الشافعى، وقال أبو الخطاب: إذا سجد معتقداً جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وإمامه قائم. ثم إن أدرك الإمام فى ركوع الثانية صحت له الركعتان، وإن أدرك بعد رفع راسه من ركوعه فينبغى أن يركع ويتبعه، لأن هذا سبق يسير، ويحتمل أن تفوته بفوات الركوع، وإن أدركه فى التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق.

стр. 1508

وقال أبو الخطاب: ويسجد للسهو، ولا وجه للسجود ههنا، لأن المأموم لا سجود عليه لسهو. وإن زوحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود أو عن جميع ذلك، فاحكم فيه كالحكم في الزحام عن السجود، فإما إن زوحم عن السجود في الثانية فزوال الزحام قبل سلام الإمام، سجد واتبعه وصحت الركعة، وإن لم يزل حتى سلم، فلا يخلو من أن يكون أدرك الركعة الأولى أو لم يدركها، فإن أدركها فقد أدرك الجمعة بإدراكها، ويسجد الثانية بعد سلام الإمام، ويتشهد ويسلم وقد تمت جمعته، وإن لم يدرك أدرك الأولى فإنه يسجد بعد سلام إمامه وتصح له الركعة، وهل يكون مدركاص للجمعة بذلك؟ على روايتين. أهـ. ملخصاً (١). (١٠) ما يقال بعد صلاة الجمعة يسن من الذكار بعد الجمعة ما يسن بعد غيرها من الصلوات، ويستحب الإكثار من ذكر الله تعالى بعدها. ويندب قراءة "قل هو الله أحد " والمعوذتين سبعاً قبل أن يثنى رجله (لحديث) عائشة أن النبى ﷺ قال: من قرأ بعد صلاة الجمعة: " قل هو الله أحد "، و" قل أعوذ برب الفلق"، و" قل أعوذ برب الناس" سبع مرات، أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى. اخرجه ابن السنى وابن شاهين بسند ضعيف (٢). [٢٣٦]. قال المناوى: وفى رواية قبل أن يتكلم. وفى أخرى: وهو ثان رجله، وقال الحافظ بن حجر. ينبغى تقييده بما بعد الذكر المأثور فى الصحيح، وله شاهد من مرسل مكحول. أخرجه سعيد بن منصور فى سننه عن فرج بن

стр. 1509

فضالة عن مكحول. وزاد فى أوله فاتحة الكتاب وقال فى آخره: كفَّر الله عنه ما بين الجمعتين، وكان معصوماً. وفرج ضعيف (١). ويستحب ان يقول بعد قراءة السور المذكورة وهو رافع يديه: اللهم يا غنى يا حميد يا مبدئ يا معيد يا رحيم ياغ ودود، أغننى بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك (٢). [٢٣٧]. أقول التزام هذا الدعاء بخصوصه، ودعوى أن المواظبة عليه سبب الغنى لا دليل عليه. (١١) متى يصلى الظهر من لم تلزمه الجمعة من لم تلزمه الجمعة كالمسافر والعبد والمريض والمرأة والمعذور، له أن يصلى الظهر ولو جماعة قبل صلاة الإمام عند الجمهور، لكن يندب له تأخير الظهر إذا رجا زوال عذره عند الأئمة الثلاثة. (وقال) الحنفيون: يكره للمعذور ومنه المسجون صلاة الظهر يوم

стр. 1510

الجمعة بجماعة فى مكان تقام فيه الجمعة، لما فى ذلك من تقليل جماعة الجمعة، فقد يقتدى بهم غيرهم. وكذا يكره صلاته بلا جماعة قبل صلاة الإمام الجمعة رجاء ان يزول عذره فيؤدى الجمعة. (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: ولا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها، أن يصلى الظهر فى جماعة إذا أمن من أن ينسب إلى مخالفة الإمام والرغبة عن الصلاة معه، أو أنه يرى الإعادة إذا صلى معه، وهو قول الشافعى وإسحاق، وكرهه الحسن وأبو قلابة ومالك وأبو حنيفة، لأن زمن النبى ﷺ لم يخل من معذورين، فلم ينقل أنهم صلوا جماعة. ولنا قول النبى ﷺ : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (١). [٢٣٨]. وروى عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة فصلى بعلقمة والأسود. (٩٩). واحتج به أحمد وقال: ما أعجب الناس ينكرون هذا. فأما زمن النبى ﷺ فلم ينقل إلينا أنه اجتمع جماعة معذرون يحتاجون إلى غقامة جماعة إذا ثبت هذا، فإنه لا يستحب صلاة الظهر جماعة فى المسجد الذى أُقيمت فيه الجمعة، لأنه يفضى إلى النسبة إلى الرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام وربما افضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به وبغيره، وإنما يصليها فى منزله أو موضع لا تحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه (٢). (أما) من لزمته الجمعة ولا عذر له فى التخلف عنها، فلا يصح له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة- عند مالك وأحمد والشافعى فى الجديد- ويلزمه السعى إن ظن أنه يدركها، لأنها المفروضة عليه؛ فإن ادركها معه
следующие страницы →