← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قال " ان هذا المال خضر حلو، ونعم هو لم أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، وانه من يأخذه بغير حقه كان كالذى يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدا يوم القيامة " أخرجه مسلم (١) ﴿٩٨﴾. (والحكمة) فى ذلك أن يعلم المرء أن لا ظلم فى ذلك اليوم، واظهار مراتب أصحاب الكمال، فيزدادون سرورا على سرورهم، واظهار فضائح أصحاب الشمال فيزدادون حسرة وندامة. نسال الله السلامة. ٤ - الميزان: وهو ذو كفتين ولسان (كالميزان المعهود) توزن فيه أعمال من يحاسب بقدرة الله تعالى دفعة واحدة. والصنج مثاقيل الذر والخردل، تحقيقا لاظهار تمام العدل. قال تعالى ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٤٧) الأنبياء. وقال ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٩) الأعراف وقال ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (١١) القارعة. (وقالت) عائشة رضى الله عنها ذكرت النار فبكيت فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قلت: ذكر النار فبكيت. فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ " أما فى ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا. عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال " هاؤم اقرءوا كتابيه " حتى يعلم أين يقع كتابه، أفى يمينه أم فى شماله

стр. 142

أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط اذا وضع بين ظهرى جهنم حتى يجوز " أخرجه أبو داود (١) ﴿٩٩﴾. (وعن) ابن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال: ان الله يستخلص رجلا من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مد البصر. فيقول: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول لا يارب فيقول: أظلمك كتبتى الحافظون؟ فيقول: لا يارب فيقول أفلك عذر أو حسنة؟ فيقول. لا يارب: فيقول الله : بلى ان لك عندنا حسنة، وانه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله. فيقول: احضر وزنك فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: انك لن تظلم. فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة. فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. ولا يثقل مع اسم الله تعالى شئ ". أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذى وقال: هذا حديث حسن غريب والبيهقى والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم (٢) ﴿١٠٠﴾. (وقالت) عائشة رضى الله عنها: جاء رجل فقال يا رسول الله: إن لى مملوكين يكذبوننى ويخونوننى ويعصوننى وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم فقال رسول الله ﷺ " إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وكذبوك وعصوك، وعقابك إياهم، فان كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا، لا لك ولا عليك. وان كان عقابك إياهم دون ذبوبهم، كان فضلا لك

стр. 143

وان كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم. اقتص لهم منك اللفضل. قال فتنحى الرجل يبكى ويهتف. فقال رسول الله ﷺ " أما تقرأ كتب الله ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (٤٧) الأنبياء. فقال الرجل: والله يا رسول الله ما أجدلى ولهؤلاء شيئا خيرا من مفارقتهم. أشهدكم أنهم كلهم أحرار " أخرجه أحمد والترمذى وقال: حديث غريب (١) ﴿١٠١﴾ (وعن) أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله عظيم " أخرجه أحمد والشيخان والترمذى وابن ماجه (٢) ﴿١٠٢﴾ (ومما) تقدم يعلم أنه يوزن عمل كل من يحاسب حتى من لا حسنة له ليزداد خزيا على رءوس الأشهاد. وبالوزن يظهر العدل فى العذاب والعفو عن الآثام. ٥ - الصراط: وهو جسر ممدود على ظهر جهنم يمر عليه الأولون والآخرون كل بحسب عمله. فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح العاصف، وناس كالجواد، وناس هرولة، وناس حبوا، وناس زحفا، وناس يتساقطون فى النار. وعلى جوانبه كلاليب لا يعلم عددها الا الله تخطف بعض الخلائق. قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياًّ * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياًّ﴾ (٣).

стр. 144

(قال) ابن مسعود: " الصراط على جهنم مثل حد السيف. فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم. ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلم سلم " أخرجه ابن جرير (١) ﴿١١﴾. (وقال) السدى: سألت مرة الهمدانى عن قوله تعالى (وان منكم الا واردها) فحدثنى عن ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: يرد الناس النار ثم يصدرون عنها بأعمالهم فأولهم كلمح البرق ثم كالريح ثم كحضر الفرس ثم كالراكب المسرع ثم كشد الرجل ثم كمشية. أخرجه الترمذى وحسنة (٢) ﴿١٠٣﴾. ولشدة الهول حينئذ يقول المؤمنون: رب سلم سلم. (روى) المغيرة بن شعبة أن النبى ﷺ قال: " شعار المؤمنين على الصراط يوم القيامة: رب سلم سلم".أخرجه الترمذى والحاكم وصححاه (٣) ﴿١٠٤﴾. (وعن) ابن مسعود رضى الله عنه فى قوله تعالى: (يسعى نورهم بين أيديهم) قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط. منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم. وأدناهم نورا: من نوره فى ابهامه يتقد مرة ويطفأ مرة ". أخرجه ابن ابى حاتم وابن جرير (٤) ﴿١٢﴾.

стр. 145

٦ - الحوض: يجب الايمان بأن لكل رسول حوضا يرده الطائعون من أمته، وأن حوض النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكبرها وأعظمها. طوله مسيرة شهر، مربع الشكل. له ميزابان يصبان فيه من الكوثر. ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل. كيزانه أكثر من نجوم السماء. ومن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا ظمأ ألم. ولم دخل النار يعذب بغير العطش. ويكون شربه منه أو من غيره كالتسنيم (١) بعد ذلك لمجرد اللذة. يرده الخيار، وهم المؤمنون بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الآخذون بسنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وكل من تعامل بالربا، أو جار فى الأحكام، أو أعان ظالما، أو جاوز حدا من حدود الله تعالى. (وما ذكر) ثابت بأحاديث مشهورة تفيد التواتر المعنوى (منها) حديث سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " ان لكل نبى حوضا، وانهم يتباهون أيهم أكثر واردة. وانى أرجو أن أكون أكثرهم واردة ". أخرجه الترمذى وقال حديث حسن غريب، وفيه سعيد بن بشير ضعيف (٢) ﴿١٠٥﴾. (وحديث) ابن عمرو أن النبى ﷺ قال: " حوضى مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منه فلا يظمأ أبدا ". أخرجه الشيخان (٣) ﴿١٠٦﴾.

стр. 146

(وقال) أنس رضى الله عنه: بينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى المسجد، اذ أغفى اغفاءة ثم رفع رأسه صاحكا. فقيل: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: نزلت على سورة آنفا فقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم، انا أعطيناك الكوثر) حتى ختما، قال: اتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله اعلم، قال: انه نهر وعدنيه ربى عليه خير كثير. وهو حوض ترد عليه أمتى يوم القيامة. آنيته عدد نجوم السماء فيختلج العبد منهم فأقول: ربى انه من أمتى. فيقول: ما تدرى ما أحدث بعدك ". أخرجه أحمد والخمسة (١) ﴿١٠٧﴾. (فائدة) صحح الغزالى أن الحوض قبل الصرط. وكذا القرطبى وقال: المعنى يقتضيه، فان الناس يخرجون من قبورهم عطاشا فناسب تقديم الحوض، وأيضا فان من جاز الصراط لا يتأتى طرده عن الحوض فقد كلمت نجاته. (ورجح) القاضى عياض انه بعد الصراط، وأن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار. ويؤيده من جهة المعنى أن الصراط يسقط منه يسقط من المؤمنين ويخدش فيه من يخدش، ووقوع ذلك للمؤمن بعد شربه من الحوض بعيد فناسب تقديم الصراط حتى اذا خلص من خلص شرب من الحوض. وقيل: يشهد له ما تقدم من ان للحوض ميزابين يصبان فيه من الكوثر. ولو كان قبل الصراط لحالت النار بينه وبين وصول ماء الكوثر اليه، ولكن وصول ذلك ممكن. والله على كل شئ قدير (ويمكن) الجمع بأن يكون الشرب

стр. 147

من الحوض قبل الصراط لقوم، وبعده لآخرين بحسب ما عليهم من الذنوب حتى يهذبوا منها على الصراط. هذا، ولم يقم دليل صريح على شئ مما ذكر. فالواجب اعتقاده هو أن النبى ﷺ حوضا تعدجد أو اتحد، تقدم على الصراط أو تاخير. ولا يضرنا جهل ذلك. وقد جاء فى رواية لأحمد عن الحسن عن أنس أن فيه من الأباريق أكثر من عدد نجوم السماء (١). وهذا إشارة إلى غاية الكثرة. والله الموفق. ٧ - الكوثر: قيل: هو الحوض. والخبار فيه مشهورة. والمعروف المستفيض عند السلف والخلف أنه نهر فى الجنة أعطاه الله النبى ﷺ . (روى) ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "الكوثر نهر فى الجنة، حافتاه الذهب (٢)، والماء يجرى على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل ". أخرجه أحمد والبخارى والترمذى، وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣) ﴿١٠٨﴾. (وعن) أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " دخلت الجنة فاذا أنا بنهر حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدى الى ما يجرى فيه الماء، فاذا مسك أذفر، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذى أعطاكه الله ". أخرجه أحمد ومسلم والنسائى والترمذى ,وكذا البخارى بلفظ: لما عرج بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم الى السماء قال:

стр. 148

أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ محوف، فقلت: ما هذ ١ ايا جبريل؟ قال: هذا الكوثر (١) ﴿١٠٩﴾. (وعنه) أيضا أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكوثر؟ قال: هو نهر فى الجنة أعطانيه ربى، جلهو أشد بياضا من اللبن واحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كاعناق الجزر. قال عمر: يا رسول الله، انها لناعمة. قال: أكلتها أنعم منها يا عمر. أخرجه أحمد والترمذى وحسنه ابن جرير (٢) ﴿١١٠﴾. (وقال) ابن العباس ومجاهد: الكوثر الخير الكثير فى الدنيا والآخرة. ذكره ابن جرير ﴿١٣﴾ وقال: هذا التفسير يعم النهر وغيره، لأن الكوثر من الكثرة. وقال عطاء بن السائب: قال لى محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير فى الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير. فقال: صدق والله أنه للخير الكثير (٣). ٨ - الشفاعة: وهى لغة الوسيلة والطلب، وعرفا سؤال الخير للغير. وهى تكون من الأنبياء والعلماء والعاملين والشهداء والصالحين. (روى) عثمان بن عفان رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 149

قال: " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء ". أخرجه ابن ماجه (١) ﴿١١١﴾. يشفع كل لأهل الكبائر على قدر منزلته عند الله تعالى. ولايلهم أحد ممن ذكر الشفاعة فى اخراج أحد من النار الا بعد انقضاء المدة المحتمة عند الله تعالى. (والحق) أن الشفاعة من باب القضاء المعلق فنفعها ظاهرى. هذا، واعلم أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أول فاتح لباب الشفاعة يفتحه بالشفاعة فى فصل القضاء. وهى الشفاعة العظمى المختصة به يغبطه بها الأولون والآخرون: وهى المقام المحمود المشار إليه بقوله تعالى ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مُّحْمُوداً﴾ (٧٩) الإسراء. (قال) أبو هريرة رضى الله عنه: سئل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المقام خالمحمود فى الآية. فقال: " هو المقام الذى أشفع لأمتى فيه " أخرجه أحمد والترمذى وحسنة (٢) ﴿١١٢﴾. (وعن) ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " ان الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن. فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم فيقول: لست بصاحب ذلك ثم بموسى فيقول كذلك ثم بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيشفع ليقضى بين الخلق، فيمشى حتى يأخذ بحلقه

стр. 150

باب الجنة. فيومئذ يبعثة الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم " أخرجه البخارى وابن جرير (١) ﴿١١٣﴾. (وعن) أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لكل نبى دعوة مستجابة فتجعل كل نبى دعوته وانى أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة فهى نائلة ان شاء الله تعالى من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئا " اخرجه مالك والشيخان والترمذى وابن ماجه (٢) ﴿١١٤﴾. (وعن) جابر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى " أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذى وقال: غريب، وزاد: قال جابر: " من لم يكن من أهل الكبائر فماله وللشفاعة " (٣) ﴿١١٥﴾. (وعن) أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى اللهعليه وعلى آله وسلم قال: " انا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد فينظرهم الناظر ويسمعهم الداعى وتدنو منهم الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. فيقول الناس ألا ترون الى ما أنتم فيه؟ ألا تنظرون من يشفع لكم اللا ربكم؟ فيقول بعضهم لبعض: عليكم بآدم، فيأتونه فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك ال

стр. 151

له بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسنكك الجنة. اشفع لنا الى ربك. ألا ترى الى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول آدم ﵇: ان ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله (١). وأنه نهانى عن الشجرة فعصيته (٢) نفسى نفسى نفسى، اذهبوا الى غيرى، اذهبوا الى نوح. فيأتون نوحا ﵇ فيقولون: يا نوح انت اول الرسل الى أهل الأرض، وقد سماك الله عبد شكورا (٣)، اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه؟ فيقول: ان ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وانى قد كانت لى دعوة دعوتها على قومى (٤) نفسى نفسى نفسى، اذهبوا الى غيرى اذهبوا الى ابراهيم ﵇. فيأتون ابراهيم ﵇ فيقولون: أنت نبى الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه؟ فيقول: ان ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وانى قد كنت كذبت ثلاث كذبات (٥) فذكرها، نفسى نفسى نفسى،

стр. 152

اذهبوا الى غيرى، اذهبوا الى موسى ﵇. فيأتون موسى ﵇ فيقولون أنت رسول الله، فضلك برسالته وبكلامه على الناس (١) اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه؟ فيقول: ان ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وانى قتلت نفسا (٢) لم أومر بقتلها نفسى نفسى نفسى، اذهبوا الى غيرى، اذهبوا الى عيسى ﵇. فيأتون عيسى ﵇ فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه، وكلمت الناس فى المهد (٣) اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه؟ فيقول: ان ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. (ولم يذكر ذنبا) (٤) نفسى نفسى نفسى، اذهبوا الى غيرى، أذهبوا الى محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم. فيأتوننى فيقولون: أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر (٥)، اشفع لنا الى ربك، ألا ترى الى ما نحن فيه؟ فأنطلق الى تحت العرش فأقع ساجدا لربى، ثم يفتح الله على من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلى. ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه، وأشفع تشفع، فأرفع رأسى فأقول: أمتى يارب،

стр. 153

أمتى يارب (١)، فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم منن الباب الأيمن من أبواب الجنة. وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب. ثم قال: والذى نفسى بيده ان ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة ةهجر. أو كما بين مكحة وبصرى " أخرجه أحمد والشيخان والترمذى (٢) ﴿١١٦﴾. فعلى المكلف أن يعتقد أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم شافع مقبول الشفاعة، وانه أول شافع وأول من يقضى بين أمته. وأنه أول من يجوز على الصراط بأمته. (روى) أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " انا سيد

стр. 154

ولد آدم يوم القيامة، أول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع " أخرجه مسلم وأبو داود (١) ﴿١١٧﴾. (وللنبى) صلى الله عليه وعلى آله وسلم شفاعات أخرى (منها) ادخال قوم من آمته الجنة بغير حساب. (ومنها) أنه يشفع فى أقوام قد أمر بهم الى النار فيردون عنها (ومنها) اخراج الموحدين من النار. ويشفع لقوم فى رفع درجاتهم، ولمن مات بالحرمين مؤمنا، ولمن سأل له الوسيلة بعد اجابة المؤذن (٢)، ولعمه ابى طالب فى اخراجه من غمرات النار الى ضحضاح يصل الى كعبيه. (روى) أبو سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من نالر يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه. أخرجه مسلم (٣) ﴿١١٨﴾. (٩) النار: وهى دار العذاب ومخلوقة الآن فيها الزقوم والغسلين والمهل (٤) ومقامع من حديد. ومن أنواع العذاب ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بلال انسان. جاء بهال الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا

стр. 155

لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ (٢٩) الكهف. وقال: (هذان خصمان اختصموا فى ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم، يصهر به ما فى بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد) (١). وقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٢٤) البقرة. وقال: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ (٩١) الشعراء. (وعن) أبى هريرة رضى الله عنه أنم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ناركم هذه التى توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: " فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها " أخرجه مالك والشيخان والترمذى، وقال: حسن صحيح (٢) ﴿١٢١﴾. (وعن) الحسن عن عتبة بن غزوان أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " ان الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوى فيها سبعين عاما.

стр. 156

ما تفضى إلى قرارها، وقال: وكان عمر رضى الله عنه يقول: أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد، وأن قعرها بعيد، وأن مقامها حديد " أخرجه الترمذى وقال: لا نعرف للحسن سماعا من عتبة (١) ﴿١٢٢﴾. (وعن) ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لو أن قطرة من الزقوم قطرات فى دار الدنيا، لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه " أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه والحاكم والترمذى وقال حسن صحيح (٢) ﴿١٢٣﴾. (وعن) أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إنى وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله الها آخر، وبالمصورين " أخرجه الترمذى وقال حسن صحيح غريب (٣) ﴿١٢٤﴾. (وعن) النعمان بن بشير أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " أن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراً كان من نار، يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وأنه لأهونهم عذابا " أخرجه الشيخان والترمذى (٤) ﴿١٢٥﴾. (وعن) أبى الدرداء رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال:

стр. 157

" يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغنى من جوع. فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذى غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص فى الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب، فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوهم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما فى بطونهم فيقولون: أدعوا خزنة جهنم يخففون عنا، فيدعونهم، فيقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات. قالوا: بلى قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا فى ضلال. فيقولون ادعوا مالكا فيقولون: يا مالك ليقض علينا ربك. فيجيبهم أنكم ماكثون. فيقولون: نبئت أن بين دعائهم وبين اجابة مالك إياهم ألف عام فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال: فيجيبهم (اخسئوا فيها ولا تكلمون) قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون فى الزفير والشهيق ويدعون بالحسرة والويل، والثبور " أخرجه البيهقى والترمذى وقال: والناس لا يرفعون هذا الحديث (١) ﴿١٢٦﴾. (ولهذه) الأدلة أجمعت الأمة. على أن النار موجودة الآن والحقيقة ممكنة فلا وجه للعدول عنها. هذا، واعلم انه لا يخلد فى النار موحد، ولو ارتكب الكبائر، وفاء بوعده تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ (٤٨) النساء. وقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا

стр. 158

يره) " واحتمال " دخوله الجنة أولا جزاء لمال عمله من الخير. ثم يدخل النار عقابا لما عمله من الشر " يبطله " قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (٤٧) لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ (٤٨) الحجر وقوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (١٨٥) آل عمران. فهذا يدل على أن استيفاء الأجر بالنسبة لمن يدخل النار لا يكون الا بعد الخروج منها. (وأدل) منه حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من ايمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون فى نهر الحياة. فينبتون كما تنبت الحبة فى جانب السيل. ألم تر أنها صفراء ملتوية " أخرجه الشيخان والنسائى (١) ﴿١٢٧﴾ (وحديث) أنس رضى الله عنه أن النبى ﷺ وعلى آله وسلم قال " يخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن شعيرة من خير. ويخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن برة من خير. ويخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن ذرة من خير " أخرجه أحمد والشيخان والنسائى وابن ماجه والترمذى وقال: حسن صحيح (٢) ﴿١٢٨﴾.

стр. 159

١٠ - الجنة وهى دار الثواب، والنعيم المقيم. فيها الحور العين، والولدان، ولحم الطير، والفواكه، والأنهار الجارية من الماء واللبن والعسل والخمر، والسرر، والحرير، والذهب، وما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. جاء بها الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٩٠) الشعراء. أى قربت لهم بحيث يشاهدونا فى الموقف. ويعرفون ما فيها فتحصل لهم البهجة والسرور. وقال: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فان الجنة هى المأوى﴾ (٢) وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٣) آل عمران. (وعن) أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﵌: قال الله تعالى: " أعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رأت، ولآ أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ". قال أبو هريرة: اقرءوا ان شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين) أخرجه الشيخان والترمذى وابن ماجه وزاد البخارى فى رواية: وقال محمد ابن كعب: انهم أخفوا لله عملا فأخفى لهم ثوابا. فلو قدموا عليه، أقر تلك العين (٣) ﴿١٢٩﴾. (وعنه) قال: قلت يا رسول الله: الجنة ما بناؤها؟ قال لبنه من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت. وترابها الزعفران.

стр. 160

من يدخلها ينعم ولا يبؤس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم (الحديث) أخرجه أحمد والدرامى والبزار وابن حبان والترمذى (١) ﴿١٣٠﴾. (وعنه) أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ان أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة للبدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درى فى السماء اضاءة لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الالوة أزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم. ستون ذراعا فى السماء. أخرجه أحمد والشيخان والترمذى وابن ماجه (٢) ﴿١٣١﴾. (وعن) ابى سعيد الخرى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: المؤمن اذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله ووضعه وسنة فى ساعة كما يشتهى. أخرجه أحمد وابن ماجه والدرامى والترمذى وقال: حسن غريب (٣) ﴿١٣٢﴾. وقد اختلف أهل العلم فى هذا. فقال بعضهم: فى الجنة جماع ولا يكون

стр. 161

ولد (وقال) محمد يعنى البخارى. وقد روى عن أبى رزين العقيلى عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد ". (وعن) أسامة بن زيد أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ذات يوم لأصحابه: ألا مشمر للجنة؟ فان الجنة لا خطر لها هى ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانه تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، حلل كثيرة فى مقام أبدا فى حبرة ونضرة فى دور عالية سليمة بهية، قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله. قال قولوا إن شاء الله. ثم ذكر الجهاد وحض عليه. أخرجه ابن ماجه وابن حبان (١) ﴿١٣٣﴾. (وعن) سعيد بن المسيب أنه لقى أبا هريرة فقال أبو هريرة: أسأل الله أن يجمع بينى وبينك فى سوق الجنة قال سعيد: أو فيها سوق؟ قال: نعم. أخبرنى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم فى مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا. فيزورون الله . ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة، فتوضع لهم نابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم- وما فيهم دنئ- على كثبان المسك والكافور، ما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم

стр. 162

مجلسا. قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله: هل نرى ربنا؟ قال نعم هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ قلنا لا. قال كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم . ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة حتى أنه يقول للرجل منكم: ألا تذكر يا فلان يوم عملت كذا وكذا؟ يذكره بعض غدارته في الدنيا (١) فيقول يا رب أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى فبسعة مغفرتب بلغت منزلتك هذه. فبينما هم كذلك غشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط. ثم يقول: قولوا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم قال: فنأتي سوقا قد حفت به الملائكة. فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان ولم يخطر على القلوب قال. فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيها شيء ولا يشتري. وفي ذلك السوق يلقي أهل الجنة بعضهم بعضا. فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقي من هو دونه- وما فيهم دنئ- فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر حديثه حتى يتخيل عليه ما هو أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. ثم ننصرف إلى منازلنا، فتتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فراقتنا عليه. فنقول: أنا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا أن ننقلب بمثل

стр. 163

ما انقلبنا. أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وفيه عبد الحميد كاتب الأوزاعي مختلف فيه وبقية رجاله ثقات (١) ﴿١٣٤﴾. (وعن) أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة. وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء. أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد "لكن أخرجه ابن حبان من حديث ابن وهب وهو من الأعلام الثقات الأثبات" عن عمرو ابن الحارث (٢) ﴿١٣٥﴾. (وعن) ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة. وتسفعه النار (٣) مرة. فإذا جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الله الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله تعالى شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين فترفع له شجرة فيقول: يارب أدنني من هذه الشجرة لأستظل بها وأشرب من مائها. فيقول الله: يا بن آدم لعلي أن أعطيتكها تسألني غيرها. فيقول: لا يارب، ويعاهده ألا يسأله غيرها.

стр. 164

وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى. فيقول: يا رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها. فيقول: يابن آدم: ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ لعلي أن أدنيتك منها تسألني غيرها. فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه. فيدنيه منها فيستظل بظلها، ويشرب من مائها. ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين. فيقول: يا رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها. لا أسألك غيرها. فيقول: يا بن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب هذه لا أسألك غيرها وربه يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها. فإذا أدنى منها سمع أصوات أهل الجنة، فيقول أي رب أدخلني الجنة. فيقول: يا بن آدم ما يصريني منك أيرضيك أن أعطيتك قدر الدنيا ومثلها معها؟ فيقول: يا رب أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقيل مم تضحك؟ فقال هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم فقيل مم تضحك؟ فقال من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول أني لا أستهزئ بك، ولكني على ما أشاء قادر". أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿ ١٣٦﴾. (وعن) أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "ما منكم من أحد إلإ له منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار. فإذا مات فدخل

стр. 165

النار ورث أهل الجنة منزله. فذلك قوله تعالى: (أولئك هم الوارثون). أخرجه ابن ماجه (١) ﴿١٣٧﴾. ١١ - الخلود: يجب على كل مكلف أن يعتقد أن الجنة والنار خالدتان وأهلهما مخلدون لا يفنون. وهذا ثابت بالكتاب والسنة واجماع الأمة. قال الله تعالى: "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشى ربه) (٢). (وعن) ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: "إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جئ بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، يأهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم. ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم". أخرجه أحمد والشيخان واللفظ للبخاري. وفي رواية "خلود فلا موت (٣) " ﴿١٣٨﴾.

стр. 166

١٢ - رؤية الله تعالى: أعلم أن أهل السنة أجمعوا على أن رؤية الله تعالى ممكنة عقلا واجبة نقلا واقعة في الآخرة للمؤمنين دون الكافرين بلا كيف ولا انحصار. فيرى لا في مكان ولا جهة من مقابلة أو اتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى. فإن الحق أن الرؤية قوة يجعلها الله تعالى في خلقه ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك. فلا يلزم من رؤيته تعالى إثبات جهة له. بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في جهة (وقد) تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الأمة على ذلك. قال الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (١) وقال: (كلا أنهم عن ربهم يؤمئذ لمحجوبون) (٢). (وقال) جرير بن عبد الله: نظر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون فلي رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم ثرأ: وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل

стр. 167

الغروب. أخرجه السبعة إلا النسائي (١) ﴿١٤٠﴾. (وعن) صهيب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون شيئا أزيدكم؟ قال فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم. ثم تلا: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) أخرجه مسلم والترمذي (٢) ﴿١٤١﴾. (وأما) (رؤيته تعالى في الدنيا فهي ممكنة، ولذا طلبها سيدنا موسى ﵇، فعلق الله تعالى حصولها له على استقرار الجبل حين يتجلى الله تعالى عليه، فلم يستقر الجبل حينئذ ولم تحصل له ﵇ مع إمكانها كما أشير إلى ذلك بقوله تعالى: "قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني، ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني، فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا، فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) (٣)

стр. 168

ولم تقع إلا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسرى به على الراجح (روى) ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسرى به، والشجرة الملعونة في القرآن، قال: هي شجرة الزقوم. أخرجه البخاري والترمذي (١) ﴿١٤٢﴾. وبالرؤية قال ابن عباس وأبو هريرة وأحمد وأبو الحسن الأشعري وجماعة. وأنكرتها عائشة ﵂. قال مسروق: قلت لعائشة ﵂: يا أمتاه هل رأى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) ﴿١٠٣﴾ الأنعام. ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب. ثم قرأت (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) من آية (٣٤) لقمان. ومن حدثك أنه كتم شيئا من الوحي فقد كذب. ثم قرأت: (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك) (الآية ٦٧ المائدة). ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. أخرجه الشيخان والترمذي (٢) ﴿١٤﴾. (والمختار) ما ذهب إليه ابن عباس والجمهور: والحجج في هذه المسألة كثيرة ولكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس ﵄ ومن وافقه.

стр. 169

والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة، والمرجع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة وراسله، هل رأى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه؟ فأخبره أنه رآه (ولا يقدح) في هذا أثر عائشة ﵂، لأنها لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول لم أر ربي. وإنما ذكرت متأوله لقول الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا) ﴿٥١﴾ الشورى. ولقول الله تعالى: (لا تدركه الأبصار). (والصحابي) إذا قال قولا وخالفه غيره منهم، لم يكن قوله حجة. فإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية، وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد ثم أنه أثبت شيئا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. (فالحاصل) أن الراجح عند أكثر العلماء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لما تقدم. ثم أن عائشة ﵂ لم تنف الرؤية بحديث ولو كان معها فيه حديث لذكرته. وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات (فأما احتجاجها) بآية "لا تدركه الأبصار" "فجوابه" أن الإدراك هو الحاطة. والله لا يحاط به، ولا يلزم من نفى الإحاطة نفي الرؤية بلا إحاطة "وأما احتجاجها" بآية (وما كان لبشر أن يكمه الله إلا وحيا) "فجوابه" أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية. فيجوز حصول الرؤية بلا كلام، أو أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة (١). وكل ما تقدم أخبر به الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والعقل يجوزه. فيجب الإيمان به من غير بحث في حقيقته. ومن أخل بشيء مما ذكر، فيسري جزاء تفريطه يوم الحساب، والعرض على رب الأرباب.

стр. 170

(و) القضاء والقدر القضاء (لغة) الخلق والأمر والحكم. قال تعالى: "فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها" (١٢) فصلت. أي خلقهن. وقال تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) (٢٣) الإسراء أي أمر (وعرفا) هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، أي وجود الأشياء في أم الكتاب مجملة (والقدر) لغة التقدير وهو جعل كل شيء بمقدار يناسبه بلا تفاوت "وعرفا" جزئيا حكم القضاء وتفاصيله التي تقع فيما لا يزال (١) قال تعالى: (وأن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) (٢١) الحجر. ومعناه أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم وعلم أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة. فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وهو بهذا المعنى يعم القضاء بالمعنى السابق. (وقال) الخطابي: قد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله تعالى العبد على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الأخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من اكتسابات العبد وصدورها عن تقدير من الله تعالى وخلقه لها خيرها وشرها. والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر (٢) (ويجب) الإيمان والرضا لقوله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرًا) آية (٢) الفرقان. وقوله: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (٤٩) القمر

стр. 171

ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث جبريل: "وأن تؤمن بالقدر خيره وشره (١) ". ولحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، أحرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه (٢) ﴿١٤٣﴾. (هذا) ما عليه أهل السنة والجماعة (فيجب) على المكلف أن يعتقد أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى يريد الكفر من العبد ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه له. فيشاؤه كونا ولا يرضاه دينا وأن كل إنسان ميسر لما خلق له وأن الأعمال بالخواتيم فالسعيد من سعد بقضاء الله وقدره، فيوفقه تعالى للعمل بالشريعة الغراء إلى أن يموت على ذلك. والشقي من شقى بقضاء الله وقدره، فيموت على الكفر والعياذ بالله تعالى. (قال) على بن أبي طالب ﵁: كنا في جنازة ببقيع الغرقد فأتانا رسول الله صلى عليه وعلى ىله وسلم فقعد وقعدنا حوله وبيده مخصرة فجعل ينكت بها الأرض ثم قال: ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة. فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: أعملوا فكل ميسر لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل الشقاء. ثم قرأ (فأما من أعطى واتقى

стр. 172

وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) الآية. أخرجه الخمسة إلا النسائي (١) ﴿١٤٤﴾. (وعن) جابر ﵁ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم ﵁ فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم؟ فيما جفت الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟ قال: فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: أعملوا فكل ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله. أخرجه مسلم (٢) ﴿١٤٥﴾. (وعن) سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيبدو للناس وهو من أهل الجنة". أخرجه الشيخان. وزاد البخاري: وإنما الأعمال بالخواتيم (٣) ﴿١٤٦﴾. (والأحاديث) والآثار في هذا الباب كثيرة. وفيها رد على القدرية الذين يزعمون أن أفعال العباد مقدرة لهم واقعة منهم استقلالا بواسطة الأقدار والتمكين (وقد) اتفق لشخص منهم أنه رفع رجله بحضرة رجل من أهل السنة وقال: أني رفعت رجلي عن الأرض بقدرتي. فقال له السني: فإذا ارفع رجلك الأخرى فلم يدر له جوابا (وفيها) رد عليهم أيضا في زعمهم أن الله يخلق الخير ولا يخلق

стр. 173

الشر كالمعاصي والكفر. وهو زعم باطل. إذ لو كان العبد يخلق الشر والمخالفات وهي أكثر وقوعا من الطاعات لكان أكثر ما يجري في الوجود من أفعال العباد لا يكون بخلق الله وإيجاده، بل بخلقهم وإيجادهم وذلك جلى البطلان، لأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتأثير على وفق علمه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدهم. أخرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي حازم عن عمر. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين أن صح سماع أبي حازم عن ابن عمر (١) ﴿١٤٧﴾. (وشبههم) ﷺ بالمجوس حيث فرقوا بين أفعال الله فجعلوا بعضها له وبعضها لغيره (قال) الخاطبي: إنما جعلهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجوسا، لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين النور والظلمة. يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة، فصاروا ثنوية. (وكذلك) القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره. والله خالق الخير والشر جميعا، لا يكون شيء منهما إلا بمشيئته فهما مضافان إليه خلقا وإيجادا، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا واكتسابا (وفيها) رد أيضا على المعتزلة الذين زعموا أن الله تعالى شاء الإيمان من الكافر فشاء الكافر الكفر. وهو زعم باطل فإنه يلزمه وقوع مشيئة الكافر دون مشيئة الله . وهذا من أقبح الاعتقاد، إذ هو مخالف للأدلة القطعية وفيه تعطيل لإرادة الله تعالى،

стр. 174

وقد قامت الأدلة العقلية والنقلية على وجوب الإرادة لله تعالى، وأنه لا يقع في الكون إلا ما أراده رب العالمين وكيف وهو الذي يقول (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) (٦٨) القصص. وتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" (١) (ومنشأ) خطئهم التسوية بين المشيئة والإرادة وبين المحبة والرضا. (فقالت) الجبرية: الكون كله بقضائه وقدره، فهو محبوب مرضي. (وقالت) القدرية: ليست المعاصي محبوبة ولا مرضية الله تعالى، فليست مقدرة ولا مقضية فهي خارجة عن مشيئته وخلقه (وقد دل) على الفرق بين الإرادة والرضا الكتاب والسنة والفطرة الصحيحة. قال تعالى (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) (١٣) سورة السجدة. وقال تعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ ) (٩٩) سورة يونس وقال (وما تشاءون إلا أن يشاء الله، إن الله كان عليما حكيما) (٣٠) سورة الإنسان. وقال (من يشاء) (الله يضلله، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) (٣٩) سورة الأنعام. وقال (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يردن أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) (١٢٥) سورة الأنعام. وقال (ذو العرش المجيد (١٥) (فعال لما يريد) (١٦) سورة البروج وقال (والله لا يحب الفساد) (٢٠٥) البقرة. وقال (ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (٧) سورة الزمر.

стр. 175

(وعن المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﵌ قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأدت البنات ومنعا وهات. وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. أخرجه مسلم (١) ﴿١٤٨﴾. (وقال) ابن عمر: قال رسول الله ﵌ "إن الله تعالى يحب ان تؤتي رخصه كما يحب أن تؤتي عزائمه" أخرجه أحمد والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان (٢) ﴿١٤٩﴾. (وقالت) عائشة ﵂. فقدت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفراش فوقعت يدي على بطن قدميه وهو ساجد يقول: "اللهم أني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" أخرجه مسلم والأربعة (٣) ﴿١٥٠﴾. (فتأمل) استعاذته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفة الرضا من صفة السخط وبفعل المعافاة من فعل العقوبة. فالأول للصفة، والثاني لأثرها المترتب عليها. ثم ربط ذلك كله بذاته ، وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره فهو يقول: ما أعوذ منه واقع بمشيئتك وغرادتك، وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك، هو بمشيئتك وإرادتك إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه، وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه، فأعذني مما أكره وامنعه أن يحل بي، وهو بمشيئتك أيضا. فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك

стр. 176

(فإن قيل) كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه (قيل) أن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره. (فالمراد) لنفسه مطلوب ومحبوب لذاته وما فيه من الخير. والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا لمن يريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوره ومرادهن فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث أنه وسيلة إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما. وهذا كدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتاكل إذا علم أن في قطعة بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه واردته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفي عليه خافية. فهو سبحانه يكره الشيء وقد يريده لكونه سببا إلى أمر هو محبوب إليه. (من ذلك) أنه خلق إبليس الذي هو سبب فساد الأعمال والاعتقادات، وسبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب ، وهو السعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة الله تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها (منها) أنه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات. فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي سبب كل خير. كما ظهرت في خلق الليل والنهار والدواء والدراء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر، وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض وجعلها محال تصرفه وتدبيره، فخلو العالم عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفة وتدبير ممتلكته (ومنها) ظهور آثار أسمائه القهرية. مثل القهار، والمنتقم، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل، فإن هذه الأسماء والأفعال كمالات

стр. 177

لابد من وجود متعلقها ولو كان الجن والأنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء (ومنها) ظهور آثار أسمائه المتضمنة كلأه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هذا بقوله: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم. أخرجه مسلم عن الأسباب المفضية على ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هذا بقوله: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم. أخرجه مسلم عن أبي هريرة (١) ﴿١٥١﴾. (ومنها) ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزل في غير منزلته التي قتضيها كمال علمه وتمام حكمته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته وأعلم بمن يصلح لقوبها ويشكر له جميل صنعه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك. فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة. ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطيل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب. وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر (ومنها) حصول الطاعات المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت. فإن طاعة الجهاد من أحب أنواع الطاعة، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه الطاعة. وتوابعها من الموالاة الله تعالى والمعاداة فيه، وطاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى والتوبة والاستغفار والصبر، والاستعاذة بالله أن يجيره

стр. 178

من عدوه ويعصمه من كيده واذاه إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها. (هذا) وأعلم أن الله تعالى لم يخلق شرا محضا من جميع الوجوه فإن حكمته تابى ذلك، فلا يمكن في جانبه تعالى أن يريد شيئا يكون فاسدا من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما. فإنه تعالى بيده الخير كله، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير. والشر إنما حصل لعدم النسبة إليه، فلو كان غليه لم يكن شرا وهو من حيث نسبته إليه تعالى خلقا ومشيئة ليس بشر، والشرب الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه. والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير. وبهذا يظهر رد الله تعالى على المشركين بقوله (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) (١٤٨) سورة الأنعام. وإيضاح ذلك أن أسباب الخير ثلاثة: الأبجاد والإعداد والإمداد. فإيجاد الشيء خير وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده. فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر. وهذا يسمى بالتخلية أي أن خلى الله بين العبد وبين نفسه ولم يمده بأسباب الوقاية من الشر وقع فيه. (فإن قيل) كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه (قيل) لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له. وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه تعالى من محبته لتلك الطاعة، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) (٤٦) سورة التوبة. أخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه. ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسول الله صلى

стр. 179

الله عليه وعلى آله وسلم فقال (لو خرجوا فيكم ما زادكم إلا خبالا) أي فسادا وشرا (ولأوضعوا خلالكم) أي سعوا بينكم بالفساد والشر (بيعونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) أي قابلون منهم مستجيبون لهم فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه. (ولا يقال) إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟ (لأنا) نقول "أولا" نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة. بل من المقضي ما يرضي به، ومنه ما يسخط ويمقت "ثانيا" هنا أمران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى. ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه المتعلق بالعبد المنسوب إليه. فالقضاء كله خير وعدل وحكمة نرضى به كله. والمقضي قسمان: منه ما نرضى به، ومنه ما لا نرضى به، فمثلا: قتل النفس له اعتباران "فمن حيث" قدرة الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره نرضى به "ومن حيث" صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله "نسخطه" ولا نرضى به. (فهذا جملة) ما يحتاج إليه- في القضاء والقدر- من نور الله قلبه من المؤمنين الراسخين في العلم فإن العلم علمان: معروف للخلق، وغير معروف لهم (فالمعروف) علم الشريعة الذي جاءت به الرسل جملة وتفصيلا أصولا وفروعا. فمن أنكره كان من الكافرين (وغير المعروف) علم القدر الذي أخفاه الله عن خلقه ونهاهم عن البحث فيه، فمن أدعى معرفته وترك العمل بظاهر الشريعة اعتمادا على ذلك فهو من الخاسرين (فالمؤمن) الصادق هو الذي يعمل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويفوض علم القضاء والقدر إلى الله .

стр. 180

(وإنما أطلت) الكلام في هذا لمزيد فائدته، وهلاك كثير من الناس بسبب الجهل به والخوض فيه والله الهادي إلى سواء السبيل. كلمة التوحيد هي "لا إله لا الله، محمد رسول الله" ويتعلق بها خمسة أمور: (أ) ضبطها: ينبغي ترقيق حروفها ما عدا لام الله. وأن تمد "لا" مدا طبيعيا إلى ست حركات. وتحقيق همزة إله. وتمد لأمها مدا طبيعيا. وتفتح هاؤها فتح أبينا بلا إشباع. وتحقيق همزة إلا بلا إشباع وتشدد لأمها ويفخم لفظ الجلالة. وتضم الهاء وصلا، وتسكن وقفا، وحينئذ يجوز مد لفظ الجلالة إلى ست حركات. (ب) فضل لا إله لا الله: قد ورد في فضلها أحاديث كثيرة (منها). ١ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "عبد الله بن عمرو" أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. أخرجه مالك والتعرمذي واللفظ له، وقال: حديث غريب (١) ﴿١٥٢﴾. ٢ - حديث جابر ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: افضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي
следующие страницы →