(فإن قيل) كيف يريد الله أمرا ولا يرضاه (قيل) أن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره. (فالمراد) لنفسه مطلوب ومحبوب لذاته وما فيه من الخير. والمراد لغيره قد لا يكون مقصودا لمن يريد ولا فيه مصلحة له بالنظر إلى ذاته، وإن كان وسيلة إلى مقصوره ومرادهن فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث أنه وسيلة إلى مراده، فيجتمع فيه الأمران: بغضه وإرادته ولا يتنافيان لاختلاف متعلقهما. وهذا كدواء الكريه إذا علم المتناول له أن فيه شفاءه، وقطع العضو المتاكل إذا علم أن في قطعة بقاء جسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا علم أنها توصل إلى مراده ومحبوبه. بل العاقل يكتفي في إيثار هذا المكروه واردته بالظن الغالب وإن خفيت عنه عاقبته، فكيف بمن لا يخفي عليه خافية. فهو سبحانه يكره الشيء وقد يريده لكونه سببا إلى أمر هو محبوب إليه. (من ذلك) أنه خلق إبليس الذي هو سبب فساد الأعمال والاعتقادات، وسبب لشقاوة كثير من العباد وعملهم بما يغضب الرب ، وهو السعي في وقوع خلاف ما يحبه الله ويرضاه، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة الله تعالى ترتبت على خلقه، ووجودها أحب إليه من عدمها (منها) أنه يظهر للعباد قدرة الله تعالى على خلق المتضادات المتقابلات. فخلق هذه الذات التي هي أخبث الذوات وأطهرها وأزكاها، وهي سبب كل خير.
كما ظهرت في خلق الليل والنهار والدواء والدراء، والحياة والموت، والحسن والقبيح، والخير والشر، وذلك من أدل دليل على كمال قدرته وعزته وسلطانه، فإنه خلق هذه المتضادات وقابل بعضها ببعض وجعلها محال تصرفه وتدبيره، فخلو العالم عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفة وتدبير ممتلكته (ومنها) ظهور آثار أسمائه القهرية. مثل القهار، والمنتقم، والضار، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والرافع، والمعز، والمذل، فإن هذه الأسماء والأفعال كمالات
стр. 177
لابد من وجود متعلقها ولو كان الجن والأنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء (ومنها) ظهور آثار أسمائه المتضمنة كلأه وعفوه ومغفرته وستره وتجاوزه عن حقه وعتقه لمن شاء من عبيده، فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هذا بقوله: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم. أخرجه مسلم عن الأسباب المفضية على ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى هذا بقوله: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم. أخرجه مسلم عن أبي هريرة (١) ﴿١٥١﴾.
(ومنها) ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه ولا ينزل في غير منزلته التي قتضيها كمال علمه وتمام حكمته، فهو أعلم حيث يجعل رسالاته وأعلم بمن يصلح لقوبها ويشكر له جميل صنعه، وأعلم بمن لا يصلح لذلك.
فلو قدر عدم الأسباب المكروهة لتعطلت حكم كثيرة، ولفاتت مصالح عديدة. ولو عطلت تلك الأسباب لما فيها من الشر لتعطيل الخير الذي هو أعظم من الشر الذي في تلك الأسباب. وهذا كالشمس والمطر والرياح التي فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر (ومنها) حصول الطاعات المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت. فإن طاعة الجهاد من أحب أنواع الطاعة، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه الطاعة. وتوابعها من الموالاة الله تعالى والمعاداة فيه، وطاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة الهوى، وإيثار محاب الله تعالى والتوبة والاستغفار والصبر، والاستعاذة بالله أن يجيره
стр. 178
من عدوه ويعصمه من كيده واذاه إلى غير ذلك من الحكم التي تعجز العقول عن إدراكها.
(هذا) وأعلم أن الله تعالى لم يخلق شرا محضا من جميع الوجوه فإن حكمته تابى ذلك، فلا يمكن في جانبه تعالى أن يريد شيئا يكون فاسدا من كل وجه لا مصلحة في خلقه بوجه ما. فإنه تعالى بيده الخير كله، والشر ليس إليه، بل كل ما إليه فخير. والشر إنما حصل لعدم النسبة إليه، فلو كان غليه لم يكن شرا وهو من حيث نسبته إليه تعالى خلقا ومشيئة ليس بشر، والشرب الذي فيه من عدم إمداده بالخير وأسبابه. والعدم ليس بشيء حتى ينسب إلى من بيده الخير. وبهذا يظهر رد الله تعالى على المشركين بقوله (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا ءاؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) (١٤٨) سورة الأنعام. وإيضاح ذلك أن أسباب الخير ثلاثة: الأبجاد والإعداد والإمداد. فإيجاد الشيء خير وهو إلى الله، وكذلك إعداده وإمداده. فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد، حصل فيه الشر. وهذا يسمى بالتخلية أي أن خلى الله بين العبد وبين نفسه ولم يمده بأسباب الوقاية من الشر وقع فيه.
(فإن قيل) كيف يرضى لعبده شيئا ولا يعينه عليه (قيل) لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له. وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه تعالى من محبته لتلك الطاعة، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله (ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) (٤٦) سورة التوبة. أخبر سبحانه أنه كره انبعاثهم إلى الغزو مع رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو طاعة، فلما كرهه منهم ثبطهم عنه. ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي تترتب على خروجهم مع رسول الله صلى
стр. 179
الله عليه وعلى آله وسلم فقال (لو خرجوا فيكم ما زادكم إلا خبالا) أي فسادا وشرا (ولأوضعوا خلالكم) أي سعوا بينكم بالفساد والشر (بيعونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم) أي قابلون منهم مستجيبون لهم فيتولد من سعي هؤلاء وقبول هؤلاء من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم فاقتضت الحكمة والرحمة أن أقعدهم عنه.
(ولا يقال) إذا كان الكفر بقضاء الله وقدره ونحن مأمورون أن نرضى بقضاء الله، فكيف ننكره ونكرهه؟ (لأنا) نقول "أولا" نحن غير مأمورين بالرضا بكل ما يقضيه الله ويقدره، ولم يرد بذلك كتاب ولا سنة. بل من المقضي ما يرضي به، ومنه ما يسخط ويمقت "ثانيا" هنا أمران: قضاء الله وهو فعل قائم بذات الله تعالى. ومقضي وهو المفعول المنفصل عنه المتعلق بالعبد المنسوب إليه. فالقضاء كله خير وعدل وحكمة نرضى به كله. والمقضي قسمان: منه ما نرضى به، ومنه ما لا نرضى به، فمثلا: قتل النفس له اعتباران "فمن حيث" قدرة الله وقضاه وكتبه وشاءه وجعله أجلا للمقتول ونهاية لعمره نرضى به "ومن حيث" صدر من القاتل وباشره وكسبه وأقدم عليه باختياره وعصى الله بفعله "نسخطه" ولا نرضى به.
(فهذا جملة) ما يحتاج إليه- في القضاء والقدر- من نور الله قلبه من المؤمنين الراسخين في العلم فإن العلم علمان: معروف للخلق، وغير معروف لهم (فالمعروف) علم الشريعة الذي جاءت به الرسل جملة وتفصيلا أصولا وفروعا. فمن أنكره كان من الكافرين (وغير المعروف) علم القدر الذي أخفاه الله عن خلقه ونهاهم عن البحث فيه، فمن أدعى معرفته وترك العمل بظاهر الشريعة اعتمادا على ذلك فهو من الخاسرين (فالمؤمن) الصادق هو الذي يعمل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويفوض علم القضاء والقدر إلى الله .
стр. 180
(وإنما أطلت) الكلام في هذا لمزيد فائدته، وهلاك كثير من الناس بسبب الجهل به والخوض فيه والله الهادي إلى سواء السبيل.
كلمة التوحيد
هي "لا إله لا الله، محمد رسول الله" ويتعلق بها خمسة أمور:
(أ) ضبطها: ينبغي ترقيق حروفها ما عدا لام الله. وأن تمد "لا" مدا طبيعيا إلى ست حركات. وتحقيق همزة إله. وتمد لأمها مدا طبيعيا. وتفتح هاؤها فتح أبينا بلا إشباع. وتحقيق همزة إلا بلا إشباع وتشدد لأمها ويفخم لفظ الجلالة. وتضم الهاء وصلا، وتسكن وقفا، وحينئذ يجوز مد لفظ الجلالة إلى ست حركات.
(ب) فضل لا إله لا الله: قد ورد في فضلها أحاديث كثيرة (منها).
١ - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "عبد الله بن عمرو" أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة. وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. أخرجه مالك والتعرمذي واللفظ له، وقال: حديث غريب (١) ﴿١٥٢﴾.
٢ - حديث جابر ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: افضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله. أخرجه أحمد والنسائي والترمذي
стр. 181
وقال: حسن غريب وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه (١) ﴿١٥٣﴾.
٣ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: قال موسى ﵊: يا رب علمني ما اذكر: به وأدعوك به. فقال: يا موسى قال: لا إله إلى الله. قال موسى ﵊: يا رب كل عبادك يقولون هذا. قال: قل لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا أنت. إنما أريد شيئا تخصني به. قال: يا موسى لو أن السموات السبع، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله. أخرجه النسائي وابن حبان (٢) ﴿١٥٤﴾.
٤ - حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دون الله حجاب حتى تخلص إليه. أخرجه الترمذي (٣) ﴿١٥٥﴾.
(جـ) حكم النطق بكلمة التوحيد: يجب على من نشأ مؤمنا، أن يذكرها في العمر مرة ناويا أداء الواجب، وإلا فهو عاص. ثم ينبغي له الإكثار من ذكرها عارفا معناها مستحضرا ما احتوت عليه لينتفع بذكرها دنيا وأخرى.
стр. 182
فتتفجر ينابيع الحكم من قلبه، ويرى لها من الأسرار والعجائب إن شاء الله تعالى مالا يدخل تحت حصر.
(وأما الكافر) الذي يريد الدخول في الإسلام، فذكره لها ليس شرطا في صحة إيمانه ولا جزءا من مفهومه "وإنما جعل" الشرع النطق بالشهادتين "شرطا" لازما لإجراء الأحكام الدنيوية على المؤمن كالصلاة خلفه، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، وتزوجه مسلمة "فإذا لم ينطق" بهما لعذر كالخرس، أو لم يتمكن من النطق بهما، بأن مات عقب إيمانه بقلبه، أو اتفق له عدم النطق بهما بعد الإيمان بقلبه "فهو مؤمن" عند الله وناج في الآخرة "وأما من أمتنع" عن النطق بهما عنادا بعد أن عرض عليه ذلك "فهو كافر" والعياذ بالله تعالى ولا عبرة بتصديقه القلبي مع هذا الامتناع.
(د) ما تضمنته من العقائد: كل ما تقدم من العقائد يندرج في كلمة التوحيد. وذلك أن معنى لا إله إلا الله "لا معبود بحق إلا الله" (ويلزم) هذا المعنى أن يكون غنيا عن كل ما سواه، وأن يفتقر إليه كل ما عداه.
(ويلزم) كونه غنيا عن كل ما سواه، (أ) وجوب الوجود له والقدم والبقاء والمخالفة للحوادث والقيام بالنفس والسمع والبصر والكلام، وعدم الغرض في فعل ما أو حكم ما، وعدم التأثير بالقوة المودعة، وعدم وجوب فعل عليه تعالى (ب) واستحالة العدم والحدوث. والفناء. والمماثلة للحوادث، والاحتياج لموجد أو ذات يقوم بها. والصمم. والعمي. والبكم. والتأثير بالقوة المودعة، والغرض في فعل أو حكم ما. واستحالة وجوب فعل عليه تعالى.
فهذه اثنتان وعشرون عقيدة. منها الواجب له تعالى. ومنها المستحيل في حقه تعالى.
стр. 183
(ويلزم) كونه مفتقرا إليهم كل ما عداه (أ) وجوب الوحدانية له تعالى في الذات والصفات والأفعال، والحياة والعلم والإرادة والقدرة، وحدوث العالم، وعدم التأثير بالعلة والطبع والتولد (ب) واستحالة التعدد في الذات والصفات والأفعال اتصالا وانفصالا على ما تقدم، والموت والجهل والكراهية والعجز وقدم العالم والتأثير بالعلة والطبيعة والتولد.
فهذه أربع عشرة عقيدة ما بين واجب له تعالى ومستحيل عليه تعالى.
(ومعنى) محمد رسول الله: ثبوت الرسالة له صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ويندرج تحته (أ) وجوب الأمانة والتبليغ والصدق، واتصافه بما لا نقص فيه سواء أكان واجبا كالفانة وعدم دناءة الآباء والأمهات، أم جائزا كالمرض والجوع.
(ب) وإيماننا بجميع الأنبياء والكتب والملائكة واليوم الآخر، والقضاء والقدر.
(جـ) واستحالة الخيانة والكتمان والكذب، واتصافه بما فيه نقص كالبلادة والجنون والعمى، فهذه أربع عشرة عقيدة (١) تضم لما تقدم تكون جملتها خمسين عقيدة.
(هـ) كيفية الذكر وفضله: قد علمت أن هذه الكلمة من أفضل الأذكار وأشرفها عند الله تعالى. فينبغى للعاقل أن يعنى بها. ويحسن أن يكون حالة الذكر على طهارة متطيبا متجملا مستقبلا القبلة، ويتحرى الانفراد عن الخلق ما استطاع، ويستحضر المعنى بقدر الإمكان. ولا يترك الذكر عند عدم حضور قبله. بل يذكر متحليا ببقية الآداب راجيا أن تغشاه نفحة إلهية تنقله من الغفلة إلى الحضور
стр. 184
ومن الحضور إلى المشاهدة. وألا يتصرف فى شئ من حروفها بزيادة أو نقصان بل يقتصر على الوارد شرعا. وليحذر مما عليه غالب الناس اليوم من تحريف الذكر والإلحاد فى أسمائه تعالى فإنه حرم بالإجماع ولا سند لهم فى ذلك إلا قولهم: وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون: وهذا لا يصدر إلا من الجهلة الذين لا يميزون الغث من لسمين. فعلى المؤمن ألا يخرج فى ذكره وكل أعماله عما جاء به الكتاب العزيز، ونطقت به السنة المطهرة (١).
هذا. واعلم أن الذكر حقيقة هو ما يجرى على اللسان والقلب، وأكمله ما كان فيه استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفى النقائض عنه، والمراد به ما يشمل التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن والاستغفار والصلاة على النبى ﷺ وعلى آله وسلم وغير ذلك (قال) الفخر الرازى: المراد بذكر اللسان الألفاظ الدالة على التسبيح والتحميد والتمجيد (والذكر) بالقلب التفكر فى أدلة الذات والصفات والتكاليف من الأمر والنهى، وفى أسرار مخلوقات الله (والذكر) بالجوارح: هو أن تصير مستغرقة بالطاعة، ولذا سمى الله تعالى الصلاة ذكرا فى قوله (فاسعوا إلى ذكر الله).
هذا والذكر سبعة أقسام: ذكر العينين البكاء. وذكر الأذنين الاصغاء. وذكر اللسان الثناء. وذكر اليدين العطاء. وذكر البدن الوفاء، وذكر القلب الخوف والرجاء، وذكر الروح التسليم والرضا (واعلم) أن الذكر أفضل الأعمال (فعن) أبى الدرداء أن النبى ﷺ قال" ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأذكارها عند مليككم، وأرفعها فى درجاتكم، وخير لكم من
стр. 185
انفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضبوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى، أخرجه مالك وأحمد والترمذى وابن ماجه والحاكم وصححه (١) [١٥٦].
(وعن) معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال" ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله " أخرجه أحمد والترمذى والطبرانى بسند صحيح (٢) ﴿١٥٧﴾.
(وعن) الأغر ابى مسلم أنه قال: أشهد على أبى هريرة وأبى سعيد الخدرى أنهما شهدا على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال " لا يقعد قوم يذكرون الله ألا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده "أخرجه أحمد ومسلم والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (٣) ﴿١٥٨﴾.
(وعن) ابى سعيد الخدرى: خرج معاوية على حلقة فى المسجد فقال ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال الله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذلك، قال: أما أنى لم استحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتى من رسول الله ﷺ وهلى آله وسلم، أقل عنه حديثا منى، وأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال" ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: الله
стр. 186
ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما جلسنا إلا ذاك. قال: أما إنى لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتانى جبريلا فأجقبرنى ان الله يباهى بكم الملائكة. اخرجه مسلم والنسائى والترمذى وقال حسن غريب (١) ﴿١٥٩﴾.
(وعن) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال" من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير - فى يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر من ذلك" أخرجه مالك والشيخان والترمذى وابن ماجه (٢) ﴿١٦٠﴾.
(وعنه) أن النبى ﷺ قال" من قال سبحان الله وبحمده فى يوم مائة مرة، حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر" أخرجه مالك وأحمد والشيخان والترمذى وابن ماجه (٣) ﴿١٦١﴾.
(وعن) مكحول عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال" أكثروا من قول لا حول ولا قوة إلا بالله - فإنها كنز من كنوز الجنة " قال مكحول: فمن قالها ثم قال ولا منجى من الله إلا إليه،
стр. 187
كشف الله عنه سبعين بابا من الضر أدناها الفقر، أخرجه الترمذى، وقال: إسناده ليس بمتصل لأن مكحولا لم يسمع من ابى هريرة، وأخرجه النسائى مطولا بسند رجاله ثقات: ورفع إلى النبى قوله: ولا منجى من الله إلا إليه (١) ﴿١٦٢﴾.
(وعن) أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: استكثروا من الباقيات الصالحات: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أخرجه النسائى وأحمد وابن حبان والحاكم وصححاه (٢) ﴿١٦٣﴾.
فضل الدعاء
" (اعلم) أن الدعاء ذكر وزيادة. وقد ورد الأمر به. قال تعالى (وقال ربكم أدعونى أستجب لكم) (٦٠) سورة غافر (وعن) أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال" من لم يسأل الله يغضب عليه "أخرجه الترمذى وكذا ابن ماجه بلفظ: من لم يدع الله سبحانه غضب عليه (فضل الدعاء) والحاكم وصححه (٣) ﴿١٦٤﴾.
وقد ورد فى فضله أحاديث (روى) النعمان بن بشير رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال" الدعاء هو العبادة " ثم قرأ (وقال ربكم أدعونى استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون جهنم داخرين)
стр. 188
أخرجه أحمد والأربعة. وقال الترمذى حسن صحيح، وابن حبان والحاكم وصححاه (١) ﴿١٦٥﴾.
(وعن) أنس مرفوعا "الدعاء مخ العبادة "اخرجه الترمذى وفيه ابن لهيعة، فيه مقال (٢) ﴿١٦٦﴾. (وعنه) مرفوعا" لا يرد الدعاء بين الأذان والاقامة " أخرجه أحمد والثلاثة وحسنه الترمذى وزاد: قالوا فما نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العفو والعافية فى الدنيا والآخرة (٣) ﴿١٦٧﴾.
(وعن) شداد بن أوس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت. أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، وأبوء لك بذنبى، فاغفر لى فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها من النها موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسى، فهو من أهل الجنة. ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح، فهو من أهل الجنة " أخرجه أحمد والبخارى والدارمى والثلاثة (٤) ﴿١٦٨﴾.
(وعن) ابن عمر رضى الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسى وحين يصبح: "اللهم إنى أسألك العفو
стр. 189
والعافية فى الدنيا والآخرة. اللهم إنى أسألك العفو فى دينى ودنياى وأهلى ومالى. اللهم استر عوراتى وآمن روعاتى واحفظنى من بين يدى ومن خلفى وعن يمينى وعن شمالى ومن فوقى وأعوذ بك أن أغتال من تحتى " أخرجه النسائى وابن ماجه واللفظ له والحاكم وصححه (١) ﴿١٦٩﴾.
(وعن) عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمها هذا الدعاء: " اللهم إنى أسألك من الخير كله عاجله وأجله ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله
وأجله، ما علمت منه وما لم ألم. اللهم إنى أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك. وأعوذ بك من شر ما عاذ به عبدك ونبيك. اللهم إنى أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل. وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل. وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لى خيرا " أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن حبان والحاكم وصححاه (٢) ﴿١٧٠﴾.
إلى هنا تم بيان الأحكام العلمية " الاعتقادية". وأما الأحكام العملية فيبحث عنها.
-[علم الفقه]-
وهو (لغة) الفهم. و (اصطلاحا) العلم بالأحكام الشرعية الفرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية (وموضوعه) فعل المكلف من حيث أنه مكلف. وخطاب صاحب البهية بما أتلفته لتفريطه. وأمر الصبى بالصلاة ليعتادها. وثوابه
стр. 190
على الطاعة لعموم قوله تعالى: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) (٣٠) سورة الكهف. وفى حديث ابن عباس: رفعت امرأة صبيا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى (١) ﴿١﴾.
وعدم مؤاخذة غير المكلف ٥ بالمعصية لعدم تكليفه (روى) على رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبى حتى يحتلم. أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه (٢) ﴿٢﴾.
(واستمداده) من الكتاب والسنة والإجماع والقياس المستنبط من هذه الثلاثة. (وثمرته) الفوز بسعادة الدارين لمن تعلمه وعمل به (وواضعه) الإمام أبو حنيفة النعمان رضى الله عنه، فإنه أول من دون الفقه ورتب أبوابه، وتبعه الامام مالك رضى الله تعالى عنه فى موطئه.
والذى دعت الحاجة إلى بيانه من مباحثه، العبادات: الصلاة والزكاة والصيام والحج. أما الصلاة فهى ثانية أركان الإسلام الخمسة، وأفضل العبادات. ولها شروط لا تصح إلا بها، أولاها بالتقديم:
стр. 191
الطهارة
وهى بفتح الطاء لغة النظافة والتنزه عن الأدناس ولو معوية كالعيوب والذنوب، وبالكسر ما يتطهر به من الماء ونحوه، وبالضم اسم لما بقى من الماء بعد التهطر. وشرعا النظافة من النجاسة حقيقة كالخبث، وحكمية وهى الحدث أو يقال: هى صفة حكمية يستباح بها ما منعه الحدث أو حكم الخبث.
(ووسائلها كثيرة) منها الماء، والدابغ، والتراب، والاستحالة، والدلك، والفرك، وغيرها. ثم الكلام هنا فى سبعة مباحث.
١ - الماء
هو جسم لطيف سيال يتلون بلون إنائه (وهو قسمان) ما تصح به الطهارة وما لا تصح
(أ) فتصح بالماء الطاهر المطهر قليلا أو كثرا مستعملا أو غير مستعمل، عذبا أو ملحا، ماء آبار أو عيون أو مطر أو ندى لا يخرجه عن الطهورية إلا ما غير ريحه أو طعمه أو لونه من نجس يحل فيه. (لحديث) ابى سعيد الخدرى قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهى بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الماء طهور لا سنجسه شئ. اخرجه الشافعى وأحمد والثلاثة والحاكم وصححه وحسنه الترمذى (١) [٣].
стр. 192
(وعن) أبى أمامة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أن الماء طهور إلا أن تغير ريحه أو لونه أو طعمه بنجاسة تحدث فيه "أخرجه البيهقى (١) [٤].
وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة، لكن أجمع العلماء على مضمونها. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس (٢).
فالاحتجاج على نجاسة المتغير بالإجماع لا بتلك الزيادة (٣) (ومعلوم) أن الإجماع حجة ودليل من أدلة الشريعة المطهرة، وإن لم يظهر لنا مأخذه، لأنه لا ينعقد إلا عن دليل كما هو مقرر. فلا ينجس الماء بما لا قاه من النجاسة ولو كان قليلا إلا إذا تغير (وبه) قال ابن عباس وأبو هريرة والحسن البصرى وابن المسيب والثورى وداود الظاهرى والنخعى ومالك والغزالى وهو الراجح (وقال) أكثر الشافعية والحنفية وأحمد وإسحاق: ينجس القليل بما لاقاه من النجاسة وإن لم تتغر أوصافه، إذ تستعمل النجاسة باستعماله، ولحديث أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده " أخرجه الشافعى وأمد ومسلم والأربعة (٤) [٥].
стр. 193
(وحديث) ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " إذا ولغ الكلب فى الاناء فاغسلوه سبع مرات، السابعة بالتراب " أخرجه أبو داود وابن ماجه (١) [٦].
(وعنه) أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغسل فيه "
أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه والنسائى (٢) [٧].
(وحديث) ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا ان الماء قلتين لم يجعل الخبث" أخرجه الشافعى وأحمد والأربعة والبيهقى (٣) [٨].
(قالوا) فحديث " الماء طهور لا ينجسه شئ" فخصص بهذه الأدلة (واختلفوا) فى حد القليل الذى يجب اجتنابه عند وقوع النجاسة فيه (فقال) الحنفيون: ما ظن استعمال النجاسة باستعماله (وقال) الشافعى وأحمد: ما كان دون القلتين على اختلاف فى قدرهما (وأجاب) القائلون بأن القليل لا يتنجس بملاقاة النجاسة
стр. 194
إلا أن تغير (١) بأن ما استدلوا به ليس صريحا فى مدعاهم. (٢) أو أنه محمول على ما إذا تغير أحد أوصاف الماء جمعا بين الأدلة (٣) وبأن الظن لا ينضبط بل يختلف باختلاف الأشخاص وايضا جعل ظن الاستعمال مناطا يستلزم استواء القليل والكثير. (٤) وبأن حديث القلتين مضطرب الإسناد والمتن. وعلى تسليم صحته فلا معارضة بينه وبين حديث " الماء طهور لا ينجسه شئ" لأن ما بلغ مقدار القلتين فصاعدا لا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا أن تغير أحد أوصافه، فيتنجس بالاجماع فيخص به حديث القلتين، وحديث لا ينجسه شئ. وأما ما دون القلتين (فإن) تغير خرج عن الطهارة بالاجماع لمفهوم حديث القلتين فيخص بذلك عموم حديث لا ينجسه شئ (وإن) لم يتغير بنجاسة وقعت فيه (فحديث) لا ينجسه شئ، يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة لمجرد ملاقاة النجاسة (وحديث) القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها. والمنطوق مقدم على المفهوم.
(ومما) يدل على جواز التطهير بماء البحر الملح قول أبى هريرة: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا، افنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " أخرجه مالك وأحمد والأربعة، وقال الترمذى: حسن صحيح (١) [٩].
(ويدل) على جواز التطهير بماء الثلج والبرد حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول فى دعائه " اللهم اغسل خطاياى بماء الثلج والبرد،
стр. 195
ونق قلبى من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس " أخرجه النسائى (١) [١٠].
(ووجه) الدلالة أنه من باب التشبيه، فدل على أن المشبه به طهارة شرعية حاصلة بماء الثلج والبرد.
ب- (ويجوز) التطهير بفضل طهارة المرأة أو الرجل، لقول عائشة رضى الله عنها: كنت أغتسل أنا والنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد، من قدح يقال له الفق. أخرجه الشيخان (٢) [١١].
(وعن) عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: كان الرجال والنساء يغتسلون على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إناء واحد. أخرجه مالك والبخارى وأبو داود والنسائى (٣) [١٢].
(وعن) ميمونة رضى الله عنها قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من اناء واحد من الجنابة. أخرجه الترمذى وقال: حسن صحيح. وهو قول عامة الفقهاء أن لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من اناء واحد (٤) [١٣].
(وعن) ابن عباس رضى الله عنهما قال: اغتسل بعض أزواج النبى صلى الله
стр. 196
عليه وعلى آله وسلم فى جفنة فأراد رسول الله ﵌ أن يتوضأ منه. فقالت: يا رسول الله، انى كنت جنبا. قال: " ان الماء لا يجنب ". أخرجه أحمد والثلاثة. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وهو قول سفيان الثورى ومالك والشافعى (١) [١٤].
وكره بعض الفقهاء الوضوء بفضل طهور المرأة. وهو قول أحمد واسحاق.
واستدلا بحديث الحكم بن عمرو الغفارى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة. أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى وزاد: أو قال بسؤرها، وحسنه (٢) [١٥].
ولكن فيه مقال. وعلى فرض حسنة خ، فالحسن لا يعارض الأحاديث الصحيحة السابقة. وعلى فرض المساواة يحمل النهى على التنزيه (وبذا) تزداد علما بجواز التطهير بماء البرك ونحوها بالطريق الأولى.
(فائدة) لم يقم دليل على طلب نية الاغتراف اذا كان الوضوء أو الغسل من اناء مفتوح خلافا لمن زعم ذلك وقال: ان لم ينو الاغتراف أو الغسل وبعد غسل الوجه فى الوضوء، صار الماء مستعملا لا يتطهر به (بل يدل) على عدم طلبها حديث عبد الله بن زيد بن عاصم أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى له وسلم، فدعا باناء فأكفأ منه على يديه ثلاثا
стр. 197
فغسلهما، ثم أدخل يده واستخرجها غمضمض واستشق من كف واحدة، ففعل ذلك ثلاثا. ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا. ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه الى المرفقين مرتين مرتين. ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر. ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه الشيخان وأحمد، وهذا لفظه (١). [١٦].
(فترى) رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كرر الاغتراف من الإناء، فأتم وضوءه. وكذلك أصحابه رضى الله عنهم. ولم ينقل عنهم أن إدخال اليد فى الإناء بلا نية اغتراف يصيره مستعملا لا يصح التطهير به، لما تقدم أن الماء لا ينجسه شئ، ولا تسلب طهورته إلا إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة.
جـ- (ويصح) التطهير بالماء المستعمل فى طهارة بلا كراهة عند الظاهرية لأنه يصدق عليه اسم الماء المطلق. (وقالت) المالكية: يكره التطهر به عند وجود غيره، ولم يضف إليه ماء مطلق لضعفه باستعماله فى الطهارة الأولى. ولا يجوز التيمم مع وجوده. أما إذا لم يوجد غيره أو أضيف إليه ماء مطلق فلا يكره التطهر به (وقال) أبو حنيفة والشافعى: لا تجوز الطهارة به على كل حال لأنه لا يتناوله اسم الماء المطلق (وشذ) أبو يوسف فقال: إنه نجس.
(والحق) أن الماء المستعمل طاهر مطهر عملا بالأصل وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور. وهو مذهب جماعة من السلف والخلف.
стр. 198
د - ولا تصح الطهارة بما تغير بطاهر كماء الورد والزعفران والصابون والأشنان (١)، فهو طاهر غير مطهر عند الأئمة الثلاثة، لزوال اسم الماء المطلق عنه. (وقال) الحنفيون: انه طاهر مطهر وان تغير بعض أوصافه ما دام باقيا على رقته وسيلانه، لقول عائشة رضى الله قعنها: كان النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يغسل رأسه بالخطمى وهو جنب فيجتزئ بذلك ولا يصب عليه الماء أخرجه أبو داود والبيقهى بسند حسن (٢) [١٧].
ومعناه أنه كان يكتفى بالماء الذى يزيل به الخطمى، ولقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فيمن سقط عن راحلته فمات - " اغسلوه بماء وسدر ". أخرجه السبعة من حديث ابن عباس (٣) [١٨].
والميت لا يغسل الا بما يصح التطهير به للحى. أما ما تغيرت كل أوصافه أو خرج عن رقته وسيلانه، فلا يصح التطهير به اتفاقا.
٢ - السؤر
هو بالهمز فى الأصل ما بقى فى الإناء بعد شرب الحيوان وهو المراد هنا. ثم عم استعماله فى الباقى من كل شئ (وقد اتفق) العلماء على طهارة سؤر المسلم
стр. 199
وبهيمة الأنعام. واختلفوا فيما عدا ذلك (فقال) مالك والأوزاعى وداود الظاهرى بطهارة سؤر كل حيوان. وعن ماتلك أنه استثنى الخنزير فقط (واستثنى) الشافعى وأحمد سؤر الكلب والخنزير. واستثنى ابن القاسم المالكى سؤر السباع عامة (وقال) الحنفيون: سؤر كل شئ كعرقة. وهو أربعة أقسام:
(الأول) طاهر غير مكروه استعماله. وهو سؤر الآدمى الطاهر الفم ولو كافرا أو جنبا، وما يؤكل لحمه من الدواب والطيور التى تتوفى النجاسة غالبا، لقول عائشة رضى الله عنها: كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيضع فاه على موضع فى فيشرب. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى وابن ماجه (١) [١٩].
ولأن لعاب مأكول اللحم متولد من لحم طاهر فأخذ حكمه.
(الثانى) نجس وهو سؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم، وهى كل ناب يعدو به كالأسد والذئب والثعلب والهر البرى، لما سيأتى عن أبى هريرة وابن عمر.
(الثالث) طاهر يكره استعماله تنزيها عند وجود غيره. وهو سؤر الهرة الأهلية والدجاجة التى تجول فى القاذورات ولم تعلم حال منقارها، وسباع الطير. وهى كل ذى مخلب يصيد به كالحدأة والصقر، اذا لم يعلم طهارة منقارها وسواكن البيوت مما له دم سائل كالحية والفأرة، لحديث أبى قتادة الآتى.
(الرابع) متوقف فى طهوريته، وهو سؤر البغل والحمار الأهلى، فان لم يجد
стр. 200
ماء غيره تطهر به، وتيمم احتياطا (وأما) سؤر المشرك (فقيل) انه نجس (وقيل) مكروه اذا كان يشرب الخمر. وهو قول ابن القاسم ومثله عنده جميع آسار الحيوانات التى لا تتوقى النجاسة غالبا مثل الدجاج والابل والجلالة والكلاب (وسبب) اختلافهم الآثار بعضها بعضا (اما القياس) فهو أنه لما كان الموت من غير ذكاة سبب نجاسه عين الحيوان بالشرع، وجب أن تكون الحياة سبب طهارة عين الحيوان، وحيث كان كذلك فكل حى طاهر العين، وكل طاهر العين سؤره طاهر (وأما) ظاهر الكتاب فانه عارض هذا القياس فى الخنزير والمشرك. وذلك أن الله تعالى (قال) فى الخنزير: (فانه رجس) أى نجس، وما هو رجس فى عينه فهو نجس لعينه، ولذلك استثنى قوم من الحيوان الخنزير فقط، ومن لم يستثنه حمل قوله رجس على جهة الذم (وقال) الله تعالى فى المشرك: (انما المشركون نجس) (٢٨) سورة التوبة. فمن حمل هذا أيضا على ظاهرة استثنى من مقتضى القياس المشركين. ومن أخرجه مخرج الذم لهم وأن المراد نجاسه العقيدة، طرد قياسه (وأما) الأحاديث فانها عارضت هذا القياس فى الكلب والهر والسباع (أما) فى الكلب فقد تقدم عن أبى هريرة أنه روى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " اذا ولغ الكلب فى الاناء فاغسلوه سبع مرات " أخرجه أبو داود وابن ماجه (١) [٢٠].
(وأما) فى الهر فقد روى قرة عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين ". أخرجه الطحاوى (٢) [٢١].
стр. 201
(وأما) فى السباع فقد تقدم عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال " اذ كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " أخرجه الشافعى وأحمد والأربعة (١) [٢٢].
(فهذا الحديث) يدل على نحاسه سؤر السباع، والا لكان التحديد بالقلتين " فى جواب السؤال عن ورودها على الماء " عبثا. (وأما) تعارض الأحاديث (فمنها) حديث أبى هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الحياض التى تكون بين مكة والمدينة، فقيل ان الكلاب والسباع ترد عليها فقال: لها ما أخذت فى بطونها ولنا ما بقى شراب وطهور. أخرجه الدار قطنى (٢) [٢٣].
(ومنها) حديث كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبى قتادة أن أبا قتادة دخل عليها فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت منه، قالت كبشة: فرآنى أنظر اليه فقال: أتعجبين يابنة أخى؟ فقلت نعم. فقال ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: انها ليست بنجس، انها من الطوافين عليكم والطوافات. أخرجه مالك وأحمد والدارمى والأربعة، وقال الترمذى: حسن صحيح. وصححه البخارى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطنى (٣) [٢٤].
(ومنها) حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصغى
стр. 202
الى الهرة الاناء حتى تشرب. ثم يتوضأ بفضلها. أخرجه الدارقطنى والطحاوى (١) [٢٥].
(وقد) اختلف العلماء فى تأويل هذه الأحاديث ووجه جمعها مع القياس المذكور. فذهب مالك فى الأمر باراقة سؤر الكلب وغسل الاناء منه، الى أن ذلك أمر تعبدى لم تعقل علته. وأن الماء الذى يلغ فيها الكلب فى المشهور عنه. وقال: لا يفهم منه أن الكلب نجس العين، والا عارضه ظاهر قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن عليكم) (٤) سورة المائدة. قال: لو كان نجس العين لنجس الصيد بماسته. وأيد هذا التأويل بما جاء فى غسله من العدد والنجاسات لا يشترط فى غسلها العدد بل المدار فى ذلك على ازالتها. فالقياس عنده باق على عمومه. ولم يعول على سائر هذه الأحاديث لضعفها عنده.
(قال) ابن رشد: قال القاضى: قد ذهب جدى الى أن هذا الحديث معلل معقول المعنى، ليس من سبب النجاسه، بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذى وله فى الإناء كلبا فيخاف من ذلك السم، ولذلك جاء هذا العدد الذى هو السبع فى غسله، فان هذا العدد قد استعمل فى الشرع فى مواضع كثيرة فى العلاج والمداواة من الأمراض وهذا وجه حسن فانه إذا قلنا: أن ذلك الماء غير نجس، فبيان علة غسله أولى من أن يقال أنه غير معلل (٢).
стр. 203
(هذا) والذى يشهد له الدليل (ا) أن سؤر الكلب نجس وهو قول الحنفيين والشافعى وأحمد ومالك فى رواية ابن وهب عنه، لما تقدم أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بغسل الإناء سبعا من ولوغه فيه. فالحديث يقتضى نجاسة سؤره وأن لعابه نجس، وأنه يجب أن يغسل الصيد منه ومثله الخنزير عند الشافعى وأحمد لقوله تعالى: (فانه رجس).
(ب) وأن سؤر السنور وباقى السباع والحيوان غير هالكلب والخنزير طاهر ويؤيده قول جابر: سئل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها. أخرجه الشافعى والدارقطنى. وقال البيهقى فى المعرفة: له أسانيد اذا ضم بعضها الى بعض كانت قوية (١) [٢٦].
(ولعل) الأرجح أن يستثنى من طهارة أسار الحيوان " الكلب والخنزير والمشرك " لصحة الآثار الواردة فى الكلب، ولأن ظاهر الكتاب أولى أن يتبع فى القول بنجاسه عين الخنزير والمشرك، من القياس. وكذلك ظاهر الحديث نجاسه سؤر الكلب. وعليه أكثر الفقهاء، فان الأمر باراقة ما ولغ فيه الكلب مناسب فى الشرع لنجاسه الماء الذى ولغ فيه. أعنى أن المفهوم بالعادة فى الشرع من الأمر باراقة الشئ وغسل الاناء منه هو لنجاسة الشئ "وما اعترضوا به " من أنه لو كان ذلك لنجاسة الاناء، لما اشترط فيه العدد " فغير نكير " أن يكون الشرع يخص نجاسه دون نجاسة بحكم دون حكم تغليظا لها (٢).
стр. 204
٣ - الدباغ
بكسر الدال مصدر دبغ- من بابي نصر وكتب- ويطلق على ما يدبغ به. والمراد هنا تطهير الجلد بما يزيل منه النتن والرطوبة ويمنع عود الفساد له إذا استعمل في الماء. هذا وجلد الميتة يطهر بالدبغ وينتفع به عند الجمهور لحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "أيما أهاب دبغ فقد طهر" أخرجه الشافعي والسبعة إلا البخاري، وقال الترمذي: حسن صحيح (١) ﴿٢٧﴾.
والإهاب: الجلد إذا لم يدبغ (وفيما يطهر) بالدبغ ستة أقوال.
١ - (قال) الحنفيون: كل جلد دبغ بما يمنع النتن والفساد يطهر ظاهرا وباطنا، فيصح الوضوء منه والصلاة فيه وعليه.
(واستثنوا) من ذلك (أ) مالا يحتمل الدباغ كجلد الحية والفأرة والطيور، فلا يطهر بالدبغ لعدم إمكانه. (ب) وجلد الخنزير لأنه نجس العين. لقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس) (١٤٥) سورة الأنعام، بناء على عود الضمير إلى المضاف إليه. فإذا لم تقده الحياة الطهارة، فالدباغ أولى.
стр. 205
(وما يطهر به) يطهر بالذكاة الشرعية وهي الصادرة من ذي دين سماوي غير محرم ولا متعمد ترك التسمية، فذكاة المجوسي والمحرم بحج أو عمرة وتارك التسمية عمدا، غير مطهرة.
٢ - وقالت الشافعية: كل جلد يطهر بالدباغ، لما تقدم.
"واستثنوا" من ذلك (أ) جلد الخنزير، لما تقدم (ب) جلد الكلب قياسا عليه بجامع النجاسة في كل (جـ) جلد ما تولد من أحدهما مع حيوان آخر (١).
٣ - والمشهور عن مالك أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ لكن يجوز استعماله في اليابس والماء دون غيره من المائعات، لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
٤ - والمشهور عند الحنبلية أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ ولا يستعمل. واستدل المالكية والحنبلية بحديث عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب إلى جهينة: اني كنت رخصت لكم في جلود الميتة. فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. أخرجه الدارقطني (٢) ﴿٢٨﴾.
(وعنه) قال: كتب إلينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل وفاته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. أخرجه أحمد والأربعة ولم يذكر الشهر إلا أحمد وأبو داود (وذكر) الترمذي في رواية قبل وفاته بشهرين وقال هذا حديث حسن (٣) ﴿٢٩﴾.
стр. 206
(وقال) كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين وكان يقول: كان آخر أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم ترك أحمد هذا الحديث لما اضطربوا في إسناده حيث روى بعضهم وقال عن عبد الله ابن عكيم عن أشياخ من جهينة.
(قالوا) هذا الحديث ناسخ للأحاديث السابقة لأنه كان قبل الموت بشهر أو شهرين (وأجاب) الجمهور عنه (أ) بأنه حديث ضعيف لأن ابن عكيم لم يلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس بصحابي فهو مرسل لعدم سماع ابن عكيم من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنقطع لعدم سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من ابن عكيم. ومضطرب سندا ومتنا (١). وروى عن مشيخة مجهولين لم تثبت صحبتهم. وتحسين الترمذي له غير مسلم فقد بين هو وغيره وجه ضعفه فلا يقاوم الأحاديث السابقة لصحتها واشتهارها. (ب) وبأنه لا نسخ لإمكان الجمع بأن الإهاب الجلد قبل دباغة (قال) أبو داود: فإذا دبغ لا يقال له أهاب إنما يسمى شنا وقربة فلا يعارض الأحاديث السابقة فإن النهي فيه لما قبل الدباغ، والإباحة في غيره لما بعد الدباغ.
стр. 207
٥ - (وقال) الأوزاعي وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وبعض الحنبلية: يطهر بالدباغ جلد ميتة مأكول اللحم دون غيره. لحديث ابن عباس أن داجنا لميمونة ماتت، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألا انتفعتم باهابها؟ ألا دبغتموه؟ فإنه ذكاته. اخرجه أحمد (١) ﴿٣٠﴾.
٦ - (وقال) داود والظاهري وسحنون وابن الحكم: يطهر جلد الميتة مطلقا بالدبغ وروى عن أبي يوسف لعموم الأحاديث السابقة. فيجوز استعماله في اليابسات والمائعات، لا فرق بين ماء وغيره. وهذا هو الراجح، لأن الأحاديث لم يفرق بين مأكول اللحم وغيره.
هذا (واحتجاج) الشافعية بقوله تعالى: "أو لحم خنزير فإنه رجس" على إخراج الخنزير، وقياس الكلب عليه (لا يتم) إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضافن وهو محل نزاع، ولا أقل من الاحتمال أن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحا. والمحتمل لا يكون حجة على الخصم. وأيضا لا يمتنع أن يقال رجسية الخنزير- على تسليم شمولها لجميعه لحما وشعرا وجلدا وعظما- مخصصة بأحاديث الدباغ (٢).
(مسائل): ١ - لو دبغ الجلد بنجس أو بمجتنس أو بماء نجس فهل يحصل به الدباغ؟ فيهوجهان أصحهما الحصول، لأن الغرض تطيب الجلد وإزالة الفضول
стр. 208
وهذا حاصل بالنجس كالطاهر ويجب غسله بعد الدباغ ولو دبغه بطاهر لا يجب غسله على الأصل.
٢ - لا يفتقر الدباغ إلى نية ولا إلى فاعل فلو أطارت الريح جلد ميتة فألقته في مدبغة فاندبغ صار طاهرا.
٣ - لو أخذ شخص جلد ميتة لغيره فدبغه طهر. ولمن يكون؟ "قيل" يكون لدبغ "وقيل" لصاحب الميتة لتقدم حقه. والأصح أنه إن كان صاحبها رفع يده عنها ثم أخذه الدابغ فهو له وإن كان غصبه للمغصوب منه (١).
٤ - أجمع العلماء على أنه لا يجوز الانتفاع بجلد الميتة إذا لم يدبغ. وعليه يحمل النهي في حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "نهى عن جلود السباع" أخرجه أحمد والثلاثة والحاكم. وزاد الترمذي: أن تفترش (٢) ﴿٣١﴾.
(وعن) المقدام بن معد يكرب أنه قال لمعاوية: أنشدك الله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال نعم. أخرجه أبو داود والنسائي بسند صالح (٣) ﴿٣٢﴾.
(دل) الحديثان على أن جلود السباع لا يجوز الانتفاع بها (وقد) اختلف في حكمة النهي (فقال) البيهقي: يحتمل أن النهي وقع لما يبقى عليها من
стр. 209
الشعر، لأن الدباغ لا يؤثر فيه. وقال غيره: يحتمل أن النهي عما لم يدبغ منها، لأجل النجاسة، أو أن النهي لأجل أنها مراكب أهل السرف والخيلاء (وأما) الاستدلال بهما على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم (فغير ظاهر) لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها، ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه (١).
٤ - الآنية
هي جمع إناء وهو مباح وغيره.
(أ) فيباح اتخاذ واستعمال كل إناء طاهر سواء أكان ثمينا كالبلور والياقوت والزمرد، أو ليس ثمينا كالعقيق والخشب والحجارة والنحاس والحديد والجلد. وهو قول الجمهور لقول عبد الله بن زيد: أتانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخرجنا له ماء في تور من صفر فتوضأ أخرجه البخاري (٢) ﴿٣٣﴾.
(وقالت) عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تور من شبه. أخرجه أبو داود (٣) ﴿٣٤﴾.
стр. 210
(ب) ولا يجوز استعمال إناء الذهب أو الفضة في شيء عند الجمهور لقول حذيفة: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" أخرجه السبعة (١) ﴿٣٥﴾.
(وعن) أم سلمة ﵂ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من شرب في إناء من دهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم" أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٦﴾.
(فهذه) الأحاديث تدل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وهو مجمع عليه. وشذ ذاود الظاهري في تحريم الشرب فقط، ولعله لم يبلغه حديث تحريم الأكل. ويقاس على تحريم الأكل والشرب فيها سائر الاستعمالات عند الجمهور (قال) الشافعي في الأم: ولا أكره إناء توضئ فيه من حجارة ولا حديد ولا نحاس ولا شيء إلا آنية الذهب والفضة فإني أكره الوضوء فيها.
وقال: فإن توضأ أحد فيها أو شرب كرهت ذلك له ولم آمره يعيد الوضوء ولم أزعم أن الماء الذي شرب ولا الطعام الذي أكل فيها محرم عليه وكان الشرب فيها معصية (٣).
стр. 211
(وقول) الشوكاني في نيل الأوطار: والقياس على الأكل والشرب. قياس مع الفارق "مردود" بما ذكره النووي من أن العلة السرف والخيلاء. وهذا موجب للتحريم. ولا مانع من أن يضم إلى هذا التشبه بأهل الجنة الذي ذكره هو. فيكون مجموع هذه الأمور قاضيا بصحة القياس "وقوله" أما حكاية النووي الإجماع على تحريم الاستعمال، فلا تتم مع مخالفة داود الظاهري والشافعي وبعض أصحابه "مدفوع" بما ذكره النووي من ان كلام الشافعي وداود معارض بالأحاديث الصحيحة وقد قال الشافعي وغيره من الأئمة: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ففي الحقيقة لا مخالفة والإجماع قائم (أما اتخاذ) أواني الذهب والفضة بدون استعمال، فالجمهور على منعه. (قال) أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: المذهب تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة. وعن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال ولا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير وذكره بعض أصحابنا وجها من المذهب. ولنا ان ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي. وأما الثياب الحرير فإنها تباح للنساء والتجارة فحصل الفرق (١).
(وعلى) الجملة فيحرم على الرجل وغيره، استعمال شيء من الذهب والفضة ولو قليلا أو صغيرا كالمورد للمكحلة، والخلال، والأبرة والملعقة، والمشط، والمبخرة، والسكين، والمرآة، وظروف وفناجين القهوة، والساعات وريش القلم (ويحرم) على البالغ إلباس الصغير الحرير، أو الذهب، أو غير خاتم الفضة، أو يطعمه أو يسقيه في إنائهما أو يمكنه من استعمالها، لأنه بحرمة اللبس والأكل والشرب، يحرم الإلباس والإطعام والسقي. ولقول عبد الله بن يزيد
стр. 212
كنا عند عبد الله ابن مسعود فجاء ابن له قميص من حرير قال: من كساك هذا؟ قال أمي فشقه وقال: قل لأمك تكسوك غير هذا. أخرجه الطبراني بسندين رجال أحدهما رجال الصحيح (١) ﴿١﴾.
(وقال) بعضهم: إنما دلت الأحاديث على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. وأما سائر الاستعمالات فلا والأصل الحل فلا تنبت الحرمة إلا بدليل (وقد) علمت أن الجمهور قاسوا سائر الاستعمالات على الأكل والشرب. فالاحتياط الاحتزار عن استعمال آنية الذهب والفضة مطلقا ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
٥ - المضبب والمحلى بالذهب أو الفضة
المضبب "المربوط كسره أو شقه بذهب، أو فضة" ويحرم استعماله عند الشافعي وأحمد إلا ما كان مضببا بيسير الفضة (وقال) أبو يوسف بكراهته لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: "من شرب في إناء ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم". أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق يحيى بن محمد الجاري عن زكريا ابن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه (٢). ﴿٣٧﴾ قال ابن القطان: هذا الحديث لا يصح. زكريا وأبوه لا يعرف فهما حال (٣)، وقال الحاكم: لم نكتب هذه اللفظة "أو إناء فيه شيء من ذلك" إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: المشهور عن ابن عمر في المضبب موقوف عليه.
стр. 213
(وعن) نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة. أخرجه البيهقي بسند على شرط الصحيح (١).
ولأن في ذلك السرف والخيلاء، فأشبه إناء الذهب والفضة.
(ويدل) على جواز استعمال المضيف بيسير الفضة قول عاسم الأحول: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند أنس ابن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار. قال أنس: لقد سقيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القدح أكثر من كذا وكذا. أخرجه البخاري (٢) ﴿٣٨﴾.
(وبه) استدل أبو حنيفة على جواز استعمال المضبب بأحدهما. وكذا يحل عنده استعمال المصحف المحلي بالذهب أو الفضة واستعمال إناء أو سرج أو كرسي او سكين أو سرير أو سيف أو لجام أو ركاب مزوق بالذهب أو الفضة، متقيا موضع الفضة والذهب، مستدلا بحديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضة. أخرجه أبو داود والترمذي (٣) ﴿٣٩﴾.
(وأطلقت) المالكية حرمة استعمال المضبب بأحدهما. ولعله لم يبلغهم حديث أنس المذكور. وعلى هذا الخلاف المموه بذهب أو فضة إذا كان يخلص منه شيء بعرضه على النار. أما التمويه الذي لا يخلص فلا بأس به اتفاقا، لأنه مستهلك، فلا عبرة ببقائه لونا.
стр. 214
٦ - اتخاذ الأنف والسن من ذهب أو فضة وشد السن بهما
قال أبو حنيفة: لو جدع أنف إنسان لا يتخذه من ذهب ويتخذه من فضة.
(وقال) مالك ومحمد بن الحسن: يتخذه من الفضة والذهب. لحديث عرفجة ابن أسعد أنه أصيب أنفه فاتخذ أنفا من الفضة، فأنتن، فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاتخذ أنفا من الذهب. أخرجه الثلاثة بسند جيد، وحسنه الترمذي (١) ﴿٤٠﴾.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: لا يجوز اتخاذ أنف أو سن من فضة أو ذهب إلا للضرورة للحديث المذكور (قال النووي) في المجموع: أن اضطر إلى الذهب جاز استعماله، فيباح له الأنف والسن من الذهب والفضة، وكذا شد السن العليلة بهما جائز. ويباح أيضا الأنملة منهما. وفي جواز الأصبع واليد منهما وجهان: أشهرهما لا يجوز، لأن الأصبع واليد منهما لا تعمل عمل الأصلية، بخلاف الأنملة (وإذا سقطت) سنة كره عند أبي حنيفة إعادتها وشدها بذهب أو فضة ولكن يأخذ سن شاة مذكاة فيجعلها مكانها (وقال) أبو يوسف يشدها مكانها بالذهب أو الفضة. وأما السن المتحركة فيحل شدها بالفضة لا بالذهب عند أبي حنيفة، لأن استعمالهما حرام إلا للضرورة. وقد زالت بالأدنى فبقى الأعلى على الأصل وهو الحرمة (وقال) مالك ومحمد بن الحسن: يحل بالذهب أيضا لاستوائهما.
(تغطية الأواني) يستحب تغطية الأواني، وربط القرب، وذكر اسم الله تعالى عند ذلك، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي صلى الله عليه
стр. 215
وعلى آله وسلم قال: "غطوا الإناء وأوكئوا السقاء وأغلقوا الباب وأطفئوا السراج فإن الشيطان لا يحل سقاء ولا يفتح بابا ولا يكشف إناء. فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا ويذكر اسم الله فليفعل فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم" أخرجه مسلم وابن ماجه (١) ﴿٤١﴾.
(وعن جابر) ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أغلق بابك، وأذكر اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأطفئ مصباحك، وأذكر اسم الله، وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه، وأذكر اسم الله، وأوك سقاءك وأذكر اسم الله. أخرجه الثلاثة واللفظ لأبي داود (٢) ﴿٤٢﴾.
٧ - سنن الفطرة
الفطرة: هي السنة القديمة والخلقة المبتدأة، ومنه فاطر السموات والأرض. أي المبتدئ خلقهن. وسنن الفطرة كثيرة (منها) ما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "الفطرة خمس" الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر" أخرجه السبعة (٣) ﴿٤٣﴾.
(ومنها) ما في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال