← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

(الثانية) إذا اشتد الزحام في الجمعة وتمكن من السجود على ظهر غيره أو رجله لزمه ذلك، وأجزأه عند غير مالك (لقول) سياد بن المعرور: سمعت عمر وهو يخطب يقول: إن رسول الله ﷺ بنى هذا المسجد ونحن معه المهاجرون والأنصار. فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه ورأى قوماً يصلون في الطريق فقال: صلوا في المسجد. أخرجه أحمد والبيهقى بسند صحيح (١). (٩٨). (قال) ابو محمد عبد الله بن قدامة: ومتى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان أو قدمه لزمه ذلك وأجزأه. قال أحمد في رواية: يسجد على ظهر الرجل والقدم، ويمكن الجبهة والأنف في العيدين والجمعة، وبهذا قال الثورى وأبو حنيفة والشافعى وأبو ثور وابن المنذر. وقال عطاء والزهرى ومالك: لا يفعل. قال مالك: وتبطل الصلاة إن فعل، لقول النبي ﷺ : ومكن جبهتك من الأرض (٢). (ولنا) ما روى عن عمر رضى الله عنه وذكر الثر السابق وقال: وهذا قاله بمحضر من الصحابة وغيرهم في يوم جمعة ولم يظهر له مخالف فكان إجماعاً، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح، كالمريض يسجد على المرفقة، والخبر لم يتناول العاجز، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولا يأمر العاجز عن الشيء يفعله. (وإن زحم) في الأول ولم يتمكن من السجود على ظهر ولا قدم، انتظر حتى يزول الزحام ثم يسجد ويتبع إمامه. فإذا قضى ما عليه وأدرك الإمام في القيام أو في الركوع اتبعه فيه وصحت له الركعة. وكذا إذا تعذر عليه السجود مع إمامه بمرض أو نوم او نسيان، لأنه معذور

стр. 1507

فى ذلك فأشبه المزحوم، فإن خاف أنه إن تشاغل بالسجود فاته الركوع مع الإمام فى الثانية، لزمه متابعته، وتصير الثانية أولاه، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: يشتغل بقضاء السجود، لأنه قد ركع مع الإمام فيجب عليه السجود بعده كما زال الزحام والإمام قائم، والشافعى كالمذهبين، ولنا قول النبى ﷺ : إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا (١). (فإن قيل) فقد قال: فإذا سجد فاسجدوا (قلنا) قد سقط الأمر بالمتابعة فى السجود عن هذا لعذره، وبقى الأمر بالمتابعة فى الركوع متوجهاً فمكانه، ولأنه خائف فوات الركوع فلزمه متابعة إمامه فيه كالمسبوق. فأما إذا كان الإمام قائماً فليس هذا اختلافاً كثيراً، وقد فعل النبى ﷺ مثله بعسفان. إذا تقرر هذا فإنه إن اشتغل بالسجود معتقداً تحريمه، لم تصح صلاته، لأنه ترك واجباً عمداً، وفعل ما لا يجوز له فعله. وإن اعتقد جواز ذلك فسجد، لم يعتد بسجوده، لأنه سجد فى موضع الركوع جهلا، فأشبه الساهى. ثم إن أدرك الإمام فى الركوع ركع معه صحت له الثانية دون الأولى، وتصير الثانية أولاه، فإن فاته الركوع سجد معه، فإن سجد السجدتين معه، فقال القاضى: يتم بهما الركعة الأولى، وهذا مذهب الشافعى، وقال أبو الخطاب: إذا سجد معتقداً جواز ذلك اعتد له به وتصح له الركعة كما لو سجد وإمامه قائم. ثم إن أدرك الإمام فى ركوع الثانية صحت له الركعتان، وإن أدرك بعد رفع راسه من ركوعه فينبغى أن يركع ويتبعه، لأن هذا سبق يسير، ويحتمل أن تفوته بفوات الركوع، وإن أدركه فى التشهد تابعه وقضى ركعة بعد سلامه كالمسبوق.

стр. 1508

وقال أبو الخطاب: ويسجد للسهو، ولا وجه للسجود ههنا، لأن المأموم لا سجود عليه لسهو. وإن زوحم عن سجدة واحدة أو عن الاعتدال بين السجدتين أو بين الركوع والسجود أو عن جميع ذلك، فاحكم فيه كالحكم في الزحام عن السجود، فإما إن زوحم عن السجود في الثانية فزوال الزحام قبل سلام الإمام، سجد واتبعه وصحت الركعة، وإن لم يزل حتى سلم، فلا يخلو من أن يكون أدرك الركعة الأولى أو لم يدركها، فإن أدركها فقد أدرك الجمعة بإدراكها، ويسجد الثانية بعد سلام الإمام، ويتشهد ويسلم وقد تمت جمعته، وإن لم يدرك أدرك الأولى فإنه يسجد بعد سلام إمامه وتصح له الركعة، وهل يكون مدركاص للجمعة بذلك؟ على روايتين. أهـ. ملخصاً (١). (١٠) ما يقال بعد صلاة الجمعة يسن من الذكار بعد الجمعة ما يسن بعد غيرها من الصلوات، ويستحب الإكثار من ذكر الله تعالى بعدها. ويندب قراءة "قل هو الله أحد " والمعوذتين سبعاً قبل أن يثنى رجله (لحديث) عائشة أن النبى ﷺ قال: من قرأ بعد صلاة الجمعة: " قل هو الله أحد "، و" قل أعوذ برب الفلق"، و" قل أعوذ برب الناس" سبع مرات، أعاذه الله بها من السوء إلى الجمعة الأخرى. اخرجه ابن السنى وابن شاهين بسند ضعيف (٢). [٢٣٦]. قال المناوى: وفى رواية قبل أن يتكلم. وفى أخرى: وهو ثان رجله، وقال الحافظ بن حجر. ينبغى تقييده بما بعد الذكر المأثور فى الصحيح، وله شاهد من مرسل مكحول. أخرجه سعيد بن منصور فى سننه عن فرج بن

стр. 1509

فضالة عن مكحول. وزاد فى أوله فاتحة الكتاب وقال فى آخره: كفَّر الله عنه ما بين الجمعتين، وكان معصوماً. وفرج ضعيف (١). ويستحب ان يقول بعد قراءة السور المذكورة وهو رافع يديه: اللهم يا غنى يا حميد يا مبدئ يا معيد يا رحيم ياغ ودود، أغننى بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك (٢). [٢٣٧]. أقول التزام هذا الدعاء بخصوصه، ودعوى أن المواظبة عليه سبب الغنى لا دليل عليه. (١١) متى يصلى الظهر من لم تلزمه الجمعة من لم تلزمه الجمعة كالمسافر والعبد والمريض والمرأة والمعذور، له أن يصلى الظهر ولو جماعة قبل صلاة الإمام عند الجمهور، لكن يندب له تأخير الظهر إذا رجا زوال عذره عند الأئمة الثلاثة. (وقال) الحنفيون: يكره للمعذور ومنه المسجون صلاة الظهر يوم

стр. 1510

الجمعة بجماعة فى مكان تقام فيه الجمعة، لما فى ذلك من تقليل جماعة الجمعة، فقد يقتدى بهم غيرهم. وكذا يكره صلاته بلا جماعة قبل صلاة الإمام الجمعة رجاء ان يزول عذره فيؤدى الجمعة. (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: ولا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها، أن يصلى الظهر فى جماعة إذا أمن من أن ينسب إلى مخالفة الإمام والرغبة عن الصلاة معه، أو أنه يرى الإعادة إذا صلى معه، وهو قول الشافعى وإسحاق، وكرهه الحسن وأبو قلابة ومالك وأبو حنيفة، لأن زمن النبى ﷺ لم يخل من معذورين، فلم ينقل أنهم صلوا جماعة. ولنا قول النبى ﷺ : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة (١). [٢٣٨]. وروى عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة فصلى بعلقمة والأسود. (٩٩). واحتج به أحمد وقال: ما أعجب الناس ينكرون هذا. فأما زمن النبى ﷺ فلم ينقل إلينا أنه اجتمع جماعة معذرون يحتاجون إلى غقامة جماعة إذا ثبت هذا، فإنه لا يستحب صلاة الظهر جماعة فى المسجد الذى أُقيمت فيه الجمعة، لأنه يفضى إلى النسبة إلى الرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام وربما افضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به وبغيره، وإنما يصليها فى منزله أو موضع لا تحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه (٢). (أما) من لزمته الجمعة ولا عذر له فى التخلف عنها، فلا يصح له صلاة الظهر قبل صلاة الإمام الجمعة- عند مالك وأحمد والشافعى فى الجديد- ويلزمه السعى إن ظن أنه يدركها، لأنها المفروضة عليه؛ فإن ادركها معه

стр. 1511

صلاها، وإن فاتته فعليه صلاة الظهر، وإن ظن أنه لا يدركها، انتظر حتى يتيقن أن الإمام قد صلى ثم يصلى الظهر. (وقال) الحنفيون والشافعى فى القديم: من صلى الظهر يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له، تصح صلاته مع الحرمة، لتركه الفرض القطعى وهو الجمعة بلا عذر. ثم إن بدا له الرواح وخرج إليها والإمام فيها وقت خروجه بطل الظهر عند أبى حنيفة وإن لم يدركها، لأن السعى من خصائص الجمعة، فينزل منزلة الشروع فيها. (وقال) الحنفيون والشافعى فى القديم: من صلى الظهر يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له، تصح صلاته مع الرحمة، لتركه الفرض القطع ٧ ى وهو الجمعة بلا عذر. ثم إن بدا له الرواح وخرج إليها والإمام فيها وقت خروجه بطل الظهر عند أبى حنيفة وإن لم يدركها، لأن السعى من خصائص الجمعة، فينزل منزلة الشروع فيها. (وقال) أبو يوسف ومحمد: لا يبطل الظهر حتى يدخل فى صلاة الجمعة مع الإمام، لأن السعى دون الظهر لأنه وسيلة لغيره فلا ينقضه بعد إتمامه. (١٢) ترك الجمعة من وجبت عليه الجمعة وتركها لغير عذر فهو آثم إثماً كبيراً يستحق مرتكبه العذاب الأليم (لحديث) ابم مسعود رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: لقد همت أن آمر رجلا يصلى بالناس ثم أُحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم. أخرجه أحمد والطيالسى والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين (١). [٢٣٩]. (ولحديث) أبى الجعد الضمرى أن رسول الله ﷺ قال: من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر، طبع الله على قلبه. أخرجه الشافعى والأربعة والبيهقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، وحسنه الترمذى، وصححه ابن السكن (٢). [٢٤٠].

стр. 1512

والأحاديث فى هذا كثيرة. وظاهرها أن من ترك ثلاث جمع تهاوناً، أى بلا عذر، يُطيع على قلبه ويكون من المنافقين، ولو كان الترك متفرقاً. وبه قال بعضهم، حتى لو ترك كل سنة جمعة لطبع على قلبه بعد الثالثة. ويحتمل أن يكون المراد ثلاث جمع متواليات. (ويؤيده): (أ) حديث جابر بن عبد الله أن النبى ﷺ قال: من ترك الجمعة ثلاثاً متواليات من غير ضرورة طبع الله على قلبه. أخرجه البيهقى (١). [٢٤١] (ب) (وقول) ابن عباس: من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره. أخرجه ابو يعلى بسند رجاله رجال الصحيح (٢). (١٠٠). واعتبار الثلاث إمهال من الله تعالى للعبد ورحمة به، لعله يتوب من ذنبه، ويثوب إلى رشده، ويؤدى الجمعة ولا يتركها بلا عذر. وأما من تخلف عن حضور الجمعة لعذر من الأعذار المبيحة للتخلف عنها وعن الجماعة، كالمطر والبرد الشديد والريح وغيرها مما تقدم فى بحث " أعذار ترك الجماعة" (٣) فلا إثم عليه.

стр. 1513

(١٣) اجتماع العيد والجمعة ومن الأعذار المبيحة للتخلف عن الجمعة اجتماعها مع العيد فى يوم واحد، فيرخص لمن صلى العيد مع الإمام ترك الجمعة (لقول) إياس بن أبى رملة الشامى: شهدت معاوية بن أبى سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: اشهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا فى يوم واحد؟ قال: نعم. قال: فكيف صنع؟ قال: صلى العيد ثم رخص فى الجمعة فقال: من شاء أن يصلى فليصل. اخرجه أحمد والطيالسى والبيهقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد والأربعة إلا الترمذى (١). [٢٤٢]. (ولحديث) ابى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: قد اجتمع فى يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون. أخرجه ابو داود والبيهقى وابن ماجه والحاكم. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وقال الذهبى: صحيح غريب. وأخرجه ابن ماجه أيضاً عن ابن عباس (٢). [٢٤٣].

стр. 1514

دل ما ذكر على جواز التخلف عن صلاة الجمعة إذا صادفت يوم عيد لمن صلى العيد مع الإمام، فلا يلزمه ظهر ولا جمعة. (وبه قال) عمر وعثمان وعلى وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وعطاء بن أبى رباح والشعبى والنخعى والأوزاعى. ورواه مطرف وابن وهب وابن الماجشون عن مالك (لما تقدم). (ولقول) عطاء بن أبى رباح: صلى بنا ابن الزبير فى يوم عيد يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: أصاب السنة. أخرجه أبو داود بسند حسن أو صحيح على شرط مسلم (١). (١٠١). (وقال) ابو عبيد مولى ابن أزهر: شهدت العيد مع عثمان رضى الله عنه، فجاء يصلى ثم انصرف فخطب فقال: إنه قد اجتمع لكم فى يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد اذنت له. أخرجه الشافعى والبخارى والبيهقى (٢). (١٠٢). قال عثمان هذا فى جمع من الصحابة ولم ينكروا عليه فكان إجماعاً. (وقالت) الحنبلية: تسقط الجمعة عمن حضر العيد مع الإمام، لما تقدم. أما الإمام فلا تسقط عنه الجمعة، لقوله ﷺ : وإنا مجمعون، ولأنه لو تركها لامتنع فعل الجمعة فى حق من تجب عليه ومن

стр. 1515

يريدها ممن سقطت عنه، بخلاف غيره من الناس (ورد) بأن قوله ﷺ : وإنا مجمعون، اختيار بأنه سيأخذ بالعزيمة. وأخذه بها لا يدل على أنه لا رخصة فى حقه. ولا يكفى بمجرده فى الدلالة على الوجوب (ويدل) على عدم الوجوب، وأن الترخيص عام لكل أحد (ترك) ابن الزبير للجمعة وهو الإمام إذ ذاك (وقول) ابن عباس: أصاب السنة، وعدم الإنكار عليه من أحد الصحابة. (وقالت) الشافعية: تجب الجمعة على أهل البلد. واختلفوا فى سقوطها بالعيد عن أهل القرى الذين يسمعون نداء الجمعة. ومشهور المذهب أنها تسقط عنهم ويصلون الظهر، لقول عثمان السابق. ورُدَّ بأن إذنه رضى الله عنه لأهل العالية بالرجوع صريح فى انه لا ظهر عليهم. (والذى) تفيده الأدلة أن الجمعة إذا وافقت يوم عيد تسقط عن أهل القرى الذين يسمعون الدناء من بلد الجمعة إذا صلوا فيها العيد. وتستحب الجمعة لأهل البلد، لقوله ﷺ : وإنا مجمعون. (١٤) كفارة ترك الجمعة لغير عذر يطلب ممن وجبت عليه الجمعة وتركها لغير عذر أن يصلى الظهر ويتصدق بدينار، فإن لم يجد قبنصف دينار (لحديث) سمرة بن جندب أن النبى صلى الله

стр. 1516

عليه وسلم قال: من ترك الجمعة متعمداً فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فبنصف دينار. اخرجه ابن ماجه والبيهقى بسند جيد (١). [٢٤٤]. (وقال) بعضهم: الأمر نا للاستحباب، لأن الجمعة لها بدل وهو الظهر. (والظاهر) أن الأمر هنا للوجوب كما هو الأصل فيه، وكون الجمعة لها بدل، لا يدل على صرفه عن الوجوب، لاحتمال أن يكون وجوب الكفارة مع صلاة الظهر عقاباً له عن تخلفه عن الجمعة بلا عذر (المقصود) من هذه الكفارة محو الذنب كله، لأن الحسنات يذهبن السيئات وإن كانت من الكبائر، خلافاً لمن قال إنها لتخفيف الذنب لا محوه كله، لأن ترك الجمعة بلا عذر من الكبائر كما تقدم، والكبيرة لا تمحى إلا بالتوبة أو عفو الله (ورد) بأن الكفارة إنما شرعت لتكفير الذنب وإن كان من الكبائر لا سيما إذا كان حقاً لله؛ فمن أداها قبلت منه وعفا الله عنه بفضله، ومن لم يؤدها استحق العقاب الوارد فى ذلك. نعم إن أدى الكفارة مستحقاً لها، مصراً على ترك الجمعة، فهذا هو الذنب الذى لا يمحى إلا بالتوبة. (وأما) القول بالاكتفاء فى كفارة ترك الجمعة بدرهم أو نصف درهم أو صاع حنطة أو نصف صاع حنطة أو نصف صاع. أخرجه أبو داود والبيهقى مرسلا (٢). [٢٤٥].

стр. 1517

(فضعيف) لإرسال دليله فلا يعارض الأحاديث الصحيحة المتصلة الدالة على طلب التصدق بدينار أو نصف دينار. (١٥) راتبة الجمعة للجمعة راتبة بعدية وهى ركعتان أو أربع (لقول) ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يصلى بعد الجمعة ركعتين فى بيته، أخرجه السبعة، وهو عند البخارى عجز حديث بلفظ: وكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين (١). [٢٤٦]. (ولحديث) ابى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إذا صليتم الجمعة فصلوا بعدها أربعاً. وأخرجه السبعة إلا البخارى (٢). [٢٤٧]. دل ما ذكر على أنه ﷺ صلى ركعتين بعد الجمعة وأمر الأمة بصلاة أربع. ولا تعارض بينهما، لما تقرر فى الأصول من أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاص بالأمة. فالمشروع فى حق الأمة أربع ركعات بعد الجمعة. ويجوز الاختصار على ركعتين اقتداء بفعله ﷺ .

стр. 1518

(ولأمر) فى هذه الأحاديث للاستحباب لا للوجوب (لحديث) أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح (١). [٢٤٨]. نبه بقوله: " من كان منكم مصلياً " على أنها سنة ليست بواجبة. وذكر الأربع لفضلها. وفعل الركعتين فى أوقات بياناً لأن أقلها ركعتان. وحكمة أمره ﷺ بصلاة أربع بعد الجمعة لئلا يخطر على بال جاهل أنه صلى ركعتين لتكملة الجمعة، أو يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهراً. (وقالت) الحنبلية: أقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست. (لما روى) عطاء عن ابن عمر أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين، ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل فى المسجد. فقيل له. فقال: كان رسول اله ﷺ يفعل ذلك، أخرجه أبو داود (٢). [٢٤٩]. وقوله: " كان يفعل ذلك " أى كان رسول الله ﷺ يصلى بعد الجمعة ستاً بمكة فى المسجد وركعتين فى بيته بالمدينة، وكانت صلاته ﷺ الجمعة بمكة عام الفتح فإنه لم يصلها بمكة قبله. (وقال) الترمذى: وروى عن علىّ بن أبى طالب أنه أن يصلى بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً. أ. هـ. وأخرجه أحمد بن الحسن البغدادى. وزاد: جعل التسليم فى آخرهن (٣). (١٠٣).

стр. 1519

(تنبيه) دلت الأحاديث السابقة على جواز صلاة سنة الجمعة البعدية فى المسجد وفى البيت وهو الأفضل، لأحاديث الترغيب فى النافلة فى البيوت، وقد تقدم بعضها فى بحث " مكان التطوع" (١) ولأنه ﷺ لم يصل الركعتين بعد الجمعة فى المسجد، خشية أن يظن أن هاتين الركعتين هما اللتان تركتا من الجمعة (وإن صلاها) فى المسجد فيسن تأديتها فى غير مكان الفرض، لما تقدم فى حبث (كراهة التنفل فى مكان الفرض) (٢). وأما سنة الجمعة القبلية فلم تثبت من طريق صحيح، بل الثابت أن النبى ﷺ كان إذا زالت الشمس يوم الجمعة خرج من حجرته ودخل المسجد وسلم وصعد المنبر واذن المؤذن خارج المسجد، فإذا انتهى المؤذن شرع النبى ﷺ فى الخطبة من غير فصل، ولذا قال أكثر العلماء ومنهم المالكية والحنبلية وكثير من الشافعية: ليس للجمعة سنة قبلية. (وقال) الحنفيون وبعض الشافعية: يسن أربع ركعات قبل الجمعة، وهو قول لأحمد (لقول) نافع: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلى بعدها ركعتين فى بيته، ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. اخرجه ابو داود (٣). [٢٥٠]. (ولما تقدم) عن عبد الله بن مغفل أن النبى ﷺ قال: بين كل اذانين صلاة. بين كل أذانين صلاة. ثم قال فى الثالثة: لمن شاء. أخرجه السبعة، وقال الترمذى: حسن صحيح (٤). [٢٥١]. (ولقول) ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يصلى قبل الجمعة أربعاً لا يفصل فى شئ منهن. اخرجه ابن ماجه بسند واه (٥). [٢٥٢].

стр. 1520

(ولما) روى أن عبد الله بن مسعود كان يصلى قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً. اخرجه الترمذى (١) (١٠٤)، ولقياس الجمعة على الظهر. (وأجاب) الجمهور: (أولا) أن قول ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. أى كان يطيل الصلاة قبل الجمعة قبل الزوال لا بعده (لما تقدم) من أنه ﷺ ما كان يصلى بعد الزوال وقبل الخطبة شيئاً، ولقول ابن المنذر: روينا أن ابن عمر كان يصلى قبل الجمعة اثنتى عشرة ركعة. (١٠٥). وعن ابن عباس أنه كان يصلى ثمان ركعات. (١٠٦). ولم يقل أحد إن سنة الجمعة القبلية اثنتا عشرة ركعة، أو ثمان. فتعين أن المراد بقوله: كان يطيل الصلاة. أنه كان يطيلها قبل الزوال. ويحتمل أن اسم الاشارة فى قوله: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، عائد إلى صلاة الركعتين بعد الجمعة فى بيته فقط (فقد) روى الليث عن نافع أن ابن عمر كان إذا انصرف من الجمعة إلى منزله فسجد سجدتين، وذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. اخرجه أحمد ومسلم والأربعة إلا أبا داود (٢). [٢٥٣]. (وثانياً) بأن (حديث) بين كل أذانين صلاة. ونحوه (من العام) المخصوص بغير الجمعة، لما ثبت أنه ﷺ لم يصلّ بين اذانها وإقامتها. (وثالثاً) بأن (حديث) ابن عباس أنه ﷺ كان يصلى قبل

стр. 1521

الجمعة أربعاً، فى سنده: (أ) بقية ابن الوليد مدلس. (ب) مبشر بن عبيد كذاب منكر الحديث. (حـ) حجلج بن أرطاة مدلس. (د) عطية العوفى متفق على ضعفه. فلا يصح الاحتجاج بحديثهم. ولذا قال النووى فى الخلاصة: إنه حديث باطل، وعلى فرض صحته فيحمل على ما قبل الزوال. (ورابعاً) بأن اثر ابن مسعود يحمل على النفل المطلق قبل دخول وقت الجمعة. (وخامساً) بأن قياس الجمعة على الظهر قياس فى مقابلة النص، فلا يعول عليه، وذلك أن النبى ﷺ صلى الجمعة ولم يصلّ قبلها راتبة. فكان تركها سنة وفعلها بدعة (ولا يقال) لعله ﷺ صلاها فى بيته بعد زوال الشمس ثم خرج (لأنا نقول) لو كان كذلك لنقله أزواجه ﷺ إلينا، كما نقلن سائر صلواته فى بيته ليلا ونهاراً. وحيث لم ينقل أنه صلى راتبة قبلية للجمعة، دل على أنها غير مشروعة. (قال) الإمام أبو شامة الشافعى: جرت عادة الناس أنهم يصلون بين الأذانين يوم الجمعة متنفلين بركعتين أو أربع ونحو ذلك إلى خروج الإمام. وذلك جائز ومباح وليس بمنكر من جهة كونه صلاة. وإنما المنكر اعتقاد العامة ومعظم المتفقهة منهم أن ذلك سنة للجمعة قبلها، كما يصلون السنة قبل الظهر، يصرحون فى نيتهم بأنها سنة الجمعة. وكل ذلك بمعزل عن التحقيق. والجمعة لا سنة لها قبلها؛ لأن المراد من قولنا الصلاة المسنونة أنها منقولة عن رسول الله ﷺ قولا وفعلا. والصلاة قبل الجمعة لم يأت منها شئ عن النبى ﷺ يدل على أنها سنة، ولا يجوز القياس فى شرعية الصلوات (١). ثم الدليل على صحة ذلك أن النبى ﷺ كان

стр. 1522

يخرج من بيته يوم الجمعة فيصعد منبره ثم يؤذن المؤذن. فغذا فرغ اخذ النبى ﷺ فى خطبته. ولو كان للجمعة سنة قبلها، لأمرهم بعد الذان بصلاة السنة وفعلها هو ﷺ ، ولم يكن فى زمن النبى ﷺ غير هذا الأذان، وعلى ذلك مذهب المالكية إلى الآن (١). ثم قال: وذكر صاحب شرح السنة رواية غير معروفة قال: وروى عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليهوسلم قبل الجمعة ركعتين وبعدها ركعتين. [٢٥٤]. (قلت) هذا غير محفوظ، وإنما هو قبل الظهر، فوهم منقال قبل الجمعة. والذى فى الصحيحين عن ابم عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ كان يصلى بعد الجمعة ركعتين (٢) ولم يزد على ذلك. (فإن قلت) ففى سنن أبى داود بالسند إلى نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلى بعدها ركعتين فى بيته ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك (٣). (قلت) اراد أن رسول الله ﷺ كان يصلى الركعتين بعد الجمعة فى بيته ولا يصليهما فى المسجد، وذلك هو المستحب. وأرشد إلى هذا التأويل ما تقدم من الأدلة على أنه لا سنة للجمعة قبلها. وأما غطالة ابن عمر الصلاة قبل الجمعة فقد سبق الكلام عليه. وأن ذلك منه ومن أمثاله تطوع من عند أنفسهم، لأنهم كانوا يبكرون إلى حضور الجمعة فيشتغلون بالصلاة (٤) وذكر الحافظ حديث ابن عمر (وقال) احتج به النووى على إثبات سنة الجمعة قبلها. وتعقب بأن قوله: وكان يفعل ذلك، عائداً على قوله: ويصلى

стр. 1523

بعد الجمعة ركعتين فى بيته. ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن ابن عمر انه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين فى بيته، ثم قال: كان رسول الله ﷺ يصنع ذلك. أخرجه مسلم (١). وأما قوله: كان يطيل الصلاة قبل الجمعة. فإن كان المراد بعد دخول الوقت، فلا يصح أن يكون مرفوعاً، لأنه ﷺ كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة. وإن كان المراد قبل دخول الوقت، فذلك نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التى قبلها، بل هو تنفل مطلق، وقد ورد الترغيب فيه كما تقدم (٢). (وقد سئل) شيخ الإسلام تقى الدين عن الصلاة بعد الأذان الأول يوم الجمعة (فأجاب) بقوله: أما النبى ﷺ فإنه لم يكن يصلى قبل الجمعة بعد الأذان شيئاً، ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبى ﷺ كان لا يؤذن على عهده إلا غذا قعد على المنب، ويؤذن بلال، ثم يخطب النبى ﷺ الخطبتين، ثم يقيم بلال، فيصلى ﷺ بالناس. فما كان يمكن أن يصلى بعد الأذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه ﷺ . ولا نقل عنه أحد أنه صلى فى بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقّت بقوله صلاة مقدّرة قبل الجمعة، بل ألفاظه ﷺ فيها الترغيب فى الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت، كقوله: من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له (٣)، وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر. فمنهم من يصلى عشر ركعات. ومنهم من يصلى اثنتى عشرة ركعة. ومنهم من يصلى ثمانى ركعات.

стр. 1524

ومنهم من يصلى أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأن ذلك إنما يثبت بقول النبى ﷺ أو فعله، وهو لم يبين فى ذلك شيئاً لا بقوله ولا فعله (وهذا) مذهب مالك والشافعى وأكثر أصحابه، وهو المشهور من مذهب أحمد. (وذهب) طائفة من العلماء إلى أن قبلها سنة. منهم من جعلها ركعتين كما قاله طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد. ومنهم من جعلها أربعاً كأبى حنيفة وطائفة من أصحاب أحمد. وهؤلاء منهم من يحتج بحديث ضعيف. ومنهم من يقول هى ظهر مقصورة، وتكون سنة الظهر سنتها. وهذا خطأ من وجهين: (أحدهما) أن الجمعة مخصوصة بأحكام تفارق بها ظهر كل يوم باتفاق المسلمين، فإن الجمعة يشترط لها الوقت فلا تقضى والظهر تقضى، والجمعة يشترط لها العدد، والاستيطان، والإمام، وغير ذلك، والظهر لا يشترط لها شئ من ذلك. فلا يجوز أن تتلقى أحكام الجمعة من أحكام الظهر مع اختصاص الجمعة بأحكام تفارق بها الظهر، فإنه إذا كانت الظهر تشارك الجمعة فى حكم وتفارقها فى حكم، لم يمكن إلحاق مورد النزاع بأحدهما إلا بدليل، فليس جعل السنة من موارد الاشتراك بأولى من جعلها من موارد الافتراق. (الوجه) الثانى: أن يقال هب أنها ظهر مقصورة، فالنبى ﷺ لم يكن يصلى فى سفره سنة للظهر المقصورة لا قبلها ولا بعدها، وإنما كحان يصليها إذا أتم الظهر فصلى أربعاً، فإذا كانت سنته التى قبلها فى الظهر المقصورة خلاف التامة، كان ما ذكروه حجة عليهم لا لهم، وكان السبب المقتضى لحذف بعض الفريضة أولى بحذف السنة الراتبة كما قال بعض الصحابة: لو كنت متطوعاً لأتممت الفريضة (١) فإنه لو استحب للمسافر أن

стр. 1525

يصلى أربعاً لكانت صلاته للظهر أربعاً أولى من أن يصلى ركعتين فرضاً وركعتين سنة (١). (والنصوص) فى ذلك كثيرة، صريحة فى أن الحق أن الجمعة لا سنة لها قبيلية وليس بعد الحق إلا الضلال. نسأله تعالى أن يهدينا جميعاً إلى معرفة الدين، وأن يوفقنا للعمل به مخلصين له الدين. (١٦) بدع الجمعة تقدم أن يوم الجمعة أفضل ايام الأسبوع، وله مزايا وفضائل ليست لغيره، فكان ينبغى أن يحترم ولا يرتكب فيه ولا فى صلاته ما لا يرضاه عقل ولا يقره نقل، ولكن وللأسف قد ارتكب فيه المسلمون بدعاً ومخالفات كثيرة. (منها) ما تقدم، كرفع الصوت بقراءة سورة الكهف فى المسجد، والتذكير المعروف بالأولى والثانية، والأذان داخل المسجد، وحديث الدنيا فيه، وعلو المنبر، وفرشه بسجاد ونحوه، ووضع العلمين بجانيه والستارة على بابه، ودق درجه حال صعود الخطيب، ورفع الصوت بالدعاء وغيره حال الخطبة، وتخطى الرقاب، والجهر بالنية، والتبليغ عند عدم الحاجة. (ومنها) إفراد يومها بصيام وليلتها بقيام (لما يأتى) عن أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون فى صوم يصومه أحدكم. اخرجه مسلم والبيهقى (٢). [٢٥٥]. (والمراد) بالقيام كل طاعة يتحقق بها إحياء الليل. وحكمة النهى عن ذلك

стр. 1526

أنه يقلل مننشاط الإنسان لليام بوظائف الجمعة من الغسل والتبكير وغيرهما مما تقدم بيانه فى " فصل ما يطلب ليلة الجمعة ويومها " (١) ولأن الجمعة عيد الأسبوع، والعيد لا يصام مخالفة لليهود، فإنهم يفردون عيدهم بالصوم، فنهينا عن التشبيه بهم فى ذلك، وأذن لنا فى صيامه إذا وصل بصيام قبله أو بعده، والله الموافق. (ومنها) الدكة يصعد عليها المؤذنون والمبلغون وقارئ سورة الكهف يوم الجمعة. أما الأذان ورفع الصوت بقراءة السورة، فقد علمت أنهما يمنعان داخل المسجد، فلا تضع لهما دكة فيه، لما فيه من شغل موضع من المسجد وهو وقف على المصلين (ومن ذلك) وضع كرسى فى المسجد للتشويش بالقراءة عليه كما تقدم فى " بدع المساجد". (ومنها) الترقية بعد أذان الجمعة أمام المنبر، وهى قراءة " إن الله وملائكته يصلون على النبى" وما تقدم من قوله صلى اللهعليه وسلم: إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت (٢). (قال) العلامة ابن نجيم: اعلم أن ما تعورف من أن المرقى للخطيب يقرأ الحديث النبوى، وأن المؤذنين يؤمنون عند الدعاء، ويدعون للصحابة بالرضا، وللسلطان بالنصر، إلى غير ذلك، فكله حرام على مقتضى مذهب ابى حنيفة ﵀، وأغرب منه أن المرقى ينهى عن الأمر بالمعروف بمقتضى الحديث الذى يقرؤه ثم يقول: أنصتوا رحمكم الله (٣). (وقال) العلامة ابن عابدين فى " منحة الخالق على البحر الرائق ": نقل الخير الرملى عن الرملى الشافعى أن والده افتى بأنه ليس له اصل فى السنة وأنه لم يفعل بين يديه ﷺ ، بل كان يمهل حتى يجتمع الناس،

стр. 1527

فإذا اجتمعوا خرج إليهم وحده من غير شاويش يصيح بين يديه، وكذلك الخلفاء الثلاثة بعده (١). (وقال) العلامة الشيخ على العدوى فى حاشيته على الخرشى: ومن البدع المكروهة التى ابتدعها أهل الشام وهم بنو أمية، الترقية (وما) يقوله المرقى من صلوا عليه، وآمين، ورضى الله عنهم (فهو) مروه وكذا قوله الحديث عند فراغ المؤذن قبل الخطبة، إنما تبعوا فى ذلك أهل الشام، وخالفوا أهل المدينة من عدم فعلهم ذلك، وهو من أعجب العجاب (٢). (وما قيل) من أنها بدعة حسنة، لأن فى قراءة الاية ترغيباً فى الصلاة عليه ﷺ ، وفى قراءة الحديث تبسيطاً لاجتناب الكلام، ولتوافر الأمة وتظاهرها عليه (رده) العلامة ابن عابدين بان كون ذلك متعارفاً لا يقتضى جوازه عند الإمام القائل بحرمة الكلام ولو أمراً بمعروف أو رد سلام استدلالا بما مر. ولا عبرة بالعرف الحادث غذا خالف النص، لأن التعارف إنما يصلح دليلا على الحل إذا كان عاماً من عهد الصحابة والمجتهدين كما صرحوا به. وقياس خطبة الجمعة على خطبة منى، قياس مع الفارق، فإن الناس فى يوم الجمعة قاعدون فى المسجد ينتظرون خروج الخطيب متهيئون لسماعة بخلاف خطبة منى (٣).

стр. 1528

(وقد) سئل الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده مفتى مصر بإفادة من مديرية المنوفية فى ٢٤ مايو سنة ١٩٠٤ نمرة ٧٦٥ عن مسائل: (منها) ما اشتهر من الترقية قبل الخطبة مع مراعاة فى الآداب فى الإقلاء، وحديث إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب ... إلخ (ومنها) ما يحصل من الأذان قب الوقت يوم الجمعة بما يشتمل على استغاثات وصلوات علىالنبى ﷺ لتنبيه الفلاحين الموجودين بالغطيان الغافلين عن مكان الجمعة (ومنها) الأذان داخل المسجد بين يدى الخطيب (ومنها) الذكر جهراً أمام الجنازة بكيفية معتدلة خالية عن التلحين ... هل ذلك كله جار على السنن القويم، أو فيه إخلال بالدين؟ (فأجاب) بقوله: إن كل عبادة لم يرد بها نص عنالنبى ﷺ ، ولم تأت فى عمله صلى الله عليهوسلم، ولا فى عمل اصحابه اقتداء به، وإن لم نعرف وجه الاقتداء فهى بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار، فهى ممقوتة للشارع يجب منعها. (وهذه) الأمور صور عبادات محدثة لم تكن على عهد النبى صلى اللهعليه وسلم، ولا أصحابه ولا التابعين ولا تابعيهم، ولا يعرف بالتحقيق من أحدثها. (وما ينقل) عن بعض العلماء فى الترقية مثلا من أنها بدعة مستحسنة (لا يصح) التعويل عليه، لأنه لم يفرق بين ما يستحدث فى العادات كالأكل والشرب واللباس والمسكن وما يستحدث فى العبادات. فكل ما يحدث منالنوع الأول مما لا ضرر فيه بالدين ولا بالبدن، وكان مما يخفف مشقة أو يدفع اذى أو يفيد منفعة، فهو مستحسن ولا مانع منه إذا لم يكن ممنوعاً بالنص، كاستعمال الذهب والفضة والحرير للرجال، ونحو ذلك. (وأما) ما يحدث من القسم الثانى، أعنى قسم العبادات، فالحديث فيه على عمومه، أعنى كل ما حدث منه بدعة، والبدعة ضلالة، والضلالة فى النار بلا شبهة.

стр. 1529

ونقل عن ابن نجيم ما تقدم عنه فى الترقية (وقال) وما قاله بعضهم من حمل الرتقية على الكلام بأخروى عند محمد (لا يصح) الالتفات إليه، لأن الترقية عمل وقت بوقت مخصوص يؤدى على نحو مخصوص. فهو ليس من قبيل الكلام الذى يعرض لقائله فى أمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو ذكر الله، خصوصاً والترقية على حالها المعهودة فى القرى والمدن، لا يقول أحد من الأئمة بجوازها، لما فيها من التلحين والتغنى، ولو زعم السائلون أنه لا يلحن فيها، لأنها لم تخترع إلا للتلحين؛ فإذا ذهب منها لم تعد تسمى ترقية ولم تبق لهم بها حاجة؛ فالصواب منعها على كل حال؛ لأنها بدعة. (أما) الذكر جهراً أمام الجنازة ففى الفتح والأنقروية من باب الجنائز: يكره للماشى أمام الجنازة رفع الصوت بالذكر، فإن أراد أن يذكر الله فليذكره فى نفسه. (وعلى ذلك) فجميع الشياء التى سألتم عنها مما يلزم منعه ولا يصح الإبقاء عليه، لأن جميعه من مخترعات العام ولا يتمسك به إلا جهالهم، وليس من الجائز أن يؤخذ فى الدين بشئ لم تتقدم فيه اسوة حسنة معروفة، ولا سنة مقررة منقولة. وكيف يجوز اتباع مخترعين مجهولين لا يمكن الثقة بهم فى غير عبادة الله، فضلا عن شئ فى دين الله. والله أعلم (١). (ومنها) رفع الصوت بالصلاة والسلام على النبى ﷺ ،

стр. 1530

وبالترضى عن الصحابة، والتأمين حال الخطبة، وبالدعاء بين الخطبتين، وقول جهلة الأئمة حينئذ: ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة (١). [٢٥٦]. وقولهم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٢). [٢٥٧]. والدعاء للسلطان عند دعاء الخطيب له. (قال) المرحوم الشيخ محمد سعيد الحنفى: وما نراه اليوم من ترقية وصلاة على النبى ﷺ ، وترديد اذان، ورفع صوت بالدعاء بين الخطبتين، وترض عن الصحابة، ودعاء للسلطان من المرقى: كل هذا من محدثات الأمور، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار، ولأنه يخل بالسماع المطلوب (٣). (وقال) العلامة الدرديرى فى شرح أقرب المسالك: ومن البدع المحرمة ما يقع بدكة المبلغين بالقطر المصرى من الصريخ على صورة الغناء والترنم، ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم ز ومن البدع المذمومة أن يقول الخطيب الجهول فى آخر الخطبة الأولى: ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. ثم يجلس فتسمع من الجالسين ضجة عظيمة يستمرون فيها حتى يكاد الإمام أن يختم

стр. 1531

الثانية، وعلى دكة التبليغ جماعة يرفعون أصواتهم جداً بقولهم: آمين آمين يا مجيب السائلين، إلى آخر كلام طويل، وهكذا. فإنا لله وإنا إليه راجعون (١). (وكتب) عليه العلامة الصاوى ما نصه: (قوله الخطيب الجهول) صيغة مبالغة، لأن جهله مركب لزعمه أنه يأمر بالمعروف، وهو يأمر بالمنكر، لأن اصل قراءة الحديث لم يكن مأموراً بها فى الخطبة أصلا، فهو منالبدع كما تقدم. والإنصات ولو بين الخطبتين واجب. ورفع الأصوات الكثيرة ولو بالذكر حرام. فهذا الخهطيب ضل فى نفسه وأضل غيره (٢). (وقد سئل) الأستاذ الشيخ محمد عبده مفتى الديار المصرية عن الترقية والدعاء عند جلوس الخطيب والدعاء للسلطان عند دعاء الخطيب. (فأجاب) بقوله: صرحوا بكراهة ما يفعله المؤذن (وهو المعروف بالترقية) من الصلاة على النبى ﷺ عند صعود الخطيب، وما يفعله من الدعاء حال جلسته، والدعاء للسلطان بالنصر ونحو ذلك بأصوات مرتفعة، وصرحوا بأن الإمام يجهر وجوباً بحسب الجماعة، فإن زاد عليه أساء. وقال الزاهدى: لو زاد على الحاجة فهو أفضل. وصرح فى الفتح عن الخلاصة بأنه إذا كان رجل يكتب الفقه وبجانبه رجل يقرأ القرآن ولا يمكن للكاتب استماع القرآن، فلإثم على القارئ، وعلى هذا لو قرأ على السطح والناس نيام يأثم. أهـ. لأن ذلك يكون سبباً لإعراضهم عن استماعه، أو لأنه يؤذيهم بإيقاظهم. وقالوا: إنه يجب على القارئ احترام القرآن بألا يقرأ فى الأسواق ومواضع الاشتغال، فإذا قرأه فيها كان هو المضيع لحرمته، فيكون الإثم عليه دون أهل الاشتغال، دفعاً للحرج (٣).

стр. 1532

(ومن البدع) جلوس من دخل المسجد حال الخطبة الأولى، وإذا شرع الخطيب فى الثانية قام وصلى التحية، فإنه جهل ومخالف لما تقدم عن جابر ابن عبد الله قال: جاء سليك الغطفانى يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال به: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما. أخرجه مسلم (١). [٢٥٨]. (ومنها) تمسح بعض العوام بالخطيب بعد نزوله منالمنبر، فإنه لا يشرع التمسح إلا بالحجر الأسود فى الكعبة، والتمسح بغيره بدعة. (ومن البدع) المنكرة كتب بعض الناس أوراقاً يسمونها حفائظ فى آخر جمعة منرمضان حال الخطبة، لما فيه من الاشتغال عن استماعها والاتعاظ بها، ولما فيه من التهويش على الخطيب وغيره، وهذا ممنوع شرعاً وقد يكتب فيها

стр. 1533

ما لا يعرف معناه كعسبلوان، وقد يكون دالا على ما ليس صحيح ولا مشروع ولم ينقل ذلك عن أحد منأهل العلم. أفاده فى كشاف القناع (١). (ومن) أفظع المنكرات قيام الحرس- حال صلاة الأمير أو السلطان أو الرئيس أو الملك الجمعة- حاملى السلاح يحرسونه ولا يصلون مع المصلين، كأنهم ما خلقوا إلا لحراسة عبد من العبيد، وما كلفوا بطاعة الرب المجيد، ولم يسمعوا قول النبى ﷺ : لا طاعة لأحد فى معصية الله، إنما الطاعة فى المعروف. أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائى عن على رضى الله عنه (٢). [٢٥٩]. فليتق الملوك والرؤساء ربهم فى رعيتهم، وليقفوا بهم عند حدود الواحد المعبود، لينجو يوم العرض على العزيز الجبار، يوم ينادى المنادى: لمن الملك اليوم؟ فيقال: لله الواحد القهار (٣).

стр. 1534

(ومن) (البدع): اعتياد المصافحة بعد الجمعة وسائر الصلوات، فإنه لم يرد عن النبى ﷺ ، ولا عن أصحابه ولا السلف الصالح، ولو كان خيراً ما تركوه. (قال) العلامة الحاج رجب الحنفى: واعلم أم ما يفعله اللناس فى هذا الزمان من المصافحة بعد أداء الصلوات والجمعة والعيدين، بدعة مكروهة، لأنها مافعلها الصحابة ولا التابعون. قال النووى فى شرح مسلم: مصافحة الناس بعد العصر والفجر لا أصل لها (١). وقال ابن الحاج فى المدخل: وينبغى له- أى لإمام المسجد- أن يمنع ماأحدثوه منالمصافقحة بعد صلاة الصبح وصلاة العصر، وبعد صلاة الجمعة، بل زاد بعضهم فى هذا الوقت فعل ذلك بعد الصلوات الخمس، وذلك كله منالبدع. والمصافحة فى الشرع إنما تكون عند لقاء المسلم لأخيه، لا فى أدبار الصلواتنفينهى عن ذلك ويزجر صاحبه لما أتى من خلاف السنة (٢). (ومنها) قول بعض العوام بعد الجمعة: الفاتحة لأن هاشم، أو لسيدنا الحسين، أو لشيخ العرب السيد البدوى، أو الولى العلانى، أو الفاتحة على هذه النية.

стр. 1535

(ومنها) قراءة سورة الإخلاص ألف مرة يومالجمعة، فإنه لا دليل عليه (وأما حديث) من قرأ قل هو الله أحد ألفمرة، فقد اشترى نفسه من الله (فقد) أخرجه الخيارى فىفوائد عن حذيفة (١). [٢٦٠]. وفى سنده مجاشع الكذاب وحجاج بن ميمون البصرى منكر الحديث. فلا يعول عليه ولا يعمل به. (وقد) تقدم بيان ما ورد من طريق ثابت فيما يُقرأ يومها وليلتها وبعدها (ومن) خرافات العامة: اعتقاد بعضهم أن فى يوم الجمعة ساعة نحس (شؤم) واعتقاد بعضهم تحريم الخياطة يوم الجمعة أو يوم عرفة ومنعهم إعارة الإبرة والمنخل ليلا. (ومنها) إدخال طفل من باب المسجد وإخراجه من نافذة أخرى سبع مرات وقت آذان الجمعة بزعم أن ذلك يبرئه من مرضه. (ومنها) ربط الطفل المقعد بقيد فى رجليه ووضع بعض المأكولات فى حجره وإجلاسه على باب المسجد، ويفك قيده ويأخذ ما فى حجره أول خارج من المسجد، ويعتقدون أن ذلك يفك إقعاده. (وعلى) الجملة فالبدع الواقعة فى يوم الجمعة وسكت عن إنكارها العلماء كثيرة. والميزان الذى يعرف به الغث من السمين هو الوارد عن الصادق الأمين ﷺ . (الثامن) صلاة العيدين العيدان تثنية عيد مشتق من العود، سمى به يوم الفطر والأضحى لعود السرور بعودهما، أو لكثرة عوائد الله تعالى فيهما على عباده. ومنها غفر الذنوب.

стр. 1536

(قال) أوس الأنصارى: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطريق فنادوا: اغدوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يمن بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، لقد أُمرتم بقيام الليل فقمتم وأُمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعمتم ربكم، فاقبضوا جوائزكم. فإذا صلوا نادى منادٍ: ألا إن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة. أخرجه الطبرانى فى الكبير. وفى سنده جابر الجعفى وثقه الثورى، وروى عنه هو وشعبة. وضعفه غيرهما وهو متروك (١). [٢٦١]. هذا. ويوم النحر أفضل ايام السنة بعد يوم عرفة (لحديث) عبد الله ابن قرط أن النبى ﷺ قال: إن أعظم الأيام عند الله تعالى يوم النحر، ثم يوم النفر. اخرجه ابو داود (٢). [٢٦٢]. والكلام هنا ينحصر فى عشرين فصلا: (١) مشروعية صلاة العيد شرعت صلاة العيد فى السنة الأولى منالهجرة (قال) أنس بن مالك: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فى الجاهلية، فقال: إن الله ﵎ قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الفطر ويوم النحر. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والبيهقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (٣). [٢٦٣].

стр. 1537

ويروى أن أول عيد صلاة رسول الله ﷺ عيد الفطر فى السنة الثانية من الهجرة. قاله الرافعى (١). قال الحافظ: هذا لم أره فى حديث، ولكن اشتهر فىالسير أن أول عيد شرع عيد الفطر، وأنه فى السنة الثانية من الهجرة (٢). (وهى) مشروعية بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. ففى الآية الأولى إشارة إلى صلاة عيد الفطر. وفى الثانية غشارة إلى صلاة عيد النحر. (وقد) ثبت بالتواتر أن النبى ﷺ كان يصلى العيدين (قال) ابن عباس: شهدت العيد مع رسول الله ﷺ ومع

стр. 1538

ابى بكر وعمر وعثمان، فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة. أخرجه أحمد والشيخان (١). [٢٦٤]. وأجمع المسلمون على مشروعيتها. (٢) حكم صلاة العيدين اختلف العلماء فى حكم صلاة العيدين (فمشهور) مذهب الحنفيين أنها واجبة على من تفترض عليه صلاة الجمعة، لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. ولمواظبة النبى ﷺ عليها من غير ترك. وقد أمر بالخروج إليها. (قال) أبو عمير بن أنس: حدثنى عمومتى من الأنصار قالوا: أغمى علينا هلال شوال واصبحنا صياماً فجاء ركب منالآخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا، وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد. أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائى والبيهقى وقال: هذا إسناد صحيح. والصحابة كلهم ثقات (٢). [٢٦٥]. (وقال) بعض الحنفيين: إنها سنة مؤكدة. ولا خلاف فى الحقيقة، لأن السنة المؤكدة بمنزلة الواجب. ولذا كان الأصح أنه يأثم بتركها،

стр. 1539

(وقالت) (الحنبلية) وبعض الشافعية والكرخى الحنفى: صلاة العيد فرض كفاية، إذا قام بها بعضهم سقط الطلب عن الباقين. وإذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام وكانت فرض كفاية، لأنها شعيرة من شعائر الدين، كغسل الميت والصلاة عليه ودفنه. (وقالت) المالكية وأكثر الشافعية والجمهور: صلاة العيد سنة مؤكدة لما تقدم عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من قبل نجد، ثائر الرأس، يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : خمس صلوات فى اليوم والليلة. قال: هل علىّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع (الحديث) أخرجه الأئمة والشيخان والنسائى وابو داود (١). [٢٦٦]. (وأجاب) الأولون عنه بأن الرجل كان من أهل البادية، وصلاة العيد لا تجب عليهم. فالحق القول بوجوب صلاة العيد. (٣) من تطلب منه صلاة العيد تطلب ممن تطلب منه الجمعة. وللفقهاء فى هذا تفاصيل: (قال) الحنفيون: تجب صلاة العيد على من تفرض عليه الجمعة، فتجب على الذكر الحر المكلف المقيم الصحيح الخالى منالأعذار. ولا تجب على امرأة وعبد ومسافر ومريض وأعمى ومقعد. ولو صلاها هؤلاء صحت منهم ولهم ثوابها. وشرائط صلاة العيد كشرائط وجوب الجمعة وصحتها، سوى الخطبة، فإنها ليست بشرط فى العيد، لتأخرها عن الصلاة. والشرط لا يتأخر عن المشروط، بل هى سنة، وكذا تأخيرها؛ فلو لم يخطب أصلا أو قدمها على الصلاة صحت واساء، لترك السنة.

стр. 1540

(وقالت) المالكية: صلاة العيد سنة مؤكدة فى حق من تجب عليه الجمعة. (وقالت) الشافعية: تسن صلاة العيد جماعة وفرادى من كل شخص ولو مسافراً وجراً وعبداً وخنثى وامرأة. (وقالت) الحنبلية: هى فرض كفاية ممن تفترض عليه الجمعة. (قال) أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: يشترط لوجوب صلاة العيد ما يشترط لوجوب صلاة الجمعة من الاستيطان، لأن النبى ﷺ لم يصلها فى سفره ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط لصلاة الجمعة، لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة. وفى اشتراط غذن الإمام روايتان، اصحهما أنه لا يشترط كما قلنا فى الجمعة. ولا يشترط شئ من ذلك لصحتها، لأن أنساً كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله ابن أبى عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما. ولأنهما فى حق منانتفت فيه شروط الوجوب تطوع، فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع، وكلام أحمد يقتضى ان فى اشتراط ذلك روايتين: (إحداهما) لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة، وهذا مذهب أبى حنيفة، إلا أنه لا يرى ذلك إلا فى المصر لقوله: لا جمعة ولا تشريق إلا فى مصر جامع (١). (والثانية) يصليها المنفرد والمسافر والعبد والنساء. وهذا قول الحسن والشافعى، لما ذكرنا، إلا أن الإمام إذا خطب مرة ثم أرادوا أن يصلوا لم يخطبوا ثانياً. وصلوا بلا خطبة كى لا يؤدى إلى تفريق الكلمة (٢).

стр. 1541

(٤) خروج النساء إلى العيد يجوز عند الحنبلية للنساء الخروج إلى العيد ولو بكراً شابة، فإذا خرجن متسترات غير متبرجات ولا متطيبات ولا متحليات بما يثير الفتنة (لقول) عائشة: قد كانت تخرج الكعاب من خدرها لرسول الله ﷺ فى العيدين. أخرجه أحمد وابن أبى شيبة بسند رجاله الصحيح (١). [٢٦٧]. (ولقول) أم عطية: أمرنا رسول الله ﷺ أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحيض يوم الفطر ويوم النحر. فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله فإن لم يكن لإحداهن جلباب؟ قال: تلبسها أختها من جلبابها. أخرجه السبعة والبيهقى والدارمى (٢). [٢٦٨]. دل ما ذكر على مشروعية خروج النساء فى العيدين إلى المصلى ولو حائضاً، لكن هذه لا تصلى. ومحله إذا أمن من خروجهن الفتنة. (وقال) غير الحنبلية: يجوز خروج العجائز اللاتى لا يُشتهين فى العيد، لا الشواب (قال) العلامة على بن سلطان القارى: وهو قول عدل، لكن لابد أن يقيد بأن تكون غير مُشتهاة فى ثياب بذلة بإذن حليلها مع الأمن من المفسدة

стр. 1542

بأن لا يختلطن بالرجال، ويكن خاليات من الحلى والحلل والبخور والتبخر والتكشف ونحوها مما أحدثن فى هذا الزمان من المفاسد. وقد قال أبو حنيفة: ملازمات البيوت لا يخرجن (١). قال النووى: فإن قيل هذا مخالف حديث أُم عطية المذكور، قلنا: ثبت فى الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المسجد كما منعه نساء بنى إسرائيل (٢). (١٠٧). ولأن الفتن وأسباب الشر فى هذه الأعصار كثيرة بخلاف العصر الأول. وقال الشافعى فى الأم: أحب شهود النساء العجائز وغير ذوات الهيئات الصلاة والأعياد وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحباباً منى لشهودهن غيرها من الصلوات المكتوبات (٣). (ولا يخفى) ما يترتب فى هذا الزمان على خروج النساء إلى المصلى وغيره من المفاسد التى تقدم بعضها فى بحث" حضور النساء المساجد (٤) " فيتعين منعهن من حضور العيد وغيره. (٥) ما يطلب للعيد يطلب ليلة العيد ويومه أمور ينبغى للعاقل أن يحرص على التحلى بها، المذكور منها هنا عشرة: (١) يسن إحياء ليلة العيد بأنواع الطاعة (روى) عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب. اخرجه الطبرانى فى الكبير والأوسط. وفى سنده

стр. 1543

عمر بن هارون البلخى، أثنى عليه ابن مهدى وغيره، وضعفه جماعة. قاله الهيثمى (١). [٢٦٩]. (وقال) معاذ بن جبل: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: من أحيا الليالى الخمس وجبت له الجنة: ليلة التروية، وليلة عرفة، وليلة النحر، وليلة الفطر، وليلة النصف من شعبان. أخرجه الأصبهانى، وأخرجه ابن عساكر بلفظ: من أحيا الليالى الأربع. وأسقط ليلة النصف من شعبان. وفى سنده عبد الرحيم بن زيد العمى. متروك. وقال يحيى بن معين: كذاب، وقال ابن الجوزى: حديث لا يضح. وهو يرد رمز السيوطى بتصحيحه (٢). [٢٧٠]. والحديث الضعيف يعمل به فى فضائل الأعمال، وتختص ليلة العيد بالإكثار من التكبير لورود ذلك؛ فإن كان حاجاً فليكثر من التلبية فى ليلة الأضحى. ويستحب- عند الشافعى وأحمد- رفع الصوت بالتكبير ليلة العيدين فى المنازل والطرق، لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣)، ولما فيه من إظهار شعائر الإسلام وتذكير الغير بنعم الله على عباده. قال أحمد: كان ابن عمر يكبر فى العيدين جميعاً، ويعجبنا ذلك وهو فى

стр. 1544

عيد الفطر آكد، لورود النص فيه، فقد قالوا فى تفسير الآية: لتكملوا عدة رمضان ولتكبروا الله عند إكماله لهدايتكم وتوفيقكم لصومه. أفاده ابن قدامة (١). وروى نافع عن ابن عمر أنه كان يكبر ليلة الفطر حتى يغدو إلى المصلى. أخرجه البيهقى وقال: ذكر الليلة فيه غريب (٢). (١٠٨). (وقال) الحنفيون ومالك والجمهور: إنما التكبير عند الغدُوّ لصلاة العيد على ما يأتى بيانه (٣)، ومنشأ الخلاف الاختلاف فى المراد بالتكبير فى قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.فقال الجمهور: المراد التكبير عند الخروج لصلاة العيد، لأنه الثابت منفعله ﷺ على ما يأتى. (وقالت) الشافعية والحنبلية وجماعة: المراد التكبير ليلة العيد عند رؤية هلال شوال، (لقول) ابن عباس رضى الله عنهما: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله تعالى حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ. أخرجه ابن جرير (٤). (١٠٩). وإطلاق الآية يدل على التوسعة فى الأمر. (٢) قد اتفق العلماء على أنه يُسن الغسل للعيدين على ما قتدم بيانه فى بحث (اقسام الغسل) (٥). (٣ و ٤) ويُسن التطيب والاستياك للعيد كالجمعة (لقول) الحسن بن على رضى الله عنهما: أمرنا رسول الله ﷺ فى العيدين أن نلبس

стр. 1545

أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد (الحديث) اخرجه الطبرانى فى الكبير والحاكم (١). [٢٧١]. وفى سنده: (أ) عبد الله بن صالح، قال عبد الملك بن شعيب: ثقة مأمون، وضعفه أحمد وجماعة. (ب) إسحق بن برز. قال الحاكم: مجهول وضعفه الأسدى، وذكره ابن حبان فى الثقات. (٥) ويُسن أن يلبس احسن ثيابه وأجملها وإن لم يكن أبيض (لحديث) جعفر بن محمد عن أبيه عن جده (على بن الحسين) أن النبى ﷺ كان يلبس برد حبرة فى كل عيد. أخرجه الشافعى والبيهقى مرسلا، وفى سنده إبراهيم بن محمد لا يحتج بما تفرد به، ولكن تابعه سعيد بن الصلت عن جعفر بن ممد عن أبيه عن جده عن ابن عباس، كما أخرجه الطبرانى بسند رجاله ثقات (٢). [٢٧٢]. (ولحديث) جابر أنالنبى ﷺ كان يلبس برده الأحمر فى العيدين والجمعة. أخرجه البيهقى وابن خزيمة (٣). [٢٧٣]. (ولقول) على بن ربيعة: شهدت على بن أبى طالب رضى الله عنه يوم عيد فرأيته معتماً قد أرخى عمامته منخلفه والناس مثل ذلك. أخرجه البيهقى (٤). (١١٠). وهذا يدل على أن لبس العمامة وإرخاء طرفها بين الكتفين من الزينة التى ينبغى التحلى بها، ولا سيما فى مثل هذا اليوم.
следующие страницы →