(وأَجابوا) عن حديث جابر بأَنه محمول على الأَفْضَل والاستحباب. ويكون تقديره مُستحب لكُم اَىَّ تذبحوا إِلاَّ مُسِنَّة، فإِنْ عجزتُم فجذعة ضأْن. هذا (وقال) الجمهور: لا يُجْزِئُ من غير الضأَن إِلاَّ الثنى، لظاهر حديث جابر.
(ولقول) البراءِ بن عازب: ضَحَّى خالى أَبو بُرْدَة قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : شَاتُكَ لَحْم. فقال: يا رسول الله، إِنَّ عندى داجنا جذعة من المعز. قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك (٠ الحديث) أَخرجه أَحمد وأَبو داود والبخارى والدارمى (١) ﴿٢١﴾.
(فوائد):
(الأُولى) اختلف العلماءُ فى أَفضل الضحايا. والأصَل فيه عند الحنفيين أَن أَفضلها أَطيبها لحماً إِن استويا فى اللحم والقيمة، وإِذا اختلفا فيهما فالأَكثر قيمةً أَوْ لحماً أَفْضَل. ولذا قالوا: الشاة أَفْضَل من سُبع البدنة إِذا استويا فى القيمة واللحم. وكذا الشاه السمينة التى تُسَاوى البقرة قيمةً ولحماً أَفْضَل منها. والكبش أَفْضَل من النَّعْجَة إِذا استويا فيهما. والأُنثى من المعز والإِبل والبقر أَفضل من الذكَر إِذا استويا قيمة. وقاله فى الدر المختار (٢) (وقال) ابن وهبان: الذكَر من المعز أَفْضَل من الأُنثى إِذا كان خصياً.
(ومشهور) مذهب مالك: أَنَّ الأَفْضَل التَّضْحية بالضأْن، لما تقدم عن أَنَس أَنَّ صلى عليه وسلم ضَحَّى بكَبْشَيْن أَمْلَحَيْن أَقْرَنَيْن (٣).
стр. 1612
ولأَنَّ الضأْن أَطْيَب لحماً. ويلى الضأْن المعز ثم البقر ثم الإِبل. وذكر كل نوع أَفْضَل من أُنثاه.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: الأَفْضَل الإِبل ثم البقر ثم الضأْن ثم المعز، لما تقَدَّم عن أَبى هريرة أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: ك مَن اغْتَسَل يَوْمَ الْجُمْعَةِ غُسْلَ الْجَنَابة ثم راحَ فى الساعةِ الأُولَى فَكَأَنما قَرَّب بَدَنَةِّ، ومَنْ راحَ فى الساعة الثانية فكَأَنما قَرَّبَ بقرةً، ومَنْ راحَ فى الساعة الثالثة فكَأَنما قَرَّبَ كَبْشاً أَقْرَنَ (الحديث) (١) ﴿٢٢﴾.
قال أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: والشَّاة أَفْضل من شرْك فى بَدَنَةَ لأَنَّ إِراقةَ الدَّم مقصود فى الأُضْحِية. ز والمنفرد يتقرب بأَراقته كله. والذكَر والأُنثى سواء، لأَنَّ الله تعالى قال: "ط لِيَذْكُرُوا اسْمَ الله عَلَى مَارَزَقَهُمْ مِنْ بَهيمَةِ الأَنْعامِ ". وقال: "ط وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائر اللهِ ". ولم ويقل ذكَراً ولا أُنثى، ولأَنَّ القصد اللحم، ولحم الذكر أَوْفَر، ولحم الأُنثى أَرْطَب فتساويا. وقال أَحمدد: الخصى أَحَبّ إِلينا من النَّعْجَة، لأَنَّ لحمه أَوْفَر وأَطْيب. والكبش فى الأُضْحِية أَفْضَل النعم، لأَنَّهَا أُضْحِيَة النبىَّ صلى اله عليه وسلم. والضَّأْن أَفْضَل من المعز لأَنه أَطيب لحماً (وقال) القاضى: جذع الضَّأْن أَفْضَل من ثنى المعز لذلك، ولما روى أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: نعمت الأُضْحِية الجذع من الضَّأْن. ويتحمل أَن يكون الثنى من المعز أَفْضَل من الجذع، لأَنَّ النبىَّ ﷺ قال: لا تَذْبَحُوا إِلاَّ مُسِنَّة، فإِنْ عسر عليكُم فاذبحوا الجذع من الضَّأْن. رواه مسلم (٢).
стр. 1613
(وهذا) يدل على فَضْل الثنى عى الجذع، لكونه جعل الثنى أَصلاً والجذع بدلاً لا ينتقل إِليه عند عدم الثنى. اهـ بحذف (١).
(الثانية) البقر والجاموس فى التضحية سواءُ، والضَّأْن ولمعز سواءُ، والمتولد بين الأَهلىّ والوحشىّ العبرةَ فيه للأُم، عند الحنفيين، لأَنها الأَصْل وقال غيرهم: لا تُجْزئُ التضحية بالمتولد من الظباءِ والغنم، لأَنه ليس من الأَنعام.
(الثالثة) تجوز التَّضْحِية بالخصى، بل هو أَفْضَل، لأَنَّ لحمه أَلَذَّ وأَطْيَب " ولقول " جابر بن عبد الله: ذَبَح النبىُّ ﷺ يوم النَّحْر كَبْشَيْن أَقْرَنَيْن أَمْلَحَيْن مَوْجُوءَيْن (الحديث) أَخرججه أَحمد وأَبو داود وابن ماجه والدارمى (٢) ﴿٢٣﴾. وفى سنده (ا) محمد بن إِسحاق مدلس، وقد رواه بالعنعنة. (ب) أَبو عياش. ضعيف.
وهذا متفق عليه. (ولا عبرة) بما شَذَّ به ابن كج حيث حكى فى الخصى قولين، وجعل المنع من إِجزائه قول الشافعى فى الجديد (قال النووى) فى المجموع: وهذا ضعيف منابذ للحديث الصحيح.
(الرابع) يُشْترط أَن تكون الأُضْحِية سليمة من عَيْبٍ ينقص اللحم أَو الشحم أَو غيرهما، كالْعور والعرج لبَيَّنَيْن، والمرض الشديد، فلا يجزئُ فيها لمعيب بما ذكر " لحديث " لبراءِ بن عازب أَنَّ لنبىَّ ﷺ قال: أَربع لا يحزن فى الأَضاحى: العوراء البَيَّن عورها، والمريضة البَيَّن مرضها، والعرجاء البين ظلعُها، والكَسِيرة التى لا تنقى. أَخرجه
стр. 1614
مالك وأَحمد والأَربعة، وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح، والدارمى والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١) ﴿٢٤﴾.
(قال) الخطابى فى الحديث دلالة على أَنَّ الْعَيْب الخفيف فى الضَّحَايا مَعْفُوُّ عنه، أَلآ تراه يقول: ك بَيَّن عورها، وبَيِّن مرضها، وبَيِّن ظلعُهَا. وفالقليل غير بَيِّن، فكان مَعْفُوًّا عنه. اهـ. (وقال) النووى: أَجمعوا على أَنَّ العيوب الأَربعة المذكورة فى حديث البراءِ، وهى المرض والْعَجَف والْعَوَر والْعَرَج الْبَيِّن، لا تُجْزئُ التَّضْحِية بها. وكذا ما كان فى معناها أَوْ أَقْبَح، كالْعَمَى وقطع الرِّجْل (٢).
(وكذا) لا يُجْزئُ فى التَّضْحِية مقطوع الأُذن أَو الذنب أَو الأَلية والذاهب أَكثر نُور عَيْنه (٣) " لحديث " قتادةَ عن جُرَى بن كُليب قال: سمعتُ عَلِيًّا يحدِّثُ أَنَّ رسول الله ﷺ نَهَى أَن يُضَحَّى بأَعْضَب القرن والأُذن، أخرجه أَحمد وأَبو داود وابن ماجه والطحاوى والنسائى. وزاد: قال قتادة: فذكرتُ ذلك لسعيد بن المسيب قال: نعم الأَعْضَب النصف وأَكثرَ من ذلك (٤) ﴿٢٥﴾، وقال أَحمد: العضباءُ:
стр. 1615
ما ذهب أَكثر أُذنها أَوْ قَرْنها " ولقول " عتبة بن عبد السلمى: إِنما نَهَى رسول الله ﷺ عن المصْفَرَّرةِ وَالمسْتَأْصَلةِ وَالبَخْقَاءِ وَالمشَيَّعَةِ وَالكَسْراءِ. فالمصْفَرَّةُ التى تُسْتَأْصَلُ أُذُنها حتى يَبْدُوَ صِماخها. والمستأْصَلةُ التى يُسْتَأْصَلُ قَرْنها من أَصله. والبخْقاءً التى تُبْخَق عَيْنُهَا. والمشَيَّعةُ التى لا تتبع الغنم عَجَفاً وضَعْفًا. والكَسْرَاءُ الكَسِيرة. أَخرجه أَحمد وأَبو داودد والحاكم وقال: هذا حديث صحيح الإِسناد (١) ﴿
٢٦﴾.
(وبهذا) قال أَبو يُوسُف ومحمد، وعليه الفتوى عند الحنفيين. وإِليه رجع الإِمام. وفى مقطوع نصف الأُذن وما بعدها روايتان عندهم. والاجتياط إِلحاقه بالأَكثر.
(وقالت) المالكية: لا تَصِحّ التضحية بمقطوعة ثلث الذنب فأَكْثر، ولا مقطوعة أَو مشقوقة أَكثر من ثلث الأُذن، ولا بذاهبة جزءٍ منها وَلَوْ خِلْقياً غير الخصية.
(وقالت) الشافعية: لا تَصِحّ بمقطوعة بعض الأُذن ولا مقطوعة الأَلية غير طرفها. ز
(وقالت) الحنبلية: لا تَصِحّ بمقطوع أَكثر أَلْيَتِه أَوْ أُذُنِهِ أَوْ قَرْنِه أَوْ مُنْكَسِر غلاف قرْنِه وهو الأَعْصَم. ولا يضرّ قطع الذنب.
(قال) أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: وأَما العضب فهو دَهاب
стр. 1616
أَكثر من نِصْفِ القَرْن أَو الأُذُن، وذلك يمنعُ الإِجزاءَ أَيضاً. وبه قال النخعىّ وأَبو يُوسُف ومحمد.
(وقال) أَبو حنيفة والشافعى: تُجْزِئُ مكسورة القْرن. وروى نحو ذلك عن علىّ وعمار وابن المسيَّب والحسن (وقال) مالك: إِنْ كان قَرْنها يُدْمى لم تُجْزِئ، وإِلاَّ أَجْزَأَت. وعن أَحمد: لا تُجْزِئ ما ذَهَبَ ثلث أُذنها. وهو قول أَبى حنيفة (وقال) عطاءُ ومالك: إِذا ذهبت الأُذن كلها لم تُجْزِئ، وإِن ذهب يَسِيرها أَجْزَأَت، واحتجوا " بأَنَّ قول " النبىِّ ﷺ : أَربع لا تجوز فى الأَضَاحِى " يدل " على أَن غيرها يُجْرِئ، ولأَنَّ فى حديث البراءِ عن عَبيد بن فيروز قال: قلت للبراءِ: فإِنى أَكْرَه النقص من القرن والذنب. قال: اكْرَهُ لنفسك ما شِئُتَ ولا تضيِّق على الناس، ولأَنَّ المقصود اللحم. وهذا لا يؤثر فيه (ولنا) ما تقدم عن علىّ رضى الله عنه قال: نَهَى رسول الله ﷺ أَن يُضَحَّى بأَعُضَبُ الأُدُن والقرْن. قال قتادة: فسأُلْتُ سعيد بن المسيب فقال: نعم الأَعْضَبُ النصفَ وأَكثرَ من ذلك (١) (وعن) علىّ رضى الله عنه قال: أَمَرَنَا رسول الله ﷺ أَن نستشرف العَيْن والأُذُن. رواه أَبو داود والنسائى (٢) ﴿٢٧﴾.
وهذا منطوق يقدم على المفهوم (٣).
(وقالت) الظاهرية: لا يَضُرّ قطع الأَلية ولا الذنب مطلقاً " لقول "
стр. 1617
أَبى سعيد الخدرى: اشتريْتُ كبشاً لأُضَحِّى به، فعدا الذئب فأَخَذَ منه الأَلية، فسأَلْتُ النبى ﷺ . فقال: ضَحّ به. أَخرجه أَحمد وابن ماجه والبيهقى (١) ﴿٢٨﴾، وفى سنده جابر الجعفى وهو ضعيف. وشيخه محمد بن قرَظة فيه مقال " ولقول " يزيد ذى مِصْرٍ: أَتَيْتُ عُتْبة بن عبد السلمى فقلت: يا أبا الوليد، إِنى خرجت أَلتمسُ الضَّحايا فلم أَجِدْ شيئاً يعجبنى غير ثرْمَاءَ فكرهتها، فما تقول؟ فقال: أَفلا جئتنى بها؟ قلت: سُبحان الله، تجوز عنك ولا تجوز عنِّى؟ قال: نعم، إِنك تَشُكُّ ولا أَشُكَّ، إِنما نَهَى رسول الله ﷺ عن المصْفرَّرة (الحديث) أَخرجه أَحمد وأَبو داود والحاكم وصححه (٢).
هذا. ولا تَصِحّ التَّضْحِية بالهتْماءِ التى ذهب أَكثر أَسْنَانها عند الثلاثة وقال مالك: لا تُجْزِئُ التضحية بمكسورةِ السنين، ولا بالسكاءِ وهى التى لا أُذُن لها خِلْقة عند الثلاثة. وقال أَحمد: تصحّ بالسكاءِ فلولها أُذُن صغيرة أَجْزَأَتْ عند الثلاثة خلافاً لمالكِ وهى الصمعاءِ ولا بالجذاءِ وهى مقطوعة الضَّرْع، ولا بالجدعاءِ وهى مقطوعة الأَنف، ولا بالتى لا أَلية لها خلقة عند الحنفيين ومالك.
وقال الشافعى وأَحمد: تَصِحّ بالبتراءِ كالمخلوقة بلا أَلية ولا ضِرْع لها خلقة، ولا بالمصَرَّمة وهى التى لا تستطيع أَن تُرْضع فصيلها، ولا بالحداءِ بالحاءِ المهملة وهى التى تأْكُلْ العذرة ولا تأْكُل غيرها. ولا بالخنثى عند الحنفيين لأَنَّ لحمها لا يَنْضُج، وقال غيرهم: تَصِحّ بالخنثى بل هى أَوْلى من الأُنثى عند مالك.
стр. 1618
هذا. وجُمْلة القول فيما لا يجزئُ فى الأُضْحِية ما ذكره النووى بقوله: أجمعوا على أَن العمياءَ لا تجزئَ وكذا العوراءَ البَيِّن عورها، والعرجاءَ البَيِّن عرجها، والمريضة البَيِّن مرضها، وَالعجفاءَ (وَاختلفوا) فى ذاهِبة القرْن وَمكسورته. فمذهبنا أَنها تجزئ. وَقال مالك: إِنْ كُسِر قرْنها وَهُوَ يدمى لم تجزْ وَإِلاَّ فتجزئه. (وقال) أَحم: إِنْ ذهب أَكثر من نِصْف قَرْنها لم تجزه سواءُ دميت أَمْ لا. وإِنْ كان دُونَ النِّصْف أَجْزَأَتْه.
(وأَما) مقطوعة الأُذُن، فمذهبنا أَنها لا تجزئ سواءُ أَقطع كلها أَمْ بعضها، وبه قال مالك وداود (وقال) أَبو يُسُف ومحمد وأَحمد: إِنْ قُطِع أَكثر من النِّصْف لم تجزه وإِلا فتجزئه (وقال) أَبو حنيفة: إِن قُطِع أَكثر من الثلث لم تجزه.
(وأَما) مقطوعة بعض الأَلية، فلا تجزئ عندنا، وبه قال مالك وأَحمد (وعن) أَبى حنيفة: إِنْ بقى الثلث أَجْزَأَت (وقال) صاحباه: إِنْ بقى أَكثرها أَجْزَأَت. وقال داود: تجزئ بكل حال. اهـ بتصرف (١).
وهذا إِذا كانت هذه العيوب وَقْتَ الشِّرَاءِ، فلو اشتراها سليمة ثم تعيبتْ بعيبٍ مانع إَنْ كان غَنِيًّا فعليه غيرها. وإِنْ كان فقيراً أَجْزَأَتْه التَّضْحية بها، لأَنَّ الوجوب على الغَنّى بالشرع ابتداءً فلم تتعَيَّن بالشِّرَاءِ، نقصانها كما فى نِصَابِ الزكاة.
(وعن) هذا الأَصْل قالوا: إِذا ماتَت المشتراة للتَّضْحِية، فَعَلَى الموسِر أُخرى ولا شَئَ على الفقير، ولو ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ فاشترى أُخرى ثم ظهرت الأُولى فى أَيام النحر فَعَلَى الموسِر ذَبْح إحداهما وعلى الفقير ذبحهما.
стр. 1619
(ولا يَضُرّ) تعيبها من اضطرابها عند الذبح، فلو أَضجعها فاضطربت فانكَسَرْت رِجْلَهَا فذبحها أَجْزَأَتْهُ استحساناً، لأّنَّ حالة الذبح ومقدماته ملحقة به، فكأَنّض العيْبَ حَصَل بالذبح، وكذا لو تعيبَتْ فى هذه الحالة فانفلتَتْ ثم أَخذت من فوره وكذا بعد فوره عند محمد، لأَنَّهُ حَصَلَ بمقدماتِ الذبح. وهذا مذهب الحنفيين والحنبلية.
(وقالت) الشافعية والمالكية: حُدوث العيب وقت الذبح يمنع من إِجزائها، لأَنها عرجاءَ عند الذبح فأَشبه مالو انكَسَرَت رِجْل شاةٍ فبادَرَ إِلى التَّضْحية بها فإِنها لا تجزئ.
٤ - ما يكره التضحية به:
تُكْرَه التَّضْحِية بمعيبٍ عيباً غير بَيِّن كالْجَمم بفتحتين وهو عدم القرْن. والجرَب اليسير. والثوَل وهو استرخاء فى أَعصاب الشاة أَو جنونٍ لا ينعها من العلف (فتكره) بالجمّاءِ بشد الميم وهى التى لا قَرْن لها خِلْقة، وكذا العظماءَ التى كُسِرَ قرْنها، فإِذا ذهب الكَسْر إلى المخ لم تجزئ (وتُكْرَه) بالجرباءِ السمينة التى لم يُتْلِفَ اجرب جِلْدها، لأَنَّهُ حينئذٍ لا يخل بالمقصود وهو كثرة اللحم. أَما المهزولة فلا تجزئ، وكذا ما أَتْلَفَ الجرب جلدها (وتُكْرَه) بالثولاءِ أَى المجنونة إِذا منعها عن العلف تجزئ (وهذا) مذهب الحنفيين والحنبلية، والمستحب أَن تكون الأُضْحِية سليمة عن العيوبِ الظاهرة. فما جُوِّزَ ههنا جُوِّزَ مع الكراهة.
(وقالت) الشافعية: لا تجزئ الجرباءَ ولو سمينة. والجرب عندهم يمنع الإِجزاءَ كثيرة وقليلة وما يُرْجَى زواله وَما لا يُرْجَى، لأَنَّهُ يفسد
стр. 1620
اللحم والشحم (وتُكْرَه) التَّضْحِية بمشقوقة الأُذُن ومخروقتها وما تَسَاَقَطَ بعض أَسنانها (١) ونحوها " لقول " عبيد بن فيروز: قلت للبراءِ: إِنِّى أَكْرَهُ أَن يكون فى القرن نَقْصُ أَو فى الأُذُن نقص أَو فى السِّن نقص. قال: ما كرِهْتَهُ فَدَعْهُ ولا تحرمه على أَحد. أَخرجه أَحمد والدارمى والنسائى (٢) ﴿٣﴾.
(قال) أَبو محمد عبد الله بن قدامة: ويُكْرَهُ أَن يُضَحَّى بمقشوقة الأُذن أَو بما قُطِعَ منها شَئّْ، أَو ما فيها عَيْبٌ من هذه العيوب التى لا تمنع الإِجزاءَ " لقول " علىّ رضى الله عنه: أَمَرَنَا رسول الله أَن نَسْتَشْرِفَ العَيْن والأُذُن ولا نُضَحَّى بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاءَ ولا شرقاءَ. قال زهير: قُلْتُ لأَبى إِسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأُذُن. قلت: فما المدابرة؟ قال: يقطع من مؤخر الأُذُن. قلت: فما الخرقاءُ؟ قال: تُخْرَق أُذُنها للسِّمة. قلت: فما الشَّرْقاءُ؟ قال: تُشَقَّ أُذُنها. أَخرجه أَبو داود والنسائي (٣) ﴿٢٩﴾. قال القاضى: الخرقاءُ التى انثقبت أُذُنها. والشرقاءُ التى تشق أُذُنها. وهذا نَهْى تنزيه ويحصل الإِجزاءُ بها، لا نعلم فى هذا خلافاً (٤).
стр. 1621
٥ - وقت التضحية:
ويُشْترط لِصحَّتها أَن تَكُون فى أَيَّام النحر، وهى يوم العيد ويمان بعده لما روى ابن حزم عن وكيع عن شُعْبه عن قتادة عن أَنَس قال: الأَضْحَى يوم النحر ويومان بعده (١) ﴿٤﴾ " ولقول " ابن عُمر رضى الله عنهما: الأَضْحَى يومان بعد يوم الأَضْحَى. رواه ابن أَبى شيبة ومالك وقال: بلغنى عن علىّ رضى الله عنه مثله (٢) ﴿٥﴾.
(فَوَقْتها) ينتهى بغروب شمس اليوم الثانى عشر من ذِى الحجَّة.
(وبهذا) قال الحنفيون ومالك وأَحمد والثَّوْرى.
(وقالت) الشافعيةُ وعطاءٌ والحسن: أَيام النَّحْرِ أَربعة: يوم العيد وأَيام التشريق الثلاثة (فآخر) وقت الذبح عندهم: غُروب شمس آخر أَيامَ التشريق " لحديث " جُبير بن مُطعم أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: كُلَّ عرفات موقف وارفعوا عن عُرَنة، وكُلَّ مزدلفة موقف وارفعوا عن مُحَسِّر، وكُلّ فجاج منى منْحَر وكُلّ أَيام التشريق دَبْح. أَخرجه أَحمد والبزار والطبرانى فى الكبير بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٣٠﴾.
(وقال) ابن سِيرين: لا يجوزُ الذَّبْح إِلاَّ فى يوم النَّحْر خاصَّة، أَنه وظيفة عيد، فاختص بيوم العيد كالصلاة وأَداءِ زكاة الفطر يوم الفطر (وعن) أَبى سَلَمة بن عبد الرحمن وعطاءِ بن يسار: تجوزُ التَّضْحِية إِلى هلال المحرم" لما روى " أِبو أُمامة سهل بن حنيف رضى الله عنه قال:
стр. 1622
كان الرَّجُل من المسلمين يَشْتَرِى أُضْحِيته فيسمنها حتى يكون آخر ذِى الحجة فيُضَحَّى بها. أَخرجه أَحمد ﴿٦﴾. وقال: هذا أَثر عجيب. وقال: أَيام الأَضْحَى التى أَجمع عليها ثلاثة أَيام. ذكَرَهُ أَبو الفرج عبد الرحمن ابن قدامة (١) هذا. ولا تُذْبَح الأُضْحِية قبل طلوع فجر يوم النَّحْر إِجماعاً ولا تُذْبَح عند الحنفيين فى بَلَدٍ تُقَامُ فيه الجُمعة، قبل صلاة العيد أَو قبل مُضِىّ وقتها بزوال الشمس إِنْ لم تُصَلّ لِعُذْر " لحديث " أَنَس أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ كان ذَبَح قبل الصلاة فَلْيُعدْ. أَخرجه الشيخان (٢) ﴿٣١﴾.
(وتُذْبَح) فى القُرَى التى لا تَصِحّ فيها الجُمْعة بعد طلوع فجر يوم النَّحْر، لعدم وجُوبِ صلاةِ العيد عليهم، فلا يفوتهم بالاشتغالِ بالذبح واجب.
(وقالت) المالكية: لا تُذْبَح الأُضْحِية إِلاَّ بعد صلاة الإِمام العيدِ وذَبْحِه إِنْ ذَبَح، وإِلاَّ فبعد مُضِىَّ مقدار الذَّبْح " لقول " البراءِ بن عازب: خَطَبَنَا رسول الله ﷺ يوم الأَضْحَى بعد الصلاة فقال: مَنْ صَلَّى صلاتنا ونَسَكَ نُسُكَنَا فقد أَصَابَ النُّسُك، ومَنْ نَسَكَ قبل الصَّلاة فتلك شَاةٌ لَحْم (الحديث) أَخرجه أَبو داودد والشيخان (٣) ﴿٣٢﴾ " ولقول " أَنَس: قال النبى ﷺ : مَنْ ذَبَحَ قبل الصلاة فإِنما ذَبَحَ.
стр. 1623
لِنَفْسِه، ومَنْ ذَبَحَ بعد الصلاة فقد تمَّ نُسُكُه وأصَابَ سُنَّةَ المسلمين. أَخرجه البخاري (١) ﴿٣٣﴾.
(وهذان) الحديثان إنما يَدُلَّانِ على مَنعْ الذَّبْح قبل صلاة العيد بلا توقف على ذبح الإمام.
(وقالت) الحنبلية: لا تُذْبح الأُضْحِية في حق أهل المصر إلَّا بعد صلاة الإمام ولو قبل الخطبة، وفي حق أَهل البوادِي ونحوهم ممن لا تُصَلّي العيد في موضعهم، يدخل وقت الذبح بمضِيّ قدر صلاة العيد بعد دخول وقتها لما تقدَّم "ولما روى" عبد الله بن عمرو: أن رَجُلا أتى النبيَّ ﷺ فقال: إن أبي ذبَح ضَحِيَّتَهُ قبل أن يُصَلَّى. فقال النبئُ ﷺ : قُلْ لأبيك يُصَلِّي ثم يَذبَح. أخرجه أحمد والطبراني في الكبير، وفي سنده حييّ بن عبد الله الماقري، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه أحمد وغيره وبقية رجال الطبراني رجال الصحيح (٢) ﴿٣٤﴾
(قال) أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: وظاهر كلام آحمد أن من شَرْطِ جواز التَّضْحِية في حق أهل المصر، صلاة الإمام وخُطْبته. وعلى قياس قوله: كل موضع يُصَلَّى فيه العيد. وظاهر حديث البراء اعتبار نفس الصلاة، فإن ذَبَح بعد الصلاة وقيل الخطبة أجْزَأ، لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّقَ المنع على فعل الصلاة فلا يتعلق بغيره، ولأنَّ الخطبة غير واجبة فلا تكُون شرطًا. وهذا قول الثوري وهو الصحيح (٣).
(وقالت) الشافعية والظاهرية وغيرهم: يدخل وقت التَّضْحِية بمضِيّ
стр. 1624
قدر صلاة العيد وخُطْبَتِه بعد طلوع الشمس، سواءٌ أَصَلَّى الإمام أَمْ لا، وسواءٌ أصَلَّى المضَحِّي أمْ لا، وسواءٌ أكَانَ مِن أَهل القُرَى أَو البوادِي أَو من الأمصار أو من المسافرين، والأَفْضَلَ أَلَّا يَذْبَح إلَّا بعد صلاتِه مع الإِمام، محتجِّين بما تقَدَّم عن البراءِ وأَنَس وغيرهما قالوا: المراد بها التقدير بالزَّمان لا بفعل الصلاة، لأَنَّ التقدير بالزَّمان أَشْبه بمواقيت الصلاة وغيرها، ولأَنه أضْبَطَ للناس في الأَمصار والقُرَى والبوادِي.
(وهو) تَأْويل بَعِيد (قال) العلامة الشوكاني: وقد تَأَوَّل هذه الأحاديث من لم يعتبر صلاة الإِمام وذبحه بأَنَّ المراد بها الزَّجْر عن التعجيل الذي يُؤَدِّي إلى فِعْلَهَا قبل وقتها، وبأَنه لم يكُن في عصره ﷺ مَنْ يُصَلِّي قبل صلاتِه، فالتعليق بصلاتِه في هذه الأَحاديث ليس المراد به إلَّا التعليق بصلاةِ المضَحِّي نفسه، لَكِنَّها لما كانت تقَعُ صلاتهم مع النبيِّ ﷺ غير متقَدِّمة ولا مُتَأخِّرَة، "وَقَعَ التعليق بصلاتِه ﷺ ، بخلافِ العصر الذي بعد عصْره، فإنها تُصَلَّى صلاة العيد في المصر الواحد جماعات متعددة (ولا يخفى) بعد هذا: فإنه لم يثبت أنَّ أهْل المدينة ومَنْ حولهم كانوا لا يُصَلونَ العيد إلَّا مع النبيّ ﷺ . "وأَمَّا" قوله ﷺ : يوم النَّحْر يوم ذَبْح "فلا" يصلح متمسكاً لمن جَوَّزَ الذبح من طلوع الشمس أَوْ من طلوع الفجر، لأَنه كالعام. والأَحاديث المذكورة خاصَّة، فيبني العام على الخاص (١).
(فالراجح) مذهب غير الشافعية (قال) النووي: ينبغي أَن يذبح أُضْحِيَته بعد صلاتِه مع الإمام وحينئذٍ تُجْزئه بالإِجماع (٢).
стр. 1625
(وإِذا) لم يكُن فى البلد إِمام فالظاهر أَنه يعتبر لكل مُضَحّ صلاته.
(السادس) ويُشْترط أَن يكون ذَبْح الأُضْحِية نهاراً عند مالك، وهو رواية عن أَحمد، فلا يجزئ ذبحها ليلاً " لحديث " ابن عباس أَنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى أَن يُضَحّى ليلاً. أَخرجه الطبرانى فى الكبر. وفى سنده سليمان بن أَبى سلمة الجنايزى وهو متروك. قاله الهيثمى (١) ﴿٣٥﴾. وفى سنده أَيضاً مبشر بن عبيد وهو ضعيف متهم بالْوَضْع. ولأَنَّ ليالى التشريق تُشْبهُ ليلَةَ النَّحْر، وأَيامها تُشْبه يومه، فكما أَنه لا يجزئ الذبح فى ليلة النحر لا يجزئ فى لياليها.
(وقال) الحنفيون والشافعيون والجمهور: يَصِحّ ذبحها ليالى التشريق مع الكراهة. وروى عن أَحمد (أَما الجواز) فلأَنَّ الليل زمن يَصِحّ فيه الرمى فأَشْبه النهار، ولأَنَّ الليل داخل فى مدة الذَّبْح، فجاز الذَّبْح فيه كالأَيام.
(وأَما) الكراهة، فلا حتمال الغلط ليلاً.
(وأَجابوا) عن الحديث بأَنه ضعيف فلا يحتجّ به. فالراجح قول الجمهور.
(فائدتان):
(الأُولى) من ضَحَّى بعددٍ من الماشية، فالسُّنة ذبحها فى اليوم الأَول مُسَارَعةً إِلى الخير " وما قيل " من أَنه يُسْتَحَبّ تفريقها على أَيام النحر، لأّنه أَرْفَق بالمساكين " فهو " ضعيف مخالف للسُّنة الصحيحة (فقد) ثبت أَنَّ النبى ﷺ نَحَرَ مائَةَ بدنة أَهْدَاها فى يوم واحد وهو يوم النحر، فَنَحَرَ بيده ثلاثاً وسِتِّينَ، وأَمَرَ عَلِيًّا رضى الله عنه ينحَرُ عنه تمام المائة.
стр. 1626
(الثانية) التَّضْحِية فى أَيام النَّحْر أَفْضَل من التَّصَدُّق بثمن الأُضحية عند الأَئِمة الأَربعة، لأّنَّ القربة فى هذه الأَيام إِنما تكون بإِراقة الدم.
٦ - مكان التضحية:
(قال) النووى فى المجموع: محل التَّضْحِية موضع المضَحِّى، سواءٌ أَكَانَ بلده أَمْ مَوْضِعه من السفر. وفى نقل الأَضْحِية وَجْهان، حكاهما الرافعىّ وغيره تخريجاً من نقل الزكاة. اهـ.
(وقال) الحنفيون: يجوزُ نقلها بلا كراهة لقريبٍ أوْ أَخْوَج كالزكاة.
٧ - الأشترك قى الأضحية:
تُجزئ الشاُه من الضَّأْن أَو المعز عن واحد اتفاقاً. وتُجزئ عنه وعن أَهْل بيتِه وإِن كَثُروا عند مالك والليث والشافعى وأَحمد وإسحاق " لقول " أَبى أَيوب الأَنصارىّ: كُنَّا نُضَحِّى بالشَّاةِ يذبحها الرَّجُل عنه وعن أَهل بَيْتِه، ثم تَبَاهَى الناس بعد فصارت مُبَاهَاةً. أَخرجه مالك وابن ماجه. وكذا الترمذى وصححه عن عطاءِ بن يسار قال: سأَلْتُ أَبا أَيوب: كيف كانت الضَّخَايا على عَهْدِ رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرَّجُل يُضَحِّى بالشَّاةِ عنه وعن أَهل بيته يأْكُلُون ويُطْعمون حتى تَبَاهَى الناس فصارت كما تَرى (١) ﴿٣٦﴾.
" ولحديث " أَبى عقيل زهرة بن معبد عن جَدِّه عبد الله بن هشام قال: كان رسول الله ﷺ يُضَحِّى بالشَّاةِ الواحدة عن جميع أَهْله. أَخرجه أَحمد والطبرانى فى الكبير والحاككم وقال: هذا حديث صحيح الإسناد (٢) ﴿٣٧﴾.
стр. 1627
" ولقول " عائشة: أَمَرَ رسول الله ﷺ بكَبْش أَقْرَن يَطَأُ فى سوادٍ ويبرك فى سوادٍ وينظر فى سوادٍ، فأَتى به لِيُضَحِّى به، فقال: يا عائشة، هَلُمِّى المدية، ثم قال: اشْحِذيِها بحَجَر، ففعلَتُ، ثم أَخذها وأَخذ الكَبْش فأَضْجَعَةُ ثم ذَبَحَهُ، ثم قال: باسْم الله، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ من محمدٍ وآل محمدٍ ومن أُمَّةِ محمدٍ، ثم ضَحَّى به. أَخرجه أَحمد ومسلم وأَبو داود (١) ﴿٣٨﴾.
(وقال) الحنفيون والثورى: لا تُجزئ الشَّاةُ إِلاَّ عن نَفْس واحدة، ولا تُجزئ عن أَهل بَيْتٍ، لآَنّض الاشتراك فى الأُضْحِية خلاف القياس، لأَنَّ القربة فيها إِراقة الدم وهى لا تحتمل التجزئة لأَنَّهَا ذبح واحد. وإِنما جَازَ الاشتراك فى الإِبل والبقر بالنص، فبقى الأَمر فى الغَنَم على القياس.
(وأَجابوا) عن الأَحاديث السابقة ونحوها (بأَنها) محمولة على الاشتراك فى الثواب (وردّ) بأَنه لا دليلَ على هذا الحمل، ولذا قال الزَّيْلعى: ويُشكَّل على المذهب فى منعهم الشَّاة لأَكثر من واحد بالأَجاديث المتقدمة أَنَّ النبى ﷺ ضَحَّى بكَبْش عنه وعن أُمَّتِه (٢).
(ومنه) يعلم أَنَّ النص وَرَدَ فى اشتراك أَهل البيت وإِن كَثُروا فى شاةٍ واحدة، فلم يبق الأَمْر فى الغنم
على القياس " وما قاله " الطحاوى من أَنَّ هذه الأَحاديث مخصوصة أَو منسوخة " فمسلم " أَن تَضْحِيَته ﷺ عن أُمَّتِه وإِشراكهم فى أُضْحِيَتِه مخصوصٌ به ﷺ .
стр. 1628
وأَمَّا تَضْحِيَته عن نَفْسِه وآلِه فليس مخصوصاً به ﷺ ولا منسوجاً، لأَنَّ الصحابةَ رضى الله عنهم كانوا يُضَحُّون بالَّةِ الواحدة يَذْبَحُهَا الرَّجُل عنه وعن أَهْل بَيْتِهِ كما تقَدَّم.
ولم يثبت عن أَحَدٍ منهم التَّضْحِية عن الأُمَّة وإِشراكها فى أُضْحِيته أَلبتة (فالراجح) القول بإجزاءِ الشَّاةِ عن أهل بَيْتٍ واحِدٍ لقوة أَدِلَّتِه.
(قال) الخطابى: قوله ﷺ : تقَبّضل من محمدٍ وآل محمدٍ دليلُ على أَنَّ الشَّاةَ الواحدةَ تُجزئ عن الرَّجُل وعن أَهله وإِن كَثُروا. وروى عن أَبى هريرة وابن عمر أَنَّهما كانا يفعلان ذلك (١).
هذا. وتُجزئ الْبَدَنَةُ وهى ناقَةٌ عن سبعةٍ فَأَقَلُ " لقول " جابر: نَحَرْنَا مع رسول الله ﷺ بالْحُدَيبية الْبَدَنَةَ عن سبعةٍ والبقرةَ عن سبعةٍ. أَخرجه الجماعة إِلاَّ البخارى. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿٣٩﴾.
وهو مذهب الحنفيين (فالبدنة) تُجزئ عندهم عن سبعة إِذا كان كل منهم يُريد بِنَيبه - الذى لا ينقص عن السُّبْع - القربة وهو من أَهلها بالإسلام، فلو أَراد أَحدهم بنَصِيبه اللَّحم أَو كان كافراً، أَو نقص نَصِيبه عن سُبْع، لآ تُجزئ عن واحد. ويُقَّم اللَّحم بينهم وَزْناً لا جُزَافاً إِلاَّ إِذا كان معه شَئْ مِنَ الأَكارع أَو الْجِلْد (ولو) اشترى بدنة ثم أَشْرَك معه ستة صَحّ استحساناً. ويندب كون الاشتراك قبل الشِّرَاءِ، فإِن الاشتراك بعده مَكْرُوه.
стр. 1629
(وقالت) الشافعية والحنبلية والجمهور وبعض المالكية: يجوزُ اشتراكَ سبعة فى البدنة، سواءٌ أَكَاُنوا كلهم أَهل بيت أَم متفرِّقين، أَو بعضهم يُريد اللَّحم، فيجزئُ عن المتقرب، وسواءٌ أَكَانَتْ أُضْحِية مَنْذُورَة أَمْ تَطَوُّعاً.
(ومشهور) مذهب المالكية أَن البدنة لا تُجزئُ إِلاَّ عن واحدٍ كالشَّاةِ، ولا يجوز أَن يُشْرك المضَحِّى غيره معه فى الأُضْحِية إِلاَّ فى الأَجْر، فيجوز مهما بلغ العدد بشرط أَن يكون المقصود تَشْريكه قريباً أَوزَوْجاً ساكِناً معه فى نَفقَتِه، سواءٌ أَكَانتْ واجبة كالابن والأَبَوَيْن الفقيرين، أَم غير واجبة كالأَخ وابن العم. فتسقُطُ الأُضْحِية عنه ولو كان غَنِيًّا. وفى اشتراط إِعلامِه بالتشريك قَوْلآن (وردّ) بأَنَّ الدَّليل صريح فى جواز التَّشْريك ولو فى الثمن (فقد قال) ابن عباس: كُنَّا مع رسول الله ﷺ فى سَفَرٍ فَحَضَرَ الأَضْحَى فاشتركْنَا فى البقرةِ عن سبعة، وفى البَعِير عن عشرة. أَخرجه أَحمد والأَربعة إِلاَّ أَبا داود. وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إِلاَّ من حديث الفضل بن موسى (١) ﴿٤٠﴾.
(ولهذا) قال إِسحاق بن راهويه وابن حزيمة: تُجزئُ البقرةُ عن سبعة والبدنة عن عشرة فى الضَّحِية
(وأَجابوا) عن حديث جابر بأَنه إِنما ورد فى الهدايا. وقياس الضَّحِية على الهدْى قياس فى مقابلة النَّص، وهو حديث ابن عباس، فلا يعول عليه (وهذا) هو الحق فى الضحايا، لحديث ابن عباس.
стр. 1630
٨ - مصرف الأضحية:
يُسَنُّ للمُضَحِّى أَنْ يأْكُلَ من لحم أُضْحِيَتِه ويُطْعِم منها غَنِيًّا إِنْ لم تكُن منذورة، ويُبَاح أَنْ يدَّخِر " لقول " جابر بن عبد الله: كُنَّا لا نَأْكُلُ من لُحوم بُدُنِنَا فوق ثلاث، فأَرْخَصَ لنا ﷺ فقال: كُلُوا وتَزَوَّدُوا. أَخرجه أَحمد ومسلم والنسائى، وزاد: وادَّخِروا (١) ﴿٤١﴾.
" ولحديث " سُليمان بن بُريدة عن أَبيه أَنَّ النبى ﷺ قال: كُنْتُ نَهَيْتُكُم عن لُحوم الأَضَاحِى فوق ثلاث ليتَّسع ذَوُو الطول على مَنْ لا طول له، فكُلُوا ما بَدَا لَكُم، وأّطْعِمُوا وادَّخِرُوا. أَخرجه أَحمد ومسلم والترمذى وقال: حديث حسن صحيح (٢) ﴿٤٢﴾.
" ولحديث " نُبَيْشَة أَنَّ النبىَّ صلى عليه وسلم قال: إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُم عن لحومها أَنْ تأْكُلُوا وادَّخِرُوا، أَلآ وإِنَّ هذه الأَيام أَكْل وشْرْب وذِكْر الله تعالى. أَخرجه الشافعى وأَحمد وأَبو داود. وأَخرج صدره ابن ماجه والدارمى (٣) ﴿٤٣﴾.
(والأَمر) فى هذه الأَحاديث للإِباحة، لأَنه وَقَع بعد النَّهْى عن الادَّخَار فوق ثلاث، لجهدٍ أَصاب الناس كما ترى فى الأَحاديث (ولهذا) قال الأَئِمَّة الأَربعة والجمهور: يُسَنّ الأَكل من الأُضْحِية غير المنذورة، ويُبَاح الادَّخار منها بعد ثلاث.
стр. 1631
" وما روى " عن علىّ وابن عُمر وجماعة من الظاهرية من تحريم إِمساك لُحُوم الأَضَاحِى فوق ثلاث " مَرْدُود " بالأَحاديث السابقة. وكذا القول بأَنَّ الأَكل والادخار فوق ثلاث مَكْرُوه. والصحيح أَنه لم يبق تحريم ولا كراهة، فيباح اليوم الادخِّار فوق ثلاث والأَكْل مَتَى شَاءَ، لصريح حديثِ بُريدة وغيره. ولعل عَلِيَّا وابن عُمر رضى الله عنهما لم يبلغهما الناسخ. ومَنْ حَفِظَ حُجَّة على مَنْ لم يَحْفّظ.
هذا. والأَفْضَل عند الحنفيين أَن يَتَصَدَّق بالثُّلُث ويأْكُل الثُّلُث، ويَدَّخِر الثُّلُث، لِمَا تَقَدَّم فى حديث بُريدة من قوله ﵊: فكُلُوا ما بَدَا لكُم وأَطْعِمُوا وادَّخِروا (١)، " ولحديث " سَلَمة بن الأَكْوع أَنَّ النبىَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَنْ ضَحَّى مِنْكُم فلا يُصْبِحَنَّ بعد ثالثة ويقى فى بَيْتِه منه شَئْ، فلمَّا كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فَعَلْنَا العام الماضى؟ فقال: كُلُوا وأَطْعِمُوا وادَّخِرُوا فإِنَّ ذلك العام كان بالناس جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَن تعينوا فيها. أَخرجه الشيخان (٢) ﴿٤٤﴾.
ولو حبس الكُلّ لنفْسِه جاز، لأَنَّ القربة فى الإراقة. والتَّصَدُّق بالَّحم تطوع، ويُنْدَب ترك التَّصَدق لذِى
عِيالٍ تَوْسِعَةً عليهم (وقالت) الحنبلية: يُستحبُّ أَن يأْكُل ثُلُثها. ويَتَصَدَّق بثُلُثها، وإِنْ أَكَلَ أَكْثَر جازَ.
(قال) أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: قال أَحمد: نحن نذهب إِلى حديث عبد الله " يعنى ابن مسعود " يَأْكُل هُوَ الثُّلُث، ويُطْعِم مَنْ أَراد الثُّلُث، ويتَصَدَّق على المساكين بالثُّلُث (قال) علقمة: بَعَثَ معى
стр. 1632
عبد الله بهديه فأَمرنى أَن آكُلَ ثُلُثها، وأَن أُسِل إِلى أَهل أَخيه بثُلُث، وأَن أَتَصدَّق بِثُلُث ﴿٧﴾. (وعن) ابن عُمر قال: الضحايا والهدايا، ثُلُث لك، وثُلُث لأَهلك، وثُلُث للمساكين ﴿٨﴾. وهذا قول إِسحاق وأَحد قولى الشافعى. وقال فى الآخر: يجعلها نِصْفَيْن يأْكُل نِصْفها ويتَصَدَّق بنصف " لقول " الله تعالى: " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير " (١) (ولنا) ما روى ابن عباس فى صفة أُضْحِية النبىِّ ﷺ قال: ويُطْعم أَهل بيته الثُلُث ويُطْعم فقراءَ جِيرانِه الثُّلُث، ويتَصَدَّق على السُّؤَّالى بالثُّلُث. رواه الحافظ أَبو موسى فى الوظائف. وقال: حديث حسن (٢) ﴿٤٥﴾.
ولأَنَّ الله تعالى قال: " فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ " (٣)، والقانع: السائل. والمعتر: الذى يعتَرِيك، أَى يتعرض لك لتطعمه ولا يسأَل. فذكر ثلاثة أَصناف، فينبغى أَن يقسم بينهم أَثلاثاً (وأَما الآية) التى احتجَّ بها أَصحاب الشافعى فإِنَّ الله تعالى لم يُبَيِّن قَدْر المأْكُول منها والمتصدق به، وقد نُبِّه عليه فى آيتنا وفسره النبى ﷺ بفِعْله وابن عُمر بقوله. (والأَمر) فى هذا واسع. فلو تَصَدَّق بها كُلها أَوْ بأَكثرها جاز. وإِنْ أَكلها كُلها إِلاَّ أُوقية تصَدَّقَ بها، أَجْزَأَ، لأَنَّ الله تعالى أَمر بالأَكْل والإِطعام منها ولم يقيده بشئٍ. فمتَى أَكَل وأَطْعَم فقد أَتَى بما أُمر (وقال) بعض أَهل العلم: يجب الأَكْل منها ولا تجوز الصدقة بجميعها للأَمر بالأَكْل (ولنا) أَنَّ النبى ﷺ نَحَرَ خمس بَدَنَاتٍ وقال: مَنْ شَاءَ فليقتطع ولم يأْكُل منهنَّ ﴿٤٦﴾ ولأَنها
стр. 1633
ذَبِيحة يُتَقَرَّب بها إِلى الله تعالى فلم يجب الأَكْل منها كالعقيقة، فيكون الأَمر للاستحباب أَو للإِباحة، كالأَمر بالأَكل من الثَّمار والزُّرُوع (١).
(وقالت) المالكية: يُستحبُّ أَن يأْكُل المضَحِّى من أُضْحِتهِ ويَتَصَدَّق ويُهْدِى من غير تحديد بثُلُثٍ ولا غيره.
(وقالت) الشافعية: يُسَنُّ الأَكْل منها وإطعام أَغنياءَ، ويجب التَّصَدُّق بِشَئ من لحمها. وقيل: لا يجب التَّصَدُّق، بل يُستحبّ.
(وجملة) القول فى هذا ما قاله النووى: الأَكْل من أُضْحِية التَّطَوُّع سُنَّة ليس بواجب. هذا مذهبنا ومذهب مالك وأَبى حنيفة والجمهور، وأَوْجَبَهُ بعض السَّلَف، وهو وجه لنا. ومَنْ أَكَلَ بعض الأُضْحِية وتَصَدَّق ببعضها، هل يُثَاب على جميعها أَمْ على ما تصدَّقَ فقط؟ وجهان كالوجين فيمن نَوَى صَوْم التطوع ضَحْوَة، هل يُثَاب من أَول النهار أَمْ من وقت النِّيَّة فقط؟ قال الرافعىّ: ينبغى أَن يقال: له ثواب التَّضْحِية بالجميع وثواب التَّصَدُّق بالبعض. وهذا هو الصوَّاب الذى تَشْهَد به الأَحاديث والقواعد (٢).
(وهذا) كله فى أُضْحِية التَّطَوُّع وكذا الواجبة بلا نَذْر عند الحنفيين. (أَمَّا) المنذورة فقد اختلف العلماءُ فى حُكْم أَكْل المضَحّى منها (قال) الحنفيون: لا يأْكُل منها شيئاً ولا يُطْعِم غَنِيًّا، سواءٌ أَكَانَ النَّاذِر غَنِيَّا أَمْ فقيراً، ولا يَدَّخِر، بل يجب عليه التَّصَدُّق بجميعها، لأَنه سبيلها وليس
стр. 1634
للمتَصَدِّق أَن يأْكُل من صدقَتِه، ولا أَنْ يُطْعِم منها غَنِيًّا، فلو فعل ذلك لَزِمَهُ قيمة ما أَكَله أَوْ أَطْعَمه. وروى عن الشافعى وأَحمد (ومشهور) مذهبهما أَنَّ له أَنْ يأْكُلَ منها، لأَنَّ النذر محمول على المعهود والمعهود ذبحها والأَكْل منها. والنذر لا يغير من المنذور إِلاَّ الإِيجاب، بخلاف الهدْى الواجب فإِنه لا يجوزُ الأَكْل منه، لأَنَّ أَكْثر الهدايا لا يجوزُ الأَكْل منها فحمل النذر عليها
(فائدة) يجوز عند الجمهور إِطعام الفقير الذمىّ من أُضْحِية التطوع.
(قال) النووى: قال ابن المنذر: أَجمعت الأُمة على جواز إِطعام فقراءِ المسلمين من الأُضْحِية. واختلفوا فى إِطعام فقراءِ أَهْل الذمة. فرخَّص فيه الحسن البصرىّ وأَبُو ثَوْر. وقال مالك: غيرهم أَحَبّ إِلينا. وكَرِهَ مالك أَيضاً إِعطاءَ النَّصْرَانىّ جِلْدَ الأُضْحِية أَوْ شَيْئاً من لحمها، وكَرِهَهُ الليث قال: فإِنْ طُبخ لحمها فلا بأْس بأَكْل الذمىّ مع المسلمين منه، ومقتَضَى المذهب أَنه يجوزُ إِطعامه من أُضْحِية التَّطَوع دون الواجبة (١).
(وقال) أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: ويجوز أَن يُطْعِمَ منها كافراً. وبهذا قال الحسن وأَبُو ثَوْر وأَصحاب الرأْى، وكَرِه مالك والليث إِعطاءَ النَّصْرانىّ جِلْدَ الأُضْحِية (ولنا) أَنَّهُ طعام له أَكله فجاز إَطعامه الذمى كسائر طعامه، ولأَنه صدقة تَطَوُّع فأُشبه سائر صدقة التَّطَوُّع، وأَمَّا الصَّدقة الواجبة منها، فلا يُجزئُ دفعها إلى كَافِر، لأَنَّها واجبة فأُشْبهت الزكاة وكَفَّارة اليمين (٢).
стр. 1635
٩ - التصرف فى الأضحية:
يُنْدَبُ التَّصَدُّق بِجِلْدِها وجلالها وخطامها. ولا يجوز أَن يُعْطَى الجزَّار منها أُجْرته عند الأَئِمَّة الأَربعة والجمهور " لحديث " قتادةَ بن النعمان أَنَّ النبى ﷺ قام فى حجَّة الوداع فقال: إِنِّى كُنْتُ أَمَرْتُكُم ألاَّ تَأْكُلُوا الأَضَاحى فوق ثلاثة أَيام لتسعكُم، وإنِّى أُحِلَّه لَكُمْ، فَكُلُوا منه ما شِئْتُم، ولا تَبِيعُوا لُحوم الهدْى والأَضَاحى، فكُلُوا وتَصَدَّقوا واستمتعوا بجلودِها. وإِنْ أُطْعِمّم من لُحومها شيئاً فكُلُوه إِنْ شِئْتُم. أَخرجه أَحمد. وفى سنده رَاوٍ لم يُسَمّ. قاله الهيثمى (١) ﴿٤٧﴾. ولقول علىّ رضى الله عنه: أَمَرَنى رسول الله ﷺ أَن أَقوم على بُدُنِه، وأَنْ أَتَصَدَّقَ بلحمِها وجُلودها وأَجِلَّتها. وأَلَّ أُعْطى الجزَّار منها شيئاً، وقال: نحن نُعْطِيه من عِنْدِنا. أَخرجه أَحمد والشبخان وأَبو داود وابن ماجه (٢) ﴿٤٨﴾.
(وهذا) الحديث وإِن كان فى الهدْى فالأُضْحِية مثله فى الحكم.
وظاهر حديث علىّ أَنه لا يُعْطِى الجزَّار شيئاً منها أَلبتة. وليس هذا مراداً، بل المراد أَنه لا يُعْطى منها لأَجْل الجزارة، لأَنَّ ذلك فى حُكْم البيع.
ويجوز أَن ينتفع بجِلْد الأُضحية بجميع وُجُوه الانتفاع، فيتَّخِذَ منه خُفَّا أَوْ نَعْلاً أَوْ فَرْواً أَوْ دَلْواً أَوْ سِقَاءً أَوْ غُرْبَالاً أَوْ نحو ذلك. وله أضن يعيره. وليس له أَنْ يُؤَجِّره. وهذا فى جِلْدِ الأُضْحِية المتطوع بها، وكذا
стр. 1636
الواجبة على القول بجواز أَكْل المضَحّى منها. وأَمَّا على القول بعدم الجواز فيجب التَّصَدُق به كاللحم.
هذا. وقد دَلَّت الأَحاديث المتَقَدِّمة على أَنه لا يجوز بَيْع شَئ من الأُضْحِية ولو تطوعاً حتى جِلْدِها لأَنَّها تعينَتْ بالذبح. و " لحديث " أَبى هريرة أَنَّ النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: مَنْ باع جِلْدَ أُضْحِيَتِه فلا أُضْحِيَةَ له. أَخرجه الحاكم وقال: هذا حديث صحيح (١) ﴿٤٩﴾ ورد بأَنَّ فى سنده عبد الله بن عياش وقد ضعف.
هذا وبَيْع الجلد باطل عند أَحمد وأَبى يوسف وحرام عند مالك والشافعى.
(قال) النووى: مذهبنا أضنه لا يجوز بَيْع جِلْدِ الأُضْحِية ولا غيره من أَجزائِهَا، لا بما يُنْتَفَعُ به فى البيت ولا بغَيْره، وبه قال عطاءٌ ومالك، وأَحمد. ورخَّص فى بيْعِه أَبُو ثَوْر، وقال النخعى والأَوزاعى: لا بَأْس أَنْ يُشْتَرى به الغربال والمنخل والفأْس والميزان ونحوها. وكان الحسن وعبد الله بن عُمير لا يريان بأْساً أَن يُعْطَى الجزَّار جِلْدَها. وهذَا غَلَطٌ مُنَابذ للسُّنة (٢).
(وقال) أَبو حنيفة ومحمد: يجوز مع الكراهة بَيْع جِلْد الأُضْحِية ولحمها إِذا اشْتَرَى بثمنه ما يُنْتَفَعُ به مع بقاءٍ عَيْنِه كغربال ومنخل وقِرْبة ولا يجوز أَن يُشْتَرى به ما يُستهلك كاللحم والخبز. ولا يجوز بيعها بدراهم ليصرفها على نفسه وأَهله. ويجوز ذلك إَذا صرفها للفراءٍ.
ورِخَّصَ الحسَن والنخعىّ فى الجلد أَن يَبِيعَهُ ويَشْتَرِى به الغربال والمنخل وآلة البيت. وروى نحو ذلك عن الأَوزاعى، لأَنه ينتفع به هو وغيره، فجرى مجرى تفريق لحمها.
стр. 1637
١٠ - ولد لأضحية:
إِنْ ولدت الأُضْحِية ولداً حَيًّا قبل ذبحها أو بعده وفيه حياة مستقرة ذبح وفُعل به ما يفعل بأُمِّه. فإِنْ لم يذبحه حتى مضت أَيام النحر تَصَدَّقَ به حَيًّا عند الحنفيين. فإِنْ ضَاع أَو ذبحه وأَكله، تصدق بقيمته، وإِنْ لم يَذْبَحْه فى عامه، بل تركه حتى جاءَ عامٌ آخر وذبحه أُضْحِية، لا يُجزئُ بل يتصدق به مذبوحاً مع قيمة ما نقص من الذبح، وعليه أُضْحية أُخرى على المفتى به عندهم.
(وقالت) المالكية: ولد الأُضحية إِن خرج حَيًّا قبل ذبح أُمِّه أَوْ بعده وبه حياة مستقرة، ندب ذَبْحَه، وفُعِل به ما يُفْعَل بأُمه، وإِنْ لم يُذْبَح وبقى لعام قابل، صَحّ أَنْ يُضَحّى به.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: إِنْ كانت الأُضْحِية معينة بنَذْرٍ أَوْ بقوله هذه أُضْحِية وولدت قبل الذبح أَو بعده وفى وَلَلَدِها حياة مستقرة، ذبح معها وفعل به ما يفعل بها لأَنه صار أُضْحِية تبعاً لأُمه. ولا يجوز ذَبْحه قبل وقت ذبح أُمه ولا تأْخيره عن آخر الوقت كأُمه (وقد) رَوَى المغيرة العبسىّ أَنَّ رَجُلاً سَأَل عَلِيًّا رضى الله عنه عن رَجُل اشترى بقرةً ليُضَحِّى بها فنتجتْ فقال له: لا تَشْرَب لبنها إِلاَّ فضْلاً. وإِذا كان يوم النَّحر فاذبحها وولدها عن سبعة. أَخرجه البيهقى (١) ﴿٩﴾.
(أَما الجنين) الذى وجد بعد الذبح ميتاً أَو فيه حياة غير مستقرة، فيحل بذكاة أُمه. ويندب ذبحه ليخرج دمه، ويؤكَل إَن تم خلقه ونبت شعره عند مالك وأَبى عُمر: إَذا نُحِرَت الناقة فذكاة ما فى بطنها فى ذكاتها إِذا كان قد تم خلقه ونبت شعره.
стр. 1638
فإِذا خرج من بطن أُمه ذبح حتى يخرج الدم من جوفه. أَخرجه مالك ومحمد بن الحسن فى الآثار (١) ﴿١٠﴾.
" ولحديث " أَبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه قُلْنَا: يا رسول الله، ننحر الناقةَ وتذبح البقرة والشاة فنجد فى بطنها الجنين أَنُلْقِية أَمْ نأْكُلُه؟ فقال: كُلُوه إِن شئتم، فإِن ذكاته ذكاة أُمه. أَخرجه أَحمد والدارقطنى والحاكم وأَبو داود وابن ماجه والترمذى وحسنه، وابن حبان وصححه (٢) ﴿٥٠﴾ وضعفه عبد الحق وقال: لا يحتج بأَسانيده كلها، لأَنفى بعضها مجالداً (ورَدَ) بأَن أَقل أَحواله أَن يكون حسناً لغيره لكَثْرة طرقه. وقد أَخرجه أَحمد والدارقطنى من طريق ليس فيها مجالد.
(وقال) الشافعى وأَحمد: يؤكَل جَنِين الذبيحة وإِن لم يتم خلقه، لما روى البيهقى عن ابن عُمر مرفوعاً وموقوفاً: ذكاة الجنين ذكاة أُمه أَشعر أَو لم يشعر، وفى سنده مبارك بن مجاهد ضعيف. ذكره الزرقانى (٣) ﴿٥١﴾.
(وقال) أَبو حنيفة: لا يحل جنين الذبيحة إِلاَّ إِن خرج حَيًّا وذكى.
(وحمل) الحديث على التشبيه، فالمعنى ذكاة الجنين إِذا خرج حَيًّا كذكاة أُمه.
(وهذا) التأُويل بعيد، لما تقَدَّم عن ابن عُمر رضى الله عنهما، ولما رواه البيهقى بلفظ: ذكاة الجنين بذكاة أُمه. فالحجَّة مع الأَولين (قال) ابن المنذر: لم يَرِد عن أَحد من الصحابة ولا من العلماءِ أَنّض الجنين لا يؤكَل إِلا باستئناف ذكاة فيه إِلاَّ ما يُرْوَى عن أَبى حنيفة (٤).
стр. 1639
١١ - ذبح أضحية الغير:
لَوْ غَلط اثنان فذَبَحَ كُلٌّ أَضْحِيَةَ الآخر عن نفْسِه، صَحَّ استحساناً عند الحنفيين والحنبلية. وتقَعُ كُلّ أُضْحِية عن مالِكِها، لأَنَّهَا تعينَتْ للذَّبح بتعيينها للأُضْحِيَة. ولا ضمان بعد العِلْم بالغَلَط إِنْ رَضِىَ كُلٌّ بفِعْل صاحِبِه، وإِلاَّ وَقَعَتْ ذَبِيحة كُلٍّ عن نفسه وضَمِنَ لصاحبه قيمةَ لحمه فيتصَدَّقَ بها، لأَنها بدل عن اللحم فصار كما لَوْ بَاعَه. وكذا لو تَعَمَّدَ فَذّبَح أُضْحِيَةَ رَجُل عن نفْسِه بلا إِذْنِه عند الحنفيين. فإِنْ أَخَذَهَا المالك مذبوحة ولم يُضَمِّنه القيمة وقعت عنه، لأَنَّهُ نَوَاها فلا يَضُرّه ذَبْح غيره وإِنْ ضَمنه قيمتها وقعت عن الذابح، لأَنه ظهر أَنَّ الإِراقة حصلت على مُلْكِه. وإِذا ذبحها عن المالك بغير إِذْنِه وقعت عن المالك ول ضمان لوجود الإِذن بذبحها دلالة حيث نَوَى ذبحها عند الشراءِ فتعينَتْ للأُضْحِية (وحاصله) ما ذكَرَهُ ابن عابدين بقوله: لو غَلط فذبح أُضْحِية غيره عن نفسِه فالمالك بالخيار إِنْ ضَمَّنه قيمتها وقعت عن الذابح وإِلاَّ فَعَن المالك وكذا لو تَعَمَّدَ وذبحها عن نفسه. وأَمَّا لو ذبحها عن المالك وَقَعَتْ عن المالك، وهل له الخيار أَيضاً؟ لم أَرَه. والظاهر نعم (١).
(وقال) الشيخ منصور بن إِدريس: لو ضَحَّى اثنان كُلٌّ بأُضْحِية الآخر عن نفسه غلطاً كَفَتْهُمَا ولا ضمان استحساناً. والقياس ضمانهما. ونقل الأَثْرَم وغيره فى اثنين ضَحَّى هذا بأُضْحِيَة هذا يترادان اللحم ويُجْزئ. ولو فرق كُلٌّ منهما لحم ما ذبحه صَحَّ لإِذْنِ الشرع فى ذلك، وإِنْ ذَبَح أُضْحِيَةً معينةً فى وقتها بغير إِذْنِ رَبِّها ونواها عن ربها أَوْ أُطلق، أُجْزأَتْ ولا ضمان على الذابح، لأَنَّ الذَّبح لا يفتقر إِلى
стр. 1640
النِّيَّة، فإِذا فعله غير صاحبه أَجْزأَ عن صاحبه. ولأَنها وقعَتْ موقعها بذبحها فى وقتها فلم يضمن ذابحها حيث لم يكُن مُتَعَدِّياً. وإِنْ نَوَى الذابح التَّضْحة عن نفْسِه مع عِلْمِه أَنَّهَا أُضْحِية الغير لم تُجزئ عن مالِكِها ويضمن الذابح قيمتها إِنْ فرق لحمها وأرش الذبح إِنْ لم يفرقها لغصبه، واستيلائه على مال الغير وإِتلافه أَو تنقيصه عُدْوَاناً. وإِنْ ذبحها عن نفْسِه غير عالم أَنها أُضْحِية الغير لا شتباهِها عليه، أَجزأَت عن ربها إِنْ لم يفرق الذابح لحمها. وإِنْ أَتْلَفَ الأُضْحِية صاحبها ضَمِنَهَا بقيمتِها يوم التلف فى محله وصرف قيمتها فى مثلها. وإِنْ فضل من القيمة شئٌ عن شراءِ المثل لنحو رخص، اشترى به شاة أَوْ سُبع بدنة أَوْ بقرة إِن اتَّسَع لذلك وإِلاَّ اشْتَرى به لحماً فتصَدَّقَ به أَوْ يتصدَّق بالفضل. اهـ ملخصاً (١).
(وحاصل) مذهب المالكية أَنَّ مَنْ ذبح أُضْحِية غيره لعادة وكان قريباً أَوْ صديقاً أَجْزَأَت اتفاقاً. وفى إِجزاءِ ذبح الأَجنبى لعادة خلاف. وأَمَّا إِنْ ذبحها لغير عادة بغير أَمره فلا تُجزئ عن واحد منهما. فإِنْ أَخَذَ المالك قيمتها فليس للذابح إِلاَّ أَكْل اللحم أَو التَّصَدُّق به، لأَنه ذبحه على وَجْه التَّضْحِية. وإِنْ أَخَذَ المالك اللحم، تَصَرَّف فيه بالْبَيْع وغيره لأَنه لم يقصد بذبحه التَّضْحِية وعليه بدلها.
(وقالت) الشافعية: إِنْ ذَبْحَ رَجُل أُضْحِيَةَ غيره فى وقتها بغير إِذْنِه، أَجْزأت عن المالك. وله على الذبح فرق ما بين قيمتها صحيحة ومذبوحة،
стр. 1641
لأَنَّ الذبح أضحد مقصودى التَّضْحِيَة، فإِذا فعله فاعل بغير إِذْنِ المضَحّى ضَمِنَهُ كتفرقة اللحم.
١٢ - قضاء الأضحية:
لَوْ لم يُضَحّ حتى مَرَّت أَيامها (فإِنْ كان) أَوْجَبها على نَفْسِه بالنَّذْر أَو اشتراها ولو غَنِيًّا، وَجَبَ عليه التَّصَدُّق بها حَيَّة أَو بقيمتها، لأَنَّهَا تعينَتْ بالنَّذْر أَو بالشَّرَاءِ بنيتها فلا يُجْزئه غيرها. ولذا لَوْ ذَبَحها ونقصها الذبح بأَن كانت قيمتها بعده أَقَلّ منها قبله، تَصَدَّقَ بقدر النقص، ولا يَأْكُلِ منها لانتقال الواجب من إِراقة الدم إِلى التَّصَدُّق، فإِنْ أَكَلَ تَصَدَّق بقيمة ما أَكَل (وإِنْ كان) غَنِيًّا ولم يوجب على نَفْسِه ذبيحة بعينها، لَزِمَهُ التَّصَدُّق بقيمة شَاةٍ تُجزئ فى الأُضْحِية لوجوبها فى ذِمَّتِه بإِيجاب الله تعالى. وهذا مذهب الحنفيين.
(وقال) غيرهم: إِنْ كانت تَطَوُّعاً لا تقضى. أَما الواجبة بنَذْرٍ أَو تعيين بقوله هذه أُضْحِيَة فتقضى.
(قال) أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: إِذا فاتَ وقْت الذبح، ذبح الواجب قضاءً وصَنَعَ به ما يُصْنَع بالمذبوح فى وقته، لأَنَّ حُكْم القضاءِ حكم الأَداءِ (فأَمَّا) التطوع فهو مُخَيَّر فيه، فإِنْ فرق لحمها كانت القربة بذلك دون الذبح، لأَنها شَاةَ لحم وليست أُضْحِية. وبهذا قال الشافعى. وقال أَبو حنيفة: يُسَلِّمها إِلى الفقراءِ ولا يذبحها، فإِنْ ذبحها فرق لحمها وعليه أَرش ما نقصها الذبح، لأَنَّ الذبح قد سقط بفواتِ وقته كالوقوف والرمى (ولنا) أَن الذبح أَحد مقصودى الأُضْحِية فلم يسقط بفوات وقته كتفرقة اللحم، ولأَنه لأَوْ ذبحها فى الوقت ثم خرج " الوقت " قبل تفرقتها فرقها بعد ذلك. وبهذا فارق الوقوف والرمى، ولأَنَّ الأُضْحِية
стр. 1642
لا تسقط بفواتها بخلاف ذلك. " فإِن ضَلَّت " الأُضْحِية التى وجبت بإِيجابه لها أَوْ سُرِقت بغير تفريط منه " فلا ضمان " عليه، لأَنَّهَا أَمانة فى يده، فإِنْ عادت بعد الوقت ذبحها على ما ذكرناه (١).
١٣ - التضحية عن الميت:
يجوز إِشراكُ المِّيت فى أَجْر التَّضْحِية اتفاقاً " لحديث " أَبى رافع أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يُضَحِّى بكَبْشَيْن أَقْرَنَيْن أَحَدُهما عن أُمَّتِه مَنْ شَهِدَ لله بالتوحيد وشَهِدَ له بالبلاغ. والثانى عن نَفْسِه وأَهل بيته. أَخرجه أَحمد والبزار بسند حسن مختصراً (٢) ﴿٢٥﴾.
(ومعلوم) أَنَّ كثيراً منهم كانوا قد مَاتُوا فى عهده ﷺ فدخل فى أُضْحِيَتِه ﷺ الأَحياءُ والأَمواتُ كلهم. والكَبْشُ الواحدُ الذى يُضَحِّى به عن أُمَّتِه كما كان للأَحْيَاءِ من أُمَّتِه كذلك كان للأَمواتِ منهم بلا تفرقة. وكذا تَجُوز التَّضْحِية عن المِّيت إِذ أَوْصَى بها فى حياته عند بعضهم (رَوَى) حنش عن علىّ رضى الله عنه أَنه كان يُضَحِّى بكَبْشَيْن أَحَدُهُمَا عن النبىِّ ﷺ والآخر عن نَفْسِه، فقيل له، فقال: أَمَرنى به - يعنى النبى ﷺ فلا أَدَعَهُ أَبداً. أَخرجه الترمذى وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إِلاَّ من حديث شريك. وقد رَخَّصَ بعض أَهْل العِلْم أَن يُضَحّى عن المّيت. ولم يَرَ بعضهم أَن يُضَحّى عنه. وقال عبد الله بن المبارك: أَحَبّ إِلىّ أَن يتصدق
стр. 1643
عنه ولا يُضَحّى، وإِنْ ضَحَّى فلا يأْكُل منها شيئاً ويتصدَّق بها كُلها. وأَخرج نحوه أَحمد وأَبو داودج والحاكم وصححه (١) ﴿٥٣﴾.
(وممن) قال بهذا الحنفيون وأَبو بكر بن العربى المالكى والقفَّال الشافعى.
(قال) النووى: وأَمَّا التَّضْحِية عن الميت فقد أَطلق أَبو الحسن العبادى جوازها، لأَنها ضَرْب من الصدقة تَصِحّ عن الميت وتنفعه وتَصِل إِليه بالإِجماع (وقال) صاحب العدة والبغوى: لا تَصِحّ التَّضْحِية عن الميت إِلاَّ أَن يُوصِى بها، وبِه قَطَعَ الرافعى (وقال) أَصحابنا: وإِذا ضَحَّى عن غيره بغير إِذْنِه فإِنْ كانت الشَّاة معينة بالنَّذْر وقعت عن المضَحّى وإِلَّ فلا. وأَطلق الشَّيْخ إِبراهيم الْمَرْوَزِىّ أَنها تقَعُ عن المضَحّى. ولو ذَبَح عن نَفْسِه وأَشْرَكَ غيره فى ثوابها جاز. قالوا: وعليه يُحْمَل الحديث المشهور عن عائشة أَنَّ النبىَّ ﷺ ذَبّحَ كَبْشاً وقال: باسْم الله، اللَّهم تقَبَّلْ من محمدٍ وآل محمدٍ وعن أُمَّة محمدٍ. ثم ضَنحَّى به. رواه مسلم (٢) ﴿٥٤﴾ (واحتج) العبادى وغيره فى التَّضْحية عن الميت (٣).
هذا، وهؤُلاءِ قالوا كابن المبارك: لا يجوز للمضَحِّى عن الميت أَنْ يَأْكُل منها شيئاً، لأَنَّ الذابح لم يتقرب بها عن نفْسِه وإِنما يتقرب بها عن غيره، فلا يجوز له أَن يأْكُل من حق الغير شيئاً.
(وقال) الحنفيون: إِنْ ضَحِّى عن الميت بأَمره لا يأْكُل منها. إِنْ
стр. 1644
كان مُتَبَرِّعاً فله الأّكْل منها (قال) العلامة ابن عابدين: لَوْ ضَحَّى عن مَيِّت وارثُه بأَمْره لَزِمَهُ التَّصَدُّق بها وعدم الأَكْل منها. وإِنْ تبرَّع بها عنه، له الأَكْل، لأَنه يقَعُ على ملك الذابح والثواب للميت. ولهذا لو كان على الذابح واحدة سقطت عنه أُضْحِيَته. وقد صرح فى فح القدير فيمن حج عن الغير بلا أَمره أضنه يقع عن الفاعل فيسقط به الفرض عنه وللآخر الثواب (١).
(وقال) بعض الفقهاء: لا تجوز التَّضْحِية عن الميت منفرداً (وأَجابوا) عن حديث علىّ بأَنه ضَعِيف. فإِنَّ فى سنده شريك بن عبد الله القاضى، فيه مقال، وأَبو الحسناءِ شَيْخه مجهول، وحنش الكنانى تكلم فيه غير واحد، وكان كثير الوهم فى الأَخبار ينفرد عن علىّ بأَشياءِ لا تُشبه حديث الثقات حتى صار ممن ل يحتجّ به.
(قال) محمد بن عبد الرحمن: لم أَجِدْ فى التَّضْحِية عن الميت منفرداً حديثاً مرفوعاً صحيحاً. وأَمَّا حديث علىّ المذكور فضعيف كما عرفت، فإِذا ضَحَّى الرَّجُل عن الميت منفرداً فالاحتياط أَن يتَصَدَّق بها كلها (٢).
(أَمَّا) إِذا أَشْرَك الميت مع الحىّ فله الأَكْل منها، فإِنه لم يُنْقَل عنه ﷺ فى الأُضحِية الى كان يُضَحِّى بها عن نفسه وأهْل بَيْتِه وعن أُمَّتِه الأَحياء والأَموات أَنه تَصَدَّق بجميعها، أَو تَصَدَّق بجزءِ مُعَيَّنِ بقدر حِصَّة الأَموات، بل قال أَبو رافع: إِنَّ رسول الله ﷺ كان إِذا ضَحَّى اشترى كَبْشَيْن سَمِينَيْن أَقْرَنَيْن أَمْلَحَيْن، فإِذا صَلَّى وخطَبَ الناس أُتِيَ بأَحدهما وهو قائم فى مُصَلاَّه فذَبَحَهُ بنَفْسِه
стр. 1645
بالمدية، ثم يقول: اللَّهم هذا عن أُمَّتى جميعاً، مَنْ شَهِدَ لك بالتَّوْحِيد وشَهِدَ لى بالبلاغ. ثم يُؤْتَى بالآخر فيذبحه بنفسِه ويقول: هذا عن محمد وعن آل محمدٍ، فَيُطْعِمهما جميعاً المساكين ويأْكُل هُوَ وأَهْله منهما، فمكَثْنَا سِنِين ليس الرَّجُل من بنى هاشم يُضَحِّى، قد كَفَاهُ الله المئونةَ برسول الله ﷺ والغُرْمَ. أَخرجه أَحمد والبزار والطبرانى فى الكبير بسند حسن (١) ﴿٥٥﴾.
(فعلم) منه أَنَّ النبىَّ ﷺ كان دَأْبُهُ أَنْ يأْكُلَ مِنَ الأًضْحِية هُوَ وأَهْله ويُطْعِمَ منها المساكين، وأَمَرَ بذلك أُمِّتَهُ، ولم يُحفظ عنه خلافه.
١٤ - ما يطلب من المضحى:
يُطْلَبُ ممنْ أَرَادَ التَّضْحِيةَ عِدَّة أُمور:
(١) أَلاَّ يأْخُذُ من شَعْر ولا من أَظفاره شيئاً إِذا دَخَلَ شَهْر ذِى الحجَّة، لما تقَدَّمَ عن أُمّ سَلَمة أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ رَأَى هِلآ ذِى الحجَّة وأَراد أَن يُضَحَّى فلا يأْخَذَنَّ من شَعْره وأَظْفَاره. أَخرجه الترمذى (٢) ﴿٥٦﴾.
" وعن أُمّ سَلَمة " أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ كانَ لَهُ ذِبْحٌ يذبحه فإِذا أَهَلَّ هلال ذِى الحجَّة فلا يأْخُذَنَّ من شَعْره وأَظْفَاره شيئاً حتى يُضَحِّى. أَخرجه مسلم وأَبو داود (٣) ﴿٥٧﴾.
(ولهذا) قال سعيد بن المسّيب وأَحمد وإِسحاق وداود الظاهرى وبعض أَصحاب الشافعى: يحرم على مُرِيد التَّضْحِية أَخْذ شَئْ من شَعْر
стр. 1646
وأَظْفَاره إِذا هَلَّ ذُو الحجَّة حتى يُضَحِّى (وقال) مالك: حرم ذلك فى أُضْحِية التطع دون الاجبة.
(وقال) الحنفيون: يُكْرَه ذلك كراهةَ تنزيه، وهو مشهور مذهب الشافعى ورواية عن مالك، وحملوَا النَّهْى فى الحديث على التنزيه " لقول " عائشة: فتّلت قلاند بُدُن رسول الله ﷺ بيدى، ثم أَشْعَرها وقَلَّدَها، ثم بعث بها إِلى البيت وأَقام بالمدينة، فما حرُم عليه شَئ كان له حلالاً. أَخرجه السبعة والطحاوى (١) ﴿٥٨﴾
والأُضْحِية كالهدْى، فيحمل النَّهْى فى حديث أُم سَلَمةَ على كَرَاهة التنزيه جمعاً بينه وبين حديث عائشة (قال) النووى: قال أَصحابنا المراد بالنَّهْى عن أَخْذ الظُّفر والشَّعر النَّهْى عن إِزالة الظُّفر بقَلم أَوْ كَسْر أَو غيره، والمنع من إِزالة الشَّعر بحلقٍ أَو تَقْصِيرٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ إِحراقٍ أَوْ أَخْذه بنوره أَو غير ذلك، وسواءٌ الإِربط والعانَةِ والرَّأْس وغير ذلك ذلك من شُعور البدن.
وقال بعض أَصحابنا: حُكْم أَجزاءِ البدن كحُكْم السَّعر والظُّفر، لقوله فى الرواية السابقة: فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً. والحكمة فى النَّهْى بقاءِ أَجزاءِ المضَحّى كاملة للعِتْق من النار (٢).
(٢) ويُسَنّ للمضَحّى قَصّ الأَظافر والشَّارِب وحَلْق الْعَانَة يوم التَّضْحِية " لحديث " عمرو بن العاص أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لِرَجُل - سأَلة عن الضَّحِيَّة وأَنه قد لا يجدها - تأْخُذُ من شَعْرك وأَظْفَارِك
стр. 1647
وتَقُصّ شَارِببك وتحلق عانَتَك، فذلك تمام أُضْحِيَتِكَ عند الله أَخرجه أَحمد وأبو داود والنسائى (١) ﴿٥٩﴾.
(٣) ويُطْلَب من المضَحَّى التَّسْمِية عند الذبح لقوله تعالى: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ " (٢). والمنقول فيها باسْم الله والله أَكْبر " لحديث " جابر أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله ويلم لَمَّا وجه الأُضْحِية قال: إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى للذى فَطَرَ السَّمواتِ والأَرض على مِلَّةِ إِبراهيم حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المشْرِكِين، إِنَّ صَلآنى ونُسُكِى وَمَحْيَاى ومماتى لله رَبً العالمين، لا شرِيكَ له وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا مِنَ المسلمين. اللَّهُمَّ مِنْكَ وإِلَيْكَ اللَّهُمَّ عن محمدٍ وأُمَّتِه. باسْم اللهِ والله أَكْبر. ثم ذَبَح. أَخرجه أَحمد وأَبو داود وابن ماجه والدارمى (٣) ﴿٦٠﴾. وفى سنده: (ا) محمد بن إِسحاق وقد عَنْعَن. (ب) أبو عياش ضعيف " ولقول " أَنِس: كان النبى ﷺ يُضَحِّى بكَبْشَيْن أَمْلَحَيْن أَقْرَنَيْن ويقول: باسْم الله والله أَكْبر. أَخرجه السبعة والدارمى. وهذا لفظ مسلم (٤) ﴿٦١﴾.
(فإِن) ترك التَّسْمية عَمْداً مع القدرة لا تؤكَل الذبيحة عند الحنفيين ومالك وأَحمد، لقوله تعالى: " وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ " (٥).
стр. 1648
(وقالت) الشافعية: تحل مع الكَراهة، لأَنَّ التَّسْمية عندهم سُنَّة لا شرط.
(وإِنْ) تُركَتْ سهواً تحل اتفاقاً " لحديث " ابن عباس أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: المسلم يكْفِية اسمه فإِنْ نَسِىَ أَنْ يُسَمِّى حين يذبح فلْيُسَمّ ثم يأْكُل. أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿٦٢﴾. وفى سنده محمد بن يزيد ابن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ " ولقول " ابن عباس رضى الله عنهما: مَنْ نَسِىَ التَّسْمِية فلا بَأْس، ومَنْ تَعَمَّدَ فلا تؤكَل. أَخرجه أَبو الحسن رزين بن معلوية وعبد الرازق بسند صحيح (٢) ﴿١٢﴾.
(٤) ويُسَنُّ لمنْ يُحْسِن الذبح أَنْ أَنْ يذبح أُضْحِيَته بيده ويقول: باسْم الله والله أَكْبر، اللَّهمَّ هذا عن فُلن ويُسَمِّى نفسه " لحديث " المطلب ابن عبد الله عن جابر رضى الله عنه قال: شَهِدْتُ مع النبىِّ ﷺ الأَضحَى بالمصَلَّى، فلَمَّا قَضَى خُطْبته نَزَلَ عن مِنْبَره وأُتِىَ بكَبْش فذَبَحَهُ بيده، وقال: باسْم الله والله أَكْبر، اللَّهمَّ هذا عَنِّى وعَمِّنْ لم من هذا الوجه (٣) ﴿٦٣﴾. والمطلب يُقَال إِنه لم يسمع من جابر، لكن قال أَبو حاتم الرازى: يُشْبه أَن يكون أَدركه.
(٥) ويُنْدَب لمن لم يُحسِن الذبح أَنْ يَأْمُر غيره بالذبح ويشهده
стр. 1649
" لحديث " عمران بن حُصَين أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: يا فاطمةَ قُومى فاشْهَدِى أُضْحِيَتِك فإِنه يغفر لك عند أَوَّل قطرةٍ من دمها كُلَّ ذَنْبٍ عَمَلْتِه، وقولى: إِنَّ صَلآتِى وَنُسُكِى وَمَحْياىَ وَمَمَاتِىِ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ. لآ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمينَ (قال) عمران: يا رسول الله، هذا لَكَ ولأَهْل بَيْتِكَ خاَّصة - فأَهل ذلك أَنتم - أَوْللمسلمين عاَّمةً قال: بَلْ للمسلمين عامَّةً. أَخرجه الطبرانى فى الكبير والأَوسط والحاكم وصححه. ورد بأَن فى سنده أَبا حمزة الثمالى وهو ضعيف (١) ﴿٦٤﴾
(٦) ويُنْدَب - عند مالك والجمهور - للإمام إِبراز الأُضْحِية وذبحها فى المصَلَّى، لما تقَدَّم فى حديث أَبى رافع أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يفعل ذلك (٢)، ولما تقَدَّم عن جابر (٣) (وقال) النووى: الأَفْضَل أَنْ يُضَحِّى فى داره بمشْهَدِ أَهْلِهِ. وذكَرَ الماوردى أَنه يختار للإِمام أَن يُضَحِّى للمسلمين كافة من بيت المال ببدنة فى المصَلَّى م ماله ضَحَّى حيثُ شاءَ (٤). وعن ابن عُمر أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يذبح أُضْحِيَتَهُ بامصَلَّى. أَخرجه أَحمد وأَبو داود والبخارى والنسائى وابن ماجه (٥) ﴿٦٥﴾.
(٧) و (٨) ويُنْدَب حَدّ السكِّين وإِراحة الذَّبيحة " لحديث " شَدَّاد ابن أَوْس أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: إِنَّ تعالى كَتَبَ الإِحسانَ على كُلِّ شَئْ، فإِذا قَتَلْتُم فأَحْسِنُوا الْقِتْلَة، وإِذا ذَبَحْتُم فأَحْسِنُوا الذبح،
стр. 1650
ولْيُحِدَّ أَحدكُم شَفْرَتَه ولْيرُحْ ذَبِيحَتَه. أَخرجه الشافعى والسبعة إِلاَّ البخارى والترمذى (١) ﴿٦٦﴾.
(٩) إِلى (١٦) ويُنْدَب إِضْجَاع غير الإِبل برفقٍ على اليسار، وتوجيه مذبحها إِلى الْقِبْلَة ليتمكِّن الذابح من استقبال أَيضاً، والدعاءِ بالقبولِ، وأَن يقول: إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى للذى فَطَرَ السَّمَواتِ والأَرض على مِلَّةِ إِبراهيم حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المشركين، إِلى آخر ما فى حديث جابر (٢)، والذبح باليمين، وإِسراع الذبح، وإِجراءِ المدية على الحلق، وعدم ذَبْحِها أَمام ذَبِيحَةٍ أُخرى، لما تقدَّم، ومنه قوله ﷺ : يا عائشةَ هَلُمِّى المدية، ثم قال: اشْحَذِيها بحَجَر، ففعَلَتْ، ثم أَخَذَها وأَخَذَ الكَبْش وأَضْجَعَهُ ثم ذَبَحَهُ، ثم قال: باسْم الله، اللَّهمَّ تقَبَّلْ من محمدٍ وآل محمدٍ، ومن أُمَّة محمدٍ. ثم ضَحَّى به (٣) ﴿٦٧﴾.
(قال) النووى: فيه دليلٌ لا ستحباب قول المضَحِّى حال الذبح مع التَّسْمِية والتَّكبير: اللَّهمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى. قال أَصحابنا: ويُسْتَحَبّ معه: اللَّهمَّ منك وإِليك تقَبَّلْ مِنِّى. فهذا مُسْتَحَبّ عندنا وعند الحسن وجماعة، وكَرِهَهُ أَبو حنيفة وكره مالك اللَّهمَّ منك وقال: بِدْعَة (٤) والحديث يردّه. وفيه دليل على استحباب إِضْجَاع الغَنَم وكذا البقر، لأَنه أَرْفَق بها، وعليه أَجْمَع المسلمون.
فإِن اقتصر على التَّسْمِية أَوْ وَجَّهَ الذبيحة إِلى غير الْقِبْلة ترك الأَفْضَل وأَجْزَأَهُ عند الجمهور. وكَرِهَ ابن عُمر وابن سِيرين الأَكْل من الذَّبيحة