وأَظْفَاره إِذا هَلَّ ذُو الحجَّة حتى يُضَحِّى (وقال) مالك: حرم ذلك فى أُضْحِية التطع دون الاجبة.
(وقال) الحنفيون: يُكْرَه ذلك كراهةَ تنزيه، وهو مشهور مذهب الشافعى ورواية عن مالك، وحملوَا النَّهْى فى الحديث على التنزيه " لقول " عائشة: فتّلت قلاند بُدُن رسول الله ﷺ بيدى، ثم أَشْعَرها وقَلَّدَها، ثم بعث بها إِلى البيت وأَقام بالمدينة، فما حرُم عليه شَئ كان له حلالاً. أَخرجه السبعة والطحاوى (١) ﴿٥٨﴾
والأُضْحِية كالهدْى، فيحمل النَّهْى فى حديث أُم سَلَمةَ على كَرَاهة التنزيه جمعاً بينه وبين حديث عائشة (قال) النووى: قال أَصحابنا المراد بالنَّهْى عن أَخْذ الظُّفر والشَّعر النَّهْى عن إِزالة الظُّفر بقَلم أَوْ كَسْر أَو غيره، والمنع من إِزالة الشَّعر بحلقٍ أَو تَقْصِيرٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ إِحراقٍ أَوْ أَخْذه بنوره أَو غير ذلك، وسواءٌ الإِربط والعانَةِ والرَّأْس وغير ذلك ذلك من شُعور البدن.
وقال بعض أَصحابنا: حُكْم أَجزاءِ البدن كحُكْم السَّعر والظُّفر، لقوله فى الرواية السابقة: فلا يمسّ من شعره وبشره شيئاً. والحكمة فى النَّهْى بقاءِ أَجزاءِ المضَحّى كاملة للعِتْق من النار (٢).
(٢) ويُسَنّ للمضَحّى قَصّ الأَظافر والشَّارِب وحَلْق الْعَانَة يوم التَّضْحِية " لحديث " عمرو بن العاص أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لِرَجُل - سأَلة عن الضَّحِيَّة وأَنه قد لا يجدها - تأْخُذُ من شَعْرك وأَظْفَارِك
стр. 1647
وتَقُصّ شَارِببك وتحلق عانَتَك، فذلك تمام أُضْحِيَتِكَ عند الله أَخرجه أَحمد وأبو داود والنسائى (١) ﴿٥٩﴾.
(٣) ويُطْلَب من المضَحَّى التَّسْمِية عند الذبح لقوله تعالى: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ " (٢). والمنقول فيها باسْم الله والله أَكْبر " لحديث " جابر أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله ويلم لَمَّا وجه الأُضْحِية قال: إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى للذى فَطَرَ السَّمواتِ والأَرض على مِلَّةِ إِبراهيم حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المشْرِكِين، إِنَّ صَلآنى ونُسُكِى وَمَحْيَاى ومماتى لله رَبً العالمين، لا شرِيكَ له وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا مِنَ المسلمين. اللَّهُمَّ مِنْكَ وإِلَيْكَ اللَّهُمَّ عن محمدٍ وأُمَّتِه. باسْم اللهِ والله أَكْبر. ثم ذَبَح. أَخرجه أَحمد وأَبو داود وابن ماجه والدارمى (٣) ﴿٦٠﴾. وفى سنده: (ا) محمد بن إِسحاق وقد عَنْعَن. (ب) أبو عياش ضعيف " ولقول " أَنِس: كان النبى ﷺ يُضَحِّى بكَبْشَيْن أَمْلَحَيْن أَقْرَنَيْن ويقول: باسْم الله والله أَكْبر. أَخرجه السبعة والدارمى. وهذا لفظ مسلم (٤) ﴿٦١﴾.
(فإِن) ترك التَّسْمية عَمْداً مع القدرة لا تؤكَل الذبيحة عند الحنفيين ومالك وأَحمد، لقوله تعالى: " وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ " (٥).
стр. 1648
(وقالت) الشافعية: تحل مع الكَراهة، لأَنَّ التَّسْمية عندهم سُنَّة لا شرط.
(وإِنْ) تُركَتْ سهواً تحل اتفاقاً " لحديث " ابن عباس أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: المسلم يكْفِية اسمه فإِنْ نَسِىَ أَنْ يُسَمِّى حين يذبح فلْيُسَمّ ثم يأْكُل. أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿٦٢﴾. وفى سنده محمد بن يزيد ابن سنان، وهو صدوق ضعيف الحفظ " ولقول " ابن عباس رضى الله عنهما: مَنْ نَسِىَ التَّسْمِية فلا بَأْس، ومَنْ تَعَمَّدَ فلا تؤكَل. أَخرجه أَبو الحسن رزين بن معلوية وعبد الرازق بسند صحيح (٢) ﴿١٢﴾.
(٤) ويُسَنُّ لمنْ يُحْسِن الذبح أَنْ أَنْ يذبح أُضْحِيَته بيده ويقول: باسْم الله والله أَكْبر، اللَّهمَّ هذا عن فُلن ويُسَمِّى نفسه " لحديث " المطلب ابن عبد الله عن جابر رضى الله عنه قال: شَهِدْتُ مع النبىِّ ﷺ الأَضحَى بالمصَلَّى، فلَمَّا قَضَى خُطْبته نَزَلَ عن مِنْبَره وأُتِىَ بكَبْش فذَبَحَهُ بيده، وقال: باسْم الله والله أَكْبر، اللَّهمَّ هذا عَنِّى وعَمِّنْ لم من هذا الوجه (٣) ﴿٦٣﴾. والمطلب يُقَال إِنه لم يسمع من جابر، لكن قال أَبو حاتم الرازى: يُشْبه أَن يكون أَدركه.
(٥) ويُنْدَب لمن لم يُحسِن الذبح أَنْ يَأْمُر غيره بالذبح ويشهده
стр. 1649
" لحديث " عمران بن حُصَين أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: يا فاطمةَ قُومى فاشْهَدِى أُضْحِيَتِك فإِنه يغفر لك عند أَوَّل قطرةٍ من دمها كُلَّ ذَنْبٍ عَمَلْتِه، وقولى: إِنَّ صَلآتِى وَنُسُكِى وَمَحْياىَ وَمَمَاتِىِ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ. لآ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمينَ (قال) عمران: يا رسول الله، هذا لَكَ ولأَهْل بَيْتِكَ خاَّصة - فأَهل ذلك أَنتم - أَوْللمسلمين عاَّمةً قال: بَلْ للمسلمين عامَّةً. أَخرجه الطبرانى فى الكبير والأَوسط والحاكم وصححه. ورد بأَن فى سنده أَبا حمزة الثمالى وهو ضعيف (١) ﴿٦٤﴾
(٦) ويُنْدَب - عند مالك والجمهور - للإمام إِبراز الأُضْحِية وذبحها فى المصَلَّى، لما تقَدَّم فى حديث أَبى رافع أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يفعل ذلك (٢)، ولما تقَدَّم عن جابر (٣) (وقال) النووى: الأَفْضَل أَنْ يُضَحِّى فى داره بمشْهَدِ أَهْلِهِ. وذكَرَ الماوردى أَنه يختار للإِمام أَن يُضَحِّى للمسلمين كافة من بيت المال ببدنة فى المصَلَّى م ماله ضَحَّى حيثُ شاءَ (٤). وعن ابن عُمر أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يذبح أُضْحِيَتَهُ بامصَلَّى. أَخرجه أَحمد وأَبو داود والبخارى والنسائى وابن ماجه (٥) ﴿٦٥﴾.
(٧) و (٨) ويُنْدَب حَدّ السكِّين وإِراحة الذَّبيحة " لحديث " شَدَّاد ابن أَوْس أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: إِنَّ تعالى كَتَبَ الإِحسانَ على كُلِّ شَئْ، فإِذا قَتَلْتُم فأَحْسِنُوا الْقِتْلَة، وإِذا ذَبَحْتُم فأَحْسِنُوا الذبح،
стр. 1650
ولْيُحِدَّ أَحدكُم شَفْرَتَه ولْيرُحْ ذَبِيحَتَه. أَخرجه الشافعى والسبعة إِلاَّ البخارى والترمذى (١) ﴿٦٦﴾.
(٩) إِلى (١٦) ويُنْدَب إِضْجَاع غير الإِبل برفقٍ على اليسار، وتوجيه مذبحها إِلى الْقِبْلَة ليتمكِّن الذابح من استقبال أَيضاً، والدعاءِ بالقبولِ، وأَن يقول: إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِى للذى فَطَرَ السَّمَواتِ والأَرض على مِلَّةِ إِبراهيم حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المشركين، إِلى آخر ما فى حديث جابر (٢)، والذبح باليمين، وإِسراع الذبح، وإِجراءِ المدية على الحلق، وعدم ذَبْحِها أَمام ذَبِيحَةٍ أُخرى، لما تقدَّم، ومنه قوله ﷺ : يا عائشةَ هَلُمِّى المدية، ثم قال: اشْحَذِيها بحَجَر، ففعَلَتْ، ثم أَخَذَها وأَخَذَ الكَبْش وأَضْجَعَهُ ثم ذَبَحَهُ، ثم قال: باسْم الله، اللَّهمَّ تقَبَّلْ من محمدٍ وآل محمدٍ، ومن أُمَّة محمدٍ. ثم ضَحَّى به (٣) ﴿٦٧﴾.
(قال) النووى: فيه دليلٌ لا ستحباب قول المضَحِّى حال الذبح مع التَّسْمِية والتَّكبير: اللَّهمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى. قال أَصحابنا: ويُسْتَحَبّ معه: اللَّهمَّ منك وإِليك تقَبَّلْ مِنِّى. فهذا مُسْتَحَبّ عندنا وعند الحسن وجماعة، وكَرِهَهُ أَبو حنيفة وكره مالك اللَّهمَّ منك وقال: بِدْعَة (٤) والحديث يردّه. وفيه دليل على استحباب إِضْجَاع الغَنَم وكذا البقر، لأَنه أَرْفَق بها، وعليه أَجْمَع المسلمون.
فإِن اقتصر على التَّسْمِية أَوْ وَجَّهَ الذبيحة إِلى غير الْقِبْلة ترك الأَفْضَل وأَجْزَأَهُ عند الجمهور. وكَرِهَ ابن عُمر وابن سِيرين الأَكْل من الذَّبيحة
стр. 1651
إِذا وُجِّهَتْ إِلى القبلة. والصَّحيح أَنه غير واجب، لأَنَّهُ لم يَقُمْ عليه دليل.
(١٧) و (١٨) ويُسَنّ نَحْر الإِبل قائمةً معقولة الرِّجْل الْيُسْرى الأَمامية عند الأَئِمة الأَربعة والجمهور " لقوله " تعالى: " فاذكُرُوا اسْم اللهِ عَليْها صوَافَّ ". (قال ابن عباس): إِذا أَردْتَ أَنْ تَنْحَر البدَنَة فأَقمها ثم قُل: اللهُ أَكْبر، اللهُ أَكْبر منك ولك، ثم سَمّ وانْحَرْها. أَخرجه الحاكم (١) ﴿١٣﴾. وقال عطاءٌ: يُسْتَحبُّ ذَبْحها وهى بارِكَة. وجَوَّز الثورىّ كِلآ الأَمْريْن " قال " أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: ولنا ما رَوَى زياد بن جُبير قال: رأَيْتُ ابن عُمر أَتى على رَجُل أَناخَ بدنَتهُ لِينْحرها فقال: ابْعثْها قياماً مُقَيَّدَة، سُنَّةَ محمدٍ ﷺ ، متفق عليه ﴿٦٨﴾. ورَوَى أَبو داود بإِسناده عن عبد الرحمن بن سابط أَنَّ النبىَّ ﷺ وأَصحابه كانوا ينْحَرُونَ الدَنَة معقولةَ الْيُسْرَى قائمةً على ما بقى من قوائمها ﴿٦٩﴾. وفى قول الله تعالى: " فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا " (٢) دليل على أَنها تُنْحر قائمة. وقِيلَ فى تفسير قوله تعالى: " فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ " أَىْ قياماً وكَيْفَمَا نحر أَجْزَأَهُ (قال) أَحمد: وينحر الإِبل معقولة على ثلاثِ قوائم، فإِنْ خَشِىَ عليها أَن تنفر أَنَاخَها (٣). ويُسَنُّ ذبْح البقر والغنم. وقال الله تعالى: " إِنَّ يأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبحُوا بَقَرَةً " (٤)، وتقَدَّمَ عن أَنَس أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَحَّى بكَبْشَيْن ذبَحهُما بيده (٥).
فإِنْ ذَبح ما يُنْحر أَوْ نَحَرَ ما يُذْبح جازَ، لأَنه لم يتجاوز محل الذبح.
стр. 1652
(١٩) ويُنْدَبُ للوَارِثِ ذَبْح أُضْحِيَة مُورّثة إِنْ عَيَّنها قبل مَوْتِه ما لم تكن منذُورَة وإِلاَّ وَجَب ذَبْحها. وكَذَا إِن اشترطها فى وَقْفٍ له. وبهذا قالت الحنفية والمالكية.
وعند الحنبلية المعينة كالمنذُورَة. ولَوْ أَوْجَبَها بنَذْرٍ أَوْ تَعْيين ثم ماتَ قبل الذبح أَو بعده، قام وَارِثَهُ مقامه فى الأَكُل والإِهداءِ والصَّدَقة.
(٢٠) و (٢١) ويُسْتَحَبُّ التَّضْحِية بالأَسْمَن وتَسْمِين الأُضْحِية، فالتَّضْحِية بشاةٍ سَمِينَةٍ أَفْضَل من شاتَيْن دونها (قال) النووى: قال أَصحابنا: كَثْرَةُ اللَّحم أَفْضَل من كَثْرَةِ الشَّحْم إِلاَّ أَنْ يكُون لحماً رديئاً. وأَجمع العلماءُ على استحبابِ السَّمين فى الأُضْحِية، واختلفوا فى استحبابِ تَسْمِينها. فمذهبنا ومذهب الجمهور استحبابه.
(وقال) بعض المالكية: يُكْرَهُ لِئَلاَّ يَتَشَبَّةَ باليهود، وهذا قول باطل وقد ثبت فى صحيح البخارى عن أَبى أُمامة، قال: كُنَّا نُسَمِّن الأُضْحِية، وكان المسلمون يُسَمِّنُون (١) ﴿١٤﴾.
١٥ - ما يكره فى الأضحية:
يُكْرَه فيها ترك سُنَّة مَّما تقَدَّم (ويُكْرَه) جَزّ صُوفها قبل الذبح لا بعده لحصول المقصود، فإِنْ جَزَّهُ تصَدَّقَ به (ويُكْرَه) ركُوبها والحمل عليها بلا ضرورة. ويُكْرَه تَأْجِيرها والانتفاع بلبَنِها، فإِنْ كانَ ذبحها قريباً نَضَح ضرعها بالماءِ البارِد، وإِلاَّ حلَبَهُ وتَصدَّقَ به. فإِنْ فَعَلَ شيئاً من ذلك تَصَدَّقَ بالثمن أَو الأُجرة أَو ما نقص، لأَنه بشِرائِها تعينَتْ للقربة بجميع أَجزائِهَا، فلا يحلّ الانتفاع بها (ويُكْره) إِبدالها بغيرها. وهذا مذهب الحنفيين.
стр. 1653
(وقالت) المالكية: يُكْرَهْ جَزّ صُوف أُضْحِية التَّطَوُّع قبل الذبح إِنْ لم ينْو جزّه عند شرائِهَا لينتفع به بغير البيع، وإِنْ لم ينبت مثله أَوْ قريب منه قبل الذبح. وإِلاَّ فلا كَراهة. أَما المنذورة فيحرم جَزّ صُوفها مطلقاً لتعينها للقربة، وقِيلَ: هى كغيرها. ويجوز ركُوبها لغير حاجة.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: لا يُكْرَه جَزّ صُوفِها وَوَبرِها إِذا كان أَنْفَع لها، بقاءُ صُوفِها أَنْفَع لها لكُونِه يَقِيها الحرَ والبرد، فلا يجوز جزّه. ويحرم شُرْب لَبنِها المحتاج إِليه وَلَدها لا الزَّائد عنه. وله ركوبها عند الضرورة إِنْ لم يضُرها عند الأَربعة (لحديث) جابر بن عبد الله أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: اركَبْها بالمعروف إِذا أُلجئت إِليها حتى تجد ظهراً. أَخرجه أَبو داود وأَحمد ومسلم والنسائى (١) ﴿٧٠﴾، ولأَنه تعلَّقَ بها حق المساكين فلم يَجُزْ ركُوبها من غير ضرورة، فإِن نقصها الركوب ضمن النقص، لأَنه تعلَّق بها حق الير. فأَمَّا ركُوبها م عدم الحاجة، فلا يجوز عند الحنفيين والشافعى، وروى عن مالك وأّحمد لقوله ﷺ : إِذا أُلجت إِليها. وعن مالك وأَحمد: أَنه يجوز ركُوب الضَّحِية ولو بلا حاجة لإِطلاق ما روى أَبو هريرة أَنَّ النبىَّ صلى اله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً يَسُوق بدنَة، فقال: اركَبْها، فقال: إِنَّهَا بَدَنَة، فقال: اركَبْها ويلك. أَخرجه الشافعى والسبعة، غير أَن الترمذى أَخرجه من حديث أَنس (٢) ﴿٧١﴾ (وأَجاب) الأَوَّلون بأَنَّ الإِطلاق هُنا مُقَيَّد بما فى الحديث السابق. والراجح أَنه لا يركَب المضحى به إِلاّ عند الحاجة
стр. 1654
(ويُكْرَه) عند مالك والشافعى والجمهور شُرْب لَبن الأُضْحِية بعد رى فصيلها. وتَقَدَّمَ تَفْصِيل مذهب الحنفيين فى هذا. وإِنْ نقصها الركّوب والشُّرْب فعليه قيمة النقص عند الحنفيين والشافعى، وقال مالك: لا يغرم شيئاً ولا يَحمل على الأُضْحِية مَتَاعه عند الحنفيين ومالك. وأَجازه الجمهور عند الحاجة.
وقال أَحمد: لا يُكْرَه شُرْب لبنها الفاضِل عن وَلَدِها لما تقدَّم أَنَّ عَلِيًّا رضى الله عنه قال: لا تشرب لبنها إِلاَّ فَضْلاً (١) (قال) أَبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: ولأَنه انتفاع لا يَضُرّ بها ولا بولدا أُشْبه الركوب. وإَنْ تَصَدَّق به كان أَفْضَل خروجاً من الخلاف. وإِن احتلب ما يضُرّ بها أَوْ بولدها لم يجُزْ له وعلي لتَّصَدُّق به. وإِنْ شَرِبَهُ ضمنه لأَنه تَعَدَّى بأَخْذِه. وهكذا الحكم فى الهدْى (فإِنْ قِيلَ) فَصُوفها وشَعرها إِذا جزَّه تَصَدَّق به ولم ينتفع به، فلم جَوَّزْتُمْ له الانتفاع باللَّبن؟ (قلنا) الفرق بينهما من وجهين:
(أَحدهما) أَنَّ لبنها يتولَّد من غذائِهَا وعَلَفِهَا وهو القائم به فجاز صرفه إِليه، كما أَنَّ المرتهن إِذا علف الرَّهن كان له أَن يركَب ويحلب وليس له أَنْ يَأْخُذ الصُّوف ولا الشَّعْر. (الثانى) أَنَّ الصُّوف والشَّعْر ينتفع به على الدوام فجرى مجْرَى جِلْدِها وأَجزائِهَا. واللَّبن يُشْرب ويؤخَذ شيئاً فشيئاً فجَرَى مجْرَى جِلْدِها وأَجزائِهَا. واللَّبن يَشرْب ويؤخَذ شيئاً فشيئاً فجَرَى مجرَى منافعها وركُكوبها، ولأَنَّ اللَّبن يتجدَّد كل يوم. والصُّوف والشَّعْر عين موجودة دائمة فى جميع الحوْل (٢).
(ويُكْرهُ) ذبح الكتابى لها بلآ أَمْر من المضَحّى، لأَنه ليس من أَهل القربة، أَمَّا لو ذَبَح بأَمره فلآ يُكْرَه، لأَنَّ القربة أُقيمت بالإِنابة والأَمر،
стр. 1655
بخلاف ما لو أَمَر مجوسِيًّا، لَنه ليس من أَهل الذكاة. وهذا مذهب الحنفيين.
(وقال) الشافعى وأَحمد: يُكْرَه ذبح الكتابى ولو بأَمْر المضَحّى.
(قال) النووى: أَجمعوا على أَنه يجوز أَن يستنيبَ فى ذبح أُضْحِيتِه مسلماً. وأَما الكتابى فمذهبنا ومذهب جماهير العلماءِ صحة استنابتِه وتقعِ ذبيحته ضَحِيتَّه عن الموكل مع أَنه مكروه كَراهةَ تَنْزِيه.
(وقال) مالك: لا تَصِحّ إِنابة الكتابى وتكون شاة لحم. دليلنا أَنه من أَهْل الذكاة كالمسلم (١).
١٦ - بدع الأضحية:
قد علمت فَضْل التَّضْحِية والطريق المشروع فيها، ومع ذلك نرى الناس يَتَنَكَّبُون الطريق ويرتَكِبُون بِدَعاً ومخالفات، تقَدَّم بعضها فى بحث المكروهات.
(ومنها) التهاون فى أَمْر الأُضْحِية " بتركها " وقد قِيلَ بوجُوبها " أَو بعدم " ذَبْحها فى وقتها المشروع. كأَنْ تُذْبَح يوم عرفة أَوْ ليلة العيد أَوْ يومه قبل صلاة العيد " أَوْ لآ يُرَاعَى " فيها السِّنّ المجزِئَه والشروط المعتبرة والآداب المشروعة على ما تَقَدَّمَ بيانُه (قال) ابن الحاج فى المدخل: عِيدُ الأَضْحى هو أَعظم مواسم المسلمين، ترك بعضهم فيه سُنَّة الأُضْحِية التى سَنَّا صاحب الشَّرْع صلوات الله وسلامة عليه، ورَغَّب فيها (بقوله) إِنَّ أَوَّلَ ما نَبْدَأُ به فى يومنا هذا أَنْ نُصَلِّى ثم نرجع فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذلك فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، ومَنْ ذَبَحَ قبل الصَّلآةِ هُوَ لَحْمٌ قَدّم لأَهْلِه ليس مِنَ الُّسُك فى شَئ (٢) ﴿٧٢﴾.
стр. 1656
(ثم) إِنَّ بعضَهُم يتركون الأُضْحية ويَشْتَرُون اللحم ويطبخون أَلوان الأَطْعِمة التى تكُومن الأُضحِية المشروعة ببعض ثمن ما أَنفقوه أَو مثله، فقد حرمهم إِبليس اللَّعِين هذه البركة العُظْمَى والحير الشامل بتَسْوِيله وتَزْيِينِه تركه لهم.
(ثم) إِنَّ مَنْ يُضَحِّى منهم يذْبَحْ ليلةَ العيد، فإِن نَوَى الأُضْحِية وقد عَيَّنَها فهو آثِمٌ فى ذَبْحها قبل وَقْتِها ويلزمه بَدَلها فى وَقْتِها، وكَذَا إِنْ لم يُعَيِّنها. وإِنْ لم يَنْوِ بها الأُضْحِيَة فق أَسَاءَ فى فِعْلِه بارتِكابِه خلآف المشروع، لأَنَّ السُّنَّةَ فى حق القادر على الأُضْحِيَة أَن يُضَحِّى بها فى وقْتِهَا (يعنى بعد صلاة العيد) ويفطر على زيادة الكَبد منها.
(ثم) إِنَّ بعض مَنْ يُضَحِّى يعمل الطعام لَيْلاً حتى إِذا جاءُوا من صلاة الْعِيدِ أَكَلُوا منه هُمْ ومَنْ يختارون، ثم يَشْتَغِلُونَ بذبح الأُضْحِية. ولهذه الْعِلَّة قَدَّمَ بعضهم الذبح لَيْلاً فوقع فيما تقَدَّم. وهذا كُلُّه بِدْعَة.
(وانظر) إِلى مَكِيدَةِ إِبليس اللَّعين وما أَدْخَلَ من سُمُومِه على بعض المسلمين بتَسْوِيلهِ لهم ترك هذه السُّنة فحرمهم جزيلَ ثوابِهَا بما وَسْوَسَ إِليهم مِن الْعِلَل القَبِيحة الشَّنِيعَة، فَزَيَّنَ لِكُلِّ أَهل إِقليم ما يقبلونه منه. فإِذا قُلْتَ لبعض مَنْ لم يُضَحّ من أَهل مِصْر: لِمَ لآ تُضَحِّى؟ يقول: لىِ مَعَارِف كَثيرة وخرُوف وَاحِد لآ يَكْفِيهم، فمنْ بقى منهم يَلُومنى ولا يلزمنى أَكْثر من خَرُوف. وإِذا قُلْتَ للفقير: لِمَ تَتَكَلَّف الأُضْحِية وهى لآ تُطْلَب منك؟ يقول: قَبِيحٌ من الْجِيران والأَهل والمعارف أَن يقولوا فُلآنٌ لم يُضَحّ (فصارت) هذه القربة بالنظر إِلى فعلها وتركها مَشُوبة بالنظر إِلى الخلق وتحسينهم وتَقْبِيحِهم. فإِنَّا لله وإِنَّا إِليه راجعون.
стр. 1657
(ثم انظر) كَيف تركُوا السُّنة فى هذا الموسم العظيم، فإِن السُّنة فى هذا اليوم ما فعله النبىُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أَنه لَمَّا انصرف من صلاة العِيد ذَبَح أُضْحِيَتَه بيده الكريمة وأَمَرَ بزيادةِ الكَبد فَصُنِعَ له ثم أَفطر عليه تَشَبُّهاً منه ﵊ وتفاؤلاً بأَهْل الجنة، لأَنَّهم أَول ما يفطرون فيها على زيادة كَبِد الْحُوت (١) وتَشْرِيعاً لأُمَّتِه ﷺ لينَبِّههم إِلى هذا المعنَى الجليل.
(ثم) إِنَّ بعض مِنْ يُضَحِّى يبيع جِلْد الأُضْحِية، وذلك محرّم أَوْ مَكْرُوه على ما تقَدَّمَ بياُنه (٢).
(الثانى) الفرع والعتيرة
الفَرَع: بفتحتين، ويقال الفَرَعة بالهاءِ، هو أَول ما تَلِدَهُ الْبَهِيمة، كانوا يذبحونه لآلهتهم رجاءَ البركةِ فى الأُم وكثرة نَسْلِها. وقال فى النهاية: كان الرَّجُل فى الجاهلية إِذا تَمَّتَ إِبِله مائة قَدَّم بَكْراً فَنَحَرَهُ لِصَنَمِه وهو الفَرَع. والعَتِيرَة: بِفَتْح فكَسْر: ذبيحة كانوا يَذْبَحونها فى رجب ويُسَمُّونَها الرَّجَبِيَّة، تعظيماً له، لأَنه أَول الأَشْهُر الحُرُم.
هذا. وقد اختلفت الأَحاديث فى حُكْم الفَرعَ والعَتِيرَة (رَوَى) الحارث ابن عمرو أَنه لَقِىَ رسول الله ﷺ فى حجَّة الوداع وهو على نَاقَتِه العَضْبَاءَ، فقال رَجُل: يا رسول الله، العتائر والفرائع. فقال: مَنْ شَاءَ عَتَر ومنْ شاءَ لم يَعْتِر، ومَنْ شَاءَ فَرَّع ومِنْ شَاءَ لم يُفَرّع. (الحديث) أَخرجه النسائي والبيهقى (٣) ﴿٧٣﴾.
стр. 1658
(وقال) أَبو المليح قال نُبَيْشَة: نَادَى رَجُل وهو بمنى فقال: يا رسول الله، إِنَّا كُنَّا نَعْتِرُ عتِيرَةً فى الجاهلية فى رَجَب، فما تَأْمُرنا يا رسول الله؟ قال: اذْبَحُوا لله فى أَىِّ شَهْرٍ كان، وبِرُّوا اللهَ وأَطْعِمُوا. قال: إِنَّا كُنَّا نُفْرَع فْرَعاً فما تَأْمُرنا؟ قال: فى كل سائمةٍ فَرع تَغْذُوهُ ما شِيَتُكَ حتى إِذا اسْتَجْمَلَ ذَبَحْتهُ وتَصَدَّقْتَ بلَحْمهِ عل ابْنِ السَّبِيل، فإِنَّ ذلك خَيْر. أَخرجه الشافعى وأَحمد والأَربعة إِلاَّ الترمذى (١) ﴿٧٤﴾.
(فما ذُكر) يدلُّ على إِباحة الفرع والعتيرة (وبه) قالت الشافعية والحنبلية.
(وقال) الحنفيون والمالكية بكَراهة الفرع والعتيرة " لحديث " أَبى هريرة أَنَّ النبىَّ ﵌ قال: لا فَرَع ولا عَتِيرَة. أَخرجه السبعة إِلاَّ الترمذى (٢) ﴿٧٥﴾.
(وهو) نفى فى معنى النَّهْى، يدل عليه ما فى رواية النسائى عن أَبى هريرة قال: نَهَى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الفَرَع والعَتِيرَة.
(قال) القاضى عياض والحازمى: هذا الحديث ناسخ للأَحاديث الدَّالة على إِباحة الفرع والعتيرة. وعلى هذا جماهير العلماءِ. قالوا: حديث أَبى هريرة مُتَأَخِّر فإِنه أَسْلَم فى السَّنة السابعة من الهجرة (وردّ) بما تقَدَّم
стр. 1659
عن الحارث بن عمرو من قوله ﷺ فى حجَّة الوداع: مَنْ شاءَ عَتَر ومَنْ شَاءَ فَرّع ومَنْ شَاءَ لم يُفَرِّع (١)
(فهذا) كان فى حَجَّة الوداع. وقد كانت بعد إِسلام أَبى هريرة. وهو صريح فى الإِباحة (قال) النووى: الصَّحِيح عند أَصحابنا استحباب الفرع والعتيرة. وأَجابوا عن حديث: لا فرع ولا عتيرة، بثلاثة أَوْجُه: (أَحدها) أَن المراد نفى الوجوب. (والثانى) أَن المراد نفى ما كانوا يذبحونه لأَصنامهم، (والثالث) أَنَّ المراد أَنهما ليستا كالأُضحية فى الاستحباب أَو ثواب إِراقّةِ الدم. فأَمَّا تفرقة اللَّحم على المساكين فَبِرٌّ وصدقَةٌ، وق نَصّ الشفعى أَنَّها إِنْ تَيَسَّرَتْ كُلّ شَهْر كان حَسَناً (٢).
(الثالث) المواسم
هى جمع موسم، من الوسم، بمعنى العلاقة والمجتمع. والمواسم شرعية ومنسوبة إِلى الشرع منه، وأَجنبية.
(ا) فالمواسم الشرعية هى الجمعة والعيدان، وتَقَدَّمَ الكلام فيها، وعاشوراءَ، ورمضان، ويوم عرفة والثمانية الأَيام قبله. والكلام عليها فى الصَّيام.
(ب) والمواسم المنسوبة إِلى الشرع وليست منه أَربعة:
١ - مولد النبى ﷺ
وُلِدَ ﷺ عام الْفِيل (٣)
صبِيحة يوم الاثنين الثانى عشر من
ربيع الأَوَّل على المشهور (٢٠ أُغسطس سنة ٥٧٠ ميلادية) فى دار عقيل ابن أَبى طالب التى صارت بعد لمحمد بن يوسف الثقفى.
(قال) أَبو جعفر الباقر: كان قُدُوم الفيل للنِّصْف من المحرَّم، ومولد رسول الله ﷺ بعده بخمس وخمسين ليلة. ذكَره ابن كَثير (١).
(وعن) أَبى قتادة أَنَّ النبىَّ ﷺ سُئِلَ عن صَوْم يوم الاثنين فقال: " فِيهِ وُلِدْتُ وفِيهِ أُنْزِلَ علىّ " أَخرجه مسلم (٢) ﴿٧٦﴾.
стр. 1662
(وقال) جابر وابن عباس: وُلِدَ رسول الله ﷺ عام الْفِيل، يوم الاثنين، الثانى عَشَر من شهر ربيع الأَول، وفيه بُعِثَ، وفيه عُرِج به إِلى السَّماءِ وفيه هاجرَ، وفيه ماتَ. أّخرجه ابن أَبى شيبة (١) ﴿١٥﴾.
(وُلِدَ) ﷺ مُسْتقبل القِبْلَة وَاضِعاً يَدَءُ على الأَرْض، رافِعاً رأْسَهُ إِلى السَّماءِ، ليس عليه شَئ من أَقذار الولادَة.
(تولَّتْ) ولادتَهُ الشِّفا (٢) أُمّ عبد الرحمن بن عَوْف، وقالت: لأَمَّا سَقَطَ ﷺ على يَدَىّ واستهل، سمعتُ قائلاً يقول: رَحِمَك الله. وأَضَاءَ لى ما بين المشْرِق والمغْرِب حتى نَظَرْتُ إِلى قُصُور الرُّوم. ذكره القاضى عِياض.
(وعن) عُثمان بن أَبى العاص عن أُمِّه فاطمةَ بنت عبد الله أَنَّهَا شَهِدَتْ ولادةَ النبىِّ ﵌ لَيْلاً، قالت: فما شَئ أَنْظُرُ إِليه من البيت إِلاَّ نوّر، وإِنِّى لأَنْظُرُ إِلى النجوم تَدْنُو حتى إِنِّى لأَقُول لتقَعَنّ علىَّ. أَخرجه ابن السَّكَن وابن سيد الناس (٣) ﴿١٦﴾.
(وقد) وَقَعَ لمولِدِه ﷺ من الآياتِ الباهِرَة، والعلامات السَّاطِعة، ما فيه عِبْرَةً لمن اعتبر، وعِظَةً لمن اتَّعَظَ.
(من ذلك) ما ذكَرَهُ مخزوم بن هانئٍ عن أَبيه قال: لَمَّا كانت الليلةُ التى وُلِدَ فيها رسول الله ﷺ ارْتَجَسَ إِيوانُ كِسْرَى، وسقَطَتْ منه أَرْبَعَ عشرة شُرْفة وخمدَتْ نارُ فارِس، ولم تُخْمُدْ قبل ذلك بأَلْفِ عامٍ، وغاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَة، ورَأَى الموبَذَانُ إِبِلاً صِعَاباً تَقُودُ خَيْلاً عِرَاباً قد
стр. 1663
قطعت دَجْلَة وانتشَرَتْ فى بلادِهم. فلا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ ذلك. ثم بَعثَ إِلى مَرازِبَتِهِ، فَلَمَّا اجتمعوا عنده قال: أَتَدْرُونَ فِيمَ بَعَثْثُ إِليكُم؟ قالوا: ل، إِلاَّ أَن يُخبر الملك، فبَيءنَمَا هُمْ كذلك إِذْ وَرَدَ عليهم كِتَابَ خُمُودِ النِّيرَان، فازداد غَمًّا إِلى غَمِّه، ثم أَخبرهم بما رأَى وما هَالَهُ فقال الموبَذَانِ: أَىّ شَئ يكُون هذا ياموبَذَان؟ قال: حَدَثٌ يكُون فى ناحيةِ العرب. ذكره الحافظ الخرائطىّ فى كتاب هَواتِف الجان، وتمامه فى البداية والنهاية (١).
(ومن ذلك) تَنْكِيسُ الأَصْنَام فى آفاقِ الأَرض، وكَثْرَة رَمْى الشياطين - الذين يَأْتُون الكَهَنة (٢) بأَخبار السَّماء - بالشُّهُب.
стр. 1664
(ومن ذلك) ما قاله أَبو الحكم التنّوخى: كان المولود إِذّا وُلِدَ فى قُرَيْش دَفَعُوهُ إِلى نِسْوَةٍ منهم يكْفَأْنَ عليه بُرْمةً إِلى الصُّبْح. فَلَمَّا وُلِدَ رَسُلُ الله ﷺ دفعه عبد المطلب إِلى نِسْوَةً فكَفَأْنَ عليه بُرْمَة، فلَمَّا أَصْبَحْنَ وَجَدْنَ البرمة قد انْفَلَقَتْ باثْنَتَيْن، وَوَجَدْنَهُ مفتوحَ العينَيْن شاخِصاً ببصَرِه إِلى السَّماءِ، فأَتَاهُنَّ عبد المطلب، فَقُلْنَ هـ: ما رَأَيْنَا مَوْلُوداً مثله، وَجَدْنَاهُ قد انفلقَتْ عنه البرمة، ووجَدْنَاهُ مفتوحة عَيْنَاه شاخِصاً ببصَرِه إِلى السَّماءِ. فقال: احفْظْنَهُ فإِنى أَرْجُو أَن يكُونَ له شَأْنٌ أَوْ أَنْ يُصِيبَ خَيْراً. أَخرجه البيقى (١) ﴿١٧﴾.
(وفى اليوم) السَّابع من ولادَتِه ﷺ ، ذَبَحَ عنه جَدّه عبد المطلب، ودَعَا قُرَيْشاً، فلَمَّا أَكَلُوا، قالوا: يا عبد المطلب، أَرَأَيْتَ ابنك الذى أَكْرَمْتَنَا على وَجْهه ما سَمَّيْتَهُ؟ قال: سَمَّيْتُهُ مُحَمَّداً. قالوا: فما رغِبْتَ به عن أَسماءِ أَهْل بيته؟ قال: أَردتُ أَنْ يحمده اللهُ فى السَّماءِ، وخلقُه فى الأَرْض (٢)، فقد أَلْهَمَ الله جدّه فسَمَّاه مُحَمَّداً لما فيه من الصِّفَاتِ الحميدةِ والخِصَالِ الجليلة، ليتطابقَ الاسم والمسَمَّى فى الصُّورة والمعنَى، كما قال عمه أَبو طالب، ويُرْوَى لحسَّان:
وشَقَّ له من اسمه لِيُجِلَّه ... فَذُو العرش محمودٌ وهذا مُحَمَّد
стр. 1665
هذا. والاحتفالُ بالموالد أَمْر محدث، أَحْدَثَهُ الفاطِمِيُّون فى القرن الرابع، فابْتَدَعُوا سِتَّة موالد: المولد النبوىّ، ومولد سيدنا علىّ، ومولد السَّيدَة فاطِمة الزهراء، ومولد الحسَن والْحُسَيْن رضِىَ الله عنهم، ومولد الخليفة الحاضر.
(كانوا) فى تلك الموالد يأْدِبُونَ المآدِب الجامِعَة لكُلِّ الطبقات، فتُقَدَّم الموائدِ مُزَخْرَفة بالذهب والفِضَّة وأَلون الصِّباغ، عليها من الأَطعمة الفاخِرة وأَنواع الْحلْوَى اللذيذة مالا يكاد يُصَدِّقه العقل كَثْرَةً وتنوُّعاً. وكانوا يرتَكِبُونف هذه الموالد من المفاسِد والمنكَرَات ما لا يقبله عَقْل، ولا يَرْضَى به ذُو لُبّ.
(وأَول) مَنْ أَحْدَثَ المولد النبوىّ - بمدينة إِربل (١) فى القرن السابع - الملك المظفَّر أَبو سعيد، أَلف له الحافظ بن دحْيَة تَأْليفاً أَسْماهُ (التنوير. فى مَوْلد البَشِير النَّذِير) فأَجازه الملك المظفر بأَلْف دِينار، وصَارُوا يحتفلُون المولد فى ربيع الأَول بإِطعام الطَّعام وتوزيع الصَّدَقات وقراءَةِ قِصَّة المولْد.
(وهذا) الذى قال فيه الإِمام أَبو شامة فى الباعث: ومِنْ أَحْسَن ما ابْتَدَعَ فى زماننا، ما كان يُفْعَلُ بمدينة إِربل كُلّ عام فى اليوم الموافق ليوم مَوْلد النبىِّ ﷺ مِنَ الصَّدَقات والمعرف، وإِظهار الزِّينة والسُرُور، فإِنَّ ذلك مع ما فيه من الإحْسَانِ إِلى الفقراءِ، مُسْعِرٌ بمحَبَّةِ النبىِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتعظيمه وجلالَتِه فى قلب فاعِله، وشُكْر الله تعالى على ما مَنَّ به مِنْ إيجاد رَسُوله الذى أَرسله رَحْمَةً للعالمين، ﷺ وعلى جميع المرسَلِين.
стр. 1666
(ولكن) قَدْ تَقَدَّم فى بحث " بِدَع المساجد " أَنَّ اتخاذَ مَوْسِم غير المواسم الشرعية كلَيْلَةِ المولد مِنَ الْبِدَع التى لم يَسْتَحْسِنُها السَّلَف ولم يفعلوها، ومع ذلك فقَدْ خَلَفَ من بَعْدِهم خَلْفٌ اتبعوا الشَّهَوَات، وحَسَّن لهم اللَّعِين إِرْتِكَابَ الْبِدَع والمخالفات فصاروا يقيمُونَ للمولد النبوىّ وغيره حَفْلاَ جامِعاً سنويًّا يشتملُ على كَثِيرٍ من أَنواع المفاسِد والمنكراتِ الفظِيعة، والبِدَع الذَّمِيمَة، والخرافاتِ الشائِنة، والضَّلال البعيد، ظنًّا منهم أَنَّهَا مِنَ الدَّين منها برَاءٌ.
(أَلِفَ) الناس هذه العادات القَبِيحَةَ فخافَظُوا عليها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، حتى شَقَ على نفوسهم ترْكها والتَّحَلُّل منها كأَنَّهَا منْ هَدْى الرسول الأَعظم ﷺ ، ولم يذكُرَوا قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تجْعَلُوا بيُوتكُم قُبُوراً، ولا تجعلوا قبرى عِيداً، وصَلُّوا علىَ أَيْنَمَا كُنْتُم، فإِنَّ صلاتكُم تبلغى حيثُ كُنْتُم. أَخرجه. أَحمد وأبو داود بسند حسن عن أَبى هريرة (١) ﴿٧٨﴾.
(والأحاديث) فى هذا كثيرة تقَدّم بعضُها وبيان المفاسِد والمنكراتِ التى تقع فى الاحتفال بالمولد فى المساجد وغيرها، ولذا اتفق العلماءُ على إِنكارها (٢).
(والذى) يؤسَفُ له أَشَدَّ الأَسف أَنَّ الحكومة وهى حكومة إِسلامية ظاهرت أَرباب الطرق وأَذنتْ لهم فى إِقامة تلك الحفلات الشائنة التى يعمّ فيها الفساد وينتشِرُ الضَّلآل، وعاونَتْهُم على نَشْر بُهْتَانِهِم، ورضِيَتْ إِفكَهُمْ وباطِلَهُمْ، بل شاركتهم فيه بإِقامةِ سرادقاتٍ للوزارات فى ساحة
стр. 1667
العباسية حيث يكون هناك الاحتفال رَسْمِيًّا حتى عَمَّ الفسا، وسُدَّت المسالك أَمام المصْلِحِين الذين يَدْعُونَ النَّاس إِلى الرجوع إِلى هَدْى النبىّ صلى الله عليه وعلى آله وأَصحابه وسلم والسَّلَف الصَّالح رضى الله عنهم، ولاُقوا الشَّئ الكَثير من عَنَت أَنهم يُحْسِنُون صُنْعاً وقد خلَطُوا عملاً صالحاً وآخر سَيِّئاً، بل كل أَعمالهم سيئة.
(والأَدْهَى) من ذلك كُلِّه سُكُوت بعض العلماءِ على تلك الأْبِدَع وعدم إِنكَارِهِم إِيَّاها وعدم مطالبة الحكومةِ بإِزالَتِهَا، غافِلينَ عن قوله ﷺ : إِذا ظهرت الْبِدَع ولعن آخرُ هذه الأُمة أَوَّلَهَا، فمن كان عنده عِلْمٌ فليَنْشُرْهُ، فإِنَّ كاتِمَ العِلْم يومئِذٍ كَكَاتِم ما أُنْزِلَ على محمد ﷺ . أَخرجه ابن عساكر عن معاذ بن جبل (١) ﴿٧٩﴾. وعنه أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: إِذا ظَهَرت الْبِدَعُ فى أُمَّتى وشُتِم أَصحابى، فلْيُظْهِرَ العَلِمُ عِلْمَهُ، فإِنْ لم يَفْعَلْ فَعَليْهِ لَعْنَةُ الله. أَخرجه الديلمى فى مسند الفردوس (٢) ﴿٨٠﴾ (وعن) سلمةَ بن الأَكْوَع أَنَّ النبى ﷺ قال: إِذا ظَهَرت المعاصِى فى أُمَّتى، عَمَّهُم الله تَعَالَى بعذابٍ من عنده. قِيل: أَمَا فى الناس يومئذٍ صَالِحُون؟ قال: بَلَى، يُصِيبُهُمْ ما أَصاب الناس، ثم يَصِيروُنَ إِلى مغفرةِ اللهِ ورِضْوَانِه. أَخرجه أَحمد والطبراني (٣) ﴿٨١﴾.
(فمسئولية) العلماءِ كبيرة، ومسئولية رجالِ الحكومةِ أَكْبَر، إِنَّ اللهَ يَزَعُ بالسُّلْطَانِ مالا يَزَعُ بالقُرْآنِ.
стр. 1668
(فعلَى) السَّادة العلماءِ أَن يُبَيِّنُوا الحقَّ واضحاً جَلِيًّا، وعلى وُلاةِ الأُمُور تنفيذَ أَوَامِرَ الله تعالى، والضَّرْبَ على أَبْدِى هؤُلاءِ المفْسِدِين المضِلِّين الذين ضَلُّوا وأَضَلُّوا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً.
(فبذا) يكون قد قامَ كُلٌّ من العَالِمِ والحاكمِ بما يجبُ عليه ممن سَدِّ أَبوابِ الفَسَادِ وفتح أَبوابِ الخير، والسَّعْى فى أَسباب النصر " إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامكُمْ "، " وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ من يَنْصُرُهُ ".
(وإِذا) أَرَادُوا الخيرَ لأَنفسهم والبراءَة لِدِينهم , فليقوموا بإِحياءِ ذِكْرَى نبيهم ﵊ بنَشْرِ سِيرَتِه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبَيَانِها للناس , ليتعَرَّفُوا نَوَاحِى العَظَمَة والفَخْرِ من نَبِيِّهم الأَعْظَم ورسوله الأَكْرَم ﷺ , فيعملوا عمله ويهتَدُوا بهَدْيِهِ ويَتَخَلَّقوا بخُلُقِه , حتى يكُونوا ممن عَزَّرُوهُ ونَصَرُوه , واتَّبَعُوا النور الذى أُنْزِلَ معه ﷺ .
(أَما ذَلِكُم) التَّكَلُّف الْمُمِلّ , وهذا الإِسراف المخلّ , فضَرَرُهَ أَكْبَرَ من نَفْعِه وإِثْمُه عائِدٌ على فاعِلهِ والراضِى به , ولا خَيْرٌ فيه أَلبتة , بل الخير كلّ الخير في اتِّبَاع هَدْى النبىِّ ﷺ والوقوف عند تعاليمه: " وَاتَّبعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *وَأَنَّ هذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيماً فاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ , ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقونَ ".
(ومن) المخالفاتِ - التى تقَعُ في الموالِد وغيرها مِنَ المواسِم - صُنْع صُوَر حيواناتٍ مُجَسَّمة من الحلْوَى وغيرها , فإِنَّ تَصْوِيرَ ذِى الرُّوح والنَّظَر إِلى الصُّوَر المجسَّمة حَرَامٌ كما تقَدَّم (١) وشِرَاؤها إِعانة على ذلك
стр. 1669
(قال) ابن الحاج فى المدخل: مِنَ المواسِمَ التى نَسَبُوها إِلى الشَّرْع وليست منه، أَوَّل لَيْلَةٍ من رجب فيتكَلَّفُون فيه النفقات والحلْوَى المحتَوِية على الصُّوَر المحرَّمة شَرْعاً، لقوله ﵊: مَنْ صَوَّر صُورَةً فإِنَّ اللهَ يُعَذِّبَهُ حتى ينفخَ فيها الرُّوح وليس بنافخ فيها أَبَداً (١) ﴿٨٢﴾.
(فهذا) دليلٌ على تحريم الصُّوَر التى لها رُوح، وعلى عذابِ مَنْ صَوَّرَها. فمن اشتراها منهم فهو مُعِين لهم على تَصْويرها، وكذا الوقوف للنظر إِليها والتعَجُّب مع العِلْم بالتَّحْرِيم. ومَنْ فَعَلَ ذلك ففى قبول شهادته نَظَر، فلا ينعَقِدُ النِّكَاح بشهادته حتى يَتُوبَ تَوْبة بشروطها، ولو كَسَرَ صُوَرَ الحلْوَى وبَاعَها مكْسُورةً جازَ بَيْعُهَا وشِرَاؤها. لَكِنْ يُكْرَهُ لأَهْل الفَضْل المقْتَدَى بهم شِرَاؤها. ليَكُونَ أَبْلَغَ فى زَجْر فاعِلها على الصِّفَة المنهىّ عنها.
(فانظر) إِلى هذه المفاسِد وكَثْرَتِها وهم يَزْعُمونَ أَنَّهَا مِنَ المواسِم الشرعية، وأَنَّ ذلك تَعْظِيمٌ لهذا المؤْسِم. ثم زَادُوا فيه من التكَلُّفِ مُهَادَاةِ الأَقارِبِ والأَصْهَار، وتكليفِ النِّسْوَةَ أَزواجَهُنِّ بهذه التكاليف التى أَحْدَثُوها ورما يؤول أَمْرهم - إِن قَصَّرَ فى التَّوْسِعَة - إِلى الفراق أَو ما يَقْرُب منه، وقد قال ﵊: أَنا وأُمَّتى بَرَاءٌ مِنَ التكَلُّف (٢) ﴿٨٣﴾.
(والتكَلُّف) مذمُومٌ فى المواسِم الشرعية والعبادات الدينية، فكيف به فى موسِم محدث غير شَرْعِىّ.
стр. 1670
وما كان السَّلَفُ رضوان الله عليهم يُعَظِّمُون رجب ويحترمونه إِلاَّ بزيادَةِ العبادة فيه والتَّشْمير لأَدائِ حُقُوقَهُ الشرعية، لا بالأَكْل والرَّقْص، ولا بالمفاخَرة بالطعام والهدايا (١).
٢ - ليلة الاسراء
(هى) ليلة السَّابع والعِشْرِين من رَجَب ليلة المعراج التى شُرِعَتْ فيها الصَّلوات الخمس جعلها الله بخَمْسِينَ صلاة إِلى سبعمائة ضِعْف على قدر إِخلاص العبد فى صلاتِهِ، والله يُضَاعِفُ لمنْ يَشَاءُ.
(كان) السَّلَف الصَّالح يُحْيُونَهَا بِلْعِبادة وإِطالةِ الْقِيَام فى الصَّلآةِ والتَّضَرُّع والبكاءِ، شُكْراً منهم لمولاهم على ما مَنَحَهُمْ وأَوْلآهُم، ولكن خَلف من بَعْدِهم خَلْفٌ اتَّبَعُوا الشَّهَوَات، وارتَكَبُوا كثيراً مِنَ الْبِدَع والمخالفات، كالاجتمع فى المساجد وزيادةِ النُّور فيها وعلى المآذن، واختلاط الرجال والنِّسَاءِ، والاجتماع فى المساجد لقراءَةِ قِصَّةِ الإِسراءِ والمعراج (٢)
والقراءَة والذكر بالتَّحْرِيف والتَّلْحِين فى أَسماءِ الله تعالى، وغير ذلك من المنكراتِ والمفاسِد التى تقَدَّمَ شَرْحها فى بحث المولد.
(وقد) ذكَرَ ابن الحاج فى المدخل بعض ما أُحْدِثَ فى هذه الليلة من الْبِدَع، فقال: فمنها إِتْيَانِهم المسجد واجتماعهم فيه (ومنها) زيادة وَقُود القناديل فيه. وقد تقَدَّمَ ما فى ذلك من المفاسِد (ومنها) فَرْش البُسُط والسجَّادات وغيرها (ومنها) السَّقَّاءُون، وفى ذلك من المفاسِد جُمْلة كالْبَيْع والشِّرَاءِ فى المسجد، والضَّرْبِ بالطَّاسَاتِ فيه، وَرَفْع الصِّوْت بقوله عَطْشَان سَبِيل ونحوه، وتَخَطِّى رِقَابِ الناس، وتَلْوِيثِ المسجد بالماءِ، والأَقْدَام المتَنَجِّسَة، وحَمْل النَّعْل تحت إِبطِه، أَوْ خلف ظَهْره دُونَ شَئ يَشُدّه، لأَنه يتحرَّك بحركَتِه فيقَعُ ما فيه من أَذَى فى المسجد (ومنها) اجتماعهم حلقات، كُلّ حلقه لها كَبِير يَقْتَدُونَ به فى الذكْر والقراءَة، ولَيْتَ ذلك لو كان كان ذِكْراً أَو قراءَةً (يعنى مَشْرُوعَيْن) لكنهم يَلْعَبُونَ بدِين الله تعالى، فالذَّاكِر منهم فى الغالب لا يقول: لا إِله إِلاَّ الله، بل يُحَرِّقها فيقول: لإِيلآهِ يِ لله، فيجعلون عِوَض الهمزة ياءً، وهى همزة قطع جعلوها همزة وصل، وإِذا قالوا " سُبْحَان الله " يمطِّطُونها ويرجعونها حتى لا تكاد تُفْهَم، والقارئُ يقرأْ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه، وينقص منه ما هُوَ فيه بحسَبِ تلك النغمات والترجيعات التى تُشْبه الغناءَ وغيره مما عُلِمَ من أَحوالهم الذَّمِيمَة (ثم فيها) مِنَ الأَمْر العظيم أَنَّ القارئ يبتدئ بقراءّةِ القرآنِ، والآخر يُنْشِدُ الشِّعْر أَوْ يُريد أَن يُنْشِدّهُ فَيُسْكِتُونَ القارئ أَوْ يَهُمُّونَ بذلك، أَوْ يتركُونَ هذا فى شِعْره، وهذا فى قِرَاءَتِهِ.
стр. 1681
لتشوف بعضهم لسماع الشِّعْر وتلك النغمات المرذولة.
وهذه الأَحوال لو كانت خارج المسجد لمنعَتْ، فكَيْفَ بها فى المسجِد، وفى هذه الليلة الشَّرِيفة (١).
٣ - ليلة النصف من شعبان
قد تقَدَّم الكلام فيها وَافِياً فى بِدَع المساجد (٢)، ويأْتى كلمة فى صَوْم نِصْف شعبان، وأَنَّ الاحتفالَ بليلَتِه محدث (٣).
٤ - ليلة القدر
ليلةُ القَدْرِ وما أَدْرَاكَ ما ليلةُ القَدْر؟ ليلةُ القَدْر لها فَضْلٌ عظيم، والطاعة فيها مُضَاعفة، قال الله تعالى: " لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلآمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ". (وإِحياؤها) بأَنواع العِبادَةِ مُسْتَحَبّ كباقى لبالى رمضان ولا سِيمَّا العَشْر الأَوَاخِر منها (روى) أَبُو هريرةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ قام ليلةَ القَدْرِ إِيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تقَدَّمَ من ذَنْبِه. عجز حديث أَخرجه أَحمد والشيخان وأَبو داود والترمذى. وقال: هذا حديث صحيح (٤) ﴿٩٦﴾. (وعنه) أَنَّ النبىَّ ﷺ قال:
стр. 1682
مَنْ قام رمضان إِيماناً واحْتِسَاباً فُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذَنْبِهِ. أَخرجه السبعة إِلا الترمذى، وزاد النسائى: وما تأَخَّر (١) ﴿٩٧﴾.
(وعن عائشة) أَنَّ النبىَّ ﷺ كان إّذا دخل العشر شَدَّ مِئْزَره وأَحْيَا لَيْلَهُ وأَيْقَظ أَهْلَهُ. أَخرجه أَحمد والشيخان وابن ماجه والبيهقى (٢) ﴿٩٨﴾.
(أَما اتخاذ) الناس لها مَوْسماً وشِعَاراً والاحتفال بإِحيائِها فى المساجد، فبِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، فيه مِنَ المفاسِد ما تقَدَّم فى الاحتفال بليلةِ المعراج ونصْف شعبان.
المواسم الأجنبية
ابتلى المسلمون بتقليد غيرهم فى كثير من مواسمهم وعوائدهم، وقد نُهُوا عن ذلك (روى) ابن عُمر أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: مَنْ تَشَبَّه بقومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. أَخرجه أحمد وأبو داود والطبرانى فى الكبير بسندٍ صحيح (٣) ﴿
٩٩﴾. وقال الإِمام الصَّنْعانى: الحديث فيه
ضَعْف، وله شَوَاهِد تخرجه عن الضَّعْف: (منها) حديث ابن مسعود أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ رَضِىَ عَمَلَ قَوْمٍ كان منهم. أَخرجه أَبو يعلى (١) ﴿١٠١﴾ (وَرَىَ) أَبو هرِيرةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: إِنَّ اليهودَ والنَّصارَى لا يَصْبُغُون فخالِفُوهم. أَخرجه الستة، ولفظ الترمذى: غيِّرُوا الشيب ولا تشبهوا باليهود (٢) ﴿١٠٢﴾ (وقال) عطاءُ ابنُ دينار: قال عُمر رضى الله عنه: لا تَعلموا رَطانة الأَعاجِم ولا تَدْخُلُوا على المشركين فى كنائِسهم يوم عِيدهم، فإِن السخطة تَنْزِلُ عليهم. أَخرجه البيهقى بسندٍ صحيح وأَبو الشَّيْخ الأَصبهانى (٣) ﴿١٩﴾ (وقال) ابن عمرو: منْ بَنَى فى بلاد الأَعَجِم وصنع نَيْروزَهم ومهرجانهم وتَشَبَّهَ بهم حتى يموت وهو كذلك، حُشِرَ معهم يوم القيامة. أَخرجه البيهقى (٤) ﴿٢٠﴾ وقال: وفى هذا الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصاً به. اهـ.
стр. 1685
هذا، وإِنَّهُ لَيَسُوءُنا ويَسُوءُ كُلّ غَيُور على دِينِه، أَنْ نرَى المسلمين يخالفون هذه الأَحاديث والآثار، فقد تركُوا أَعمالهم ومصالحهم فى مواسِم أَهل الكتاب، واتَّخَذُوهَا أَيَّام فرَحٍ وسُرُور، وشارَكُوا أَهلها فى التَّوْسِعَة بكَثْرَةِ الطَّعَامِ والَّرَابِ ولبْس أَجْمل الثَّيَاب وصَبْغ البَيْض فيها للأَوْلاد.
وبهذا تحقَّقَ (قول) النبىَّ ﷺ : لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الذين من قبلِكُم شِبْاً بشِبْرٍ وذِرَاعٍ، حتى لو سَلكُوا جُحْرَ ضَبّ لَسَلكْتُمُوه قُلْنَا: يا رسول الله، اليهود والنَّصَارَى؟ قال فمنْ غيرهم. أَخرجه أَحمد والشيخان عن أَبى سعيد الخدرىّ (١) ﴿١٠٣﴾ ولنبيِّن هُنَا سِتَّةً من هذه المواسِم ليتبيَّنَ العاقل الأَمْرَ وليقِفَ عند حَدِّ الشَّرْع.
١ - عيد النيروز
النَّيْرُوز، بفتح فسكون، معرّب نوروز بالفارسية. ومعناه يوم جديد، وعيده يكون فى أَوائل تُوث وفى النِّصْف الثانى من سبتمبر أَوَّل فَصْل الخريف. احْتَفَلَ بهِ قُدَمَاءُ المصريين عندما جعل العلامة المصرى تُوث رأْس سَنَتِهم المالية موافقةً لظهور الشَّعرى (٢) مع الشمس.
ومعنى تُوث: ظهور أَول الفيضان. وقد عرفوا لَهُ هذا الجميل فَسَمُّوا الشهر الأَوَّل من سَنَتِهم باسْمِه. ولم يُسَمّ رأْس السنة المصرية نَيْروزاً إِلاَّ بعد دخول العرب مصر، وشاركَ المسلمون الأَقباط فى الاحتفالِ به من عهد الفاطميين باعتبار أَنه فاتحةَ بابِ الخير على المصريين بإِرواءِ أَراضيهم بفَيَضَان النِّيل السعيد.