لتشوف بعضهم لسماع الشِّعْر وتلك النغمات المرذولة.
وهذه الأَحوال لو كانت خارج المسجد لمنعَتْ، فكَيْفَ بها فى المسجِد، وفى هذه الليلة الشَّرِيفة (١).
٣ - ليلة النصف من شعبان
قد تقَدَّم الكلام فيها وَافِياً فى بِدَع المساجد (٢)، ويأْتى كلمة فى صَوْم نِصْف شعبان، وأَنَّ الاحتفالَ بليلَتِه محدث (٣).
٤ - ليلة القدر
ليلةُ القَدْرِ وما أَدْرَاكَ ما ليلةُ القَدْر؟ ليلةُ القَدْر لها فَضْلٌ عظيم، والطاعة فيها مُضَاعفة، قال الله تعالى: " لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلآمٌ هِىَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ". (وإِحياؤها) بأَنواع العِبادَةِ مُسْتَحَبّ كباقى لبالى رمضان ولا سِيمَّا العَشْر الأَوَاخِر منها (روى) أَبُو هريرةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ قام ليلةَ القَدْرِ إِيماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ ما تقَدَّمَ من ذَنْبِه. عجز حديث أَخرجه أَحمد والشيخان وأَبو داود والترمذى. وقال: هذا حديث صحيح (٤) ﴿٩٦﴾. (وعنه) أَنَّ النبىَّ ﷺ قال:
стр. 1682
مَنْ قام رمضان إِيماناً واحْتِسَاباً فُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذَنْبِهِ. أَخرجه السبعة إِلا الترمذى، وزاد النسائى: وما تأَخَّر (١) ﴿٩٧﴾.
(وعن عائشة) أَنَّ النبىَّ ﷺ كان إّذا دخل العشر شَدَّ مِئْزَره وأَحْيَا لَيْلَهُ وأَيْقَظ أَهْلَهُ. أَخرجه أَحمد والشيخان وابن ماجه والبيهقى (٢) ﴿٩٨﴾.
(أَما اتخاذ) الناس لها مَوْسماً وشِعَاراً والاحتفال بإِحيائِها فى المساجد، فبِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ، فيه مِنَ المفاسِد ما تقَدَّم فى الاحتفال بليلةِ المعراج ونصْف شعبان.
المواسم الأجنبية
ابتلى المسلمون بتقليد غيرهم فى كثير من مواسمهم وعوائدهم، وقد نُهُوا عن ذلك (روى) ابن عُمر أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: مَنْ تَشَبَّه بقومٍ فَهُوَ مِنْهُمْ. أَخرجه أحمد وأبو داود والطبرانى فى الكبير بسندٍ صحيح (٣) ﴿
٩٩﴾. وقال الإِمام الصَّنْعانى: الحديث فيه
ضَعْف، وله شَوَاهِد تخرجه عن الضَّعْف: (منها) حديث ابن مسعود أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: مَنْ رَضِىَ عَمَلَ قَوْمٍ كان منهم. أَخرجه أَبو يعلى (١) ﴿١٠١﴾ (وَرَىَ) أَبو هرِيرةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: إِنَّ اليهودَ والنَّصارَى لا يَصْبُغُون فخالِفُوهم. أَخرجه الستة، ولفظ الترمذى: غيِّرُوا الشيب ولا تشبهوا باليهود (٢) ﴿١٠٢﴾ (وقال) عطاءُ ابنُ دينار: قال عُمر رضى الله عنه: لا تَعلموا رَطانة الأَعاجِم ولا تَدْخُلُوا على المشركين فى كنائِسهم يوم عِيدهم، فإِن السخطة تَنْزِلُ عليهم. أَخرجه البيهقى بسندٍ صحيح وأَبو الشَّيْخ الأَصبهانى (٣) ﴿١٩﴾ (وقال) ابن عمرو: منْ بَنَى فى بلاد الأَعَجِم وصنع نَيْروزَهم ومهرجانهم وتَشَبَّهَ بهم حتى يموت وهو كذلك، حُشِرَ معهم يوم القيامة. أَخرجه البيهقى (٤) ﴿٢٠﴾ وقال: وفى هذا الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصاً به. اهـ.
стр. 1685
هذا، وإِنَّهُ لَيَسُوءُنا ويَسُوءُ كُلّ غَيُور على دِينِه، أَنْ نرَى المسلمين يخالفون هذه الأَحاديث والآثار، فقد تركُوا أَعمالهم ومصالحهم فى مواسِم أَهل الكتاب، واتَّخَذُوهَا أَيَّام فرَحٍ وسُرُور، وشارَكُوا أَهلها فى التَّوْسِعَة بكَثْرَةِ الطَّعَامِ والَّرَابِ ولبْس أَجْمل الثَّيَاب وصَبْغ البَيْض فيها للأَوْلاد.
وبهذا تحقَّقَ (قول) النبىَّ ﷺ : لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الذين من قبلِكُم شِبْاً بشِبْرٍ وذِرَاعٍ، حتى لو سَلكُوا جُحْرَ ضَبّ لَسَلكْتُمُوه قُلْنَا: يا رسول الله، اليهود والنَّصَارَى؟ قال فمنْ غيرهم. أَخرجه أَحمد والشيخان عن أَبى سعيد الخدرىّ (١) ﴿١٠٣﴾ ولنبيِّن هُنَا سِتَّةً من هذه المواسِم ليتبيَّنَ العاقل الأَمْرَ وليقِفَ عند حَدِّ الشَّرْع.
١ - عيد النيروز
النَّيْرُوز، بفتح فسكون، معرّب نوروز بالفارسية. ومعناه يوم جديد، وعيده يكون فى أَوائل تُوث وفى النِّصْف الثانى من سبتمبر أَوَّل فَصْل الخريف. احْتَفَلَ بهِ قُدَمَاءُ المصريين عندما جعل العلامة المصرى تُوث رأْس سَنَتِهم المالية موافقةً لظهور الشَّعرى (٢) مع الشمس.
ومعنى تُوث: ظهور أَول الفيضان. وقد عرفوا لَهُ هذا الجميل فَسَمُّوا الشهر الأَوَّل من سَنَتِهم باسْمِه. ولم يُسَمّ رأْس السنة المصرية نَيْروزاً إِلاَّ بعد دخول العرب مصر، وشاركَ المسلمون الأَقباط فى الاحتفالِ به من عهد الفاطميين باعتبار أَنه فاتحةَ بابِ الخير على المصريين بإِرواءِ أَراضيهم بفَيَضَان النِّيل السعيد.
стр. 1686
٢ - شم النسيم
ويُسَمَّى عيد المهرجان أَوْ عيد البشارة (١). كان قدماءُ المصريين يَبْدَءُونَ سَنَتَهُمْ بالاعتدال الربيعىّ الموافق ٢٩ برمهات و ٢٥ مارس. وتُعْرَف بالسَّنَة الفَلكِيَّة، لا عتقادِهم بأَنَّ بَدْءَ الخليقَةِ كان فى هذا اليوم، ولتخلص الإِسرائيليين من ربقة العبودية فى هذا الوقت بخُروجِهم من مِصْرَ على يد سَيِّدِنا مُوسَى ﵇، فاعتَبَرُوهُ رَأْساً لِسَنَتِهم الدِّينية. ثم لَمَّا اتفق الأَقباط واليهود على جَعْل سَنَتِهم الأَصْلِيَّة شمسية تبتدئُ فى أَول حُلُول الشَّمس فى بُرْج الحمل، أَى زمان الاعتدال الربيعىّ، جَعَلُوا الاحتفالَ به لا يَقِلّ أَهمية عن الاحتفال برأْس سَنَتِهم المالية.
(وهذان) الْعِيدانِ من أَعْيَادِ الجاهلية. تَقَدَّمَ أَنَّ أَنَس بن مالك قال: قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة، ولَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فيهما. فقال: ما هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قالوا: كُنَّا نَلْعَبُ فيهما فى الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : إِنَّ الله قد أَبْدَلَكُم بهِما خَيْراً مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى ويَوْمَ الْفِطْر. أَخرجه أَحمد والبيهقى وغيرهما (٢) ﴿١٠٤﴾.
(واليومان) هُمَا يَؤْمَا النيروز والمهرجان. والحديث يَتَضَمَّن النَّهْى عن اللَّعِبِ والفرح فيهما، وأَنه لا ينبغى للمؤْمِن موافَقَةَ الكُفَّار فى تَعْظِيم هَذَيْن اليَوْمَيْن وغيرهما من أَعيادِهم حِفْظاً لدِينِه.
(قال) الشيخ زاده الحنفى: ويَكْفُر بخُروجِه إِلى نَيْروزِ المجُوس، والموافقة معهم فيما يَفْعَلُونه فى ذلك اليوم، وبشِرَائِه يوم النيروز شَيْئاً
стр. 1687
لم يكن يَشْتَرِيه قبل ذلك تعظيماً للنيروز، لا للأَكْل والشُرْب، وبإِهْدَائِه فى ذلك اليوم للمُشْرِكِين ولو بيْضَةً تعظيماً له. ولا يَكْفُر بإِجابته دعوةَ مَجُوسىّ وحَلْق رَأْس وَلَدِه (١) (ونقل) فى المرقاة عن الحسن بن منصور الحنفىّ أَنه قال: مَن اشْتَرَى شيئاً لم يكُن ليَشْتَرِيه فى غير النيروز أَوْ أَهْدَى فيه هَدِيَّة إِلى غيره، فإِنْ أَراد بذلك تَعْظِيمَ اليوم كما يُعَظِّمَهُ الكَفرَة، فقد كَفر، وإِنْ أَرادَ بالشِّرَاءِ التَّنَعُمَ والتَّنَزُّه، وبالإِهداءِ التَّحَابُبِ جَرْياً على العادةِ، لم يَكُنْ كُفْراً، لكنه مَكْرُوه للتَّشَبُّه بالكَفرَة حينئذٍ، فينبغى التَّحَرُّزَ عنه. اهـ.
" وقد سُئِلَ " العلاَّمة ابن حجر الهيثمى: هَلْ يَحِلُ اللَّعِبُ بالْقِسىّ الصِّغار التى لا تنفَعُ ولا تقتل صيداً، بل أُعِدَّت للعب الكُفَّار، وأَكْل الموْز الكَثير المطْبُوخ بالسكَّر، وإِلْبَاس الصِّبْيَان الثِّياب الملَوَّنة بالصُّفْرة تبعاً لاعتناءِ الكَفرَة بهذه فى بعض أَعيادِهم، وإِعطاءِ الأَثواب والمصروف لهم فيه إِذا كان بينه وبينهم تَعَلُّق من كون أَحدهما أَجِيراً للآخر من قبيل تَعْظِيم النيروز ونحوه، فإِنَّ الكَفرَةَ صَغِيرهم وكَبِيرهم، وضِيعهم ورَفِعهم حتى ملُوكهم، يَعْتَنُونَ بهذه القِسىّ الصَّغار واللعب بها، وبأَكْل الموْزِ الكَثِير المطْبُوخ بالسكَّر اعتناءً كثيراً. وكذا بإِلْبَاس الصِّبْيَان الثِّيَاب المصْفرَّة وإِعطاءِ الأَثواب والمصروف لمنْ يَتَعَلَّقَ بهم. وليس لهم فى ذلك اليوم عِبَادَةَ صَنَم ولا غيره. وجماعةً مِنَ المسلمين إِذا رأَوْا أَفعالهم يفْعَلُونَ مِثْلهم. فَهَلْ يَكْفُر أَوْ يَأْثم المسلم إِذا عَمِلَ مثل عَمَلِهم من غير اعتقادِ تَعْظِيم عِيدِهم ولا اقتداءً بهم أَو لا؟
стр. 1688
(فأَجاب) بقوله: لا كُفْرَ بفِعْل شَئ من ذلك، فقد صَرَّحَ أَصحابنا بأَنَّهُ لو شَدّ الزِّنَار على وسطه أَوْ وَضَعَ على رأْسه قلنْسُوة المجوس، لم يَكْفُر بمجَرَّدِ ذلك. اهـ (فعَدَمَ) كُفْره بما فى السُّؤال أَوْلى، وهو ظاهر، بل فِعْل شَئ مَّما ذُكِر فيه لا يَحْرم إِذا قُصِدَ به التَّشَبُّه بالكُفَّار لا من حيثُ الكُفْر، وإِلاَّ كَانَ كُفْراً قطعاً (فالحاصل) أَنه إِنْ فَعَلَ ذلك بقَصْد التَّشَبُّه بهم فى شِعَار الكُفْر، كَفرَ قطعاً، أَوْ فى شِعَارِ العيد مع قطع النظر عن الكُفْر لم يَكْفُر، ولكنه يأْثم، وإِن لم يقصد التَّشَبُّه بهم أَصْلاً فلا شَئ عليه.
قال بعض أَئِمَّتنا: ومن أَقْبَح الْبِدَع موافقةَ المسلمين النَّصارَى فى أَعيادِهم بالتَّشَبُّه بأَكْلهم، والهدِيَّة لهم، وقبول هَدِيَّتهم فيه. وأَكثر الناس اعتناءً بذلك المصْرِيُّون. وقد قال ﷺ : مَنْ تَشَبَّه بقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُم.
(بل قال) ابن الحجاج: لا يَحِلّ لمسْلم أَنْ يَبِيعَ نَصْرَانِيًّا شيئاً من مصلحة عيده، لا لحماً ولا أَدْماً ولا ثَوْباً، ولا يُعَارُونَ شيئاً ولو دَابَّة، إِذْ هُوَ معاونةً لهم على كُفْرِهم. وعلى وُلاَةِ الأَمْر مَنْعَ المسلمين من ذلك (ومنها) اهتمامهم فى النَّيْرُوز بأَكْل الهريسة واستعمال البخُور فى خَمِيس العِيدَيْن سبع مرَّات، زاعِمينَ أَنه يَدْفَعُ الكَسَل والمرض، وصَبْغ البَيْض أَصْفر وأَحْمَر وبَيْعِه، والأَدْوِية فى السَّبْت الذى يُسَمُّونَه سَبْت النُّور، وهو فى الحقيقة سَبْتُ الظَّلام، ويَشْتَرُونَ فيه الشِّبث (١) ويقولون: إِنه للبَرَكة ويَجْمَعُونَ وَرَقَ الشَّجَر ويلتُّونَها ليلةَ السَّبْت بماءِ يَغْتَسِلُونَ به فيه لِزَوَالِ السِّحْر، ويكْتَحِلُون فيه لزيادَةِ نُور أَعْيُنِهم، ويَدَّهِنونَ فيه بالكبريت والزَّيت،
стр. 1689
ويجلسون عَرَايَا فى الشمس لدفع الجَرَب والحكَّة ويطبخُون طعامَ اللبن ويأْكُلُونَهُ فى الحمام، إِلى غير ذلك من البِدَع التى اخْتَرَعُوها. ويجب مَنْعهم من التَّظَاهُر بأَعْيَادِهم (١).
(وقد) ذكر ابن الحاج فى المدخل فى هذا بحثاً طويلاً يُشْفى غَلِيلَ المستَرْشِدِينَ لَخَّصْنَاهُ فى المنهل العذب المورُود فى شرح حديث الْعِيدَيْن (٢).
(وقال) الحافظ تقىّ الدين فى كتابه اقتضاءِ الصراطِ المستقيم بعد ذِكْر قَوْل عُمَر وابن عمرو السابقين (٣). وهذا عُمر رضى الله عنه نَهَى عن لِسَانِهم (أَى عن تَعَلُّم لُغَتِهم) وعن مجرَّدِ دُخُول الكَنِيسَة عليهم يوم عِيدِهم، فكَيْفَ بفِعْل بعض أَفعالهم؟ أَو بِفِعْل ما هُوَ من مُقْتَضَيَات دِينِهم؟ أَلَيْسَتْ موافقتهم فى العمل أَعظم من موافقتهم فى اللُّغة؟ أَو ليس بعض أَعمال عِيدِهم أَعظم من مجرَّدِ الدخُول عليهم فى عِيدِهم؟ وإِذا كان السُّخْط ينزل عليهم يوم عِيدِهم بسببِ عملهم، فمنْ يَشْرَكهم فى العمل أَو بعضه أَليس قد يعرض لعقوبة ذلك؟
(وأَمَّا عبد الله) بن عمرو فَصَرَّح أَنه مَنْ بَنَى ببلادِهم وصَنَعَ نَيْرُوزَهُم ومهرجانهم، وتَشَبَّه بهم حتى يموت، حُشِرَ معهم. وهذا يَقْتَضِى أَنه جعله كافراً بمشاركَتِهم فى مجموع هذه الأُمور، أَوْ جَعَلَ ذلك مِنَ الكَبائر الموجِبَة للنّار. وإِنْ كانَ الأَوَّل ظاهر لفظه، فتكون المشاركَة فى بعض ذلك مَعْصِيَة، لأَنه لو لم يكُنْ مؤثراً فى استحقاقِ العقوبة، لم يَجُزْ جعله جزءًا من المقتضِى للعقوبة، إِذ المباح لا يُعَاقب عليه، وليس الذَّم على بعض ذلك مشروطاً ببعض، لأَنَّ أَبعاض ما ذكره يقتَضِى الذَّم مفرداً
стр. 1690
وإِنما ذكر مَنْ بَنَى ببلادِهم، أَنَّهُمْ على عَهْدِ عبد الله بن عمرو وغيره من الصَّحَابة كانوا ممنوعِينَ من إِظهارِ عِيدِهم بدار الإِسلام، وما كان أَحَدٌ من المسلمين يَتَشَبَّه بهم فى عِيدِهم، وإِنما كان يَتَمَكَّن من ذلك بكَوْنِه فى أَرْضِهم (١).
(وقال) الإِمام أَبو الحسن الآمدى المعروف بابن البغدادى فى كتابه عمدة الحاضر وكفاية المسافر: (فصل) لا يَجُوز شُهود أَعيادِ النَّصَارَى واليهود. نص عليه أَحمد. واحْتَجَّ بقوله تعالى: " وَالَّذِينَ لآ يَشْهَدُونَ الزُّورَ" أَىْ أَعْيَادِهم (٢)، فأَمَّا ما يبيعون فى الأَسواق فى أَعْيادِهم فلا بأْسَ بحُضُوره. نص عليه أَحمد. وقال: إِنما يمنعُونَ أَنْ يَدْخُلُوا عليهم بِيَعهم وكنائِسَهم. فأَمَّا ما يُبَاع فى الأَسْوَاق من المأْكَل فلا. وإِنْ قصد إِلى توثير ذلك وتحسِينِه لأَجْلهم. وإِنما رَخَّصَ أَحمد ﵀ فى شهود السُّوق بشرْط أَلاَّ يَدْخُلوا عليهم بِيَعهم، فعلم مَنْعُه من دُخُول بِيَعهم. وكذلك أَخَذَ الخلاَّل من ذلك المنْعَ من خروج المسلمين فى أَعْيَادِهم (فقد) نص أَحمد على مثل ما جاءَ عن عُمر رضى الله عنه من المنْع من دخُول كنائِسِها فى أَعْيَادِهم. وهو كما ذكرْنا من باب التَّنْبِيه على المنْع من أَن يفْعَلَ كفِعْلِهم.
(وأَمَّا) الرطانة وتَسْمِية شُهُورِهم بالأَسماءِ العَجَمِيَّة، فقال أَبو محمد الكِرْمانى: (باب تسمية الشُّهُور بالفارسِيَّة) قُلْتُ لأَحمد: فإِن للفُرْس أَيَّاماً وشُهُوراً يُسَمُّونها بأَسماءٍ لا تُعْرَف؟ فكِهَ ذلك أَشَدَّ الكراهة. قُلْتُ: فإِن كان اسم رَجُل أُسميه به؟ فكرِهَهُ. وقال: وسأَلْتُ إِسحاق: قُلْتُ:
стр. 1691
تاريخ الكتاب يُكْتَب بالشهور الفارسية مثل آذرماه وذى ماه. قال: إِنْ لم يكُن فى تلك الأَسامى اسم يُكْرَه فأَرْجُو " أَنْ لآ بَأْس به ". وكذلك الأَسماءِ الفارسية. قال: وسأَلت إِسحاق مرةً أُخرى: قُلْتُ: الرَّجُل يتعلَّم شهور الرُّوم والفُرْس؟ قال: كُلّ اسْمٍ معروف فى كلامِهم فلا بأْس، (فما قاله) أَحمد من كرَاهَةِ هذه الأَسماءِ له وَجْهَان:
(أَحَدُهُما) إِذا لم يُعْرَف معنَى الاسم جازَ أَن يكُون معْنًى محرماً، فلا يَنْطِق المسلم بما لا يعرف مَعْنَاه. ولهذا كُرِهَت الرقى العجمية كالعبرانية أَو السريانية أَو غيرها، خوفاً أَن يكون فيها معانٍ لا تجوز. وهذا المعنى هو الذى اعتبره إِسحاق. لكن إِذا علم أَنَّ المعنى مكروه فلآ رَيْبَ فى كرَاهَتِه، وإِنْ جَهِلَ معناه فأَحمد كرِهَهُ.
(والوجه) الثانى: كراهةَ أَن يَتَعَوَّدَ الرَّجُل النُّطْق بغير العربية، فإِن اللِّسان العربىّ شِعَارُ الإِسلام وأَهله. واللُّغات من أَعظم شعائر الأُمم التى بها يتميزون. ولهذا كان كثير من الفقهاءٍ أَو أَكثرهم يكرهون فى الأَدْعِيَةِ التى فى الصلاة والذكر، أَن يُدْعَى الله أَوْ يُذْكر بغَير العربية.
(وقد اختلف) الفقهاءُ فى أَذكار الصَّلآة هَلْ تُقَال بغير العربية؟ وهى ثلاث درجات: أَغلاها القرآن، ثم الذِّكْر الواجب غير القرآن، كالتحريمة بالإِجماع، وكالتحليل والتَّشَهُّد عند مَنْ أَوْجَبَهُما. ثم الذِّكْر غير الواجب من دعاءٍ أَو تَسْبِيحٍ أَوْ تكْبِير.
(فأَما) القرآن فلا يقرؤه بغير العربية، سواءٌ قدر عليها أَو لم يقدر عند الجمهور، وهو الصَّواب الذى لا رَيْبَ فيه، بل قد قال غيره واحد:
стр. 1692
إِنه يمتَنع أَن يترجم سُورةً أَو ما يقوم به الإِعجاز (واختلف) أَبو حنيفة وأَصحابه فى القادِر على العربية (١).
(وأَما) الأَذكار الواجبة فاختلف فى ترجمة غير القرآن، هل يُتَرْجَم للعاجز عن العربية وعن تَعَلُّمها؟ وفيه لأَصحاب أَحمد وجهان، أَشبههما بكلام أَحمد أَنه لا يُتَرْجَم، وهو قول مالك وإسحاق، والثانى يُتَرْجَم، وهو قول أَبى يوسف ومحمد (٢) والشافعى.
(وأَما) سائر الأَذكار فالمنصوص أَنه لا يُترجمها، ومتى فعل بطلَتْ صلاته، وهو قول مالك وإِسحاق وبعض أَصحابِ الشافعىّ، والمنصوص عن الشافعىّ أَنه يُكْرَه ذلك بغير العربية ولا يُبطل، ومن أَصحابنا مَنْ قال: له ذلك إِذا لم يُحْسِن العربية.
(وأَما) التَّكَلُّم بالْعَجَمِيَّة من غير حاجةٍ فى أَسماءِ الناس والشُّهُور، كالتواريخ ونحو ذلك، فهو مَنْهِىٌّ عنه مع الجهل بالمعنَى بلا ريب، وأَمَّا مَعَ العِلْم به فكلام أَحمد بَيِّن فى كرَاهَتِه أَيضاً، فإِنه كرِهَ آذرماه ونحوه ومعناه ليس محرماً، وأَظُنّه سُئِلَ عن الدعاءِ فى الصَّلاة بالفارَسِيَّة فكرِهَهُ وقال: لِسَان سُوءٍ، وهو أَيضاً قد أَخذ بقول عُمر رضى الله عنه الذى فيه النَّهْى عن رطانَتِهم وعن شُهُودِ أَعْيَادِهم، وهذا قَوْل مالك أَيضاً، فإِنه قال: لا يُحْرِم بالعجمية ولا يَدْعُو بها ولا يَدْعُو بها ولا يَحْلِف بها، وقال: نَهَى
стр. 1693
عُمر رضى الله عنه عن رطانة الأَعاجم وقال: إِنَّهَا خَب. فقد استَدَلَّ بنَهْى عُمر عن الرطانة مطلقاً. اهـ ملخصاً (١).
(أَما) شَمّ النَّسِيم وما أَدْرَاك ما شَمّ النَّسِيم؟ فهو عادة ابْتَدَعَها الأَقْبَاط لتعظيم يوم البشارة، وليتذكَّرُوا الحوادِث المهِمَّة التى جَرَتْ وتَجْرِى فيه.
وقد اتخذه وللأَسَف المصْرِيُّون عُمُوماً حُكُومةً وشَعْباً (إِلاَّ مَنْ عَصِمَهُ الله) عِيداً وشِعَراً قوميًّا، تُعَطَّلُ فيه مصالح الحكُومة والمدارس والمعاهد، ويُقْفَل كَثِيرٌ من المحالّ التِّجارية فيه والصِّناعية، وتُفْتَحُ أَبوابُ الحاناتِ ودور الملاهى والفُسُوق، ويُرْتكَبُ فيه ما يُرْتكَبُ مَّما يزْرِى بالفَضِيلة، وتأْبَاهُ المرُوءَة، ويَأْبَاهُ الذوق السَّليم، ويَغْضَبُ له الحليم. يخرج كَثِيرٌ من سُكَّان المدُنِ والقُرَى إِلى المتنَزَّهات الوَاسِعَة، والحدائق النَّضِرَة، فَتَرَى الطرقات قد ثَارَ غُبَارُها وعَلآ ضَجِيج المارة بها، ومنهم السَّفَلَة (٢) الفَسِدُو الأَخْلاَق، يفُوهُون بما تَمُجُّه الأَسماع، وتَأْنَفُ منه الطِّبَاع، وتَأْبَاهُ الكرَامة. وترَى السَّيَّارات والقُطُر قد مُلِئَتْ بأْنَاسٍ تَبَايَنَتْ أَخْلآقُهم، واخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُم، يَمُوجُ بعضُهم فى بعض بين شِيبٍ وشُبَّان، ونِسَاءٍ وَوِلْدَان، جَلِسينَ وواقِفِينَ ومُسْتَمسِكِين بقوائم المركَّبات، والجميع يَئِنُّ من هَوْل الزِّحام.
وترَى السُّفُن صَغِيرة وكَبِيرة تَجْرِى فى النِّيل مملوءَةً بالشُّبَّان والكُهُول والنِّساءِ مختلطاتٍ بأَهْل الفُسُوق يَفْسُقُون ويَفْجُرُون، وَيُفْرِطون فى الشَّهَوَات واللَّذَّات، وتَنَوُل المسْكِرَات، ويُهْمِلُون الطَّاعَات كأَنَّ هذا الْيَوْمَ قد أُبِيحَتْ لهم فيه الخبائِث، ورُفِعَتْ فيه عنهم التَّكَالِيف وكَثِيراً ما يَقَعُ فى هذا اليوم من مُنْذِرَاتِ الإِغراقِ والإِحراقِ والصَّدَمات
стр. 1694
والسَّرِقات، ما به يتَّعِظُ المتَّعِظ، ويَعْتَبر، فيَثُوبَ إِلى رُشْدِه، ويَتُوبَ من ذَنْبِه، ويُنِيبَ إِلى رَبَّه، ولكن لا مُعْتَبِر ولا مُتَّعِظ ولا ثَائِب ولا تَائِب ولا مُنِيب، بل هُم قَوْمٌ غَلَبَتْ عليهم الشِّقْوَة: " أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، أَلآ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِروُنَ "، وسَيَنْدَمُونَ ويقولون: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فى أَصْحَابِ السَّعِيرِ. وَأُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَروا الضَّلالةَ بالْهُدَى، والجَحِيم بالنَّعِيم، والْغِوَاية بالرَّشاد، والْعِمَايَة بالسَّداد، فما رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وما كَانُوا مُهْتَدِين.
(أَمَّا أَنْتُم) أَهْلُ الَّمْع والعَقْل والطَّاعة، وطَالِبى التوفيق والْهِدَاية، فالْزَمُوا أَنْتُم وأَهْلكُم وذَوُوكُم مَسَاكِنَكُم فى هذا اليوم المشْئُوم، واسْلُكُوا سبيلَ الْبَرَرَة المتَّقِين، واهْتَدُوا بِهَدْى رسُول رَبِّ العالمين، تَسْعَدُوا وتَفُوزُوا بالرِّضْوان وتَبْلُغُوا الآمال، ولا تُشَارِكُوا المفْرِطِين والأَجانب فى مواسمهم، ولا الفَاسِقين فى فُسُوقِهِم وفُجُورِهم. وَلآ ترْكَنُوا إِلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ.
ولكُم من أَعْيادِ المسْلمين التى شرَعَها لكُم رَبُّ العالمين على لِسَان نَبِيِّهِ الأَمِين، نِعْمَ الْبَدَل، تَبْلُغُونَ فيها حَاجَتَكُم مِنَ الرَّاحة والسُّرُور والْهِدَاية والتوفيق.
٣ - ميلاد المسيح ﵇
يحتفلُ الأَقباط بميلادِ سيدنا عيسَى ﵊ فى ٢٩ كيهك الموافق ٧ يناير، ويشاركهم فيه بعض المسلمين ولا سيما جَهَلَةَ النِّساءِ وهو مِنَ الْبِدَع المنْكرَة والعوائد المستَقْبَحَة فى تعظيم مواسِم أَهل الكِتَابِ ومشاركَتِهم فيها وإِعانَتِهم على باطِلهم.
стр. 1695
(قال) ابن الحاج: ومن ذلك ما يَفْعَلَهُ النِّسَاءُ موافقةً للنَّصَارَى فى مَوْلد عِيسَى ﵊، وهو أَنَّهُنَّ يَعْمَلْنَ صَبِيحةَ ذلك اليوم عَصِيدةً يَرَى الكَثيؤ مِنْهُنَّ أَنه لآبُدّض من فِعْلِها، ويَزْعُمْنَ أَنَّ مَنْ لم يَفْعَلْها أَوْ يَأْكُل منها فى ذلك اليوم يَشْتَدُّ عليه البرد فى سَنَتِه ولا يَحْصُل له فيها دِفْءٌ ولو لَبِسَ مِنَ الثِّيَابِ ما لَبِسَ، ومع كَوْنِ اعتيادِ هذا بِدْعَة فالشَّاهِد يُكَذِّب ما افْتَرَيْنَهُ، وكأَنَّهُنَّ يُشرِّعْنَ من تلقاءِ أَنفسهن. نَعُوذَ باللهِ مِنَ الضَّلال. اهـ ملخصاً (١).
٤ - ليلة الغطاس
ومن مواسمهم عِيد الْعِماد (الْغِطَاس) يحتفلُ به الأَقباط فى ١١ طوبة، الموافق ٩ يناير، تذكاراً لِعماد السيِّد المسيح فى نهر الأُردن على يد يُوحَنَّا المعمدان. هكذا يَزْعُم بعضُهم. ومنهم مَنْ يَزْعُم أَنَّ مريم اغتْتَسَلَتْ فيه من النِّفَاس، ويُشَارِكَهُمْ فيه بعض جَهَلَةِ المسلمين. وهُوَ مِنَ العوائد المسْتَهْجَنَة، وفيه ما فى غيره من المفاسِد والخروج عن جَادَّةِ الصَّواب.
(قال) ابن الحاج: ومن ذلك ما يَفْعَلُونَهُ فى مَوْسِم الْغِطَاس، وهو اليوم الذى تَزْعم النَّصَارَى أَنَّ مريم ﵍ اغْتَسَلَتْ فيه من النِّفَاس، فاتخذ النِّصَارَى ذلك سُنَّةً لهم فيغْتَسِلُونَ فى تلك الليلة كَبِيرهم وصَغِيرهم وذكرهِم وأُنْثَاهُم حتى الرَّضِيع، فَتَشَبِّهَ بهم بعض المسلمين واتخذوا ضلك مَوْسِماً يَزِيدُونَ فيه النفقةَ ويُدْخِلُون فيه السُّرُورَ على أَوْلآدِهم بأَشياءَ يَفْعَلُونَهَا فيه. وفى هذا من التَّعْظِيم لمواسِم أَهْل الكِتَابِ ما سَبَقَ فى غيره، وبعض مِن انْغَمَسَ فى الجهل من المسلمين يَغْطَسُ فى تلك اللَّيلة كما
стр. 1696
يَغْطَسُون، ومن أَشْنَع ما فيه أَنَّهُم يَزُفُّونَ فيه بعض عِيدَانِ القَصَبِ وعليها الشُّمُوع الموقّدَة والفاكهة وغير ذلك. وبعضُهم يُهْدِى ذلك للقَابِلة (الدَّاية) ويتَهَادُون فيه بأَطْنَانِ القَصَب وغيره. اهـ بتصرف (١)
٥ - خميس العدس
ومنها عِيد خَمِيس الْعَهْد أَو الْعَدَس، يحتفلُ به الأَقباط فى ١٧ برمودة، الموافق ٢٥ إِبريل، تذكاراً لشهادةِ يعقوب الرَّسُول ابن زبدى سنة ٣٦ ميلادية. ويُشَارِكَهُمْ فيه بعض المسلمين. وفى هذا العار والَّنَار وغَضَبِ العَزِيز الجبَّار، فقد ارتُكِبَتْ فيه منكرات تَبْرَأُ منها الإِنسانية وتَأْباها المروءَة.
(قال) ابن الحاج: وقد اتخذت فيه أِشياءَ لا تنبغى (فمنها) خروج النِّسَاءِ فى ذلك اليوم لِشرَاءِ البخُور والخواتم وغيرها. فمنْ يمُرّ بالسُّوق يَرَى مشَقَّةً عظيمةً لزحمةِ النِّسَاءِ، وقد يُزاحمهن مَنْ لا خَيْرَ فيه. ولا يَخْفَى ما فى خُرُوجِهنَّ واجتماعهن بالرجال من المفاسِد التى لا دَوَاءَ لها فى الغالب، ولو أَنَّ رَجُلاً منَعَ أَهْله من الخروج فى ذلك اليوم، لَوَقَعَ التَّشْوِيش بينهما، وقد يَؤُول الأَمر إِلى الفراق. وقد قال مالك رحمة الله: ينبغى أَن يُرْفَع إِلى السلطان ما أَحْدَثَهُ النِّسَاءَ من جِلُوسهِنَّ عند الصَّوَّاغِينَ حتى يمتنعْنَ من ذلك. اهـ (وإِنما) خَصَّ مالك الصَّوَّاغِين لأَنَّ النِّسَاءَ فى زَمَنِه لم يكُنَّ يفْعَلْنَ ذلك إِلاَّ عندهم، وقد كانُوا فى القُرُون المشهود لهم بالخيرية، ونحنُ فى هذا الزمان فى الغالب النِّسَاءَ، حتى إِنَّ المرأة تَشْتَرى لِزَوْجِهَا ما يحتاجه من لباسِه الخاصّ. وهذا سببه تَسَاهُل الرِّجال وترك
стр. 1697
النِّسَاءَ يرتكِبْنَ ما تَهْوَاهُ نُفوسِهِنَّ، مهملين بقوله تعالى: " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ "، ومما أَحْدَثُوه فيه استعمالَ البخُور لهنَّ وللرِّجال، فيبخرون به، ثم يتخطونه سَبْع مَرَّات، ثم ينفضُون عليه أَيْدِيهم وأَرْجُلَهم ويتفلُون عليه، ويزعمون أَنَّ ذلك يَصْرِفُ عنهم الْعَيْنَ والكَسَلَ، والوعْكَةَ من الجسَد، ويتكَلَّم مِنْ يرقى البخُور بكلام لا يُعْرَف، ولعلَّهُ كُفْر.
(ومن) ذلك استعمالهم فيه العَدَس المصَفَّى، وإِنْ كان جائزاً، فالْبِدْعَة تَحَرِّيهم له فى ذلك اليوم أَلواناً يَلْعَبُ به الأَولاد وغيرهم، وتَعَدَّى ذلك إِلى أَنْ صر المقامِرُونَ وغيرهم يَلْعَبُونَ به جَهَاراً ولا أَحَد يُنْكِر عليهم (ومن) ذلك شراؤهم فيه السَّلاحِفَ يزعمون أَنَّهَا تَطْرُد بالابتداع، وإِنما يَنْطرِد بالاِّتباع، فكُلّ ما يفْعَلُونه من ذلك ونحوه من البِدَع المسْتَهْجَنة والعوائد الذَّمِيمَة، وفيه تعظيم مواسم أَهْل الْكتِاب وتَشْجِيعِهِم على باطِلهم، لأَنهم إِذا رأَوا المسلمين يتَشَبَّهُون بهم فى تعظيم مواسمهم يقوى ظَنّهم بأَنَّ ما هُمْ عليه هو الحق. وقد تقَدَّم قُبْح ما أَحْدَثُوه فى النَّيْرُوز، فأَغنى عن ذِكْر مثله هنا، إِذ المعنى فيهما واحد، وهو تعظيم مواسِم أَهْل الكِتَاب وارْتِكاب الْبِدَع. نسأَل الله السلامة. اهـ بتصرف (١).
٦ - سبت النور
زمنها مَوْسِم سَبْتُ النُّور، يحتفلُ به الأَقباط يوم ١٩ برمودة، الموافق ٢٧ إِبرايل، تذكاراَ لشهادة سمعان الأَرْمنى أَسقف الفُرْس. ويُشاركهم فيه بعض جَهَلَةِ المسلمين فى كَثِير من العوائد المستَقْبَحَة
стр. 1698
(قال) ابن الحاج: اليوم الذى يَزْعُمون أَنه سَبْتُ النُّور، هو لعمر الله بِضِدِّ هذه التَّسْمِية أَلْيَق، لَيْتَ ذلك لو كان فى عَوَامّ النَّاس، لكن تجد بعض الخاصَّة ممن ينسب إِلى عِلْمٍ أَوْ صلاحٍ يُسَمُّونَهُ بهذه التَّسمِية تعظيماَ له، ويُشَارِكُونَهُمْ فى أَفعالهم الذَّمِيمَة (ومنها) أَنهم يَجْمَعُونَ فى أَمْسِه ورق الشَّجر فيبيِّتُونَهُ فى إِناءٍ فيه ماءٍ ويَغْتَسِلُونَ به، ثم يأْخُذُون ما اجتمع من غُسْلِهم ويُلْقُونَهُ فى طريق المسلمين وفى مفرق الطُّرُق، ويَزْعُمون أَنَّ ذلك يُذْهِب عنهم الأَمراض والأَسْقام والكَسَل والعَيْن والسِّحْر وغير ذلك، وأَنَّ مَنْ يمرّ به تُصِيبه تلك الْعِلَل، وينتقل ما كان عليه إِلى مَنْ تَخَطَّاه من المارِّين، وهذا لو كان صحيحاً لكَانَ قَصْدهم لذلك محرماً، إِذ فيه قَصْد أَذِيَّة المسلمين (وقد) وَرَدَ فى الحديث عنه ﵊ أَنه قال: المؤمن يُحِبّ لأَخِيه المؤمن ما يُحِبّ لِنَفْسِه (١). ومن ذلك " قوله " ﵊: مَنْ حَفرَ لأَخِيه المؤمن حُفْرَةً أَوْقَعَهُ الله فيها (٢).
" وقوله " ﵊: مَنْ غَشَّنَا فليس مِنَّا (٣) ﴿١٠٧﴾.
стр. 1699
(ومن) ذلك اكْتِحَالهم فى صَبِيحة ذلك اليوم بالسَّذاب أَو الكحْل أَو الكحْل الأَسْود أَو غيرهما، ويَزْعُمونَ أَنَّ مَن اكْتَحَلَ من ذلك يَكْتَسِب نُوراً زائداً فى بَصَرِه يَرَى به الخِشَاش (١) فى طول سَنَتِه ولا يخفى عليه منه شَىْءٌ، وذلك تَحَكُّم منهم، والشاهد يكذب ذلك حِسًّا ومَعْنًى.
(ومن ذلك) ما يفعلونه مِن شُرْبِ الدَّوَاءِ فى ذلك اليوم ويَزْعُمونَ أَنَّ شُرْبَ الدواء فيه ليس كَغَيْره مِنَ الأَيام. وفى ذلك تَعْظِيمٌ له كما تَقَدَّم (٢). ولهم أَعْيَادٌ أُخرى كلها من هذا الْقَبِيل.
(الرابع) النوافل
هى جَمْع نَافِلة، وهى لُغَةً الزِّيادة. وشرعاً الْعِبَادَة التى ليست بفرْض ولا واجب، فهى تشمل الرواتب التابعة للفرائض الخمس - وقد تقَدَّمَنْ فى سُنن الصَّلاة - وغير الرواتب، ومنها المؤقت وغيره، وآكدها صلاة الكُسُوفِ ثم الاستسقاءِ ثم التَّرَاويح ثُمَّ قِيَام الليل. وهى كَثِيرة المذكُور منها ثمانى عَشَرة وبحْثَان.
١ - صلاة الكسوف
الكُسُوف لُغَةً: التَّغَيُّر إِلى السَّوَاد، يقال: كسفت الشَّمْس إِذا اسْوَدَتْ. وسببه حَيْلُولة القَمَر بين الأَرْض والشَّمْس. والخُسوف لُغَةً:
стр. 1700
الذهاب. يقال: خسف القمر إِذا ذَهَبَ ضَوْءُه. وسببه حَيْلُولة الأَرْض بين القَمَر والشَّمْس.
(وقد) وَرَدَ ذِكْر الكُسُوف والخسُوف للشَّمْس والقَمَر، فروى فيهما بالكافِ وبالخاءِ. وروى فى الشَّمْس بالكافِ وفى القَمَر بالخاءِ، وهو الكَثِير فى اللغة هذا. وصلاة الكسُوف سببها كُسُوف الشَّمس وخُسُوف القَمَر. وهى مَشْرُعة بالسُّنَّة وإِجماع الأُمة (رَوَتْ) عائشةَ رضى الله عنها أَنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى عند كُسُوف الشَّمْس ثم قال: إِنَّ الشْمْس والقَمَر لا ينكَسِفَانِ لموْتِ أَحَدٍ ولا لحياتِه، ولكِنَّهُما آيتان من آياتِ اللهِ تعاى يُرِيهما عِبَاده، فإِذا رَأَيتم ذلك فافْزَعُوا إِلى الصَّلاة أَخرجه السبعة مطولاً إِلاَّ الترمذى (١) ﴿١٠٩﴾ ثم الكَلام فىتِسْعة فرُوع.
١ - حكمها: هىا سُنّة عند الجمهور حملاً للأَمر الوارد بها على السُّنِّية لانحصار المفروض مِنَ الصّلواتِ فى الخمس " قال " طلحة بن عبيد الله: جاءَ أَعرابيّ إِلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ : خَمْسُ صلواتٍ فى اليوم واللَّيْلَة. قال: هَلْ علىَّ غَيْرَهُنَّ؟ قال: لا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. وذكر له النبىَّ ﷺ صِيَامَ رمضانَ. قال: هَلْ علىِّ غَيْره؟ قال: لا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. وذكرَ له النبىُّ ﷺ الزَّكَاةَ. قال: هَلْ علىَّ غيرها؟ قال: لا، إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. قال: فأَدبر الرَّجُل وهو يقول: والله
стр. 1701
لا أَزِيدُ على هذا ولا أَنْقُص. فقال النبىُّ صلى الله عليه وسلمم: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ. أَخرجه أَحد والبخارى وأبو داود (١) ﴿١١٠﴾.
(وقال) أَبو عوانة: إِنَّهَا واجبةٌ حملاً للأَمر على الْوُجُوب. وروى عن أَبى حنيفة. والمشهور عنه أَنَّهَا سُنَّة. وحَكَى النَّوَوِى الإِجماع عليه.
٢ - شروطها: يُشْتَرَطُ لها ما يُشْتَرَطُ لغيرها مِنَ الصَّوات، إِلاَّ أَنَّهَا لآ وَقْتَ لها مُعَيَّن، لأَنَّ سبَبَها الكُسُوف وهو يقَعُ فى أَىِّ وَقْتٍ ولو وقت النَّهْى عن الصلاة. وبه قال الشافعى (وقال) الحنفِيُّون والحنبلِيُّون: لا تُصَلَّى فى أَوقاتِ الكَرَاهة، فإِذا كسَفَت الشَّمْس وقت الاستواءِ أَو بَعْدَ العَصْر، دعوا بلا صلاة (قال) أَبو القاسم عمر الخرقى الحنبلى: وإِذا كان الكُسُوف فى غير وقت الصلاة (٢) جَعَل " النَّاس " مكانَ الصَّلاةِ تَسْبِيحاً، لأَنَّ النافلة لا تفعل فى أَوقات النَّهْى، سواءٌ أَكَان لها سبب أَمْ لم يكُنْ عند غير الشافعى (قال) أَبو محمد عبد الله بن قدامة: روى ذلك عن الحسَن وعطاءٍ ومالك وأَبى حنيفة خلافاً للشافعى. ونص عليه أَحمد (قال) الأَثْرَم: سمعتُ أَبا عبد الله يُسْأَلُ عن الكُسُوف يكُون فى غير وقت الصلاة كَيْفَ يَصْنَعُون؟ قال: يذكُرونَ الله ولا يُصَلُّونَ إِلاَّ فى وقت صلاة. قِيلَ له: وكذلك بعد
الفجر؟ قال: نعم لا يُصَلُّون. (قال) قتادة: انكَسَفَتِ الشَّمْسُ بعد العصر ونحنُ بمكة فقامُوا قياماً يَدْعُون، فسأَلْتُ عن ذلك عطاءَ. قال: هكذا يَصْنَعُون. فَسَأَلْتُ عن ذلك الزُّهرى. قال: هَكَذَا يَصْنَعُون ﴿٢١﴾، وروى عن أَحمد أَنهم يُصَلُّونَ للكُسُوف فى
стр. 1702
أَوقات النَّهْى (قال) أَبو بكر عبد العزيز: وبالأَول أَقُول. وهو أَظهر القَوْلَيْن عِنْدِى (١).
(وقالت) المالكية: وَقْتَها من وقت حِلّ النافلة إِلى الزَّوَال، وقِيلَ إِلى صلاة العصر (والراجح) أَنه لا وَقْتَ لها مُعَيَّن، لأَنَّ المقصود فِعْلَ هذه الصَّلاة قبل الانجلاءِ، وقد اتفقوا على أَنَّهَا لا تُقْضىَ بعده، فلو انحصرت فى وقتٍ لأَمْكَنْ الانجلاءَ قبله فيفُوت المقصود (قال) الحافظ: وَلم أَقف على شَىْءٍ من الطرق مع كثرتها أَنَّ النبىَّ ﷺ ما صَلاَّها إِلاَّ ضُحًى، لكِنَّ ذلك وقَع اتفاقاً، فلا يدل على منع ما عَدَاه، واتفقت الطرق على أَنه ﷺ بادَرَ إِليها (٢).
٣ - عددها: هى ركْعَتَان بلا زِيادة عند الجمهور. وهو ظاهر الرِّوَاية عند الحنفيين. فإِنْ فرغوا منها قبل انجلاءِ الشَّمْس دَعُوا الله تعالى حتى تَنْجِلى " لقول " أَبى بَكْرة: كَسَفَتِ الشَّمْس على عهد رسول الله ﷺ ، فقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلاً حتى أَتَى المسجدَ وثَابَ النَّاس فَصَلَّ ركعَتَيْن فَجُلِّى عنها، ثم أَقبل علينا فقال: إِنَّ الشَّمس والقَمَر آيتانِ من آياتِ الله تعالى يُخَوِّف بهما عبادَهُ ولا ينكَسِفَانِ لموْتِ أَحَدٍ - وكان ابنه إِبراهيم ﵇ مَاتَ - فإِذا رَأَيْتُم منهما شيئاً فَضَلُّوا وادْعُوا حتى إِبراهيم يَنْكَشِفَ منهما ما بِكُم. أَخرجه أَحمد والبخارى والنسائى (٣) ﴿١١١﴾.
стр. 1703
(وبه) قال جماعة من الصَّحابة (وعن) أَبى حنيفة أَنَّ أَقَلَّهَا ركعتان وإِنْ شَاءَ صَلَّى أَرْبَعاً أَو أَكْثر، كل شفع أَو أَربع بتَسْليمة " لقول " جابر ابن عبد الله: سمعتُ النبىَّ صلى اتلله عليه وعلى آله وسلم يقول: " إِنَّ الشَّمْسَ والقمَرَ إِذا خَسَفَا أَو أَحدهما، فإِذا رَأَيتم ذلك فَصَلُّوا حتى يَنْجِلى خُسُوف أَيهما خَسَفَ ". أَخرجه أَحمد (١) ﴿١١٢﴾. " ولقول " المغيرة بن شعبة: انْكَسَفَتِ الشَّمْس على عَهْدَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَوْمَ ماتَ إِبراهيم، فقال الناس: انْكَسَفَتْ لموْتِ إِبراهيم، فقال رسول الله ﷺ : " إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيتانِ من آياتِ الله لا يُنْكَسِفَانِ لموتِ أَحَدٍ ولا لحياتِه، فإِذا رَأَيْتُمُوه فادْعُوا اللهَ وَصَلُّوا حتى تَنْكَشِفَ ". أَخرجه أَحمد والشيخان (٢) ﴿١١٣﴾ " ولقول " النُّعْمان بن بَشِير: كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدَ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وكان يُصَلِّى ركعتين، ثم يسأَل، ثم يُصَلِّى ركعتين، ثم يسأل حتى انْجَلَت الشمس
(الحديث) أَخرجه أَحمد وأَبو داود والحكم وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين (٣) ﴿١١٤﴾.
(فهو) دَلِيلٌ على جواز صلاةِ الكُسُوف ركعتَيْن ركعتَيْن كصلاةِ
стр. 1704
النوافل حتى تَنْجَلى الشَّمْس (قال) الشيخ إِبراهيم الحلبى: وعن أَبى حنيفة رضى الله عنه: إِنْ شاءُوا صَلُّوا ركعتين، وإِنْ شاءُوا أَربعاً، وإِنْ شاءُوا أَكثر (لحديث) النعمان ابن بَشِير. ولكنَّ هذا غير ظاهِر الرواية. وظاهِر الرواية هو الركْعَتَان ثم الدعاءَ إِلى أَنْ تَنْجَلى الشَّمْس. وهو مُخَيَّر إِنْ شَاءَ دَعَا مُسْتقبلاً جالساً أَو قائماَ أَو يستقبل القوم بوجهه يَدْعُو ويؤمنون. وهذا أَحسن (١).
(وأَجاب) الأَوَّلُون باحْتِمال أَن يكُون معنى قوله: ركعتين، أَى ركُوعَيْن وأَن يكون السؤال بالإِشارة (ورَدّ) بأَنَّ هذا احتمال فاسِد يَرُدّه قول النعمان بن بَشِير: كان يُصَلِّى ركعتين ثم يَسْأَل حتى انْجَلَت الشمس (قال) البدر العينى: تَأْوِيل ركعَتَيْن بركُوعَيْن تَأْوِيلٌ فاسِد باحتمال غير نَشِئٍ عن دليل وهو مَرْدُود (فإِنْ قُلْت) فعلى ما ذكرت فَقَدْ دَلَّ الحديث على أَنه يُصَلَّى للكُسُوف ركعتان بعد ركعتَيْن. ويُزَاد أَيضاً إِلى وَقْتَ الانجلاءِ. فأَنتم ما تقُولون به (قلت) لا نسلم ذلك. قد رَوَى الحسن عن أَبى حنيفة: إِنْ شَاءُوا صَلُّوا ركعتين. وإِنْ شَاءُوا صَلُّوا أَرْبَعاً، وإِنْ شَاءُوا صَلُّوا أَكْثر من ذلك. ذكر فى المحيط وغيره (فَدلَّ) ذلك على أَنَّ الصلاةَ إِنْ كانت بركعتَيْن يُطَوّل ذلك بالقراءَةِ والدعاءِ فى الركُوع والسُّجود إِلى وقت الانجلاءِ. وإِنْ كانت أَكْثَرَ من ركعتَيْن فالتَّطْويل يكُون بتكْرَار لركعات دون الركُوعات " وقولهم " وأَن يكُونَ السؤال وقع بالإِشارة " يَرُدّه " ما أَخرجه عبد الرزاق بإِسناد صحيح ن أَبى قلابة أَنه ﷺ كُلَّما ركَعَ ركعتَيْن أَرْسَلَ رَجُلاً لينظر هَل انْجَلَتْ؟ ﴿١٥٥﴾ (فهذا) يَدُلُّ على أَنَّ السؤال فى حديث النعمان كان
стр. 1705
بالإِرسال لا بالإِشارة، وأَنه كُلَّما كان يُصَلَّى ركعتَتَيْن على العادة يُرْسِلُ رَجُلاً يكْشِفُ عن الانجلاءِ (١).
٤ - النداء لصلاة الكسوف: تُؤَ ... دَّى صلاة الكُسُوفِ بلا أَذَانٍ ولا إِقامة ويُسَنُّ أَن يُنَادَى لها: الصَّلآةُ جامِعَة (٢)، وهذا مُتَّفَقٌ عليه " لقول " عائشةَ رضى الله عنها: كَشَفَت الشَّمْس فأَمَرَ رسول الله ﷺ رَجُلاً فَنَاَى: إِنَّ الصَّلاةَ جامِعة. أَخرجه أَبو داود (٣) ﴿١١٦﴾.
"ولقول " عبد الله بن عُمر: لَمَّا كَسَفَت الشمس على عَهْدِ رسول الله ﷺ نُدِىَ: أَنَّ الصَّلآة جامِعَة. أَخرجه الشيخان (٤) ﴿١١٧﴾.
٥ - القراءة فى صلاة الكسوف: يُسَنُّ أَن تُطَالَ فيها القراءَة وأَن تكون سِرًّا " لقول " ابن عباس: خَسَفَت الشَّمْس فَصَلَّى رسول الله ﷺ والنَّاس معه فقَامَ قياماً طويلاً بنحو من سورة البقرة، ثم ركَعَ ركوعاً طويلاَ. (الحديث) أَخرجه الأَئِمة والنسائى والبيهقى (٥) ﴿١٨٨﴾.
стр. 1706
" ولقول " عائشة رضى الله عنها: كَسَفَت الشمس على عَهْدِ رسول الله ﷺ فخرج فَصَلَّى بالنَّاس فقَامَ فحزرت قراءَتَهُ فرأَيْتُ أَنَّهُ قَرَأَ سورة البقرة، ثم سَجَدَ سجدتَيْن فقَامَ فحزرت قراءَتَهُ فرأَيْتُ قَرَأَ بسورة آل عمران. أَخرجه أَبو داود والبيقى والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم (١) ﴿١١٩﴾.
(وبهذا) قال أَبو حنيفة ومالك والشافعى واللَّيْثِ بن سعد وجمهور الفقهاءِ.
(وقال) أَحمد وأَبو يوسف ومحمد وابن المنذر: يُجَهَرُ بالقراءَةِ فى صلاةِ الكُسُوف. وهو مروىّ عن علىَّ وزد بن أَرْقَم والبراءِ بن عازِب " لحديث " عائشة أَنَّ رسول الله ﷺ قَرَأَ قراءَةً طويلةً فَجَهَرَ بها، يعنى فى صلاةِ الكُسُوف. أَخرجه أَبو دادو والبيقى والحاكم. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (٢) ﴿١٢٠﴾ " ولقولها " خَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسول الله ﷺ فأَتى المصلَّى فكَبَّر وكَبَّر الناس، ثم قَرَأَ فَجَهَرَ بالقراءَةِ وأَطَالَ الْقِيَامَ (الحديث) أَخرجه أَحمد والشيخان والترمذى (٣) ﴿١٢١﴾.
стр. 1707
(ولا منافاةَ) بين رواياتِ الجهْرِ بالقراءَةِ والسِّرِّ فيها، لثبوتِ كُلِّ عنه ﷺ بناءً على أَنَّ صلاَةَ الكُسُوف تَعَدَّدَتْ. أَمَّا على أَنَّها لم تتعَدَّد فترجح رواياتِ الجَهْر لثبوتِها فى الصَّحِيحَيْن، ولكونها متضمنة للزيادةِ فيعمل بها، ولكونها مثبتة فتقدم على النافية (قال) ابن العربى: الجَهْر عِنْدِى أَوْل لأَنَّهَا صلاةٌ يُنَادَى لها ويخطب. فاَشْبَهَت العيد والاستسقاءَ والتراويح.
وعن مالك: يُخَيَّر فى القراءَة بين السَّرَّ والجهْرِ (قال) أَبو مُحمد عبد الله بن قُدَامَة: ومهما قَرَأَ به جازَ، سواءٌ أَكانت القراءَة طويلة أَمْ قصيرة. وقد روى عن عائشة أَنَّ رسول الله ﷺ كان يُصَلِّى فى كُسُوف الشَّمْس والقَمَر أَرْبَع ركعاتٍ سجداتٍ، وقرأَ فى الأُولى بالعنكَبوت والرُّوم، وفى الثانية بيَس. أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿١٢٢﴾.
٦ - الجماعة فى صلاة الكسوف: دَلَّتْ أَحاديثُ الباب على أَنَّ الجماعة مشروعةٌ فى صلاةِ الكُسُوف. ويُسَنُّ فِعْلُهَا جماعةً وفُرَادَى عند مالك والشافعى وأَحمد، لما تقَدَّمَ من قوله ﷺ : فإِذا رَأَيْتُمْ منهما شيئاً فَصَلُّوا وادْعُوا (٢) ولأَنَّهَا نافلة فجازتْ فى الانفرادِ كَسَائر النَّوَافِل. وفِعْلُهَا فى الجماعةِ أَفْضَلَ، لأَنَّ النبىَّ ﷺ صَلاَّها جماعة.
(والسُّنة) أَنْ تُصَلَّى فى المساجد، لأَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آلأه وسلم فَعَلَها فيه (قالت) عائشة رضى الله عنها: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فى حياةِ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخرجَ إِلى المسجد فَصَفَّ النَّاسُ
стр. 1708
وَرَاءَه. (الحديث) رواه البخارى (١) ﴿١٢٣﴾ ولأَنَّ وقت الكُسُوفِ يَضِيقُ فلَوْ خَرَجَ إِلى المصَلَّى احتمل التَّجَلِّى قبل فِعْلها. وتُشْرَع فى الحضَر والسَّفَر بإِذْنِ الإِمام وغير إِذْنِه.
(قال) النَّوَوى: ويُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلَّى فى المسجد جماعةً وتَجُوزُ فى مواضِعَ من البلد. وتُسنُّ للمرأَةِ والعَبْدِ والمسافِر والمنفَرِد. وحَكَى الرافعىّ أَنه يُشْتَرَطَ فى صِحَّتها الجماعة وأَنَّهَا لا تُقَامُ إِلاَّ فى جماعةٍ واحدةٍ كالجمُعَة، وهما شَاذَّانِ مَرْدُودَانِ، ولا تتوقف صِحَّتها على صلاةِ الإِمام ولا إِذْنِه. فِنْ لم يخرجْ طَلَبُوا إِمامً يُصَلِّى بهم، فإِنْ لم يَجِدُوا صَلُّوا فَرَادَى. فإِنْ خافُوا الإِمام لو صَلُّوا علانيةً صَلُّوها سِرًّا. وبهذا قال مالك وأَحمد وإِسحاق. وقال الثورى: إِذا لم يَصِل الإِمام صَلُّوا فُرَادَى. اهـ ملخصاً (٢).
(وقال) الحنفيون: تُصَلَّى جماعةً بإِمام الجمعة وإِن امتنع فلهم أَن يُصَلُّوها فُرَادَى فى المنازل أَو فى المساجد ركعتيْن أَوْ أَرْبَعاً. وهو أَفْضَل فلا يُصَلِّيها بالجماعة غيره على الصَّحِيح. وعن أِبى حنيفة أَن كل إِمام يُصَلِّى بجماعة فى مَسْجِده.
٧ - حضور النساء صلاة الكسوف:
هو مشروع إِنْ أَمِنَت الفتنة وخَرَجْنَ مُتَسَتِّرات غير مُتَبَرِّجات ولا مُتَعَطِّرات (لقول) أَسماءَ بنت أَبى بكر: فَزِعَ يوم كَسَفَت الشَّمْس رسولُ الله ﷺ . فَأَخَذَ دِرْعاً حتى أُدْرِك برِدَائِه فقَامَ بالناس قِيَاماً طويلاً يقوم ثم يركَع، فلو جاءَ إِنسانٌ بعد ما رَكَعَ النبىُّ ﷺ لم
стр. 1709
يعلم أَنه ركَع، ما حَدَّث نفسه أَنه ركَع من طول القيام، فجعلْتُ أَنْظُرُ إِلى المرأَةِ التى هى أَكبر مِنِّى، وإِلى المرأَةِ التى هى أَسْقَمَ مِنِّى قائمةً وأَنا أَحَقُّ أَنْ أَصْبِرَ على طُولِ القيام منها. أَخرجه أَحمد ومسلم والبيهقى (١) ﴿١٢٤﴾.
(فهو) يَدُلُّ على جوازِ حُضُورِ النِّسَاءِ صلاة الكُسُوف فى المسجد مع الجماعة بالشُّرُوطِ المتَقَدِّمة وإِلاَّ صَلَّيْنَها فى بُيُوتِهِنَّ.
(ورَخَّصَ) أَبو حنيفة ومالك للعجائِز فى حُضُورها وكَرِهَاه للشَّابَّة.
(وقال) الشافعىّ فى الأُمّ: لا أَكْرَه لمنْ لا هيئةَ لها مِنَ النِّسَاءِ لا لِلعَجُوز ولا للصَّبِيَّة شُهود صلاة الكُسُوف مع الإِمام، بل أُحِبّها لهنَّ وأَحَبُّ إِلىّ لذواتِ الهيئة أَن يُصَلِّينها فى بُيُوتِهِنَّ، ن وإِن كَسَفَت وهناك رَجُل مع نِسَاءٍ فيهن ذوات مَحْرَم منه، صَلَّى بِهِنَّ، وإِنْ لم يَكُنْ فِيهِنَّ ذوات مَحْرَم منه كَرِهْتُ ذلك له. وإِنْ صَلَّى بِهِنَّ فلآ بأْسَ (٢)
٨ - كيفية صلاة الكسوف
قد وَرَدَ فى صَلاَتِهَا كيفيات:
((الأُولى)) أَنها تُصَلَّى ركعَتَيءن كبقيةِ النَّوَافِل سِرًّا فى غير وقت النَّهْى فى جماعة بلآ أَذَانٍ ولا إِقامةٍ. ويُطِيل فيها القراءَة والركُوعَ والسُّجُود، ، " لقوله " قبيصة الهلالى: انْكَسَفَت الشمس فخَرَجَرسول الله ﷺ فصَلَّى ركعتين فأَطَالَ فيهما القراءَةَ فانْجَلَت، فقال: إِنَّ
стр. 1710
الشَّمسَ والقَمَر آيتان من آياتِ الله يُخَوِّف بهما عِبَادَه، فإِذا رَأَيْتُم ذلك فَصَلُّوا كأَحْدَثِ صلاةٍ صَلَّيْتُمُوها مِنَ المكْتُوبة. أَخرجه أَحمد وأَبو دادود والنسائى والحاكم والبيهقى بسند صحيح (١) ﴿١٢٥﴾.
(وكان) ذلك بعد صلاةِ الصُّبْح " لقول " ثعلبةَ بن عَبَّادِ الْعَبْدِىّ: شَهِدْتُ يوماً خطبة لسَمُرَة بن جُندب فقال: بينما أَنا وغُلام مِنَ الأَنصار نَرْمِى غَرَضَيْن لنا حتى إِذا كانت قَيْدَ رُمْحَيْن أَوْ ثلاثة فى عَيْن النَّاظِر من الأُفُق، اسْوَدَّتْ حتى آضت كأَنَّهَا تَنُّومة، فقال أَحَدُنا لصاحِبه: انْطَلِقْ بِنَا إِلى المسجد، فَوَالله لَيُحْدِثَنَّ شَأْنَ هذه الشمس لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى أُمَّتِه حَدَثاً، فَدَفَعْنَا فإِذا هُوَ بارِز، فاستقدم فصَلَّى فَقَامَ بنا كأَطْوَل ما قامَ بنا فى صَلاةٍ قَط، لآ نَسْمَعُ له صَوْتاً. ثم ركَعَ بنا كأَطْوَل ما ركَعَ بنا فى صَلاةٍ قَط، لآ نَسْمَعُ له صَوْتاً. ثم سَجَدَ بنا كأَطْوَل ما سَجَدَ بنا فى صلاةٍ قَط، لآ نَسْمَعُ له صَوْتاً. ثم فَعَلَ فى الرَّكْعَةِ الأُخرى مثل ذلك، فوافق تَجَلِّى الشمس جُلُوسَهُ فى الركعةِ الثانية، سَلَّم (الحديث) أَخرجه الشافعى وأِحمد والبيهقى والطبرانى والأَبعة. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿١٢٦﴾.
стр. 1711
(وبهذه) الكَيْفِيَّة قال الحنفيون والثورى وكَثِير من الصَّحابة.
(الكَيْفِيَّة الثانية) أَنْ تُصَلَّى ركعتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ ركُوعان " لقول " ابن عباس: كَسَفَت الشمس فقَامَ رسول الله ﷺ واَصحابه فَقَرَأَ سورةً طويلةً ثم ركَع، ثم رفع رَأْسَهُ، فَقَرَأَ، ثم ركَعَ وسَجَد سَجْدَتَينْ ثم قام فَقَرَأَ وركَعَ، ثم رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَرَأَ، ثم ركَعَ وسَجَدَ سَجْدَتَيْن، أَربع ركَعاتٍ وأَربع سَجَدَاتٍ فى ركعتَيْن. أَخرجه أَحمد بسند جيد (١) ﴿١٢٧﴾ " ولقول " ابن عباس: انْخَسَفَتِ الشمسُ على عَهْدِ النبىِّ ﷺ فَصَلَّى رسول الله صلى لله عليه وسلم والناس معه فَقَامَ قِيَاماً طويلاً نَحْواً من قراءَةِ سورة البقرة، ثم ركَعَ ركُوعاً طويلاً، ثم رفَعَ فَقَامَ قِيَاما طويلاً وهو دون القيام الأَوَّل، ثم ركَعَ ركُوعاً طويلاً وهو دون الرُّكُوع الأَوَّل، ثم سَجَدَ، ثم قام قِيَاماً طويلاً وهو دون الركُوع الأَوَّل، ثم سَجَدَ، ثم انصرف وقد تَجَلَّت الشمس. فقال ﷺ : إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَر آيتانِ من آياتِ اللهِ لا يَخْسِفَانِ لموْتِ أَحَدٍ ولا لحياتِه، فإِذا رَأَيْتُم ذلك فاذكُرُوا لله.
قالُوا: يا رسول الله، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شيئاً فى مقامك ثم رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، فقال: إِنِّى رَأَيْتُ الجنةَ فتناولْتُ منها عُنْقُوداً ولو أَخَذْتَهُ لأَ كَلْتُم منه ما بَقِيَت الدنيا (الحديث) أَخرجه الشافعى والجماعة إِلاَّ ابن ماجه، وهو عند أَبى داود والترمذى مختصر (٢) ﴿١٢٨﴾.
стр. 1712
(وبهذه) الكَيْفِيَّة قال مالك والشافعى وأَحمد والليث بن سعد. ولاُبدَّ عندهم من قراءَةِ الفاتحِة فى كل قِيَام، لما تقَدَّم فى بحث " القراءَة " من أَركان الصَّلاة، من أَنه لا تَصِحُّ ركعة بدون فاتحة (قال) النووى: واتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنه يقرأُ الفاتحة فى القيام الأَوَّل من كُلّ ركعة. واختلفوا فى الْقِيَام الثانى، فمذهبنا مالك وجمهور أَصحابه أَنَّهَا ل تَصِحُّ الصلاة إِلاَّ بقراءَتها فيه (وقال) محمد بن مسلمة الملكىّ: لآ تَتَعَيَّنُ الفاتحةُ فى الْقِيَام الثانى (١) (ووجهة) أَنَّهَ ركعة واحدة ولا تتكَرّر افاتحة فى رَكْعَةٍ واحدة (وردّ) بأَنَّ صلاة الكُسُوف وَرَدَتْ بكيفيةٍ خاصَّة فى كُلِّ قيم قراءَة كما تقدَّم فى بحث (القرءَة فى صلاة الكُسُوف) وأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ.
" وأَمَّا " قول حُذيفة: إِنَّ رسول الله ﷺ صَلَّى عند كُسُوف الشمس فقَامَ فكَبَّر ثم قَرَأَ، ثم ركَعَ كما قَرَاَ، ثم رفَعَ كما ركَع ثم ركَعَ كما قَرَاَ، فصَنَعَ ذلك أَرْبَع ركَعَاتٍ قبل أَن يَسْجُدَ سَجْدَتَيْن، ثم قام إِلى الثانية فصَنَعَ مثل ذلك ولم يَقْرَاْ بين الركُوع " فَقَدْ " أَخرجه البزار وفى سنده محمد بن أَبى ليلى. وفيه كلام (٢) ﴿١٢٩﴾ فلا يحتجّ به على عدم القراءَة فى غير الْقِيَام الأَوَّل.
((الكيفية الثالثة)): أَنْ تُصَلَّى ركعَتَيْن فى كُلِّ ركْعة ثلاثة ركُوعاتٍ " لحديث " عطاءِ بن أَبى رباح عن عُبيد بن عُمير أَنَّ عائشةَ قالت: كَسَفَت الشمس على عَهْدِ رسول الله ﷺ فقَامَ قِيَاماً شدِداً يقُومُ بالناس ثم يَرْكَع، ثم يَقُوم، ثم يَرْكَع، ثم يَقُوم، ثم يَرْكَع،
стр. 1713
فركَعَ ركعتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ ثلاث ركعاتٍ، يَرْكَعُ الثالثة ثم يَسْجُد، حتى إِنَّ رجالاً يومئذٍ ليُغْشَى عليهم مَّما قام بهم، حتى إِنَّ سِجَالَ الماءِ لينصب عليهم، يقول إِذا ركَعَ: اللهُ أَكْبر، وإِذا رفع: سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَه، حتى تَجَلَّت الشمس (الحديث) أَخرجه أَبو داود والبيقى، والنمسائى، وأَخرج سلم نحوه (١) ﴿١٣٠﴾.
(وبهذه) الكَيْفِيَّة قال إِسحاق وابن خزيمة وابن المنذر والخطابى، وحذيفة وابن عباس وقتادة وعطاءُ بن أَبى رباح. وروى عن أَحمد.
((الكيفية الرابعة)): أَنْ تُصَلَّى ركعتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ أَربعة ركُوعاتٍ " لحديث " حنش عن علىّ رضى الله عنه قال: كَسَفَت الشمس فصَلَّى علىّ للناس فَقَرَأَ يَس أَوْ نحوها، ثم ركَع نَحْواً من قدر السُّورة، ثم رَفَعَ رَأْسَه فقال: سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَه، ثم قام قَدْرَ السُّورة يَدْعُو ويُكَبِّر، ثم ركَعَ قَدْرَ قراءِته أَيضاً، ثم قال: سَمِعَ اللهُ لمنُ حَمِدَه، ثم قام أَيضاً قَدْرَ السُّورة، ثم رَكَعَ قَدْرَ ذلك أَيضاً حتى صَلَّى أَرْبَع ركَعَاتٍ. ثم قال: سَمِعَ اللهُ لمنْ حَمِدَه، ثم سَجَدَ، ثم قام فى الركعةِ الثانيةِ فَفَعَلَ كَفِعْله فى الركْعة الأُولى، ثم جَلَسَ يَدْعُو ويُرَغّب حتى انْكَشَفَت الشمس. ثم حَدَّثَهُمْ أَنَّ رسول الله ﷺ كَذَلِكَ فَعَلَ. أَخرجه أَحمد والبيهقى بسند رجاله ثِقَاب (٢) ﴿١٣١﴾.
стр. 1714
(وبهذه) الكَيْفِيَّة قال أَحمد وابن خُزَيمة وابن المنذر والخطابى. وروى عن علىّ وابن عباس وحُذَيفة.
(الكيفية الخامسة): أَن تُصَلَّى ركعَتَيْن فى كُلِّ ركْعة خمسة ركُوعاتٍ " لقول " أُبىّ بن كعب: انْكَسَفَت الشمس على عَهْدِ رسول الله ﷺ فَصَلَّى بهم فَقَرَاَ بسورةٍ من الطُّوَل وركَع خمس ركعاتٍ وسَجَدَ سَجْدَتَيْن، ثم جَلَسَ كما هُوَ مُسْتَقْبل الْقِبْلَة يَدْعُو حتى انْجَلَى كُسُوفها. أَخرجه ابن أَحمد فى زوائد المسند وأَبو داود والبيهق والحاكم وقال: رواته صَادِقون (١) ﴿١٣٢﴾. وفى سَنَدِه أَبو جعفر عيسى بن عبد الله الرازى. وثقة ابن معين وقال لكنه يخطئ، وضعفه كثيرون.
(وبهذه) الكَيْفِيَّة قالت العترة، لكن حديث أُبىّ ضعيف لما تقَدَّم.
(وعلى الجملة) فقد قال بكل كيفية مَّما ذكر جماعة من الصَّحابة وغيرهم (قال) النووى: قال جماعة من العلماءِ منهم إِسحاق بن راهوية وابن جرير وابن المنذر: جَرَتْ صلاةُ الكُسُوف فى أَوْقات. واختلاف صِفَاتِها محملٌ على بيان جواز جميع ذلك، فتجوز صلاتها على كلِّ واحِدٍ من الأَنواع الثابتة، وهذا قوى (٢).
стр. 1715
(وصحح) ابنُ القَيِّم أَحَادِيث الركُوعَيْن فى كلِّ ركْعَة، لأَنها أَصَحّ إِسناداً وأَسْلَم من العِلَّة والاضطراب، ولأَنَّ رُوَاتها أَكْثر وأَحْفَظ وأَجَلَّّ من رواة غيرها. (وقال) أَبو الطيب صديق بن حَسَن: قد رُوِيَتْ هذه الصلاة على أَنواع، ركعتَيْن كسائر الصَّلوات فى كُلِّ ركعةٍ ركُوعٍ واحد، وركُوعَيْن فى كُلِّ ركعة، وثلاثة وأَرْبَعة وخمسة. والكُل سُنَّة أَيها فَعَلَ المكلف فقَدْ فَعَل ما شُرع له. واختيار الأَصَحّ منها على الصحيح دأْب الراغبين فى الفضائل (١).
٩ - خطبة الكسوف
يُسَنُّ بعد صلاة الكُسُوف أَن يَخْطُب الناس خُطْبة يَحُثُّهُمْ فيها على الطاعات والصَّدقات، ويُحَذَّرَهُم من المعاصِى عند الشافعى وإِسحاق " لقول " أَسماءَ بنت أَبى بكر: خَسَفَت الشمس على عَهْدِ رسول الله ﷺ فَدَخَلْتُ على عائشة رضى الله عنها فقُلْتُ: ما شَأْن الناس يُصَلُّون؟ فأَشَارَتْ برأْسها إِلى السَّماءِ فقلت: آية؟ قالت: نَعَم فأَطَالَ رسول الله صلى عليه ونسلم القيام جِدًّا حتى تَجَلاَّنى الغَشْى فأَخَذْتُ قِرْبة إِلى جَنْبى، فجلعت أَصُبّ على رأْسى الماءَ، فانصرف رسول الله ﷺ وقد تَجَلَّت الشمس. فخطب فحَمِدَ الله وأَثْنَى عليه ثم قال: أَمَّا بعد، ما من شَىْءٍ لم أَكُن رأَيته إِلاَّ قد رأَيته فى مقامى هذا حتى الجنة والنار. إِنه قد أُوحى إِلىّ أَمنَّكم تفتنن فى القبور قريباً أَو مثل فتنة المسيح الَّجَّال. يؤْتى أَحَدكُم فيقال له: ما عِلْمك بهذا الرجل؟ فأَمَّا المؤمن أَو الموقن يقول: هُوَ مُحَمَّدٌ هُوَ رسول الله جاءَنَا بالبَيِّنَات والهُدَى فأَجَبْنَا واتَّبَعْنَا ثلاث مراتٍ، فيقال له: قد كُنَّا نعلم إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنَ فَنَم
стр. 1716
صالحاً. وأَمَّا المنافق أَو المرتاب فيقول: ما أَدرى سَمِعْت الناس يقولون شيئاً فَقُلْت. أَخرجه مالك وأَحمد والشيخان (١) ﴿
١٣٤﴾.
" ولحديث " عائشةَ رضى الله عنها تَصِفُ صلاة رسول الله ﷺ فى الكُسُوف بطول القيام وأَنه صلاَّها ركعَتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ ركُوعانِ، وفيه قالت: فانْصَرَف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد تَجَلَّت الشمس فخطَبَ الناس، فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عليه، ثم قال: إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَر من آياتِ الله وإِنَّهُما لا يَخْسِفان لموتِ أَحَدٍ ولا لحياتِه، فإِذا رَأَيْتُمُوهُما فكَبِّرُوا وادْعُوا اللهَ وتَصَدَّقُوا، يا أُمَّة مُحمدٍ ما م أَحَدِ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَن يَزْنى عبده أَوْ تَزْنى أَمَته،
стр. 1717
يا أُمَّةَ مُحمدٍ والله لو تَعْلَمُون ما أَعْلَم لَبَكَيْتُم كَثِيراً ولَضَحِكْتُم قليلاً، أَلآهَلْ بَلَّغْت؟ أَخرجه مالك وأَحمد والشيخان والنسائى والبيهقى (١) ﴿١٣٦﴾.
(قال النوى) اتفقت نُصُوص الشَّافعىّ على اسْتحبابِ خُطْبَتَيْن بعد صلاةِ الكُسُوف، وهُما سُنَّة للجماعة. وصِفتها كخطْبتى الجمعة فى الأَركان والشُّروط وغيرهما. ولا يخطب من صَلاَّها منفرداً، وَيَحُثَّهم فى هضه الخطبة على الَّوْبة من المعاصِى وعلى فِعْل الخير والصَّدَقة والعتاقة، ويُحَذَّرهم مِنَ الغَفْلَة والاغترار، ويَأْمُرَهم بإِكْثَارِ ادعاءِ والاستغفارِ والذِّكْر، ويجلس قبل الخطبة الأُولى كما فى الجمعة، فإِن صَلَّى النساءَ فليس شَأْنهِنَّ الخطبة، لَكِن لو ذَكَّرَتْهُنَّ كانَ حَسَناً (٢).
(وقال) الحنفيُّون ومالك وأَحمد: لا خُطبة للكُسُوف، لأَنَّ النبىَّ ﷺ أَمَرَ بالصَّلاةِ والتَّكْبير والصَّدَقة والاسْتِغْفَار والذِّكْر والدُّعاءِ، ولم يأْمُرْ بالخطبة، ولو كانت سُنَّة لأَمَرَهُم بها، عَمَّا وَرَدَ من أَنَّهُ ﷺ خَطَبً (بأَنه) ﷺ قَصَدَ به الرَّدَّ على مَن
стр. 1718
اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّمس كَسَفَتْ لموْتِ ابْنِهِ إِبراهيم لا لخطبة، ولذا قاله بعد الإِنْجِلآءِ.
(قال) الشَّيْخ إِبراهيم الحلَبى: ولا خُطْبة فيها عِنْدَنا، وبه قال مالك وأَحمد، لأَنه لم يُنْقَل عنه ﵊ أَنه خَطَبَ خُطبتين على الهيئة المعهودة، وإِنما فَعَلَ ذلك لرَدِّهم عن قولهم: إِنَّ الشَّمْس كَسَفَتْ لموْتِ إِبراهيم ابْن رسول الله ﷺ (١).
(قال) الحافظ: وتُعُقِّبِ ما ذكر بأَنَّ الأَحاديث ثبتت فى الخطبة وهى كَثِيرة. والمشْهُور عند المالِكِيَّة أَنه لا خُطْبة لها، مَعَ أَنَّ مَالِكاً رَوَى الحديث وفيه ذكر الخطبة، ولم يقتصر ﷺ فيها على الإِعلام بسبب الكُسُوف، والأَصل مشْرُوعِيَّة الاتباع والخصائص لا تثبت إِلاَّ بدَلِيل. وقد استضعفت ابن دقيق العيد التأْوِيل المذكُور (أى تأْويل مَنْ لمْ يَقُلْ بالخطبة) وقال إِن الخطبة لا تنحصر مَقَاصِدها فى شَىْءٍ مُعَيَّن بعد الإِتيان بما هُوَ المطلوب منها مِنَ الحمدِ والثَّنَاءِ والموْعِظَة. وما ذكر من سبب الكُسُوف وغيره هو من مَقَاصِد خُطْبة الكُسوف. فينبغى التَأَسِّى بالنبىِّ ﷺ . فيذكر الإِمام ذلك فى خُطْبة الكُسُوف. نَعَم نازَع ابن قدامة فى كون خطبة الكُسُوف كخطبتى الجمعة والعِيدَيْن، إِذ ليس فى الأَحاديث المذكُورة ما يَقْتَضِى ذلك، وإِلى ذلك نَحَا ابن المنير ورَدّ عى مَنْ أَنْكَرَ أَصْل الخطبة الثبوت ذلك صريحاً فى الأَحاديث (٢).
стр. 1719
٢ - صلاة الخسوف
دلَّتْ أَحاديثُ الباب على أَنَّ صلآةَ الخُسُوف مأْمورٌ بها كصلاِة الكُسُوف (ولذا) قال الشافعىّ وأَحمد وإِسحاق وأَبُو ثور وأَهْل الحديث: يُسَنّ لخسُوف القمر صلاة ركعتَيْن فى جماعة فى كلِّ ركْعة ركوعان كصلاةِ كُسُوف الشمس، لما ذكر من الأَحاديث " ولحديث " حبيب ابن أَبى ثابت عن طاوُس عن ابن عباس أَنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى فى كُسُوفِ الشَّمْس والقَمَر ثمانى رَكَعَات فى أَرْبَعِ سجداتٍ يقراُ فى كلَّ ركعةٍ. أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿١٣٧﴾ وهو حديث ضَعِيف، لأَنَّ حبب بن أَبى ثابت مُدلس وقد عَنْعَن. وقد أَخْرَج أَحمد ومُلسم والثلاث حديث ابن عباس ولم يذكُرُوا فيه القَمَر.
(وروى) الحَسَن البصرىّ أَنَّ القمر كسَف وابن عباس بالْبَصْرَة، فخرج ابن عباس فَصَلَّى بنا ركْعتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ ركعتان. ثم ركب فَخطَبنا فقال: إِنما صَلَّيْتُ كما رَأَيْتُ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّى، وقال: إِنما الشَّمْسُ والقَمَرُ آيتانِ من آياتِ الله لا تَخْسِفَانِ لمْوتِ أَحَدٍ ولا لحياتِهِ، فإِذا رَأَيْتُم شيئاً منها خَاسِفاً فليكُن فزعكُم إِلى الله. أَخرجه الشافعى والبيهقى (٢) ﴿١٣٨﴾ وإبراهيم بن مُحَمَّد شَيْخ الشَّافعىّ ضعيف. وقول الحسَن (فَخَطَبنا) يَعْنى بن عباس لا يَصِحّ، فإِن الحَسَن لم يكُن بالبصرة لما كان ابن عباس بها.
стр. 1720
" ولحديث عائشة " أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يُصَلِّى فى كُسُوف الشمس والقمر أَربع ركعاتٍ وأَربع سجداتٍ وقرأَ فى الركعة الأُولى بالعَنْكَبُوت أَو الرُّوم، وفى الثنية بيسن، أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿١٣٩﴾ قال فى التلخيص وذكر القمر فيها مُسْتغرب ..
" وعن " أَبى بَكْرَةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى ركعتَيْن مثل صلاتِكُم هذه فى كُسُوفِ الشمس والقمر. أَخرجه البيهقى وكذا البخارى بلفظ: انْكَسَفَت الشمس على عَهْدِ البنىِّ ﷺ فَصَلَّى ركعتين (٢) ﴿١٤٠﴾.
(قال) الحافظ: وفى ذلك رَدّ على مَنْ قال لا تُنْدَب الجماعة فى كُسُوفِ القمر، وفَرَّقَ بوجودِ المشَقَّة فى الليل غالباً دون النَّهَار. ووقَعَ عند ابن حبان من وَجْهِ آخر أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فى كُسُوف القمر. ولفظه من طريق النَّضْر بن شميل عن أَشْعَثَ بإِسناده فى هذا الحديث - يَعْنى حديث أَبى بَكْرَة - صَلَّى فى كُسُوفِ الشمس والقمر ركعتَيْن مثل صلاتِكُم. وأَخرجه الدارقطنى أَيضاً. وفى هذا رَدّ على مَنْ أَطلق كابن رشيد أَنه صلى الله عليه سلم لم يُصَلّ فيه. ومنهم مَنْ أَوَّلَ قوله: صَلَّى، أَى أَمَرَ باصَّلآة جماً بين الرواتين (وقال) صاحب الهدى: لم يُنْقَل أَنَّهُ صَلَّى فى كُسُوفِ القمر فى جماعة، لكن حكَى ابن حبان فى السِّيرة: أَنَّ القمر خَسَف فى السنة الخامسة فَصَلَّى النبى ﷺ بأَصحابه صلاةَ الكُسُوف، وكانت أَوَّل صلاةِ كُسُوفٍ فى الإِسلام. وهذا إِنْ ثبت انتفى التَّأْويل المذكُور (٣).