← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

صالحاً. وأَمَّا المنافق أَو المرتاب فيقول: ما أَدرى سَمِعْت الناس يقولون شيئاً فَقُلْت. أَخرجه مالك وأَحمد والشيخان (١) ﴿ ١٣٤﴾. " ولحديث " عائشةَ رضى الله عنها تَصِفُ صلاة رسول الله ﷺ فى الكُسُوف بطول القيام وأَنه صلاَّها ركعَتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ ركُوعانِ، وفيه قالت: فانْصَرَف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقد تَجَلَّت الشمس فخطَبَ الناس، فَحَمِدَ الله وأَثْنَى عليه، ثم قال: إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَر من آياتِ الله وإِنَّهُما لا يَخْسِفان لموتِ أَحَدٍ ولا لحياتِه، فإِذا رَأَيْتُمُوهُما فكَبِّرُوا وادْعُوا اللهَ وتَصَدَّقُوا، يا أُمَّة مُحمدٍ ما م أَحَدِ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَن يَزْنى عبده أَوْ تَزْنى أَمَته،

стр. 1717

يا أُمَّةَ مُحمدٍ والله لو تَعْلَمُون ما أَعْلَم لَبَكَيْتُم كَثِيراً ولَضَحِكْتُم قليلاً، أَلآهَلْ بَلَّغْت؟ أَخرجه مالك وأَحمد والشيخان والنسائى والبيهقى (١) ﴿١٣٦﴾. (قال النوى) اتفقت نُصُوص الشَّافعىّ على اسْتحبابِ خُطْبَتَيْن بعد صلاةِ الكُسُوف، وهُما سُنَّة للجماعة. وصِفتها كخطْبتى الجمعة فى الأَركان والشُّروط وغيرهما. ولا يخطب من صَلاَّها منفرداً، وَيَحُثَّهم فى هضه الخطبة على الَّوْبة من المعاصِى وعلى فِعْل الخير والصَّدَقة والعتاقة، ويُحَذَّرهم مِنَ الغَفْلَة والاغترار، ويَأْمُرَهم بإِكْثَارِ ادعاءِ والاستغفارِ والذِّكْر، ويجلس قبل الخطبة الأُولى كما فى الجمعة، فإِن صَلَّى النساءَ فليس شَأْنهِنَّ الخطبة، لَكِن لو ذَكَّرَتْهُنَّ كانَ حَسَناً (٢). (وقال) الحنفيُّون ومالك وأَحمد: لا خُطبة للكُسُوف، لأَنَّ النبىَّ ﷺ أَمَرَ بالصَّلاةِ والتَّكْبير والصَّدَقة والاسْتِغْفَار والذِّكْر والدُّعاءِ، ولم يأْمُرْ بالخطبة، ولو كانت سُنَّة لأَمَرَهُم بها، عَمَّا وَرَدَ من أَنَّهُ ﷺ خَطَبً (بأَنه) ﷺ قَصَدَ به الرَّدَّ على مَن

стр. 1718

اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّمس كَسَفَتْ لموْتِ ابْنِهِ إِبراهيم لا لخطبة، ولذا قاله بعد الإِنْجِلآءِ. (قال) الشَّيْخ إِبراهيم الحلَبى: ولا خُطْبة فيها عِنْدَنا، وبه قال مالك وأَحمد، لأَنه لم يُنْقَل عنه ﵊ أَنه خَطَبَ خُطبتين على الهيئة المعهودة، وإِنما فَعَلَ ذلك لرَدِّهم عن قولهم: إِنَّ الشَّمْس كَسَفَتْ لموْتِ إِبراهيم ابْن رسول الله ﷺ (١). (قال) الحافظ: وتُعُقِّبِ ما ذكر بأَنَّ الأَحاديث ثبتت فى الخطبة وهى كَثِيرة. والمشْهُور عند المالِكِيَّة أَنه لا خُطْبة لها، مَعَ أَنَّ مَالِكاً رَوَى الحديث وفيه ذكر الخطبة، ولم يقتصر ﷺ فيها على الإِعلام بسبب الكُسُوف، والأَصل مشْرُوعِيَّة الاتباع والخصائص لا تثبت إِلاَّ بدَلِيل. وقد استضعفت ابن دقيق العيد التأْوِيل المذكُور (أى تأْويل مَنْ لمْ يَقُلْ بالخطبة) وقال إِن الخطبة لا تنحصر مَقَاصِدها فى شَىْءٍ مُعَيَّن بعد الإِتيان بما هُوَ المطلوب منها مِنَ الحمدِ والثَّنَاءِ والموْعِظَة. وما ذكر من سبب الكُسُوف وغيره هو من مَقَاصِد خُطْبة الكُسوف. فينبغى التَأَسِّى بالنبىِّ ﷺ . فيذكر الإِمام ذلك فى خُطْبة الكُسُوف. نَعَم نازَع ابن قدامة فى كون خطبة الكُسُوف كخطبتى الجمعة والعِيدَيْن، إِذ ليس فى الأَحاديث المذكُورة ما يَقْتَضِى ذلك، وإِلى ذلك نَحَا ابن المنير ورَدّ عى مَنْ أَنْكَرَ أَصْل الخطبة الثبوت ذلك صريحاً فى الأَحاديث (٢).

стр. 1719

٢ - صلاة الخسوف دلَّتْ أَحاديثُ الباب على أَنَّ صلآةَ الخُسُوف مأْمورٌ بها كصلاِة الكُسُوف (ولذا) قال الشافعىّ وأَحمد وإِسحاق وأَبُو ثور وأَهْل الحديث: يُسَنّ لخسُوف القمر صلاة ركعتَيْن فى جماعة فى كلِّ ركْعة ركوعان كصلاةِ كُسُوف الشمس، لما ذكر من الأَحاديث " ولحديث " حبيب ابن أَبى ثابت عن طاوُس عن ابن عباس أَنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى فى كُسُوفِ الشَّمْس والقَمَر ثمانى رَكَعَات فى أَرْبَعِ سجداتٍ يقراُ فى كلَّ ركعةٍ. أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿١٣٧﴾ وهو حديث ضَعِيف، لأَنَّ حبب بن أَبى ثابت مُدلس وقد عَنْعَن. وقد أَخْرَج أَحمد ومُلسم والثلاث حديث ابن عباس ولم يذكُرُوا فيه القَمَر. (وروى) الحَسَن البصرىّ أَنَّ القمر كسَف وابن عباس بالْبَصْرَة، فخرج ابن عباس فَصَلَّى بنا ركْعتَيْن فى كُلِّ ركعةٍ ركعتان. ثم ركب فَخطَبنا فقال: إِنما صَلَّيْتُ كما رَأَيْتُ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّى، وقال: إِنما الشَّمْسُ والقَمَرُ آيتانِ من آياتِ الله لا تَخْسِفَانِ لمْوتِ أَحَدٍ ولا لحياتِهِ، فإِذا رَأَيْتُم شيئاً منها خَاسِفاً فليكُن فزعكُم إِلى الله. أَخرجه الشافعى والبيهقى (٢) ﴿١٣٨﴾ وإبراهيم بن مُحَمَّد شَيْخ الشَّافعىّ ضعيف. وقول الحسَن (فَخَطَبنا) يَعْنى بن عباس لا يَصِحّ، فإِن الحَسَن لم يكُن بالبصرة لما كان ابن عباس بها.

стр. 1720

" ولحديث عائشة " أَنَّ النبىَّ ﷺ كان يُصَلِّى فى كُسُوف الشمس والقمر أَربع ركعاتٍ وأَربع سجداتٍ وقرأَ فى الركعة الأُولى بالعَنْكَبُوت أَو الرُّوم، وفى الثنية بيسن، أَخرجه الدارقطنى (١) ﴿١٣٩﴾ قال فى التلخيص وذكر القمر فيها مُسْتغرب .. " وعن " أَبى بَكْرَةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّى ركعتَيْن مثل صلاتِكُم هذه فى كُسُوفِ الشمس والقمر. أَخرجه البيهقى وكذا البخارى بلفظ: انْكَسَفَت الشمس على عَهْدِ البنىِّ ﷺ فَصَلَّى ركعتين (٢) ﴿١٤٠﴾. (قال) الحافظ: وفى ذلك رَدّ على مَنْ قال لا تُنْدَب الجماعة فى كُسُوفِ القمر، وفَرَّقَ بوجودِ المشَقَّة فى الليل غالباً دون النَّهَار. ووقَعَ عند ابن حبان من وَجْهِ آخر أَنَّهُ ﷺ صَلَّى فى كُسُوف القمر. ولفظه من طريق النَّضْر بن شميل عن أَشْعَثَ بإِسناده فى هذا الحديث - يَعْنى حديث أَبى بَكْرَة - صَلَّى فى كُسُوفِ الشمس والقمر ركعتَيْن مثل صلاتِكُم. وأَخرجه الدارقطنى أَيضاً. وفى هذا رَدّ على مَنْ أَطلق كابن رشيد أَنه صلى الله عليه سلم لم يُصَلّ فيه. ومنهم مَنْ أَوَّلَ قوله: صَلَّى، أَى أَمَرَ باصَّلآة جماً بين الرواتين (وقال) صاحب الهدى: لم يُنْقَل أَنَّهُ صَلَّى فى كُسُوفِ القمر فى جماعة، لكن حكَى ابن حبان فى السِّيرة: أَنَّ القمر خَسَف فى السنة الخامسة فَصَلَّى النبى ﷺ بأَصحابه صلاةَ الكُسُوف، وكانت أَوَّل صلاةِ كُسُوفٍ فى الإِسلام. وهذا إِنْ ثبت انتفى التَّأْويل المذكُور (٣).

стр. 1721

(وقالت) الحنفية والمالكية: تُسَنُّ صلاةُ الخُسوفِ ركْعَتَيْن جَهْرًا فرادَى فى المنازل بركُوع واحدٍ فى كُلِّ ركعة كبقيةِ النوافل. وتُكَرَّر حتى يَنْجَلى القَمَر أَوْ يَغِيب أَوْ يطلع الفجر (فقد) خَسَف القَمَر فى عَهْدِهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مِرَاراً ولم يُنْقَل إِلينا من طريق صحيح أَنه جمع النَّاس لها. فَيُصَلِّى وتضَرَّع كل وحده (قال) الشَّيْخ إِبراهم الحلبى: ولا جماعة فى خُسُوف القمر للحَرَج فيها، وكذا فى كُلِّ أَمْرٍ مُفْزع كالرِّيح والظُّلمة الشديدتين والزّلْزَلة واستمرار المطَرَ والثَّلْج ونحو ذلك، للحَرَج فى الاجتماع فى جميع ذلك (١). (وقال) البدر العينى: لم ينف أَبو حنيفة الجماعة فى خُسُوفِ القمر، وإِنما قال الجماعة فيه سنة بل هى جائزة. وذلك لتعَذّثر اجتماع الناس من أَطرافِ البلد بالليل، وكيف وقد وَرَدَ قوله ﷺ : أَفْضَلُ صلاةِ المرءِ فى بَيْتِه إِلاَّ المكْتُوبة (٢)، وقال مالك: لم يبلغنا ولا أَهل بلدنا أَنه ﷺ جمع لِكُسُوفِ القمر، ول نقل عن أَحَدٍ من الأَثمة بعده أَنه جمع فيه (٣). (وهذا) الخلاف سببه الاختلاف فى الأَمر بالصلآةِ عند الكُسُوف الواردة فى أَحاديث الباب. فمن فهم منه مَعْنًى واحدًا فى كُسُوفِ الشمس وخُسُوفِ القمر كالشافعية والحنبيلة، جعل صلاة خُسُوفِ القمر كصلاةِ كُسُوفِ الشمس. ومن فهم أَنَّ فى الأَمر اختلافاً قال: المفهوم من

стр. 1722

الصَّلآة أَقَلَّ ما يُطْلَق عليه اسْمُ الصلاةِ فى الشَّرْع وهى النافلة منفردًا، إِلاَّ أَن يَدُلَّ الدَّليل على غير ذلك. ولما دَلَّ فِعْلُهُ ﷺ فى كُسُوفِ الشَّمْس على غير هذا المعْنَى، بقى المفهوم فى خُسُوفِ القمر على حالة. أَفاده ابن رشد (١). ٣ - الصلاة عند الظلمة ونحوها تُسَنُّ الصَّلاة فرادَى فى المنازل والمساجد لِكُلِّ أَمْرِ مُفْزع كالظُّلْمة الشديدة نهارًا والرِّيح الشديدة والضَّوْءِ اقَوىّ لَيْلاً. والفَزَع منِ عَدُوّ والزلزال والصَّواعِق والثلج والمطَر الدائمين وعَموم الأَمْرَاض وغيرها من الأَهوال، لأَن ذلك كله من الآياتِ المخوِّفة. والله تعالى يُحَوَّف عَبِيدَهُ ليتركُوا المعاصِى ويَرْجِعُوا إِلى الطاعة التى فيها فَوْزُهم وخَلآصهم" ولقول " النَّضْرِ بن عبد الله بن مطر: كانت ظُلْمة على عَهْدِ أَنَس بن مالك فأَتَيْتُ أَنَساً فَقُلْتُ: يا أَبا حمزة، هل كان يُصِيبُكُم مثل هذا على عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسل؟ قال: مَعَاذَ اللهُ، إِن كانت الرِّيح لتَشْتَدّ فَتُبَادِ إِلى المسجد مخافةَ القيامة. أَخرجه أَبو داود والبيهقى والحاكم وصححه (٢) ﴿٢٢﴾ أى كُنَّا نُسَارع إِلى المسجد للصلاة الدعاءِ مخافَة أَن تَقُومَ السَّاعَة " ولقول " ابن مسعود: إِذا سَمِعْتُم هاداً مِنَ السماءِ فافْزَعُوا إِلى الصَّلاة. أَخرجه البيهقى (٣) ﴿٢٣﴾ وهذا وإن كان موقوفاً فهو فى حُكْم المرفُوع، لأَنَّ لا يُقَال من قبل الرأْى.

стр. 1723

(وعن) عِكْرمة قِيلَ لابن عباس: ماتَتْ فُلانة بعض أَزْوَاج النبىَّ ﷺ فخرَّ ساجِداً، فقيل له: تَسْجُد هذه السَّاعة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : إِذا رأَيْتُم آيةً فاسْجُدُوا. وأَىّ آية أَعْظَم من ذَهابِ أَزواج النبىِّ ﷺ ؟ أَخرجه البيهقى وأَبو داود (١) ﴿١٤٢﴾. (وقوله) فاسْجُدُوا، أَىْ صَلُّوا من إِطلاق الجزءِ على الكُلِّ. والأَقْرَب أنَّهُ باقٍ على أَصْله كما فَعَلَ ابن عباس (ويُؤيد) الأَوْلَ عُموم ما وَرَدَ أَنَّهُ كانَ ﷺ إِذا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. أَخرجه أَحمد وأَبو داود عن حُذَيفة (٢) ﴿١٤٣﴾ (وبهذا) قال الحنفيون والشاعى وأَشْهَب والقاضِى عِياض المالِكِيَّان وهُو روايةً عن أَحمد. (ومَشْهُور) مذهب الحنبلية أَنه لا يُصَلَّى لِشَىْءٍ من الآياتِ إِلاَّ الزَّلزلة الدائمة، فَيُصَلًّى لها كالكُسُوف " لما روى " عبد الله بن الحارث: أَنَّ ابنَ عباس رضى الله عنهما صلَّى فى زَلْزَلة بالبصرة فأَطَالَ القُنُوتَ، ثم رَكَعَ ثم رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَطَالَ القُنُوتَ، ثم ركَعَ ثم رَفَعَ رَأْسَهُ فأَطَالَ القُنُوتَ، ثم رَكَعَ فَسَجَدَ ثم قامَ فى الثانية فَعَلَ كذلك. فصات صَلآتُهُ سِتَّ ركعاتٍ وأَرْبَع سَجدات. ثم قال ابن عباس: هَكَذَا صلاةُ الآياتِ.

стр. 1724

أَخرجه البيهقى (١) ﴿٢٤﴾ (وجه) الدلالة أَنه صَلَّى صلاةَ الزلزال كإِحْدَى كيفياتِ صلاةِ الكُسُوف المتقَدِّمة. (قال) أَبو مُحمد عبد الله بن قُدَامة: قال أَصحابنا: يُصَلَّى للزلزلة كصلاةِ الكُسُوفِ، وهو مذهب إِسحاق وأَبى ثَوْر. قال القاضى: ولا يُصَلَّى للرَّجْفَة والرِّيح الشديدة والظُّلمة ونحوها (٢). (ومشهور) مذهب مالك أَنه لا يُصَلَّى لآيةٍ ما عَدَا الكُسُوف، لأَنَّ النبىَّ ﷺ لم يُصَلِّ لغيره وكَذَا خلفاؤه، وقد وَقَعَ فى عَصْرِهم بعضْ هذه الآيات. وحكَى اللخمىّ عن أَشْهَب الصَّلاة. واختاره. الفزع الى الطاعات عند نزول الآيات قد عَلِمْت أَنَّ النبىَّ ﷺ بَيَّن أَنَّ الكسُوفَ والخسُوفَ مِنَ الآياتِ التى يُخَوِّف الله بها عِبَاده، وأَمَرَ الأُمَّةَ إِذا حَدَثَ ما ذكر ونحوه أَن تَفْزَع إِلى الصَّلاة والذِّكْر والدُّعَاءِ والاستِغْفَار والصَّدَقَة والْعِتْق (قال) أَبو مُوسَى الأَشْعَرىّ: خَسَفَتِ الشَّمْس فى زَمَن النبىِّ ﷺ ، فَقَامَ فَزِعاً يَخْشَى أَنْتَكُونَ السَّاعة حتى أَتى المجد فَقَامَ يُصَلِّى بأَطْوَل قيام وركُوع وسُجُود، ما رأَيته يفعله فى صلاة قَطَّ. ثم قال: إِنَّ هذه الآيات التى يُرْسِل الله لا تكُون لموْتِ أَحَدٍ ولا لحياتِه، ولكنَّ الله يُرْسِلها يُخَوَّف بها عِبَاده، فإِذا رأَيْتُم منها شيئاً فافْزَعُوا إِلى ذِكْره ودُعَائِه واستِغْفَارِه. أَخرجه اشيخان (٣) ﴿١٤٤﴾ (وقالت) أَسماءُ بنت أَبى بَكْر

стр. 1725

رضى الله عنهما: لقد أَمَرَ النبىُّ صلى اله عليه وعلى آله وسلم بالْعِتَاقَه فى كُسُوفِ. أَخرجه أَحمد والبخارى وأَبو داود (١) ﴿١٤٥﴾. وفى الكُسُوف تخويف من الله تعالى، فينبغى أَن يُبَادِرَ إِلى طاعَتِه ليَكْشِفه عن عِبَادِه. ومع هذا نَرَى الكَسُوفَ والخُسُوفَ يَقَعَانِ كُلَّ عام ولا نَرَى أَحَداً مِنَ العامَّة ولا مِنَ ذُكِر، ولا يَدْعُو غيره إِلى ذلك، إِحياءً لهذه السُّنة الدارسة وإِماتةً للبِدْعَه التى شَاعَتْ بين العامَّة. فهم يَأْمُرُونَ الأَوْلآدَ عند خُسُوفِ القمر بالطَّوافِ بالبلد ودَقّ الطُّبول وقَرْع النُّحاس بالصُّفِيح، ويصِيحُون بكلماتٍ تُشْعِر بالْجَهْل والْخِزْى والعار (٢)، ويَزْعُمُون أَنَّ سبب كُسُوفِ الشمس جَرّ الملائكَة لها على عَجَل لإِغراقها فى البحر فيبتلعها الْحُوت. ولا مَنْشَأَ لهذا إِلاَّ الْجَهْل الفَضِح، وإِهمال تَعَلُّم أَحكام الدَّين، وعدم الاهتداءِ بهَدْى النبىِّ الأَمِين ﷺ ، وعَدَم قيام أَهْل العِلْم بالأَمْر والنَّهْى وإِرشادِ لعامَّة إِلى طرق السَّعادة.

стр. 1726

اجتماع الكسوف وغيره إِذا اجْتَمَعَ صلاتَانِ كَكُسُوفٍ وعِيدٍ بُدِئَ بما يُخَاف فَوْته، فإِنْ خِيفَ فَوْتهما بدأَ بالصَّلاة الواجبة. وإِنْ لم يَكُن فيهما صلاة واجبة كالكُسُوف والتراويح بدأَ بآكدهما كالكُسُوف. (قال) أَبو مُحمد عبد الله بن قدامة: والصَّحِيح أَنَّ الصلوات الواجبة التى تُصَلَّى فى جماعة مقدمة على الكُسوف مطلقاً، لأَنَّ تَقْدِيمَ الكُسُوفِ عيها يُفْضِى إِلى المشَقَّة لإِلزام الحاضرين بفعلها مع كونها ليست واجبة، وكذلك إِذا اجتمعت مع التراويح قُدِّمَت التراويح لذلك. وإِن اجتمعت مع الوتر فى أَوَّل وقته قُدِّمَت، لأَنَّ الوتر لا يَفُوت. وإِنْ خِيفَ فَوَاته قُدِّم. وإِن اجتمع الكُسُوف وصلاة الجنازة قُدَّمت الجنازة (١). ٤ - الاستسقاء هو لُغَةً: طَلَب السُّقْيَا. وشَرْعاً: طَلَب السَّقْى مِنَ الله تعالى عند حُصُول الْجذْب بالثناءِ عليه والفَزَع إِليه والاستغفار والصلاة. (وسبب) الجدب ارْتِكَاب المخالفات، كما أَنَّ الطَّاعةَ سبب للبركات قال تعالى: " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ " (٢). (وعن) ابن عُمَر أَنَّ النبىّض ﷺ قال: لم يَمْنَعْ قَوْمٌ زكاة أَمْوَالهم إلاَّ مُنِعُوا القطر مِنَ السَّماءِ. ولولا البهائم لم يمطروا. أَخرجه الطبرانى فى الكبير ورَمز السيوطى لضعفه (٣) ﴿١٤٦﴾.

стр. 1727

(وعن) أَبى هُرَيْرَةَ أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: قال ربُّكُم : لو أَنَّ عِبَادِى أَطَاعُونى لَسْقَيْتهم المطر بالليل وأَطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أَسمعتهم صَوْت الرَّعْد. أَخرجه أَحمد والبزار. وقال: لا يُرْوَى إِلاَّ بهذا الإِسناد (وقال) الهيثمى: مداره على على صدقة بن موسى الدقيقى، ضعفه ابن معين وغيره. وقال مسلم بن إِبراهيم: حدثنا صدقة الدقيقى وكان صدوقاً (١) ﴿١٤٧﴾. (وعن بريدة) الأَسْلَمى أَنَّ النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ما نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ قَطٌّ إِلاَّ كَانَ القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة فى قوم قط إِلاَّ سلط الله عليهم الموْت، ولا مَنَعَ قَوْمٌ الزكاةَ إِلاَّ حَبَس اللهُ عنهم القطر. أَخرجه البيهقى والحاكم (٢) ﴿١٤٨﴾. هذا. الاستسقاءُ مشروعٌ فى مكانٍ ليس لأَهله أَنْهَار أَوْ لهم ولكِنَّها لا تَفِى بمصالحهم كَسَقْىِ الزَّرْع والدَّوَابّ (وهو) مشروعٌ بالكِتَابِ والسُّنة وإِجماع الأُمَّة (قال) الله تعالى حكايةً عن سيدنا نُوح ﵊: " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ". والكلام هنا يَنْحَصِرُ فى سبعة مباحث: ١ - حكم الاستسقاء: اتفق العماءُ على أَنَّهُ يُسَنُّ الخروج إِلى الصَّحراء - فى غير المساجد الثلاثة - ثلاثةَ أَيَّام متتابعات يَدْعُونَ الله ويَتَضَرَّعُونَ إِليه فى نُزُولِ المطر. ويُسْتَحَبُّ للإِمام أَن يَصُوم ويأْمُرَهُم بصِيام ثلاثةِ أَيَّام مُتَتَابعة قبل الخروج

стр. 1728

ويأْمُرَهُم بالتَّوْبه من جميع الذُّنُوب، ثم يَخْرُج بهم فى اليوم الرابع مُشَاةً فى ثِيَابٍ خَلِقَة مُتَذَلِّلِينَ خَاشِعِين لله تعالى نَاكِسِينَ رُءُسَهْم. ويَتَصَدَّقُونَ على المحتاجين فى كُلِّ يوم قبل خُرُوجهم، ويُجَدَّدُونَ التَّوْبةَ بشُرُوطِهَا (ومنها) رَدّ المظالم إِلى أَهْلها، ويُكْثِرُونَ الاستغفارَ ويَتَسَامَحُونَ فيما بينهم، ويُقَدَّمُونَ الضُّعَفَاءَ والشُّيوخ والصِّبْيان يَدْعُونَ والناس يُؤَمِّنُونَ على دُعَائِهم، لأَنه أَقْرَب للإِجابة. (قال) ابن عباس: إِنَّ رسولَ الله ﷺ خرَج مُتَخَشِّعاً مُتَضَرِّعاً مُتَوَاضِعاً مُتَبَذِّلاً مُتَرَسِّلاً، فَصَلِّى بالناس ركْعَتَيْن كما يُصَلِّى فى الْعِيد، فلم يَخْطُب خُطْبَتَكُم هذه. أَخرج أَحمد والأَربعة والبيهقى والدارقطنى والحاكم وقال الترمذى: هذا حديثُ حَسَنٌ صحيح (١) ﴿١٤٩﴾. (وقالت) عائِشَةُ: شَكَا النَّاسُ إِلى رسولِ الله ﷺ قُحُوطَ المطَر، فَأَمَرَ بمِنْبَرٍ فَوُضِعَ له فى المصَلَّى، وَوَعَدَ الناس يوماً يَخْزُجُون فيه. فخرج رسولُ الله ﷺ حِينَ بَدَا حاجِب الشمس، فَقَعَدَ على المنْبَر فكَبَّرَ وحَمِدَ اللهَ ، ثم قال: إِنَّكُم شَكَوْتُم جَدْبَ دِيَارِكُم واسْتِئْخَارَ المطَر عن إِبَّانِ زَمَانِه عَنْكُم، وقد أَمَرَكُم اللهُ أَنْ تَدْعُوهُ وَوَعَدَكُم أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُم. ثم قال: الحمدُ لله رَبِّ العالمين، الرَّحمن الرَّحِيم، مَالِكِ يَوْم الدِّين، لآ إِلهَ إِلاَّ الله يفعلُ ما يُريد. اللَّهُمَّ أَنْتَ لآ إِله إِلاَّ أَنْتَ الغنىّ ونحنُ الفقراءُ، أَنْزِلْ علينا الغَيْثَ واجعل ما أَنْزَلْتَ علينا قُوَّةً وبلاغاً إِلى حِين، ثم رَفَعَ يَدَيْهِ فلم يَزَل

стр. 1729

فى الرفع حتى بَدَا بياض إِبطَيْه، ثم حَوَّل إِلى الناس ظهره وقلب أَوْ حَوَّل ردَاءَهُ وهو رَافِعٌ يَدَيْه. ثم أَقبل على الناس ونَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْن، فأَنْشَأَ اللهُ سحابةً فرعَدَتْ وبَرَقَتْ ثم أَمطرت بإِذْنِ الله، فلم يَأْتِ مسجده حتى بَدَتْ نَوَاجِذَهُ، فقال: أَشْهَدُ أَنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِير وأَنِّى عَبْدُ اللهِ ورَسُوله. أَخرجه أَبو داود والبيهقى والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١) ﴿١٥٠﴾. (ويُسْتَحَبُّ) التنظُّفَ بالماءِ واستعمالِ السِّوَاك وما يقطع الرَّائِحَة. ويُسْتَحَبُّ الخروج لكَافَّةِ الناس. وخروج الشُّيوخ ومَنْ كان ذَا دِينٍ وصلاح أَشَدً استحباباً، لأَنه أَسْرَع للإِجابة. فأَمَّا النِّسَاءَ فلآ بأْسَ بخروج العجائز ومَنْ لا هيئةَ لها. فأَمَّا الشَّوَابّ وذَوَاتِ الهيئة فلا يُسْتَحَبُّ لهنَّ الخروج، لأَنَّ الضَّرَرَ فى خروجهنَّ أَكْثَر مِنَ النَّفْع. ولا يُسْتَحَبُّ إِخراجَ البهائم، لأَنَّ النبىَّ ﷺ لم يَفْعُله. وإِذا عَزَمَ الإِمامُ على الخروج اسْتُحِبَّ له أَنْ يَعِدَ الناس يَوْماً يخرجُونَ فيه، وبَأْمُرَهُم بالتَّوْبة مِنَ المعاصِى والخروج مِن المظالم، والصَّيَام والصَّدَقة، وترك التَّشَاحُن ليّكُونَ أَقْرَبَ لإِجابَتِهم، فإِنَّ المعاصِى سَبَبُ الجدب، والطَّاعَةُ تَكُون سبباً للبركات. قال الله تعالى: " وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ". قاله أَبو محمد عبد الله بن قدامة (٢).

стр. 1730

(وما قاله) مِنْ عَدَم استحبابِ إِخراج البهائم روايةً عن أَحمد. وهو مَذْهَب المالكِيَّة. ومَشْهُور مذهب الحنبلية أَنَّهُ يُبَاح إِخراجها، وهو مَذْهَب الحنفية والشافعية، ولا يحضر الاستسقاءَ معنا أَهْلُ الكُفْر عند الحنفيين وأَصْبَغ المالكى والزهرى، لأَنَّ الاستسقاءَ لاستنزالِ الرَّحمة. وإِنما تنزل عليهم اللَّعنة. كذا قالوا. وأَوْرَدَ عليه أَنَّهَ ليس المراد إِلاَّ الرَّحمة العامَّة الدنيوية وهُو المطَر والرِّزْق، وهُم مِنْ أَهْلها. ولذا قالوا: الصَّوَاب أَن يمنَعُوا من الاستسقاءَ وَحْدَهم، لاحتمال أَن يسقوا فيفتتن ضُعَفَاءُ العوامّ. أَفاده الشيخ الحلبى (١). (وقالت) المالِكِيَّة والحنبلية: لا يُسْتَحَبُّ إِخراج أَهْلُ الذِّمة ولا يمنعون مِنَ الخروج، ولكن لا يختلطون بالمسلمين، ولا يمكَّنُونَ مِنَ الخروج فى يوم وَحْدَهُم (قال) الشَّيْح منصور بن إِدريس: ويُكْرَهُ لنا أَن نُخْرج أَهل الذِّمة ومَنْ يُخَالِف دِينَ الإِسلام، لأَنهم أَعداءَ الله فهم بَعِيدُونَ مِنَ الإِجابة وإِنْ أُغِيثَ المسلمون فربما ظَنُّوهُ بدُعائِهم، وإِنْ خَرَجُوا من تلقاءِ أَنْفُسِهم لم يُكْرَه ولم يمنعوا، لأَنه خروج لطَلَبِ الرِّزْق، واللهُ ضَمِنَ أَرزاقهم كما ضَمِنَ أَرْزَاق المسلمين، وأُمِرُوا بالانفرادِ عن المسلمين فى يختَلِطُونَ بهم، لقوله تعالى: " وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً " (٢). ولأَنه لآ يُؤمَن أَن يُصِيبهم عذاب فَيَعُمَّ مَنْ حَضَر، ولا يَنْفَردُونَ بيوم لِئَلاَّ يَتَّفِقَ نُزُولَ غَيْث يوم خروجهم وَحْدَهُم، فيكون أَعْظَمَ لفِتْنَتِهم، وربما افتتن بهم غيرهم، وحُكْم نِسَائِهِم ورقيقهم وصِبيْانهم وعجائزهم حُكْمهم فى حواز الخروج مُنْفَرِدِين لا بيوم، ولا تخرج منهم ولا مِنَ المسلمين حَسْنَاءَ ولو عَجُوزاً (٣).

стр. 1731

٢ - وقت الاستسقاء: الاستسقاءُ بالدعاءِ ليس له وقت مُعَيَّين اتفاقاً، وكذا صلاته لا تختَص بوَقْتٍ عند الجمهور فَتَجُوزُ فى كُلِّ وَقْتٍ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً إِلاَّ أَوقاتَ النَّهْى (قال) أَبو مُحمد عبد الله بن قدامة: وليس لصلاة الاستسقاءِ وَقْتٌ مُعَيَّن، إِلاَّ أَنَّهَا لا تفعل فى وَقْت النَّهْى بغير خِلاف، لأَنَّ وقتها مُتَّسع فلا حاجةَ إِلى فِعْلِها فى وَقْتِ النَّهْى. والأَوْلى فِعْلها وَقْتَ الْعِيد، لما رَوَتْ عائشةَ أَنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ حِينَ بَدَا حاجِب الشمس. رواه أَبو داود. ولأَنَّهَا تُشْبِهها فى الموْضِع والصِّفَة، فكذلك فى الوقت، إِلاَّ أَنَّ وَقْتَها لآ يَفُوتُ بزَوَالِ الشمس، لأَنَّهَا ليس لها يَوْمٌ مُعَيَّن فلا يكُونُ لها وَقْتٌ مُعيَّن (١). ٣ - أنواع الاستسقاء - هى أربعة: (ا) الاستسقاءُ فى خطبةِ الجمعةِ: يَدْعُو الإِمام على المنبر ويُؤَمِّن الناس (روى) شَرِيك بن أَبى نمر عن أَنَس بن مالك أَنَّ رَجُلاً دخل المسجد يومَ الجمعةِ ورسولُ الله صلى الله عليه وعلى آلأه وسلم قائم يَخْطُبُ، فقال: يا رسول الله، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يغيثنا، فَرَفَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَدَيْه ثم قالَ: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. قال أَنَس: ولا والله ما نَرَى فى السماءِ من سَحَابٍ ولا قَزَعَةٍ - وما بيننا وبين سَلْع من بَيْتٍ ولا دار - فَطَلَعَتْ من ورائِه سَحَابةٌ مثل التُّرس، فَلَمَّا تَوَسَّطَت السَّماءَ انتشرت ثم أَمْطَرَتْ، المقبلة ورسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قائم يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَهُ

стр. 1732

قائماً، فقال: يا رسولَ الله، هَلَكَتِ الأَمْوَال وانْقَطَعَتِ السُّبُل، فَادْعُ اللهَ يمسكها عَنَّا، فَرَفَعَ رسول الله ﷺ يَدَيْهِ ثم قال: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا ولا عَلَيْنَا. اللَّهُمَّ على الإِكام والظراب وبُطُونِ الأَوْديةِ ومَنَابِتِ الشجر، فأَقْلَعت وخرجْنَا نمشِى فى الشمس. أَخرجه الشيخان (١) ﴿ ١٥١﴾. (ففى) هذا الحديث دلالةٌ على أَنه إِذا وَقَعَ الاستسقاءُ يوم جُمُعَةٍ يُكْتَفَى بالدُّعَاءِ حال خُطْبَةِ الجمعة وصلاتِها. (ب) الاستسقاءُ بالدعاءِ على المنبر بلا صلاةٍ فى غير يوم الجمعة (قال) ابن عباس: جاءَ أَعرابىٌ إِلى النبىِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد جِئْتُكَ من عند قَوْمٍ لآ يَتَزَوَّد لهم رَاعٍ ولا يَخْطِر لهم فحل، فَصَعِدَ اللنبىُّ ﷺ المنبر فَحَمِدَ الله ثم قال: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مريعاً طبقاً غدقاً عاجلاً غير رائِثٍ، ثم نزل فما يَأْتِيه أَحَدٌ من وَجْهٍ من الوجوه إِلاَّ قالوا قَد أَحْيَيْنَا. أَخرجه ابن ماجه بسند صحيح رجاله ثقات (٢) ﴿١٥٢﴾.

стр. 1733

(جـ) الاستسقاءُ بالدعاءِ فى غير المسجد بلا صلاة (قال) جابر بن عبد الله: أَتَت النبىَّ ﷺ بواكى فقال: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مُغِيثاً مَرِيئاً مَرِيعاً عاجِلاً غير آجل نافعاً غير ضار، فأَطْبَقت عليهم السمَّاء. أَخرجه أَبو داود والحاكم وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَين (١) ﴿١٥٣﴾ (وعن) عُمَيْر مَوْلى آبى اللحم أَنَّهُ رأى رسولَ الله ﷺ يَسْتَسْقى عند أَحجار الزَّيت قريباً من الزَّوْرَاءِ يَسْتَسْقى رافِعاً يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهه لا يُجَاوِزُ بهما رَأْسَهُ. أَخرجه أحمد والثلاثة بسَنَدٍ رجاله موثقون (٢) ﴿١٥٤﴾. (ولذا) قال أَبُو حنيفة: لا صلاةَ فى الاستسقاءِ بجماعةٍ مسنونةٍ بل مَنْدُوبة، لعدم المواظَبَةِ عليها، ولا خُطْبَةَ لأَنها تبع الجماعة، بل الاستسقاءُ دعاءٌ واستغفارٌ بأَنْ يقُومَ الإِمامُ مُستقبل القِبْلَة يَدْعُو رافعاً يَدَيْه والناس قُعُود مُسْتَقْبلون يُؤَمِّنُون على دُعَائِه بما تَقَدَّم. وبما فى حديث عَمْرو ابن شُعيب عن أَبيه عن جَدِّه قال: كانَ النبىُّ ﷺ إِذا اسْتَسْقَى قال: اللَّهُمَّ اسْق عِبَادَك وبَهَائِمكَ وانْشُرْ رَحْمَتَكَ وأَحْى بلَدَكَ الميِّت. أَخرجه مالك وأَبو داود والبيهقى بسَنَدٍ جيد (٣) ﴿١٥٥﴾. (قال) البدر العينى: اعْلَمْ أَنَّ أَبا حَنِيفَة قال: ليس فى الاستسقاءِ

стр. 1734

صلاةٌ مسنونةٌ فى جماعة، فإِنْ صَلَّى الناس وحداناً جَازَ، إِنما الاستسقاءُ الدعاءُ والاستغفار، لقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ". علق نزول الغَيْثِ بالاستِغْفَار لا بالصَّلآةِ. فكانَ الأَصْلُ فيه الدعاءُ والتَّضَرُّع دُونَ الصَّلاة، ويَشْهَدُ لذلك أَحَادِيث (وذكَر الأَحاديث السابقة وآثاراً أُخرُى) ثم قال: فهذه الأَحاديث والآثار كلها تشهد لأَبى حنيفةَ أَنَّ الاستسقاءَ استغفارٌ ودعاءٌ (وأُجِيبَ) عن الأَحاديث التى فيها الصَّلاة أَنه ﷺ فَعَلَها مَرَّةً وتكَها أُخرى. وذا لا يَدُلُّ على السُّنية، وإِنما يَدُلُّ على الجواز (١) (وقال) الشَّيْخ الحلبى: فالحاصل أَنَّ الأَحادِيثَ لما اختلفت فى الصلاة بالجماعة وعَدَمِها على وَجْه لآ يَصْلُح به إِثبات السُّنية، لم يقل أَبو حنيفة بسُنِّيتها. ولا يلزم من عَدَم قوله بِسُنِّيتها، قوله بأَنها بدعة كما نقله عنه بعض المشنعين بالتعصب بل هو قائل بالجواز (٢). (د) الاستسقاءُ بصلاةِ ركعَتَيْن وخُطبةٍ ودعاءٍ (رَوَى) عَبَّاد بن تميم عن عبد الله بن زيد المازنى أَنَّ رسولَ الله ﷺ خرج بالناس يَسْتَسْقى فَصَلَّى بهم ركعَتَيْن جَهَرَ بالقراءَةِ فيهما، وحَوَّلَ رِدَاءَهُ ورَفَعَ يَدَيْه فَدَعَا واسْتَسْقَى واستقبل الْقِبْلَة. أَخرجه أَحمد والبخارى والثلاثة (٣) ﴿١٥٦﴾. (وقال) أَبو هُريرة: خرجَ نبىُّ الله ﷺ يَوْماً يَسْتَسْقى وصَلَّى بِنَا ركعَتَيْن بلآ أَذَانٍ ولا إِقامة، ثم خَطَبَنَا ودَعَا الله وحَوَّلَ

стр. 1735

وَجْهَهُ نحو القِبْلة رافِعاً يَدَيْه، ثم قَلَبَ رِدَاءَهُ فجعل الأَيمن على الأَيْسَر والأَيْسَر على الأَيمن. أَخرجه أَحمد وابن ماجه والبيهقى بسَنَدٍ رجاله ثِقَات (١) ﴿١٥٧﴾. وقد تَفَرَّدَ به النعْمَان بن راشد. والأَحاديث هنا كَثِيرة وهى تَدُلُّ على أَنه يُسَنُّ للإِمام أَو نائبه إِذا أَجْدَبَت الأَرض واحتَبَسَ المطر أَوْ قَلَّ مَاءُ النَّهْر، أَنْ يُصَلِّى بالناس ركْعَتَيْن كصلاةِ الْعِيد بلا أَذانٍ ولا إِقامة، يَجْهَرُ فيهما بالقراءَةِ ثم يَخْطُب ويُكْثر مِنَ الدُّعاءِ والاستغفار والتَّضَرُّع إِلى الله تعالى، مُستقبلاً القِبلة رافِعاً يَدَيْهَ مُحَوِّلاً ملابسَهُ ظَهْراً لِبَطْن عند الدعاءِ (وبهذا) قال مالك والشافعىّ وأَحمد وأَبو يُوسُف ومُحمد وجُمهور السَّلَف والخلف (أَمَّا الصلاة) فقد اتفقوا على أَنَّهَا ركْعَتَانِ وعلى الْجَهْر كما فى الكُسُوف (واختلفوا) فى صِفَتِها، فروى أَنه يُكَبَّر فيها ويُقْرَاُ كتَكْبير الْعِيد وقراءَتِه " لقول " ابن عباس: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ للاستسقاءِ مُتَوَاضِعاً مُتَضَرِّعاً حتى أَتى المصَلَّى فرقى المنْبَر فلم يَخْطُب خُطْبتكُم هذه ولكن لم يَزَلْ فى الدعاءِ والتَّضَرُّع، والتَّكْبير ثم صَلَّى ركعتَيْن كما يُصَلِّى فى الْعِيد. أَخرجه أَحمد والأَربعة وقال الترمذى: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح (٢) ﴿١٥٨﴾. (وقال) طلحة بن يَحْيى: أَرْسَلَنى مروان إِلى ابن عباس أَسْأَله عن سُنَّة الاستسقاءِ، فقال: سُنَّةُ الاستسقاءِ سُنَّة الصلاةِ فى العِيدَيْن، إِلاَّ أَنَّ

стр. 1736

رسولَ الله ﷺ قَلَبَ رِدَاءَهُ فجعل يمينَهُ على يَسَارِه، وجعل يَسَارَهُ على يمينِه وصَلَّى ركعتَيْن كَبَّر فى الأُولى سَبع تَكْبيراتٍ وقَرَاَ بسَبِّح اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وقَرَاَ فى الثانية هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة، وكَبَّر فيها خمس تَكْبيراتٍ. أَخرجه الحاكم وقال: حديثٌ صحيحُ الإِسناد (١) ﴿١٥٩﴾ ورد بأَنَّ فى سَنَدهِ عبد العزيز بن عبد الملك، قال الذهبى: عبد العزيز ضعيف. (وبهذا) قال الشافعىّ وداود الظاهرى. وروى عن مُحمد بن الحسنَ. والمشْهُور عنه أَنه لا يُكَبر فيها تَكْبِير الْعِيد. وبه قال الجمهور ومنهم مالك وأَحمد وإِسحاق، لأَنه لم يُذْكَر فى الأَحاديث الصحيحة. (وأَجَابُوا) عن قول ابن عباس فى الحديث الأَوَّل: كما يُصَلَّى الْعِيد (بأَنَّ) المراد كصلاة الْعِيد فى عَدَدِ الركعاتِ والْجَهْر بالقراءَة، وكون الصلاة قبل الْخُطْبة (وعن) حديثِ طلحة بن يَحْيى، بأَنه ضَعِيف كما علمت. (وأَمَّا الْخُطْبة) فقد اتفق القائلونَ بِسُنِّية الجماعة فى الاستسقاءِ على أَنَّهَا سُنَّة. واختلفوا فى عَدَدِها وَوَقْتِهَا (فقال) أَبو يُسُف وأَحمد: هى خُطْبة وَاحِدَة (وقال) مالك والشافعىّ ومحمد: يخطب خُطْبَتين. ولا صريح فى المرويات يَدُلُّ عليه (وهى) بعد الصَّلاةِ عند مالك والشافعى وأَحمد والجمهور " لقول " عبد الله بن زيد المازنى: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ إِلى المصَلَّى واسْتَسْقَى وحَوّلَ رِدَاءَهُ حِينَ استقبل، وبَدَاَ بالصلاة قبل الْخُطْبة ثم استقبل القِبْلَةَ فَدَعَا. أَخرجه أَحمد (٢) ﴿١٦٠﴾.

стр. 1737

" ولما " تَقَدَّمَ عن أَبى هريرة من قوله: وصَلَّى بِنَا ركعتَيْن بلا أَذَانٍ ولا إِقامة، ثم خطبنَا (١). (وعن) أَحمد أَنه يخطب قبل الصَّلاة. وروى عن عُمر وابن الزُّبَيْر وعُمر بن عبد العزيز. وبه قال اللَّيْثُ بن سعد " لما " تقَدَّم عن عائشةَ قالت: شَكَا الناس إِلى رسولِ الله ﷺ قُحُوطَ المطر فأَمَرَ بمنْبَرٍ فَوُضِعَ له فى المصَلَّى (الحديث) وفيه: ثم أَقْبَلَ على الناس ونَزَلَ فَصَلَّى ركعتَيْن (٢). " ولقول " عبد الله بن يزيد الخطيمى: إِنَّ ابْنَ الزُّبير خرج يَسْتَسْقى بالناس فَخَطَب ثم صَلَّى بغير أَذَانٍ ولا إِقامةٍ، وفى الناس يَوْمَئِذٍ البراءُ ابن عازب وزيد بن أَرْقَم. أَخرجه الطبرانى فى الكبير بسَنَدٍ رجاله رجال الصحيح (٣) ﴿٢٥﴾. (ولا مُنَافَاةَ) بين أَحادِيث تَقْدِيم الصلاة على الْخُطْبة، وأَحادِيث تَقْدِيم الْخُطْبة على الصَّلاة، لأَنَّ الكُلّ جائِز. وقد رُوِى عنه ﷺ أَنه خَطَبَ قبل الصلاة وخَطَبَ بَعْدَها، فالكُلّ سُنَّة (وأَمَّا) استقبالُ القِبْلة ورَفْع الأَيْدِى حالَ الدُّعاءِ وتحويل الملابس فهى سُنَّة عند الجمهور لما تَقَدَّم " ولقول " أَنَس: إِنَّ رسولَ الله ﷺ اسْتَسْقَى فأَشَارَ بظَهْرِ كَفَّيْة إِلى السَّماءِ. أَخرجه أَحمد ومسلم والبيهقى (٤) ﴿١٦١﴾ " ولقوله " إِنَّ النبىَّ ﷺ كان يَسْتَسْقِى هكذا، ومَدَّ يَدَيْهِ

стр. 1738

وجعل بُطُونهما مَّمِا يَلِى الأَرْض حتى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبطَيْه. أَخرجه أَبو داود والبيهقى (١) ﴿١٦٢﴾. (وفى هذه) الأَحادِيث دَلِيلٌ على أَنَّ السُّنة فى كُلِّ دعاءٍ لرفع بلاءٍ كالقَحْطِ ونحوه أَنْ يرفع يَدَيْهِ جاعِلاً ظهر كَفَّيْه إِلى السَّماءِ. (وحكمته) الإِشارة إِلى تَحَوُّل الحال من الشِّدَّةِ والقَحْطِ إِلى الرَّخاءِ " لحديث " ابن عباس أَنَّ النبىَّ ﷺ قال: سَلُوا اللهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُم، ولا تَسْأَلُوه بظُهُررِها، فإِذا فَرَغْتُم فامْسَحُوا بها وجُوهَكُم. أَخرجه أَبو داود. وقال: روى هذا من غير طريق عن ابن عباس يرفعه. وكلها وَاهِية. وهذا الطريق أَمثلها وهو ضعيف (٢) ﴿١٦٣﴾ أَى لأَنَّ فيه أَبا المقدام هشام بن زياد. ضعفه غير واحد من الحفَّاظ (٣). واختلفوا فى كيفيةِ تحويل الرداءِ (فقال) أَبو يُوسُف ومُحمد: يُحَوَّل الإِمام دون القَوْم. بأَن يجعل طرف ردائه الأَيمن على عاتقه الأَيْسَر وبالعَكْس إِنْ كانَ الرِّداء مُدَوَّراً، وإِنْ كان مُرَبَّعاً جَعَلَ أَعْلآه أَسْفَل وبالعكس " لقول" محمد بن مُسْلم الزُّهرى: أَخْبَرَنى عَبَّاد بن تميم

стр. 1739

المازنىّ أَنه سَمِعَ عمه (عبد الله بن زيد) يقول: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ يوماً يَسْتَسْقى، فَحَوَّل إِلى الناس ظَهْرَهُ يَدْعُو الله ، واستقبل القِبْلَةَ وحَوَّل رِدَاءَهُ فجعل عِطافه الأَيمن على عاتقِه الأَيْسَر وجعل عِطافه الأَيْسَر على عاتقِه الأَيمن ثم دَعَا الله . أَخرجه أَبو داود والبيهقى (١) ﴿١٦٤﴾. (وروى) سفيان الثورى عن أَبى بكْر بن مُحمد بن عَمْرو بن حزم أَنه سمع عَبَّاد بن تميم عن عمه أَنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ إِلى المصَلَّى واستقبل القِبْلةَ وقَلَبَ رِدَاءَهُ وصَلَّى ركعتَيْن. قال سفيان: قَلْبُ الرِّدَاءِ: جَعْل اليمين الشَّمال والشَّمال اليمين. أَخرجه أَحمد (٢) ﴿١٦٥﴾. (وقال) مالك وأَحمد: يُحَوِّل الإِمام والْقَوْم الملابس بجَعْل ما على العاتِق اليمين على اليَسَار وبالْعِكْس. وبه قَلَت الشافعية: إِذا كانَ الرِّداءُ مُدَوَّراً، فإِنْ كان مُرَبَّعاً فَعَل به ذلك، وجعل أَعْلآهُ أَسْفَله وأَسْفَله أَعْلآه " لقول " عبد الله بن زيد: رأَيْتُ رسولَ الله ﷺ حين اسْتَسْقَى لنا، أَطَالَ الدُّعاءَ وأَكْثَر المسأَلة. ثم تَحَوَّلَ إِلى القِبْلَة وحَوَّل رِدَاءَهُ فَقَلَبَهُ ظَهْراً لِبَطْن وتَحَوَّلَ النَّاس معه. أَخرجه أَحمد هكذا (٣) ﴿١٦٦﴾ واسْتَشْهَدَ به الحافظ ابن حجر، لكن ذكره بلفظ: وحَوَّل النَّاس معه. وأَخرجه السِّتة مُقتصرين عل قوله: وحَوَّل رِدَاءَهُ. وهو الحديث الآتى. هذا. والتَّحْوِيل يكون عند استقبال القِبْلَة للدُّعاءِ " لحديث " عَبَّاد ابن تميم أَنَّ عبد الله بن زيد أَخبره أَنَّ رسول الله ﷺ خرج

стр. 1740

إِلى المصَلَّى ليَسْتَسْقى، وأَنه لما أَرَادَ أَنْ يَدْعُو استقبل القِبْلَةَ ثم حَوَّل رِدَاءَهُ أَخرجه الشيخان وأَبو داود (١) ﴿١٦٧﴾. وفى رواية: خَرَجَ رسولُ الله ﷺ إِلى المصَلَّى فاسْتَسْقَى وحَوَّلَ رِدَاءَه حين اسْتَقْبَلَ القِبْلَة. (وحِكْمة) التَّحْويل التَّفَاؤل بأَنَّ الله تعالى يُحَوِّلُ الحالَ من الجدبِ والقَحْطِ إِلى الرخاءِ والْخِصْب " فقد " رَوَى جعفر بن مُحمد عن أَبيه قال: اسْتَسْقَى رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وحَوَّل رِدَاءَهُ ليتَحَوَّل القَحْطُ. أَخرجه الدارقطنى مرسلاً، والحاكم عن جابر بن عبد الله وقال هذا حديثٌ صحيحٌ الإِسناد (٢) ﴿١٦٨﴾. (قال) أَبو مُحمد عبد الله بن قدامة: ويُسْتَحَبُّ تحويل الرِّدَاءِ للإِمام والمأْموم فى قول أَكثر أَهل الْعِلم (وقال) أَبو حنيفة، لا يُسَنَّ لأَنَّهُ دعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تحويل الرِّدَاءِ فيه كسائر الأَدْعِية. وسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَحَقَّ أَنْ تُتَّبَع (وحكى) عن سعيد بن المسيب وعروة والثورى أَنَّ تحويل الرِّدَاءِ مختصٌّ بالإِمام دون المأْموم. وهو قول الليث وأَبى يوسف ومُحمد بن الحسن، لأَنَّهُ نقِلَ عن النبىَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون أَصحابه (ولنا) أَنَّ ما فعله النبى ﷺ يَثْبُت فى حَقِّ غيره ما لم يَقُمْ على اخْتِصَاصِه به دَلِيلٌ. كيف وقد عُقِلَ المعْنَى فى ذلك وهو التفاؤل بقَلْبِ الرِّدَاءِ ليقلب الله ما بِهم من الجدْبِ إِلى الخِصْبِ، وقد جاءَ ذلك فى بعض الحديث (٣).

стр. 1741

٤ - تكرير الاستسقاء: إِذا خَرَجَ القوم للاستسقاءِ فسُقُوا فَبِهَا، وإِلاَّ عادُوا فى اليوم الثانى والثالث عند الأَئِمة الأَربعة والجمهور (وقال) إِسحاق: لا يَخْرُجُونَ إِلاَّ مَرَّةً واحدةً، لأَنَّ النبىَّ ﷺ لم يَخْرُجْ إِلاَّ مَرَّةً واحدةً. ولكن يجتمعون فى المساجد ويذكُرُونَ الله تعالى ويَدْعُونَ ويستغفرون بعد الصلاة ويَدْعُو الإِمام يوم الجمعة على المنبر ويُؤَمِّن النَّاسُ. (وأَجاب) الجمهور بأَنَّ الخروج أَبلغ فى الدعاءِ فى الدعاءِ والتَّضَرُّع. (والنبى) ﷺ لم يخرج ثانياً لا ستغنائِه عن الخروج بإِجابتِه أَوَّل مَرَّة. وإِنْ تَأَهَّبُوا للخروج فسُقُوا قبل خروجهم لم يَخْرُجُوا وشَكَرُوا الله على نِعَمِه، وسأَلُوه المزيد من فَضْلهِ. وإِنْ خرجوا فسُقُوا قبل أَن يُصَلُّوا صَلُّوا شُكْراً لله وحمدوا وَدَعُوا. أَفاده ابن قدامة. ٥ - الاستسقاء بالأحياء الصالحين: يُسْتَحَبّ الاستسقاءَ بأَهْل الصَّلاح والتقوى " روى " أَنَس أَنَّ عُمَر ابن الخطاب كان إِذا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بالعباس ابن عبد المطلب فقال: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِليك بنبينا فتسْقِينا، وإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِليك بعَمِّ نَبِيِّكَ فاسْقِنَا، فَيُسْقَوْن. أَخرجه البخارى (١) ﴿٢٦﴾. (وروى) أَنَّ معاوية خرج يَسْتَسْقِى، فَلضمَّا جَلَسَ على المنبر قال: أَيْنَ يَزِيد بن الأَسْوَد الجرشى؟ فقَامَ يَزِيدُ، فدعاهُ مُعاوية فأَجْلَسَهُ عند رِجْلَيْهِ ثم قال: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِليك بخَيْرِنا وأَفْضَلِنَا، يزيد بن الأَسْوَد. يا يَزِيد ارْفَعْ يَدَيْكَ، فرفَعَ يَدَيْهِ ودَعَا الله تعالى، فَثَارَتْ فى

стр. 1742

الغرب سَحَابةٌ مثل الترس وهَبّ لها رِيحٌ فَسُقُوا حتى كادُوا لا يبلغوا منازلهم. واسْتَسْقَى به الضَّحَّاك مرة أُخرى. ذكَرَهُ ابن قدامة (١) ﴿٢٧﴾. ٦ - هدى النبى ﷺ فى الاستسقاء: قال العلامة ابن القيم: ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى على وُجُوه: (أَحَدُها) يَوْمَ الجُمْعة على المنْبَر فى اَثْنَاءِ خُطْبَتِه وقال: اللَّهُمَّ أَغِثْنَا. اللَّهُمَّ اسْقِنَا. اللَّهُمَّ اسْقِنَا. (الثانى) أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إِلى المصَلَّى وصَلَّى بالناس ركعَتَيْن وخَطَبَ. (الثالث) أَنَّهُ اسْتَسْقَى على مِنْبَرِ المدينةِ اسْتِسْقَاءً مجرَّداً فى غَيْرِ يَوْم الجمعة. ولم يحْفَظْ عنه ﷺ فى هذا الاسْتِسْقَاءِ صلاة. ... (الرابع) أنَّهُ اسْتسْقَى وهو جَالِسٌ في المسجد فَرَفَعَ يَدَيْهِ ودَعَا الله فحفظ من دعائه حينئذٍ: اللهمَّ اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً طبقاً عاجلاً غير رائِثٍ، نافعاً غير ضارّ. (الخامس) أنه استسقَى عِنْدَ أحجار الزَّيت قريباً من الزَّوراءِ، وهي خارج باب السلام نَحْوَ قَذْفة حَجَر ينعطفُ عن يمين الخارج من المسجد. (السادس) أنَّهُ اسْتسقَى في بعض غَزَواتِه لما سبقه المشركُون إلى الماءِ فأصَابَ المسلمين العطَشَ، فشَكَوْا إلى رسول الله ﷺ . وقال بعضُ المنافقين: لو كَانَ نبَّياً لاسْتسقَى لقومِهِ كما استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فبلَغَ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: أَوَقَدْ قالُوها؟ عَسَى

стр. 1743

ربكم أن يسقيكُم، ثم بَسَطَ يديهِ ودعَا، فما ردّ يديْه من دعائِه حتى أظلتهم السحاب وأمطروا فأفْعَم السيْل الوادي فشرب الناس فارتووا (وحفظ) من دعَائِه في الاستسقاء: اللهمَّ اسْق عِبَادَك وبهائمك، وانشرْ رحمتك وأحْي بَلَدَك الميت. اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريعاً نافعاً غير ضارّ، عاجلاً غير آجل، وأغيثَ ﷺ في كلِّ مرةٍ استسقى فيها (١). "وقال" أبو لبابة بن عبد المنذر: استسقى رسول الله ﷺ ، فقال أبو لبابة: إن التمر في المرابِد يا رسولَ الله. فقال ﷺ : اللهم اسقِنَا حتى يقوم أبو لبابة عُرياناً فيسدُّ ثعلب مِرْبَدِه بإزارِه. وما نرَى في السماء سحاباً، فأمطرتْ، فاجتمعُوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها لن تقلع حتى تقوم عرياناً فتسد ثعلب مربدك بإزارك، ففعَلَ، فأصحت. أخرجه الطبراني في الصغير. وفيه من لا يعرف (٢) ﴿١٦٩﴾. وقد تقدَّم تفصيل ذلك وما وَرَدَ فيه في بحث "أنواع الاستسقاءِ". ٧ - ما يطلب لرؤية المطر والريح: يستحب الدعاء عندئذٍ "لقول" عائشةَ: كان رسولُ الله ﷺ إذا رَأَى المطَرَ قال: اللهمَّ صبياً نافعاً. أخرجه أحمد والبخاري والنسائي والبيهقي (٣) ﴿١٧٠﴾ "ولقولها" كان النبي ﷺ إذا رأى ناشئاً في أفق السماء ترك العمل، وإن كان في صلاةٍ خفَّفَ، ثم

стр. 1744

يقول: اللهم إني أعُوذُ بِكَ من شرِّها، فإن مَطر قال: صَيِّباً هنيئاً. أخرجه أبو داود (١) ﴿١٧١﴾ "ولقول" المطلب بن حنطب: كان النبي ﷺ يقول عند المطرَ: اللهم سُقْياً رحمةٍ ولا سُقْيَا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ. اللهمَّ على الظِّرَابِ ومنابِتِ الشَّجَر. اللهم حواليْنَا ولا علينا. أخرجه البيهقي (٢) ﴿١٧٢﴾. "ولقول" أبي هريرة: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: الريح من روح الله تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبوها وسلُوا الله خيرها واستعيذوا باللهِ من شَرِّها. أخرجه أبو داود والحاكم وصححه (٣) ﴿١٧٣﴾. "ولحديث" أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: لا تسبوا الرياح فإنها من روح الله تعالى تأتي بالرحمة والعذاب، ولكن سلوا الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها. أخرجه أحمد وابن ماجه (٤). (ويُسْتَحَبُّ) أن يقف الانسان في أول المطَرَ ويكشفَ بعض بَدَنِه ليصيبه المطرَ تبرُّكاً. قال أنس: مُطِرنَا على عهدِ رسول الله ﷺ ، فخرج فحسرَ ثوبهُ عنه حتى أصابهُ المطر. قلنَا: يا رسول الله، لِمَ صنعت هذا؟ قال: لأنه حديث عهدٍ بربه. أخرجه أحمد ومُسلم

стр. 1745

والبيهقي (١) ﴿١٧٥﴾. ومعناه أن المطر رحمة وهو قريب العهد بخلق الله تعالى فيتبرك به. (خاتمة) يجبُ على كل مكلف أن يعتقد أن المطر من عند الله ومن خلقه لا يقدر على حبسه وإنزاله إلا الله تعالى، ولا تأثير للكواكب في شيء من ذلك، قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلَ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَته وَهُوَ الْوَلِيُّ الحَمِيد" (٢). (أما) من اعتقد أن للنجوم تأثيراً في ذلك فهو مشرك "قال زيد" ابن خالد الجهني: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثرِ سماءٍ كانت من الليلِ. فلما انصرف أقبلَ على النَّاس فقال: هل تدرون ماذا قالَ ربكُم؟ قالوا: الله ورسولهُ أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب، ومؤمن بالكوكب كافرٌ بي. فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافرٌ بالكوكب. وأما من قال مطرنا بنوءٍ كذا وكذا فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ. أخرجه أحمد والبخاري والبيهقي وكذا النسائي نحوه (٣). [١٧٦]

стр. 1746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1747

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1748

٥ - صلاة التراويح التراويح جمع ترويحة، وهي في الأصل الجلسة بعد أربع ركعاتٍ للاستراحةِ ثم سمي كل أربع ركعات ترويحة مجازا لما يعقبها من الترويحة (قالت) عائشةُ: كان رسول الله ﷺ يصلي أربع ركعات في الليل ثم يتروح، فأطال حتى رحمته، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكونُ عبداً شكوراً. أخرجه البيهقي وقال: تفرد به المغيرة بن زياد وليس بالقوي. وقولها: ثم يتروح إن ثبت فهو أصل في تروح الإمام في صلاة التراويح (١) ﴿١٧٧﴾ ويؤيده (قول) زيد بن وهب: كان عمر ابن الخطاب يروحنا في رمضان- يَعْني بين الترويحين- قَدْر ما يذهب الرجل من المسجد الى سلع. أخرجه البيهقي وقال: كذا قال. ولعله أَرَادَ مَنْ يُصَلِّي بهم التراويح بأمْرِ عُمَر (٢) ﴿٢٨﴾. هذا. وتسمى التراويح قيامَ رمضان. والكلام هنا في ثمانية فروع.

стр. 1749

١ - وقتها: هو بعد صلاة العشاء إلى آخر الليل قبل الوتر وبعده. والأفضل أن تصلي قبل الوتر وبعد سنة العشاء. وهو قول الجمهور. (وقال) بعض الحنفيين: وقتها ما بين صلاة العشاء والوتر. لأن السلف ما صلوها الا بعد العشاء قبل الوتر. وعليه العمل إلى اليوم. فلو صلاها قبل العشاء لا تجوز عند الكلّ. وكذا لو صلاها بعد الوتر على القول الثاني. والراجح الأول (قال) العلامة الحلبي: وقال القاضي أبو علي النسفي: الصحيح أن وقتها بعد العشاء لا تجوز قبلها، سواءٌ أكانت بعد الوتر ام قبله وهو المختار، لأنها نافلة سنت بعد العشاء بفعل الصحابة وهو المنقول من فعله ﵊، فكانت تبعاً لها كسنتها. وتقديم الصحابة لها على الوتر لا يفيد عدم جوازها بعده لاحتمال أنه بناءً على استحباب تأخيره مطلقاً لمن يأمن فواته، واستحباب جعله آخر صلاة الليل. فيجوز أداؤها بعده كما يجوز أداء غيرها من قيام الليل. (ثم) المستحب تأخيرها الى ثلث الليل او نصفه كما في العشاء (واختلف) في ادائها بعد النصف، فقيل يكره لكونها تبعاً للعشاء. والصحيح أنه لا يكره لأنها من صلاة الليل، والأفضل فيها التأخير، وينبني على أنها تبع للعشاء لا تجوز قبلها، أنه لو صلى العشاء مع إمامٍ وصلى التراويح مع إمامِ آخر، ثم علم أن الإمام الأول قد صلى العشاءَ على غير وضوءٍ، أو علم فسادها بوجهٍ من الوجوه، فإنه يعيد العشاءَ لفسادها ويعيدُ التراويح تبعاً لها كما يعيد سنتها. ولا يلزمه إعادة الوتر في مثل هذه الصورة عند أبي حنيفة لاستقلاله وعدم تبعيته للعشاء عنده.

стр. 1750

وإنما يلزم تقديمها عليه للترتيب. فإذا فاتَ الترتيب من غير قَصْدٍ لا يلزمه الإعادةَ (وقال) أبو يوسُف ومُحمد: الوتر أيضاً تَبَع للعشاءِ فتلزمه إعادتِه بإعادتِها كسُنَّتها، وهو مبنيّ على وُجُوبِ الوتر عندهُ لا عندهما (١) وبقولهما قال الجمهور. (قال) الشيخ منصور بن إدريس: فمنْ صلى العشاءَ ثم التراويح ثم ذَكَر أنه صَلَّى العشاءَ محدثاً أعَادَ التراويح، لأنها سُنَّة تفعل بعد مكتوبة فلا تصحّ قبلها كسُنَّة العشاءِ، وإنْ طَلَعَ الفجرُ فاتَ وقتها. وظاهر كلامهم أنها لا تُقْضَى. وإن صلى التراويح بعد العشاءِ وقبل سنتها صحَّ جزماً، ولكنَّ الأفضل فعلها بعد السنة قبل الوتر (٢). ٢ - حكم صلاة التراويح: هي سنة مؤكدة اتفاقاً للرجال والنساء "لقول" أبي هريرة: كانَ رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة فيقول: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. أخرجه السبعة (٣) ﴿ ١٧٨﴾. والمراد بقيام رمضان إحياء لياليه بالصلاة، ويحصل بمطلق الطاعة فلا يشترط فيه استغراق جميع الليل بالصلاة.

стр. 1751

(روى) إبراهيم النخعي عن عائشة أنها كانت تؤم النساء في رمضان تطوعاً وتقومُ في وسط الصف. أخرجه أبو يُوسُف في الآثار (١) ﴿٢٩﴾. وقال العلامة ابن نجم: وذكر في الاختيار أن أبا يوسف سأل أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عُمَر. فقال: التراويح سنة مؤكدة ولم يتخرصه عُمَر من تلقاء نفسه، ولم يكُنف يه مبتدعاً ولم يَأْمُر به إلا عن أَصْل لَدَيْه وعهدٍ من رسول الله ﷺ (٢). وقال النووي: اجتمعت الامة على أن قيام رمضانَ ليسَ بواجبٍ، بل هُوَ مَنْدُوبٌ. ويَحْصُل بصلاةِ التراويح، أي أنه يحصل بها المطلوب من القيام، لا أن قيام رمضان لا يكون الا بها. (وقد) سنه النبي ﷺ وأقامه في بعض الليالي ثم تركه خَشْيَةَ أن يفرضَ على أمتِه (قالت) عائشةُ ﵂: صلى النبي ﷺ في المسجد فصلى بصلاته ناسٌ كثير، ثم صلى من القابلة فكثروا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج اليهم. فلما أصبح قال: قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَض عليكم، وذلك في رمضان. أخرجه مالك والسِّتة الا الترمذي (٣) ﴿١٧٩﴾.

стр. 1752

(ثم وقعت) المواظبة عليه في خلافةِ عُمر ووافَقَهُ عامَّة الصحابة رضي الله تعالى عنهم (قال) عبد الرحمن بن عَبْدٍ القاريّ: خرجتُ مع عُمَر ابن الخطاب ليلةً في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قاريء واحدٍ لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاةِ قارئِهم. فقال عمر: نِعْمَت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله. أخرجه مالك والبخاري والبيهقي وعبد الرازق (١) ﴿٣٠﴾. (وهو) صريح في أن الصلاة آخر الليل أفضل من أوله. وأراد عمر ﵁ بالبدعة الأمر البديع الجميل، وهو احياء سنة النبي ﷺ . وهي صلاة التراويح جماعةً على قاريءٍ واحدٍ، كما فعل رسول الله ﷺ في حياته وتركه خشية الافتراض، لا البدعة في العبادة؛ لأن كل بدعة فيها ضلالة "لقوله" ﷺ : وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار (٢) خلافاً لما يزعمه بعض المجازفين الجاهلين من أن البدعة في العبادة قد تكون مستحسنة، ويستدلون على زعمهم بقول سيدنا عمر ﵁: نعمت البدعة هذه. وكيف يتوهم من عنده أدنى إلمام بشيء من أحكام الدين وأحوال الصحابة ﵃ أن العبادة يدخلها شيءٌ من البدع، او يقول أحد الصحابة بحسنها

стр. 1753

بعد (قول) النبي ﷺ المذكور ونحوه من الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذم البدعة والعاملين بها، وأن دخولها في العبادة يبطلها. ٣ - عدد ركعات التراويح: - هي عشرون ركعة، المسنون منها ما فعله النبي ﷺ وهو ثماني ركعاتٍ، والزائد مستحب (أما) أنها عشرون ركعة "فلقول" السائب بن يزيد: كانوا يقومون على عهد عمر في شهر رمضان بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقرءون بالمئين من القرآن، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام. أخرجه البيهقي (١) ﴿٣١﴾ "ولقول" يزيد بن رومان: كان الناس يقومون في زمن عمر بن الخطاب بثلاثٍ وعشرين ركعة. أخرجه مالك في الموطإِ ومحمد بن نصر والبيهقي (٢) ﴿٣٢﴾ (وقال) السائب بن يزيد: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوموا للناس بإحدى عشرة ركعة، وكان القاريء يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمدُ على العصيّ من طولِ القيام (الأثَر) أخرجها مالك والبيهقي (٣) ﴿٣٣﴾ وقال: يجمع بين الروايتين بأنهم كانُوا يقُومُون بإحدَى عشرة ثم قاموا بِعِشرينَ وأوترُوا بثلاثٍ. اهـ. وقال الترمذيك وأكْثر أهل العلم على ما رُوي عن عمر وعليّ وغيرهما من أصحابِ النبيِّ ﷺ أنَّها عشرون ركعة. وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي وقال: هكذا أدركت النَّاس بمكَّةَ يُصَلَّون عشرين ركعة. اهـ. وبه أيضاً قال الحنفيون وأحمد وداود الظاهري.

стр. 1754

(وأمَّا) أنَّ المسنُون منها ثماني ركعات "فلقَوْل" جابر: صَلَّى رسول الله ﷺ في شهر رمضانَ ليلةً ثماني ركعاتٍ وأوتَر. فلَمَّا كانت القابِلَة اجتمعْنَا في المسجد ورَجَوْنَا أن يخرُج إلينا، فلم نَزَلْ فيه حتى أصبحنا. ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا في المسجد ورجونا أن تصلي بنا. فقال: إني كرهت أو خشيت ان يكتب عليكم الوتر. أخرجه مُحمد بن نصر وأبو يعلي والطبراني في الصَّغير. وفي سَنَدِه عِيسَى ابن جارية، وثَّقَهُ ابن حبان وغيره. وضَعَّفَهُ ابن معين. قاله الهيثمي (١) ﴿١٨٠﴾ " ولقول " عائشةَ: ما كانَ رسولُ الله ﷺ يَزِيدُ في رمضانَ ولا في غيره على إحْدَى عشرة ركْعة يُصَلِّي أَربعاً فلا تسأَل عن حُسْنِهنَّ وطُولِهنَّ، ثم يُصَلِّي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. (الحديث) أخرجه الجماعة (٢) ﴿١٨١﴾. والثلاث هي الوتر. (وبهذا) قال المحدثون والمحققون من الفقهاء (قال) ابن نجيم الحنفي: ذَكَرَ المحقق (يَعْني الكمال ابن الهمام) في الفَتْح ما حاصِله أنَّ الدليل يقتضي أن تكون السنة من العشرين ما فعله ﷺ ثم تركه خشية أن يكتب علينا، والباقي مستحب. وقد ثبتَ أن ذلك كان إحدى عشرة ركْعة بالوتر كما في الصحيحين. فإذن يكون المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها والمستحب اثنتى عشرة (٣).

стр. 1755

(وقال) العلامة محمد الصنعاني: وأما الكمية وهي جعلها عشرين ركعة فليس فيه حديث مرفوع الا ما رواه عبدٌ بن حميد والطبراني من طريق أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بسنده إلى ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يصلي في رمضان عشرينَ ركْعة والوتر ﴿١٨٢﴾ (وقال) في سُبل الرشاد: أبو شيبة ضعفه أحمد وابن معين والخمسة وغيرهم. وكَذَّبه شُعْبة. وقال ابن معين ليس بثقة. وعُدّ هذا الحديث من منكراتِه (وقال) الأذرعي في المتوسط "وأما" ما نُقِلَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بهم في تلك الليلة عشرين ركعة لم تصحّ، بل الثَّابت في الصَّحِيح الصَّلاة مِنْ غير ذِكْر الْعَدَد (١) (ثم قال) إذا عرفت هذا علمتَ أنهُ ليس في العشرين روايةً مرفوعة، بل الثابت حديث عائشةَ المتفق عليه أَنَّهُ ﷺ ما كانَ يزيدُ في رمضانَ ولا غيره على إحدى عشرةَ ركعة (فعرفت) من هذا كله أنَّ صلاة التراويح على هذا الأسلوب الذي اتفق عليه الأكثر بدعة. نعم قيام رمضان سنة بلا خلاف. والجماعة في نافلتِه لا تنكر. وقد ائتمَّ ابن عباسٍ ﵄ وغيره بِهِ ﷺ في صلاةِ الليل (لكن) جعل هذه الكيفية والكمية سُنَّة والمحافظة عليها، هو الذي نقول: إنَّه بدعة (وهذا) عُمَر ﵁ خَرَجَ أولاً والناس أوزاعٌ متفرقون، منهم من يصلي منفرداً، ومنهم من يصلي جماعةً على ما كانوا في عصره ﷺ ، وخيرُ الأُمُورِ ما كَانَ على عهدِهِ ﵊ (٢).
следующие страницы →