(وقول) الشوكاني في نيل الأوطار: والقياس على الأكل والشرب. قياس مع الفارق "مردود" بما ذكره النووي من أن العلة السرف والخيلاء. وهذا موجب للتحريم. ولا مانع من أن يضم إلى هذا التشبه بأهل الجنة الذي ذكره هو. فيكون مجموع هذه الأمور قاضيا بصحة القياس "وقوله" أما حكاية النووي الإجماع على تحريم الاستعمال، فلا تتم مع مخالفة داود الظاهري والشافعي وبعض أصحابه "مدفوع" بما ذكره النووي من ان كلام الشافعي وداود معارض بالأحاديث الصحيحة وقد قال الشافعي وغيره من الأئمة: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ففي الحقيقة لا مخالفة والإجماع قائم (أما اتخاذ) أواني الذهب والفضة بدون استعمال، فالجمهور على منعه. (قال) أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: المذهب تحريم اتخاذ آنية الذهب والفضة. وعن الشافعي إباحته لتخصيص النهي بالاستعمال ولا يلزم من تحريم الاستعمال تحريم الاتخاذ كما لو اتخذ الرجل ثياب الحرير وذكره بعض أصحابنا وجها من المذهب. ولنا ان ما حرم استعماله مطلقا حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال كالملاهي. وأما الثياب الحرير فإنها تباح للنساء والتجارة فحصل الفرق (١).
(وعلى) الجملة فيحرم على الرجل وغيره، استعمال شيء من الذهب والفضة ولو قليلا أو صغيرا كالمورد للمكحلة، والخلال، والأبرة والملعقة، والمشط، والمبخرة، والسكين، والمرآة، وظروف وفناجين القهوة، والساعات وريش القلم (ويحرم) على البالغ إلباس الصغير الحرير، أو الذهب، أو غير خاتم الفضة، أو يطعمه أو يسقيه في إنائهما أو يمكنه من استعمالها، لأنه بحرمة اللبس والأكل والشرب، يحرم الإلباس والإطعام والسقي. ولقول عبد الله بن يزيد
стр. 212
كنا عند عبد الله ابن مسعود فجاء ابن له قميص من حرير قال: من كساك هذا؟ قال أمي فشقه وقال: قل لأمك تكسوك غير هذا. أخرجه الطبراني بسندين رجال أحدهما رجال الصحيح (١) ﴿١﴾.
(وقال) بعضهم: إنما دلت الأحاديث على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة. وأما سائر الاستعمالات فلا والأصل الحل فلا تنبت الحرمة إلا بدليل (وقد) علمت أن الجمهور قاسوا سائر الاستعمالات على الأكل والشرب. فالاحتياط الاحتزار عن استعمال آنية الذهب والفضة مطلقا ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
٥ - المضبب والمحلى بالذهب أو الفضة
المضبب "المربوط كسره أو شقه بذهب، أو فضة" ويحرم استعماله عند الشافعي وأحمد إلا ما كان مضببا بيسير الفضة (وقال) أبو يوسف بكراهته لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: "من شرب في إناء ذهب، أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم". أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق يحيى بن محمد الجاري عن زكريا ابن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع عن أبيه (٢). ﴿٣٧﴾ قال ابن القطان: هذا الحديث لا يصح. زكريا وأبوه لا يعرف فهما حال (٣)، وقال الحاكم: لم نكتب هذه اللفظة "أو إناء فيه شيء من ذلك" إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: المشهور عن ابن عمر في المضبب موقوف عليه.
стр. 213
(وعن) نافع عن ابن عمر أنه كان لا يشرب في قدح فيه حلقة فضة ولا ضبة فضة. أخرجه البيهقي بسند على شرط الصحيح (١).
ولأن في ذلك السرف والخيلاء، فأشبه إناء الذهب والفضة.
(ويدل) على جواز استعمال المضيف بيسير الفضة قول عاسم الأحول: رأيت قدح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عند أنس ابن مالك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة، قال: وهو قدح جيد عريض من نضار. قال أنس: لقد سقيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في القدح أكثر من كذا وكذا. أخرجه البخاري (٢) ﴿٣٨﴾.
(وبه) استدل أبو حنيفة على جواز استعمال المضبب بأحدهما. وكذا يحل عنده استعمال المصحف المحلي بالذهب أو الفضة واستعمال إناء أو سرج أو كرسي او سكين أو سرير أو سيف أو لجام أو ركاب مزوق بالذهب أو الفضة، متقيا موضع الفضة والذهب، مستدلا بحديث أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فضة. أخرجه أبو داود والترمذي (٣) ﴿٣٩﴾.
(وأطلقت) المالكية حرمة استعمال المضبب بأحدهما. ولعله لم يبلغهم حديث أنس المذكور. وعلى هذا الخلاف المموه بذهب أو فضة إذا كان يخلص منه شيء بعرضه على النار. أما التمويه الذي لا يخلص فلا بأس به اتفاقا، لأنه مستهلك، فلا عبرة ببقائه لونا.
стр. 214
٦ - اتخاذ الأنف والسن من ذهب أو فضة وشد السن بهما
قال أبو حنيفة: لو جدع أنف إنسان لا يتخذه من ذهب ويتخذه من فضة.
(وقال) مالك ومحمد بن الحسن: يتخذه من الفضة والذهب. لحديث عرفجة ابن أسعد أنه أصيب أنفه فاتخذ أنفا من الفضة، فأنتن، فأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاتخذ أنفا من الذهب. أخرجه الثلاثة بسند جيد، وحسنه الترمذي (١) ﴿٤٠﴾.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: لا يجوز اتخاذ أنف أو سن من فضة أو ذهب إلا للضرورة للحديث المذكور (قال النووي) في المجموع: أن اضطر إلى الذهب جاز استعماله، فيباح له الأنف والسن من الذهب والفضة، وكذا شد السن العليلة بهما جائز. ويباح أيضا الأنملة منهما. وفي جواز الأصبع واليد منهما وجهان: أشهرهما لا يجوز، لأن الأصبع واليد منهما لا تعمل عمل الأصلية، بخلاف الأنملة (وإذا سقطت) سنة كره عند أبي حنيفة إعادتها وشدها بذهب أو فضة ولكن يأخذ سن شاة مذكاة فيجعلها مكانها (وقال) أبو يوسف يشدها مكانها بالذهب أو الفضة. وأما السن المتحركة فيحل شدها بالفضة لا بالذهب عند أبي حنيفة، لأن استعمالهما حرام إلا للضرورة. وقد زالت بالأدنى فبقى الأعلى على الأصل وهو الحرمة (وقال) مالك ومحمد بن الحسن: يحل بالذهب أيضا لاستوائهما.
(تغطية الأواني) يستحب تغطية الأواني، وربط القرب، وذكر اسم الله تعالى عند ذلك، لحديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي صلى الله عليه
стр. 215
وعلى آله وسلم قال: "غطوا الإناء وأوكئوا السقاء وأغلقوا الباب وأطفئوا السراج فإن الشيطان لا يحل سقاء ولا يفتح بابا ولا يكشف إناء. فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودا ويذكر اسم الله فليفعل فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم" أخرجه مسلم وابن ماجه (١) ﴿٤١﴾.
(وعن جابر) ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أغلق بابك، وأذكر اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا، وأطفئ مصباحك، وأذكر اسم الله، وخمر إناءك ولو بعود تعرضه عليه، وأذكر اسم الله، وأوك سقاءك وأذكر اسم الله. أخرجه الثلاثة واللفظ لأبي داود (٢) ﴿٤٢﴾.
٧ - سنن الفطرة
الفطرة: هي السنة القديمة والخلقة المبتدأة، ومنه فاطر السموات والأرض. أي المبتدئ خلقهن. وسنن الفطرة كثيرة (منها) ما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "الفطرة خمس" الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر" أخرجه السبعة (٣) ﴿٤٣﴾.
(ومنها) ما في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال
стр. 216
"عشر من الفطرة: قص الشارب واعفاء اللحية والسواك والاستنشاق بالماء وقص الأظافر وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء (يعني الاستنجاء بالماء) والمضمضة". أخرجه أحمد ومسلم والأربعة وحسنه الترمذي (١) ﴿٤٤﴾.
(وعن) ابن عباس "وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات" قال: ابتلاه بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء" أخرجه عبد الرازق بسند صحيح (٢) ﴿٣﴾.
ذكر في الحديثين والأثر اثنتا عشرة من سنن الفطرة وهاك بيانها:
١ - الاستحداد: هو حلق العانة. وسمي لاستعمال الحديدة، وهي الموسى والكلام في حكمه ووقته
(أ) هو سنة بالاتفاق، ويكون بالحلق، والقص، والنتف، والنورة (قال) نافع كنت أطلى ابن عمر فإذا بلغ عانته نورها هو بيده. ذكره الخلال. وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (٣) والأفضل الحلق. (والمراد) بالعانة: الشعر فوق ذكر الرجل وحواليه، والشعر الذي حول فرج المرأة (وقيل) أنه الشعر النابت حول حلقة الدبر. وعليه فيستحب حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما (٤) وحلق
стр. 217
العانة مطلوب ولو للمرأة كما اقتضاه الإطلاق. لكن قيده كثيرون بالرجل، وقالوا: الأولى للمرأة النتف، لأنه أنظف ولنفرة الحليل من بقايا أثر الحلق، ولأن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل، فقد ورد أن لها تسعة وتسعين جزءا منها. وللرجل جزء واحد. فالنتف يضعفها والحلق يقويها. فأمر كل بما هو الأنسب به.
(ب) والمختار في وقته أنه يضبط بالحجة والطول فإذا طال حلق وكذا قص الظفر والشارب ونتف الإبط.
(وينبغي) ألا يتجاوز في تركه أربعين يوما لقول أنس بن مالك: وقت لنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الأبط وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة. أخرجه السبعة إلا البخاري (١) ﴿٤٥﴾.
معناه أنه لا يترك تركا يتجاوز به الأربعين لا أنه وقت لهم الترك أربعين.
٢ - الختان: بكسر المعجمة وتخفيف المثناة (وهو) في حق الذكر قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف. وفي حق الأنثى قطع جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج فوق مدخل الذكر كالنواة أو كعرف الديك والكلام في حكمه ووقته.
(أ) هو واجب عند الشافعي وكثير من العلماء في حق الرجال والنساء (وواجب) على الرجال ومكرمة للنساء عند أحمد (وسنة) في حق الرجال والنساء عند الحنفيين ومالك وأكثر أهل العلم (والمشهور) عند المالكية أنه سنة في حق الذكور مندوب في حق الإناث محتجين بحديث شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: الختان سنة للرجال مكرمة للنساء.
стр. 218
أخرجه الطبراني وفي سنده حجاج بن أرطأة لا يحتج به. وله شاهد أخرجه الطبراني والبيهقي من طريق سعيد بن بشر إلى ابن عباس، وسعيد مختلف فيه. وقال البيهقي في المعرفة: لا يصح رفعه، ورواته موثقون إلا أن فيه تدليسا. وأخرجه أيضا من حديث أبي أيوب (١) ﴿٤٦﴾.
" والحديث" وأن تقوى بكثرة طرقه وبالشاهد (فهو) أعم من مدعاهم، لأن لفظة السنة فى لسان الشارع أعم من السنة فى اصطلاح الأصوليين.
(واحتج) منقال بالوجوب بأدلة (منها) حديث ابن جريح قال: أخبرت عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: قد أسلمت. فقال له النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألق عنك شعر الكفر يقول احلق قال وأخبرنى آخر معه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لآخر معه: ألق عنك شعر الكفر واختتن. أخرجه أحمد والطبرانى وأبو داود بسند ضعيف، لأن عثيما واباه مجهولان. وفيه انقطاع (٢) ﴿٤٧﴾.
(والحق) انه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب، والمتيقن السنة كما فى حديث " خمس من الفطرة ". والواجب الوقوف على المتقين إلى أن يقوم ما يفيد خلافه. هذا والرجل إذا أسلم ولم يطق الختان يترك وكذا من مات بلا ختان وهو الصحيح عند الشافعية.
(ب) (واختلف) فى وقت الختان. فروى ابن حبيب عن مالك أنه من سبع سنين إلى عشر، وأنه يكره يوم الولادة. فإن بلغ الشخص ولم يختن، فإن أمكنه أن يختن نفسه فعل، وإلا سقط وسقوطه عن الأنثى أولى حينئذ.
стр. 219
(وقالت) الحنبلية: يستحب الختان من بعد السابع إلى التمييز.
أما من السابع فمكروه، فإن بلغ وجب عليه ما لم يخف على نفسه (وقال) أبو حنيفة لا علم لى بوقته. ولذا اختلف فى وقته عند الحنفيين فقيل سبع سنين أو تسع، أو عشر، أو اثنتا عشرة، أو حين البلوغ (والصحيح) عند الشافعى أنه فى حال الصغر جائز، وفى وجه أنه يجب على الولى أن يختن الصغير قبل بلوغه. وعلى الصحيح يستحب أن يختن يوم السابع من ولادته، لحديث جابر رضى الله عنه أن النبى ﷺ ختن الحسن والحسين لسبعة أيام. أخرجه أبو الشيخ والبيهقى (١) ﴿٤٨﴾.
(وقال الماوردى) للختان وقتان وقت وجوب ووقت استحباب.
فوقت الوجوب البلوغ ووقت الاستحباب قبله. والمختار كونه قى اليوم السابع وقبل يوم الولادة فإن أخر ففى الأربعين يوما فإن أخر ففى السنة السابعة فإن بلغ وكان نحيفا يعلم من حاله أنه إذا اختتن تلف سقط الوجوب ويستحب ألا يؤخر عن وقت الاستحباب إلا لعذر وفى ختان الصغير مصلحة فإن الجلد بعد التمييز يغلظ يزداد الم قطعه (ونقل) ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود (ويرده) ما تقدم من ختن الحسن والحسين يو م السابع ويختن ويماط عنه الأذى وتثقب أذنه ويعق عنه ويحلق رأسه ويلطخ من عقيقته ويتصدق يوزن شعر رأسه ذهبا أو فضة. أخرجه الطبرانى فى الأوسط وفى سنده ضعف (٢) ﴿٤﴾.
стр. 220
(وعن) موسى بن على عن أبيه "أن إبراهيم ﵇ ختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام".أخرجه البيهقى (١) ﴿٥﴾.
هذا ووليمة ختان الذكر مشروعة وتجاب الدعوة اليها بخلاف ختان الأنثى وعليه يحمل ما روى عن عثمان بن أبى العاص أنه دعى إلى ختان فقال: ما كنا نأتى الختان على عهد النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا ندعى له ". أخرجه أحمد (٢) ﴿٤٩﴾.
(ولذا) قال ابن الحاج فى المدخل: السنة إظهار ختان الذكر والخفاء ختان الأنثى وإذا ولد مختونا لا يختن إلا إذا كان شئ يوارى بعض الحشفة.
(واختلف) فى ختان الخنثى. فعند الشافعية يختن فى فرجيه قبل البلوغ. وقيل لا يختن حتى يتبين. وهو لحق عند المالكية.
(وقال) الحنفيون: تشترى له أمه تختنه. ويكره أن يختنه رجل أو إمرأة.
(وقالت) الحنبلية: يختن فى فرجيه عند البلوغ.
٣ - قص الشارب: هو سنة عند الأكثر، ويستحب أن يبدأ بالجانب الأيمن، لحديث التيامن. والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه أو يوليه غيره، لحصول المقصود من غير هتك مروءة بخلاف الابط، ولا ارتكاب حرمة بخلاف العانة (واختلف) فى حد ما يقص من الشارب، فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه، لظاهر حديث ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " احفوا الشوارب وأعفوا اللحى" أخرجه مسلم والنسائى والترمذى وصححه (٣) [٥٠].
стр. 221
(وقال) الحنفيون: قص الشارب حسن والحلق أحسن. وقال أحمد: الاحفاء اولى من القص. (وقال) مالك والشافعى: احفاء الشرب مثله. والمراد بالاحفاء فى الحديث المبالغة فى أخذ الشارب حتى يبدو حرف الشفة (وقال) أشهب: سألت مالكا عمن يحفى شاربه فقال: أرى أن يوجع ضربا. وقال لمن يحلق شاربه: هذه بدعة ظهرت فى الناس، واحتج من لم ير الاحفاء بكثرة روايات القص. (واحتج) المحفون بأحاديث الأمر بالاحفاء، وهى صحيحة. (والحاصل) أن السنة دلت على جواز الأمرين، ولا تعارض فإن القص يدل على أخذ البعض، والأحفاء يدل على اخذ الكل وكلاهما ثابت. فيختار المكلف أيهما شاء. وينبغي لمن يريد المحافظة على السنن أن يستعمل هذا مرة وهذا مرة، ليكون قد عمل بكل ما ورد (وقد ذهب) بعض الحنفية وابن حزم إلى وجوب أخذ الشارب.
(لحديث) زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من لم يأخذ من شاربه فليس منها". أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه (١) ﴿٥١﴾.
"أما قول" ابن دقيق العيد: لا أعلم أحد قال بوجوب قص الشارب من حيث هو "فأكانه" لم يقف على ما ذكر (هذا) ولا باس بترك سباليه (٢) ما لم يفحش طولهما لما روى عامر بن الزبير ان عمر كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ. أخرجه الطبراني بسند رجاله ثقات غير أن عامرا لم يدرك عمر (٣) ﴿٦﴾.
стр. 222
٤ - نتف الإبط: بكسر الهمزة والموحدة وتسكن. وقد اتفق العلماء على أن نتفه سنة وهو أفضل أن قوى عليه. ويحصل أيضا بالحلق والنورة. وعن يونس بن عبد الأعلى قال: دخلت على الشافعي وعنده المزين يحلق إبطه (١) فقال الشافعي: علمت أن السنة النتف، ولكن لا أقوى على الوجع. ويستحب أن يبدأ بالإبط الأيمن (٢) لحديث التايمن "والحكمة" في طلب إزالة شعر الإبط أنه محل للرائحة الكريهة وإزالته تخففها. والنتف فيه أبلغ، بخلاف الحلق، فإنه يقوي الشعر ويهيجه فتكثر الرائحة. ولذا قال ابن دقيق العيد: من نظر إلى اللفظ وقف مع النتف. ومن نظر إلى المعنى أجازه بكل مزيل.
٥ - تقليم الأظافر: هو سنة اتفاقا ولا توقيت فيه، فمتى استحق القص فعل ويستحب أن يبدأ باليدين قبل الرجلين. والأفضل القص يوم الجمعة قبل الصلاة لقول أبي هريرة: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقص شاربه ويقلم أظافره يوم الجمعة قبل أن يروح إلى الصلاة. أخرجه البيهقي والبزار والطبراني في الأوسط تفرد به إبراهيم بن قدامه وليس بحجة فيما تفرد به (٣) ﴿٥٢﴾.
والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال. ولم يرد في ترتيب تقليم الأظافر خبر صحيح. وما اشتهر من قصها على وجه مخصوص لا أصل له في الشريعة. ولا يجوز اعتقاد استحبابه لأن الاستحباب حكم شرعي لابد له من دليل. وليس استسهال ذلك بصواب. والأولى دفن الأظافر والشعر.
стр. 223
(فائدة) يستحب نتف الإبط، وحلق العانة وقص الأظافر وتنظيف البدن بالاغتسال في كل أسبوع مرة، فإن لم يفعل ففي كل أسبوعين مرة، ولا عذر في تركه وراء الأربعين، لحديث أنس قال: وقت لنا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وتنف الإبط وحلق العانة، ألا يترك أكثر من أربعين ليلة. أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة (١) ﴿٥٣﴾.
معناه ألا يترك ما ذكر تركا يتجاوز الأربعين. فلا يجوز تجاوزها. ولا يعد مخالفا للسنة من ترك القص ونحوه بعد الطول إلى انتهاء الأربعين.
٦ - إعفاء اللحية: هو إرسالها وتوفيرها حتى تعفو وتكثر، من عفا الشيء إذا زاد وكثر، وعفاه وأعفاه إذا كثره. ويجب توفير اللحية ويحرم على الرجل حلقها، لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال جزوا الشوارب، وأرخوا اللحي، وخالفوا المجوس. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿٥٤﴾.
(وعن ابن عمر) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: خالفوا المشركين وفروا اللحي، وأحفوا الشوارب. أخرجه أحمد ومسلم والبخاري، وزاد "وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه (٣) " ﴿٥٥﴾.
والأحاديث الصحيحة الصريحة في أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتوفير اللحية كثيرة والأصل في الأمر الوجوب ولا يصرف عنه إلا لدليل ولا دليل. وأمر يتضمن النهي عن حلقها وقصها. والأصل في النهي التحريم ولا يصرف
стр. 224
عنه إلا لدليل ولا دليل. وأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن عدم إعفائها من فعل المجوس والمشركين. وكفي بذلك زجرا عن حلقها وعدم توفيرها. ومن القواعد المجمع عليها أن كل قول أو رأى أو هوى لا يوافق كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا قياسا صحيحا، فهو باطل. وليس بعد حكم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكم. قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (٦٥) (سورة النساء، وقال: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) عجز (٧) سورة الحشر "وقوله" صلى الله عليه وعلى آله وسلم: خالفوا المشركين، خالفوا المجوس "دليل" على حرمة حلق اللحية (وروى ابن عمر) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: من تشبه بقوم فهو منهم. أخرجه أبو داود. ورواه الطبراني في الأوسط عن حذيفة وقال: وفيه على ابن غراب وثقه غير واحد وضعفه جمع وبقية رجاله ثقات (١) ﴿٥٦﴾.
وهو دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم، أو بالكفار أو بالمبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة. فإذا تشبه بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر فإن لم يعتقد، ففيه خلاف بين الفقهاء: منهم من قال يكفر وهو ظاهر الحديث. ومنهم من قال لا يكفر ولكن يؤدب (٢). هذا، وقد نص أئمة المذاهب على حرمة حلق اللحية. قال العلامة السفاريني: "قال" في الإقناع وشرح المنتهى وغيرهما: لا يكره أخذ ما زاد على القبضة من
стр. 225
لحيته (١)، ولا أخذ ما تحت. وأخذ الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه من حاجبيه وعارضيه لفعل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، لكن إنما فعله إذا حج أو اعتمر. رواه البخاري (٢). (والمعتمد) في المذهب حرمة حلق اللحية (٣).
(وقال) في شرح العباب (فائدة) قال الرافعي والنووي: يكره حلق اللحية. واعترضه ابن الرفعة في حاشية الكافية بأن الشافعي ﵁ نص في الأم على التحريم (قال) الزركشي وكذا الحليمي في شعب الإيمان وأستاذه القفال الشاشي في محاسن الشريعة: وقال الأذرعي: الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها (٤).
وقال العلامة النفرواي: وفي قص الشوارب وإعفاء اللحي مخالفة لفعل الأعاجم فإنهم كانوا يحلقون لحاهم ويعفون الشوارب فما عليه الجند في زماننا من امر الخدم بحلق لحاهم دون شواربهم لا شك في حرمته عند جميع الأئمة (٥). وقال العلامة العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد (تتمة) نقل عن مالك كراهة حلق ما تحت الحنك حتى قال: أنه من فعل المجوس. ونقل عن بعض الشيوخ أن حلقه من الزينة، فتكون إزالته من الفطرة ويجمع بحمل كلام الإمام علي ما لم يلزم على بقائه تضرر الشخص ولا تشوبه خلقته. وكلام غيره
стр. 226
على ما يلزم على بقائه واحد من الأمرين. واختار ابن عرفة جواز إزالة شعر الخد وندب قص شعر الأنف لا نتفه، لأن بقاءه أمام من الجذام، ونتفه يورث الأكله (١). (ويحرم) إزالة شعر العنفقة كما يحرم إزالة شعر اللحية. وإزالة الشيب مكروهة كما يكره تخفيف اللحية والشارب بالموس تحسينا وتزيينا (٢).
(وقال) في الدر المختار شرح تنوير الأبصار للسادة الحنفية في "باب الحظر والإباحة" ويحرم على الرجل قطع لحيته (٣) يعني حلقها (وقال) في كتاب الصوم: وأما الأخذ منها "يعني اللحية" وهي دون ذلك "يعني دون القبضة" كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال، فلم يبحه أحد. وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الأعاجم (٤) (وقال) العلامة الحاج رجب في شرح الطريقة المحمدية (مسألة) هل يجوز حلق اللحية كما يفعله الجوالفيون؟ الجواب: لا يجوز. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحي (٥) أي قصوا الشوارب واتركوا اللحي كما هي، ولا تحلقوها ولا تنقصوها عن القدر المسنون. وهو القبضة (٦).
(ومما تقدم) تزداد علما بفساد رأي بعض المتأخرين الذين ي قولون: لا شيء في حلق اللحية لا حرمة ولا كراهة. ينعون على الملتحين والمعممين. وبصرحون بأن الدين ليس عمامة ولا لحية إلى غير ذلك. وهذا حق. لكنهم لم يريدوا به إلا تحقير شان اللحية والعمامة والمتحلين بهما. ولا جرم أن هؤلاء ينطبق عليهم
стр. 227
ما في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من رغب عن سنتي فليس مني. أخرجه مسلم والنسائي (١) ﴿٥٧﴾.
ومنهم من زاد الطين بلة فزعم إباحة حلقها أن لم ترض النساء بإعفائها وبعضهم يزعم أن إعفاء اللحية من القوميات والعادات ولا مدخل لدين فيه. "ولئن سلمنا" جدلا أنه من العادات فقط "فلم" لا نتأسى بعادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والخلفاء الراشدين، والصالحين من الأمة المحمدية.
(وقد) روى العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل محدثة بدعة (الحديث). أخرجه الأربعة إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح (٢) ﴿٥٨﴾.
وقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (١١٥) سورة النساء. فهؤلاء الذين يشاقون الشريعة وينبذونها، قد توعدهم الله تعالى "فهم" وإن مد الله لهم في الدنيا ولم يعجل فيها عقوبتهم "سينالهم" في أخراهم ما هم به جديرون من عذاب. قال تعالى: (والذين كذبوا بأياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم أن كيدي متين) (١٨٢، ١٨٣) سورة الأعراف، نسأل الله تعالى السلامة من الفتن.
стр. 228
هذا، وأما المرأة إذا نبت لها لحية فيجب عليها إزالتها عند الحنفيين ومالك. وقال الشافعي: يستحب لها إزالتها. ويتصل بإعفاء اللحية ثلاثة أمور:
(أ) نتف الشيب: هو مكروه عند الأئمة الأربعة والجمهور لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه خطيئة. أخرجه أحمد والأربعة وابن حبان بأسانيد حسنة، وحسنه الترمذي (١) ﴿٥٩﴾.
(وقال) أنس بن مالك: يكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته ولم يختضب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الأثر). أخرجه مسلم (٢) ﴿٧٠﴾. وهذا متفق عليه.
(وعن طارق) بن حبيب أن حجاما أخذ من شارب النبي ﵌ فرأى شيبة في لحيته. فأهوى بيده إليها ليأخذها، فأمسك صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده وقال: من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة. أخرجه الخلال في جامعه (٣) ﴿٦٠﴾.
(وذهبت) الظاهرية إلى تحريم نتف الشيب، لأنه مقتضى النهي حقيقة.
(قال النووي) لو قيل يحرم النتف للنهي الصريح لم يبعد، ولا فرق
стр. 229
بين نتفه من اللحية والرأس والشارب والحاجب والعذار، ومن الرجل والمرأة "وفي تعليله" بأنه نور المسلم، ترغيب بليغ في إبقائه، وترك التعرض لإزالته "وتعقيبه" بقوله: ما من مسلم يشيب في الإسلام "والتصريح" بكتب الحسنة، ورفع الدرجة، وحط الخطيئة "نداء" بشرف الشيب وأهله، وأنه من أسباب كثرة الأجور، وإيماء إلى أن الرغبة عنه ينتفه أعراض عن الثواب العظيم.
(قال) ابن العربي: وإنما نهى عن النتف دون الخضب، لأن فيه تغييرا للخلقة من أصلها بخلاف الخضب، فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه (١).
(ب) تغيير الشيب: يستحب خضاب شعر الراس واللحية بالصفرة والحمرة عند الأئمة الأربعة. ويحرم بالسواد عند أبي حونيفة ومحمد، وهو الصحيح عند الشافعية. وصوبه النووي قال: يمنع المحتسب الناس من خضاب الشيب بالسواد إلا المجاهد (٢).
ودليل تحريمه حديث جابر بن عبد الله قال: أتى بأبي قحافة يوم الفتح ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد. أخرجه أحمد والأربعة إلا الترمذي (٣) ﴿٦١﴾.
стр. 230
(وعن أبي الدرداء) أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: من خضب بالسوداء، سود الله وجهه يوم القيامة. أخرجه الطبراني في الكبير وفي سنده الوضين بن عطاء وثقه أحمد وابن معين وابن حبان وضعفه من هو دونهم في المنزلة وبقية رجاله ثقات (١) ﴿٦٢﴾.
(وعن) ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يكون في آخر الزمن قوم خضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة. أخرجه أبو داود والنسائي (٢) ﴿٦٣﴾.
(وقالت) المالكية والحنبلية: يكره الخضاب بالسواد. وهو قول للشافعية مالم يكن لغرض شرعي كإرهاب العدو. وإلا فلا كراهة بل يؤجر عليه. لحديث صهيب أن النبي صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: أن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد أرغب لنسائكم فيكم وأهيب لكم في صدور عدوكم. أخرجه ابن ماجه بسند حسن (٣) ﴿٦٤﴾.
ولإطلاق الحديث قال أبو يوسف: يجوز الخضاب بالسواد مطلقا، وروى عن عثمان.
стр. 231
واتفق الأئمة على جواز خضاب الشعر بالحناء والصفرة والكتم (١)، وهل الأفضل الترك أو الفعل؟ روايتان عن مالك، وقال غيره: الفعل أفضل لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أن اليهود والنصارى لا يصبغون "يعني شهورهم" فخالفوهم. أخرجه الستة، ولفظ الترمذي: غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود (٢) ﴿٦٥﴾.
(وحديث أبي ذر) ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أن أحسن ما غير به هذا الشيب الحناء والكتم. أخرجه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي (٣) ﴿٦٦﴾.
(قال) القاضي عياض: اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه. فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل. وروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النهي عن تغيير الشيب (٤).
ولأنه صلى الله عليه
стр. 232
وعلى آله وسلم لم يغير شيبه. روى هذا عن عمر وعلي وأبي بكر وآخرين. (وقال) آخرون: الخضاب أفضل. وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، للأحاديث الواردة في ذلك (ثم اختلف) هؤلاء فكان أكثرهم يخضب بالصفرة. منهم علي وابن عمر وأبو هريرة وآخرون. وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم، وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة بالسواد.
(قال) الطبراني: الصواب أن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتغيير الشيب وبالني عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض. بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب ابي قحافة. والنهي لمن له شمط فقط. واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض خلافه (١).
وما تقدم من النهي عن التخضيب بالسواد، عام في الرجال والنساء وحكى عن إسحاق بن راهوية أنه رخص فيه للمرأة، لتتزين به لزوجها.
هذا. وللخضب فائدتان: أحداهما تنظيف الشعر مما يعلق بهن الثانية: مخالفة أهل الكتاب.
(جـ) ما يكره في اللحية: يكره فيها ثماني خصال بعضها اشد قبحا من بعض:
١ - خضابها بالسواد إلا لغرض الجهاد إرهابا للعدو بإظهار الشباب والقوة فلا بأس إذا كان بهذه النية كما تقدم.
٢ - تبييضها بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة وطلب الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم وإيهام أنه من المشايخ.
стр. 233
٣ - خضابها بصفرة أو حمرة تشبها بالصالحين ومتبعي السنة لا بنية اتباع السنة.
٤ - نتفها في أول طلوعها وتخفيفها بالموسى إيثرا للمرودة واستصحابا للصبا وحسن الوجه. وهذا حرام من أقبح الخصال.
٥ - نتف الشيب وتقدم بسطه.
٦ - الزيادة فيها عن القبضة وعدم الأخذ من طولها العارضين ونتف جانبيهما من جهة الوجه.
٧ - النقص منها بالقص ونتف جانبي العنفقة وحلق أعلى العارضين ونتف جانبيهما من جهة الوجه.
٨ - عقدها في الحرب لأنها من زي الأعاجم ومنه معالجة الشعر حتى يتجعد. لحديث رويفع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: يا رويفع لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا منه برئ. أخرجه أبو داود والنسائي بسند جيد (١) ﴿٦٨﴾.
(فائدة) خضاب اليدين والرجلين بالحناء مستحب للمتزوجة من النساء، وحرام على الرجال إلا لحاجة كالتداوي لحديث عائشة قالت: أومأت امرأة من وراء ستر- بيدها كتاب- إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقبض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده فقال: ما أدري أيد رجل أم يد امرأة؟ قالت: بل ارمأة قال: لو كنت امرأة لغيرت أظفارك بالحناء. أخرجه النسائي وأبو داود (٢) ﴿٦٩﴾.
стр. 234
وعن أبي هريرة قال: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال: ما بال هذا؟ فقيل يتشبه بالنساء. فأمر به فنفى إلى النقيع فقيل: ألا نقتله يا رسول الله؟ فقال: أني نهيت عن قتل المصلين. أخرجه أبو داود وفيه أبو يسار القرشي مجهول (١) ﴿٧٠﴾.
٧ - السواك: كان من الفطرة لأنه مطهرة للفم وهو بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يتسوك به.
(والمراد به) استعمال عود أو نحوه في الأسنان، لتذهب الصفرة وغيرها عنها. والكلام ينحصر في ستة مباحث:
(أ) حكمه: هو مستحب عند الوضوء والصلاة مطلقا في المسجد وغيره وعند القيام من النوم: وعند تغير الفم، وعند دخول البيت، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. أخرجه الجماعة (٢) ﴿٧١﴾.
(وعنه) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء. أخرجه مالك والبيهقي والحاكم وصححه (٣) ﴿٧٢﴾.
(وعن عائشة) ﵂ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب". أخرجه أحمد والنسائي والترمذي
стр. 235
وابن حبان والحاكم والبيهقي والدارمي (١) ﴿٧٣﴾.
(وقالت) كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ ألا يتسوك قبل أن توضأ. أخرجه أحمد وأبو داود (٢) ﴿٧٤﴾.
والسواك مستحب في جميع الأوقات لكن في خمسة أوقات أشد استحبابا. (الأول) عند الصلاة سواء أكان متطهرا، أو غير متطهر كمن لا يجد ماء ولا ترابا. (الثاني) عند الوضوء. (الثالث) عند قراءة القرآن. (الرابع) عند الاستيقاظ من النوم. (الخامس) عند تغير الفم. وقد قامت الأدلة على استحبابه في جميع هذه الحالات.
(ب) آلته: (ويحصل) الاستياك بكل طاهر خشن يزيل الوسخ والأفضل أن يكون بالأراك والزيتون.
(قال) معاذ بن جبل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: " نعم السواك الزيتون من شجرة مباركه يطجيب الفم، ويذهب بالحفر. وهو سواكي وسواك الأنبياء من قبلي ". أخرجه الطبراني في الأوسط (٣) ﴿٧٥﴾.
ويحصل فضله بالأصبع عند فقد السواك، أو فقد أسنانه، أو ضرر بفمه، لحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " الأصبع
стр. 236
تجزئ من السواك ". أخرجه البيهقي والضياء في المختار وقال: إسناد لا بأس به (١) ﴿٧٦﴾.
(وعن عائشة) ﵂ قالت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال نعم. قلت كيف يصنع؟ قال يدخل اصبعه في فيه فيدلكه. أخرجه الطبراني في الأوسط. وفي سنده نبيت بن كثير وهو ضعيف (٢) ﴿٧٧﴾.
ويطلب أن يكون الاصبع نظيفا غير ملوث بما يضر بالصحة.
(جـ) كيفيته: يستحب أن يستاك في اللسان طولا، وفي الأسنان عرضا، لحديث أبي بردة عن أبيه "أبي موسى" قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نستحمله فرأيته يستاك على لسانه وهو يقول آه آه يعني يتهوع. أخرجه أبو داود (٣) ﴿٧٨﴾.
والسنة إمساكه باليمين وخنصرها تحت طرفه الأسفل، والثلاثة الباقية فوقه، والإبهام أسفل راسه كما رواه ابن مسعود.
(د) الاستياك بسواك الغير: اتفق العلماء على جواز الاستياك بسواك الغير بإذنه (لحديث) ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أراني أتسوك بسواك فجاءني رجلان أحدهما اكبر من الآخر، فناولت السواك
стр. 237
الأصغر منهما، فقيل لي كبر فدفعته للأكبر منهما. أخرجه أحمد والشيخان والبيهقي (١) ﴿٧٩﴾.
(هـ) تنظيفه: يسن غسل السواك بعد استعماله، لقول عائشة: كان نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستاك فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك. ثم أغسله وأدفعه إليه. أخرجه أبو داود والبيهقي بسند جيد (٢) ﴿٨٠﴾.
(و) السواك للصائم: يستحب للصائم أن يستاك أول النهار وآخره لحديث عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مالا أحصى يتسوك وهو صائم. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني وقال: عاصم بن عبد الله غيره أثبت منه والترمذي وقال حسن (٣) ﴿٨١﴾.
والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بالسواك للصائم بأسا. إلا أن بعضهم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب وكرهوا له السواك آخر النهار ولم ير الشافعي بالسواك بأسا أول النهار وآخره. وكره أحمد وغسحاق السواك أخر النهار.
(وباستحبابه) للصائم مطلقا قال الحنفيون ومالك والثوري (ومشهور) مذهب الشافعية وأحمد أنه يكره السواك للصائم بعد الزوال مستدلين بحديث
стр. 238
أبي هريرة ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. أخرجه مالك وأحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه (١) ﴿٨٢﴾.
قالوا: وجه الاستدلال أنه إذا استاك يزول هذا الخلوف. لكنه غير مسلم. فإن المراد من الحديث مدح الصائم من حيث صيامه، حتى أن رائحة فمه التي من شأنها أن تكون كريهة، مرضية عند الله ، يثاب عليها أكثر ما يثاب من تطيب برائحة المسك المحبوبة شرعا (وقول) علي: إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي. أخرجه البيهقي (٢) ﴿٨﴾. (ضعيف) فإن في سنده كيسان أبو عمر عن يزيد بن بلال وكيسان ليس بالقونى وضعفه يحيى بن معين والساجي. ويزيد بن بلال حديثه منكر. وقال ابن حبان: لا يحتج به "وقول" أبي هريرة: لك السواك إلى العصر، فإذا صليت فألقه. أخرجه الدارقطني والبيهقي (٣) ﴿٩﴾. "ضعيف" أيضا، فإن في سنده عمر بن قيس، وهو متروك. ولذا نقل الترمذي عن الشافعي أنه قال: لا باس بالسواك للصائم أول النهار وآخره. واختاره جماعة من أصحابه منهم أبو شامة والنووي والمزني.
٨ و ٩ - المضمضة والاستنشاق: سيأتي بيانهما وافيا في سنن الوضوء إن شاء الله تعالى.
١٠ - غسل البراجم: بفتح الموحدة وكسر الجيم جمع برجمة بضم الموحدة والجيم وهي عقد الأصابع ومفاصلها. وغسلها سنة مستقلة غير خاصة بالوضوء
стр. 239
ويلحق بها ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن والصماخ فيزيله بالمسح لأن الغسل ربما أضر بالسمع وكذلك ما يجتمع داخل الأنف وكل وسخ اجتمع على أي موضع من البدن بالعرق والغبار ونحوهما.
١١ - انتقاص الماء: بالقاف والصاد المهملة وهو لغة رش الماء على الذكر وفسره وكيع بن الجراح بالاستنجاء بالماء المتنجي به. وكان الاستنجاء من الفطرة لما فيه من تطهير المحل وتنظيفه والكلام فيه ينحصر في سبعة مباحث.
(أ) تعريفه: هو لغة غسل موضع الخارج من أحد السبيلين، أو مسحه بحجر أو نحوه. وشرعا إزالة ما على السبيل من النجاسة بنحو الماء، وتقليلها بنحو الحجر (ومن لوازمه) الاستبراء. وهو طلب البراءة من اثر الخارج. فيلزم الرجل الاستبراء حسب عادته بنحو مشي أو تنحنح أو ركض أو اضطجاع. ولا يصح الشروع في الوضوء حتى يطمئن بزوال الرشح، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: عامة عذاب القبر في البول فاستنزهوا من البول. أخرجه البزار والطبراني في الكبير (١) ﴿٨٣﴾ وفيه أبو يحيى القتات وثقه ابن معين وضعفه غيره.
(وعن عيسى) بن يزداد اليماني عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا بال أحدكم فينتر ذكره ثلاثا. أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود في المراسيل (٢) ﴿٨٤﴾ ويزداد ذكره ابن منده في معرفة الصحابة. وأبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب وفيه زمعة ابن صالح ضعيف.
стр. 240
ولا تحتاج المرأة إلى استبراء بل تصبر قليلا ثم تستنجى (ولابد) من الاستنقاء أيضا. وهو طلب النقاوة بدلك المقعدة بالأحجار حال الاستجمار، أو بالأصابع حال الاستنجاء بالماء حتى تذهب الرائحة.
(ب) حكمه: هو واجب عند الأئمة الثلاثة على من راد الصلاة (وقال) الحنفيون: هو سنة مؤكدة من نجس خارج من أحد السبيلين ولو غير معتاد ما لم يتجاوز المخرج. وإن تجاوز النجس المخرج وجب الغسل إن كان المتجاوز درهما فأقل. ويفترض الغسل إن كان المتجاوز أكثر من الدرهم. وغسل ما عدا المخرج من باب إزالة النجاسة.
(جـ) آلته: يكون بالماء والحجر ونحوه (١) فيغسل المحل بالماء حتى يعلم أنه طهر لقول أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي أداوة من ماء فيستنجى به. أخرجه أحمد والخمسة إلا الترمذي (١) ﴿٨٥﴾ (٢) ويجزئ فيه الحجر ونحوه من كل عين طاهرة قالعة غير محترمة. يمسح به المحل حتى ينقى. (ويستحب) فيه التثليث عند الحنفيين ومالك لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أكتحل فليوتر. من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج ومن استجمر فليوتر. من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج (الحديث) أخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمي والح وابن حبان في صحيحه (٢) ﴿٨٦﴾.
والمعنى: من فعل ما قلته كله فقد أحسن، ومن لم يفعل فلا حرج.
стр. 241
(وقال) الشافعي وأحمد: لابد من التثليث لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا. أخرجه أحمد والبيهقي (١) ﴿٨٧﴾.
(وقال) عبد الرحمن بن يزيد: قيل لسلمان علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ أجل. نهانا أن نستقبل القبلة يغائط أو بول، أو أن نستنجى باليمين أو أن يستنجى أخدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو يستنجى برجيع أو بعظم. أخرجه الستة إلا البخاري (٢) ﴿٨٨﴾.
(دل) ما ذكر على أنه لا يجزئ في الاستنجاء أقل من ثلاثة أحجار ولو حصل به الإنقاء. فإن حصل بها الإنقاء، وإلا وجبت الزيادة عليها يحصل الإنقاء (وأجاب) الحنفيون بأن ذكر الثلاثة في هذه الأحاديث محمول على الندب جمعا بين الأحاديث (ويؤيده) قول ابن مسعود: أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة. وقال هذه ركس. أخرجه البخاري واللفظ له وابن ماجه والترمذي والنسائي (٣) ﴿٨٩﴾.
(ووجه الاستدلال) أنه لو كان العدد شرطا لطلب ثالثا لكنه لم يطلبه ومن أنعم النظر في أحاديث الباب ودقق ذهنه في معانيها، علم وتحقق أن المراد الإنقاء لا التثليث (ورد) بأن حديث سلمان نص في أنه لا يقتصر على ما دون الثلاث.
стр. 242
وهو قول، وحديث ابن مسعود فعل. وإذا تعارضا قدم القولي لا سيما وقد ورد الأمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار في غير حديث كما تقدم.
(وقالت) المالكية: يتعين الماء ولا يكفي الحجر ونحوه في خمس صور:
١ - في إزالة المنى لمن فرضه التيمم أو الوضوء كخروجه بلا لذة أو بلذة غير معتادة.
٢ - وفي إزالة دم الحيض أو النفاس، وكذا دم الاستحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى، فلا تجب إزالته.
٣ - وفي إزالة بول المرأة بكرا أو ثيبا، لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة.
٤ - وفي بول أو غائط انتشر عن المخرج انتشارا كثيرا كأن يصل إلى المقعدة أو يعم الحشفة.
٥ - وفي مذي خرج بلذة معتادة بنظر أو ملاعبة أو بتذكر مع وجوب غسل جميع الذكر بنية طهارته من الحدث (وهذه النية) واجبة غير شرط على المعتمد. فلذا لو تركها وغسل ذكره بلا نية وتوضأ وصلى له تبطل صلاته على الراجح. وأما غسل جميع الذكر فقيل واجب شرطا، فلو اقتصر على غسل جميع الذكر فقيل واجب غير شرط. فلا تبطل الصلاة بغسل البعض ولو محل النجاسة فقط، وعلى الثاني يجب غسل جميعه لما يستقبل من الصلاة لأنه أمر واجب.
(وقال) ابن حبيب المالكي: لا يجزئ الحجر إلا لمن عدم الماء. وهو خلاف ما ثبت في السفة، وما عليه الإجماع من جواز الاقتصار على الحجر ونحوه مطلقا، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم لحاجة، فليستطب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه وأبو داود والدارقطني. وقال: إسناده صحيح حسن (١) ﴿٩﴾.
стр. 243
(د) كيفية الاستجمار: ينبغي أن يجعل المستجمر حجرين للصفحتين وحجرا للمخرج، لحديث سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وعلى آل وسلم سئل عن الاستطابة فقال: أولا لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة. أخرجه البيهقي والطبراني والدارقطني باسناد حسن (١) ﴿٩١﴾.
(هـ) أنواع الاستنجاء- هي ثلاثة:
(١) - مسح المحل بالحجر ونحوه ثم غسله بالماء على أن يقع في قلبه أنه طهر (لحديث) ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية (فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين) في أهل قباء، فسألهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: أنا نتبع الحجارة الماء. أخرجه البزار (٢) ﴿٩٢﴾. وفيه محمد بن عبد العزيز ابن عمر الزهري. ضعفه البخاري والنسائي وغيرهما.
وهذا أفضل إذا أمكنه الغسل بلا كشف عورة على من يحرم عليه نظر عورته، وإلا لزم الاستجمار من تحت الثياب. ولا يستنجي بالماء.
(٢ و ٣) - (ويلي) الاستنجاء بهما، الاقتصار على الماء. وبعده الاقتصار على الحجر. والسنة تحصل بالكل. هذا، وأحاديث الباب ترد على من كره الاستنجاء بالماء وعلى من نفي وقوعه من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(و) ما لا يستنجى به: يكره تحريما عند الحنفيين الاستنجاء بعظم وروث
стр. 244
وفحم وطعام لأدمي كالخبز أو بهيمة كالحشيش (لقول) ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: قدم وفد الجن على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا: يا رسول الله أنه أمتك أن يستنجوا بعظيم أو روث أو حممة فإن الله جعل لنا فيها رزقا فنهى النبي ﷺ عن ذلك. أخرجه أبو داود والبيهقي. وفيه إسماعيل ابن عياش وهو ثقة (١) ﴿٩٣﴾.
(وكذا) يكره الاستنجاء بخرقة حرير وبالورق سواء ورق الكتابة والشجر والقطن. ولو فعل يجزئه لحصول المقصود.
(وحكمة) النهي في الروث النجاسة، وفي العظم، كونه زاد الجن. ولا يستنجى بطعام لأنه إسراف وإهانة.
(وقالت) الشافعية والحنبلية وإسحاق والثوري: لا يجوز الاستنجاء بعظم ولا بعر ولا محترم، ولا يجزئ، لحديث ابن مسعود ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن. قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد. فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه. يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما. وكل بعرة أو رويثة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام أخوانكم من الجن. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿٩٤﴾.
وتقدم في حديث سلمان: نهانا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نستنجى برجيع أو عظم (٣).
стр. 245
(نبه) النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرجيع على جنس الجنس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه طعاما للجني فنبه به على جميع المطعومات، وتلحق به المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم. ولا فرق في النجس بين المائع والجامد. فإن استنجى بنجس لم يصح استنجاؤه ووجب عليه الاستنجاء بالماء. ولا يجزئه الحجر، لأن الموضع صار نجسا بنجاسة أجنبية. ولو استنجى بمطعوم أو غيره من المحترمات الطاهرات، فالأصح أنه لا يصح استنجاؤه، ولكن يجزئه الحجر بعد ذلك إن لم يكن نقل النجاسة من موضعها. وقيل: أن استنجاءه الأول يجزئه مع المعصية (١).
(وقالت) المالكية: لا يجوز الاستنجاء بالنجس كأرواث الخيل والحمير وعظم الميتة والعذرة، ولا بمحترم لكونه مطعوما لآدمي كخبز أو مكتوبا، لحرمة الحروف ولو بخط غير عربي، أو مشرفا لذاته كذهب وفضة، او حقا للغير كجدار مملوك للغير ولو وقفا. وأجزأ الاستنجاء بما ذكر مع الحرمة إن حصل الإنقاء. قالوا: ويكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين.
(وحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يستنجى بروث أو بعظم، وقال: إنهما لا يطهران. أخرجه الدارقطني وصححه (٢) ﴿٩٥﴾.
(يرد) على من زعم أن الاستنجاء بهما يجزئ وإن كان منهيا عنه.
(ز) آداب قضاء الحاجة- يعني البول والغائط. يندب لمن يريد قضاء الحاجة أمور، ذكر منها سبعة وعشرون.
стр. 246
١ - أن يقول جهرا عند دخوله محل قضائها: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
٢ - ثم يدخل باليسرى.
٣ - ولا يكشف عورته قبل أن يدنو إلى العقود.
٤ - ويوسع بين رجليه ويميل على اليسرى.
٥ - ولا يرد سلاما، ولا يجيب مؤذنا، فإن عطس حمد الله بقلبه.
٦ - ولا ينظر إلى عورته، ولا إلى ما يخرج منه.
٧ - ولا يبزق في البول.
٨ - ولا يطيل القعود فإنه يولد الناسور (١).
٩ - ولا يكثر الالتفات.
١٠ - ولا يعبث ببدنه.
١١ - ولا يرفع بصره إلى السماء.
١٢ - فإذا فرغ من قضاء حاجته، عصر ذكره من أسفله إلى الحشفة.
١٣ - ثم يغسل يديه ثلاثا.
١٤ - ثم يفيض الماء باليمنى على فرجه ويغسله باليسرى بادئا بالقبل ويرخى مقعدته، يفعل ذلك ثلاثا، ويدلك كل مرة ويبالغ مالم يكن صائما.
١٥ - ثم يقوم وينشف فرجه بخرقة نظيفة إن أمكنه، وإلا مسحه بيده مرارا.
١٦ - ويستر عورته قبل أن يستوى قائما.
١٧ - ثم يخرج برجله اليمنى ويقول: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافاني، الحمد لله الذي اذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه، اللهم حصن فرجي، وطهر قلبي، ومحص ذنوبي.
(وقد ورد) في ذلك أحاديث (منها) حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث. أخرجه البخاري والأربعة (٢) ﴿٩٦﴾.
стр. 247
وهذا في الأمكنة المعدة لذلك، أما في غيرها كالصحراء فيقوله عند تشمير الثياب.
(وقال) ابن عمر ﵄: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. أخرجه أبو داود والبيهقي (١) ﴿٩٧﴾.
(وقالت) عائشة ﵂: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه (٢) ﴿٩٨﴾.
(قيل) أنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة، لما ثبت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرا يستغفر منه. (وقيل) استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله تعالى عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج.
(وقال) أنس ﵁: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافني. أخرجه ابن ماجه (٣) ﴿٩٩﴾.
стр. 248
(وفي حمده) صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنه جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها "وحق" وعلى من أكل ما يشتهيه من الأطعمة فسد به جوعته، وحفظ به صحته وقوته. ولما لم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة التي بقاؤها في الجوف مهلك، خرج بسهولة من مخرج معد لذلك بعيد عن الحواس التي تتأذى بخروجه "أن يكثر" من محامد الله تعالى.
١٨ - (ويطلب) ممن أراد قضاء الحاجة، ترك استصحاب مافيه ذكر الله تعالى، (لقول) أنس ﵁: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس خاتما نقشه: محمد رسول الله. فكان إذا دخل الخلاء وضعه. أخرجه الحاكم (١) ﴿١٠٠﴾.
وهو دليل على أنه يندب لمن يريد التبرز أن ينحي عنه كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو اسم نبي أو ملك.
(وبهذا) قالت الأئمة الأربعة: فإن خالف كره له ذلك إلا لحاجة. كأن يخاف عليه الضياع، وهذا في غير القرآن. أما القرآن فقالوا: يحرم استصحابه في تلك الحالة كلا أو بعضا إلا أن خيف عليه الضياع، أو كان حرزا، فله استصحابه. ويجب ستره حينئذ ما أمكن.
١٩ - (ويطلب) ممن يريد قضاء الحاجة، البعد والاستتار عن الناس، لقول جابر: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر، فكان
стр. 249
لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى. أخرجه ابن ماجه بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿١٠١﴾.
فالحديث يدل على مشروعية الأبعاد لمن يريد قضاء الحاجة، لإخفاء ما يستقبح سماعه أو رائحته.
(وعن أبي هريرة) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أتى الغائط فليستتر، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي (٢) ﴿١٠٢﴾.
(وفي الحديث) الأمر بالتستر معللا بأن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. وذلك أن الشيطان يحضر مكان قضاء الحاجة لخلوه عن الذكر الذي يطرد به. فإذا حضر أمر الإنسان بكشف العورة، وحسن له البول في المواضع الصلبة التي هي مظنة رشاش البول. فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاضي الحاجة
стр. 250
بالتستر حال قضائها، مخالفة للشيطان ودفعا لوسوسته التي يتسبب عنها النظر إلى سوءة (عورة) قاضي الحاجة المفضي إلى أثمة.
٢٠ - (ويطلب) من المتخلى ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (لحديث) أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه. وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروثة والرمة. أخرجه مالك وأحمد والأربعة إلا الترمذي (١) ﴿١٠٣﴾.
(وهو) يدل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائطز (وبه) قال الأوزاعي والثوري وأحمد في رواية (قالوا) لا يجوز فذلك في الصحراء ولا في البنيان، أخذا بالحديث.
(وقال) مالك والشافعي وأحمد في رواية: يحرم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في الصحرا. ولا يحرم ذلك في البنيان، حملا للنهي في الحديث على الصحراء، لقول ابن عمر: لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبرر القبلة. أخرجه السبعة والبيهقي، وقال الترمذي: حسن صحيح (٢) ﴿١٠٤﴾.