(٣) من صلى الضحى كتب الله له ألف ألف حسنة. فيه نوح بن أبي مريم كذاب وضاع.
(٤) عن عليّ مرفوعاً: من صلى سبحة الضحى ركعتين إيماناً واحتساباً كتب له مائتا حسنة، ومحيَ عنه مائتا سيئة، ورفع له مائتا درجة، وغفر له ذنوبه كلها ما تقدم منها وما تأخر إلا القصاص والكبائر .... الخ. ما ذكر في ثواب الأربع والست إلى اثنى عشر بقدر ذلك (قال) ابن حَجَر: هذا كذب مختلق وإسناده مظلم مجهول. اهـ.
(ثانياً) قال العلامة محمد طاهر بن علي الهندي في تذكرة الموضوعات:
(١) من دوام علي الضحى ولم يقطعها إلا لعلةٍ: كنت وهو في زورق من نور في بحرٍ من نور حتى يزور رب العالمين. موضوع.
(٢) من صلى الضحى يوم الجمعة أربع ركعاتٍ يقرأُ في كلِّ ركعةٍ الفاتحةَ والمعوذتين والإخلاص والكافرون وآية الكرسي عشراً عشراً، فله كذا كذا، ويولد له ولو كان عقيماً. موضوع اهـ.
(ثالثاً) قال الشيخ إسماعيل العجلوني في كشفِ الخفاءِ: ومن الموضوع: من صلى الضحى كذا وكذا ركعة أعطيَ ثواب سبعين نبياً. اهـ.
(رابعاً) اشتهر بين العوامّ أن من فعلها ثم تركها يصاب في نفسِه وأولادِه، ولا تعيشُ له ذُرِّيَّة. وهو مَحْض كَذِب واختلاق منابذ للسنة.
(قال) العراقي في شرح الترمذي: اشتهر بين كثير من العوام أنَّ من صلى الضحى ثم قطعها يحصل له عمى، فصار كثيرٌ لا يصلونها خوفاً من ذلك. وليس لهذا أصل ألبتة، لا من السنة ولا عن أَحَدٍ مِنَ الصحابة والتابعين ومن بعدهم. والظاهر أن هذا مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام
стр. 1822
ليتركوا صلاة الضحى دائماً، فيفوتهم بذلك خيرٌ كثير، فإنَّ ركعتيها تجزئانِ عن سائر أنواع التسبيح والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر. اهـ. (١)
٨ - الصلاة عقب الطهارة
تقدم أنه يسن صلاة ركعتين بعد الوضوء والغسل وبعض ما ورد في فضلهما (٢)، وقد ورد في ذلك أحاديث أخر (منها) حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدثني بأرجى عملٍ عملته في الإسلام، فإني سمعتُ دفّ نعليك بين يديّ في الجنة. قال: ما عملتُ عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. أخرجه البخاري (٣) ﴿٣١٩﴾.
(وحديث) بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالاً فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي، فأتيت على قصرٍ من ذهبٍ مربع مشرف، فقلت: لمنْ هذا
стр. 1823
القصر؟ قالوا: لرجلٍ منَ العرب. قلت: أنا عربيّ، لمن هذا القصْر؟ قالوا: لرجلٍ من قريش، فقلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من أمة محمد ﷺ . قلت: فأنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله، ما كنت لأغار عليك، وقال لبلال: بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ بهذا أخرجه أحمد والترمذي بسند جيد (١) ﴿
٣٢٠﴾.
(ولعموم) قوله في الحديث رقم ٣١٩ ص ٢٢٧: في ساعةٍ من ليلِ أو نهارٍ، قالت الشافعية: تسنُّ الصلاةُ عقبِ الطهارةِ في أي وقتٍ، ولو وقت كراهةٍ، وهي سنةٌ مؤكدةٌ.
стр. 1824
(وقال) الجمهور: هذه الصلاة مندوبة لا مؤكدةٌ، ولا تؤدي في أوقات النهي، حملاً لأحاديث النهي على إطلاقها كما تقدم بيانه (١)
٩ - صلاة الاستخارة:
الاستخارة: هي طلب الخير من الله تعالي فيما يقصد من الأمور، يقال خار الله لك، أي أعطاك ما هو خير لك.
(وقد ورد) في الحث عليها والترغيب فيها أحاديث منها:
((حديث)) سعد بن أبى وقاص أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: من سعادة بن آدم استخارته الله، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شقوة ابن آدم تركة استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضاة الله . أخرجه احمد والحاكم وأبو يعلي والبزار بسند جيد والترمذى. وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن أبى حميد. وليس بالقوي عند أهل الحديث (٢) ﴿٣٢٣﴾.
هذا والاستخارة مشروعة وغير مشروعة.
стр. 1825
(أ) الاستخارة المشروعة
ينحصر الكلام فيها في أربع فروع:
١ - حكمها:
يستحب لمن عزم علي أمر لا يدرى وجه الصواب فيه كسفر وتجارة وزواج وشركة، أن يشاور فيه من يعلم منه حسن النصيحة وكمال الشفقة والخبرة ويثق بدينه ومعرفته ((لقوله)) تعالي: ((وشاورهم في الأمر)) (١) وقوله: ((وأمرهم شوري بينهم)) (٢).
(وإذا) شاور وظهر انه مصلحة استخارة الله فيه، فيصلي ركعتين تطوعا ويدعو بالدعاء الآتي ونحوه. أما المعروف خيره كالعبادة وعمل المعروف فيفعل بلا استخارة، والمعروف شره كالمحرم والمكروه، فيترك بلا استخارة ودليل صلاة الاستخارة:
(حديث) جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القران. يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري واجله، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. وان كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشى
стр. 1826
وعاقبه أمري، أو قال في عاجل أمري واجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به. أخرجه السبعة إلا مسلماً وقال: حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبى الموالي، وهو شيخ مدني ثقة (١) ﴿٣٢٤﴾
(وحديث) أبى أيوب الأنصاري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال له: اكتم الخطبة ثم توضأ فأحسن الوضوء ثم صل ما كتب الله لك، ثم احمد ربك ومجده، ثم قل: اللهم انك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وأنت علام الغيوب، فإن رأيت لي في فلانة - تسميها باسمها- خيراً لي في دنياي وآخرتي، فاقض لي بها، أو قال فاقدرها لي، وان كان غيرها خيرا لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي بها، أو قال فاقدرها لي. أخرجه احمد والطبراني وابن حبان. وفي سنده ابن لهيعة متكلم فيه. وأخرجه احمد من طريق آخر رخاله كلهم ثقات (٢) ﴿٣٢٥﴾
стр. 1827
(وفي الباب) أحاديث آخر كلها تدل علي استحباب صلاة الاستخارة والترغيب فيها، وبه قال جميع العلماء (قال) العراقي: لم أجد من قال بوجوب الاستخارة، ومما يدل علي عدم وجوبها الأحاديث الصحيحة الدالة علي انحصار فرض الصلاة في الخمس من قوله: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع (١)
وغير ذلك. اهـ.
(وقال) النووي في الأذكار: تستحب الاستخارة بالصلاة والدعاء، وتكون الصلاة ركعتين من النافلة. والظاهر أمها تحصل بركعتين من السنن الرواتب وبتحية المسجد وغيرها من النوافل. اهـ. يعني إذا نوي بها الاستخارة (وقال) العراقي: إن كان همه بالأمر قبل الشروع في الراتية ونحوها ثم صلي من غير نية الاستخارة وبدا له بعد الصلاة الإتيان بدعاء الاستخارة فالظاهر حصول ذلك. اهـ.
(فائدة) من تأمل دعاء الاستخارة الوارد عن رسول الله عليه وسلم وجد فيه من البلاغة والأسرار والفوائد ما لا يوجد في أي دعاء يختاره الإنسان لنفسه.
стр. 1828
(قال) ابن الحاج: ثم انظر إلى تلك الالفاظ الجليلة التي شرعها ﵊ لأمته ليرشدهم إلى مصالحهم الدنيوية والأخروية، وهي (اللهم) أي أسألك بجميع ما سئلت به، ويؤيده ما نقل أنه اسم الله الأعظم الذي ترجع إليه جميع الاسماء (انني استخيرك بعلمك) القديم الكامل لا بعلمي أنا المخلوق القاصر، فمن فوض الأمر إلى ربه اختار له ما يصلح (وأستقدرك بقدرتك) القديمة الأزلية، لا بقدرتي أنا المخلوقة المحدثة القاصرة، فمن تعرى عن قدرة نفسه وكانت قدرته منوطة بقدرة ربه مع السكون والضراعة إليه، فلا شك في وجود الراحة له، إما عاجلاً أو آجلاً أو هما معاً، وأي راحةٍ أعظم من الانسلاخ من عناء التدبير والاختيار والخوض بفكرة عقله فيما لا يعلم عاقبته، (وأسألك من فضلك العظيم) فمن توجه بالسؤال إلى مولاه دون مخلوقٍ واستحضر سعة فضل ربه وتوكل عليه ونزل بساحة كرمه، فلا شك في نجح سعي من هذا حاله، اذ فضل المولى أجل وأعظم من ان يرجع إلى قانون معلوم وتقدير (فإنك تقدر ولا أقدر،
(وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب) فمن تبرأ وانخلع من تدبير نفسه وحوله وقوته ورجع بالافتقار إلى مولاه الكريم الذي لا يعجزه شيء، فلا شك في قضاء حاجته وبلوغ ما يؤمله وقع الراحة (أو قال في عاجل أمري وآجله) الشك هنا من الراوي في أيهما قال ﵊. وإذا كان كذلك فينبغي للمكلف أن يختاط لنفسه في تحصيل بركة لفظه ﵊ على القطع فيأتي بهما معاً (فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه) فمن رضي بما اختاره له سيده العالم بعواقب الأمور كلها وبمصالح الأشياء جميعها بعلمه القديم الذي لا يتبدل ولا يتحول، فقد
стр. 1829
سعد السعادة العظمى (فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به) فمن سكن إلى ربه وتضرع إليه ولجأ في دفع جميع الشر عنه، فلاشك في سلامته من كل ما يتوقع من المخاوف (فأي دعاء) يجمع هذه الفوائد ويحصلها مما اختاره المرء لنفسه مما يخطر بباله من غير الألفاظ الجليلة التي احتوت على ما وقعت الإشارة إليه وأكثر منه؟ ولو لم يكن فيها من الخير والبركة إلا أن من فعلها كان ممتثلاً للسنة المطهرة محصلاً لبركتها لكفى. ثم مع ذلك تحصل له بركة النطق بتلك الألفاظ التي تربو على كل خير يطلبه الإنسان لنفسه ويختاره لها، فيا سعادة من رزق هذا الحال. أسأل الله أن لا يحرمنا ذلك بمنه (وينبغي) أن لا يفعلها المكلف إلا بعد أن يمتثل ما مضى من السنة في أمر الدعاء وهو أن يبدأ أولاً بالثناء على الله . ثم يصلي على النبي ﷺ . ثم يأخذ في دعاء الاستخارة المتقدم. ثم يختمه بالصلاة على النبي ﷺ .
(والجمع) بين الاستخارة والاستشارة من كمال الامتثال للسنة. فينبغي للمكلف أن لا يقتصر على إحداهما، فإن كان ولابد من الاقتصار فعلى الاستخارة، لما تقدم من قول الراوي: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن (١).
٢ - القراءة في صلاة الاستخارة:
يقرأ في كل ركعة منها الفاتحة وسورة ما. والأفضل أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: "قل يأيها الكافرون". وفي الثانية: "قل هو الله
стр. 1830
أحد". (وقيل) يقرأ في الأولى: "وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون" (١).
وفي الثانية: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً" (٢)
(قال) الحافظ في الفتح: والأكمل أن يقرا في كل منهما السورة والآية الأوليين في الأولى يعني بعد الفاتحة والآخرتين في الثانية. اهـ. لكن ظاهر الأحاديث عدم التقييد بشيء مما ذكر، فله أن يقرأ فيهما ما شاء.
هذا "وقول" النبي ﷺ في حديث أبي أيوب رقم ٣٢٥ ص ٢٣٠: ثم صل ما كتب الله لك "ظاهر" في جواز صلاة الاستخارة بأكثر من ركعتين، فله أن يصلي أربعاً أو أكثر بتسليمةٍ.
"ومفهوم" العدد في قوله في حديث جابر (رقم ٣٢٤ ص ٢٣٠):
стр. 1838
فليركع ركعتين. "ليس" بحجة عند الجمهور، غير أنهم اتفقوا على أنه لا تجزيء الركعة الواحدة.
هذا. وحكمة تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد من الاستخارة الجمع بين خيري الدنيا والآخرة، فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لهذا أنجع من الصلاة، لما فيها من تعظيم الله تعالى والثناء عليه، وإظهار الافتقار إليه حالاً ومآلً.
٣ - وقت صلاة الاستخارة:
لم يعين لها في الأحاديث وقت، ولذا قالت الشافعية: يجوز تأديتها في كل وقت حتى وقت النهي عن الصلاة، لأنها صلاة لها سبب.
(وقال) الجمهور: تؤدي في غير أوقات النهي، تقديماً للحاظر على المبيح.
٤ - الاستخارة بالدعاء:
إذا تعذرت صلاة الاستخارة، استخار بالدعاء. ويستحب افتتاحه بالحمد لله والصلاة على النبي ﷺ . وإذا استخار فعل ما ينشرح له صدره، ولا يعتمد على انشراح كان له قبل الاستخارة، بل ينبغي له ترك اختياره رأساً وإلا فلا يكون مستخيراً لله، بل يكون مستخيراً لهواه فإن لم ينشرح صدره لشيء (فقيل) يكرر الاستخارة ثلاثاً، لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا دعا كرر الدعاء ثلاثاً (وقيل) يكررها سبعاً (لما روي) عن أنس أن النبي ﷺ قال: إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي يسبق إلى
стр. 1839
قلبك فإن الخيرة فيه. أخرجه ابن السني في عمل يوم وليلة والديلمي في مسند الفردوس (١) ﴿٣٣٧﴾
وفي سنده: (أ) إبراهيم بن البراء ضعيف جداً. (ب) البراء بن النضر ابن أنس ضعفه العقيلي وابن حبان وابن عدي. وعليه فالحديث ساقط لا يحتج به (قال) الحافظ في الفتح: هذا الحديث لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن إسناده واه جداً.
وقال النووي في الأذكار: إسناده غريب. فيه من لم أعرفهم.
(ب) الاستخارة غير الشرعية:
قد جهل كثير من الناس الاستخارة الشرعية المرغب فيها بالأحاديث السابقة وهجروها، او قل من يعمل بها، وابتدعوا لها أنواعاً كثيرة لم يرد شيء منها في الكتاب ولا في السنة، ولم ينقل عن أحد من السلف والخلف (وجهلوا) قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة. أخرجه أحمد والبزار عن غضيف بن الحارث اليماني. وفي سنده أبو بكر ابن أبي مريم منكر الحديث (٢) ﴿٣٣٨﴾
(وغفلوا) عن قوله ﷺ : من تمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مائة شهيدٍ. أخرجه البيهقي عن ابن عباس من طريق
стр. 1840
الحسن بن قتيبة. وأخرجه الطبراني عن أبى هريرة بسند لا بأس به، إلا أنه قال: فله أجر شهيدٍ (١) ﴿٣٣٩﴾
(ولذا) نكبوا أخيراً بترك كل شيء ثابت عن الرسول ﷺ ، وعكفوا على بدع ومحدثات الصقوها بالدين، والدين منها براءة براءة الذئب من دم ابن يعقوب "ولو قدر" لعاقل أن يترك ما عكفوا عليه ويسلك طريق الرسول ﷺ ويهتدي بهديه "سلقوه" بألسنة حداد، واعتبروه خارجاً على الدين، بل عدوه مبتدعاً متنطعاً مشدداً جامداً، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا. والاستخارات المبتدعة كثيرة المذكور منها هنا سبع.
١ - استخارة النوم:
يعلمها صاحب الحاجة أو يعملها له غيره بأن يقرأ الشخص شيئاً من القرآن ويدعو الله أن يريه في منامه أو يريه خضرة أو بياضاً إن كان ما يقصده خيراً، ويريه حمرة أو سواداً إن كان ما يقصده لا خير فيه.
(فمنهم) من يقرأ الفتحة عشر مرات إن كان متوضئاً وإلا قرأها إحدى عشرة مرة على أي حال كان، ثم يهب ثواب ما قرأ إلى النبي ﷺ ، ثم يقول: اللهم إن كان هذا الأمر- ويسمى ما يريد- خيراً فأرني ابيض أو اخضر أو ماء جارياً. وإن كان شراً- ويسمى الأمر- فأرني أسود أو أحمر، ثم يشغل باله بهذا الأمر الذي يبيت له ويصلي على النبي ﷺ حتى يأخذه النوم.
стр. 1841
(ومنهم) من يتوضأ ثم يقرأ "قل هو الله أحد" إحدى عشرة مرة على أي حال كان، أو الفاتحة عشر مرات، ويصلي على النبي ﷺ ما شاء، ثم يقول: اللهم إن كان هذا الأمر- ويسمى حاجته- خيراً فأرني ما يدل عليه، وإن كان غير ذلك فأرني ما يصرف عنه، ويشتغل بذكر الله حتى يأخذه النوم.
(ومنهم) من يقرأ قبل النوم: "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"، تسع مرات، فيرى ما يرى.
(وقد) عكف على هذه الاستخارة خاصة الناس فضلاً عن عامتهم (ورؤيا) المؤمن الصادق وإن كانت لا تكاد تخطيء، فالاستخارة بواسطتها لم تشرع، وفيها عدول عن تعليم الرسول الأعظم ﷺ ، وعن الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة. وهذا يتنافى مع كمال الإيمان وحسن اليقين الذي يقتضي التخلي عن البدع، والتحلي بالسنن.
(وقد ذكر) العلامة الصاوي في تفسير آية: "وربك يخلق ما يشاء ويختار" صلاة الاستخارة ودعاءها، ثم قال: فإن لم يكن يحفظ هذا الدعاء فليقل: اللهم خر لي واختر لي، كما روي عن عائشة عن أبي بكر ﵄. واعلم أن هذه الكيفية هي الواردة في الحديث الصحيح وأما الاستخارة بالمنام أو بالمصحف أو السبحة، فليس وارداً عن النبي ﷺ . ولذا كرهه العلماء وقالوا: إنه نوع من الطيرة.
(وقال) ابن الحاج في المدخل: وليحذر مما يفعله بعض الناس ممن لا علم عنده أو عنده علم وليس عنده معرفة بحكمة الشرع الشريف في ألفاظه الجامعة للأسرار العلية، لأن بعضهم يختارون لأنفسهم
стр. 1842
استخارة غير الاستخارة المتقدمة الذكر. وهذا ما فيه من اختيار المرء لنفسه غير ما اختاره له من هو أرحم به وأشفق عليه من نفسه ووالديه، العالم بمصالح الأمور (يعني الدينية)، المرشد لما فيه الخير والنجاح والفلاح، ﷺ .
(وبعضهم) يستخير الاستخارة الشرعية ويتوقف بعدها حتى يرى مناماً يفهم منه فعل ما استخار فيه أو تركه أو براه غيره له. وهذا ليس بشيء، لأن صاحب العصمة ﷺ قد أمر بالاستخارة والاستشارة، لا بما يرى في المنام. ولا يضيف إلى الاستخارة الشرعية غيرها، لأن ذلك بدعة ويخشى من أن البدعة إذا دخلت في شيء، لا ينجح أو لا يتم، لأن صاحب الشرع ﷺ إنما أمر بالاستخارة والاستشارة فقط. فينبغي ألا يزاد عليها ولا يعرج على غيرهما فيا سبحان الله، صاحب الشرع ﷺ اختار لنا ألفاظاً منقاةً جامعةً لخير الدنيا والآخرة، حتى قال الراوي للحديث في صفتها على سبيل التخصيص والحض على التمسك بألفاظها وعدم العدول إلى غيرها: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن. والقرآن قد علم أنه لا يجوز أن يغير ولا يزاد فيه ولا ينقص منه. وإذا نص فيه على الحكم نصاً لا يحتمل التأويل لا يرجع لغيره. وإذا كان ذلك كذلك، فلا يعدل عن تلك الألفاظ المباركة التي ذكرها ﷺ في الاستخارة إلى غيرها من الألفاظ التي يختارها المرء لنفسه، ولا غيرها من منامٍ يراه هو أو يراه له غيره، أو انتظار فألٍ أو نظر في اسم الأيام (قال) مالك ﵀:
стр. 1843
الأيام كلها أيام الله، او انتظار من يدخل عليه فينظر في اسمه فيشتق منه ما يوجب عنده الفعل أو الترك (ومن الناس) من هو أسوأ حالاً من هذا، وهو ما يفعله بعضهم من الرجوع إلى قول المنجمين والنظر في النجوم، إلى غير ذلك مما يتعاطاه بعضهم.
فمن فعل شيئاً مما ذكر، او غيره وترك الاستخارة الشرعية، فلاشك في فساد رأيه، ولو لم يكن فيه من القبح إلا أنه من باب قلة الأدب مع صاحب الشرع ﷺ (يعني لكفى في تركه) لأنه ﷺ ، اختار للمكلف ما جمع له فيه بين خير الدنيا والآخرة بلفظ يسير وجيز واختار هو لنفسه غير ذلك. فالمختار في الحقيقة إنما هو ما اختاره المختار ﷺ . فعلى هذا فلا يشك ولا يرتاب في أن من عدل عن تلك الألفاظ المباركة إلى غيرها، فإنه يخاف عليه من التأديب أن يقع به- وأنواعه مختلفة- إما عاجلاً وإما آجلاً في نفسه أو ولده أو ماله، إلى غير ذلك.
(ثم انظر) رحمنا الله تعالى وإياك إلى حكمة أمره ﷺ المكلف بأن يركع ركعتين من غير الفريضة. وما ذاك إلا صاحب الاستخارة يريد أن يطلب من الله تعالى قضاء حاجته. وقد مضت الحكمة أن من الأدب قرع باب من تريد حاجتك منه. وقرع باب المولى إنما هو بالصلاة "لقوله" ﷺ : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه (١).
ولأنها جمعت بين آداب جمة (فمنها) الخروج عن الدنيا كلها وأحوالها بإحرامه بالصلاة، ألا ترى إلى الإشارة برفع اليدين عند الإحرام
стр. 1844
إلى أنه خلف الدنيا وراء ظهره وأقبل على مولاه يناجيه، ثم ما فيها من الخضوع والندم والتذلل بين يدي المولى الكريم بالركوع والسجود، إلى غير ذلك مما احتوت عليه من المعاني الجليلة، ليس هذا موضع ذكرها. فلما أن فرغ من تحصيل هذه الفضائي الجمة، حينئذٍ أمره صاحب الشرع ﷺ بالدعاء (١).
٢ - استخارة السجة:
يعملها صاحب الحاجة أو تعمل له. وطريقتها أن يأخذ الشخص مسبحة فيتمتم عليها بحاجته، ثم يحصر بعض حباتها بين يديه وبعدها. فإن كانت فردية عدل عما نواه. وإن كانت زوجية اعتبر ما نواه خيراً وسار فيه. ولعمري ما الفرق بين هذه الطريقة وما كان يتبع في الجاهلية الأولى من إطلاق الطير في الجو وهو ما سماه الشرع الشريف بالطيرة ونهى عنها.
٣ - استخارة الفنجان:
يعملها عادةً غير صاحب الحاجة ويقوم بعملها رجلٌ أو امرأةٌ. وطريقتها أن يشرب صاحب الحاجة القهوة المقدمة غليه ثم يكفي الفنجان وبعد قليل يقدمه لقارئه فينظر فيه بعد أن أحدثت فضلات القهوة به رسوماً وأشكالاً مختلفة، شأنها في ذلك شأن كل راسب في أي إناءٍ إذا انكفأ، بل إن مجرد صب الماء على أرض متربة يحدث بها صوراً وأشكالاً هندسية وجغرافية يعجز عنها أصحاب الفن، فيتخيل ما يريد، ثم يأخذ في سرد حكاياتٍ كثيرةٍ لصاحب الحاجة، فلا يقوم من عنده إلا وقد امتلأت رأسه بهذه الأسطورة.
стр. 1845
(وبعضهم) يعتمد في معرفة سارق الشيء على آخر يسمى صاحب المندل، وطريقته أن يوضع الفنجان مملوءاً ماءً على كف شخص مخصوص في كفه تقاطيع مخصوصة. ويكون ذلك في يوم معلوم من أيام الأسبوع، ثم يأخذ العراف في التعزيم والهمهمة بكلامٍ غير مفهوم، وينادي بعض الجن ليأتوا بالمتهم السارق. وبعد برهة تظهر خيالاتٍ في الفنجان ذاهبة وآيبة، فيوهم العراف من حوله أن المتهم قد ظهر.
(وبعضهم) يضع القلة على كف آخر ويتمتم بما شاء فيسير حاملُ [القلة إلى مكان الشيء الضائع، فيتوهم الحاضرون أن عامل المندل يعلم ما خفي، وهو بهتان عظيم. ولعمري إن كان هذا حقا فلم أتعبت الحكومات أنفسهم في معرفة المسروق وتبين الظالم من المظلوم؟ ولم لم تلجأ في تبين حقائق الأمور إلى هؤلاء الدجالين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل؟ مع أن سيد الأنبياء ﷺ لم يدع هذا المقام لنفسه بل كان يحكم بالظاهر ويكل السرائر إلى الله: "ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخيرِ وما مسني السوء" (١).
(وعن) أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضن فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما اقطع له قطعةً من النار. أخرجه مالك والخمسة (٢) ﴿٣٤١﴾.
٤ - استخارة الورق (الكوتشينة):
وهي لا تخرج عن سابقتها، غير أن صاحب الحاجة يعطي ورقتين
стр. 1846
مصور فيهما رجل وامرأة، فيسر إليهما ما يريد ثم يأخذهما الدجال فيخلطهما بباقي الأوراق، ثم يأخذ في رصها بطريقةٍ فنيةٍ، فيصادف وجود رجلٍ بجوار امرأةٍ أو وجود رجلٍ أو امرأةٍ في طريق أو وجود واحدٍ منهما بجوار أوراقٍ يرمز إليها بالمال أو الفرح أو القضاء أو ما إلى ذلك، فيأخذ في سردِ ما يمليه عليه خياله، فلا يقوم الشخص من مقامه هذا إلا مقتنعاً بحقيقة ما يقول. وما هو إلا رجمٌ بالغيب.
٥ - استخارة الرمل:
وطريقتها أن يخطط الشخص في الرمل خطوطاً متقطعة ثم يعدها بطريقة حسابية معروفة لديهم، فينتهي منها إلى استخراج برج الشخص فيكشف عنه في كتابٍ استحضره لهذا الغرض، فيسرد عليه حياته الماضية والمستقبلة. وهذا الكلام بعينه الذي قيل له يقال لغيره ما دام برجاهما قد اتفقا.
٦ - استخارة الودع:
لا تقوم بها إلا امرأة، وهي تسمى في العرف (بالغجرية)، يخرج الإنسان من حافظته شيئاً من النقود ويسر بحاجته إلى ذكر الودع ثم يطرحه على الودع فتأخذه بيديها وتلقيه على الأرض بعد خلطه. وهي في الغالب تكون امرأةً ذكيةً نهابة، لها فراسة خاصة في ذوي الحاجات، فتسلك سبيلاً في الكلام يتفق مع مزاجِ الشخص، فيجيبها بالموافقةِ، فتستمر في طريقها؛ فلا يقوم من عندها غلا وهو مقتنع بصدقها، وبينها وبين الصدق كما بين السماء والأرض.
٧ - استخارة الكف:
وهي لا تخرج عن سابقتيها من جهة قوة فراسة قارئ الكف، يساعده
стр. 1847
على ذلك اختلاف خطوط باطن الكف وما يستخلصه من ميول الشخص وموافقته له على بعض الأشياء.
ولاشك عند العقلاء أن جميع هذه الطرق من استخارة الفنجان حتى النهاية، لا تخرج عن أنها نوع من التعريف المنهي عنه والذي يقول الرسول ﵌ فيه: من أتى عرافاً فسأله عن شيءٍ لم تقبل له صلاة أربعين ليلةً. أخرجه أحمد ومسلم عن حفصة (١) ﴿٣٤٢﴾ ويقول النبي ﷺ : من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ . أخرجه احمد والحاكم عن أبى هريرة بسند صحيح (٢) ﴿٣٤٣﴾.
ولا ادري بعد ذلك كيف يعكف الناس على أمثال تلك التراهات وهذه الأباطيل، معرضين عن هدي محمد ﷺ وما جاء به.
١٠ - صلاة التوبة:
يسن لمن ارتكب ذنباً أن يتطهر ويصلي ركعتين ثم يستغفر الله مما جنت يداه ليغفر الله له (قال) عليّ كرم الله وجهه: حدثني أبو بكر ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له. ثم قرأ: "والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ... " الآية. أخرجه احمد والأربعة وأبو داود الطيالسي بلفظ: ما من عبد يذنب (٣) [٣٤٤]
(وعن) أبى الدرداء أن النبي ﷺ قال: كل شيء يتكلم به ابن آدم مكتوب عليه، فإذا اخطأ خطيئة أو أذنب ذنباً فأحب أن يتوب إلى الله، فليمد يديه إلى الله ثم يقولك اللهم إني أتوب إليك منها لا أرجع إليها أبداً، فإنه يغفر له ما لم يرجع في عمله ذلك. أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم وقال: صحيح على شرطهما (١) ﴿٣٥٥﴾
هذا. وينبغي الجمع بين الاستغفار والتوبة والعزم على عدم العود. هذا بعض ما ثبت في صلاة التوبة. وقد قيل فيها ما لم يثبت (٢)
стр. 1851
(فائدة) التوبة من الذنب صغيرا أو كبيراً فرض "لقوله" تعالى: "يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً" (١). وقوله "وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" (٢).
وقوله: "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب". فمرتكب الذنب جاهل وإن كان عالماً.
стр. 1852
وقال ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول: الندم توبة. أخرجه أحمد وابن ماجه (١) ﴿٣٦١﴾.
وهذا كله بفضل الله وتوفيقه للعبد؛ فمن أراد الله تعالى به خيراً، فتح له باب الذل والانكساء ودوام الرجوع إلى الله تعالى، ورأى عيوب نفسه وظلمها وجهلها، وشاهد فضل ربه وإحسانه.
(قال) سفيان بن عيينة: والتوبة نعمة من الله أنعم بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم. وكانت توبة بني إسرائيل القتل، فما أنعم
стр. 1853
الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي افضل من التوبة (قال) تعالى: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين" (١).
(وقال) ﷺ : التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وإذا أحب الله عبداً لم يضره ذنبٌ. أخرجه ابن أبى الدنيا والقشيري في الرسالة وابن النجار عن أنس (٢) ﴿٣٦٢﴾.
(وقال) ﷺ : إن التوبة تغسل الحوبة، وإن الحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد ربه في الرخاء أنجاه في البلاءٍ، ذلك بأن الله يقول: لا أجمع لعبدي أبداً أمنين ولا أجمع له خوفين، إن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه ولا أمحقه فيمن أمحق. أخرجه أبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس (٣) ﴿٣٦٣﴾.
١١ - صلاة الطواف:
يطلب ممن طاف بالكعبة ولو تطوعاً أن يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم أو حيث تيسر من المسجد الحرام. يقرأ في الأولى الفاتحة وقل يأيها الكافرون، وفي الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد "لما" في حديث جابر أن النبي ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يأيها الكافرون وقل هو الله أحد (الحديث) أخرجه النسائي (٤) ﴿٣٦٤﴾.
стр. 1854
(وهذه) الصلاة تصح في أي وقت وأي مكان، ولا تفوت إلا بالموت ولا تجبر بدم على الصحيح عند الحنفيين (وهي) واجبة عندهم بعد كل طواف. وكذا عند المالكية بعد طواف القدوم والإفاضة، وهو طواف ركن الحج، أما بعد طواف الوداع فقيل: بوجوبها وقيل بسنتيها.
(وقالت) الشافعية والحنبلية: صلاة الطواف سنة مطلقاً.
١٢ - صلاة الشكر
يسن لمن أنعم الله عليه نعمة تسره أن يصلي ركعتين من غير الفريضة شكراً لمولاه على ما أولاه. قال الله تعالى: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم".
(وقال) عبد الرحمن بن عوف: خرج رسول الله ﷺ فتوجه نحو مشربته فدخل فاستقبل القبلة فصلى فأطال السجود حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه فرفع رأسه فقال: من هذا؟ فقلت: عبد الرحمن. قال: ما شأنك؟ قلل: يا رسول الله، سجدت سجدةً خشيت أن يكون الله قد قبض نفسك فيها. قال: إن جبريل ﷺ أتاني فبشرني فقال: إن الله يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه. فسجدت لله شكراً. أخرجه احمد بسند رجاله ثقات (١) ﴿٣٦٥﴾
١٣ - صلاة المنزل
يسن لمن نزل منزلاً سفراً أو حضراً أن يصلي فيه ركعتين حين نزوله وحين انصرافه "لحديث" أبى هريرة أن النبي ﷺ قال:
стр. 1855
إذا دخلت منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء، وإذا خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء. أخرجه البزار بسند رجاله موثقون. وحسنه ابن حجر (١) ﴿٣٦٦﴾.
"ولحديث" أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا نزل أحدكم منزلاً فقال فيه فلا يرتحل حتى يصلي ركعتين. أخرجه ابن عدي (٢) ﴿٣٦٧﴾.
١٤ - صلاة السفر
يسن لمريد السفر والقادم منه أن يصلي ركعتين (قال) ابن مسعود: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أريد أن اخرج إلى البحرين في تجارة، فقال: صل ركعتين. أخرجه الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٣٦٨﴾.
(وقال) جابر بن عبد الله: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر، فلما قدمنا المدينة قال لي: ادخل المسجد فصل ركعتين. أخرجه البخاري (٤) ﴿٣٦٩﴾
١٥ - صلاة التسبيح
هي أربع ركعات تؤدي بنية صلاة التسبيح في غير أوقات النهي بتشهدين وسلام، ويقرأ في كل ركعة الفاتحة وأي سورة شاء. وقال بعض الشافعية: الأفضل أن يقرأ فيها تارة من طول المفصل بأن يقرأ
стр. 1856
أربعاً من التسابيح وهي الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، للمناسبة بينهن وبينها في الاسم، وتارة يقرأ بإذا زلزلت والعاديات والعصر والإخلاص، وتارةً بالتكاثر والعصر وقل يأيها الكافرون والإخلاص (وقد ورد) فيها عدة أحاديث لا تخلو من مقال أمثلها حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس يا عماه، ألا أعطيك؟ ألا أمنجك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل لك (١) عشر خصال؟ إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك، أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته. عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة وأنت قائم قلت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله اكبر، خمس عشرة مرة (٢)،
ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً (٣)، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها
стр. 1857
عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً. ثم ترفع رأسك (١) فتقولها عشراً. فذلك خمس وسبعون في كل ركعة (٢)، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهرة مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة. أخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه والطبراني والحاكم. وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي رافع (٣) ﴿٣٧١﴾.
(وقد تكلم) ابن خزيمة وغيره في هذا الحديث. والصحيح أنه ثابت يطلب العمل به، فقد صححه الحاكم وحسنه جماعة. قال ابن حجر: لا بأس بإسناد حديث ابن عباس، وهو من شرط الحسن، فإن له شواهد تقويه، وقد أساء ابن الجوزي بذكره في الموضوعات.
وقال الدارقطني: أصح شيء ورد في فضائل الصلوات، فضل صلاة التسبيح. وقال عبد الله بن المبارك: صلاة التسبيح مرغب فيها يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها.
стр. 1858
(وقال) المنذري: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة أبو بكر الاجرى، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي (وقال) أبو بكر بن أبي داود: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا (١)
(ولهذا) الاختلاف في الحديث لم ير الإمام احمد استحبابها (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: فأما صلاة التسبيح فإن أحمد قال: ما تعجبني. قيل له: لم؟ قال: ليس فيها حديث يصح ونفض يده كالمنكر. ولم يثبت احمد الحديث المروي فيها ولم يرها مستحبة؛ وإن فعلها إنسان فلا بأس، فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها (٢)
(تنبيه) علم من حديث عكرمة عن ابن عباس أن التسبيح بعد القراءة لا قبلها وأنه يسبح في جلسة الاستراحة. وبه قال جمهور الفقهاء.
(واختار) الحنفيون وابن المبارك التسبيح قبل القراءة وبعدها، وترك التسبيح بعد السجدة الثانية (قال) أبو وهب محمد بن مزاحم: سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها. قال: يكبر ثم يقول: سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ ويقرا بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وسورة. ثم يقول عشر مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم يركع فيقولها عشراً، ثم يرفع رأسه فيقولها عشراً، ثم يسجد فيقولها
стр. 1859
عشراً، ثم يرفع رأسه فيقولها عشراً، ثم يسجد الثانية فيقولها عشراً. يصلي أربع ركعات على هذا. فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة، يبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة (١)، ثم يقرأ ثم يسبح عشراً، فإن صلى ليلاً فأحب إلى أن يسلم في كل ركعتين، وإن صلى نهاراً فإن شاء سلم وإن شاء الله لم يسلم. قال أبو وهب: أخبرني عبد العزيز ابن أبي رذمة عن عبد الله بن المبارك أنه قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثاً، ثم يسبح التسبيحات. قال أحمد بن عبده ثنا وهب بن زمعة قال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رذمة قال: قلت لعبد الله بن المبارك: إذا سها فيها أيسبح في سجدتي السهو عشراً عشراً؟ قال: لا إنما هي ثلثمائة تسبيحة. أخرجه الترمذي والحاكم وقال: رواة هذا عن ابن المبارك كلهم ثقات أثبات ﴿٥٩﴾ قال المنذري قال البيهقي: وفيه تقوية للحديث المرفوع (٢).
(وقال) الشيخ إبراهيم الحلبي: وهذه الصفة التي ذكرها ابن المبارك هي الموافقة لمذهبنا، لعدم الاحتياج فيها إلى جلسة الاستراحة، إذ هي مكروهة عندنا (٣).
(وقال) العلامة على القاري قال السبكي: وجلالة ابن المبارك تمنع من مخالفته، وإنما أحب العمل بما تضمنه حديث ابن عباس ولا يمنعني من التسبيح بعد السجدتين، الفصل بين الرفع والقيام، فإن جلسة الاستراحة
حينئذ مشروعة في هذا المحل. وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة، وبحديث ابن المبارك أخرى (٤).
стр. 1860
١٦ - صلاة الحاجة
يستحب لمن همه أمر أو كانت له حاجة إلى الحق أو الخلق يريد قضاءها أن يتطهر ويصلي ركعتين ثم يدعو بدعاء الكرب أو غيره مما يأتي.
وقد ورد في ذلك أحاديث منها "حديث" ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم. أخرجه الشيحان والترمذي (١) ﴿٣٧٢﴾
"وحديث" أبى الدرداء: أن النبي ﷺ قال: من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلاً أو مؤخراً. أخرجه احمد بسند صحيح (٢) ﴿٣٧٣﴾.
"وقال" عبد الله بن أبي أو في قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله ، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلمن ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولاهماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: