أربعاً من التسابيح وهي الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، للمناسبة بينهن وبينها في الاسم، وتارة يقرأ بإذا زلزلت والعاديات والعصر والإخلاص، وتارةً بالتكاثر والعصر وقل يأيها الكافرون والإخلاص (وقد ورد) فيها عدة أحاديث لا تخلو من مقال أمثلها حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس يا عماه، ألا أعطيك؟ ألا أمنجك؟ ألا أحبوك؟ ألا أفعل لك (١) عشر خصال؟ إذا أنت فعلت ذلك غفر الله لك ذنبك، أوله وآخره، قديمه وحديثه، خطأه وعمده، صغيره وكبيره، سره وعلانيته. عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة وأنت قائم قلت سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله اكبر، خمس عشرة مرة (٢)،
ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشراً (٣)، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها
стр. 1857
عشراً، ثم تهوي ساجداً فتقولها وأنت ساجد عشراً، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً. ثم ترفع رأسك (١) فتقولها عشراً. فذلك خمس وسبعون في كل ركعة (٢)، تفعل ذلك في أربع ركعات، إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهرة مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة. أخرجه النسائي وأبو داود وابن ماجه والطبراني والحاكم. وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي رافع (٣) ﴿٣٧١﴾.
(وقد تكلم) ابن خزيمة وغيره في هذا الحديث. والصحيح أنه ثابت يطلب العمل به، فقد صححه الحاكم وحسنه جماعة. قال ابن حجر: لا بأس بإسناد حديث ابن عباس، وهو من شرط الحسن، فإن له شواهد تقويه، وقد أساء ابن الجوزي بذكره في الموضوعات.
وقال الدارقطني: أصح شيء ورد في فضائل الصلوات، فضل صلاة التسبيح. وقال عبد الله بن المبارك: صلاة التسبيح مرغب فيها يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها.
стр. 1858
(وقال) المنذري: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة وعن جماعة من الصحابة أبو بكر الاجرى، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي (وقال) أبو بكر بن أبي داود: سمعت أبي يقول: ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا (١)
(ولهذا) الاختلاف في الحديث لم ير الإمام احمد استحبابها (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: فأما صلاة التسبيح فإن أحمد قال: ما تعجبني. قيل له: لم؟ قال: ليس فيها حديث يصح ونفض يده كالمنكر. ولم يثبت احمد الحديث المروي فيها ولم يرها مستحبة؛ وإن فعلها إنسان فلا بأس، فإن النوافل والفضائل لا يشترط صحة الحديث فيها (٢)
(تنبيه) علم من حديث عكرمة عن ابن عباس أن التسبيح بعد القراءة لا قبلها وأنه يسبح في جلسة الاستراحة. وبه قال جمهور الفقهاء.
(واختار) الحنفيون وابن المبارك التسبيح قبل القراءة وبعدها، وترك التسبيح بعد السجدة الثانية (قال) أبو وهب محمد بن مزاحم: سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها. قال: يكبر ثم يقول: سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. ثم يتعوذ ويقرا بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وسورة. ثم يقول عشر مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ثم يركع فيقولها عشراً، ثم يرفع رأسه فيقولها عشراً، ثم يسجد فيقولها
стр. 1859
عشراً، ثم يرفع رأسه فيقولها عشراً، ثم يسجد الثانية فيقولها عشراً. يصلي أربع ركعات على هذا. فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة، يبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة (١)، ثم يقرأ ثم يسبح عشراً، فإن صلى ليلاً فأحب إلى أن يسلم في كل ركعتين، وإن صلى نهاراً فإن شاء سلم وإن شاء الله لم يسلم. قال أبو وهب: أخبرني عبد العزيز ابن أبي رذمة عن عبد الله بن المبارك أنه قال: يبدأ في الركوع بسبحان ربي العظيم، وفي السجود بسبحان ربي الأعلى ثلاثاً، ثم يسبح التسبيحات. قال أحمد بن عبده ثنا وهب بن زمعة قال: أخبرني عبد العزيز بن أبي رذمة قال: قلت لعبد الله بن المبارك: إذا سها فيها أيسبح في سجدتي السهو عشراً عشراً؟ قال: لا إنما هي ثلثمائة تسبيحة. أخرجه الترمذي والحاكم وقال: رواة هذا عن ابن المبارك كلهم ثقات أثبات ﴿٥٩﴾ قال المنذري قال البيهقي: وفيه تقوية للحديث المرفوع (٢).
(وقال) الشيخ إبراهيم الحلبي: وهذه الصفة التي ذكرها ابن المبارك هي الموافقة لمذهبنا، لعدم الاحتياج فيها إلى جلسة الاستراحة، إذ هي مكروهة عندنا (٣).
(وقال) العلامة على القاري قال السبكي: وجلالة ابن المبارك تمنع من مخالفته، وإنما أحب العمل بما تضمنه حديث ابن عباس ولا يمنعني من التسبيح بعد السجدتين، الفصل بين الرفع والقيام، فإن جلسة الاستراحة
حينئذ مشروعة في هذا المحل. وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس تارة، وبحديث ابن المبارك أخرى (٤).
стр. 1860
١٦ - صلاة الحاجة
يستحب لمن همه أمر أو كانت له حاجة إلى الحق أو الخلق يريد قضاءها أن يتطهر ويصلي ركعتين ثم يدعو بدعاء الكرب أو غيره مما يأتي.
وقد ورد في ذلك أحاديث منها "حديث" ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم. أخرجه الشيحان والترمذي (١) ﴿٣٧٢﴾
"وحديث" أبى الدرداء: أن النبي ﷺ قال: من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلاً أو مؤخراً. أخرجه احمد بسند صحيح (٢) ﴿٣٧٣﴾.
"وقال" عبد الله بن أبي أو في قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين ثم ليثن على الله ، وليصل على النبي صلى الله عليه وسلمن ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلا غفرته، ولاهماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال:
стр. 1861
حديث غريب والحاكم (١) ﴿٣٧٤﴾ وفي سنده فائد بن عبد الرحمن ضعيف وقال أحمد والذهبي: متروك. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديث.
(قال) الشوكاني: وقد ذكرت هذا الحديث وذكرت ما قيل فيه بأطول من هذا في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. استدركت على من قال: إنه موضوع (والحاصل) أن جميع طرق أحاديث هذه الصلاة لا تخلو عن ضعف إلا حديث أبى الدرداء كما ذكرناه وبعده حديث ابن أبي أوفى (٢).
"وحديث" عثمان بن حنيف أن رجلاً ضريراً أتى النبي صلى الله عليه تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لكز قال: فادعه. فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي. اللهم فشفعه في. أخرجه احمد وابن ماجه وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣) ﴿٣٧٥﴾.
стр. 1862
(قال) الشوكاني: والحديث صحيح وصححه أيضاً ابن خزيمة، وقد تفرد النسائي بذكر الصلاة ووافقه الطبراني في بعض الطرق التي رواها. وفي الحديث دليل على جواز التوسل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الله مع اعتقاد أن الفاعل هو الله تعالى، وأنه المعطي المانع، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (١)
١٧ و ١٨ - صلاة الضائع والآبق
يسن لمن ضاع له شيء أو أبق وأراد العثور عليه أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويدعو بما ورد في ذلك (روى) ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا ضاع له شيء أو أبق يتوضأ ويصلي ركعتين يتشهد ويقول: باسم الله، يا هادي الضلال، وراد الضالة، اردد علي ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك. أخرجه ابن أبى شيبة والحاكم وقال: رواته موثقون مدنيون لا يعرف واحد منهم بجرح (١) ﴿٣٨٠﴾. هذا ويتصل بالنوافل بحثان:
стр. 1866
الأول: طول القيام وكثرة السجود
الأفضل في صلاة النفل طول القيام "لقول" جابر: قيل النبي ﷺ : أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت. أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وصححه (١) ﴿٣٨٠﴾. والقنوت: القيام "ولقول" المغيرة ابن شعبة: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه أو ساقاه، فقيل له: قد غفر الله لك. قال: أفلا أكون عبداً شكوراً. أخرجه السبعة إلا أبا داود (٢) ﴿٣٨١﴾.
(وبهذا) قال الحنفيون والشافعيون وجماعة (وقال) جماعة منهم ابن عمر: الأفضل كثرة الركوع والسجود. وهو الظاهر عند المالكية "لقول" معدان بن أبي طلحة اليعمري: لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقلت له: دلني على عمل ينفعني الله به ويدخلني الله الجنة، فسكت عني ملياً ثم التفت إليّ فقال: عليك
стр. 1867
بالسجود فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من عبدٍ يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجةً وحط عنه بها خطيئة. قال معدان: فلقيت أبا الدرداء فسألته عما سألت عنه ثوبان. فقال: عليك بالسجود، فأني سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: ما من عبدٍ يسجد سجدةً إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئةً. أخرجه أحمد وابن حبان والنسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿٣٨٢﴾.
(وقد) اختلف أهل العلم في هذا. فقال بعضهم: طول القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود.
وقال بعضهم: كثرة الركوع والسجود أفضل من طول القيام. وقال احمد بن حنبل: قد روي عن النبي ﷺ في هذا حديثان ولم يقض فيه بشيء. وقال إسحاق: أما بالنهار فكثرة الركوع والسجود، وأما بالليل فطول القيام إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، وأما بالليل فطول القيام إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحب إليَّ، لأنه يأتي على جزئه وقد ربح كثرة الركوع والسجود، وإنما قال إسحاق هذا، لأنهم وصفوا صلاة النبي ﷺ بالليل بطول القيام، وأما بالنهار فلم توصف صلاته بطول القيام ما وصفت بالليل. اهـ. كلام الترمذي بتصرف.
(وقال) العلامة الصاوي المالكي في حاشيته على الشرح الصغير: هل الأفضل في النفل "كثرة السجود" أي الركعات؟ لخبر: عليك بكثرة السجود، فإنك لم تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها
стр. 1868
عنك خطيئة (١) " أو طول " القيام بالقراءة؟ لخير: أفضل الصلاة طول القنوت (٢) أي طول القيام، ولفعل رسول الله ﷺ ، فإنه تورمت قدماه من القيام وما زاد في غالب أحواله على إحدى عشرة ركعة "قولان" محلهما مع اتحاد زمانهنا. ولعل الأظهر الأول لما فيه من كثرة الفرائض وما يشتمل عليه من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاةٍ عليه صلاة الله عليه وسلم (٣).
(واستدلّ) له أيضاً "بقول" ربيعة بن كعب الأسلمي: كنت أبيت مع النبي ﷺ آتيه بوضوئه وبحاجته، فقال: سلني، فقلت: مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. أخرجه احمد وأبو داود. وهذا لفظه (٤) ﴿٣٨٣﴾.
(وأجاب) الأولون بأن هذه الأحاديث لا تعارض الأحاديث الدالة على فضل طول القيام؛ لأن صيغة أفعل الدالة على التفضيل، إنما وردت في فضل طول القيام ولا يلزم من فضل الركوع والسجود، أفضليتهما على طول القيام.
(فالحق) القول بأفضلية طول القيام (قال) العراقي: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تشرع فيها
стр. 1869
الجماعة وعلى صلاة المنفرد. فأما الإمام في الفرائض والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع. إلا إذا علم من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل ولم يحدث ما يقتضي التخفيف من بكاء صبي ونحوه فلا بأس بالتطويل. وعليه يحمل صلاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في المغرب بالأعراف. اهـ.
الثاني: الجلوس في صلاة النقل
تقدم أن القيام في الصلاة للقادر عليه ركن في الفرض إجماعاً. أما النفل فيصح من جلوسٍ مع القدرة على القيام بلا كراهة إجماعاً.
"لحديث" عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلا قاعداً، فإذا صلى قائماً ركع قائماً، وإذا صلى قاعداً ركع قاعداً. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي (١) ﴿٣٨٤﴾
هذا. ويجوز بلا كراهةٍ تأدية بعض صلاة التطوع من قعود وبعضها من قيامٍ، وبعض الركعة من قيامٍ وبعضها من قعودٍ، سواءٌ أقدم القيام أم أخره.
"لحديث" عروة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﵌ يقرأ في شيء من صلاة الليل جالساً قط حتى دخل في السن، فكان يجلس فيها فيقرأ حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية، قام فقرأها ثم ركع أخرجه الخمسة (٢) ﴿٣٨٥﴾.
стр. 1870
"ولحديث" أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﵌: أن النبي ﵌ كان يصلي جالساً فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم ثم ركع ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك. أخرجه أبو داود (١) ﴿٣٨٦﴾.
"ولقول" علقمة بن وقاص: قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله ﵌ في الركعتين وهو جالس؟ قالت: كان يقرأ فيهما، فإذا أراد أن يركع قام فركع. أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٨٧﴾.
(وبهذا) قال الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة. (وقال) أبو يوسف ومحمد وأشهب المالكي: لا يصح القعود بعد القيام إلا لعذر، لأن الشروع في الطاعة على حال ملزم كالنذر، ولو نذر الصلاة قائماً لا تصح من قعود، فكذا هذا.
(وأجاب) الأولون (أولاً) بأن القيام ليس مشروعاً بالذات في النقل، بل هو من صفاته (وثانياً) بأن المشروع ليس ملحقاً بالنذر مطلقاً، بل في إيجاب أصل الفعل، فلا يكون الشروع في الأولى قائماً موجباً للقيام في الثانية، بخلاف النذر لأنه التزمه نصا فيلزمه (٣).
هذا، ومن صلى التطوع قاعداً بلا عذر فله نصف أجر القائم.
стр. 1871
"لحديث" عبد الله بن يريدة عن عمران بن حصين أنه سأل النبي ﵌ عن صلاة الرجل قاعداً، فقال: صلاته قائماً أفضل من صلاته قاعداً، وصلاته قاعداً على النصف من صلاته قائماً، وصلاته نائماً على النصف من صلاته قاعداً. أخرجه السبعة إلا مسلماً. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (١) ﴿٣٨٨﴾.
(قال) الخطابي: أما قوله "وصلاته نائماً على النصف من صلاته قاعداً" فإني لا أعلم أني سمعته إلا في هذا الحديث. ولا أحفظ عن أحدٍ من أهل العلم انه رخص في صلاة التطوع نائماً (يعني مع القدرة على القعود) كما رخصوا فيها قاعداً، وإن صحت هذه اللفظة عن النبي ﵌ ولم تكن من كلام بعض الرواة، فإن التطوع مضطجعاً للقادر على القعود جائز بهذا الحديث. اهـ. بتصرف (٢).
"وقول" ابن بطال: وأما قوله وصلاته نائماً على النصف من صلاته قاعداً، فلا يصح معناه عند العلماء، لأنهم مجمعون أن النافلة لا يصليها القادر على القيام إيماءً، وإنما دخل الوهم على ناقل الحديث. اهـ "رده" العراقي بأن في مذهب الشافعية وجهين الأصح منهما الصحة، وعند المالكية ثلاثة أوجه، أحدها الجواز مطلقاً في الاضطرار والاختيار للصحيح والمريض، وقد روى الترمذي بإسناده عن الحسن البصري جوازه فكيف يدعي مع هذا الخلاف الاتفاق (٣)؟
стр. 1872
(وهذا) في حق غير النبي ﵌. أما هو فقد تقدم أنه اختص بان تطوعه قاعداً بلا عذر كتطوعه قائماً في الأجر (١).
"فائدة" من صلى قاعداً لعذرٍ أو غيره فله أن يجلس على أي صفة شاء لإطلاق الأحاديث المتقدمة (واختلف) العلماء في الأفضل (فقال) مالك والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق: الأفضل التربع. وهو أحد قولي الشافعية "لقول" عائشة: رأيت النبي ﷺ يصلي متربعاً. أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم (٢) ﴿٣٨٩﴾. وفي سنده أبو داود الحفري. قال النسائي: وهو ثقة. ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ (وعن) أبي حنيفة والشافعي أن الافتراش أفضل.
(الخامس) سجود السهو
السهو والنسيان لا فرق بينهما من حيث الحكم. ومعناهما عند اللغويين الغفلة عن الشيء وعدم احتضاره وقت الحاجة. وقيل: السهو زوال صورة الشيء من المدركة مع بقائها في الحافظة، والنسيان زوالها منهما معاً؛ فيحتاج في تحصيلها إلى سبب جديد (وقال) في النهاية: السهو في الشيء تركه من غير علم، والسهو عن الشيء تركه مع العلم به. اهـ.
(وبه) يظهر الفرق بين السهو في الصلاة الذي وقع من النبي ﵌ أكثر من مرة. والسهو عن الصلاة الذي ذم فاعله بقوله تعالى: "فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون".
стр. 1873
هذا. وسجود السهو مشروع بالسنة وإجماع الأمة. قال الإمام أحمد: يحفظ عن النبي ﷺ خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد؛ سلم من ثلاثٍ فسجد، وفي الزيادة والنقصان قام من اثنتين ولم يتشهد. قاله ابن قدامة في المغنى.
ثم الكلام هنا في فرعين.
١ - حكم سجود السهو:
هو واجب " لما روى" منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: صلى رسول الله ﷺ قال إبراهيم: فلا أدري زاد أم نقص؟ - فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت كذا وكذا. فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه، وقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتين. أخرجه السبعة إلا الترمذي (١) ﴿٣٩٠﴾.
"ولحديث" عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ قال:
стр. 1874
من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم. أخرجه احمد وأبو داود والنسائي والبيهقي (١) ﴿٣٩١﴾ وفي سنده مصعب بن شيبة مختلف فيه، "ولحديث" علقمة عن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً، فلما انفتل توشوش القوم بينهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله، أزيد في الصلاة؟ قال: لا. قالوا: فإنك قد صليت خمساً. فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسى أحدكم فليسجد سجدتين. أخرجه مسلم (٢) ﴿٣٩٢﴾
(وللأمر) في هذه الأحاديث قال الحنفيون: سجود السهو واجب، يأثم المصلي بتركه ولا تبطل الصلاة بتركه، وعليه الإعادة خروجاً من الإثم (ومحل) وجوبه إذا كان الوقت صالحاً لأداء الصلاة وإلا فلا، كمن لزمه سجود في صلاة الصبح ولم يسجد حتى طلعت الشمس بعد السلام؛ فإنه يسقط عنه السجود. وكذا إذا احمرت الشمس قبل الغرب وقد سلم من العصر، أو طرأ بعد السلام منافٍ يقطع البناء؛ كأن أحدث عمداً أو تكلم أو خرج من المسجد بعد السلام ثم تذكر السهو، فيسقط عنه سجود السهو فيما ذكر. ولا تجب عليه إعادة الصلاة إلا إذا سقط السجود بتعمد عملٍ منافٍ للصلاة فتجب الإعادة.
(وقالت) الحنبلية: سجود السهو واجبٌ ومندوبٌ ومباحٌ (فيجب) "لترك" واجبٍ من واجباتِ الصلاةِ سهواً "ولزيادة" فعليةٍ كقيامٍ
стр. 1875
وقعودٍ في غير محلهما سهواً "وللشك" في ترك ركن أو في عدد الركعات "والمحن" في القراءة يغير المعنى سهواً أو جهلاً. فلو ترك السجود حينئذ عمداً بطلت صلاته إن كان قبلياً ولا تبطل إن كان بعدياً، لأنه خارجٌ عن الصلاة جابر لها. وإن تركه سهواً قبل السلام أو بعده أتى به ما لم يطل الفصل عرفاً. ولو انحرف عن القبلة أو تكلم. وإن طال الفصل أو خرج من المسجد أو أحدث؛ لم يسجد وصحت صلاته. (ويندب) لزيادةٍ قوليةٍ كالقراءة في الركوع والسجود، والتشهد في القيام، وقراءة السورة في غير الأوليين من الرباعية والمغرب سهواً (ويباح) لترك سنة من سنن الصلاة سهواً.
(وقالت) الشافعية: سجود السهو سنة إلا لمأموم سجد إمامه فيجب عليه السجود تبعاً وإلا بطلت صلاته. وهو مشهور مذهب المالكية لا فرق عندهم بين السجود القبلي والبعدي. وقال بعضهم بوجوب القبلي.
٢ - سبب سجود السهو:
اختلف الفقهاء في أسباب سجود السهو (فأسبابه) عند الحنفيين ثلاثة: (الأول) ترك واجب أصليّ من واجبات الصلاة سهواً (١) "كترك" قراءة الفاتحة أو أكثرها في إحدى أولي الفرض، ومن إحدى ركعاتِ الواجب والنفل. وكذا إن ترك منها آية عند الإمام "وترك" قراءة السورة مما تجب فيه الفاتحة "وقراءة" آية في غير محلها كركوعٍ وقعودٍ "وركوع" قبل القراءة؛ فإن تقديم القراءة على الركوع واجبٌ لا فرضٌ "والجهر" في غير محله "والإسرار" في غير محله بقدر ما تصح به الصلاة على الأصح عندهم "وزيادة" فعل من جنس الصلاة كزيادة
стр. 1876
ركوع أو سجود أو قايم أو قعود، لأنه لا يخلو عن ترك واجبٍ أو تأخيره عن محله.
(الثاني) متابعة الإمام في السجود، فيلزم المأموم سجود السهو لسهو إمامه إذا سجد وإن لم يكن مقتدياً به وقت السهو، لأن النبي ﷺ سها فسجد وسجد الصحابة معه.
(الثالث) الشك في أثناء الصلاة على ما سيأتي بيانه (قال) علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني: سبب وجوبه ترك الواجب الأصلي ساهياً؛ لأن كل ذلك يوجب نقصاناً في الصلاة، فيجب جبره بالسجود. ويخرج على هذا الأصل مسائل.
(وجملة) الكلام فيه أن الذي وقع السهو عنه لا يخلو: إما أن يكون من الأفعال، وإما أن يكون من الأذكار؛ فإن كان من الأفعال بأن قعد في موضع القيام، أو قام في موضع القعود: سجد للسهو، لوجود تغيير الفرض وهو تأخير القيام عن وقته أو تقديمه على وقته مع ترك الواجب وهو القعدة الأولى.
(وكذا) إذا ركع في موضع السجود، أو سجد في موضع الركوع، أو ركع ركوعين، أو سجد ثلاث سجداتٍ؛ لوجود تغيير الفرض عن محله أو تأخير الواجب (وكذا) إذا ترك سجدة من ركعةٍ فتذكرها في آخر الصلاة، سجدها وسجد للسهو؛ لأنه أخرها عن محلها الأصليّ (وكذا) إذا قام إلى الخامسة قبل أن يقعد قدر التشهد أو بعد ما قعد، عاد وسجد للسهو لوجود تأخير الفرض عن وقته الأصليّ وهو القعدة الأخيرة، أو تأخير الواجب وهو السلام.
стр. 1877
(ولو زاد) على قراءة التشهد في القعدة الأولى وصلى على النبي ﷺ ؛ ذكر في أمالي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أن عليه سجود السهو. وعند الصاحبين لا يجب، لأنه لو وجب عليه سجود السهو لوجب لجبر النقصان، لأنه شرع له، ولا يعقل تمكن النقصان في الصلاة بالصلاة على النبي ﷺ ، وأبو حنيفة يقول: لا يجب عليه بالصلاة على النبي ﷺ ، بل بتأخير الفرض وهو القيام، إلا أن التأخير حصل بالصلاة، فيجب عليه من حيث إنه تأخير، لا من حيث إنه صلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (١)، ثم قال: وأما الأذكار التي يتعلق سجود السهو بها فأربعة: القراءة والقنوت، والتشهد وتكبيرات العيدين (٢) وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
(وأسبابه) عند المالكية ثلاثة: زيادة ركن سهواً فأكثر على ما تقدم بيانه. والشك في الزيادة والنقصان على ما سيأتي بيانه. وترك سنة من السنن المؤكدة، وهي السورة بعد الفاتحة، والجهر فيما يجهر فيه، والسر فيما يسر، وسمع الله لمن حمده، والتشهد الأول أو الثاني، وثلاث من تكبيرات الانتقال.
(وقالت) الشافعية: سبب سجود السهو زيادة ونقصان. فأما الزيادة فضربان: قول وفعل (فالقول) أن يسلم في غير موضع السلام ناسياً، أو يتكلم ناسياً، أو يقرأ في غير موضع القراءة (والفعل) ضربان: أحدهما ما لا يبطل عمده الصلاة فلا سجود فيه، والآخر ما يبطل عمده وهو ضربان: متحقق ومتوهم (فالمتحقق) أن يزيد ركعةً، أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود، أو يطيل القيام بنية القنوت في غير
стр. 1878
موضعه، أو يزيد ركوعاً أو سجوداً أو قياماً سهواً (والمتوهم) أن يشك أصلي ركعةً أم ركعتين؟ (والنقصان) أن يترك سنة مقصودة وهي شيئان: ترك التشهد الأول وترك القنوت. أفاده النووي في المجموع. (وقالت) الحنبلية: سبب السجود زيادة ونقص سهواً، وشك في بعض صوره.
(فالزيادة) فعلية وقولية. فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة سهواً كقيام وركوع وسجود وجلوس ولو قدر جلسة الاستراحة، وجب السجود. وإن زاد قولاً سهواً كأن قرأ في غير محل القراءة، أو تشهد في غير محل التشهد، ندب له السجود.
(والنقص) يكون بترك ركن أو واجبٍ سهواً. فمنْ نسي ركناً غير التحريمة، فإن تذكره قبل الشروع في قراءة الركعة التي بعدها، عاد لزوماً وأتى به وبما بعده من الأركان والواجبات- لوجوب الترتيب- وسجد للسهو في آخر الصلاة، فإن لم يعد عمداً بطلت صلاته لتركه الواجب عمداً، وإن لم يعد سهواً أو جهلاً بطلت الركعة فقط، وإنْ لم يتذكره حتى شرع في قراءة الركعة التالية، بطلت الركعة التي تركه منها، وحلت ما بعدها محلها، وسجد للسهو وجوباً، ولا يرجع إلى ما تركه؛ فإن رجع إليه عالماً عامداً بطلت صلاته، لتركه الواجب عمداً وإن رجع سهواً أو جهلاً لم تبطل صلاته.
(ومن) نسي التشهد الأول وحده أو نسيه مع الجلوس له وقام، لزمه الرجوع والإتيان به ما لم يستتم قائماً، وسجد للسهو في آخر الصلاة. وإن استتم قائماً ولم يقرأ، فالأولى عدم الرجوع. فإن عاد كره، وغن قرأ لم يجز له الرجوع، ويلزمه السجود لذلك كله.
стр. 1879
(وأما) الشك، فسيأتي بيانه في بحثه إن شاء الله تعالى.
(تنبيه) علم مما تقدم أن أسباب سجود السهو: الزيادة والنقص ومتابعة الإمام والشك. وهاك بيانها بالتفصيل.
السبب الأول: الزيادة في الصلاة
ما يزاد فيها فعل وقول (أ) فزيادة الفعل ثلاثة أقسام:
(الأول) ليس من أعمالها ولا لإصلاحها، ولا لدفع الأذى كالحك والتروح والمشي لغير وضوء لمن سبقه الحدث. فهذا تبطل الصلاة بكثيرة دون يسيره عمداً أو سهواً وليس له سجود.
(الثاني) ما ليس من جنسها ولا يبطلها عمده كالالتفات والخطوة والخطوتين والضربة والإقعاء في الجلوس، ووضع اليد على الفم والخاصرة والتفكر في الصلاة، والنظر إلى ما يلهي، ورفع البصر إلى السماء، وكف الثوب والشعر، ومسح الحصا، والتثاؤب، والعبث بلحيته، ونحوه مما تقدم في مكروهات الصلاة (١) فهذا كله لا سجود لعمده ولا لسهوه، لأن النبي ﷺ نظر إلى أعلام الخميصة فقال: شغلتني أعلامها. وتذكر تبراً كان عنده في الصلاة، وحمل الحسن أو الحسين وأمامة بنت أبي العاص ووضعهم، وخلع نعليه في الصلاة (٢)، ولم يسجد لشيء من ذلك.
(الثالث) ما كان من جنس الصلاة، كأن يركع قبل القراءة سهواً فيلزمه إعادة الركوع بعدها ثم يسجد للسهو، وكأن يقوم في موضع
стр. 1880
الجلوس أو يجلس في موضع القيام أو يزيد ركعةً. فهذا تبطل الصلاة بعمده ويسجد لسهوه "لحديث" إبراهيم النخعي عن علقمة بن قيس عن عبد الله بن مسعود قال: صلينا مع رسول الله ﵌، فإما زاد أو نقص- قال إبراهيم: وأيم الله ما جاء ذلك إلا من قبلي- قال: فقلنا: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال: لا فقلنا له الذي صنع. فقال: إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين، ثم سجد سجدتين. أخرجه مسلم (١) ﴿٣٩٣﴾.
"ولحديث" الأسود عن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الظهر أو العصر خمساً ثم سجد سجدتي السهو، ثم قال: هاتان السجدتان لمن ظن منكم أنه زاد أو نقص. أخرجه مسلم والنسائي والبيهقي وأحمد. وهذا لفظه (٢) ﴿٣٩٤﴾.
(وهذا) يشمل عدة أمور (منها) الجلوس في غير موضعه سهواً قدر جلسة الاستراحة، فيجب السجود عند الحنفيين وكذا عند الحنبلية على المشهور.
(قال) ابن قدامة: وإذا جلس في غير موضع التشهد قدر جلسة الاستراحة. فقال القاضي: يلزمه السجود سواءٌ أقلنا جلسة الاستراحة مسنونة أم لم نقل ذلك، لأنه لم يردها بجلوسه، إنما أراد غيرها، وكان سهواً. ويحتمل ألا يلزمه لأنه فعل لو تعمده لم تبطل صلاته، فلا يسجد لسهوه كالعمل اليسير من غير جنس الصلاة (٣)، وبهذا قالت الشافعية. (ويسن) السجود عند المالكية.
стр. 1881
أما لو زاد الجلوس سهواً على قدر الاستراحة فإنه يسجد له اتفاقاً، وإذا جلس في موضع قيام بأن يجلس عقيب الأولى أو الثالثة يظن أنه موضع التشهد أو جلسة الفصل، فمتى ما تذكر قام، وإن لم يتذكر حتى قام، أتم صلاته وسجد للسهو، لأنه زاد في الصلاة من جنسها ما لو فعله عمداً أبطلها، فلزمه السجود إذا كان سهواً كزيادة ركعة.
(ومنها) القيام في غير موضعه سهواً فيطلب السجود عند الأئمة الأربعة والجمهور "لعموم" حديثِ علقمةَ بن قيس عن عبد الله قال: صلى رسول الله ﷺ فزاد أو نقص. فقيل: يا رسول الله، أزيد في الصلاة شيءٌ؟ فقال: إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيَ أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالسٌ. ثم تحول رسول الله ﷺ فسجد سجدتين. أخرجه مسلم (١) ﴿٣٩٥﴾.
"ولحديث" ثوبان أن النبي ﷺ قال: لكل سهوٍ سجدتان بعد ما يسلم. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي في، السنن، وقال: هذا إسنادٌ فيه ضعف. وقال في المعرفة: تفرد به إسماعيل ابن عياش وليس بالقوي (٢) ﴿٣٩٦﴾.
(ورد) "أولاً" بأن أبا داود أخرجه فسكت عنه. فهو صالح عنده "وثانياً" أن إسماعيل بن عياش وثقه الإمام أحمد وابن معين وغيرهما. هذا. والقيام في موضع الجلوس تحته ثلاث صور:
(الأولى) القيام للثالثة بلا تشهد سهواً، فإن تذكر وهو للقعود أقرب بأن لم ينتصب النصف الأسفل، عاد ولا يسجد للسهو في الأصح
стр. 1882
عند الحنفيين. وإن تذكر وهو للقيام أقرب بانتصاب النصف الأسفل، لزمه العود والسجود للسهو. وإن لم يتذكر حتى استوى قائماً لا يعود، لاشتغاله بفرض القيام وسجد للسهو، لتركه القعود الأول، وإن عاد بعد ما استوى قائماً لا تفسد صلاته على الصحيح عندهم، لأن زيادة ما دون الركعة لا يفسد الصلاة ويسجد للسهو "لقول" قيس بن أبي حازم: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام في الركعتين فسبح الناس خلفه، فأشار إليهم أن قوموا. فلما قضى صلاته وسجد سجدتي السهو قال: قال رسول الله ﷺ : إذا استتم أحدكم قائماً فليصل ويسجد سجدتي السهو، وإن لم يستتم قائماً، فليجلس ولا سهو عليه. أخرجه الطحاوي. وكذا أحمد عن المغيرة قال: أمنا رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر، فقام. فقلنا: سبحان الله. فقال: سبحان الله. وأشار بيده، يعني قوموا، فقمنا. فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين، ثم قال: إذا ذكر أحدكم قبل أن يستتم قائماً فليجلس، وإذا استتم قائماً فلا يجلس. وأخرجه أبو داود عن المغيرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائماً فليجلس. وإن استوى قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو. وأخرج نحوه ابن ماجه (١) ﴿٣٩٧﴾ وفي سنده جابر الجعفي وهو ضعيف جداً. وقال شعبة: صدوق في الحديث. ووثقه وكيع.
(وبهذا) قال الحنفيون فيمن سها في الفرض والوتر. أما من سها في النفل فقام لثالثة بلا تشهدٍ فإنه بعود ما لم يقيد ما قام إليها بسجدة.
стр. 1883
(وبه) قالت الشافعية في الفرض والنفل، إلا أنهم قالوا: إن عاد بعد أن استقل قائماً عامداً عالماً تبطل صلاته على الصحيح عندهم (قال) النووي في المجموع: سبق أن فوات التشهد الأول أو جلوسه يقتضي سجود السهو. فإذا نهض من الركعة الثانية ناسياً للتشهد أو جلس ولم يقرأ التشهد ثم نهض ناسياً ثم تذكر، فله حالان:
(أحدهما) أن يتذكر بعد الانتصاب قائماً فيحرم العود إلى القعود، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور (ودليله) حديث المغيرة. وفيه وجه شاذ أنه يجوز العود ما لم يشرع في القراءة (والصواب) تحريم العود، فإن عاد معتمداً عالماً بتحريمه بطلت صلاته، وإن عاد ناسياً لم تبطل، ويلزمه أن يقوم عند تذكره ويسجد للسهو، ويكون سجود السهو هنا لزيادةٍ ونقصٍ، لأنه زاد جلوساً في غير موضعه وترك التشهد والجلوس في موضعه. وإن عاد جاهلاً بتحريمه فوجهان (أصحهما) أنه كالناسي، لأنه يخفى على العوام.
(والثاني) أنه كالعامد، لأنه مقصر بترك التعلم. هذا حكم المنفرد والإمام في معناه، فلا يجوز العود بعد الانتصاب. ولا يجوز للمأموم أن يتخلف عنه للتشهد؛ فإنْ فعل بطلت صلاته؛ فإن نوى مفارقته ليتشهد جاز وكان مفارقاً بعذر. ولو انتصب مع الإمام فعاد الإمام للتشهد لم يجز للمأموم العود، بل ينوي مفارقته. وهل له أن ينتظره قائماً حملاً على أنه عاد ناسياً؟ فيه وجهان (أصحهما) له ذلك. فلو عاد المأموم مع الإمام عالماً بتحريمه، بطلت صلاته. وإن عاد ناسياً أو جاهلاً لم تبطل، ولو قعد المأموم فانتصب الإمام ثم عادَ، لزم المأموم القيام، لأنه توجه
стр. 1884
عليه بانتصاب الإمام. ولو قعد الإمام للتشهد الأول وقام المأموم ناسياً أو نهض فتذكر الإمام فعاد قبل الانتصاب وانتصب المأموم، فثلاثة أوجه (أصحهما) يجب على المأموم العود إلى التشهد لمتابعةِ الإمام، لأنها آكد، ولهذا سقط بها القيام والقراءةَ عن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعاً، فإن لم يعد بطلت صلاتُه، ولو قام المأموم عمداً، حرم عليه العوْد كما لو رَكَعَ قبل الإمام أوْ رفع قبله فإنه يحرم العوْد؛ فإن عادَ بطلت صلاتُه، لأنه زاد ركناً عمداً فلو فعله سهواً بأن سمع صوتاً فظنَّ أنَّ الإمام ركعَ فركعَ فبانَ أنه لم يركع. ففي جواز الرجوع وجهان (أصحهما) لا يجب بل يتخير بين الرجوع وعدمه.
(الحال الثاني) أن يتذكر قبل الانتصاب قائماً (قال) الشافعي وأصحابه: يرجع إلى القعود. وإذا عام قبل الانتصاب لا يسجد للسهو على الأصح.
"لحديث" ابن عمر أن النبي ﷺ قال: لا سهو إلا في قيامٍ عن جلوسٍ أو جلوسٍ عن قيامٍ. رواه الحاكم وادعى أن إسناده صحيح ﴿٣٩٨﴾ وليس كما ادعى، بل هو ضعيف تفرد به أبو بكر العنسي "بالنون" وهو مجهول. وما ذكرناه في الحالين هو فيما إذا ترك التشهد ناسياً ونهض. فأما إذا تعمد ذلك ثم عاد بعد أن صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته. وإن عاد قبله لم تبطل (١) اهـ ملخصاً.
(وقالت) المالكية: منْ قام تاركاً التشهد الأول ناسياً يرجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولا سجود عليه. وإن فارق الأرض بما ذكَر
стр. 1885
لا يرجع ويسجد للسهو. وإن رجع ولو بعد أن قام وقرأ بعض الفاتحة؛ لا تبطل الصلاة على الراجح، أما إن رجع بعد قراءتها كلها، بطلت صلاته.
(وقالت) الحنبلية: من قام ناسياً التشهد الأول، له الرجوع ما لم يشرع في القراءة. وقيل متى انتصب قائماً لا يرجع (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة: القيام في موضع الجلوس في ثلاث مسائل: (الأولى) أن يذكر التشهد الأول قبل اعتداله قائماً فيلزمه الرجوع إلى التشهد. وبه قال الاوزاعي والشافعي وابن المنذر. (وقال) مالك: إن فارقت أليتاه الأرض مضى. ولنا ما روى المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ قال: إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً فليجلس، فإذا استتم قائماً فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو. رواه أبو داود وابن ماجه (١) ولأنه أخل بواجب ذكره قبل الشروع في ركن مقصود، فلزمه الإتيان به كما لو لم تفارق أليتاه الأرض. (الثانية) أن يذكر التشهد بعد اعتداله قائماً وقبل شروعه في القراءة. فالأولى له ألا يجلس، وإن جلس جاز. نص عليه أحمد. (الثالثة) ان يذكره بعد الشروع في القراءة فلا يجوز له الرجوع ويمضي في صلاته في قول أكثر أهل العلم (وقال) الحسن: يرجع ما لم يركع وليس بصحيح، لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن مقصود فلم يجز له الرجوع كما لو شرع في الركوع. اهـ ملخصاً (٢)
(وعن) عبد الله بن مالك بن بحينة أن النبي ﷺ قام من اثنتين: من الظهر لم يجلس فقام الناس معه، فلما قضى الصلاة
стр. 1886
وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم. أخرجه مالك والسبعة (١) ﴿٣٩٩﴾.
(ومما) تقدم تعلم أن الراجح ما دل عليه حديث المغيرة ونحوه من أنه متى انتصب قائماً لا يعود (وهذا) كله في حق الإمام والمنفرد. أما المأموم فلو ترك التشهد ناسياً وجلس إمامه، وجب عليه الرجوع مطلقاً لمتابعة إمامه.
(وبه) قالت الأئمة الثلاثة. وهو الراجح عند الشافعية على ما تقدم بيانه.
(الصورة الثانية) القيام من السجدة الأولى تاركاً الجلوس بين السجدتين سهواً. فإن تذكر قبل أن يسجد في الركعة الثانية، لزمه الرجوع لما تركه ثم يأتي بما بعده. فإن تذكر بعد السجود في ركعةٍ أخرى حسب عن الجلوس المتروك وألغي ما بينهما وسجد للسهو في الحالين وهذا مذهب الشافعية ورواية عن أحمد.
(وقالت) المالكية: إنْ تذكر قبل الرفع من ركوع الركعة الثانية عاد لما تركه وألغي ما بعده، وإلا استمر في صلاته وألغي الركعة التي ترك سجودها وأتم صلاته ثم سجد للسهو. (وقال) الحنفيون: من قام من السجدة الأولى تاركاً الثانية سهواً قضاها متى تذكرها. ولا يلزمه إعادة ما فعله بعدها. ولو أخر قضاءها إلى آخر الصلاةِ ولو بعد السلام قبل أن يأتي بمنافٍ، صحَّ وأعاد القعدة وسجدَ للسهو.
(قال) العلامة الحلبي: اعلم أن المشروع فرضاً في الصلاة أربعة أنواع: ما يتحد في كل صلاةٍ كالقعدةِ الأخيرة، أو في كل ركعةٍ كالقيام
стр. 1887
والركوع. وما يتعددُ في كلها كالركعات، أو في كل ركعةٍ كالسجود. فالترتيب شرطٌ بين ما يتحد في كل الصلاة وبين ما سواه، حتى لو تذكر - بعد القعدة الأخيرة قبل السلام أو بعده قبل أن يأتي بمنافٍ- ركعة أو سجدة صلبية أو سجدة تلاوة، فعلها وأعاد القعدة وسجد للسهو. وكذا لو تذكر ركوعاً قضاه وقضى ما بعده من السجود، أو قياماً أو قراءةً صلى ركعةً تامةً وأعادَ القعدةً. وكذا يشترط الترتيب بين ما يتحد في كل ركعةٍ كالقيام والركوع وبين ما بعده، ولذا قلنا آنفاً في ترك القيام وحده: يصلي ركعةً تامةً. وأما الترتيب بين ما يتكرر في كل الصلاةِ كالركعات، فواجب إلا لضرورةِ الاقتداء حيث يسقط به الترتيب، فإنَّ المسبوق يصلي بعض ما تأخر من الركعات قبل ما قبله (١)، وكذا الترتيب بين ما يتكرر في كل ركعةٍ كالسجود وبين ما بعده واجب؛ حتى لو ترك سجدةً من ركعة ثم تذكرها فيما بعدها من قيامٍ أو ركوعٍ أو سجدةٍ، فإنه يقضيها ولا يقضي ما فعله قبل قضائها مما هو بعد ركعتها من قيامِ أو ركوعٍ أو سجودٍ، بل يلزمه سجود السهو فحسب، لكن اختلف في لزوم قضاء ما تذكر فقضاها فيه، كما لو تذكر وهو راكع أو ساجد أنه لم يسجد في الركعة التي قبلها فإنه يسجدها. وهل يعيد الركوع أو السجود المتذكر فيه؟ ففي الهداية: أنه لا يجب إعادته، بل تستحب معللاً بأن الترتيب ليس بفرض بين ما يتكرر من الأفعال.
وفي فتاوى قاضيخان أنه يعيده ولو لم يعده فسدت صلاته، معللاً بأنه ارتفض بالعود إلى ما قبله من الأركان، لأنه قبل الرفع منه يقبل الرفض بخلاف ما لو تذكر
стр. 1888
السجدة بعد ما رفع من الركوع؛ لأنه بعد ما تم بالرفع لا يقبل الرفض اهـ (١).
(والمعتمد) ما في الهداية فقد جزم به في الكنز وغيره في آخر باب الاستخلاف، وصرح في البحر بضعف ما في الخانية. قاله ابن عابدين. (وقال) علاءُ الدين الكاساني: إذا سلم وهو ذاكر أن عليه سجدة صلبية فسدت صلاته وعليه الإعادة، وإن كان ساهياً لا تفسد. ثم إن سلم وهو في مكانه ولم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم، يعود إلى قضاء ما عليه. ولو اقتدى به رجل، صح اقتداؤه وتابعه في السجدة والتشهد دون السلام وبعد السلام يتابعه في سجود السهو. وإن لم يعد الإمام إلى قضاء السجدة فسدت صلاته وصلاة المقتدى. أما إذا صرف وجهه عن القبلة، فإن كان في المسجد ولم يتكلم. فكذلك الجواب استحساناً، لأن المسجد كله في حكم مكانٍ واحد، وصرف الوجه عن القبلة مفسدٌ في غير حالةِ العذر والضرورة بخلاف الكلام؛ لأنه مضاد للصلاة مطلقاً. وإن كان خرجَ من المجد ثم تذكر لا يعود وتفسد صلاته، لأن الخروج من مكان الصلاة مانعٌ من البناءِ، وقد بقي عليه ركن من أركان الصلاةِ فيلزمه استئنافها (وأما إذا كان) في الصحراء فإن تذكر قبل مجاوزة الصفوف من خلفه أو يمينه أو يساره، عاد إلى قضائه ما عليه وإلا فلا. وإن مشى أمامه سترة، عادَ ما لم يجاوز محل سجوده على الأصح، وإن سلم وعليه سجدة تلاوة ذاكراً لها، سقطت عنه ولا تفسد صلاته، لأنه لم يبق عليه ركن من أركانها، لكنها تنقص لترك الواجب (وإن سلم) ساهياً عنها، لا تسقط، لأن سلام السهو لا يخرجه من الصلاة. ثم الأمر في العود إلى
стр. 1889
قضاء سجدة التلاوة على التفصيل الذي ذكرناه في الصلبية.
غير أن هنا لو تذكرها بعد ما خرج من المسجد أو جاوز الصفوف، سقطت عنه ولا تفسد صلاته.
هذا. والعود إلى السجدة الصلبية وسجدة التلاوة يرفع التشهد حتى لو أتى بمنافٍ للصلاة عمداً، فسدت صلاته بخلاف العود إلى سجدتي السهو. اهـ ملخصاً (١).
(وحاصل) مذهب الحنبلية أنَّ منْ قام من السجدة الأولى ساهياً، فإن تذكر قبل الشروع في القراءة لزمه الرجوع للجلوس بين السجدتين ثم السجود. وإن لم يتذكر إلا بعد الشروع في قراءة الركعة التي تليها بطلت الركعة السابقة وحلت محلها اللاحقة (قال) أبو محمد عبد الله ابن قدامة (الصورة الثانية) قام من السجدة الأولى ولم يجلس للفصل بين السجدتين، فهذا قد ترك ركنين: جلسة الفصل والسجدة الثانية فلا يخلو من حالين: (أحدهما) أن يذكر قبل الشروع في القراءة فيلزمه الرجوع. وهذا قول مالك والشافعي ولا أعلم فيه مخالفاً. فإذا رجع فإنه يجلس جلسة الفصل ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يقوم إلى الركعة الأخرى. فأما إن كان جلس للفصل ثم قام ولم يسجدن فإنه يسجد ولا يلزمه الجلوس. فإن كان يظن أنه سجد سجدتين وجلس جلسة الاستراحة لم يجزه عن جلسة الفصل، لأنها هيئة فلا تنوب عن الواجب كما لو ترك سجدةً من ركعةٍ ثم سجد للتلاوةِ، وهكذا الحكم في ترك ركن غير السجود مثل الركوع أو الاعتدال عنه، فإنه يرجع إليه متى ما ذكره قبل الشروع في قراءة الركعة الأخرى فيأتي به ثم بما بعده، لأن
стр. 1890
ما أتى به بعده غير معتد به لفوات الترتيب.
(الحال الثاني) ترك ركناً إما سجدةً أو ركوعاً ساهياً ثم ذكره بعد الشروع في قراءة الركعة التي تليهن بطلت الركعة التي ترك الركن منها، وصارت التي شرع في قراءتها مكانها (قال) الأثرم: سألت أبا عبد الله عن رجل صلى ركعة ثم قام ليصلي أخرى فذكر أنه إنما سجد للركعة الأولى سجدةً واحدةً، فقال: إن كان أول ما قام قبل أن يحدث عمله للأخرى، فإنه ينحط ويسجد ويعتد بها. وإن كان أحدث عمله للأخرى ألغى الأولى وجعل هذه الأولى. قلت: يستفتح أو يجزيء الاستفتاح الأول؟ قال: لا يستفتح ويجزئه الأول. قلت: فنسي سجدتين من ركعتين قال: لا يعتد بتينك الركعتين والاستفتاح ثابت. وهذا قول إسحاق (وقال) الشافعي: إذا ذكر الركن المتروك قبل السجود في الثانية، فإنه يعود إلى السجدة الأولى، وإن ذكره بعد سجوده في الثانية، وقعتا عن الأولى، لأن الركعة الأولى قد صح فعلها، وما فعله في الثانية سهواً لا يبطل الأولى، كما لو ذكر قبل القراءةِ. وقد ذكر أحمد هذا القول عن الشافعيّ وقربه وقال: هو أشبه يعني من قول أصحاب أبى حنيفة، إلا أنه اختار القول الذي حكاه عنه الأثرم (وقال) مالك: إن ترك سجدةً فذكرها قبل رفع رأسه من ركوع الثانية ألغي الأولى (وقال) الأوزاعي: يرجع إلى حيث كان من الصلاة وقت ذكرها فيمضي فيها (وقال) أصحاب الرأي: فيمن نسي أربع سجداتٍ من أربع ركعاتٍ ثم ذكرها في التشهد سجدَ في الحال أربع سجداٍ وتمت صلاته، فإنْ مضَى في موضع يلزمه الرجوع، أو رجع في موضع يلزمه المضي عالماً بتحريم ذلك فسدت صلاته؛ لأنه ترك واجباً في الصلاة عمداً. وإن فعل
стр. 1891
ذلك معتقداً جوازه لم تبطل؛ لأنه تركه من غير تعمدٍ فأشبه ما لو مضى قبل ذكر المتروك، لكن إذا مضى في موضع يلزمه الرجوع، فسدت الركعة التي ترك ركنها كما لو لم يذكره إلا بعد شروعه في قراءةِ غيرها فلم يعد إلى الصحة بحال (١).
(الصورة الثالثة) إذا قام في آخر الصلاة لزائدةٍ تاركاً القعود الأخير، رجع إليه متى ذكره وسجد للسهو "لحديث" الحكم عن إبراهيم عن علقمة بن قيس عن عبد الله بن مسعود قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قال: صليت خمساً. فسجد سجدتين بعد ما سلم. أخرجه السبعة (٢) ﴿٤٠٠﴾
(وفيه) دلالة على أن من زاد في صلاته ركعةً ناسياً لا تبطل صلاته (وبهذا) قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور السلف والخلف.
فإن علم بعد السلام فقد تمت صلاته ويسجد للسهو إذا تذكر عن قرب، وإن طال فالأصح عند الشافعية أنه لا يسجد للسهو إذا تذكر عن قرب، وإن طال فالأصح عند الشافعية أنه لا يسجد، وإن ذكر قبل السلام عاد إلى القعود وغن كان قائماً أو راكعاً أو ساجداً ويتشهد ويسجد للسهو ويسلم.
(وقالت) المالكية: إذا تذكر الزيادة بعد السلام يسجد للسهو، ولو طال الفصل.
стр. 1892
(وقال) الحنفيون: من سها عن القعود الأخير فقام لركعةٍ أخرى، عاد إليه لزوماً ما لم يسجد فيما قام إليها وسجد للسهو لتأخيره فرض القعود فإن سجد فيما قام إليها ولو ناسياً بطل فرضه وتحول نفلاً على المفتي به، لاستحكام شروعه في النافلة قبل إتمام فرائض المكتوبة، ويضم إلى ما صلاه ركعة في غير المغرب إن شاء، فلو لم يضم صار الشفع الأول نفلاً وبطل الثاني، ولا يسجد للسهو، لأن ترك الفرض لا يجبر بالسجود. وفي المغرب يسلم على رأس الأربع ولا يزيد خامسة لكراهة التنفل بالوتر.
(وإن قعد) القعود الأخير قدر التشهد ثم قام سهواً، عاد ندباً وسلم ما لم يسجد في الخامسة، وإن سلم قائماً صح مع الكراهة، لن السلام في الصلاة لم يشرع حال القيام، وينتظره القوم؛ فإن عاد قبل السجود تابعوه، وإن سجد لما قام لها سلموا، لأنه لم يبق عليه إلا السلام وتم فرضه وضم ركعةً أخرى ندباً لما زادها وسجد للسهو في الصورتين استحساناً لتأخير السلام عن محله (وجملة) القل وما ذكره ابن قدامة في المغنى بقوله: متى قام إلى الخامسة في الرباعية أو إلى الرابعة في المغرب أو إلى الثالثة في الصبح، لزمه الرجوع متى ما ذكر فيجلس، فإن كان قد تشهد عقيب الركعةِ التي تمت بها صلاته سجد للسهو ثم يسلِّم، وإن كان تشهد ولم يصلِّ على النبي ﷺ صلى عليه ثم سجد للسهو وسلَّم، وإن لم يكن تشهَّد وسَجَدَ للسهو ثم سلم، فإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة سجَد سجدتين عقيب ذكره وتشهد وسلم وصلاته صحيحة (وبهذا) قال علقمة والحسَن ومالِك والليْث والشافعي.
(وقال) أبو حنيفة: إنْ ذكر قبل أن يسجد جلسَ للتشهد، وإن ذكَر بعد السجودِ وكان جلس عقيب الرابعة قدْرَ التشهد، صحت
стр. 1893
صلاتُه ويضيف إلى الزيادة أخرى لتكون نافلةً، فإنْ لم يكن جلسَ في الرابعة بطل فرضه وصارتْ نافلةً ولزمه إعادة الصلاة (وقال) قتادة والأوزاعي فيمن صلى المغرب أربعاً يضيف إليها أخرى فتكون الركعتان تطوعاً "لقول"النبي- ﷺ في حديث أبي سعيدٍ فيمن سجد سجدتين- فإن كانت صلاتُه تامة كانت الركعة والسجدتان نافلةً. رواه أبو داود وابن ماجه (١).
وفي رواية: فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته. رواه مسلم (٢) (ولنا) ما روى عبد الله بن مسعود وذكر الحديث (٣). ثم قال: والظاهر أن النبي ﷺ لم يجلس عقيب الرابعة (٤) لأنه لم ينقل عنه ولأنه قام إلى الخامسة معتقداً أنه قام
стр. 1894
عن ثالثة ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى. وحديث أبي سعيد حجة عليهم أيضاً فإنه جعل الزائدة نافلة من غير ان يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوسٍ، وجعل السجدتين يشفعانها ولم يضم إليها ركعة أخرى. وهذا كله خلافٌ لما قالوه.
فقد خالفوا الخبرين جميعاً (١) وقولنا يوافق الخبرين جميعاً. (٢)
(فائدة): قال النووي في شرح مسلم: مذهب الشافعي ومن وافقه أن الزيادة على وجه السهو لا تبطل الصلاة، سواءٌ قلت أو كثرت إذا كانت من جنس الصلاة. اهـ.
(ومشهور) مذهب المالكية: أنه إذا بلغت الزيادة في الثنائية ركعتين وفي الرباعية والثلاثية أربع ركعات، بطلت الصلاة. فإذا كانت أقل من ذلك سجد للسهو بعد السلام ولو كان الزائد سجدة.
стр. 1895
(وقال) الحنفيون: إن بلغت الزيادة ركعة ولم يكن قعد القعود الأخير بطلت فرضية الصلاة وإلا فلا.
(ب) والزيادة القولية قسمان (١):
(الأول) ما يبطل عمده الصلاة كالسلام والكلام، فإن سلم في غير موضع السلام ساهياً، أتم صلاته وسجد للسهو اتفاقاً. وكذا إن تكلم ساهياً "لحديث" عمران بن حصين أن النبي ﷺ في ثلاث ركعاتٍ من العصر ثم دخل الحجرة فقام إليه رجلٌ يقال له الخرباق وكان طويل اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضباً يجر رداءه فقال: أصدق؟ قالوا: نعم. فصلى تلك الركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم. أخرجه السبعة إلا البخاري (٢) ﴿٤٠٤﴾.
"ولحديث" أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر، فصلى بنا ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبةٍ في مقدم المسجد فوضع يده عليها وفيهم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه، فقال ذو اليدين: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: بل قد نسيت، فقال ﷺ : أصدق ذو اليدين، فأومأوا أي نعم. فقام فصلى ركعتين ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر ثم سجد