ففيه طريقان " أحدهما " إن كان الحرير ظاهرا يشاهد، حرم وإن قل وزنه، وإن استتر لم يحرم وإن كثر وزنه، لأن الخيلاء والمفاخرة إنما تحصل بالظاهر (والطريق) الثانى هو الصحيح المشهور أن الاعتبار بالوزن. فإن كان الحرير أقل وزنا حَلْ، وإن كان أكثر حرم. وإن استويا فوجهان، الصحيح الحل لأن الشرع إنما حرم ثوب الحرير وهذا ليس بحرير أهـ بتصرف (١) وهذا مذهب أحمد.
(وعند) المالكية فى المخلوط بالحرير وغيره مساو أو أكثر، قول بالجواز وقول بالكراهة، وقول بالحرمة واختاره بعضهم، لما ثبت عن كثير من الصحابة مما يدل على تحريم المخلوط بالحرير (قال) ابن عمر: رأى عمر عُطاردا التميمى يقيم بالسوق حلة سيراء، وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم. فقال عمر: يا رسول الله إنى رأيت عطاردا يقيم فى السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك، وأظنه قال: ولبستها يوم الجمعة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنما يلبس الحرير فى الدنيا من لا خلاق له فى الاخرة. فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحلل سيراء فبعث إلى عمر بحلة. وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة وأعطى على بن أبى طالب حلة (قال) شققها خمرا بين نسائك، فجاء عمر بحلته يحملها فقال: يار سول الله بعثت إلىّ بهذه وقد قلت بالأمس فى حلة عطارد ما قلت، فقال: إنى لم أبعث بها إليك لتلبسها، ولكنى بعثت بها إليك لتصيب بها، وأما أسامة فراح فى حلته فنظر إليه رسول الله نظرا عرف أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أنكر ما صنع، فقال يا رسول الله ما تنظر
стр. 2032
إلى؟ فأنت بعثت إلىَّ بها، فقال: إنى لم أبعث إليك لتلبسها ولكنى بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك. أخرجه مسلم والبيهقى (١) ﴿١٠٠﴾
(وقال) على رضى الله عنه: أهدى لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حلة مكفوفة بحرير، إما سداها وإما لحمتها، فأرسل بها إلىّ فأتيته فقلت: يا رسول الله ما أصنع بها؟ ألبسها؟ قال لا، ولكن اجعلها خمراً بين الفواطم أخرجه ابن ماجه (٢) ﴿١٠١﴾.
(ورجح) الشوكانى هذا حيث قال بعد ذكر هذه الأحاديث: وقد عرفت مما سلف الأحاديث الواردة فى تحريم الحرير على الرجال بدون تقييد. فالظاهر منها تحريم ماهية الحرير عليهم، سواء أوجدت منفردة أم مختلطة بغيرها، ولا يخرج عن التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير الخالص، وسواء أوجد ذلك المقدار مجتمعنا كما فى القطعة الخالصة أم مفرّقا كما فى الثوب المشوب (وحديث) ابن عباس، لا يصلح لتخصيص تلك العمومات ولا لتقييد تلك الإصلاقات لما عرفت " ولا متمسك " للقائلين بحل المشوب إذا كان الحريرمغلوبا " إلا قول " ابن عباس فيما أعلم (فانظر) أيها المنصف، هل يصلح جعله جسراً تذاد عنه الأحاديث الواردة فى تحريم مطلق الحرير ومقيدة؟ وهل ينبغى التعويل عليه فى مثل هذا الأصل العظيم؟ مع ما فى إسناده
стр. 2033
من الضعف الذى يوجب سقوط الاستدلال به على فرض تجرّده عن المعارضات (فإن) قلت قد صرح الحافظ بن حجر أن عمدة من يقول بجواز لبس ما خالطة الحرير إذا كان غير الحرير أغلب ما وقع فى تفسير الحلة السِّيراء (قلت) ليس فى أحاديث الحلة السِّيرَاء ما يدل على أنها حلال، بل جميعها قاضية بالمنع منها، كما فى حديث عمر وعلى وغيرهما مما سلف (فإن) فسرت بالثياب المخلوطة بالحرير كما قال جمهور أهل اللغة. كانت حجة عليهم لا لهم، وإن فسرت بأنها الحرير الخالص، فأى دليل فيها على جواز لبس المخلوط؟ وهكذا إن فسرت بسائر التفاسير المتقدمة.
(والحاصل) أنه لم يأت المدعون للحل بشئ تركن النفس إليه، وغاية ما جادلوا به أنه قول الجمهور، وهذا أمرهين (والحق) لا يعرف بالرجال أهـ بتصرف (١).
٥ - ما يباح من الحرير:
يحل للرجال اليسير من الحرير، بأن كان قدر أربع أصابع مضمومة فأقل كعلم الثوب والطراز والقيطان والسجاف لإصلاح الثوب، سواء أكان مركبا عليها أم منسوجا فيها أم مصنوعا بالإبرة " لقول " سويد بن غفلة: خطب عمر رضى الله عنه بالجابية فقال: نهى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن لبس الحرير إلا موضع أصبع أو أصبعين أو ثلاث أو أربع، أخرجه أحمد ومسلم والترمذى وقال هذا حديث حسن
стр. 2034
صحيح (١) ﴿١٠٢﴾ " ولقول " عبد الله مولى أسماء بنت أبى بكر: أخرجت إلىّ أسماء جُبَّةَ طيالسة عليها لبنة شبرد من ديباح كسروانى، وفرجاها مكفوفان به، قالت: هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يلبسها، كانت عند عائشة فلما قبضت عائشة قبضتها إلىّ، فنحن نغسلها للمريض منا يستشفى بها. أخرجه أحمد ومسلم (٢) ﴿١٠٣﴾.
والمتبادر أن المراد قدر أربع الأصابع عرضا وإن زاد الطول. والمراد بالعلم ما كان من خالص الحرير نسجا أو خياطة. والظاهر أنه لا فرق بينه وبين المطرف وهو ما جعل طرفه مسجفا بالحرير فى أنه يتقيد بأربع أصابع وهذا متفق عليه.
(قال) العلامة ابن عابدين فى رد المختار: وعلم الثوب رقمه وهو الطراز والمراد به ما كان من خالص الحرير نسجا أو خياطة. وظاهر كلامهم أنه لا فرق بينه وبين المطرف - وهو ما جعل طرفه مسجفا بالحرير - فى أنه يتقيد بأربع أصابع، خلافا للشافعية حيث قيدوا المطرز بالأربع الأصابع،
стр. 2035
وبنوا المطرف على العادة الغالبة فى كل ناحية وإن جاوز أربع أصابع، فالمراد بالعلم عندنا ما يشملهما، فيدخل فيه السجاف وما يخاط على أطراف الأكمام وما يجعل فى طوق الجبة، وهو المسمى قبة، وكذا العروة والزور كما سيأتى.
ومثله فيما يظهر طرة الطربوش أى القلنسوة ما لم تزد على عرض أربع أصابع وكذا بيت تكة السراويل وما علا أكتاف العباءة وعلى ظهرها وما فى أطراف الشاش، سواء أكان تطريزا بالإبرة أم نسجا، فجميع ذلك لا بأس به إذا كان عرض أربع أصابع، وإن زاد على طولها بناء على مامر، ومثلة لورقع الثوب بقطعة ديباج بخلاف مالوجعلها حشوا.
(قال) فى الهندية: ولو جعل القز حشوا للقباء فلا بأس به، لأنه تبع ولو جعلت ظهارته أو بطاتنه فهو مكروه، لأن كليهما مقصود، كذا فى محيط السرخسى وفى شرح القدروى عن أبى يوسف: أكره بطائن القلانس من إبريسم أهـ. وعليه فلو كانت قية الجبة أكثر من عرض أربع أصابع كما هو العادة فى زماننا فخيط فوقها قطعة كرباس ن يجوز لبسها، لأن الحرير صار حشوا، تأمل (١).
(وقال) النووى فى المجموع: يجوز لبس المطرز بشرط ألا يجاوز طراز الحرير أربع أصابع، فإن زاد عليها فحرام للحديث السابق، ويجوز لبس الثوب المطرز والمجيّب ونحوهما بشرط ألا يجاوز العادة فيه، فإن جاوزها حرم بالاتفاق. ولو رقع ثوبه بديباج فهو كتطريزة، ولو خلط ثوبا بإبريسم جاز لبسه بلا خلاف، بخلاف الدرع المنسوجة بذهب قليل، فإنها تحرم لكثرة الخيلاء فيه. ولو اتخذ سبحة فيها خيط حرير لم يحرم استعمالها. لعدم الخلاء، ولو اتخذ جبة من غير الحرير وحشاها حريرا أو حشاء القباء (أى القفطان) والمخدة ونحوها، جاز استعمالها، ونقل إمام الحرمين الاتفاق عليه، وقال:
стр. 2036
ظاهر كلامهم أنه لو لبس ثوبا ظهارته وبطانته قطن وفى وسطه حرير منسوج جاز. وفيه نظر واحتمال أهـ ملخصا (١).
٦ - لبس الحرير لضرورة:
يجوز لبس الحرير لحاجة كحكة أو قمل أو مرض ينفعه لبس الحرير " لقول " أنس: رخص النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف فى لبس الحرير لحكة بهما، أخرجه السبعة ولفظ الترمذى: شكو إلى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم القمل فرخص لهما فى قُمص الحرير فى غزاة لهما (٢) ﴿١٠٤﴾
وهو مشهور مذهب الشافعية والحنبلية وظاهر مذهب الحنفيين. وبه قال ابن حبيب المالكى، ومثل الحكة غيرها من الأمراض التى ينفع فيها لبس الحرير.
(وقال) ابن الصلاح: يرخص لبس الحرير للحكة والقمل فى السفر فقط، لظاهر قول أنس: رخص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الرحمن بن عوف وللزبير بن العوام فى قمص الحرير فى السفر من حكة كانت بهما. أخرجه أبو داود (٣) ﴿١٠٥﴾، ولأن السفر شاغل عن المعالجة وتفقد الثياب وغيرهما.
стр. 2037
(وقال) مالك: لا يجوز لبس الحرير مطلقا سفرا وحضرا لحكة ونحوها وهو قول الحنبلية (وأجابوا) عن الحديث باحتمال أن يكون الترخيص خاصا بابن عوف والزبير، لكن الأصل عدم الخصوصية، ولا دليل هنا على التخصيص.
(قال) النووى فى المجموع: يجوز لبس الحرير للحكة وللجرب ونحوه، هذا هو المذهب، وفيه وجه أنه لا يجوز وليس بشيئ , ويجوز لدفع القمل في السفر والحضر , وفيه وجه أنه لا يجوز إلا في السفر , واختاره الشيخ أبو عمرو بن صلاح , لأنه ثبت في روايه في الصحيحين قي هذا الحديث , أرخص لهما في ذلك السفر , والصحيح المشهور جوازه مطلقا , وبه قطع كثيرون واقتضاه إطلاق الباقين أهـ بتصرف واحد (١).
(وقال) ابن القيم هذا الحديث (حديث أنس) يتعلق به أمران فقهي وطبي. فأما الفقهي فالذي استقرت عليه سنته صلي الله عليه وعلي آله وسلم إباحة الحرير للنساء مطلقا وتحريمه علي الرجال إلا للحاجه ومصلحة راجحه , فالحاجه كأن لا يجد ما يستر به عورته سواه (ومنها) إلباسه للمرض والحكة وكثرة القمل كما دل عليه حديث أنس، والجواز أصح الروايتين عن الإمام أحمد وأصح قولى الشافعى، إذ الأصل عدم التخصيص، والرخصة إذا ثبتت فى حق بعض الأمة لمعنى، تعدت إلى كل من وجد فيه ذلك المعنى، إذ الحكم يعم بعموم سببه، ومن منع منه قال: أحاديث التحريم عامة، وأحاديث الرخصة تحتمل اختصاصا لعبد الرحمن بن عوف والزبير، أى ويحتمل تعديها إلى غيرهما وإذا احتمل الأمران، كان الأخذ بالعموم أولى. والصحيح عموم الرخصة فإنه عرف خطاب الشرع فى ذلك ما لم يصرح بالتخصيص كقوله صلى الله
стр. 2038
عليه وسلم لأبى بردة: اذبحها ولا تصلح لغيرك (١) ولقوله تعالى لنبيه ﷺ فى نكاح من وهبت نفسها له ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ من آية ٥ الأحزاب.
وتحريم الحرير إنما كان سداً للذريعة، ولهذا أبيح للنساء وللحاجة والمصلحة الراجحة، وهذه قاعدة ما حرم لسد الذرائع فإنه يباح عند الحاجة والمصلحة الراجحة، كما حرم النظر سدا لذريعة الفعل، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة والمصلحة الراجحة، وكما حرم التنفل بالصلاة فى أوقات النهى سدا لذريعة المشابهة الصورية بعباد الشمس، وأبيحت للمصلحة الراجحة أهـ بتصرف (٢).
(والحكمة) فى جواز لبس الحرير للحكة والقمل، ما قيل من أن فى الحرير برودة، وقيل إن فيه خاصية تدفع ما تنشا عنه الحكة والقمل.
(فوائد) (الأولى) لو خاف الإنسان على نفسه من حر أو برد أو غيرهما ولم يجد إلا ثوب حرير، جاز لبسه بلا خلاف للضرورة، ويلزمه الاستتار به عن العيون إذا لم يجد غيره بلا خلاف، وكذا فى الخلوة إذا أوجبنا الستر فيها.
... (الثانية) يجوز لبس الحرير فى الحرب إذا دعت إليه ضرورة بأن لم يجد غيره، أو كان ثخينا لا يقوم غيره فى الحرب مقامه (وبهذا) قال الحنفيون والشافعية (قال) العلامة ابن عابدين فى رد المختار: اعلم أن لبس
стр. 2039
الحرير لا يجوز بلا ضرورة مطلقا، فما كان سداه غير حرير ولحمته حريرا، يباح لبسه فى الحرب للضرورة وهى شيئان: التهيب بصورته وهو بريقه ولمعانه، والثانى دفع معرة السلاح أى مضرته، فإذا كان رقيقا لم تتم الضرورة فحرام عند الإمام وصاحبيه (١).
(وقال) النووى فى المجموع: يجوز للرجل لبس الديباج فى حال مفاجأة الحرب والقتال إذا لم يجد غيره، وكذلك يجوز الديباج الثخين الذى لا يقوم غيره مقامه فى دفع السلاح، ولا خلاف فى جوازه فى حال الضرورة. ولا يقال إنه مكروه فلو وجد غيره مما يقوم مقامه فوجهان (الصحيح) تحريمه لعدم الضرورة قياسا على الدرع المنسوجة بالذهب، فإنها لا تحل فى الحرب إلا إذا لم يجد ما يقوم مقامها باتفاق الأصحاب (والثانى) جوازه مع الكراهة، ووجهه القياس على التضبيب فإنه يجوز بالفضة للحاجة وإن وجد نحاسا غيره، ويفرق بينه وبين الدرع المنسوجة بالذهب بأن الحرير يسامح بقليلة كالعلم والجيب ونحوهما وعما دون نصف الثوب أهـ بتصرف (٢).
(وهذا) هو المشهور عند الحنبلية. وقيل يجوز لبس الحرير فى الحرب ولو بلا حاجة (قال) أبو محمد عبد الله بن قدامة فى المغنى: فأما لبسه فى الحرب فإن كان فى حاجة إليه كأن كان بطانة لبيضة أو درع ونحوه أبيح. قال بعض أصحابنا: يجوز مثل ذلك من الذهب كدرع مموه بالذهب وهو لا يستغنى عن لبسه وهو محتاج إليه. وإن لم يكن به حاجة إليه فعلى وجهين (أحدهما) يباح، لأن المنع من لبسه للخيلاء وكسر قلوب الفقراء: والخيلاء فى وقت
стр. 2040
الحرب غير مذموم (والثانى) يحرم لعموم الخبر، وظاهر كلام أحمد رحمة الله إباحته مطلقا وهو قول عطاء (١).
(وحاصل) مذهب الحنفيين فى هذا أن ما لحمته حرير وسداه غيره لا يحل إلا فى الحرب صفيقا يحصل به اتقاء العدو، فلو كان رقيقا حرم لعدم الفائدة ولا يجوز لبس الحرير الخالص فى الحرب عند الإمام، وقال أبو يوسف ومحمد يجوز لو كان صفيقا، لما روى أن النبى ﷺ رخص فى الحرير الخالص فى الحرب. ورخص فى لبس الخز والديباج فى الحرب للضرورة، ولأن الخالص منه أدفع لحدة السلاح وأهيب فى عين العدو. وللإمام إطلاق النصوص الواردة فى النهى عن لبس الحرير من غير تفصيل. والضرورة تندفع بالمخلوط فلا حاجة إلى الخالص (وجملة القول) أن صور هذه المسالة ثلاثة.
(أ) ما يكون كله حريرا وهو الديباج لا يجوز لبسه فى غير الحرب اتفاقا وأما فى الحرب فعند الإمام لا يجوز وعندهما يجوز.
(ب) ما يكون سداه حريرا ولحمته غيره، لا بأس به فى الحرب وغيره.
(جـ) ما لحمته حرير وسداه غيره، فهو مباح فى الحرب دون غيره.
(الثالثة) لا بأس بعروة القميص وزره من الحرير وخياطته بخيطه، وجعل خيط السبحة وليقة الدواة وكيس المصحف وغطاء الكتب من الحرير.
(وقال) ابن عابدين فى رد المختار: فيدخل فى العلم السجاف وما يخيط على أطراف الأكمام، وما يجعل فى طوق الجبة وهو المسمى قبة، وكذا العروة والزر (أى زر الصديرى ونحوه) كما سيأتى إن شاء الله، ومثله فيما يظهره طرة الطربوش أى القلنسوة ما لم تزد على عرض أربع أصابع (٢).
стр. 2041
(والطرة) هى حرف الشئ وجانبه كما فى كتب اللغة. فما كان منسوجا أو مخيطا من الحرير فى طرف القلنسوة الأعلى أو الأسفل، كما هو مشاهد فيما يسمونه طاقية مكية، لا باس به على ما استظهره ابن عابدين، بشرط أن لا يزيد على أربع أصابع.
(وقال) أكثر الحنبلية: النهى عن استعمال الحرير يتناول كل ما ذكر.
(قال) فى شرح المنتهى: وحرم الأكثر استعماله مطلقا فيدخل فيه تكة وشرّابة مفردة وخيط سبحة أهـ.
(الرابعة) لو بسط فوق ثوب الحرير ثوب قطن وجلس عليه، جاز كما لو حشا الجبة والمخدة به، وكما لو بسط على النجاسة ثوبا طاهرا أو جلس على جبة محشوة بالحرير. قاله النووى فى المجموع (١).
٧ - لبس المعصفر والمزعفر:
يجوز للنساء لبس الثياب المصبوغة بعصفر أو زعفران دون الرجال " لقول " على رضى الله عنه: نهانى
رسول الله ﷺ عن التختم بالذهب وعن لباس القسى وعن القراءة فى الركوع والسجود، وعن لبس المعصفر. أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة، قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (٢) ﴿١٠٦﴾
" ولحديث " جبير بن نفير أن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله
стр. 2042
صلى الله عليه وسلم على ثوبين معصفرين. فقال: هذه ثياب الكفار فلا تلبسها أخرجه أحمد ومسلم والنسائى (١) ﴿١٠٧﴾
" ولحديث " طاوس عن عبد الله بن عمرو قال: رأى النبى ﷺ علىّ ثوبين معصفرين فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت أغسلهما؟ قال بل احرقها، أخرجه مسلم ورزين (٢) ﴿١٠٨﴾
" ولحديث " أنس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتزعفر الرجل. أخرجه الشيخان والنسائى (٣) ﴿١٠٩﴾.
" ولقول " ابن عمر: نهى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يلبس المحرم ثوبا مصبوغا بورس أو بزعفران. أخرجه البخارى والنسائى وأبو داود (٤) ﴿١١٠﴾.
(واختلف) العلماء فى حكم لبس الرجل المعصفر والمزعفر (فقالت) الظاهرية إنه حرام، لظاهر هذه الأحاديث ونحوها، وبه قالت الشافعية فى المزعفر.
(وقال) الحنفيون والحنبلية وجماعة من السلف: يكره لبسهما للرجال حملا للنهى على الكراهة، وهو مشهور مذهب مالك لقول أنس: رأى النبى
стр. 2043
صلى الله عليه وسلم على عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة، فقال ما هذا؟ قال: تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب فقال: بارك الله لك أوْ لم ولو بشأة. أخرجه مالك والخمسة (١) ﴿١١١﴾.
(وجه) الدلالة أنه ﷺ لم ينكر عليه ولا أمره بغسله بل دعا له بالبركة، فدل على أن نهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجال عن التزعفر للكراهة، إذ لو كان للتحريم لما أقره (وأجيب) بأن ما كان على ابن عوف من الزعفران لحقه من امرأته لا أنه وضعه قصداً، ورجحه النووى.
(وروى) عن مالك وجماعة أنه يجوز لبس المزعفر والمعصفر لغير المحرم وروى عن الشافعى فى المعصفر أخذا بحديث ابن عمر المذكور فقد قيد فيه بالمحرم، وحملوا عليه المطلق كحديث أنس، ويؤيده (قول) أم سلمة: ربما صبغ رسول الله ﷺ إزاره وردءاه بزعفران أو ورس. أخرجه الطبرانى بسند فيه مجهول (٢) ﴿١١٢﴾.
(وما ثبت) عن ابن عمر أنه كان يصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران، فقيل له لم تصبغ ثيابك وتدهن بالزعفران؟ فقال: أنى رأيته أحب الأصباغ إلى رسول الله ﷺ . يدهن به ويصبغ به ثيابها كلها. أخرجه أحمد.
(ورد) بأن هذا الحديث فى سنده مجهول فهو ضعيف.
(وروى) عن مالك أنه يكره لبس المعصفر والمزعفر فى المحافل دون البيوت.
стр. 2044
(والراجح) القول بحرمة لبسهما مطلقا، لظهور الأدلة السابقة فى الحرمة
(قال) النووى فى المجموع: يحرم على الرجل لبس الثوب المزعفر، ونقل البيهقى وغيره أن الشافعى رحمة الله نهى الشافعى الرجل عن المزعفر واباح المعصفر (قال) الشافعى: إنما رخصت فى المعصفر لأنى لم أجد أحدا يحكى عن النبى ﷺ النهى عنه إلا ما قال على رضى الله عنه: نهانى ولا أقول نهاكم - قال البيهقى: وقد جاءت أحاديث تدل على النهى على العموم ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال رأنى رسول الله ﷺ وعلى ثوبان معصفران فقال: هذه ثياب الكفار فلا تلبسها، رواه مسلم فى صحيحه (ثم روى) البيهقى روايات تدل على أن نهى الرجال عن لبسه على العموم، ولو بلغ الشافعى هذا لقال به إن شاء الله تعالى: ثم ذكر بإسناده ما هو مشهور صحيح عن الشافعى قال: إذا كان حديث النبى ﷺ خلاف قولى فاعملوا بالحديث ودعوا قولى.
(قال البيهقى): قال الشافعى وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر قال وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقى: فتبع السنة فى المزعفر فمتابعتها فى المعصفر أولى. قال وقد كره المعصفر بعض السلف. قال: ورخص فيه جماعة، والسنة أولى بالاتباع. أهـ بتصرف (١).
٨ - لبس الأحمر:
يجوز للنساء لبس الثوب الأحمر الخالص دون الرجال (لقول) عبد الله ابن عمرو: مرَّ على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل عليه ثوبان أحمران
стр. 2045
فسلم عليه فلم يرد عليه النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه أبو داود والترمذى (١) ﴿١١٣﴾ وفى سنده أبو يحيى القتات ضعيف لا يحتج بحديثه " ولقول " البراء بن عازب: نهانا النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المياثر الحمر والقسى. أخرجه البخارى والترمذى (٢) ﴿١١٤﴾ والأحاديث فى هذا كثيرة.
(أما) الثوب المشوب بالأحمر وغيره كبياض وسواد وغيرهما فإنه جائز للرجال والنساء. وعليه يحمل (حديث) البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مربوعا. وقد رأيته فى حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أخرجه الخمسة، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (٣) ﴿١١٥﴾.
(وحديث) عون بن أبى جحيفة عن أبيه قال: رأيت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعليه حلة
حمراء (الحديث) أخرجه البخارى والترمذى (٤) ﴿١١٦﴾.
(وقول) ابن عباس: كان رسول الله صلى الله ﷺ يلبس يوم العيد بردة حمراء. أخرجه الطبرانى فى الأوسط بسند رجاله ثقات (٥) ﴿١١٧﴾.
(وحديث) هلال بن عامر عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر، وعلىّ أمامه يعبّر عنه. أخرجه أبو داود بسند حسن (٦) ﴿١١٨﴾.
стр. 2046
هذا. والمراد بالحلة الحمراء، بردان يمنيان منسوجان بخطوط حمر مع سود كسائر البرود اليمنية. ووصفت بالحمرة باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر وإلا فالأحمر البحت منهى عنه كما تقدم ومكروة لبسه.
(قال) ابن القيم فى زاد المعاد: كان صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلبس مرة بردين أخضرين، ومرة بردا أحمر، ليس هون أحمر مصمتا كما يظنه بعض الناس، فإنه لو كان كذلك لم يكن برداً، وإنما فيه خطوط حمر كالبرود اليمنية، فسمى أحمر باعتبار ما فيه من ذلك. وقد صح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غير معارض النهى عن لبس المعصفر والأحمر. وأمر عبد الله بن عمرو لما رأى عليه ثوبين أحمرين أن يحرقهما. فلم يكن ليكره الأحمر هذه الكراهة الشديدة ثم يلبسه. والذى يقوم عليه بالدليل تحريم لباس الأحمر أو كراهية هيئته كراهة شديدة أهـ.
(وهذا) هو الظاهر وبه يجمع بين الأدلة (قال) الحافظ فى الفتح: القول السابع تخصيص المنع بالثوب الذى يصبغ كله. وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا. وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة فى الحلة الحمراء، فإن الحلل اليمانية غالبا تكون ذات خطوط حمر وغيرها (١).
(ولذا) قال بعض الحنفيين والحنبليين: يكره للرجال لبس الأحمر الخالص دون المشوب بغيره (قال) العلامة الحصكفى فى الدر: وكره لبس المعصفر والمزعفر الأحمر والأصفر للرجال. لا يكره للنساء، ولا بأس بسائر الألوان. وفى المجتبى والقهستانى وشرح النقاية لأبى المكارم: لا بأس بلبس الثوب الأحمر أهـ ومفادة أن الكراهة تنزيهه، لكن صرح فى التحفة بالحرمة فأفاد أنها تحريمة. وللشُّر نْبُلالى رسالة نقل فيها ثمانية أقوال منها أنه مستحب (٢) أهـ.
стр. 2047
(وقال) الشيخ منصور بن إدريس الحنبلى فى كشاف القناع: ويكره للرجل دون المرأة لبس مزعفر " لقول " أنس إن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتزعفر الرجل متفق عليه (١) وبكره للرجل لبس أحمر مصمت لما ورد عن عبد الله بن عمرو قال: مر على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجل عليه ثوبان أحمران فسلم فلم يرد النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه. رواه أبو داود (٢) قال أحمد: يقال أول من لبسه آل قارون أو آل فرعون، ولو كان الأحمر المصمت بطانة. وخرج بالمصمت ما فيه حمرة وغيرها، فلا يكره ولو غلب الأحمر. وعليه يحمل لبس النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم الحلة الحمراء أو البرد الأحمر. ويكره للرجل أيضاً لبس
стр. 2048
طيلسان وهو المقور على شكل الطرحة يرسل من فوق الرأس، لأنه يشبه لبس رهبان النصارى. وأما المدور فهو غير مكروه بل قيل باستحبابه (وكذا) المعصفر فيكره للرجل، لما روى على قال: نهانى رسول الله عليه وسلم عن التختم بالذهب، وعن لباس القسى وعن القراءة فى الركوعوالسجود وعن لباس المعصفر. رواه مسلم (١) ﴿١١٩﴾، إلا فى إحرام فلا يكره للرجل لبس المعصفر ويباح للنساء لتخصيص الرجل بالنهى أهـ بتصرف (٢).
(وقالت) المالكية والشافعية وبعض الحنفيين: يجوز لبس الأحمر الخالص غير المزعفر والمعصفر على ما تقدم. وروى عن على وطلحة والبراء وغيرهم من الصحابة، وعن سعيد بن المسيب والشعبى والنخعى وغيرهم من التابعين " لحديث " البراء وغيره من الأحاديث الدالة على أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يلبس الأحمر (٣).
(وأجابوا) عن أحاديث النهى عن لبس الأحمر بأنها ضعيفة كما تقدم أو محمولة على المعصفر والمزعفر.
(وردّ) بأنها لكثرتها تقوى وتصلح للاحتجاج بها. ولا دليل على تخصيصها بالمعصفر والمزعفر. بل ورد النهى عن لبس ما صبغ بغيرهما (قالت) أمرأة من بنى أسد: كنت عند زينب أم المؤمنين ونحن نصبغ ثيابا لها بمغْرة إذ طلع النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما رأى المغْرة رجع. فلما رأت ذلك زينب علمت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد كره ما فعلت فغسلت ثيابها ووارت
стр. 2049
كل حمرة ثم أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجع فاطلع لم ير شيئاً دخل أخرجه ابو داود بسند فيه ضعيف (١) ﴿١٢٠﴾.
(وقال) بعض الفقهاء: يمنع لبس الأحمر ولو مخططا لإطلاق أحاديث النهى السابقة (وردّ) بأن الجمع بين الأحاديث يقضى بحمل حالة النهى على الخالص وأحاديث الإباحة على المشوب بالأحمر وغيره كما تقدم.
(وقال) عطاء وطاوس ومجاهد: يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة دون ما كان صبغة خفيفا " لحديث " يزيد بن أبى زياد عن الحسن بن سهيل عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المفدّم قال يزيد: قلت للحسن ما المفدم؟ قال المشبع بالعصفر. أخرجه البيهقى وابن ماجه بسند صحيح رجاله ثفات (٢) ﴿١٢١﴾.
(وعن مالك) أنه يكره لبس الأحمر مطلقا لقصد الزينة والشهرة ويجوز فى البيوت. وروى عن ابن عباس " لحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارا. أخرجه أبو داود وابن ماجه وهذا لفظه (٣) ﴿١٢٢﴾. والأحاديث فى هذا كثيرة (٤).
стр. 2050
(وقال) بعضهم: يجوز لبس ما صبغ غزلة ثم نسج. ويمنع لبس ما صبغ بالأحمر بعد النسج. وجنح إليه الخطابى وقال: إن الحلة الحمراء والبرد الأحمر الواردين فى لبسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حلل اليمن وبروده، وقد كان يصبغ غزلها ثم ينسج.
وقال الطبرى: الذى أراه جواز لبس الثياب المصبوغة بكل لون إلا أنى لا أحب لبس ما كان مشبعا بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقا ظاهرا فوق الثياب لكونه ليس من لباس أهل المروءة فى زماننا ذكره فى الفتح، وقال: والتحقيق فى هذا المقام أن النهى عن لبس الأحمر إن كلن من أجل أنه لبس الكفار فهو للزجر عن التشبه بهم، أو من أجل أنه زى النساء فهو للزجر عن التشبه بهن، أو من أجل الشهرة أو خرم المروءة فيمتنع حيث يقع ذلك. وإلا فيقوى ما ذهب إليه مالك من التفرقة بين المحافل والبيوت أهـ ملخصا (١).
стр. 2051
٩ - لبس الأبيض:
يستحب لبس البيض وتكفين الموتى فيه " لحديث " ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: البسول من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم. وكفنوا فيها موتاكم. أخرجه أحمد والبيهقى والأربعة إلا النسائى وصححه الترمذى (١) ﴿١٢٦﴾ " ولحديث " سمرة بن جندب أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: البسوا ثياب البياض فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم. أخرجه أحمد والنسائى والبيهقى والترمذى، والحاكم وصححاه (٢) ﴿١٢٧﴾ وقال صحيح على شرط الشيخين.
(والأمر) محمول على الندب. أما فى اللباس فلما ثبت عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه لبس غير الأبيض وأقر كثيرا من الصحابة على ذلك كما تقدم ويأتى. وأما فى الكفن " فلقول " جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إذا توفى أحدكم فوجد شيئاً فليكفن فى ثوب حِبَرة. أخرجه أبو داود والبيهقى (٣) ﴿١٢٨﴾.
والحبرة كعنبة، نوع مخطط من البرود اليمانية. ولذا اتفق العلماء على استحباب لبس الثياب البيض وتكفين الموتى بها (قال) ابن حجر الهيتمى فى الكلام على حديث جبريل حينما جاء إلى مجلس النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
стр. 2052
شديد بياض الثياب: ومن ثم استحب عمر رضى الله عنه البياض للقارئ. واستحبه بعض أئمتنا لدخول المسجد وينبغى ندبه لكل اجتماع ماعدا العيدين إذا كان عنده أرفع منه، لأنه يوم الزينة وإظهار للنعمة أهـ.
١٠ - لبس الأصفر:
يجوز لبس الأصفر غير المعصفر والمزعفر " لما " فى حديث عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر رضى الله عنهما: رأيتك تصبغ بالصفرة. فقال إنى رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، فأنا أحب ان أصبغ بها. أخرجه البخارى مختصرا (١) ﴿١٢٩﴾ " ولقول " قيس بن سعد: أتانا النبى ﷺ فوضعنا له ماء يتبرد فاغتسل ثم أتيته بملحفة صفراء فرأيت أثر الورس على عكنة. أخرجه ابن ماجه (٢) ﴿١٣٠﴾ " ولقول" عبد الله بن جعفر: رأيت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثوبين أصفرين. أخرجه الطبرانى فى الصغير (٣) ﴿١٣١﴾ " ولقول " عمران بن مسلم: رأيت على أنس بن مالك إزارا أصفر. أخرجه الطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح (٤) ﴿٢١﴾ وقد اتفق على هذا العلماء.
١١ - لبس أخضر:
ويجوز أيضا لبس الأخضر " لقول " أبى رمثة: رأيت على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلام ثوبين
أخضرين. أخرجه أحمد والثلاثة وقال الترمذى:
стр. 2053
حديث حسن غريب لا تعرفه إلا من حديث عبيد الله بن غياد. وأبو رمثة التيمى اسمه حبيب بن حيان (١) ﴿١٣٢﴾ " ولحديث " يعلى بن أمية أن رسول الله ﷺ طاف بالبيت مضطبعا ببرد أخضر. أخرجه أحمد والدرامى والربعة إلا النسائى. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (٢) ﴿١٣٣﴾ وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء.
١٢ - لبس الأسود:
يجوز لبسه " لقول " عائشة: خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود. أخرجه مسلم والترمذى وقال حديث حسن صحيح غريب (٣) ﴿١٣٤﴾ " ولحديث " مطرف عن عائشة قالت: صنعت لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بردة سوداء فلبسها فلما عرق فيها وجد ريح الصوف فقذفها، وكانت تعجبه الريح الطيبة. اخرجه الحاكم وابو داود والنسائى (٤) ﴿١٣٥﴾ " ولقول " أم خالد بنت خالد: أتى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثياب فيها خميصة سوداء صغيرة. فقال من ترون أن نكسو هذه؟ فسكت القوم فقال: ائتونى بأم خالد فأتى بها تحمل فأخذ الخميصة بيده
стр. 2054
فألبسها وقال: أبلى وأخلقى وكان فيها علم أخضر أو أصفر فقال ك يا أم خالد هذا سناه. وسناه بالحبشية حسن. أخرجه البخارى (١) ﴿
١٣٦﴾
١٣ - المخطط:
يجوز لبس حلال مخطط بما لا يلهى " لقول " أنس. كان أحب ما إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن نلبسه الحبرة. أخرجه الخمسة (٢) ﴿١٣٨﴾ والحبرة كعنبة برد مخطط من قطن أو كتان " ولحديث " أنس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى بردة حبرة عقد بين طرفيها. أخرجه أحمد وأبو يعلى والبزار بسند رجاله ثقات (٣) ﴿١٣٩﴾
١٤ - السراويل:
يستحب لبس السراويل للرجال والنساء " لقول " القاسم: سمعت أبا أمامة
стр. 2055
يقول خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على مشيخة من الأنصار، بيض لحاهم فقال يا معشر الأنصار: حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب. فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولوا ولا ياتزرون فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب (الحديث) أخرجه أحمد والطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿١٤٠﴾
" ولحديث " على رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال يأيها الناس اتخذوا السراويلات فإنها من أستر ثيابكم، وحصنوا بها نساءكم إذا خرجن. أخرجه ابن عدى فى الكامل، والعقيلى والبراز والبيهقى فى الأدب مطولا. وفى سنده إبراهيم بن زكريا العجلى البصرى. ذكره ابن حيان فى الثقات (٢) ﴿١٤١﴾
стр. 2056
"ولقول " سويد بن قيس: جلبت أنا ومخرمة العبدى ثيابا من هجر، فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمشى فساومنا سراويل فيعناه، وثم رجل يزن بالأجر، فقال له زن وأرجح. أخرجه أحمد والربعة وابن حيان (١) ﴿١٤٣﴾
" ولقول " أبى هريرة: دخلت مع النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوما السوق فجلس إلى البراز فاشترى سراويل بأربعة دراهم، وكأن لأهل السوق وزان يزن فقال له رسول الله ﵌: أتزن وأرجح. فقال الوزان: إن هذه لكلمة ما سمعتها من أحد. فقال له أبو هريرة: كفى بك من الجفاء فى دينك ألا تعرف نبيك، فطرح الميزان ووثب إلى يد رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم يريد أن يقبلها، فجذب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يده منه. وقال له: يا هذا إنما يفعل هذا الأعاجم بملوكها، ولست بملك إنما أنا رجل منكم فوزن وارجح، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم السراويل. قال أبو هريرة: فذهبت لأحمله عنه. فقال: صاحب الشئ أحق بشيئه أن يحمله إلا أن يكون ضعيفا فيعجز عنه فيعينه أخوه المسلم. قال: قلت يا رسول الله وإنك لتلبس السراويل؟ قال: أجل فى السفر والحضر، وفى الليل والنهار فإنى أمرت بالستر فلم أر شيئاً أستر منه. أخرجه الطبرانى فى الأوسط وأبو يعلى الموصلى وابن حبان فى الضعفاء والدار قطنى فى الأفراد، وفى سنده يوسف ابن زياد البصرى عن شيخه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقى، وهما
стр. 2057
ضعيفان (١) ﴿١٤٤﴾.
(ولهذه) الروايات اتفق العلماء على جواز لبس السراويل. ولا دليل لمن قال بكراهته (قال) العلامة السفارينى فى غذاء الألباب: سئل الإمام أحمد رضى الله عنه عن لبس السراويل فقال: هو أستر من الإزار، ولباس القوم كان الإزار. وفى الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطب بعرفات: من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم ﴿١٤٥﴾.
(وبهذا) استدل الإمام أحمد على أنها كانت معروفة عندهم (قال) وروى عن عمر رضى الله عنه أنه كتب إلى جيشه بأذربيجان: إذا قدمتم من عزاتكم إن شاء الله، فألقوا السراويلات والأقبية والبسوا الأزر والأردية. فدل على كراهيته لها وأنها غير زيهم. وجزم فى الإقناع وغيره بسنية لبس السراويل وهو المذهب بلا ريب أهـ بحذف (٢)
(واختلفوا) فى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبسه أم لا؟ فصرح كثير منهم بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم اشتراه، ولم يثبت من طريق صحيح أنه لبسه.
(وقال) العلامة السفارينى فى غذاء الألباب: قد روى عن ابراهيم وموسى ﵉ أنهما لبسا السراويل ولبسه النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وروى عن غير واحد من الصحابة كسلمان. وعن على رضى الله عنه أنه أمر ربه، وأخرج ابن حبان عن بريدة قال: إن النجاشى كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنى قد زوجتك امرأة من قومك وهى على دينك، أم حبيبة بنت ابى سفيان وأهديت لك هدية جامعة: قميصا وسراويل وعطافا وخفين ساذجين، توضأ النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومسح عليهما ﴿١٤٦﴾. قال
стр. 2058
سليمان بن داود أحد رواة الحديث: قلت للهيثم بن عدى ما العطاف؟ قال الطيلسان. وأخرج أحمد من حديث مالك بن عميرة الأسدى قال: قدمت قبل مهاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاشترى منى سراويل فارجح لى ﴿١٤٧﴾
(قال) فى الفتح: وما كان لتشتريه عبثا وإن كان غالب لبسه الإزار (١) أهـ.
(قال) وفى زاد المعاذ: واشترى صلى الله عليه وعلى آله وسلم السراويل. والظاهر أنه إنما اشتراه ليلبسه (وقد) روى فى غير حديث أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس السراويل وكانوا يلبسون السراويلات فى زمانه وبإذنه أهـ.
(فائدة) أول من لبس السراويل سيدنا ابراهيم ﵊، كان كثير الحياء حتى كان يستحى من أن تَرى الأرضُ مذاكيره، فاشتكى إلى الله تعالى فهبط عليه جبريل بخرقة من الجنة ففصلها جبريل سراويل وقال ادفعها الى سارة تخيطه. فلما خاطئة ولبسه ابراهيم قال ما أحسن هذا وأستره فإنه نعم الستر للمؤمن. ذكره فى غذاء الألباب (٢)
١٥ - القميص:
القميص هو مخيط له كمان وجيب - أى فتحة يخرج منها الإنسان رأسه - يلبس تحت الثياب. ويستحب لبسه " لقول " أم سلمة: كان أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم القميص أخرجه أبو داود والترمذى وقال حسن غريب، إنما نعرفه من حديث عبد المؤمن بن خالد، تفرد به هو مروزى (٣) ﴿١٤٨﴾ (وروى) بعضهم هذا الحديث عن أبى تُمَيْلَة عن عبد المؤمن ابن خالد عن عبد الله بن بريدة عن أمه عن أم سلمة أهـ. ولفظه عن أم سلمة قالت: لم يكن ثوب أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من القميص
стр. 2059
أخرجه أبو داود وابن ماجه (١) ﴿١٤٩﴾ وقال الترمذى: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث عبد الله بن بريدة عن أمة عن أم سلمة أصح أهـ وعبد المؤمن لا بأس به. أبو تميلة بمثناه مصغرا، هو يحيى بن واضح الآنصارى. ذكره البخارى فى الضعفاء. وقال أبو حاتم ثقة يحوّل من كتاب الضعفاء للبخارى. ووثقة يحيى بن معين. وقال ابن خراش صدوق. وقال أحمد ويحيى لبس به بأس.
وإنما كان القميص أحب الثياب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنه أستر للعورة من نحو إزار ورداء، ولأنه أقل مؤنة فى اللبس وأخف على البدن.
(فائدة) جيب الثوب فتحته التى يدخل منها الرأس. وكان جيب ثوب النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صدره.
(وقال) أبو هريرة: ضرب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل البخيل والمتدصق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثيهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أناملة وتعفوه اثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت واخذت كل حلقة بمكانها ز قال ابو هريرة: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول بأصبعة هكذا فى جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع أخرجه البخارى (٢) ﴿١٥٠﴾
стр. 2060
(وقال) الحافظ فى الفتح: استدل به ابن بطال على أن الجيب فى ثياب السلف كان عند الصدر، وموضع الدلالة منه أن البخيل إذا أراد إخراج يده أمسكت فى المواضع الذى ضاق عليها، وهو الثدى والتراقى. وذلك فى الصدر، فبان أن جيبه كان فى صدره، لأنه كان فى يده لم تضطر يداه إلى تدييه وتراقيه أهـ.
(وقال) سلمة بن الأكوع: قلت يا رسول الله أنى رجل أصيد أفاْصلى فى القميص الواحد؟ قال نعم وازْرُرْهُ ولو بشوكة. أخرجه الشافعى وأحمد وابو داود والنسائى والحاكم (١) ﴿١٥١﴾.
١٦ - هيئة اللباس:
يطلب فى اللباس أمور (أ) أن يكون وسطا بين الخسيس والنفيس "لحديث" ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن هاتين اللبستين المرتفعة والدون. أخرجه أبو الحسن رزين بن معاوية (٢) ﴿١٥٢﴾.
(قال) النووى فى المجموع: يستحب ترك الترفع فى اللباس تواضعا ويستحب أن يتوسط فيه ولا يقتصر على ما يزردى به لغير حاجة ولا مقصود شرعى (قال) المتولى والرويانى: يكره لبس الثياب الخشنة إلا لغرض مع الاستغناء والمختار ماقدمناه، ومما يدل للطرفين (حديث) معاذ بن أنس أن رسول الله ﷺ قال: من ترك اللباس تواضعا لله تعالى وهو بقدر عليه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أى حلل
стр. 2061
الإيمان شاء يلبسها. رواه الترمذى وقال: حديث حسن (١) ﴿١٥٣﴾ (وعن) عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه ولعى آله وسلم: إن الله يحب أن يُرى أثرُ نعمته على عبده. رواه الترمذى وقال حديث حسن (٢) ﴿١٥٤﴾
(ب) ويستحب أن يكون الكم قصيرا إلى الرسغ، ويجوز أن يصل إلى رءوس الأصابع " لقول " أسماء بنت يزيد: كان كم قميص النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الرسغ. أخرجه الثلاثة وقال الترمذى: حسن غريب ﴿١٥٥﴾ (ولقول) أنس: كان يدُ كُمِّ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الرسغ. أخرجه البراز ورجاله ثقات (٣) ﴿١٥٦﴾ (وحديث) ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلبس قميصا فوق الكعبين مستوى الكمين بأطراف أصابعه. أخرجه الحاكم وابن حيان وصححاه (٤) ﴿١٥٧﴾
(ولامنافاة) بين هذه الأحاديث، لاحتمال تعدد القميص، فأخبر كل بما رأى (قال) ملا على القارى فى شرح الشمائل: ويجمع بين هذه الروايات إما بالحمل على تعدد القميص أو بحمل رواية الرسغ على التقريب والتخمين أهـ.
(وقال) المناوى: وجمع بعضهم بين حديث الرسغ وحديث أطراف الأصابع بأن الأول محمول على حالة السفر، فإن تقصير الكم فيه يساعد على النشاط، والثانى على حالة الحضر أهـ بتصرف.
(وهذا) فى حق الرجل: وأما المرأة فيطلب منها تطويل الكم زيادة عن
" ولحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله اليه يوم القيامة. فقالت أم سلمة: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال يرخين شبراً. قالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: فيرخين ذراعا ولا يزدن عليه. أخرجه الثلاثة وصححه الترمذى (١) ﴿١٥٨﴾.
(جـ) وينبغى للرجل ألا يبالغ فى سعة الكم فلا يزيد اتساعه عن شبر، لأنه سرف منهى عنه (قال) العز بن عبد السلام: وإفراط توسعة الثياب والأكمام بدعة وسرف أهـ.
(وقال) وفى زاد المعاد: وأما الأكمام الواسعة الطوال التى هى كالأخراج فلم يلبسها النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا أحد من أصحابه ألبتة، وهى مخالفة لسنته. وفى جوازها نظر فإنها من جنس الخيلاء وهى ممنوعة أهـ بتصرف.
(وقال) ابن الحاج فى المدخل: ولا يخفى على ذى بصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم اليوم فيه إضاعة مال، لأنه قد يفضل من هذا الكم ثوب لغيره أهـ.
(وقال) فى النيل: لقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة فى زماننا هذا العلماء فَبُرَى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين يصلح كل منهما أن يكون جبة أو قميصا لصغير من أولاده أو يتيم. ولبس فى ذلك شئ من الفائدة (الدنيوية) إلا العبث وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد فى كثير من المنافع وتعريضه لسرعى التمزق وتشويه الهيئة (ولا الدينية) إلا مخالفة السنة والإسبال والسرف والخيلاء أهـ بتصرف.
(د) ويسن للرجل أن يكون ذيل ثوبه الى نصف الساق. ويجوز له ما نزل إلى الكعبين. ويحرم ما زاد عنهما بقصد الخيلاء. وترخى المرأة ذيلها إلى ذراع " لحديث " أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إزره المؤمن إلى نصف الساق، ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين. ما كان أسفل من ذلك فهو فى النار، ما كان أسفل من ذلك فهو فى النار. ومن جر إزاره بطرا
стр. 2064
لم ينظر الله إليه يوم القيامة. أخرجه مالك وأحمد وأبو داودوابن ماجه (١) ﴿١٥٩﴾.
" ولقول " الأشعث بن سليم: سمعت عمتى تحدث عن عمها قال: بينما أنا أمشى إذا إنسان خلفى يقول: أرفع إزارك فإنه أتقى وأبقى، فالتفتُّ فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقلت: يا رسول الله إنما هى بردة ملحاء قال: أمالك فىَّ أسوة؟ فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. أخرجه الترمذى فى الشمائل. وأخرجه أحمد وابن سعد والبيهقى بلفظ: ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك وأنقى لربك: أمالك فىَّ أسوة؟ (٢) ﴿١٦٠﴾
" ولحديث " أنس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال. الإزار إلى نصف الساق أو إلى الكعبين، لا خير فى أسفل من ذلك. أخرجه أحمد
стр. 2065
والطبرانى فى الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح (١) ﴿١٦١﴾.
" ولحديث " سمرة بن فاتك أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: نعم الفتى سمرة، لو أخذ من لُمَّتِه وشمَّر من متزره ففعل ذلك سمرة، أخذ من لُمَّتِه وشمَّر من متزره. أخرجه أحمد عن شيخه يعمر بن بشر، ويقال مشايخ أحمد كلهم ثقات (٢) ﴿١٦٢﴾.
" ولحديث " يزيد بن أبى سُمَّية قال: سمعت ابن عمر يقول: ما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى الازار، فهو فى القميص. أخرجه أبو داود (٣) ﴿١٦٣﴾.
" ولحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: الإسبال فى الإزرار والقميص والعمامة من جرَّ منها شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة أخرجه البيهقى والأربعة إلا الترمذى بسند حسن (٤) ﴿١٦٤﴾
(والإسبال) فى الإزرار والقميص بنزولها عن الكعبين، وفى العمامة بإرسال العذبة زيادة عن غايتها وهو نصف الظهر فإنه بدعة.
" ولحديث " ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: من جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سلمة: كيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال ترخين شبرا قالت إذن تنكشف أقدامهن، قال فيرخين ذراعا ولا يزدن عليه أخرجه ابو داود والنسائى والترمذى (٥) ﴿١٦٥﴾.
" ولحديث " ابن عمر أن أزواج النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص لهن فى الذيل ذراعا، فكن يأتينا فتذرع لهن بالقصب ذراعا. أخرجه
(ففى) هذه الأحاديث تحذير الرجال من إسبال الإزار أسفل من الكعبين للخيلاء. وطلب الإسبال للنساء شبراً أو ذراعا.
(قال) العراقى فى شرح الترمذى: الظاهر أن الذراع المرخص فيه للنساء يبتدئ من أول ما يمس الأرض، والمراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران " لقول " ابن عمر: رخص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمهات المؤمنين فى الذيل شبراً، ثم استزدنه فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا. أخرجه أبو داود (١)، وهو يدل على أن الذراع المأذون فيه شبران أهـ ملخصا.
(هذا) والتقييد بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيلاء، يدل بمفهمومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلا فى هذا الوعيد لكنه مذموم (قال) النووى: يحرم إطالة الثوب والإزار والسراويل على الكعبين للخيلاء ويكره
стр. 2068
لغيره نص عليه الشافعى (١) (وقال) ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أنَّ جر القميص وغيره من الثياب مذموم قاله الحافظ (٢)
وفيه قال ابن العربى: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبة ويقول لا أجره خيلاء، لأن النهى قد تناوله لفظا. ولا يجوز لمن تناوله لفظا أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله، لأن تلك العلة ليست فىَّ، فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دلالة على تكبره أهـ (وحاصلة) أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرَّ الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده الملابس. ويدل على عدم التقييد بالخيلاء (أ) (ما أخرجه) أبو داود والنسائى والترمذى وصححه عن جابر بن سليم من حديث طويل وفيه: وأرفع إزارك إلى نصف الساق. فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة (٣) (ب) (وما أخرج) الطبرانى من حديث أبى أمامة قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصارى فى حلة - إزار ورداء - قد أسبل فجعل رسول الله ﷺ يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو، فقال يا رسول الله إنى أحمش الساقين " أى دقيقها " فقال يا عمرو: إن الله تعالى قد أحسن كل شئ خلقه. يا عمرو إن الله لا يحب المسبل، والحديث رجاله ثقات (٤) ﴿١٧٢﴾
(وظاهره) أن عمرا لم يقصد الخيلاء. وقد عرضت ما فى حديث الباب من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبى بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء.
стр. 2069
وهو صريح في أن مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره، فلابد من حمل قوله: فإنها من المخيلة فى حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب. فيكون الوعيد المذكور فى حديث الباب متوجها إلى من فعل ذلك اختيالا " والقول " بأن كل إسبال من المخيلة أخذا بظاهر حديث جابر "تردُّه " الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله " ويرده " ما تقدم من وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبى بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء. وبهذا يحصل الجمع بين الآحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به فى الصحيحين أهـ بتصرف (١).
(وقال) القسطلانى فى المواهب اللدنية: وحاصل ما ذكر فى الأحاديث أن للرجل حالين استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق. وحال جواز وهو أن ينزل به الى الكعبين، وكذا للنساء حالان: حال استحباب وهو أن تزيد على ماهو جائز للرجال بقدر الشبر. وحال جواز وهو أن تزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الذراع، وأن الإسبال يكون فى القميص والعمامة والإزار، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء. وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه أهـ.
هذا. وإنه ليسوءنا ويسوء كل غيور على دينه حريص على سعادة أمته أن ترى مخالفة هذه الأدلة بين ظهرانينا من الرجال والنساء.
فنرى الرجال يسبلون الثياب تجر على الأرض ذيولها، ويوسعون الأكمام ويتركون الحبل على الغارب للنساء، فيقصرن الثياب ويكشفن الرءوس والنحور والصدور. ويسرن فى الطرقات متعطرات متبرجات متهتكات، كاسيات عاريات مائلات مميلات، يبدين زينتهن ويظهران أطرافهن على مرأى ومشهد من القريب والبعيد.
стр. 2070
(وبهذا) تحقق ما أخبر به الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم (روى) أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخث المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿
١٧٣﴾