стр. 2066
← Фикх общий следующие страницы →
Фикх общий · id 20907
الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق
السبكي، محمود خطاب
Полный текст (3 614 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2067
(ففى) هذه الأحاديث تحذير الرجال من إسبال الإزار أسفل من الكعبين للخيلاء. وطلب الإسبال للنساء شبراً أو ذراعا.
(قال) العراقى فى شرح الترمذى: الظاهر أن الذراع المرخص فيه للنساء يبتدئ من أول ما يمس الأرض، والمراد بالذراع ذراع اليد وهو شبران " لقول " ابن عمر: رخص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمهات المؤمنين فى الذيل شبراً، ثم استزدنه فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا. أخرجه أبو داود (١)، وهو يدل على أن الذراع المأذون فيه شبران أهـ ملخصا.
(هذا) والتقييد بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خيلاء، يدل بمفهمومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلا فى هذا الوعيد لكنه مذموم (قال) النووى: يحرم إطالة الثوب والإزار والسراويل على الكعبين للخيلاء ويكره
стр. 2068
لغيره نص عليه الشافعى (١) (وقال) ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أنَّ جر القميص وغيره من الثياب مذموم قاله الحافظ (٢)
وفيه قال ابن العربى: لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبة ويقول لا أجره خيلاء، لأن النهى قد تناوله لفظا. ولا يجوز لمن تناوله لفظا أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله، لأن تلك العلة ليست فىَّ، فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالة ذيله دلالة على تكبره أهـ (وحاصلة) أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرَّ الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده الملابس. ويدل على عدم التقييد بالخيلاء (أ) (ما أخرجه) أبو داود والنسائى والترمذى وصححه عن جابر بن سليم من حديث طويل وفيه: وأرفع إزارك إلى نصف الساق. فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة (٣) (ب) (وما أخرج) الطبرانى من حديث أبى أمامة قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصارى فى حلة - إزار ورداء - قد أسبل فجعل رسول الله ﷺ يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول: عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو، فقال يا رسول الله إنى أحمش الساقين " أى دقيقها " فقال يا عمرو: إن الله تعالى قد أحسن كل شئ خلقه. يا عمرو إن الله لا يحب المسبل، والحديث رجاله ثقات (٤) ﴿١٧٢﴾
(وظاهره) أن عمرا لم يقصد الخيلاء. وقد عرضت ما فى حديث الباب من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبى بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء.
стр. 2069
وهو صريح في أن مناط التحريم الخيلاء، وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره، فلابد من حمل قوله: فإنها من المخيلة فى حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب. فيكون الوعيد المذكور فى حديث الباب متوجها إلى من فعل ذلك اختيالا " والقول " بأن كل إسبال من المخيلة أخذا بظاهر حديث جابر "تردُّه " الضرورة، فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله " ويرده " ما تقدم من وقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبى بكر: إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء. وبهذا يحصل الجمع بين الآحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به فى الصحيحين أهـ بتصرف (١).
(وقال) القسطلانى فى المواهب اللدنية: وحاصل ما ذكر فى الأحاديث أن للرجل حالين استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق. وحال جواز وهو أن ينزل به الى الكعبين، وكذا للنساء حالان: حال استحباب وهو أن تزيد على ماهو جائز للرجال بقدر الشبر. وحال جواز وهو أن تزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الذراع، وأن الإسبال يكون فى القميص والعمامة والإزار، وأنه لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء. وإن كان لغيرها فهو مكروه للتنزيه أهـ.
هذا. وإنه ليسوءنا ويسوء كل غيور على دينه حريص على سعادة أمته أن ترى مخالفة هذه الأدلة بين ظهرانينا من الرجال والنساء.
فنرى الرجال يسبلون الثياب تجر على الأرض ذيولها، ويوسعون الأكمام ويتركون الحبل على الغارب للنساء، فيقصرن الثياب ويكشفن الرءوس والنحور والصدور. ويسرن فى الطرقات متعطرات متبرجات متهتكات، كاسيات عاريات مائلات مميلات، يبدين زينتهن ويظهران أطرافهن على مرأى ومشهد من القريب والبعيد.
стр. 2070
(وبهذا) تحقق ما أخبر به الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم (روى) أبو هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسنمة البخث المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا. أخرجه أحمد ومسلم (١) ﴿
١٧٣﴾
стр. 2071
(وإن تعجب) أيها المؤمن فعجب من ذلك الرجل الذى يترك امرأته تتزيا بزى الخلاعة أمام البنات والخادمات (١) حتى فشا الفجور باسم المدنية والتقدم، وتهدَّم الشرف وضاعت الفضيلة تحت ستار الحضارة والرقى.
(كيف) لا يخجل ذلك الرجل الذى يتأبط المرأة فى الطرقات وهى شبه عارية؟ أيصل به تفكيره إلى أن زوجته مشاع للجميع؟ فليتمتع بالنظر إليها من شاء.
(ألا يحسّ) ذلك الرجل الذى يترك بناته على هواهنّ، ويتفانى فى شراء أدوات الزينة والتهتك لهنّ فيخلعن ثوب الوقار ويلبسن ما يغضب الواحد القهار.
(ألا يجدر) بهؤلاء وأولئك أن يرجعوا إلى تعاليم الدين الحنيف فيعملوا على ما فيه الخير لنسائهم وبناتهم فى الدنيا والآخرة من حشمة ووقار.
(ألا يجدر) بحضرات المحامين - وهم الطبقة المتعلمة ولاسيما الشرعيين منهم - أن يجعلوا من مكاتبهم أماكن وعظ وهداية لتلك التى خرجت من خدرها تريد محاربة زوجها، وقد حاربت ربها من قبله بخروجها عارية سافرة فى الطرقات يشاهدها الفساق والفجار، وكثير ماهم.
(ألا تعمل) الحكومة على سنّ قانون يضرب بيد من حديد على كل من تحدّثها نفسها بانتهاك حرمتها وخروجها بشكل فاضح مزر بكرامتها وكرامة قومها ووطنها الإسلامى.
стр. 2072
(هـ) وكذا تمنع المبالغة فى سعة الثياب كالفرجيات، لما فيه من الإسراف المنهى عنه (قال) ابن الحاج فى المدخل: وينبغى للعالم أن يتحفظ فى نفسه بالفعل، وفيمن يجالسه بالقول، من هذه البدعة التى يفعلها كثير ممن ينسب إلى العلم فى تفصيل ثيابهم من طول الكم واتساعه الخارج عن سبيل الشريعة فيقعون بسببه فى المحذور، لأن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن إضاعة المال (وقد) روى الإمام مالك فى موطئه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إزرة المسلم إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين. ما أسفل من ذلك ففى النار. ما أسفل من ذلك ففى النار. لا ينظر الله يوم القيامة الى من جر إزاره بطرا (١) ﴿١٧٤﴾.
(فهذا) نص صريح منه ﵊ على أنه لا يجوز للإنسان أن يزيد فى ثوبه ما ليس فيه حاجة إليه، إذ أن ما تحت الكعبين ليس للإنسان به حاجة. فمنعه منه وأباح ذلك للنساء، فلها أن تجر مِرْطَها خلفهاً شبرا أو ذراعا للحاجة الداعية إليه وهى التستر والإبلاغ فيه، إذ المرأة كلها عورة إلا ما استثنى (وكره) الإمام مالك للرجل سعة الثوب وطوله عليه، ذكره ابن يونس.
(وحكى) الإمام ابو بكر محمد بن الوليد الطرطوشى فى كتابه " سراج الملوك والخلفاء " أنه لما دخل محمد بن واسع سيد العُبَّاد فى زمانه على بلال
стр. 2073
ابن أبى بردة أمير البصرة، وكان ثوبه إلى نصف ساقيه، قال له بلال: ما هذه الشهرة يابن واسع؟ فقال له ابن واسع: أنتم شهرتمونا، هكذا كان لباس من مضى، وإنما أنتم طولتم ذيولكم، فصارت السنة بينكم بدعة وشهرة أهـ (فتوسيع) الثوب وكبره، وتوسيع الكم وكبره ليس للرجل به حاجة " فيمنع مثل مازاد على الكعبين سواء بسواء، وإن كان للإنسان أن يتصرف فى ماله لكن تصرفا غير تام فهو محجور عليه، لأنه أبيح له أن يصرفه فى مواضع، ومنع من صرفه فى مواضع، فالمال فى الحقيقة ليس له وإنما هو فى يده على سبيل العارية على أن يصرفه فى كذا ولا يصرفه فى كذا. وهذا بين منصوص عليه فى القرآن والحديث. قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ آية ٧: الحديد. ونحوه من الآيات، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: يقول أحدكم مالى مالى، وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما ليست فأبليت، وما تصدقت فأبقيت (١) ﴿١٧٥﴾ ونحوه من الأحاديث، فما يفعلونه من الاتساع والكبر ليس مشروعا فيمنع.
(قال) ابن القاسم: بلغنى أن سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه قطع كم رجل إلى أطراف أصابعه، ثم أعطاه فضل ذلك وقال له: خذ هذا واجعله فى حاجتك ﴿٢٧﴾ (قال) ابن رشد: إنما فعل سيدنا عمر رضىالله عنه هذا لأنه رأى أن الزيادة فى طول الكمين على قدر الأصابع مما لا يحتاج إليه، فرآه من السرف وخشى عليه أن يدخله منه عجب، فأين الحال من الحال؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 2074
(قال) أبو طالب المكى فى قوت القلوب: ومما أحدثوا من البدع لبس الثياب الذى خرجوا به عن حدَّ السمت والوقار، وتكلفهم فى حملة إن تركوه مدلى ثقل عليهم فى مشيهم فثقل مروءة أحدهم بسببه، ولا يقدر على المشى الكثير، ولا على تعاطى قضاء الحوائج. وإن رفع يديه به كان فيه كلفة وإن كان فى صلاة فإن رفع يديه به ضمة إليه، كان فيه شغل فى الصلاة فيمنع منه، لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يكفت أحد شعره فى الصلاة. أو يضم ثوبه، وإن تركه على حاله انفرش على الأرض حين السجود والجلوس فيمسك به إن كان فى المسجد ما ليس له أن يمسكه، لأنه ليس له فى المسجد إلا موضع قيامه وسجوده وجلوسه. وما زاد على ذلك فلسائر المسلمين فيكون غاضباً قدراً من المسجد وهو محرم، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين (١) ﴿١٧٦﴾
(وربما) أرتكب بدعة أخرى لأجل ثيابه وهى فرش سجادة. وربما جلس عليها وحده فيزداد الغصب مع ما ينضاف إلى ذلك من الخيلاء، وهذا أمر لو فعله بعض الأعاجم أو الجهلاء بدينهم، لوجب على العالم تحذيرهم منه وزجرهم والأخذ على أيديهم أو وعظهم إن كان يخاف شوكتهم، فكيف يفعله العالم فى نفسه؟ كان الناس يقتبسون آثار العالم ويهتدون بهديه ويرجعون عن عوائدهم لعوائده، فانعكس الأمر فصار من لا علم عنده من الأعاجم وغيرهم يحدثون أشياء مثل هذا، فيسكت لهم عليه ثم يتشبه العالم بهم فى فعلهم فكان الناس يقتدون بالعلماء، فرجعنا نقتدى بفعل الجهلاء.
стр. 2075
(وهذا) الباب هو الأصل الذى تركت منه السنن غالبا، أعنى اتخاذ عوائد يقع الاصطلاح عليها ويمشى عليها فينشأ أناس عليها لا يعرفون غيرها ويتركون ما وراءها فجاء ما قال صاحب الأنوار رحمة الله سواء بسواء: ويلكم يا معشر العلماء السوء الجهلة بربهم، جلستم على باب الجنة تدعون الناس إلى النار بأعمالكم فلا أنتم دخلتم الجنة بفضل أعمالكم، ولا أنتم أدخلتم الناس فيها بصالح أعمالكم، قطعتم الطريق على المريد، وصددتم الجاهل عن الحق، فما ظنكم غدا عند ربكم إذا ذهب الباطل بأهله. وقرب الحق أتباعه؟ أهـ.
(على أنه) لم ينقل عن أحد ممن مضى أنه كان لعلمائهم لباس يعرفون به غير لبأس الناس جميعا، لامزية لهم على غيرهم فى الثوب ولا فى التفصيل بل لباس بعضهم أقل من لباس الناس لتواضعهم وورعهم وزهدهم ولمعرفة الحق والرجوع إليه. ولفضيلة ذلك عند الشرع. والعالم أولى من يبادر إلى الأفضل والرجح فى الشرع، نعم سيدنا عمر رضى الله عنه قال: استحب للقارئ أن يكون ثوبه أبيض ﴿٢٨﴾ يعنى يفعل ذلك توقيراً للعلم، فلا يلبس ثوبا وسخا ولم يقل أحد إنه يخالف لباس الناس بسبب علمه، فقد كان للإمام ثياب كثيرة يوقر بها مجلس الحديث حين كان يقرؤه. ولم ينقل عنه أنه كان فى غير مجلس الحديث إلا على العادة. وعلى كل حال لم يكن مخالفا لما امر به النبى ﷺ ، بخلاف لبس غالب علماء هذا الزمان. فإنه منهى عنه بنص رسول الله ﷺ المتقدم، وما ورد عنه ﵊ من التأكيد فى لبس الخشن من الثياب إلا فى الجمع والأعياد (١).
ولم يرد عنه ﷺ فى ذلك
стр. 2076
مخالفة لباس الناس لفقيه ولا غيره. وقد جعلت اليوم هذه الثياب للفقيه كأنها فرض عليه. ولا يمكن أن يقعد فى الدرس إلا بها. فإن قعد بغيرها قيل عنه مهين يتهاون بمنصب العلم لا يعطى العلم حقه، ولا يقوم بما يجب له، فانعكس الأمر ودثرت السنة ونسى فعل السلف، بفتوى من غفل أو وهم، واتباعها وشد اليد عليها لكونها جاءت فيها حظوظ النفس، وهى التميز عن الأصحاب والأقران، لأن من لبس ذلك الثوب عندهم قيل هو فقيه فيتميز إذ ذاك عن العوام. وهذه درجة لا تحصل له إلا بعد مجاهدة طويلة، حتى تحصل له درجة فضيلة تنقله ممن درجة العوام، فبنفس لبس تلك الثياب انتقلت درجته عنهم ورجع ملحوقا بالفقهاء فإنا لله وإنا اليه راجعون. صار الفقه بالزى دون الدرس والفهم. فاين هذا مما كان عليه الصحابة رضى الله عنهم والسلف من اللبس الموافق لفعل وقول صاحب الشريعة ﷺ ؟ وأن العالم إنما كان يعرف بينهم بحسن هدية لتخلقه بأخلاق نبيه ﷺ (قال) عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه: العالم يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون أهـ ﴿٢٩﴾
(فأنظر) إلى قوله رضى الله عنه هل قال: العالم يعرف بوسع كمه وطوله ووسع ثوبه وحسنه؟
стр. 2077
(وكذا) قال غير ابن مسعود رضى الله عنه من الصحابة. ولما كان العلماء على هذه الأوصاف كانت لهم اليد العليا وانتفع الناس بهم، ووجدوا البركة والراحة على ايديهم.
(حكى) عبد الله بن أبى جمرة عن شيخه أبى الحسن الزيات أنه خرج إلى بستانه ليعمل فيه، لأنه كان من عادته يخرج لحائطه يعمل بيده، وإذا ببعض الظلمة أخذوه مع غيره فى السخرة لبستان السلطان، فمضى معهم وصار يعمل معهم إلى أن جاء الوزير لينظر ما عمل فى البستان، فوقعت عينه على الشبخ وهو يعمل فطأطأ على قدميه يقبلهما ويقول: يا سيدى ما جاء بك هنا؟ فقال: أعوانكم الظلمة. فقال يا سيدى عسى أنك تقِبلنا وتخرج فأبى. فقال له ولم؟ قال: هؤلاء إخوانى من المسلمين كيف أخرج وهم فى ظلمكم؟ لا أفعل ذلك. فسأله أن يخرج بهم فأبى. فقال له ولم؟ فقال له: غدا تأخذونهم إن كانت لكم بهم حاجة. فلم يخرج حتى تابوا إلى الله تعالى ألا يستعملوا أحداً من المسلمين ظلما أهـ.
(فأنظر) إلى بركة زى العالم إذا كان مثل زى الناس، وما يحصل لهم به من الخير. هذا فى واحدة. فما بالك بغيرها وغيرها. فلو كان على الشيخ إذ ذاك لباس يعرف به لم يؤخذ، فكانت تلك البركة تمنع عن هؤلاء المساكين الذين أخذوا فى ظلم السلطان.
(وعن) الفضيل بن عياض رحمة الله تعالى أنه قال: لو أن اهل العلم أكرموا أنفسهم، وشحوا على دينهم، وأعزوا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله تعالى، لخضعت لهم رقاب الجبابرة، وأنقادت لهم الناس وكانوا لهم تبعا وعز الإسلام وأهله، ولكنهم أذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا بذلك ما فى أيديهم، فذلوا وهانوا على الناس أهـ.
стр. 2078
(فهذه) المفاسد كلها ظاهرة مع ما يحصل فيها من المفاخرة والخيلاء أهـ ملخصا. وتمامه بكتاب إصابه السهام (١).
١٧ - التيامن فى اللباس وغيره:
يسن التيامن فى اللبس وغيره من الأمور الشريفة " لحديث " أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا لبس قميصا بدأ بميامنه. أخرجه النسائى والترمذى (٢) ﴿١٨٠﴾ " ولحديث " ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم. أخرجه أحمد وأبو داود والطبرانى والبيهقى (٣) ﴿١٨١﴾ (قال) ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح.
" ولقول " عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعجبه التيامن لترجله وتنعله وطهوره وفى شأنه كله. أخرجه أحمد والشيخان (وأخرجه) السبعة بلفظ: كان يحب التيامن ما استطاع فى طهوره وتنعله وترجله وفى شأنه كله (٤) ﴿١٨٢﴾ " ولحديث " حفصة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه. ويجعل شماله لما سوى ذلك. أخرجه أحمد والحاكم وأبو داود (٥) ﴿١٨٣﴾
(ولهذا) اتفق العلماء على أنه يستحب التيامن فى الأمور الشريفة، والتياسر
стр. 2079
فيما سوى ذلك (قال) النووى: هذه قاعدة مستمرة فى الشرع وهى " أن ما كان " من باب التكريم والتشريف كلبس الثوب والسراويل والخف ودخول المسجد والسواك والاكتحال وتقليم الأظفار وقص الشارب وترجيل الشعر ونتف الأبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والمصافحة والأكل والشرب واستلام الحجر الاسود وغير ذلك مما هو فى معناه " يستحب " التيامن فيه " وأما ما كان " بضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك " فيستحب " التياسر فيه. وذلك لكرامة اليمين وشرفها (١).
١٨ - الثياب الرقيقة والضيقة:
لا يحل لرجل ولا لامرأة لبس ثوب خفيف أو ضيق يصف العورة " لحديث " ضمرة بن ثعلبه أنه أتى النبى ﷺ وعليه حلتان من حلل اليمن. فقال يا ضمرة أترى ثوبيك هذين مدخليك الجنة؟ فقال يا رسول الله: لئن استغفرتَ لى لا أقعد حتى أنزعهما عنى. فقال ﷺ : اللهم اغفر لضمرة فانطلق سريعا حتى نزعهما عنه. اخرجه أحمد بسند رجاله ثقات إلا أن بقية مدلس (٢) ﴿١٨٤﴾ ففيه أن المصطفى ﷺ كره من ضمرة أن يلبس حلة رقيقة " ولقول" دحية الكلبى: أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بُقباطىّ فاعطانى منها قُبطية فقال: اصدعها صدعين فاقطع أحدهما قميصا وأعط الأخر امرأتك تختمر به فلما أدبر قال: وأمر امرتك أن تجعل تحثه ثوبا لا يصفها. أخرجه أبو داود والبيهقى والطبرانى والحاكم (٣) ﴿١٨٥﴾
стр. 2080
وفى سنده ابن لهيعة لا يحتج بحديثه. وقد تابعه أبو العباس يحيى بن أيوب المصرى، وفيه مقال وقد احتج به مسلم واستشهد به البخارى. قاله المنذرى " ولقول " أسامة بن زيد: كسانى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبى فكسوتها امرأتى فقال لى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مالك لم تلبس القبطية؟ قلت يا رسول الله كسوتها امرأتى. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: مرها فلتجعل تحتها غِلالة فإنى أخاف أن تصف حجم عظامها. أخرجه أحمد والطبرانى والبيهقى وفيه عبد الله بن محمد ابن عقيل، وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات قاله الهيثمى (١) ﴿١٨٦﴾
(وعلى هذا) اتفقت كلمة العلماء (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: إذا كان اللباس خفيفاً يبدى لرقته وعدم ستره عورة لابسه من ذكر أو أنثى فذلك ممنوع محرم على لابسه لعدم ستره العورة المأمور بسترها شرعا بلا خلاف. وقد ورد عن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عدة أخبار فى النهى عن لبس النساء الرقيق من الثياب التى تصف البشرة " فقد " قال ابن عمرو رضى الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: يكون فى آخر أمّتى رجال يركبون على سُرج كأشباه الرجال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كاسنمة البخت العجاف العنوهن فإنهنَ ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدم نساؤكم نساءهم كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح واللفظ له والطبرانى فى معاجمه الثلاثة وابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال على شرط مسلم (٢) ﴿١٨٧﴾ (وعن) خالد بن دريك أن عائشة قالت: إن أسماء بنت
стр. 2081
أبى بكر الصديق رضى الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. رواه أبو داود. وقال هذا مرسل. خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضى الله عنها (١) ﴿١٨٨﴾.
(وقال) ابن الحاج فى المدخل: وليحذر العالم من هذه البدعة التى أحدثها النساء فى لباسهن وهن ناقصات عقل ودين، فمن ذلك ما يلبسن من هذه الثياب الضيقة والقصيرة وهما منهى عنهما ووردت السنة بضدهما. لآن الضيق من الثياب يصف من المرأة أكتافها وثدييها وغير ذلك. وغالبهن يجعلن القميص إلى الركبة، فإن انحنت أو جلست أو قامت انكشفت عورتها. وقد تقدم أن ذيل ثوب المرأة تجره خلفها ويكون فيه وسع بحيث إنه لا يصفها. وتمامه فيه.
١٩ - لبس الصوف والكتان ونحوهما:
يباح لبس الثياب الصوف والكتان والوبر والشعر إذا كان من حيوان طاهر " لقول " سهل بن سهل: حيكت لرسول الله ﷺ أنمار من صوف أسود، وجعل لهاذؤابتان من صوف أبيض فخرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المجلس وهى عليه فضرب على فخذه فقال ألا ترون ما أحسن هذه الحلة؟ فقال أعرابى: يا رسول الله أكسنى هذه الحلة - وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سئل شيئا لم يقل لشئ يسأله
стр. 2082
لا - قال نعم، فدعا بمعقدتين فلبسهما فأعطى الأعرابى الحلة وأمر بمثلها تحاك، فمات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهى فى المحاكة. أخرجه الطبرانى وفيه زمعة بن صالح وهو ضعيف وقد وثق. وبقية رجاله ثقات (١) ﴿١٨٩﴾
" ولحديث " ابن مسعود أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: كان على موسى ﵇ يوم كلمه ربه كساء صوف وجبة صوف وكمة صوف وسراويل صوف، وكان نعلاه من حمار ميت. أخرجه الترمذى وقال: غريب، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (٢) ﴿١٩١﴾.
(ورد) بأن فى سنده حميد الأعرج بن على أو ابن عمار وهو متروك. قاله المنذرى (وعلى هذا) اتفقت كلمة العلماء.
(قال) ابن القيم فى زاد المعاد: وكان غالب ما يلبس النبى صلى الله عليه
стр. 2083
وعلى آله وسلم هو وأصحابه من القطن. وربما لبسوا ما نسج من الصوف والكتان. وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهانى بإسناد صحيح عن جابر ابن أيوب قال: دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف، وإزار صوف، وعمامة صوف، فاشماز منه محمد (يعنى ابن سيرين) وقال: أظن أن أقواماً يلبسون الصوف ويقولون قد لبسه عيسى ابن مريم وقد حدثنى من لا أتهم أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن. وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحق أن تتبع (ومقصود) ابن سيرين بهذا أن أقواما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره. وكذلك يتحرر وززياً واحداً من الملابس ويتحرون رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها منكرا. ولبس المنكر إلا التقيد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها (والصواب) أن أفضل الطرق طريق النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم التى سنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها. وهى أن هديه فى اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة أهـ (١)
(وقال) السفارينى فى غذاء الألباب: ويباح لبس الكتان إجماعا. والنهى عنه من حديث جابر باطل. ونقل عبد الله بن أحمد عن أبيه أنه كرهه للرجال ولا شك فى الإباحة (٢). ولا فرق فى إباحة ذلك بين الرجال والنساء " لحديث " عائشة (فعن) الحسن مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلى فى مروط نسائه. وكانت أكسية من صوف. أخرجه مسلم وأبو داود (٣) ﴿١٩٢﴾
стр. 2084
٢٠ - القباء:
هو بفتح القاف والمد من قبوت الحرف أقبوة إذا ضممته، وهو القفطان ففى القاموس: القبوة انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب.
هذا. ولا باس يلبسه إذا لم يكن حريرا (قال) المسور بن مخرمة رضى الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقبية ولم يعط مخرمة شيئا. فقال مخرمة: يا بنى انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فانطلقت معه فقال: ادخل فادعه لى، فدعوته فخرج إليه وعليه قباء. فقال: خبأت هذا لك فنظر إليه فقال رضى مخرمة. أخرجه أبو داود والنسائى (١) ﴿١٩٣﴾.
وقال السفارينى: (سئل) شيخ الأسلام ابن تيمية عن طرح القباء على الكتفين من غير أن يدخل يديه فى كميه هل هو مكروه أم لا؟ (فأجاب) بأنه لا بأس بذلك باتفاق الفقهاء. وليس هذا من السدل المكروه. لأن هذه اللبسة ليست لبسة اليهود أهـ (٢)
٢١ - البرنس:
هو بضم فسكون، قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه.
(ويباح) لبسه فى غير الإحرام، لأن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل ما يلبس المحرم؟ فقال لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل. أخرجه السبعة، من حديث ابن عمر (٣) ﴿١٩٤﴾. فقد دل
стр. 2085
بمنطوقه على حرمة لبس البرنس للمحرم، وبمفهومه على إباحته لغيره. وقد ورد فى هذا أحاديث أخر فيها مقال (منها) قول أبى قرصافة: كسانى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم برنسا وقال البسه. أخرجه الطبرانى. قال الهيثمى فيه جماعة لم أعرفهم (١) ﴿١٩٥﴾
٢٢ - لبس الفراء وجلد الأرنب:
(الفراء) بكسر الفاء جمع فروة، وهو لباس معروف.
(ويباح) لبسه إن كان جلد حيوان مأكول لم يعلم موته ولم يدبغ جلده. فالمعتبر فى حل لبسه عدم العلم بنجاسته، فإذا وجدنا جلد مأكول اللحم فالأصل أنه طاهر، ما لم نعلم أنه مات حتف أنفه أو ذكاه من لا تحل ذكاته له.
(والأرنب) حيوان صغير قصير اليدين طويل الرجلين عكس الزرافة، يطلق على الذكر والأنثى، يقال للذكر خزر كصرد وللأنثى عكرشة (٢) ويباح لبس جلده باتفاق العلماء.
٢٣ - لبس المصبوغ من الثياب:
يباح لبس الثوب المصبوغ بأى لون كان غير الأحمر القانى قبل غسله ما لم تعلم نجاسته ولو كان الصابغ غير مسلم، لأن الأصل الطهارة " ولعموم " حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص فى الثوب المصبوغ ما لم يكن له نفض ولا رِدْع. أخرجه أحمد (٣) وفيه الحجاج بن أرطاة
стр. 2086
مدلس " ولقول" عائشة: كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثوب مصبوغ بورس، وكان يلبسه فى بيته ويدور فيه على نسائه ويصلى فيه. أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن شيخه مقدام بن داود وهو ضعيف قاله الهيثم (١) ﴿١٩٧﴾
" لقول" عمران بن مسلم: رأيت بن مالك إزارا أصفر، أخرجه الطبرانى بسند رجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣٠﴾ (وبهذا) قال الحنفيون والحنبليون.
(وقالت) المالكية والشافعية: يكره لبس ما صبغه الكفار قبل غسله (قال) السفارينى فى الأقناع: وثياب الكفار كلهم وأوانيهم طاهرة إن جهل حالها حتى ما ولى عوراتهم، كما لو علمت طهارتها، وكذا ما صبغوه أو نسجوه وعبارة المنتهى " وما لم " تعلم نجاسته من آتية كفار ولو لم تحل ذبيحتهم كالمجوس وما لم تعلم نجاسته من ثيابهم ولو وليت عوراتهم وكذا من لابس النجاسة كثيرا " طاهر " مباح لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ وهو يتناول ما لا يقوم إلا بآنية (لكونه سائلا) ولأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه توضئوا من مزادة مشركة. متفق عليه. ولأن الأصل الطهارة فلا تزول بالشك وبدن الكافر طاهر وكذا طعامه وماؤه وما صبغوه أو نسجوه.
(وقال) فى الإقناع: وتصح الصلاة فى ثياب المرضعه والحائض والصبى مع الكراهة ما لم تعلم نجاستها. وعبارة الفروع: وثياب الكفار وآنيتهم مباحة إن جهل حالها وفاقا لأبى حنيفة (وعنه) الكراهة وفاقا لمالك والشافعى (وعنه) المنع فيما ولى عوراتهم. وعنه المنع ممن تحرم ذبيحته، وكذا حكم ما صبغوه وآنية من لابس النجاسة كثيرا وثيابه أهـ ملخصا (٣).
стр. 2087
٢٤ - لبس المزرَّر وغيره:
يجوز لبس القميص والقباء ونحوهما مزررا ومحلول الأزرار إذا لم تبد عورته. ولا كراهة فى واحد منهما " لما تقدم " عن سلمة بن الأكوع: قال يا رسول الله إنى رجل أصيد أفاصلى فى القميص الواحد؟ قال نعم وَزُرهَّ عليك ولو بشوكة. أخرجه الشافعى وأحمد وأبو داود والنسائى والحاكم (١) ﴿١٩٨﴾ "ولحديث " معاوية بن قرة عن أبيه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى رهط فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار (الحديث) أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذى فى الشمائل بسند صحيح (٢) ﴿١٩٩﴾
٢٥ - ما يقول من لبس جديدا:
يسن لمن لبس جديدا أو عمامة أو نعلا أو نحوه أن يحمد الله تعالى ويدعوه بالوارد " لحديث " أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا استجد ثوبا سماه باسما قميصا أو عمامة أو رداء ثم يقول: اللهم لك الحمد إنك كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له. وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له. أخرجه أحمد والحاكم والثلاثة وحسنه والترمذى. وقال النووى: حديث صحيح (٣) ﴿٢٠٠﴾.
стр. 2088
" ولحديث " معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أكل طعاما ثم قال: الحمد لله الذى أطعمنى هذا الطعام ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ومن لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذى كسانى هذا الثوب ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. أخرجه أبو داود والحاكم وصححه وأخرج أحمد والترمذى صدره وحسنه الترمذى (١) ﴿٢٠١﴾.
" ولقول " أبى أمامة: لبس عمر بن الخطاب رضى الله عنه ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذى كسانى ما أوارى به عورتى وأبحمل به فى حياتى. قم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذى كسانى ما أوراى به عورتى، وأتجمل به فى حياتى، ثم عمد إلى الثوب الذى أخلق أو ألقى فتصدق به، كان فى كنف الله وحفظه وستره حيا وميتا قالها ثلاثا. أخرجه ابن ماجه والترمذى وحسنه والحاكم وصححه (٢) ﴿٢٠٢﴾
(وردّ) بأن فى سنده أصبغ بن زيد ضعفه ابن سعد وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال النسائى: لا بأس به ووثقه ابن معين والدار قطنى. وقال المنذرى صدوق وفيه أيضاً أبو العلا قال المنذرى: مجهول.
стр. 2089
٢٦ - ما يقال لمن لبس ثوبا جديدا:
يسن الدعاء لمن لبس ثوبا جديدا " لحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى على عمر ثوبا فقال: البس جديدا، وعش حميدا، وموت شهيدا ويرزقك الله قرة عين فى الدنيا الآخرة. أخرجه أحمد والطبرانى والنسائى وابن ماجه وابن حبان وصححه (١) ﴿٢٠٣﴾ " ولحديث " أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتِىَ بكسوة فيها خميصة صغيرة فقال: من ترون أحق بهذه؟ فسكت القوم وفقال: إيتونى بأم خالد فأتى بها فألبسها إياها، ثم قال: أبلى وأخلفى مرتين (الحديث) أخرجه أحمد وأبو داود ﴿٢٠٤﴾ وكذا البخارى بلفظ تقدم (٢).
(وقال) أبو نضرة المنذر بن مالك: وكان أصحاب النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا لبس أحدهم ثوباً جديدا قيل له: تبلى ويخلف الله تعالى. أخرجه أبو داود والبيهقى (٣) ﴿٣١﴾
٢٧ - تنظيف اللباس:
يلزم غسل الثياب من النجاسة للصلاة كما تقدم. ويسن غسلها من الوسخ والعرق " لحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من كرامة
стр. 2090
المؤمن على الله نقاء ثوبه ورضاه باليسير. أخرجه الطبرانى (١) ﴿٢٠٥﴾، وفى سنده عبّاد بن كثير وثقه ابن معين وضعفه غيره. وجرول بن حنفل ثقة. وقال ابن المدينى له مناكير. وبقية رجاله ثقات " ولحديث " عائشة أن رسول الله ﷺ قال: الإسلام نظيف فتنظفوا، فانه لا يدخل الجنة إلا نظيف. أخرجه الطبرانى فى الأوسط، وفيه نعيم بن مورع وهو ضعيف. قاله الهيثمى (٢) ﴿٢٠٦﴾ (وكذا) يطلب تنظيف الشعر " لحديث " عائشة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أكرموا الشعر. أخرجه البزار: وفى سنده خالد بن إلياس متروك (٣) ﴿٢٠٧﴾
(وقد) ورد فى الحث على النظافة عدة أحاديث منها (حديث) إن الله تعالى جميل يحب الجمال، سخى يحب السخاء نظيف يحب النظافة. أخرجه ابن عدى عن ابن عمر وضعفه السيوطى (٤) ﴿٢٠٨﴾.
(وحديث) أبى هريرة أن رجلا جميلا قال النبى ﷺ : يا رسول الله أنى رجل حُبِّب إلىّ الجمال وأعطيت منه ما ترى. فأحب أن يكون ثوبى جميلا ونعلى جميلا، أفمن الكبر ذلك؟ فقال له النبى ﷺ : ليس ذلك من الكبر. ولكنّ الكبر مَنْ بطِر الحق وعمظ الناس، وفى رواية الترمذى: وغمض بالصاد بدل الطاء المهملة. أخرجه أبو داود (٥) ﴿٢٠٩﴾
стр. 2091
(وحديث) ابن مسعود أن النبى ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة قال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بَطر الحق وغمْط الناس. أخرجه مسلم (١) ﴿٢١٠﴾. وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء.
هذا ويستحب غسل الثوب إذا توسخ وإصلاح الشعر إذا شعث " لحديث " جابر رضى الله عنه قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرأى رجلا شعِثا قد تفرق شعره فقال: أما كان هذا يجد ما يسكن به شعره؟ ورأى رجلا عليه ثياب وسخه فقال: أما كان بجد ماء يغسل به ثوبه؟ . رواه أبو داود بسند صحيح على شرط الشيخين (٢) ﴿٢١٢﴾
(قال) السفارينى فى غذاء الألباب: يسن تنظيف الثياب كلها من قميص ورداء وإزار وسراويل وعمامة وغيرها، لأن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: أما يجد هذا ما يغسل به ثوبه؟ ورأى رجلا شعِثا فقال أما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه؟ رواه الإمام أحمد والخلال من
стр. 2092
حديث جابر ﴿٢١٣﴾ وعلله الإمم أحمد بأن الثوب إذا اتسخ تقطع. وروى وكيع عن ابن مسعود أنه كان يعجبه - إذا قام إلى الصلاة - الرائحة الطيبة والثياب النقية ﴿٣٢﴾ وروى أيضا عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: من مروءة الرجل نقاء ثوبه (١) ﴿٣٣﴾ (وقال) ابن الأثير فى النهاية: إن الله تعالى نظيف يحب النظافة (٢): نظافة الله تعالى كناية عن تنزيهه عن سمات الحدوث، وتعاليه فى ذاته عن كل نقص. وحبه النظافة من غيره، كناية عن خلوص العقيدة ونفى الشرك وبجانبه الأهواء. ثم نظافة القلب عن الغل والحقد والحسد وأمثالها. ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشَّبَه. ثم نظافة الظاهر لملابسه العبادات (ومنه) الحديث: نظفوا أفواهكم فإنها طرق القرآن ﴿٢١٤﴾ أى صونوها عن اللغو والفحش والغيبة والنميمة والكذب وأمثالها. وعن أكل الحرام والقاذورات.
وفيه الحث على تطهيرها من النجاسات وعلى استعمال السواك أهـ بتصرف (٣).
٢٨ - طى الثياب:
(قال) بعض الفقهاء: يطلب طى الثياب بعد خلعها والتسمية عليها " لحديث " إذا طويتم ثيابكم فاذكروا اسم الله عليها لئلا يلبسها الجن الليل وأنتم بالنهار
стр. 2093
فتبلى سريعا. أخرجه الطبرانى " ولقول " عائشة: كان لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثوبان يلبسهما فى جمعته، فإذا انصرف طويناهما إلى مثله. أخرجه الطبرانى فى الصغير والأوسط بسند ضعيف. ويرده حديث عائشة: ما رأيته صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسب أحداً ولا يُطوى له ثوب. أخرجه ابن ماجه. ويمكن الجمع بينهما بأن المراد بقولها: ولا يُطوى له ثوب أى غير ثوبى الجمعة (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: ويحسن طىّ الثياب، لما رواه الديلمى عن جابر رفعه " طىّ الثوب راحته (١) ﴿٢١٥﴾. وقد روى من طرق كثيرة بألفاظ مختلفة وكلها واهية (٢) أهـ.
(الخامس) التحلى بالذهب والفضة
يحل التحلى بهما للنساء. ولا يحل للرجل التحلى إلا بخاتم الفضة، فيحرم عليه التختم بالذهب. لما تقدم فى بحث لبس الحرير " ولقول " عمران بن حصين وأبى هريرة رضى الله عنهما: نهى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن خاتم الذهب. أخرجه الطحاوى (٣) ﴿٢١٦﴾، وكذا الشيخان من حديث أبى هريرة (٤) " ولحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذ خاتماً من ذهب وجعل فصه مما يلى باطن كفه، ونقش فيه محمد رسول الله فاتخذ الناس مثله. فلما رآهم اتخذوه رمى به وقال: لا ألبسه أبدا، ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة، قال ابن عمر: فلبس الخاتم بعد النبى صلى
стр. 2094
الله عليه وعلى آله وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان حتى وقع من عثمان فى بئر أريس، أخرجه الخمسة (١) ﴿٢١٧﴾.
" ولقول " علىّ رضى الله عنه: نهانى النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القسىّ، وعن القراءة فى الركوع والسجود وعن لباس المعصفر. أخرجه أحمد ومسلم والثلاثة. قال الترمذى حسن صحيح (٢) ﴿٢١٨﴾، (ففى) هذه الأحاديث دلالة على جواز تحلى النساء بالذهب وتحريمه على الرجال.
" وأما حديث " ربعى بن حراش عن امرأته عن أخت لحذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: يا معشر النساء، أما لكنَّ فىالفضة ما تحلين به لبس منكن امرأة تتحلى ذهبا وتظهره إلا عذبت به. أخرجه أبو داود والنسائى (٣) ﴿٢١٩﴾. " فمنسوخ " بالأحاديث السابقة وأشباهها
стр. 2095
كما نقله ابن رسلان عن ابن عبد البر.
(وعلى) فرض عدم النسخ فهو ضعيف، لجهالة امرأة ربعى (وعلى) فرض صحته، فهو محمول على من تزينت به وتبرجت وأظهرته للرجال الأجانب، ويؤيده قوله " تتحلى ذهبا وتظهره " ثم الكلام ينحصر فى ستة فروع.
١ - التختم بالفضة:
يحل للرجال التختم بخاتم الفضة " لقول " أنس: كان خاتم النبى صلىالله عليه وعلى آله وسلم من وَرِق وكان فصه حبشيا، أخرجه مسلم والثلاثة. قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح (١) ﴿٢٢٠﴾، " ولقوله " أيضا: كان خاتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من فضة كله فضه: فصه منه. أخرجه البخارى وأبو داود والترمذى، وقال هذا حديث صحيح (٢) ﴿٢٢١﴾ ولقول أنس، لما أراد النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يكتب إلى الروم، قيل له إنهم لن يقرءوا كتابك إذا لم يكن مختوما. فاتخذ خاتما من فضه ونقشه محمد
стр. 2096
رسول الله. فكأنما أنظر إلى بياضه فى يده، أخرجه البخارى وابو داود مختصرا (١) ﴿٢٢٢﴾
" وأما حديث " إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب الزهرى عن أنس بن مالك أنه رأى فى يد النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم خاتما من ورق يوما واحدا فصنع الناس فلبسوا، وطرح النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فطرحوا. أخرجه الشيخان وابو داود والنسائى (٢) ﴿٢٢٣﴾، " فقد اتفق " الحفاظ على أن الزهرى غلط فيه، لأن المطروح إنما هو خاتم الذهب كما تقدم فى حديث ابن عمر رقم ٢١٧.
(وللأحاديث) السابقة قال الجمهور: يسن للرجال التختم بالفضة لا فرق فى ذلك بين ذى السلطان وغيره، اقتداء بالرسول ﷺ ، وعملا بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ آيه ﴿٢١﴾ الأحزاب
(وروى) عن أحمد أنه إنما يستحب لذى السلطان. ويكره لغيره " لظاهر " حديث أنس السابق رقم ٢٢٢. وفيه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذ الخاتم حينما اراد أن يكتب الى الروم. وتوارثه بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان للختم به من بعده " ولحديث " أبى ريحانة أن النبى ﷺ نهى عن الخاتم إلا لذى سلطان. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والطحاوى (٣) ﴿٢٢٣﴾ وقال: (فذهب) قوم إلى كراهة لبس الخاتم إلا الذى سلطان. واحتجوا بهذا الحديث (وخالفهم) فى ذلك آخرون، فلم يروا بلبسه
стр. 2097
لسائر الناس من ذى سلطان أو غيره بأسا. ومن حجتهم فى ذلك الحديث الذى قد روينا عن رسول الله ﷺ أنه ألقى خاتمه فألقى الناس خواتيمهم (فقد دل) هذا على أن العامة قد كانت تلبس الخواتيم فى عهد رسول الله ﷺ أهـ (ورد) بأن حديث أبى ريحانه ضعيف (قال) الحافظ فى الفتح: قد سئل مالك عن حديث أبى ريحانة فضعفه وقال: سأل صدقة بن يسار سعيد بن المسيب فقال: البس الخاتم وأخبر الناس أنى قد أفتيتك.
والذى يظهر أن لبسه لغير ذى سلطان، خلاف الأولى، لأنه ضرب من التزين، واللائق بالرجال خلافه. وتكون الأدلة الدالة على الجوازهى الصارفة للنهى عن التحريم (ويؤيده) أن فى بعض طرقه: نهى عن الزينة والخاتم، ويمكن أن يراد بالسلطان من له سلطنة على شئ ما يحتاج إلى الختم عليه، لا السلطان الأكبر خاصة. والمراد بالخاتم ما يختم به فيكون لبسه " لمن لا يختم به " عبثا. وأما من لبس الخاتم الذى لا يختم به وكان من الفضة للزينة فلا يدخل فى النهى أهـ ينصرف (١).
(وعلى هذا) يحمل حال من لبسه من الصحابة والتابعين ممن ليس له سلطان (وقال) الحنفيون: يجوز التختم بالفضة للرجال، لما تقدم، وتركه لغير ذى السلطان والقاضى وذى حاجة إليه للختم به أفضل.
(قال النووى) فى المجموع: وقد أجمع المسلمون على جواز خاتم الفضة للرجال وكره بعض علماء الشام لبسه لغير ذى سلطان، وروى فيه أثرا، وهو فاسد مردود بالنصوص وإجماع السلف، وقد نقل العبدرى وغيره الإجماع فيه أهـ بتصرف (٢).
стр. 2098
٢ - كيفية التختم:
يجوز لبس الخاتم فى كل من اليمين واليسار"لقول" ابن عباس: رأيت رسول الله ﷺ يتختم فى يمينه. أخرجه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح (١) ﴿٢٢٤﴾ "ولقول"عبد الله بن جعفر رضى الله عنه: كان النبى ﷺ يتختم عن يمينه. أخرجه الترمذى والنسائى والطبرانى فى الكبير (٢) ﴿٢٢٥﴾
" ولحديث " أنس أن النبى ﷺ كان يتختم فى يمينه، أخرجه النسائى والترمذى فى الشمائل (٣) ﴿٢٢٦﴾
(وعن) ابن عمر أن النبى ﷺ كان يتختم فى يساره، وكان فصه فى باطن كفه. أخرجه أبو داود (٤) ﴿٢٢٧﴾، (وعن) أنس قال: كان خاتم النبى ﷺ فى هذه وأشار الى الخنصر من يده اليسرى أخرجه مسلم (٥) ﴿٢٢٨﴾.
(واختلف) العلماء فى الأفضل، فعند غير الشافعية الأفضل لبسه فى خنصر اليسرى (قال) البدر العينى فى عمدة القارى: وينبغى أن يلبس خاتمه فى خنصر يده اليسرى، ولا يلبسه فى اليمنى ولا فى غير خنصر اليسرى، وسوَّى الفقيه أبو الليث بين اليمين واليسار (وقال) بعض أصحابنا: هو الحق لاختلاف الروايات ويقال جاءت الأحاديث صحيحة فى اليمين ولكن استقر الأمر على اليسار.
стр. 2099
(قلت) يدل على ذلك ما قاله اللغوى فى شرح السنة من أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم تختم أولا فى يمينه ثم تختم فى يساره وكان ذلك آخر الأمرين أهـ (١)
(وقال) السفارينى فى غذاء الألباب: قال الدار قطنى وغيره: المحفوظ أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يتختم فى يساره (قال) فى الإنصاف: لبس الخاتم فى خنصر يده اليمنى واليسرى سواء، ولا فضل فى لبسه فى إحداهما على الأخرى. والصحيح من المذهب أن التختم فى اليسار أفضل (قال) الإمام أحمد رضى الله عنه: هو أقرب واثبت وأحب إلىَّ (قال) الحافظ بن رجب: وقد أشار بعض أصحابنا إلى أن التختم فى اليمين منسوخ وأن التختم فى اليسار آخر الأمرين أهـ (قال) فى التلخيص: ضعف الإمام أحمد رضى الله عنه حديث التختم فى اليمين (قلت) الذى استقر عليه المذهب استحباب كون الخاتم فى خنصر اليسرى. وكرهه أحمد رضى الله عنه فى السبابة والوسطى للرجل وفاقا للثلاثة، للنهى الصحيح عن ذلك (قلت) وهو ما فى صحيح مسلم من حديث علىّ رضى الله عنه: نهانى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أتختم فى أصبعى هذه أو هذه فأوما إلى الوسطى والتى تليها أهـ (٢) ﴿٢٢٩﴾ ثم قال (والأفضل) للابسه جعل فصه مما يلى كفه، لأن النبى ﷺ كان يفعل ذلك وهو فى الصحيحين، وكان ابن عباس وغيره يجعله مما يلى ظهر كفه، رواه أبو داود، ويجوز جعل فصه منه ومن غيره (لقول) أنس: كان فصه منه كما فى البخارى، وفى مسلم كان فصه حبشيا أهـ ملخصا (٣)
(وقالت) الشافعية: الأفضل جعله فى خنصر اليمنى (قال) النووى فى
стр. 2100
المجموع: الصحيح المشهور أنه فى اليمين أفضل، لأنه زينة والمين أشرف وقيل فى اليسار أفضل، لأن اليمين صار شعار الروافض فربما نسب إليهم. والصحيح الأول، وليس هو فى معظم البلدان شعارا ولو كان شعارا لما تركت اليمين، وكيف تترك السنن لكون طائفة مبتدعة تفعلها، وفى سنن أبى داود بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يتختم فى يساره، وبإسناد حسن أن ابن عباس تختم فى يمينه، ويجوز الخاتم بفص وبلا فص ويجعل الفص من باطن كفه أو ظاهرها، وباطنها أفضل للأحاديث الصحيحة فيه، وأجمع المسلمون على أن السنة للرجل جعل خاتمه فى خنصره، وفى صحيح مسلم عن على رضى الله عنه قال: نهانى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن أجعل خاتمى فى هذه أو التى تليها، وأشار الراوى إلى الوسطى والتى تليها، وفى رواية أبى داود بإسناد صحيح فى هذه أو هذه، يعنى السبابه والوسطى أهـ بتصرف (١)
٣ - التحلى بغير الذهب والفضة:
لا يحل التختم بالحديد والنحاس والرصاص والزجاج " لحديث " عبد الله ابن بريدة عن أبيه أن رجلا جاء إلى النبى ﷺ خاتم من شبه فقال: مالى أجد منك ريح الأصنام؟ فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال مالى أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه وقال: يا رسول الله من أى شئ أتخذه؟ قال: اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا، أخرجه الثلاثة (٢) ﴿٢٣٠﴾ وفى سنده رجل ضعيف، لكن قال ملا على قارى فى شرح الشمائل حديث حسن.
стр. 2101
(وقال) المناوى: وتضعيف النووى له فى شرح مسلم معارض بتصحيح ابن حبان وغيره أهـ.
وله شواهد تقويه (منها) حديث عمار بن ابى عمار أن عمر بن الخطاب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى فى يد رجل خاتما من ذهب فقال ألق ذا. فالقاه فتختم بخاتم من حديد. فقال: ذا شرمنه. فتختم بخاتم من فضه فسكت عنه. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح إلا أن عمارا لم يسمع من عمر. قاله الهيثمى (١) ﴿٢٣١﴾، (وحديث) عبد الله بن عمرو أنه لبس خاتما من ذهب فنظر اليه رسول الله ﷺ كأنه كرهه فطرحه. ثم لبس خاتما من حديد فقال: هذا أخبث وأخيب فطرحه، ثم لبس خاتما من ورق فسكت عنه، أخرجه أحمد والطبرانى. وفى رواية لأحمد قال: فى الخاتم الحديد هذا حلية أهل النار، وأحد إسنادى أحمد رجاله ثاقت. قاله الهيثمى (٢) ﴿٢٣٢﴾
(وحديث (عبد الله بن عمرو: أن النبى ﷺ نهى عن خاتم الذهب وخاتم الحديد، أخرجه البيهقى والطبرانى فى الأوسط بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٢٣٣﴾، (وحديث) ابى أمامة أن رجلا دخل على النبى ﷺ خاتم من صفر فقال: ما هذا الخاتم؟ قال من الواهنة، قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، أخرجه الطبرانى وفى سنده عفير بن معدان وهو ضعيف، قاله الهيثمى (٤) ﴿٢٣٤﴾.
(ولهذه) الأحاديث قال الحنفيون: يحرم على الرجل والمرأة التختم بالحجر والحديد والنحاس والرصاص والزجاج.
стр. 2102
(وقالت) المالكية والحنبلية وبعض الشافعية: يكره التختم بما ذكر.
(قال) تاسفارينى فى غذاء الألباب: ويكره تنزيها فى الأصح للرجل والمرأة اتخاذ خاتم من صفر، وكذا يكره الخاتم من رصاص ومن حديد، (قال) فى الفروع: يكره للرجل والمرأة خاتم حديد ونحاس ورصاص.
(وقال) أحمد رضى الله عنه: أكره خاتم الحديد، لأنه حلية أهل النار (١)
(وقال) النووى فى المجموع: قال صاحب الإبانة والبيان: يكره الخاتم من حديد أو شبه - بفتح الشين والباء - وهو نوع من النحاس لحديث بريدة المتقدم (٢).
(وقال) صاحب التتمة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص " للحديث " فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذى خطب الواهبة نفسها: اطلب ولو خاتما من حديد (٣) ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه به، وفى سنن أبى داود بإسناد جيد عن معيقيب الصحابى رضى الله عنه قال: كان خاتم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديد ملوى عليه فضة (٤) ﴿٢٣٥﴾ فالمختار أنه لا يكره لهذين الحديثين. وضعف الأول أهـ بتصرف (٥).
(وأجاب) الجمهور (أ) عن حديث من وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كان قبل النهى عن التختم بالحديد، أو بأن المراد منه المبالغة فى طلب المهر ن فلا يستلزم جواز لبس خاتم الحديد.
стр. 2103
(ب) وعن حيث معيقيب بأن العبرة بما ظهر، فإن أكثر من وصف خاتم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنه من فضه.
(فالراجح) القول بأنه لا يحل لبس خاتم من حديد أو نحاس أو نحوهما (ويجوز) عند الحنفية والحنبلية التختم بالعقيق والماس والياقوت والزبرجد والزمرد والفيروزج ونحوها من الجواهر (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: ولا بأس بالتختم من بقية الجواهر من ياقوت وزبرجد وزمرذ وفيروزج ونحوها، فيباح اتخاذ الخاتم من هذه المعادن ونحوها (وأما) ما يروى فى التختم ببعضها من الفضائل فباطل مثل (حديث) تختموا بالزبرجد فإنه ينفى الفقر، رواه الديلى، لا يصح ﴿٢٣٦﴾، (وحديث) تختموا بالبزبرجد فإنه يسر لا عسر فيه، قال الحافظ بن حجر: هو موضوع ﴿٢٣٧﴾ وفى النهاية: تختموا بالياقوت فإنه ينفى الفقر ﴿٢٣٨﴾. (قال) بعضهم: يريد أنه إذا ذهب ماله فباعه وجد فيه غنى، والأشبه إن صح الحديث أن يكون لخاصية فيه وفى خبر ضعيف أن التختم بالياقوت الأصفر يمنع الطاعون أهـ ملخصا (١) وسيأتى تمامه فى بحث " ما قيل فى الخاتم " آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
... (وقالت) الشافعية: يكره التختم بالعقيق والياقوت ونحوهما.
(وقال) النووى فى المجموع: قال الشافعى فى الأم: لا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب وأنه من زىّ النساء لا للتحريم، ولا أكره لبس ياقوت أو زبرجد إلا من جهة السرف والخيلاء. هذا نصه ونقله الأصحاب، واتفقوا على أنه لا يحرم أهـ (٢)
стр. 2104
٤ - نقش الخاتم:
يجوز للمتختم نقش اسمه أو اسم الله تعالى على الخاتم، لا نقش تمثال إنسان أو طير، ولا نقش محمد رسول الله، لنهى النبى ﷺ أن ينقش أحد كنقش خاتمه (روى) ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ اتخذ خاتما من ذهب، ثم ألقاه ثم اتخذ خاتما من ورق ونقش فيه محمد رسول الله وقال: لا ينقش أحد على نقش خاتمى هذا، وكان إذا لبسه جعل فصه مما يلى بطن كفه، وهو الذى سقط فى بئر أريس، أخرجه مسلم (١) ﴿٢٣٩﴾
أى نهى أن ينقش أحد على خاتمه مثل نقشه، لما روى عن أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول الله، وقال: إنى اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد على نقشه. أخرجه الشيخان (٢) ﴿٢٤٠﴾
(ولعل) سر النهى ألا يلتبس أمر الخاتم، فإن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذه للختم به على كتبه التى يرسلها للملوك وغيرهم " فلو نقش " أحد كنقش خاتم الرسول صلى الله عليه سلم وختم على كتاب " وقع الاشتباه " (ومنه) يعلم أن النهى خاص بزمن النبى ﷺ .
(وكان) نقش خاتمه ﷺ ثلاثة أسطر فقد روى ثمامة عن أنس أن أبا بكر رضى الله عنه لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، أخرجه البخارى (٣) ﴿٢٤١﴾
стр. 2105
(قال) فى الفتح: وظاهرة أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادى، فإن ضرورة الاحتياج الى أن يختم به تقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا " وأما قول " بعضهم إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق، يعنى أن الجلالة فى أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد فى أسفلها " فلم أر " التصريح بذلك فى شئ من الأحاديث " بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال فيها: محمد سطر، والسطر الثانى رسول، والسطر الثالث الله أهـ.
(ولهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور: يجوز نقش الخاتم ولو باسم الله.
(قال) النووى فى المجموع: ويجوز نقشه وإن كان فيه ذكر الله تعالى (ففى) الصحيحين: كان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم محمد رسول الله ولا كراهة فيه عندنا، وبه قال سعيد بن المسيب ومالك والجمهور وكرهه ابن سيرين وبعضهم لخوف امتهانه. وهذا باطل منابذ للحديث ولفعل السلف والخلف أهـ (١)
(لكن) أخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا أن يكتب الرجل فى خاتمه حسبى الله ونحوها. فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت (ويمكن) الجمع بأن الكراهة حيث لا يؤمن حمله للجنب