(وقال) المناوى: وتضعيف النووى له فى شرح مسلم معارض بتصحيح ابن حبان وغيره أهـ.
وله شواهد تقويه (منها) حديث عمار بن ابى عمار أن عمر بن الخطاب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى فى يد رجل خاتما من ذهب فقال ألق ذا. فالقاه فتختم بخاتم من حديد. فقال: ذا شرمنه. فتختم بخاتم من فضه فسكت عنه. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح إلا أن عمارا لم يسمع من عمر. قاله الهيثمى (١) ﴿٢٣١﴾، (وحديث) عبد الله بن عمرو أنه لبس خاتما من ذهب فنظر اليه رسول الله ﷺ كأنه كرهه فطرحه. ثم لبس خاتما من حديد فقال: هذا أخبث وأخيب فطرحه، ثم لبس خاتما من ورق فسكت عنه، أخرجه أحمد والطبرانى. وفى رواية لأحمد قال: فى الخاتم الحديد هذا حلية أهل النار، وأحد إسنادى أحمد رجاله ثاقت. قاله الهيثمى (٢) ﴿٢٣٢﴾
(وحديث (عبد الله بن عمرو: أن النبى ﷺ نهى عن خاتم الذهب وخاتم الحديد، أخرجه البيهقى والطبرانى فى الأوسط بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٢٣٣﴾، (وحديث) ابى أمامة أن رجلا دخل على النبى ﷺ خاتم من صفر فقال: ما هذا الخاتم؟ قال من الواهنة، قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، أخرجه الطبرانى وفى سنده عفير بن معدان وهو ضعيف، قاله الهيثمى (٤) ﴿٢٣٤﴾.
(ولهذه) الأحاديث قال الحنفيون: يحرم على الرجل والمرأة التختم بالحجر والحديد والنحاس والرصاص والزجاج.
стр. 2102
(وقالت) المالكية والحنبلية وبعض الشافعية: يكره التختم بما ذكر.
(قال) تاسفارينى فى غذاء الألباب: ويكره تنزيها فى الأصح للرجل والمرأة اتخاذ خاتم من صفر، وكذا يكره الخاتم من رصاص ومن حديد، (قال) فى الفروع: يكره للرجل والمرأة خاتم حديد ونحاس ورصاص.
(وقال) أحمد رضى الله عنه: أكره خاتم الحديد، لأنه حلية أهل النار (١)
(وقال) النووى فى المجموع: قال صاحب الإبانة والبيان: يكره الخاتم من حديد أو شبه - بفتح الشين والباء - وهو نوع من النحاس لحديث بريدة المتقدم (٢).
(وقال) صاحب التتمة: لا يكره الخاتم من حديد أو رصاص " للحديث " فى الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذى خطب الواهبة نفسها: اطلب ولو خاتما من حديد (٣) ولو كان فيه كراهة لم يأذن فيه به، وفى سنن أبى داود بإسناد جيد عن معيقيب الصحابى رضى الله عنه قال: كان خاتم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديد ملوى عليه فضة (٤) ﴿٢٣٥﴾ فالمختار أنه لا يكره لهذين الحديثين. وضعف الأول أهـ بتصرف (٥).
(وأجاب) الجمهور (أ) عن حديث من وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه كان قبل النهى عن التختم بالحديد، أو بأن المراد منه المبالغة فى طلب المهر ن فلا يستلزم جواز لبس خاتم الحديد.
стр. 2103
(ب) وعن حيث معيقيب بأن العبرة بما ظهر، فإن أكثر من وصف خاتم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنه من فضه.
(فالراجح) القول بأنه لا يحل لبس خاتم من حديد أو نحاس أو نحوهما (ويجوز) عند الحنفية والحنبلية التختم بالعقيق والماس والياقوت والزبرجد والزمرد والفيروزج ونحوها من الجواهر (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: ولا بأس بالتختم من بقية الجواهر من ياقوت وزبرجد وزمرذ وفيروزج ونحوها، فيباح اتخاذ الخاتم من هذه المعادن ونحوها (وأما) ما يروى فى التختم ببعضها من الفضائل فباطل مثل (حديث) تختموا بالزبرجد فإنه ينفى الفقر، رواه الديلى، لا يصح ﴿٢٣٦﴾، (وحديث) تختموا بالبزبرجد فإنه يسر لا عسر فيه، قال الحافظ بن حجر: هو موضوع ﴿٢٣٧﴾ وفى النهاية: تختموا بالياقوت فإنه ينفى الفقر ﴿٢٣٨﴾. (قال) بعضهم: يريد أنه إذا ذهب ماله فباعه وجد فيه غنى، والأشبه إن صح الحديث أن يكون لخاصية فيه وفى خبر ضعيف أن التختم بالياقوت الأصفر يمنع الطاعون أهـ ملخصا (١) وسيأتى تمامه فى بحث " ما قيل فى الخاتم " آخر هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
... (وقالت) الشافعية: يكره التختم بالعقيق والياقوت ونحوهما.
(وقال) النووى فى المجموع: قال الشافعى فى الأم: لا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا للأدب وأنه من زىّ النساء لا للتحريم، ولا أكره لبس ياقوت أو زبرجد إلا من جهة السرف والخيلاء. هذا نصه ونقله الأصحاب، واتفقوا على أنه لا يحرم أهـ (٢)
стр. 2104
٤ - نقش الخاتم:
يجوز للمتختم نقش اسمه أو اسم الله تعالى على الخاتم، لا نقش تمثال إنسان أو طير، ولا نقش محمد رسول الله، لنهى النبى ﷺ أن ينقش أحد كنقش خاتمه (روى) ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى ﷺ اتخذ خاتما من ذهب، ثم ألقاه ثم اتخذ خاتما من ورق ونقش فيه محمد رسول الله وقال: لا ينقش أحد على نقش خاتمى هذا، وكان إذا لبسه جعل فصه مما يلى بطن كفه، وهو الذى سقط فى بئر أريس، أخرجه مسلم (١) ﴿٢٣٩﴾
أى نهى أن ينقش أحد على خاتمه مثل نقشه، لما روى عن أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول الله، وقال: إنى اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقش أحد على نقشه. أخرجه الشيخان (٢) ﴿٢٤٠﴾
(ولعل) سر النهى ألا يلتبس أمر الخاتم، فإن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم اتخذه للختم به على كتبه التى يرسلها للملوك وغيرهم " فلو نقش " أحد كنقش خاتم الرسول صلى الله عليه سلم وختم على كتاب " وقع الاشتباه " (ومنه) يعلم أن النهى خاص بزمن النبى ﷺ .
(وكان) نقش خاتمه ﷺ ثلاثة أسطر فقد روى ثمامة عن أنس أن أبا بكر رضى الله عنه لما استخلف كتب له، وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، أخرجه البخارى (٣) ﴿٢٤١﴾
стр. 2105
(قال) فى الفتح: وظاهرة أنه كان على هذا الترتيب، لكن لم تكن كتابته على السياق العادى، فإن ضرورة الاحتياج الى أن يختم به تقتضى أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا " وأما قول " بعضهم إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق، يعنى أن الجلالة فى أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد فى أسفلها " فلم أر " التصريح بذلك فى شئ من الأحاديث " بل رواية الإسماعيلى يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال فيها: محمد سطر، والسطر الثانى رسول، والسطر الثالث الله أهـ.
(ولهذا) قال الأئمة الأربعة والجمهور: يجوز نقش الخاتم ولو باسم الله.
(قال) النووى فى المجموع: ويجوز نقشه وإن كان فيه ذكر الله تعالى (ففى) الصحيحين: كان نقش خاتم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم محمد رسول الله ولا كراهة فيه عندنا، وبه قال سعيد بن المسيب ومالك والجمهور وكرهه ابن سيرين وبعضهم لخوف امتهانه. وهذا باطل منابذ للحديث ولفعل السلف والخلف أهـ (١)
(لكن) أخرج ابن أبى شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأسا أن يكتب الرجل فى خاتمه حسبى الله ونحوها. فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم تثبت (ويمكن) الجمع بأن الكراهة حيث لا يؤمن حمله للجنب
стр. 2106
والحائض والاستنجاء بالكف التى هو فيها. والجواز حيث حصل الأمن من ذلك، فلا تكون الكراهة مطلقاً، بل من جهة ما يعرض لذلك.
(وأخرج) ابن أبى شيبه عن ابن عمر أنه نقش على خاتمه عبد الله بن عمر. وأخرج عن سالم عن عبد الله بن عمر أنه نقش اسمه على خاتمه وكذا القاسم ابن محمد (قال) ابن بطال: وكان مالك يقول من شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم فى خواتيمهم (وأخرج) ابن أبى شيبه عن حذيفة وأبى عبيدة أنه كان نقش خاتم كل واحد منهما: الحمد لله، وعن على: الله الملك. وعن إبراهيم النخعى: بالله ن وعن مروان: باسم الله، وعن أبى جعفر الباقر: العزة لله، وعن الحسن والحسين: لا بأس بنقش ذكر الله على الخاتم، قاله الحافظ فى الفتح (١).
" وقول " بعض الحنبلية: يكره أن يكتب على الخاتم ذكر الله تعالى من قرآن وغيره " لا دليل " عليه (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: ولم أجد للكراهة دليلا وهى تفتقر إلى دليل، والأصل عدمه. وقد ورد عن كثير من السلف كتابة ذكر الله على خواتيمهم. وهو ظاهر قوله ﵇ للناس: إنى اتخذت خاتما ونقشت فيه محمد رسول الله، فلا ينقش أحد على نقشه (٢)
لأنه إنما نهاهن عن نقشهم محمد رسول الله، لا عن غيره. فإذا كان فيه ذكر الله تعالى فلا يدخل به الخلاء بل يضعه، لأنه ﵊ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، رواه ابن ماجه وأبو داود وقال حديث منكر (٣) ﴿٢٤٢﴾
стр. 2107
فإذا دعت الحاجة إلى الدخول به كخوف عليه فليجعل فصه فى باطن كفه أعنى إذا كان فيه ذكر الله تعالى ودخل به الخلاء. قال الإمام أحمد رضى الله عنه: الخاتم إذا كان فيه ذكر الله يجعله فى باطن كفه ويدخل الخلاء (وقال) عكرمة: قل به (١) هكذا فى باطن كفك فاقبض عليه.
(تنبيه) لا يجوز أن ينقش على الخاتم صورة حيوان للنصوص الواردة فى ذلك كما تقدم، لكن هل يحرم لبس الخاتم المنقوش عليه ذلك أو يكره؟ فيه وجهان، أحدهما يحرم وهو منصوص عن الإمام أحمد فى الثياب والخواتم والثانى يكره ولا يحرم. وإليه مال الحافظ بن رجب أهـ ملخصا (٢).
٥ - وزن الخاتم وعدده:
يجوز لرجل التختم بالفضة بخاتم فاكثر إن لم يزد عن مثقال وكان على هيئة خاتم الرجال. وإلا بأن كان له فصان أو أكثر حرم. وهذا مذهب الحنفيين.
(وقالت) المالكية: يشترط أن يكون واحدا وزنه درهمان فاقل، فيحرم زيادته على درهمين وتعدده ولو كان اقل من درهمين.
стр. 2108
(وقالت) الشافعية والحنبلية: يسن التختم بالفضة كعادة أمثاله وزنا وعددا ومحلا بلا إسراف، فإن زاد عن عادة أمثاله حرم خلافا لمن قال يكره كونه مثقالا، ويحرم إن زاد (قال) السفارينى: والمذهب إباحة الخاتم من فضة ولو زاد على مثقال. وفى الرعاية يسن دون مثقال. وظاهر كلام الإمام والأصحاب لا بأس بأكثر من ذلك لضعف خبر بريدة وهو أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الخاتم من أى شئ أتخذه؟ قال من فضة ولا تتمه مثقالا. رواه الخمسة، قال الإمام أحمد حديث منكر، والمراد ما لم يخرج عن العادة وإلا حرم أهـ (١)
(ورد) تضعيف الحديث بتصحيح ابن حبان وغيره له كما تقدم (٢)
٦ - منع الصغير مما لا يحل للكبير:
يحرم على ولى الصغير ذكرا أو انثى تمكينه مما لا يحل للكبير. فيحرم على البالغ إلباس الصغير الحرير أو الذهب أو غير خاتم الفضة إذا كان ذكرا، أو أن يطعمه أو يسقيه مطلقا فى إنائهما أو يمكنه من ذلك، لأنه لما حرم اللبس والأكل والشرب، حرم التمكين من ذلك كالخمر لما حرم شربه حرم سقيه " ولقول" عبد الله بن يزيد: كنا عند عبد الله بن مسعود فجاء ابن له عليه قميص من حرير قال من كساك؟ قال أمى فشقه وقال: قل لأمك تكسوك غير هذا. اخرجه الطبرانى بسندين رجال أحدهما رجال الصحيح (٣) ﴿٣٤﴾ وهذا مذهب الحنفيين.
стр. 2109
(وقالت) المالكية: يكره تنزيها تمكين الصغير مما لا يحل للكبير.
(وللشافعية) أقوال. قول بالجواز مطلقا ورجحه النووى وقول بالجواز إذا كان دون سبع سنين. والتحريم إذا بلغ سبعا فأكثر. وقول بالتحريم مطلقا.
(قال) النووى فى المجموع: فأما الصبى فهل يجوز للولى إلباسه الحرير؟ فيه ثلاثا أوجه (أحدها) يحرم على الولى إلباسه وتمكينه منه. لعموم قوله ﷺ فى الذهب والحرير: إن هذين حرام على ذكور أمتى (١) " وللحديث " الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى الحسن بن على رضى الله عنهما أخذ تمرة من تمر الصدقة فقال كخ كخ (٢) أى ألقها، وهو بفتح الكاف وبإسكان الخاء، وبكسرها مع التنوين، وكما يمنعه من شرب الخمر وأكل الربا والزنا وغيرها.
(والثانى) يجوز له إلباسه الحرير ما لم يبلغ، لأنه ليس مكلفا ولا هو فى معنى الرجل فى هذا، بخلاف الخمر والزنا. وأما حديث التمرة فلأنه إتلاف مال لغيره. ولا خلاف لأنه يجب على الولى منعه منه وأنه تجب غرامته فى مال الصبى.
(الثالث) إن بلغ سبع سنين حرم وإلا فلا، لأن ابن سبع له حكم البالغين فى أشياء كثيرة. هكذا ضبطوه فى حكاية هذا الوجه. ولو ضبط بسنّ التمييز لكان حسنا، لكن الشرع اعتبر السبع فى الأمر بالصلاة. واختلفوا فى الراجح من الأوجه. فالصحيح جوازه مطلقا. وقطع الشيخ نصر فى تذيبه بالتحريم ورجحه الشيخ أبو عمرو بن الأصلاح أهـ بتصرف.
стр. 2110
(والراجح) القول بالتحريم وهو الأصح عند الحنبلية (قال) ابن قدامة فى المغنى: وهل يجوز لولى الصبى أن يلبسه الحرير؟ فيه وجهان، أشبهها بالصواب تحريمه " لعموم " قول النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: حرم لباس الحرير على ذكور أمتى وأحل لإناثهم (١) (وروى) أبو داود بإسناده عن جابر قال: كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجوارى (٢) ﴿٣٥﴾ (وقدم) حذيفة من سفر وعلى صبيانه قُمُصٌ من حرير فمزقها على الصبيان وتركها على الجوارى. أخرجه الأثرم. وروى أيضا عن عبد الرحمن بن يزيد (٣) قال: كنت رابع اربعة أو خامس خمسة مع عبد الله فجاء ابن له صغير عليه قميص من حرير فدعاه فقال له من كساك هذا؟ قال أمى. فأخذه عبد الله فشقه (والوجه) الآخر أنه يباح، لأنهم غير مكلفين، فلا يتعلق التحريم بلبسهم كما لو البسه دابة، ولأنهم محل الزينة فهم كالنساء (والأول) أصح لظاهر الحديث وفعل الصحابة. ويتعلق التحريم بتمكينهم من المحرمات كتمكينهم من شرب الخمر وأكل الربا وغيرهما. وكونهم محل الزينة مع تحريم الاستمتاع بهم، يقتضى التحريم لا الإباحة بخلاف النساء أهـ.
(السادس) تشبه الرجال بالنساء وعكسه
لا يحل للرجل التشبه بالمرأة ولا للمرأة التشبه بالرجل فى اللباس وغيره " لقول " ابن عباس: لعن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم المتشبهات من النساء
стр. 2111
بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء. أخرجه أحمد والبخارى والأربعة إلا النسائى (١) ﴿٢٤٤﴾
(قال) ابن التين: المراد باللعن فى هذا الحديث مَنْ تشبه من الرجال بالنساء فى الزى. ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك. فأما من انتهى فى التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى فى دبره وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق بغيرها من النساء، فإن لهذين الصنفين من الذنب والعقوبة أشد مما لم يصل الى ذلك. وإنما أمر صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت، لئلا يفضى الأمر بالتشبه إلى تعاطى ذلك الأمر المنكر أهـ. " لقول" أبى هريرة لعن النبى صلى الله عليه وعلى وسلم الرجل يلبس لبسه المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم بسند صحيح (٢) ﴿٢٤٥﴾ " ولقول" عائشة: لعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الرجلة من النساء. أخرجه أبو داود (٣) ﴿٢٤٦﴾ " ولحديث " رجل من هذيل عن عبد الله بن عمرو أنه رأى امرأة متقلدة قوسا وهى تمشى مشية الرجل فقال: من هذه؟ فقيل: هذه أم سعيد بنت أبى جهل. فقال: سمعت رسول الله صلى اله عليه وعلى آله وسلم يقول: ليس منا من تشبه بالرجال من النساء. ولا من تشبه من الرجال. أخرجه أحمد ﴿٢٤٧﴾
(قال) الهيثمى: الهذل لا أعرفه وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبرانى وأسقط الهذلى فعلى هذا رجال الطبرانى كلهم ثقات " ولذا صحح السيوطى.
стр. 2112
الحديث " ولحديث " ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة، العاق لوالديه والديوث وَرَجَله النساء. أخرجه الحاكم والبزار والبيهقى بسند صحيح (١) ﴿٢٤٨﴾ " ولحديث " عمار بن ياسر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ . ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا الديوث والرجلة من النساء ومدمن الخمر. أخرجه البيهقى فى الشعب والطبرانى بإسناد حسن (٢) ﴿٢٤٩﴾ قال المنذرى: ورواته لا أعلم فيهم مجروحا أهـ.
" ولحديث " ابن عباس رضى الله عنهما قال: لعن النبى ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلانا وأخرج عمر فلانا. أخرجه الستة إلا مسلما (٣) ﴿٢٥٠﴾.
(ولهذه) الأحاديث قال جمهور العلماء: يحرم تشبه الرجال بالنساء وعكسه وهو مشهور مذهب الشافعية.
(قال) النووى فى المجموع: المشهور فى المذهب أنه يحرم على الرجل أن يتشبه بالمرأة فى اللباس وغيره. ويحرم على المرأة أن تتشبه بالرجل فى ذلك وقدرددناه دعوى من قال: إنه مكروه وليس بحرام (ومما يدل) على التحريم حديث
стр. 2113
ابن عباس رضى الله عنهما قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال. رواه البخارى (١) ﴿٢٥١﴾.
(عن) أبى هريرة رضى الله عنه قال: لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل. رواه أبو داود بإسناد صحيح (٢) ﴿٢٥٢﴾. و (عن) ابن ابى مليكة قال: قيل لعائشة إن امرأة تلبس النعل فقالت: لعن رسول الله ﷺ الرجلة من النساء. رواه أبو داود بإسناد حسن أهـ. وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبى (٣) ﴿٢٥٣﴾.
هذا: وفى هذه الأحاديث دلالة على (أ) حرمة تشبه الرجال بالنساء وعكسه، لأنه إذا حرم فى اللباس ففى الحركات والسكنات والتصنع بالأعضاء والأصوات أولى بالذم والقبح. قاله النووى.
(ب) وأنه يلزم حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن من الرجال وإبعاد من يستراب به فى أمر من الأمور.
(جـ) وتعزيز من يتشبه بالنساء بالإخراج من البيوت والنفى من البلد إذا تعين ذلك طريقا لردعه (قال) الحافظ فى الفتح: ظاهر الحديث وجوب ذلك. وتشبه النساء بالرجال بالنساء من قاصد مختار، حرام اتفاقا. ويؤيد وجوب الإخراج ما ذكره البارودى فى الصحابة من طريق إبراهيم ابن مهاجر عن أبى بكر بن حفص أن عائشة قالت لمخنث كان بالمدينة يقال له أنه: ألا تدلنا على أمرأة نخطبها لعبد الرحمن بن أبى بكر؟ قال بلى. فوصف امرأة تقبل باربع وتدبر بثمان فسمعه النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال يا أنَّه أخرج من المدينة إلى حمراء الأسد وليكن بها منزلك أهـ بتصرف.
стр. 2114
(فائدتان) (الأولى) يحرم على الرجال خضاب يديه أو رجليه بالحناء لغير ضرورة لما فيه من التشبه بالنساء (قال) السيوطى فى الحاوى. وأما خضاب اليدين والرجلين بالحناء فيستحب للمرأة المتزوجة، وحرام على الرجال إلا الحاجة (ومن الدليل) على تحريمه للرجال ما رواه أبو داود عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال ما بال هذا؟ فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء فامر به فنفى الى النقيع (١) ﴿٢٥٤﴾.
(ومنها) حديث الصحيحين عن أنس أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يتزعفر الرجل (٢) ﴿٢٥٥﴾. وعلة النهى اللون لا الرائحة، فإن ريح الطيب للرجل محبوب (٣) والحناء فى هذا كالزعفران. والأحاديث فى
استحبابه للنساء المتزوجات كثيرة مشهورة (٤) أهـ.
(الثانية) من اللباس الخاص بالرجال القلانس والعمائم والنعال. فلا يجوز للمرأة لبس ذكر. لما فيه من التشبه بالرجال (قال) الشعرانى كشف الغمة: وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى النساء عن لبس العمائم وهى
стр. 2115
اللفافة الكبيرة على الرأس ويقول: إنما العمائم للرجال ﴿٢٦٠﴾. ودخل صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أم سلمة وهى تختمر فقال: ليَّه لاليتين (١) ﴿٢٦١﴾. يعنى لا تكرربه طاقين فاكثر
(وقال) تميم الدارى: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهى النساء عن لبس القلانس والنعال والجلوس فى المجالس ولبس الإزار والرداء بغير درع أهـ (٢) ﴿٢٦٢﴾
стр. 2116
(السابع) العمامة
هى بكسر العين ما يلف على الرأس.
يسن للرجل أن يعتم لا سيما للصلاة ولقصد التجمل " لحديث " أبى المليح ابن أسامة عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: اعتموا تزدادوا حلما. وقال على: العمائم تيجان العرب. أخرجه أبو داود، وأخرج الطبرانى المرفوع منه وأخرجه البزار والطبرانى والحاكم من حديث ابن عباس وقال الحاكم صحيح (ورد) بأن فى سند كل عبيد الله بن سعيد وهو متروك. وفى سند الطبرانى عمران بن تمام ضعفه أبو حاتم وبقية رجاله ثقات (١) ﴿٢٦٣﴾.
وأورده ابن الجرزى فى الموضوع. وتعقبه السيوطى قال المناوى وبالحملة فطرقه كلها ضعيفة. وأما وضعه فممنوع أهـ.
" ولحديث " ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يلبس القلانس تحت العمائم ويلبس العمائم بغير قلانس ويلبس القلانس اليمانية وهن البيض المضرية (الحديث) أخرجه الرويانى وابن عساكر (٢) ﴿٢٦٤﴾
وقال ابن عمر رضى الله عنهما كان النبى ﷺ وعلى آله وسلم إذا أعتم سدل عمامته بين كتفيه. أخرجه الترمذى (٣) ﴿٢٦٥﴾
" ولحديث " ابى الحسن العسقلانى عن ابى جعفر بن محمد بن ركانة عن ابيه أنه قال: سمعت النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: فرق ما بيننا
стр. 2117
وبين المشركين العمائم على القرنس. أخرجه أبو داود ﴿٢٦٦﴾.
قال فى الميزان: محمد بن ركانة لا يصح حديثه انفرد به ابو الحسن لا يعرف انظر ص ٤٢٩ ج ٤ فيض القدير.
(والمعنى) أن المسلمين يتعممون على القلانس. أما لبس القلنسوة وحدها فزى المشركين. قاله ابن العربى (وتقدم رقم ٢٦٤ عن) ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يلبس القلانس تحت العمائم، ويلبس العمائم بغير قلانس. ولم يرو أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس القلنسوة بغير العمائم. فيتعين أن يكون هذا زى المشركين. قاله القارى فى المرقاة (وقال) ابن تيمية: وهذا بين فى أن مفارقة المسلم للمشرك فى اللباس مطلوبة إذ الفرق بالاعتقاد والعمل بلا عمامة حاصل فلولا أنه مطلوب ايضا لم يكن فيه فائدة أهـ.
والأحاديث فى هذا كثيرة وإن كان فيها مقال فهى لكثرتها يقوى بعضها بعضا. ثم الكلام فى العمامة ينحصر فى عشرة فروع.
١ - قدر العمامة:
لم يثبت فى قدر عمامة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم حديث يصح الاعتماد عليه. فالمعول عليه فى حق كل واحد عادة أمثاله (قال) الشهاب الخفاجى فى شرحه على الشفاء: وكانت عمامته صلى الله عليه وعلى آله وسلم قصيرة صغيرة أهـ. والمراد أنها كانت مائلة الى القصر والصغر. فلا ينافى أنها
стр. 2118
كانت متوسطة (فقد قال) القسطلانى فى المواهب اللدنية. لم تكن عمامته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالكبيرة التى تؤذى حاملها، ولا بالصغير التى تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد بل وسطا بين ذلك أهـ ونحوه فى زاد المعاد.
(وقال) ابن حجر فى شرح الشمائل: وقد كانت سيرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى ملبسه أتم وأنفع للبدن، وأخف عليه فإنه لم يكن يكبر عمامته إذ كبرها يعرض الرأس للآفات كما هو مشاهد. وصغرها لا يقى من الحر والبردبل كان يجعلها وسطا بين ذلك. وظاهر كلام صاحب المدخل أنها كانت سبعة أذرع أهـ.
(وقال) فى شرح المواهب: ذكر عن النووى أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان له عمامة قصيرة ستة أذرع، وعمامة طويلة إثنا عشرة ذراعا (وقال) الحافظ فى فتاوية: لا يحضرنى فى طول عمامة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدر محدود وقد سئل عنه الحافظ عبد الغنى النابلسى فلم يذكر شيئا.
(قال) السيوطى: لم يثبت فى مقدارها حديث (وقال) ابن حجر المكى: لم يتحرر فى طولها وعرضها شئ.
" وما للطبرانى " أن طولها سبعة أذرع. ولغيره عن عائشة أنها سبعة فى عرض ذراع، وأنها كانت فى السفر بيضاء وفى الحضر سوداء من صوف، وأن عذبتها فى السفر من غيرها وفى الحضر منها "لا أصل له" وفى تصحيح المصابيح لابن الجزرى: تتبعت الكتب لأقف على قدر عمامة النبى ﷺ فلم أقف على شئ أهـ بتصرف.
(فتحصل) مما ذكر أن عمامة النبى ﷺ كانت وسطا لا كبيرة ولا صغيرة وأنه لم يثبت فى طولها وعرضها شئ. فينبغى التوسط فيها اقتداء بالنبى ﷺ .
стр. 2119
٢ - العمامة البيضاء:
ثبت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس العمامة البيضاء والسوداء والصفراء والمخططة. وأفضلها البيضاء، لعموم الأخبار الدالة على فضل الأبيض منها (حديث) سمرة بن جندب أن النبى ﷺ قال: البسوا الثياب البيض فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم. أخرجه أحمد والنسائى والبيهقى والترمذى وقال حسن صحيح، والحاكم وصححه (١) ﴿٢٦٧﴾
(وحديث) ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: البسوا من ثيابكم البيض، فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم. أخرجه أحمد والبيهقى والأربعة وصححه الترمذى والحاكم (٢) ﴿٢٦٨﴾
(وغير ذلك) من الأحاديث التى تقدم بعضها فى بحث " لبس الثوب الأبيض " (٣)
(قال) المناوى فى شرح الشمائل: والأفضل فى لبسها (يعنى العمامة) البياض " وصحة لبس " المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسواد، ونزول أكثر الملائكة يوم بدر بعمائم صفر " لا يعارضه " لأنه لمفاصد ومصالح اقتضاها خصوص ذلك المقام كما بينه بعض الأعلام، فلا ينافى عموم الخبر الصحيح الآمر بلبس البياض وأنه خير الألوان فى الحياة والممات أهـ.
(وقال) فى در الغمامة: الأفضل فى لون العمائم، البياض " وصحة " لبسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم للعمامة السوداء ونزول الملائكة يوم بدر بعمائم صفر " الظاهر " أنه لحكمة تختص بذلك اليوم، وهى إظهار أمارات السرور للمسلمين بأنهم سينصرون على عدوهم، اذ فى الأصفر من التفريح والسرور وما شهد به قائلا: " تَسُرُّ النَّاظِرِينَ " ومما يدل على اختصاص تلك الحكمة أن بعض
стр. 2120
الملائكة كانوا بعمائم سود " وبعضهم بعمائم بيض كما فى رواية، فالملائكة فى الأولى المراد بهم أكثرهم بقرينة هذه الرواية، وأمره ﷺ لأمته بلبس البياض وقال إنها خير الثياب (وفى رواية) إن أحسن ما زرتم به الله فى قبوركم ومساجدكم البياض (١) ﴿٢٦٩﴾ أهـ (وقال) فى تحفة المحتاج بشرح المنهاج: والفضل فى لونها يعنى العمامة البياض " وصحة " لبسه ﷺ لعمامة سوداء، ونزول أكثر الملائكة يوم بدر بعمائم صفر "وقائع " محتملة فلا تتنافى عموم الخبر الصحيح الأمر بلبس البياض وأنه خير الألوان فى الحياة والموت أهـ.
(وقال) العلامة محمد الكتانى: لم ار فى شئ من الآحاديث التى وقفت عليها الآن ما يصرح بلبسه ﵊ للعمامة البيضاء، إلا أن المتبادر من كلامهم ومن إيثاره صلى الله عليه وعلى آله وسلم البياض على غيره فى غالب أحواله، لبسه لها فى الغالب لا سيما فى الجمع والأعياد والمحافل. وكأن هذا هو سر عدم اعتنائهم بإشاعه ذلك وإشهار ذكره، لأنه إنما يعنى كثيرا بالأشياء النادرة المخالفة للعادة. أما الأمور الكثيرة الشهيرة الموافقة للعادة فلا يحتاج الى اشاعتها والتنصيص عليها. لأن ذلك من باب الإخبار بما هو معلوم. ثم وجدت العلامة الصبان فى كتابه " إسعاف الراغبين فى سيرة المصطفى وفضائل أهل بيته للطاهرين " قال ما نصه: ولبس - يعنى النبى ﷺ . العمامة البيضاء والسوداء والصفراء والأكثر البيضاء أهـ (٢)
(وقال) الماوردى فى الأحكام السلطانية: ينبغى للإمام أن يلبس السواد لخبر مسلم، لكن ضعفه النووى بأن الذى واظب عليه النبى صلى الله عليه وعلى
стр. 2121
آله وسلم والخلفاء الراشدون إنما هو البياض. ثم قال: الصحيح أنه يلبس البياض دون السواد، إلا أن يغلب على ظنه ترتب مفسدة عليه لذلك من جهة السلطان أو غيره أهـ.
(وقد) ورد أن الملائكة نزلوا يوم معممين بعمائم بيض (قال) الشوكانى فى تفسيره: قوله (مسومين) معلمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سوداء ويوم احد عمائم حمراء. وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية عن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء متعجرايها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (١) ﴿٣٧﴾ (وأخرج) ابن إسحاق والطبرانى عن ابن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد ارسلوها فى طهورهم، ويوم حنين عمائم حمراء ولم تضرب الملائكة فى يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون (٢) ﴿٣٨﴾
(وقال) ابن كثير: قال ابو اسحاق السبيعى عن حارثة بن مضرب عن على ابن ابى طالب قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الابيض. وكان سيماهم أيضا نواصى خيولهم. رواه ابن ابى حاتم (٣) ﴿٣٩﴾.
(وقال) الحافظ البغوى: التسويم الإعلام من السومة وهى العلامة. واختلفوا فى تلك العلامة. فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر. وقال على وابن عباس: عمائم بيض قد ارسلوها بين أكتافهم. وروى أن النبى ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: تسوموا فإن الملائكة قد تسومت بالصوف الأبيض فى قلانسهم ومغافرهم (٤) أهـ ﴿٢٧٠﴾.
стр. 2122
وقال الحافظ السيوطى فى تفسيره الدر المنثور: وأخرج ابن إسحاق والطبرانى عن ابن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاء قد ارسلوها فى ظهورهم، ويوم حنين، ولم تضرب الملائكة فى يوم سوى يوم بدر. وكانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون أهـ (١) ﴿٤٠﴾
(وقال) القرطبى فى تفسيره: قوله تعالى مسومين، بفتح الواو اسم مفعول أى معلمين بعلامات. وفى قراءة مسومين لكسر الواو اسم فاعل أى قد علموا أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم. وقد اختلفوا فى سيما الملائكة. فروى عن على ابن ابى طالب وابن عباس وغيرهما أن الملائكة اعتمت بعمائم بعمائم بيض قد ارسلوها بين أكتافهم ذكره البيهقى عن ابن عباس. وحكاه المهدوى عن الزجاج، إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء على منوال الزبير بن العوام. وروى عن ابن عباس: تسومت الملائكة يوم بدر بالصوف الأبيض فى نواصى الخيل وأذنابها (وقال) عباد بن عبد الله بن الزبير وهشام بن عروة والكلبى: نزلت الملائكة فى سيما الزبير عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم أهـ ملخصا (٢).
٣ - العمامة السوداء:
قد ثبت فى عدة أحاديث أن النبى ﷺ كان يلبس العمامة السوداء (منها) حديث أبى الزبير عن جابر أن النبى صلى الله عليه وعلى
стр. 2123
آله وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، أخرجه السبعة إلا البخارى (١) ﴿٢٧١﴾
(وحديث) عمرو بن حريث أن النبى ﷺ خطب الناس وعليه عمامة سوداء. أخرجه الترمذى فى الشمائل والسبعة إلا البخارى ﴿٢٧٢﴾ (٢).
(وحديث) ابى عبيدة الحمصى عن عبد الله بن بشر الحمصى قال. بعث رسول الله صلىعلى بن أبى طالب إلى خيبر فعممه بعمامه سوداء ثم ارسلها من ورائه، أو قال على كتفه اليسرى. أخرجه الطبرانى وحسنه السيوطى (٣) ﴿٢٧٣﴾.
(وقد) ثبت عن كثير من الصحابة والتابعين لبس العمامة السوداء اقتداء بالنبى ﷺ (منهم) على وابنه الحسن وعبد الله بن الزبير ومعاوية وأنس بن مالك وعمار بن ياسر وابن عمر وأبو الدرداء والبراء بن عازب وعبد الرحمن بن عوف وواثله بن الاسقع وسعيد بن المسيب والحسن البصرى وسعيد بن جبير وغيرهم.
(روى) عمرو بن ميمون عم أبيه قال: رايت على على بن أبى طالب عمامة
стр. 2124
سوداء قد أرخاها من خلفه. أخرجه ابن سعد وابن ابى شيبه والبيهقى (١) ﴿٤٢﴾ و (قال) أبو رزين: خطبنا الحسن بن على رضى الله عنهما وعليه ثياب سوداء وعمامة سوداء. أخرجه ابن سعد (٢) ﴿٤٣﴾، (وقال) رشدين: رايت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء حرقانية ويرخيها شبرا أو قل من شبر. أخرجه ابن سعد (٣) ﴿٤٤﴾، (وروى) عاصم بن محمد عن أبيه قال: رايت عبد الله بن الزبير اعتم بعمامة سوداء قد ارخاها من خلفه نحوا من ذراع. أخرجه ابن ابى شيبه (٤) ﴿٤٥﴾.
(وقد) أتى أبو موسى الأشعرى معاوية وهو بالنخيلة وعليه عمامة سوداء وجبة سوداء، ومعه عصا سوداء، أخرجه ابن سعد (٥) ﴿٤٦﴾.
(وقال) سلمة بن وردان: رأيت على أنس بن مالك عمامة سوداء على غير قلنسوة قد أرخاها من خلفه. أخرجه ابن سعد وابن أبى شيبة (٦) ﴿٤٧﴾
стр. 2125
(وقال) ملحان بن ثوبان: رأيت على عمار عمامة سوداء أخرجه ابن ابى شيبه وأخرجه البيهقى عن
ملحان بن ثوبان قال: كان عمار بن ياسر علينا بالكوفة وكان يخطبنا كل جمعة وعليه عمامة سوداء (١) ﴿٤٨﴾ (وقال) ابو لؤلؤة: رايت على ابن عمر عمامة سوداء. أخرجه البيهقى (٢) ﴿٤٩﴾ (وروى) زياد عن شيخ يقال له سالم قال: رايت على ابى الدرداء عمامة سوداء (٣) ﴿٥٠﴾ (وقال) حرب الخنثعى: راست على البراء عمامة سوداء (٤) ﴿٥١﴾ (وقال) عطاء: رأيت على عبد الرحمن بن عوف عمامة سوداء (٥) ﴿٥٢﴾ (وقال) حسين بن يونس: رأيت على واثلة عمامة سوداء. أخرجها ابن ابى شيبة (٦) ﴿٥٣﴾ وتمامه فى الحاوى للسيوطى.
٤ - العمامة الصفراء:
قد ورد فيها أحاديث منها (ما روى) ابو هريرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ قميص أصفر ورداء أصفر وعمامة صفراء أخرجه ابن النجار وابن عساكر فى تاريخه (٧) ﴿٢٧٤﴾ (وحديث) الفضل بن عباس قال دخلت على النبى ﷺ فى مرضه الذى توفى فيه وعلى راسه عصابة صفراء، فسلمت عليه فقال: يا فضل. قلت: لبيك يا رسول الله قال أشدد بهذه العصابة راسى ففعلت. ثم قعد فوضع كفه على منكبى ثم قام فدخل المسجد. وفى الحديث قصة. أخرجه البخارى والترمذى فى الشمائل (٨) ﴿٢٧٥﴾
стр. 2126
" وحديث " ابن عمر أن النبى ﷺ كان يصبغ بالصفرة ثيابه كلها حتى عمامته. أخرجه أبو داود والنسائى وفى سنده اختلاف. قاله المنذرى (١) ﴿٢٧٦﴾ (وحديث) عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر عليهم عمائم صفر. وكانت على الزبير يومئذ عمامة صفراء. فقال النبى ﷺ : نزلت الملائكة اليوم على سيما ابى عبد الله " كنية الزبير بن العوام " وجاء النبى ﷺ وعليه عمامة صفراء. أخرجه ابن عساكر (٢) ﴿٢٧٧﴾
٥ - العمامة المخططة:
ثبت أن النبى ﷺ تعمم بعمامة مخططة بخطوط حمر قال أنس بن مالك: رايت رسول الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فإدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم راسه ولم ينقض العمامة.
أخرجه أبو داود بسند ضعيف (٣) ﴿٢٧٨﴾
٦ - العمامة الحمراء والخضراء:
لم يثبت أن النبى ﷺ تعمم بعمامة حمراء مصمته بل
стр. 2127
ثبت أنه ﷺ نهى عن لبس الأحمر المصمت كما تقدم فى بحث " لبس الأحمر ".
(وكذا) لم يثبت عنه ولا عن أحد من أصحابه التعمم بعمامة خضراء. إنما حدثت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائه بأمر الأشرف شعبان بن حسن.
٧ - العذبة:
بفتح الذال المعجمة وهى لغة طرف الشئ. وشرعا طرف العمامة المرسل على العنق فأسفل إلى نحو ذراع. وأقلها أربعة أصابع (١) وأوسطها شبر. لا فرق بين أن يكون المرسل الطرف الأعلى أو الأسفل. وتسمى أيضا ذؤابة - بضم ففتح - وأما الطرف الأعلى الذى لم يصل إلى العنق فيسمى عذبة لغة لا شرعا.
(قال) العلامة القسطلانى: والعذبة الطرف، كعذبة السوط واللسان. أى طرفهما. فالطرف الأعلى يسمى عذبة من حيث اللغة. وإن كان مخالفا للاصطلاح العرفى الآن أهـ.
٨ - حكم العذبة:
خى سنة (لحديث) نافع عن ابن عمر: كان النبى ﷺ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه. قال نافع: وكان ابن عمر يسدل عمامته بين كتفيه. قال عبيد الله: ورايت القاسم وسالما يفعلان ذلك. أخرجه الترمذى وقال حسن غريب (٢) ﴿٢٧٩﴾.
(يحتمل) أن المسدل الطرف الأسفل أو الأعلى (قال) القسطلانى نقلا عن
стр. 2128
الحافظ العراقى: ولم ار التصريح بكون المرخى من العمامة عذبة إلا فى حديث عبد الأعلى بن عدى عند ابى نعيم فى معرفة الصحابة أنه ﷺ دعا على بن أبى طالب يوم غدير خم فعممه وارخى عذبة العمامة من خلفه ثم قال: هكذا فاعتصموا، فإن العمائم سيما الإسلام، وهى حاجز بين المسلمين والمشركين (١) ﴿٢٨٠﴾.
(وفى بعض) طرق حديث ابن عمر ما يقتضى أن الذى كان يرسله النبى ﷺ بين كتفيه الطرف الأعلى. أخرج ابو الشيخ ابن حبان وغيره عن ابى عبد السلام قلت لابن عمر: كيف كان النبى ﷺ يعتم؟ قال: كان يدير كور العمامة على راسه ويغرزها من ورائه ويرخى لها ذؤابة بين كتفيه. ذكره البدر العينى (٢) ﴿٢٨١﴾.
(وحديث) سليمان بن خر بوذ عن شيخ من أهل المدينة قال: سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول: عممنى النبى ﷺ فسدلها من بين يدى ومن خلفى. أخرجه أبو داود (٣) ﴿٢٨٢﴾ وابن خر بوذ لا يعرف وشيخه مجهول، لكنه يتقوى بغيره فيصلح حجة.
ويحتمل أن يكون ﷺ عمم ابن عوف مرتين. مرة سدلها بين يديه، ومرة من خلفه أهـ (ويؤيده) حديث عائشة أن رسول الله ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف لعمامة سوداء من قطن
وأفضل من بين يديه مثل هذه يعنى قدر أربع أصابع. أخرجه ابن أبى شيبة (٤) ﴿٢٨٣﴾
стр. 2129
(وحديث) ابن عمر أن النبى ﷺ عمم عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربعة أصابع أو نحوها ثم قال هكذا ثم قال هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن. أخرجه الطبرانى فى الأوسط بسند حسن (١) ﴿٢٨٤﴾ (وحديث) جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال: رايت النبى ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد ارخى طرفها بين كتفيه. أخرجه مسلم والأربعة (٢) ﴿٢٨٥﴾.
(وحديث) على قال: عممنى النبى ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبى وقال: إن الله أمدنى يوم بدر وحنين بملائكة معممين هذه العمامة وقال: إن العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين. اخرجه ابن أبى شيبة وأبو داود الطيالسى (٣) ﴿
٢٨٦﴾.
(فائدة) إذا أرخى العذبة من بين اليدين، فالأفضل إرخاؤها من الجانب اليمن " لقول" ابى أمامة: كان رسول الله ﷺ لا يولى واليا حتى يعممه ويرخى لها من الجانب الأيمن نحو الأذن. أخرجه الطبرانى فى الكبير، وفى سنده جميع بن ثوب وهو ضعيف (١) ﴿٢٩٣﴾، لكن يقويه ما ثبت من أنه ﷺ كان يحب التيامن فى شأنه كله.
(وهذا) والأحاديث الدالة صراحة على أن ارخاء العذبة من سنن الرسول
стр. 2137
صلى الله عليه وسلم الثابتة بامره وفعله وتقريره ﷺ أكثر من أن تحصر. وبكفى ما رؤيناه آنفا ما بين صحيح وحسن.
(وليس) فى شئ من هذه الاحاديث ولا غيرها أن العذبة كانت عريضة جعلوها على القفا وقاية من حر الشمس. أو عادة من عادات العرب فليست عبادة يتعبد بها. ولا قرية يتقرب بها الى الله تعالى. فلا قدوة فيها كما يزعمه بعض الناس، بل هو زعم باطل لوجوه (منها) قول رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف - حين عممه وأرسل من خلفه اربعة اصابع ونحوها - " هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن " كما تقدم رقم ٢٨٤.
(أيأمر) ﷺ بشئ تعود فعله المأمور؟ وما معنى هذا الأمر إذا؟ وما معنى الترغيب فيه بقوله: إنه أعرب وأحسن؟
(ومنها) ما تقدم قريبا عن أبى أمامة قال: كان رسول الله ﷺ لا يولى واليا حتى يعممه ويرخى لها (يعنى عذبة) من الجانب اليمن نحو الأذن (أكان) اهتمامه ﷺ بشان الولاة لتعليمهم عادة اعتادها العرب ودرجوا عليها؟ كلا لا هذا ولا ذاك. وإنما فعل الرسول ﷺ ذلك، لأن الولاة هم قادة العامة فينبغى أن يمونوا المثل الأعلى فى جميع أحوالهم وأطوارهم وهيئاتهم، لأنهم إذا صلحوا صلحت الرعية، وإذا فسدوا فسدت فقد قيل: الناس على دين ملوكهم.
ولذا كان الرسول ﷺ لا يولى إلا من كان جائزا صفات الكمال. وكان مع ذلك يوصيه بتقوى الله فى نفسه وفى العامة. ويعلمه كيف سحين المعاملة مع الله تعالى ومع الناس. فماعمم ﷺ الولاة، وأمرهم بأن يعتموا بهذه الكيفية، إلا لكونها أحسن الهيئات شكلا، واجملها منظرا. وأكملها هيبة وعملا.
ولا شك أن هذا دليل واضح على أن إرسال العذبة أمر مطلوب يعنى
стр. 2138
به حيث إن النبى ﷺ فعلها بيده الشريفة لأمرائه وأمرهم بفعلها، وبين لهم مزيتها.
(ولو سلمنا) جدلا أن ارسال العذبة عادة عربية وقد فعلها رسول الله ﷺ لنفسه ولغيره وأمر بفعلها، فإنها تصير سنة شرعية يثاب على فعلها، إذ لا ريب أن الاقتداء بفعل رسول الله ﷺ وامتثال أمره قربة جليلة يتقرب بها الى الله تعالى.
(ولولا) تركه ﷺ لها أحيانا وإقراره على تركها فى بعض الأوقات، لكانت واجبة، إذا الأصل فى الأمر الوجوب كما هو معروف
(والحاصل) أن إرسال العذبة سنة عن رسول الله ﷺ ثابته بقوله وفعله وأمره وتقريره ﷺ إن جاء العذبة بأنه أعرب وأحسن.
(ولذا) اتفق السلف والخلف على أن العمامة والعذبة من السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ إلا أنهم اختلفوا فى أن العذبة سنة مؤكدة أو مستحبة.
٩ - بعض نصوص الفقهاء فى العذبة
(أ) نصوص السادة الحنفيين:
(قال) العلامة الحصكفى فى الدر المختار شرح تنوير الأبصار: وندب لبس السواد وإرسال ذنب العمامة بين كتفيه إلى وسط الظهر. وقيل لموضع الجلوس وقيل شبر أهـ (وكتب) عليه العلامة ابن عابدين ما نصه: لأن محمدا ذكر فى السير الكبير فى باب الغنائم حديثا يدل على أن لبس السواد مستحب، وأن من اراد أن يحدد اللف لعمامته ينبغى له أن ينقضها كورا كورا، فإن ذلك أحسن من رفعها عن الرأس وإلقائها فى الأرض دفعة واحدة، وأن المستحب ارسال ذنب العمامة بين الكتفين أهـ. ومثله فى البحر وشرح منلا مسكين والطائى والعينى على الكنز
(وقال) فى الدر المنتفى شرح الملتقى: والسنى إرخاء طرف العمامة بين
стр. 2139
كتفيه قدر شبر، هكذا فعله ﵊، وقيل إلى وسط الظهر وقيل إلى موضع الجلوس أهـ ونحوه الأنهر شرح ملتقى الأبحر.
(وفى صرة الفتاوى) سئل صاحب المنح عن إرسال العذبة هل هو سنة للخواص والعوام؟ وهل تارك العذبة يكون فاسقا أولا؟ ولو ضحك إنسان على من يرسل العذبة هل يكفر أولا؟ (فأجاب) المنقول فى الكتب المعتمدة كالخلاصة والزيلعى وشرح الشرعة أن العذبة مستحبة. وهى غرسال ذنب العمامة بين الكتفين: واختلفوا فى قدره. قيل شبر. وقيل إلى وسط الظهر. وقيل إلى موضع الجلوس. ولا فرق بين الخواص والعوام، ولا يفسق بتركه، لكنه سئ وكراهية. فيأثم ولو ييسير، لأن السنة طريقه الرسول ﷺ والصحابة. وسبيلها الإحياء دون الإماتة، وكانت حقا علينا فعوتبنا على تركها إلا أن يكون الترك على طريق التهاون والاستخفاف، فحينئذ يكفر أو يفسق لرجوع ذلك الى صاحبها. هذا إذا ترك سنة الهدى. وأما سنن الزوائد فتاركها لا يستوجب إساءته (وعن الخلاصة) لو قال: قصصت شاربك وألقيت العمامة على العاتق استخفاقا، بكفر. أو قال ما أقبح امرأة قص شاربه ولف طرف العمامة على النق، كفر أهـ.
(ويأتى) بيان سنن الهدى وسنن الزوائد بيانا شافيا إن شاء الله تعالى.
(وقال) فى الشرعة وشرحها للسيد على زاده: (ولبس العمامة حلم ووقار) أى دليل عليهما، وهى تيجان العرب. وقد لبس ﷺ عمامة سوداء (ويسدل) أى يرخى المتعمم (عمامته مطلقا بين كتفيه) فإنه سنة مستحبة ايضا (وفى) خزانة الفتاوى: والمستحب ارسال ذنب العمامة بين كتفيه الى وسط الظهر، ومنهم من قال الى موضع الجلوس ومنهم من قدر بالشبر. ولا باس بلبس القرنس، وليس السواد مستحب أهـ.
(وفى الجامع الصغير) لقاضيخان أن الشبر للعوام، وإلى وسط الظهر لطلبة العلم وإلى المقعد للمقتى. وارساله بين الكتفين كما عرفت. وقيل ما بين الأذنين وقيل أى موضع كان. وقيل إرساله من القدام سنة.
стр. 2140
(وفى شرح) الشمائل لابن حجر الهيتمى. عمم النبى ﷺ ابن عوف وسدل لها بين يديه ومن خلفه. ثم قال: فالسنة تحصل بكل، لكن الأفضل ما بين الكتفين. ويحتمل أن السدل من وراء وأمام لمن اراد إرخاء طرفيها، وإلا فالمكتفى بواحد فالأفضل بين الكتفين ثم المنكب، وأنه ﵊ لم يسدل دائما (وعن) عبد الحق: السنة غرخاء طرفها ويتحنك به وإلا فمكروه، قيل لمخالفته السنة، وقيل لأنه عمائم الشيطان أهـ.
(وقال) الخادمى فى البريقة على الطريقة المحمدية: والتسويم الذى هو غرخاء ذنب العمامة هو المشار اليه بقوله تعالى: ﴿يُمِددْكُمْ رَبُكُمْ بِخَمْسَةِ آلآفِ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوّمِينَ﴾. (١) وعن الطيبى التسويم سنة مؤكدة وقيل مستحب أهـ.
(وقال) مثلا على القارى فى شرحه على الشمائل للترمذى: قال ميرك وقد ثبت فى السير بروايات صحيحة أن النبى ﷺ كان يرخى علاقته أحيانا بين كتفيه، وأحيانا يلبس العمامة من غير علاقة أهـ.
(وقال) البغوى فى شرح السنة: قال محمد بن قيس رايت ابن عمر معتما قد ارسلها بين يديه ومن خلفه. فعلم مما تقدم أن الإتيان بكل واحد من تلك الأمور سنة أهـ ونصوص السادة الحنفية فى هذا كثيرة.
(وحاصل) مذهبهم أنهم اتفقوا على أن العذبة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقربة يتقرب بها الى الله تعالى، لا فرق فى ذلك بين الخواص والعوام، ولا بين الولاة والرعية. ولم يقدروا فى عرضها شيئا. أما طولها فقد علمت ما فيه، وأن من استهزأ بها كفر والعياذ بالله تعالى.
(وكذا) العمامة السوداء ولف طرف العمامة تحت الحنك. والكمال الجمع بين العذبة والتحنيك. وإنما خلافهم فى كونها سنة مؤكدة أو مندوبة.
(ب) كلام السادة المالكية:
(قال) الشيخ على العدوى فى حاشيته على شرح أبى الحسن لرسالة ابن ابى زيد