(فائدة) إذا أرخى العذبة من بين اليدين، فالأفضل إرخاؤها من الجانب اليمن " لقول" ابى أمامة: كان رسول الله ﷺ لا يولى واليا حتى يعممه ويرخى لها من الجانب الأيمن نحو الأذن. أخرجه الطبرانى فى الكبير، وفى سنده جميع بن ثوب وهو ضعيف (١) ﴿٢٩٣﴾، لكن يقويه ما ثبت من أنه ﷺ كان يحب التيامن فى شأنه كله.
(وهذا) والأحاديث الدالة صراحة على أن ارخاء العذبة من سنن الرسول
стр. 2137
صلى الله عليه وسلم الثابتة بامره وفعله وتقريره ﷺ أكثر من أن تحصر. وبكفى ما رؤيناه آنفا ما بين صحيح وحسن.
(وليس) فى شئ من هذه الاحاديث ولا غيرها أن العذبة كانت عريضة جعلوها على القفا وقاية من حر الشمس. أو عادة من عادات العرب فليست عبادة يتعبد بها. ولا قرية يتقرب بها الى الله تعالى. فلا قدوة فيها كما يزعمه بعض الناس، بل هو زعم باطل لوجوه (منها) قول رسول الله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف - حين عممه وأرسل من خلفه اربعة اصابع ونحوها - " هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن " كما تقدم رقم ٢٨٤.
(أيأمر) ﷺ بشئ تعود فعله المأمور؟ وما معنى هذا الأمر إذا؟ وما معنى الترغيب فيه بقوله: إنه أعرب وأحسن؟
(ومنها) ما تقدم قريبا عن أبى أمامة قال: كان رسول الله ﷺ لا يولى واليا حتى يعممه ويرخى لها (يعنى عذبة) من الجانب اليمن نحو الأذن (أكان) اهتمامه ﷺ بشان الولاة لتعليمهم عادة اعتادها العرب ودرجوا عليها؟ كلا لا هذا ولا ذاك. وإنما فعل الرسول ﷺ ذلك، لأن الولاة هم قادة العامة فينبغى أن يمونوا المثل الأعلى فى جميع أحوالهم وأطوارهم وهيئاتهم، لأنهم إذا صلحوا صلحت الرعية، وإذا فسدوا فسدت فقد قيل: الناس على دين ملوكهم.
ولذا كان الرسول ﷺ لا يولى إلا من كان جائزا صفات الكمال. وكان مع ذلك يوصيه بتقوى الله فى نفسه وفى العامة. ويعلمه كيف سحين المعاملة مع الله تعالى ومع الناس. فماعمم ﷺ الولاة، وأمرهم بأن يعتموا بهذه الكيفية، إلا لكونها أحسن الهيئات شكلا، واجملها منظرا. وأكملها هيبة وعملا.
ولا شك أن هذا دليل واضح على أن إرسال العذبة أمر مطلوب يعنى
стр. 2138
به حيث إن النبى ﷺ فعلها بيده الشريفة لأمرائه وأمرهم بفعلها، وبين لهم مزيتها.
(ولو سلمنا) جدلا أن ارسال العذبة عادة عربية وقد فعلها رسول الله ﷺ لنفسه ولغيره وأمر بفعلها، فإنها تصير سنة شرعية يثاب على فعلها، إذ لا ريب أن الاقتداء بفعل رسول الله ﷺ وامتثال أمره قربة جليلة يتقرب بها الى الله تعالى.
(ولولا) تركه ﷺ لها أحيانا وإقراره على تركها فى بعض الأوقات، لكانت واجبة، إذا الأصل فى الأمر الوجوب كما هو معروف
(والحاصل) أن إرسال العذبة سنة عن رسول الله ﷺ ثابته بقوله وفعله وأمره وتقريره ﷺ إن جاء العذبة بأنه أعرب وأحسن.
(ولذا) اتفق السلف والخلف على أن العمامة والعذبة من السنن الثابتة عن رسول الله ﷺ إلا أنهم اختلفوا فى أن العذبة سنة مؤكدة أو مستحبة.
٩ - بعض نصوص الفقهاء فى العذبة
(أ) نصوص السادة الحنفيين:
(قال) العلامة الحصكفى فى الدر المختار شرح تنوير الأبصار: وندب لبس السواد وإرسال ذنب العمامة بين كتفيه إلى وسط الظهر. وقيل لموضع الجلوس وقيل شبر أهـ (وكتب) عليه العلامة ابن عابدين ما نصه: لأن محمدا ذكر فى السير الكبير فى باب الغنائم حديثا يدل على أن لبس السواد مستحب، وأن من اراد أن يحدد اللف لعمامته ينبغى له أن ينقضها كورا كورا، فإن ذلك أحسن من رفعها عن الرأس وإلقائها فى الأرض دفعة واحدة، وأن المستحب ارسال ذنب العمامة بين الكتفين أهـ. ومثله فى البحر وشرح منلا مسكين والطائى والعينى على الكنز
(وقال) فى الدر المنتفى شرح الملتقى: والسنى إرخاء طرف العمامة بين
стр. 2139
كتفيه قدر شبر، هكذا فعله ﵊، وقيل إلى وسط الظهر وقيل إلى موضع الجلوس أهـ ونحوه الأنهر شرح ملتقى الأبحر.
(وفى صرة الفتاوى) سئل صاحب المنح عن إرسال العذبة هل هو سنة للخواص والعوام؟ وهل تارك العذبة يكون فاسقا أولا؟ ولو ضحك إنسان على من يرسل العذبة هل يكفر أولا؟ (فأجاب) المنقول فى الكتب المعتمدة كالخلاصة والزيلعى وشرح الشرعة أن العذبة مستحبة. وهى غرسال ذنب العمامة بين الكتفين: واختلفوا فى قدره. قيل شبر. وقيل إلى وسط الظهر. وقيل إلى موضع الجلوس. ولا فرق بين الخواص والعوام، ولا يفسق بتركه، لكنه سئ وكراهية. فيأثم ولو ييسير، لأن السنة طريقه الرسول ﷺ والصحابة. وسبيلها الإحياء دون الإماتة، وكانت حقا علينا فعوتبنا على تركها إلا أن يكون الترك على طريق التهاون والاستخفاف، فحينئذ يكفر أو يفسق لرجوع ذلك الى صاحبها. هذا إذا ترك سنة الهدى. وأما سنن الزوائد فتاركها لا يستوجب إساءته (وعن الخلاصة) لو قال: قصصت شاربك وألقيت العمامة على العاتق استخفاقا، بكفر. أو قال ما أقبح امرأة قص شاربه ولف طرف العمامة على النق، كفر أهـ.
(ويأتى) بيان سنن الهدى وسنن الزوائد بيانا شافيا إن شاء الله تعالى.
(وقال) فى الشرعة وشرحها للسيد على زاده: (ولبس العمامة حلم ووقار) أى دليل عليهما، وهى تيجان العرب. وقد لبس ﷺ عمامة سوداء (ويسدل) أى يرخى المتعمم (عمامته مطلقا بين كتفيه) فإنه سنة مستحبة ايضا (وفى) خزانة الفتاوى: والمستحب ارسال ذنب العمامة بين كتفيه الى وسط الظهر، ومنهم من قال الى موضع الجلوس ومنهم من قدر بالشبر. ولا باس بلبس القرنس، وليس السواد مستحب أهـ.
(وفى الجامع الصغير) لقاضيخان أن الشبر للعوام، وإلى وسط الظهر لطلبة العلم وإلى المقعد للمقتى. وارساله بين الكتفين كما عرفت. وقيل ما بين الأذنين وقيل أى موضع كان. وقيل إرساله من القدام سنة.
стр. 2140
(وفى شرح) الشمائل لابن حجر الهيتمى. عمم النبى ﷺ ابن عوف وسدل لها بين يديه ومن خلفه. ثم قال: فالسنة تحصل بكل، لكن الأفضل ما بين الكتفين. ويحتمل أن السدل من وراء وأمام لمن اراد إرخاء طرفيها، وإلا فالمكتفى بواحد فالأفضل بين الكتفين ثم المنكب، وأنه ﵊ لم يسدل دائما (وعن) عبد الحق: السنة غرخاء طرفها ويتحنك به وإلا فمكروه، قيل لمخالفته السنة، وقيل لأنه عمائم الشيطان أهـ.
(وقال) الخادمى فى البريقة على الطريقة المحمدية: والتسويم الذى هو غرخاء ذنب العمامة هو المشار اليه بقوله تعالى: ﴿يُمِددْكُمْ رَبُكُمْ بِخَمْسَةِ آلآفِ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوّمِينَ﴾. (١) وعن الطيبى التسويم سنة مؤكدة وقيل مستحب أهـ.
(وقال) مثلا على القارى فى شرحه على الشمائل للترمذى: قال ميرك وقد ثبت فى السير بروايات صحيحة أن النبى ﷺ كان يرخى علاقته أحيانا بين كتفيه، وأحيانا يلبس العمامة من غير علاقة أهـ.
(وقال) البغوى فى شرح السنة: قال محمد بن قيس رايت ابن عمر معتما قد ارسلها بين يديه ومن خلفه. فعلم مما تقدم أن الإتيان بكل واحد من تلك الأمور سنة أهـ ونصوص السادة الحنفية فى هذا كثيرة.
(وحاصل) مذهبهم أنهم اتفقوا على أن العذبة سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقربة يتقرب بها الى الله تعالى، لا فرق فى ذلك بين الخواص والعوام، ولا بين الولاة والرعية. ولم يقدروا فى عرضها شيئا. أما طولها فقد علمت ما فيه، وأن من استهزأ بها كفر والعياذ بالله تعالى.
(وكذا) العمامة السوداء ولف طرف العمامة تحت الحنك. والكمال الجمع بين العذبة والتحنيك. وإنما خلافهم فى كونها سنة مؤكدة أو مندوبة.
(ب) كلام السادة المالكية:
(قال) الشيخ على العدوى فى حاشيته على شرح أبى الحسن لرسالة ابن ابى زيد
стр. 2141
القيروانى فى باب الجنائز فى مبحث التكفين عطفا على مستحبات الكفن وكذا يستحب عذبة فى العمامة ولا يختص استحباب العذبة بالميت إذا الحى كذلك أهـ.
(وقال) ابن الحاج فى المدخل: وردت السنة بالرداء وكذلك العمامة والعذبة، لكن الرداء كان اربعة أذرع ونصفا أو نحوها. والعمامة سبعة أذرع ونحوها. يخرجون منها التلحية والعذبة. والباقى عمامة، على ما نقله الإمام الطبرى رحمة الله فى كتابه (وقال) أشهب: كان مالك رحمة الله إذا اعتم جعل منها تحت ذقنه وأسدل طرفها بين كتفيه (قال) بعض العلماء: السنة فى العمامة أن يسدل طرفها إن شاء أمامه بين يديه وإن شاء خلفه بين كتفيه.
وقال: لابد من التحنيك فى الهيئتين (وفى) مسلم وأبى داود والنسائى عنه ﵊ أنه أرخى طرف عمامته بين كتفيه.
(وقال) القرافى رحمة الله: ما أفتى مالك حتى أجازه أربعون محنكا أهـ " وما " حكاه القرافى رحمة الله من أن مالكا رحمة الله ما افتى حتى أجازه اربعون محنكا " دليل " على أن العذبة دون تحنيك يخرج بها عن المكروه، لأن وصفهم بالتحنيك دليل على أنهم قد امتازوا به دون غيرهم. وإلا فما كان لوصفهم بالتحنيك فائدة، إذ الكل مجتمعون فيه. وإذا كانت العمامة من باب المباح فلابد فيها من فعل سنن تتعلق بها فى تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد إن كان مما يلبس جديدا، وامتثال السنة فى صفة التعميم من فعل التحنيك والعذبة وتصغير بقدر سبعة اذرع أو نحوها، يخرجون فيه أهـ ملخصا.
وهذا بإطلاقه يتناول الخواص والعوام الصوفية وغيرهم.
(ج) كلام السادة الشافعية:
(قال) العلامة ابن حجر فى شرح التحفة على المنهاج: وجاء فى العذبة أحاديث كثيرة منها صحيح ومنها حسن. ناصة على فعله صلى الله عليه وعلى آله
стр. 2142
وسلم لها لنفسه ولجماعة من أصحابه، وعلى أمره بها. ولأجل هذا تعين " تأويل " قول الشيخين النووى والرافعى وغيرهما: ومن تعمم فله فعل العذبة وتركها. ولا كراهة فى واحد منهما. زاد المصنف أى النووى: لأنه لم يصح فى النهى عن ترك العذبة شئ " بأن المراد " بقوله: له فعل العذبة، الجواز الشامل للندب. وتركه ﷺ لها فى بعض الأحيان، إنما يدل على عدم وجوبها أو عدم تأكد ندبها. وقد استدلوا بكونه ﷺ ارسلها بين الكتفين تارة وألى الجانب الأيمن أخرى على أن كلا منهما سنة. وهذا تصريح منهم بأن أصلها سنة، لأن السنية فى إرسالها إذا أخذت من فعله صلى عليه وسلم لها، فاولى أن تؤخذ سنية اصلها من فعله لها وأمره بها متكررا.
(ثم) غرسالها بين الكتفين افضل منه على الأيمن، لأن حديث الأول اصح.
(وكأن) حكمة ندبها ما فيها من الجمال وتحسين الهيئة (وقد) قال بعض الحفاظ: أقل ما ورد فى طولها أربع أصابع، وأكثر ما ورد ذراع وبينهما شبرا أهـ.
(ويحرم) إفحاش طولها بقصد الخيلاء (ولو خشى) من إرسالها نحو خيلاء لم يؤمر بتركها خلافا لمن زعمه، بل يفعلها ويجاهد نفسه فى إزالة نحو الخيلاء أهـ ملخصا.
(وبذا) تزداد علما بأن من أدعى أن فعل العذبة ليس مندوبا بل هو من باب المباح مستندا فى دعواه المذكورة الى قول النووى: فله فعل العذبة وتركها، فهو مخطئ: على أن كلام النووى نفسه فى شرح المهذب يفيد ندبيه إرسالها حيث قال: ولم يصح فى النهى عن ترك إرسالها شئ، وصح فى الإرخاء الأحاديث السابقة أهـ.
(وقال) العلامة المناوى فى شرحه على الشمائل للترمذى: العذبة سنة مؤكدة محفوظة لم يرض الصلحاء تركها. وقد جاء فيها احاديث كثيرة ما بين صحيح وحسن، ناصة على فعل المصطفى ﷺ لها لنفسه ولجماعة من صحبة وعلى أمره بها. ثم إرسالها بين الكتفين افضل منه على الأيمن
стр. 2143
لأن حديث الأول اقوى وأصح (وكأن) حكمة سنها ما فيها من تحسين الهيئة (قال) بعض الحفاظ: وأقل ما ورد فى طولها اربع اصابع وأكثر ما ورد ذراع. وبينهما شبر. ويحرم إفحاش طولها بقصد الخيلاء (قال) الشافعى: ولو خاف من إرسالها نحو الخيلاء لم يؤمر بتركها، بل يفعلها ويجاهد نفسه (ولا) يسن تحنيك العمامة عند الشافعية. واختار بعض الحفاظ ما عليه كثيرون أنه يسن. وهو تحويق الرقبة وما تحت الحنك واللحية ببعض العممة (وأطالوا) فى الاستدلال عليه بما رد عليهم، وممن جرى على ندبه صاحب الهدى. وقد جاء أن النبى ﷺ كان يدخل عمامته تحت حنكه أهـ ملخصا.
(وقال) شيخ الإسلام الباجورى فى حاشيته على الشمائل بعد كلام: وقد استفيد من الحديث أن العذبة سنة. وكأن حكمه سنها ما فيها من تحسين الهيئة وإرسالها بين الكتفين أفضل. وإذا وقع إرسالها بين اليدين كما يفعله بعض الصوفية وبعض أهل العلم، فهل الأفضل إرسالها بين اليدين كما يفعله بعض الصوفية وبعض اهل العلم، فهل الأفضل ارسالها من الجانب الأيمن لشرفه أو من الجانب الأيسر كما هو المعتاد، وفى حديث ابى أمامة عند الطبرانى ما يدل على تعيين الأيمن، لكنه ضعيف. وأشار بقوله " يعنى الترمذى " وكان ابن عمر يفعل ذلك. وقوله: ورايت القاسم بن محمد وسالما يفعلان ذلك أى السدل بين الكتفين، إلى أنه سنة مؤكدة محفوظة لم يتركها الصلحاء (وبالجملة) فقد جاء فى العذبة أحاديث كثيرة ما بين صحيح وحسن أهـ ملخصا.
(د) كلام السادة الحنبلية:
(قال) فى الإقناع وشرحه كشاف القناع (و) يسن (إرخاء الذؤابة خلفه) (قال الشيخ: إظالتها) أى الذؤابة (كثيرا من الإسبال) أى المنهى عنه وإن ارخى طرفها بين كتفيه فحسن، قاله الاجرى، وارخاها أبن الزبير من خلفه قدر ذراع وعن أنس نحوه، ذكر فى الآداب (ويسن تحنيكها) أى العمامة لأن عمائم المسلمين كانت كذلك على عهده ﷺ أهـ.
стр. 2144
(وقال) العلامة السفارينى فى غذاء الألباب: روى عنه ﵊ أنه عمم عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه بعمامة سوداء وارخاها من خلفه قدر أربع أصابع. وقال: هكذا فاعتم فإنه أعرب وأجمل (١) ووفى الفروع وتبعه فى الإقناع وغيره قال شيخنا - يعنى شيخ الأسلام - وإطالتها كثيرا من الإسبال. وقال الآجرى: وإن أرخى طرفيها بين كتفيه فحسن.
(وأخرج) الترمذى وحسنه عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه (٢) (وروى) مسلم وأبو داود وابن حبان عن عمرو بن حريث قال: كأنى أنظر الى رسول الله ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد ارخى طرفها بين كتفيه (٣).
(وروى) مسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائى عن جابر رضى الله عنه قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء زاد النسائى: قد ارخى طرف العذبة بين كتفيه (٤) (وروى) الطبرانى عن ثوبان رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اعتم ارخى عمامته بين يديه ومن خلفه. وفى إسناده الحجاج بن رشدين وهو ضعيف (٥) ﴿٢٩٤﴾
(وروى) أيضا عن ابن عمر مرفوعا: عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة، وأرخوها خلف ظهوركم (٦) ﴿٢٩٥﴾ (وروى) أيضا بسند ضعبق عن أبى أمامة قال: كان رسول الله ﷺ لا يولى واليا حتى يعممه ويرخى لها عذبه من الجانب الأيمن نحو الأذن (٧) (قال) الإمام المحقق فى الهدى:
стр. 2145
كان ﷺ يتلحى بالعمامة تحت الحنك (١) أهـ ثم قال السفارينى (روى) ابو يعلى والبزار برجال ثقات وابن أبى الدنيا والطبرانى والبيهقى فى الزهد وحسن إسناده أبو الحسن الهيثمى عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهز لسرية يبعثه عليها، فاصبح عبد الرحمن وقد اعتم بعمامة كراييس سوداء فنقضها رسول الله ﷺ وعممه وارخى أربع اصابع أو قريبا من شبر. قال يا بن عوف هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن (٢) ﴿٢٩٦﴾ (وقال) صاحب القاموس فى شرحه على البخارى: كان لرسول الله ﷺ عذبة طويلة نازلة بين كتفيه وتارة على كتفه وأنه ما فارق العذبة قط أهـ.
(ومن علم) أن العذبة سنة فتركها استنكافا عنها آثم، وغير مستنكف فلا (قلت) وظاهر كلام اصحابنا كراهة العمامة الصماء، بل صرحوا بذلك منهم صاحب الإقناع وشارح المنتهى (وفى الآداب) لا خلاف فى استحباب العمامة المحنكة وكراهة الصماء (وقد علمت) أن التحنيك مسنون وهو التلحى.
(قال) الشمس الشامى: التلحى سنة النبى ﷺ والسلف الصالح (وقال) الإمام ابن مفلح فى آدابه الكبرى: مقتضى كلامه فى الرعاية استحباب الذؤابة لكل أحد كالتحنيك يعنى يجمع بين التحنيك والذاؤبة. وفى الاداب الكبرى: ومن أحب أن يجدد العمامة فعل كيف أحب فى نقضها.
(واختلف) العلماء فى مكان إرسال العذبة على أقوال (الأول) إرسالها من بين يديه ومن خلفه ففى الطبرانى بسند ضعيف عن ثوبان رضى الله عنه: أن رسول الله ﷺ إذا اعتم أرخى عمامته من بين يديه ومن خلفه (٣) ﴿٢٩٧﴾ وروى ابو داود سند ضعيف عن عبج الرحمن بن عوف
стр. 2146
أنه قال: عممنى رسول الله ﷺ فسدلها من بين يدى ومن خلفى (١) ﴿٢٩٨﴾ (والحديث) الثابت من عدة طرق أنه لما عممه أرسل العذبة من خلفه.
(الثانى) إرسالها من الجانب الأيمن فقد روى الطبرانى بسند ضعيف عن أبى أمامة قال: كان رسول الله ﷺ لا يولى واليا حت يعممه بعمامة ويرخى لها عذبة من الجانب الأيمن نحو الأذن (٢) ﴿٢٩٩﴾
(الثالث) إرسالها من الجانب الأيسر وهذا عليه عمل كثير من الصوفية (وقد) روى الطبرانى بسند حسن، والضياء المقدسى فى المختارة عن عبد الله ابن بشر قال: بعث رسول الله ﷺ عليا إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء ثم ارسلها وراءه. أو قال على كتفه اليسرى، هكذا بالشك (٣) ﴿٣٠٠﴾ (الرابع) إرسالها خلف ظهره بين كتفيه، وهذا هو الأكثر الأشهر الصحيح أهـ كلام السفارينى ملخصا (وقد) أطال رحمة الله تعالى فى ذلك إطالة حسنة فراجعه إن شئت.
١٠ - فتاوى أئمة عصرنا فى العذبة:
ولهذه النصوص أفتى علماء عصرنا أن العذبة سنة ثابته عن رسول الله ﷺ فعلها لنفسه ولغيره من أصحابه وأمر بفعلها متكررا. وفعلها الصحابة رضى الله عنهم والتابعون والأئمة والصالحون. وأن
التحنيك سنة أيضا وأن العمامة الخالية عنهما مكروهة. وأن الكمال الجمع بين العذبة والتحنيك (٤).
(ولم يقل) أحد من أرباب المذاهب: إن العذبة أو التحنيك أو العمامة
стр. 2147
السوداء تسن فى زمن دون آخر، أو تختص بطائفة دون أخرى، وغير ذلك مما يبوقله أهل الافتراء والأهواء من الهذيان الذى ينادى عليهم بأنهم لا يعرفون شيئا من واضح أحكام الدين.
وأين أولئك المجازفون المفترون من نحو قوله ﷺ : من تمسك بسنتى عند فساد أمتى فله أجر مائه شهيد. أخرجه البيهقى عن ابن عباس (١) ﴿٣٠١﴾ وقوله ﷺ : من أحيا سنتى فقد أحبنى ومن احبنى كان معى فى الجنة. رواه السجزى فى الإبانة عن أنس (٢) ﴿٣٠٢﴾.
(فإن لم) يكن العمل بالسنة - لا سيما ما دثر منها عند فساد أهل الزمان وإعراضهم عن العمل بالوارد عن رسول الله ﷺ (عملا) قيما جليلا، فما فائدة هذا الترغيب الصادر من المبعوث رحمة للعالمين؟ ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ﴿وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (٣)
(الثامن) سنن الهدى والزيادة
بعدما تقدم من الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة. نرى بعض من لم يوفق لإرسال عذبة العمامة يقول: العذبة من سنن الزوائد وهى لاثواب فى فعلها ولا عتاب فى تركها. يقصد بذلك رفع اللوم عنه فى عدم إرخائه العذبة. وهذا خطأ منه، لأن إرخاء العذبة من سنن الهدى لا الزوائد، لما تقدم من الأحاديث النبوية، والنصوص الفقهية الناطفة بأن النبى ﷺ فعلها لنفسه ولغيره وأمر بفعلها وقال: إنها أعرب وأحسن وأجمل. وسنن الهدى يثاب على فعلها ويلام على تركها. وعلى فرض أنها من سنن الزوائد فسنن الزوائد يثاب عليها، فلا يعقل أن فعلها وتركها سواء.
стр. 2148
(وهناك) الفرق بين سنن الهدى وسنن الزوائد.
(وأما) سنة الهدى فهى التى واظب عليها النبى ﷺ تعبدا وابتغاء مرضاة الله مع الترك مرة أو مرتين بلا عذر، أو لم يتركها أصلا لكنه لم ينكر على التارك.
(قال) العلامة النسفى فى شرحه على المنار: سنة الهدى أخذها هدى وتركها ضلالة أهـ (وقال) الكمال ابن الهمام فى التحرير وشرحه: سنن الهدى هى ما يكون إقامتها تكميلا للدين تاركها بلا عذر على سبيل الإصرار مضلل ملوم أهـ (وفى شرح) نور الأنوار على المنار: ترك سنة الهدى يستوجب إساءة كالعتاب واللوم أهـ (وقال) منلا خسروا فى المرقاة وشرحه: سنة الهدى مكملة للدين وتاركها مسئ يستحق اللوم كصلاة العيد والأذان والإقامة والصلاة بالجماعة والسنن الرواتب أهـ.
(وأما) سنن الزوائد فقد عرفوها بالمثال (قال) فى المنار وشرحه نور الأنوار: سنن الزوائد هى كسير النبى ﷺ فى لباسه وقعوده وقيامه (إلى أن قال) فهذه كلها من سنن الزوائد يثاب المرء على فعلها ولا يعاقب على تركها وهو فى معنى المستحب، إلا أن المستحي ما أحبه العلماء. وهذا ما اعتاده النبى ﷺ أهـ.
(وقال) العلامة ابن عابدين فى رد المختار: السنة نوعان: سنة الهدى، وتركها يوجب إساءة وكراهية كالجماعة والأذان والإقامة ونحوها. وسنة الزوائد، ونركها لا يوجب ذلك كسير النبى ﷺ فى لباسه وقيامه وقعوده، والنفل ومنه المندوب يثاب فاعله ولا يسئ تاركه، وقيل هو دون سنن الزوائد.
(وقد) مثلوا لسنة الزوائد ايضا بتطويله ﵊ القراءة والركوع والسجود، ولا شك فى كون ذلك عبادة، وحينئذ فمعنى كون سنة الزوائد عادة أن النبى ﷺ واظب عليها حتى صارت عادة له ولم يتركها إلا أحيانا، لأن السنة هى الطريقة المسلوكة فى الدين، فهى فى نفسها
стр. 2149
عبادة، وسميت عادة لما ذكرنا. ولما لم تكن من مكملات الدين وشعائره سميت سنة الزوائد بخلاف سنة الهدى، وهى السنن المؤكدة القريبة من الواجب التى يضلل تاركها لأن تركها استخفاف بالدين (وبخلاف) النفل فإنه كما قالوا: ما شرع لنا زيادة على الفرض، والواجب والسنة بنوعيها. ولذا جعلوه قسما رابعا وجعلوا منه المندوب والمستحب وهو ما ورد به دليل ندب يخصه كما فى التحرير.
(فالنفل) ما ورد به دليل ندب عموما أو خصوصا ولم يواظب عليه النبى ﷺ ، ولذا كان دون سنن الزوائد كما صرح به فى التنقيح فاغتنم تحقيق هذا المحل فإنك لا تجده فى غير هذا الكتاب أهـ ملخصا.
(وملخص) القول أن سنن الهدى هى المعبر عنها عند الفقهاء بالسنة المؤكدة وسنن الزوائد هى المعبر عنها عندهم بالمندوب والمستحب، وأنه لا خلاف فى حصول الثواب بفعل سنن الزوائد كالمندوب.
(وأما) ثبوت الكراهة وعدمها بترك سنن الزوائد والمندوبات، فظاهر عبارات الأصوليين والفقهاء عدم الكراهة. وعن بعضهم أن تركها مكروه تنزيها (والحق) أن تركها خلاف الأولى، فإن كراهى التنزيه لابد فيها من نهى مخصوص كما يؤخذ من كلام ابن عابدين فى " باب مندوبات الوضوء " من رد المحتار. والله تعالى أعلم.
خاتمة فى اللباس وفيها ثمانية مباحث
١ - لباس النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
ينحصر بيانه فى عدة أمور:
(١) كان ﷺ يلبس من الثياب ما وجد من إزار أو رداء أو قميص أو جبة أو غيرها. قال ابو بردة: دخلت على عائشة فأخرجت لى إزار غليظا
стр. 2150
من التى تصنع باليمن وكساء من هذه الأكسية التى تدعى
الملبتدة وأقسمت لقبض رسول الله ﷺ فيهما. أخرجه مسلم وابن ماجه (١) ﴿٣٠٣﴾.
وعليه رداء نجرانى غليظ الحاشية. أخرجه الشيخان وابن ماجه (٢) ﴿٣٠٤﴾
(وعن) ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يلبس قميصا قصير اليدين والطول أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف (٣) ﴿٣٠٥﴾
(وقال) أيضا: كان النبى ﷺ يلبس قميصا فوق الكعبين مستوى الكمين باطراف أصابعه، أخرجه ابن عساكر والحاكم وابن حبان وصححاه وقد تقدم هذا وأحاديث أخر فى بحث " القميص " " وهيئة اللباس " (٤).
(وقال) المغيرة بن شعبة: وضأت النبى ﷺ جبة شامية ضيقة الكمين. أخرجه الشيخان (٥) ﴿٣٠٦﴾
(وقال) عبد الله مولى أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى الله عنهما: اخرجت إلى أسماء جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوقين بالديباج فقالت: هذه كانت عند عائشة حتى قبضت فلما قبضت قبضتها وكان النبى ﷺ يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها. أخرجه مسلم والنسائى (٦) ﴿٣٠٧﴾.
стр. 2151
٢ - ولبس النبى ﷺ الحبرة. وهى معنبة نوع من البرود اليمنية. وكانت من أحب الثياب إليه، ولبس القباء والفروج، وهو القباء الذى شق من خلفه كما تقدم (١) (الواقدى: كان رداؤه وبرده طول سنة اذرع فى ثلاثة وشبر. وإزاره من نسج عمان طول اربعة أذرع وشبر فى عرض ذراعين وشبر. ولبس حلة حمراء، والحلة إزار ورداء ورداء، ولا تكون الحلة إلا اسما للثوبين معا، وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحتة لا يخالطها غيرها وإنما الحلة الحمراء بردان يمنيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمنية وهى معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالحمر البحث منهى عنه أشد النهى كما تقدم (٢)، ولبس الخميصة المعلمة والساذجة، ولبس ثوبا أسود، ولبس الفروة المكفوفة بالسندس كما تقدم
٣ - وكان له ﷺ بردان أخضران، والرد الأخضر هو الذى فيه خطوط خضر فهو كالحلة الحمراء، وكان للنبى ﷺ كساء اسود وكساء أحمر ملبد وكساء من شعر، وكان ﷺ يعجبه الثياب الخضر (فقد) قال أنس: كان أحب الألوان اليه الخضرة أخرجه ابو الشيخ وأبو نعيم فى الطب (وقال) قتادة أبو رمثة رضى الله عنه:
стр. 2152
رأيت على النبى ﷺ ثوبين أخضرين أخرجه الثلاثة (١) ﴿٥٤﴾
(ولكن) كان أكثر لباس النبى ﷺ البياض، وقال خير ثيابكم البياض فألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم، أخرجه الحاكم والدار قطنى، وقد تقدم هذا وأحاديث أخر فى بحث " لبس الأبيض " (٢).
٤ - واشترى النبى ﷺ سراويل، والظاهر أنه أنما اشتراها ليلبسها ن ولم يثبت من طريق صحيح أنه لبس السراويل كما تقدم فى بحث " السراويل " (٣)، وكان أصحابه يلبسونها بإذنه ﷺ .
٥ - ولبس النبى ﷺ خاتما من ذهب ثم رمى به ونهى عن التختم بالذهب ثم اتخذ خاتما من فضة ولم ينه عنه، وثبت أنه لبسه فى اليمين واليسار، وكان يجعل فصه مما يلى باطن كفه كما تقدم فى بحث " كيفية التختم " (٤)
٦ - وأما الطيلسان فلم ينقل عن النبى ﷺ أنه لبسه ولا أحد من أصحابه، بل قد ثبت من حديث النواس بن مسعان عن النبى ﷺ أنه ذكر الدجال فقال: يخرج معه سبعون ألفا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة. أخرجه مسلم (٥) ﴿٣٠٨﴾ (ورأى) أنس جماعة عليهم الطيالسة فقال: ما أشبههم بيهود خيبر (٦) ﴿٥٥﴾ (ولذا) كره لبسها جماعة من السلف والخلف " ولحديث ": من تشبه بقوم فهو منهم، أخرجه أبو داود عن ابن عمر والطبرانى فى الأوسط عن حذيفة بن اليمان (٧) ﴿٣٠٩﴾
وأما ما جاء " فى حديث الهجرة " أن النبى ﷺ جاء
стр. 2153
إلى أبى بكر متقنعا بالهاجرة " فإنما فعله " ﷺ تلك الساعة ليختفى بذلك، ففعله للحاجة، ولم يكن عادته التقنع، وقد ذكر أنس عنه ﷺ أنه كان يكثر القناع. وهذا إنما كان يفعله والله أعلم للحاجة من الحر ونحوه وأيضا التقنع ليس هو التطليس. قاله فى زاد المعاد (١)
٧ - وكان للنبى ﷺ عمامة تسمى السحاب كساها عليا (روى) جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: وكان النبى ﷺ عمامة تسمى السحاب فوهيها لعلى رضى الله عنه فربما طلع على فيها، فيقول النبى ﷺ : أتاكم على فى السحاب أخرجه ابن عدى وأبو الشيخ ابن حبان وهو حديث مرسل ضعيف جدا (٢) ﴿٣١٠﴾ (وكان) النبى ﷺ يلبس العمامة وتحتها قلنسوة، وكان يلبسها بلا قلنسوة (٣)، وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه كما تقدم وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك.
٨ - وكان النبى ﷺ إذا استجد ثوبا سماه باسمه وقال: اللهم أنت كسوتنى هذا القميص أو الرداء أو العمامة. اسألك من خيره وخير ما صنع له. وأعوذ بك من شره وشر ما صمع له (روى) أبو سعيد الخدرى أن
стр. 2154
النبى ﷺ كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه إما قميصا أو عمامة أو رداء ثم يقول: اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه اسالك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له. أخرجه أحمد والحاكم والثلاثة وحسنة الترمذى، وصححه النووى. وتقدم هو وأحاديث أخر (١).
٩ - وكان النبى ﷺ إذا لبس ثوبا أو غيره بدأ بميامنة. وإذا تنزعه أخرجه مياسرة (قال) ابن عمر: كان النبى ﷺ إذا لبس شيئا من الثياب، بدا بالأيمن وإذا نزع بدأ بالأيسر (وقال) أنس: كان ﷺ إذا ارتدى أو ترجل (٢) أو انتعل، بدأ بيمينه. وإذا خلع بدا بيساره. أخر جهما أبو الشيخ ابن حبان وسندهما ضعيف. وقد تقدم فى بحث " التيامن فى اللباس " الأحاديث الصحيحة فيه (٣).
١٠ - وكان مقبض سيف النبى ﷺ محلى بالفضة قال ابن عباس: كان النبى ﷺ سيف قائمته من فضة وقبيعة من فضة وكان يسمى ذا الفقار .... الحديث أخرجه الطبرانى (٤).
(ويشهد) له حديث جرير بن حازم عن قتادة عن أنس قال: كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ من فضة. أخرجه الترمذى فى الشمائل والثلاثة وحسنة الترمذى، وقال النسائى: وهذا حديث منكر (٥).
والصواب قتادة عن سعيد أهـ، وأخرجه الدرامى وقال: هشام الدستوائى
стр. 2155
خالفه فقال، قتادة عن سعيد بن ابى الحسن عن النبى ﷺ ، وزعم الناس أنه هو المحفوظ أهـ (١) ﴿٣١٢﴾
(ففيه) دليل على جواز تحلية السيف بقليل من الفضة للرجل لا يذهب، وأما النساء فيحرم عليهن تحليته بالذهب أو الفضة، واختلفوا فى اللجام والسرج. فاباحه بعضهم كالسيف وحرمه بعضهم لأنه من زينة الدابة (قال) ابن حجر فى شرح الشمائل: فى الحديث حل تحلية آلة الحرب بالفضه للرجل. أما بالذهب فيحرم عليه كما يحرم تحليته بهما أو بأحدهما للنساء (والحاصل) أن الذهب لا يحل للرجال مطلقا لا استعماله ولا اتخاذا ولا تضبيبا ولا تمويها لالالة حرب ولا لغيرها، وكذا الفضة الا فى التضبيب والخاتم وتحلية آله الحرب أهـ.
٢ - المخالفة فى اللباس:
ينبغى للإنسان أن يكون لباسه من الحلال المعتاد لأمثاله، ويكره له لبس غير زى أهل بلده وأقرانه. ويحرم التشبه بأهل الكتاب فى اللباس الخاص بهم "لقول " أبى كريمة: سمعت على بن أبى طالب وهو يطب على منبر الكوفة وهو يقول: يأيها الناس إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إياكم ولباس الرهبان، فإنه من ترهب أو تشبه فليس منى. أخرجه الطبرانى فى الأوسط عن شيخه على بن سعد الرازى وهو ضعيف (٢) ﴿٣١٣﴾
" ولقول" ابى أمامة: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا، وخالفوا أهل الكتاب. فقلنا يا رسول إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون. فقال رسول الله ﷺ : تسرولون وأتزروا، وخالفوا
стр. 2156
أهل الكتاب قلنا يا رسول الله أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون. فقال رسول الله ﷺ : فتخففوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب فقلنا يا رسول الله يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم. فقال النبى ﷺ : قصوا سبالكم ووفروا عثانينهم وخالفوا أهل الكتاب. أخرجه أحمد والطبرانى ورجال أحمد رجال الصحيح خلا القاسم، وهو ثقة. قاله الهيثمى (١) (﴿٣١٤﴾ والأحاديث) فى هذا كثيرة (٢).
(قال) السفارينى فى غذاء الألباب: سئل الحافظ جلال الدين السيوطى عن طالب علم تزيا بزى أهل العلم فى الأصل من قرى البر، ثم لما رجع إلى بلاده وعشيرته تزيا بزيهم وترك زى أهل العلم، هل يغترض عليه فى ذلك أم لا؟ (فأجاب) بما معناه لما اتصف بالصفتين لا اعتراض عليه فى اى الزيين تزيا. لأنه إن تزيا بزى العلماء فهو منهم. وإن تزيا بزى أهل بلده وعشيرته فلا حرج عليه اعتبارا بالأصل، ولأنه بين أظهر عشيرته وقومه، وهذا واضح، ولعل كلام علمائنا لا يخالفه. ومرادهم بقولهم: يكره خلاف زى بلده، يعنى بلا حاجة تدعو إلى خلافهم، فإن من صار من العلماء تزيا بزيهم فى أى مصر كان أو بلدة كانت غالبا أهـ.
٣ - لبس الجلود
أجمع العلماء على أنه لا يجوز لبس جلد الميتة ولا الانتفاع به إذا لم يدبغ ويجوز استعمال كل طاهر منها بالذكاة الشرعية أو الدبغ لا فرق فى ذلك بين مأكول اللحم وغيره من السباع وغيرها لعموم حديث عائشة قالت: سئل
стр. 2157
النبى ﷺ عن ذكاة الميتة فقال: ذكاة الميتة دباغها أخرجه الأربعة إلا الترمذى ﴿٣١٦﴾ جعل الدباغ بمنزلة الذبح والذبح مطهر (١).
" ولحديث " ابن عباس أن النبى ﷺ قال: ايما إهاب دبغ فقد طهر. أخرجه السبعة إلا البخارى، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (٢) ﴿٣١٧﴾.
" ولحديث " الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضى الله عنهم أن النبى ﷺ مر بشاةميتة لميمونة فقال: ألا دبغتم إهابها فاستمتعتم به؟ قالوا يا رسول الله إنها ميتة قال: إنما حرم أكلها. أخرجه الستة إلا ابا داود (٣) ﴿٣١٨﴾. والإهاب الجلد قبل الدباغ.
(ولذا) قال الحنفيون: يجوز استعمال كل جلد طهر بالدباغ والذكاة الشرعية، واستثنوا من ذلك ما لا يحتمل الدباغ كجلد الحية والفأر والطيور فلا يطهر بالدبغ لعدم إمكانه. وكذا جلد الخنزير لنجاسة عينه.
(وبه) قالت الشافعية، إلا أنهم استثنوا من ذلك جلد الكلب ايضا قياسا على الخنزير. وكذا ما تولد من أحدهما مع حيوان آخر. وروى عن على وابن مسعود.
(وقالت) المالكية: جلد المذكى من مأكول اللحم طاهر، وكذا جلد مكروه الأكل كالسبع والهرة سواء ذكى لأكل لحمه أو لأخذ جلده. أما محرم الأكل كالحمار والبغل والفرس، فجلده نجس لا يطهر بالذكاة ولا بالدباغ لكن يجوز استعماله فى اليابس والماء دون غيره من المائعات لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
стр. 2158
(واستدلوا) بحديث عبد الله بن عكيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكتب الى جينة قبل موته بشهرين: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. أخرجه الثلاثة ﴿٣١٩﴾.
(قالوا) هذا الحديث ناسخ للأحاديث السابقة لتأخره لأنه كان قبل موت النبى ﷺ بشهرين أهـ (وأجاب) الجمهور بأنه لا يقاوم الأحاديث السابقة صحة واشتهارا قال الترمذى: سمعت أحمد بن الحسن يقول: كان احمد بن حنبل يذهب الى هذا الحديث لما ذكر فيه قبل وفاته بشهرين. وكان يقول: كان هذا أخر أمر النبى ﷺ . ثم ترك أحمد ابن حنبل هذا الحديث لما اضطربوا فى إسناده حيث روى بعضهم وقال عن عبد الله ابن عكيم عن أشياخ من جهينة أهـ. وقال ابو الفرج بن عبد الرحمن فى الناسخ والمنسوخ وحديث ابن عكيم مضطرب جدا فلا يقاوم الأول - يعنى حديث ابن عباس - لأنه فى الصحيحين. وقال النسائى: أصح ما فى هذا الباب حديث الزهرى عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة. أفاده المنذرى.
(قال) فى البدائع: الدباغ تطهير للجلود كلها إلا جلد الإنسان والخنزير.
(وقال) مالك: إن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، لكن يجوز استعماله فى الجامد لا فى المائع بان يجعل جرابا للحبوب دون الزق للماء والسمن والدبس (١)
(وقال) عامة اصحاب الحديث: لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه.
(وقال) الشافعى كما قلنا، إلا فى جلد الكلب لأنه تجس العين عنده كالخنزير وكذا روى عن الحسن بن زياد.
واحتجوا (يعنى المالكية والمحدثين) بما روى عن النبى ﷺ أنه قال: لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب (٢).
стр. 2159
واسم الإهاب يعم الكل إلا فيما قام الدليل على تخصيصه.
(ولنا) ما روى عن النبى ﷺ أنه قال: ايما إهاب دبغ فقد طهر (١) كالخمر تخلل فتحل
ولأن نجاسة الميتات لما فيها من الرطوبات والدماء السائلة، وأنها تزول بالدباغ، فتطهر كالثوب النجس إذا غسل. ولأن العادة جارية فيما بين المسلمين بلبس جلد الثعلب والفنك والسمور (٢) ونحوها فى الصلاة وغيرها من غير نكير، فدل على الطهارة (ولا حجة) لهم فى الحديث. لأن الإهاب فى اللغة اسم الجلد لم يدبغ (وروى) عن ابى يوسف أن الجلود كلها تطهر بالدباغ، لعموم الحديث. والصحيح أن جلد الخنزير لا يطهر بالدباغ، لأن نجاسته ليست لما فيه من الدم والرطوبة بل هو نجس العين. فكان وجود الدباغ فى حقه والعدم بمنزلة واحدة، وقيل إن جلده لا يحتمل الدباغ، لأن له جلودا مترادفة بعضها فوق بعض أهـ بحذف.
(ومشهور) مذهب الحنبلية أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ " لحديث " عبد الله ابن عكيم السابق (٣). وقال بعضهم: يطهر بالدباغ جلد ميتة مأكول اللحم دون غيره " لحديث " ابن عباس عن ميمونة السابق (٤) " ولحديث " ابن عباس أن داجنا (٥) لميمونة ماتت فقال رسول الله ﷺ : ألا انتفعتم بإهابها؟ الادبغتموه؟ فإنه ذكاته. أخرجه أحمد وكذا مسلم والأربعة بلفظ هلا أخذتم إهابها قد بغتموه فانتفعتم به، إنما حرم أكلها.
فالذكاة المسبه بها لا يحل بعا غير المأكول، فكذلك الدباغ المشبه لا يطهر
стр. 2160
جلد غير الماكول (ورد) بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وحديث ابن عكيم مضطرب جدا فلا يقاوم غيره كما تقدم.
" ولما " قالت الحنبلية لا يطهر جلد المينة بالدباغ " قالوا ": لا يحل لبس جلد كل ذى ناب من السباع ولو مذكى لما تقدم " ولقول " ابى ثعلبة الخشبى رضى الله عنه: نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذى ناب من السباع. أخرجه الستة "ولقول" ابن عباس: نهى النبى ﷺ عن أكل كل ذى ناب من السباع، وعن أكل كل ذى مخلب من الطير أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائى (١) ﴿٣٢٠﴾ وهذا يشمل ما يأتى:
١ - جلد الثعلب فكما لا يحل أكل لحمه لا يحل لبس جلده " لحديث " وابصة بن معبد أن النبى ﷺ قال: شر السباع هذه الأثعل يعنى الثاعالب. أخرجه ابن قانع فى معجمه (٢) ﴿٣٢١﴾.
(قال) السفارينى فى غذاء الألباب: سماه النبى صلى الله عليه وسلمفى هذا الحديث سبعا. فعلى هذا يحرم أكل لحمه ولبس جلده والصلاة فيه، واختار هذا أبو بكر. قال فى الفروع: ويحرم الثعلب. وقال فى الإنصاف: أما الثعلب فيحرم على الصحيح من المذهب أهـ ملخصا (٣)
٢ - وجلد السمور - هو بفتح السين وشد الميم - حيوان برى يشبه السنور وهو حيوان جرئ، أجرا حيوان على الإنسان، لا يدبغ جلده.
٣ - وجلد الفنك - وهو بفتحتين - دويبة فى لحمها حلاوة. قال فى الإنصاف: فى السمور والفنك وجهان، أصحهما يحرم أهـ.
٤ - وجلد السنجاب وهو حيوان أكبر من الفار، شعره فى غاية النعومة قال فى الإنصاف: فى السنجاب وجهان، أحدهما يحرم، وقيل يكره، ومال
стр. 2161
الإمام الموفق إلى الإباحة، واختار فى منظومة الآداب القول بكراهة ما ذكر من جلد الثعلب وما بعده.
(٥ و ٦ و ٧ و ٨) وجلد الأسد والنمر والذئب والسنور ونحوها.
(قال) السفارينى فى غذاء الألباب: وكل السباع من الأسد والنمر والذئب ونحوها، يمنع لبس شئ من جلودها. لنهيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك لنجاستها وعدم طهارتها بالدباغ، كما يمنع لبس جلد سنور البر. أما السنور الأهلى فلا شك فى المذهب فى حرمته وحرمة لبس جلده. قال فى الإنصاف: وأما سنور البر، فالصحيح من المذهب أنه حرم، وفى الفروع: يحرم سنور بر على الأصح. وقيل يباح (وقد روى) البيهقى وغيره عن ابى الزبير قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهرة وأكل ثمنها (١) ﴿٣٢٢﴾.
(وفى) مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن أبى داود أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن بيع السنور (٢) ﴿٣٢٣﴾، فقيل محمول على بيع الوحش الذى لا نفع فيه ن وقيل نهى تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته أهـ ملخصا.
(واستدلوا) ايضا على عدم جواز الانتفاع بجلود السباع (بحديث) سعيد ابن أبى عروبة عن فتادة عن أبى المليح بن أسامة عن أبيه أن رسول الله ﷺ عن قتادة عن أبى المليح بن اسامة عن ابيه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن جلود السباع. أخرجه أحمد والثلاثة والحاكم وزاد الترمذى: أن تفترش. وقال: لا نعلم أحدا قال عن أبى المليح غير سعيد ابن ابى عروبة. وأخرجه عن أبى المليح عن النبى صلى الله عليه وعلى وآله وسلم مرسلا وقال هذا اصح أهـ (٣) ﴿٣٢٤﴾.
(وبحديث) ابى المعتمر عن ابن سيرين عن معاوية قال: كان رسول الله ﷺ ينهى عن ركوب النمور. أخرجه ابن ماجه ﴿٣٢٥﴾
стр. 2162
وكذا أحمد وأبو داود عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لا تركبوا الخز ولا النمار (١) ﴿٣٢٦﴾
(والمعنى) أنه نهى عن الركوب على السروج والرحال المغطاة بالخز، أى الحرير، وجلود النمور لما فيه من التكبر والخيلاء. أو لأنه زى الأعاجم
(وبحديث) بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان قال: وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الأسود ورجل من بنى أسد إلى معاوية ابن ابى سفيان فقال معاوية للمقدام: أعلمت أن الحسن بن على توفى؟ (٢)
فرجع المقدام أى قال: إنا لله وإنا اليه راجعون. فقال له فلان (١): أتعدها مصيبة؟ فقال له: ولم لا اراها مصيبة وقد وضعه رسول الله ﷺ فى حجره فقال: هذا منى وحسين من على (٢) فقال الأسدى: جمرة أطفأها الله (٣) فقال المقدام: أما أنا فلا ابرح اليوم حتى أغيظك واسمعك ما تكره. ثم قال يا معاوية: إن أنا صدقت فصدقنى وإن أنا كذبت فكذبنى قال افعل. قال: فانشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
стр. 2165
وسلم ينهى عن لبس الذهب؟ قال نعم. قال فانشدك بالله هل تعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير؟ قال نعم. قال فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال نعم. قال فوالله قد رايت هذا كله فى بيتك يا معاوية فقال معاوية: قد علمت أنى لن أنجو منك يا مقدام. قال خالد فأمر له معاوية بما لم يأمر لصاحبيه (١) وفرض لابنه فى المائتين (٢) ففرقها المقدام على اصحابه ولم يعط الأسدى أحدا شيئا مما أخذ.
فبلغ ذلك معاوية، فقال: أما المقدام فرجل كريم بسط يده، وأما الأسدى فرجل حسن الإمساك لشيئه (٣) أخرجه أحمد وابو داود وهذا لفظه وكذلك النسائى مختصرا وفى سنده بقية بن الوليد وهو مدلس، لكن فى سند أحمد تصريح بقية بالتحديث فانتفى تدليسه (٤) ﴿٣٣٢﴾.
(قال) ابن تيمية: وهذه النصوص تمنع استعمال جلد ما لا يؤكل لحمه فى اليابسات وتمنع بعمومها طهارته بذكاة أو دباغ أهـ.
(ورد) بأنه غير مسلم، لاحتمال أن النهى فى هذه الأحاديث عن مجرد افتراش جلود السباع والركوب عليها ن لما فيه من الخيلاء. ولا ملازمة بين ذلك وبين المجاسة ن كما لازمه بين النهى عن الذهب والحرير وبين نجاستهما. فلا معارضة ن بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها وافتراشها خيلاء وتكبرا (ويحتمل) أن النهى عما لم يدبغ منها جمعا بينه وبين الأحاديث الدالة على طهارة جلد الميتة مطلقا بالدباغ وجواز الانتفاع بها.
стр. 2166
(فالراجح) مذهب غير الحنبلية لقوة أدلته. لما فيه من العمل بكل الأحاديث وعدم طرح شئ منها (قال) فى النيل: وأما الاستدلال بأحاديث الباب على ان الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم " فغير " ظاهر، لأن غاية ما فيها مجرد النهى عن الركوب عليها وافترائها، ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة أهـ.
٤ - اتخاذ النعل:
النعل الحذاء وكل ما يقى القدم. ويستحب لبسها " لحديث " جابر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: استكثروا من النعال فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل. اخرجه مسلم وابو داود والنسائى وأحمد (١) ﴿٣٣٣﴾.
(والمعنى) ان المنتعل شيبة بالراكب فى خفة المشقة وقلة التعب وسلامة الرجل من أذى الطريق ز وفيه غرشاد الى المصلحة، وتنبيه على ما يخفف المشقة، فغن الحافى المديم للمشى يلقى من الآلام والمشقة بالعثار وغيره، ما يقطعه عن المشى ويمنعه من الوصول إلى مقصوده كالراكب فلذلك شبه به أفادة الحافظ فى الفتح.
(وعن) انس بن مالك أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أمرت بالنعلين والخاتم. أخرجه الطبرانى فى الصغير والأوسط وفيه عمر بن هارون البلخى وهو ضعيف (٢) ﴿٣٣٤﴾.
(وعن) عبيد بن جريح أنه قال لعبد الله بن عمر: رايتك تلبس النعال السبتية ز فقال له: إنى رايت رسول الله ﷺ يلبس النعال التى ليس فيها شعر، ويتوضا فيها فأنا أحب أن ألبسها. اخرجه البخارى
стр. 2167
والنسائى والترمذى فى الشمائل (١) ﴿٣٣٥﴾
(وفيه دلالة) على جواز لبس النعال السبتية على كل حال وبه قال الجمهور
(وقال) أحمد: يكره لبسها فى المقابر " لقول " بشير بن الخصاصية مولى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مر بقبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا ثلاثا ثم مر بقبور المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا ثم حانت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نظرة فإذا رجل يمشى فى القبور عليه نعلان فقال يا صاحب السبتيين ويحك الق سبتيتيك فنظر الرجل فلما عرف صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلعهما فرمى بهما ز اخرجه ابو داود والحاكم وصححه وأحمد (٢) ﴿٣٣٦﴾ واحتج به على ما ذكر (وتعقبه) الطحاوى بأنه يجوز أن يكون الأمر يخلعها لأذى فيهما. وقد ثبت فى الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين وهو دال على جواز لبس النعال فى المقابر. وثبت حديث أنس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى نعليه (٣). فإذا جاز دخول المسجد بالنعل الميت كما ورد النهى عن الجلوس على القبر، وليس ذكر السبتيتين للمتخصصين، بل اتفق ذلك. والنهى إنما هو للمشى على القبور بالنعال أهـ.
والكلام هنا ينحصر فى اربعة مباحث:
стр. 2168
١ - نعل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
قد ورد فى وصف نعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحاديث منها:
(١) حديث يزيد بن الشخير عن الأعرابى أن نعل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانت مخصوفة. أخرجه أحمد بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿٣٣٧﴾
(٢) وحديث ابى هريرة قال: كان لنعل النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبالان ولنعل ابى بكر قبالان، ولنعل ابى بكر قبالان، ولنعل عمر قبالان. وأول من عقد عقدة واحدة عثمان. أخرجه الطبرانى فى الصغير والبزار بسند رجاله ثقات (٢) ﴿٣٣٨﴾
(٣) وحديث ابن عباس قال: كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبالان مثنى شراكهما: أخرجه الترمذى فى الشمائل (٣) ﴿٣٣٩﴾.
وقد كانت نعله ﷺ مخصرة معقبة ملسنة (٤) كما
стр. 2169
رواه ابن سعد فى الطبقات وقد بين الحافظ العراقى صفة نعلة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله:
ونعله الكريمة المصونة طوبى لمن مس بها جبينه
لها قبالان بسير وهما سبتيتان سبتوا شعرهما
وطولها شبر واصبعان وعرضها مما يلى الكعبان
سبع اصابع وبطن القدم خمس وفوق ذا فيت فاعلم
وراسها محدد وعرض ما بين القبالين اصبعان اضبطهما
٢ - لون النعل
قال بعض العلماء: يستحب كون النعل اصفر ولم يثبت فيه حديث يعتمد عليه. وذكر فيه بعضهم آثارا
(قال) العلامة الألوسى فى روح المعانى: وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة، ولهذا كان على كرم الله وجهه يرغب فى النعال الصفر ويقول: من لبس نعلا أصفر قل همه. ونهى ابن الزبير ويحيى بن ابى كثير عن لباس النعال السود لأنها تغم أهـ (وقال) القرطبى: قال ابن عباس: الصفرةتسر النفس، وحض على لباس النعال الصفر حكاة النقاش. وقال على بن ابى طالب كرم الله وجهه: من لبس نعلى جلد أصفر قل همه، لأن الله تعالى يقول: صفراء فاقع (١) لونها تسر الناظرين (٢) حكاه عند الثعلبى. ونهى ابن الزبير وابن ابى كثير عن لباس النعال السود لأنها تهم. ومعنى تسر تعجب أهـ وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس الخف الأسود
стр. 2170
(روى) بريدة أن النجاشى أهدى للنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم خفين اسودين ساذجين فلسهما ثم توضأ ومسح عليهما. أخرجه الترمذى فى الشمائل (١) ﴿٣٤٠﴾
٣ - ما يطلب من المنتعل:
ما يطلب منه أمور (أ) يستحب له البدء فى لبس النعل باليمنى، وفى خلفه باليسرى " لحديث " ابى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشمال، لتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع. أخرجه البخارى وأبو داود وابن ماجه والترمذى فى الشمائل (٢) ﴿٣٤١﴾ " ولقول " عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب التيامن ما ستطاع فى شانه كله. فى طهورة وترجله وتنعله وسواكه. أخرجه أحمد والستى والترمذى فى الشمائل (٣) ﴿٣٤٢﴾ " ولحديث " ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذ لبستم وإذا توضأتم فابدءوا بميامنكم. أخرجه ابو داود وابن حبان (٤) ﴿٣٤٣﴾.
(قال) القاضى عياض: الأمر فى هذه الأحاديث للاستحباب إجماعا.
(وقال) ابن عبد البر: من بدا فى الانتعال باليسرى اساء، لمخالفته السنة.
(ب) ويستحب لداخل المسجد تفقد نعله لإزالة ما علق بها فى نجس
стр. 2171
" لحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد. أخرجه الدار قطنى (١) ﴿٣٤٤﴾، و (تقدم) نحوه عن أبى سعيد الخدرى فى " بحث الصلاة فى النعل والخف الطاهرين " (٢)
(جـ) ويستحب للمنتعل أن يفسخ لأخيه الحافى فى الطريق السوى، رافة منه ولطفا ومودة وحرضا على دفع الأذى عن أخيه المسلم وإيصال النفع إليه وامتثالا لأمر النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم (روى) جابر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ليوسع المنتعل للحافى عن جدد الطريق، فإن المنتعل بمنزلة الراكب. أخرجه الخلال (٣) ﴿٣٤٥﴾.
(د) ويسن له خلع النعل إذا جلس ليستريح قدمه. وأن يجعلها وراءه أو على يساره، إلا لعذر كخوف عليها " لقول " ابن عباس: من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما بجنبه، أخرجه أبو داود بسند حسن (٤) ﴿٥٨﴾ " ولحديث " أنس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا جلستم فاخلعوا نعالكم - أحسبه قال - تستريح اقدامكم، أخرجه البزار وفيه موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى وهو ضعيف (٥) ﴿٣٤٦﴾.
(وقال) السفارينى فى غذاء الألباب: ثم إن الإنسان إذا دخل المسجد وخلع نعليه تركهما أمامه، وقيل عن يساره، لأن النبى صلى الله عليه وعلى
стр. 2172
آله وسلم لما خلع نعليه وهو فى الصلاة جعلهما عن يساره. أخرجه أحمد وأبو داود (١) ولأن اليسار جعلت للأفعال المستقذرة (قال) القاضى: فأما موضعهما من غير المصلى فإلى جنبه، كما تقدم عن ابن عباس (قال) فى الإقناع: ولا يرمى على وجه الكبر والتعاظة، وإن كان ذلك سببا لإتلاف شئ من ارض المسجد أو أذى أحد لم يجز. يضمن ما تلف بسببه. والأدب ألا يفعل ذلك أهـ.
(هـ) ويستحب خلع النعل حال الأكل " لحديث " أنس أن صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا قرب إلى أحدكم طعامه وفى رجله نعلان فلينزع نعليه، فإنه اروح للقدمين. أخرجه البزار وأبو يعلى والطبرانى فى الأوسط (قال) الهيثمى: ورجال الطبرانى ثقات إلا أن عقبة بن خالد السكونى لم أجد له من محمد بن الحارث سماعا أهـ (٢) ﴿٣٤٧﴾.
٤ - ما يكره للمنتعل:
هو امور: (أ) يكره له الانتعال قائما إن كان فيه مشقة، وعليه يحمل حديث جابر قال: نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينتعل الرجل قائما. أخرجه أبو داود بسند حسن. وأخرجه البزار عن أنس بسند فيه عنبسة ابن سالم، ضعفه أبو داود.
وأخرجه الضياء المقدسى فى المختارة والترمذى وصححه (٣) ﴿٣٤٨﴾. (قال) الخطابى: إنما نهى عن لبس النعل قائما، لأن لبسها قاعدا اسهل عليه وأمكن له، وربما كان لبسها قائما سببا لانقلابه فامر بالقعود، لأنه اسهل واسلم من المفسدة أهـ.
стр. 2173
(وبهذا) قال بعض العلماء (وقال) ابو بكر الخلال: كتب إلى يوسف ابن يعد الله: حدثنا الحسين بن على بن الحسين أنه سأل ابا عبد الله (يعنى الإمام أحمد) عن الانتعال قائما. قال لا يثبت فيه شئ. قال القاضى: وظاهر هذا أنه ضعف الأحاديث فى النهى. ذكره السفارينى فى غذاء الألباب.
(ورد) بأن الحديث صححه الترمذى وحسنه غيره كما تقدم.
(ب) ويكره المشى فى نعل أو خف واحدة لغير عذر " لحديث " ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يمشى أحدكم فى النعل الواحدة لينتعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا. اخرجه الشيخان وابو داود والترمذى. وأخرجه ابن ماجه بلفظ: لا يمش أحدكم فى نعل واحدة أو خف واحدة. اخرجه أحمد وفيه ابن لهيعة متكلم فيه. قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح (١) ﴿٣٤٩﴾.
" ولحديث " ابى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يمشى الرجل فى نعل واحدة أو خف واحدة. أخرجه أحمد وفيه ابن لهيعة متكلم فيه. قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣٥٠﴾ " ولحديث " جابر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشى فى نعل واحدة حتى يصلح شسعه. ولا يمشى فى خف واحد ولا يأكل بشماله. اخرجه مسلم وأبو داود والنسائى (٣) ﴿
٣٥١﴾ " ولحديث " ابى هريرة أن النبى
стр. 2174
صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا انقطع شسع أحدكم أو شراكه فلا يمش فى الأخرى حتى يصلحها. أخرجه أحمد والبخارى والنسائى (١) ﴿٣٥٣﴾.
(قال) الخطابى: الحكمة فى النهى أن النعل شرعت لوقاية الرجل مما يكون فى الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشى أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل لأنه لم يعدل بين جوارحه وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأى أو ضعفه (وقال) البيهقى: الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن يرى ذلك منه. أفاده فى الفتح.
(وقال) الخطابى أيضا: ويدخل فى النهى عن المشى فى نعل واحدة كل لباس شفع كالخفين وإدخال اليدين فى الكمين، ووضع الرداء على المنكبين. فيكره إدخال يد فى كم وإخراج الأخرى، ووضع الرداء على أحد المنكبين دون الآخر، وهذا فى الخف ظاهر، لأنه قد نص عليه كالنعل. وفى غيره لا يظهر إلا إن كانت علة النهى إرادة العدل بين الجوارح وترك الشهرة.
(جـ) يكره لبس النعل والخف قبل نفضها " لقول " ابى أمامة: دعا
стр. 2175
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخفيه يلبسهما. فليس إحداهما ثم جاء غراب فاحتمل الأخرى فرمى بها فخرجت منها حية. فقال النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضها. أخرجه الطبرانى (١) ﴿٣٥٤﴾ وفيه هاشم بن عمرو. قال الهيثمى: ولم اعرفه إلا أن ابن حبان ذكره فى الثقات. وفيه إسماعيل بن عياش وشيخه شامى، فرواته ثقات وهو صحيح إن شاء الله أهـ بتصرف.
" لقول " ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا اراد الحاجة ابعد، فانطلق ذات يوم لحاجته ثم توضأ ولبس أحد خفيه فجاء طائر أخضر فأخذ الخف الآخر فارتفع به ثم ألقاه، فخرج منه اسود سالح فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذه كرامة أكرمنى الله بها، اللهم إنى أعوذ بك من شر من يمشى على بطنه، ومن شر من يمشى على رجلين، ومن شر من يمشى على اربع. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفى سنده سعد بن طريف واتهم بالوضع. قاله الهيثمى (٢) ﴿٣٥٥﴾.
(د) ويكره للرجال والنساء لبس نعل له صوت إعجابا بصوته لأنه زى اليهود (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: نص الإمام أحمد رضى الله عنه على كراهة اتخاذ النعال السندية (٣) قال له المرزوى: أمرونى فى المنزل أن اشترى لهم نعلا سنديا للصبية. فقال لا تشتر ز فقلت يكره للنساء والصبيان؟ قال: نعم أكرهه. وإن كان للمخرج والطين فأرجو (٤) وأما ان اراد الزينة فلا (وقال) عن شخص لبسها يتشبه بأولاد الملوك، أكرهه. وقال فى رواية صالح: إذا كان للوضوء فارجو. وأما للزينة فأكرهه للرجال والنساء. " وحكى " ابن الجوزى عن ابن عقيل تحريم الصرير فى المداس. ويحتمله كلام أحمد أهـ بحذف.