" لحديث " ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: تعاهدوا نعالكم عند أبواب المساجد. أخرجه الدار قطنى (١) ﴿٣٤٤﴾، و (تقدم) نحوه عن أبى سعيد الخدرى فى " بحث الصلاة فى النعل والخف الطاهرين " (٢)
(جـ) ويستحب للمنتعل أن يفسخ لأخيه الحافى فى الطريق السوى، رافة منه ولطفا ومودة وحرضا على دفع الأذى عن أخيه المسلم وإيصال النفع إليه وامتثالا لأمر النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم (روى) جابر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ليوسع المنتعل للحافى عن جدد الطريق، فإن المنتعل بمنزلة الراكب. أخرجه الخلال (٣) ﴿٣٤٥﴾.
(د) ويسن له خلع النعل إذا جلس ليستريح قدمه. وأن يجعلها وراءه أو على يساره، إلا لعذر كخوف عليها " لقول " ابن عباس: من السنة إذا جلس الرجل أن يخلع نعليه فيضعهما بجنبه، أخرجه أبو داود بسند حسن (٤) ﴿٥٨﴾ " ولحديث " أنس أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا جلستم فاخلعوا نعالكم - أحسبه قال - تستريح اقدامكم، أخرجه البزار وفيه موسى بن محمد بن إبراهيم التيمى وهو ضعيف (٥) ﴿٣٤٦﴾.
(وقال) السفارينى فى غذاء الألباب: ثم إن الإنسان إذا دخل المسجد وخلع نعليه تركهما أمامه، وقيل عن يساره، لأن النبى صلى الله عليه وعلى
стр. 2172
آله وسلم لما خلع نعليه وهو فى الصلاة جعلهما عن يساره. أخرجه أحمد وأبو داود (١) ولأن اليسار جعلت للأفعال المستقذرة (قال) القاضى: فأما موضعهما من غير المصلى فإلى جنبه، كما تقدم عن ابن عباس (قال) فى الإقناع: ولا يرمى على وجه الكبر والتعاظة، وإن كان ذلك سببا لإتلاف شئ من ارض المسجد أو أذى أحد لم يجز. يضمن ما تلف بسببه. والأدب ألا يفعل ذلك أهـ.
(هـ) ويستحب خلع النعل حال الأكل " لحديث " أنس أن صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا قرب إلى أحدكم طعامه وفى رجله نعلان فلينزع نعليه، فإنه اروح للقدمين. أخرجه البزار وأبو يعلى والطبرانى فى الأوسط (قال) الهيثمى: ورجال الطبرانى ثقات إلا أن عقبة بن خالد السكونى لم أجد له من محمد بن الحارث سماعا أهـ (٢) ﴿٣٤٧﴾.
٤ - ما يكره للمنتعل:
هو امور: (أ) يكره له الانتعال قائما إن كان فيه مشقة، وعليه يحمل حديث جابر قال: نهى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ينتعل الرجل قائما. أخرجه أبو داود بسند حسن. وأخرجه البزار عن أنس بسند فيه عنبسة ابن سالم، ضعفه أبو داود.
وأخرجه الضياء المقدسى فى المختارة والترمذى وصححه (٣) ﴿٣٤٨﴾. (قال) الخطابى: إنما نهى عن لبس النعل قائما، لأن لبسها قاعدا اسهل عليه وأمكن له، وربما كان لبسها قائما سببا لانقلابه فامر بالقعود، لأنه اسهل واسلم من المفسدة أهـ.
стр. 2173
(وبهذا) قال بعض العلماء (وقال) ابو بكر الخلال: كتب إلى يوسف ابن يعد الله: حدثنا الحسين بن على بن الحسين أنه سأل ابا عبد الله (يعنى الإمام أحمد) عن الانتعال قائما. قال لا يثبت فيه شئ. قال القاضى: وظاهر هذا أنه ضعف الأحاديث فى النهى. ذكره السفارينى فى غذاء الألباب.
(ورد) بأن الحديث صححه الترمذى وحسنه غيره كما تقدم.
(ب) ويكره المشى فى نعل أو خف واحدة لغير عذر " لحديث " ابى هريرة أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يمشى أحدكم فى النعل الواحدة لينتعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا. اخرجه الشيخان وابو داود والترمذى. وأخرجه ابن ماجه بلفظ: لا يمش أحدكم فى نعل واحدة أو خف واحدة. اخرجه أحمد وفيه ابن لهيعة متكلم فيه. قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح (١) ﴿٣٤٩﴾.
" ولحديث " ابى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن يمشى الرجل فى نعل واحدة أو خف واحدة. أخرجه أحمد وفيه ابن لهيعة متكلم فيه. قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح (٢) ﴿٣٥٠﴾ " ولحديث " جابر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمشى فى نعل واحدة حتى يصلح شسعه. ولا يمشى فى خف واحد ولا يأكل بشماله. اخرجه مسلم وأبو داود والنسائى (٣) ﴿
٣٥١﴾ " ولحديث " ابى هريرة أن النبى
стр. 2174
صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا انقطع شسع أحدكم أو شراكه فلا يمش فى الأخرى حتى يصلحها. أخرجه أحمد والبخارى والنسائى (١) ﴿٣٥٣﴾.
(قال) الخطابى: الحكمة فى النهى أن النعل شرعت لوقاية الرجل مما يكون فى الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت إحدى الرجلين احتاج الماشى أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن سجية مشيه، ولا يأمن مع ذلك من العثار. وقيل لأنه لم يعدل بين جوارحه وربما نسب فاعل ذلك إلى اختلال الرأى أو ضعفه (وقال) البيهقى: الكراهة فيه للشهرة فتمتد الأبصار لمن يرى ذلك منه. أفاده فى الفتح.
(وقال) الخطابى أيضا: ويدخل فى النهى عن المشى فى نعل واحدة كل لباس شفع كالخفين وإدخال اليدين فى الكمين، ووضع الرداء على المنكبين. فيكره إدخال يد فى كم وإخراج الأخرى، ووضع الرداء على أحد المنكبين دون الآخر، وهذا فى الخف ظاهر، لأنه قد نص عليه كالنعل. وفى غيره لا يظهر إلا إن كانت علة النهى إرادة العدل بين الجوارح وترك الشهرة.
(جـ) يكره لبس النعل والخف قبل نفضها " لقول " ابى أمامة: دعا
стр. 2175
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخفيه يلبسهما. فليس إحداهما ثم جاء غراب فاحتمل الأخرى فرمى بها فخرجت منها حية. فقال النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضها. أخرجه الطبرانى (١) ﴿٣٥٤﴾ وفيه هاشم بن عمرو. قال الهيثمى: ولم اعرفه إلا أن ابن حبان ذكره فى الثقات. وفيه إسماعيل بن عياش وشيخه شامى، فرواته ثقات وهو صحيح إن شاء الله أهـ بتصرف.
" لقول " ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا اراد الحاجة ابعد، فانطلق ذات يوم لحاجته ثم توضأ ولبس أحد خفيه فجاء طائر أخضر فأخذ الخف الآخر فارتفع به ثم ألقاه، فخرج منه اسود سالح فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذه كرامة أكرمنى الله بها، اللهم إنى أعوذ بك من شر من يمشى على بطنه، ومن شر من يمشى على رجلين، ومن شر من يمشى على اربع. أخرجه الطبرانى فى الأوسط. وفى سنده سعد بن طريف واتهم بالوضع. قاله الهيثمى (٢) ﴿٣٥٥﴾.
(د) ويكره للرجال والنساء لبس نعل له صوت إعجابا بصوته لأنه زى اليهود (قال) السفارينى فى غذاء الألباب: نص الإمام أحمد رضى الله عنه على كراهة اتخاذ النعال السندية (٣) قال له المرزوى: أمرونى فى المنزل أن اشترى لهم نعلا سنديا للصبية. فقال لا تشتر ز فقلت يكره للنساء والصبيان؟ قال: نعم أكرهه. وإن كان للمخرج والطين فأرجو (٤) وأما ان اراد الزينة فلا (وقال) عن شخص لبسها يتشبه بأولاد الملوك، أكرهه. وقال فى رواية صالح: إذا كان للوضوء فارجو. وأما للزينة فأكرهه للرجال والنساء. " وحكى " ابن الجوزى عن ابن عقيل تحريم الصرير فى المداس. ويحتمله كلام أحمد أهـ بحذف.
стр. 2176
(فوائد) (الأولى) يباح المشى فى قبقاب خشب فقد قال الإمام أحمد: لا باس بالخشب أن يمشى فيه إن كان لحاجة. قاله فى غذاء الألباب.
(الثانية) يندب المشى حافيا بلا نعل أحيانا إن أمن مؤذيا ومنجسا، اقتداء بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد كان يمشى حافيا، لاسيما إلى عيادة المريض تواضعا وطلبا لمزيد الأجر (قال) ابن عمر رضى الله عنهما - فى عيادة النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسعد بن عبادة رضى الله عنه - فقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقمنا معه ونحن بضعة عشر ما علينا نعال ولا خفاف ولا قلانس ولا قمص نمشى فى السباخ. أخرجه مسلم (١) ﴿٣٥٦﴾.
(وعن) قضالة بن عبيد رضى الله عنه أنه لما كان أميرا بمصر قال له بعض أصحابه: لا أرى عليك حذاء. قال: كان بالنبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمرنا أن نختفى أحيانا. أخرجه أبو داود (٢) ﴿٣٥٧﴾.
(وعن) ابن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يمشى حافيا وناعلا. أخرجه البزار بسند رجاله ثقات وصححه العراقى (٣) ﴿٣٥٨﴾.
(وعن) ابى حدرد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: تمعددوا واخشوشنوا وانتصلوا وامشوا حفاة. أخرجه الطبرانى وابن شاهين وأبو نعيم، وفى سنده يحيى بز زكريا بن ابى زائدة وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدى من حديث أبى هريرة (قال) المناوى: الكل ضعيف (٤) ﴿٣٥٩﴾. (وقال) الحافظ
стр. 2177
العراقى: يمشى بلا نعل ولا خف إلى * عيادة المريض حوله الملا
(الثالثة) ينبغى للعاقل ألا يلتزم حالا واحدة من العيش، بل يكون كما وضعه الله . فإذا وسع الله عليه فلا باس أن يظهر اثر نعمته عليه من غير كبر ولا عجب. وإذا تقلص عنه العيش فليلزم الصبر والرضا، وليكن مطمئن القلب منشرح الصدر، حتى يكون من خير عباد الله. فإن هذا شان العبد مع سيده إن منحه شكر، وإن منعه صبر ن وليتذكر (قول) النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إن الله يحب المؤمن المتبذل الذى لا يبالى ما لبس. أخرجه البيهقى فى الشعب عن ابى هريرة وفيه ابن لهيعة ولذا ضعفه المنذرى (١) ﴿٣٦٠﴾ (وقوله) صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ليس البر فى حسن اللباس والزى، ولكن البر السكينة والوقار. أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس عن ابى سعيد الخدرى وضعفه السيوطى (٢) ﴿٣٦١﴾.
(وروى) ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا. أخرجه ابن ماجه بسند حسن (٣) ﴿٣٦٢﴾
стр. 2178
(الرابعة) يجوز اتخاذ الستور على الأبواب والمنافذ إذا لم تكن حريرا ولا فيها صورة محرمة. أما الستر من الحرير فحرام، وما فيه صورة فمكروه " لحديث " عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى فاطمة فوجد على بابها سترا فلم يدخل. وقلما كان يدخل إلا بدأ بها. فجاء على فرآها مهتمة فقال مالك؟ قالت: جاء النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى فلم يدخل فأتاه على وقال: يا رسول الله إن فاطمة اشتد عليها أنك جئتها فلم تدخل عليها قال وما أنا والدنيا، وما أنا الرقم فذهب الى فاطمة وأخبرها بقول رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت: قل لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما يأمرنى به؟ قال: قل لها فاترسل به إلى بنى فلان. أخرجه أبو داود (١) ﴿٣٦٣﴾.
стр. 2179
(ويكره) تغطية الجدران بالثياب مطلقا ولو من غير الحرير ومما لا صورة فيه " لحديث " زيد بن خالد الجهنى عن أبى طلحة الأنصارى أن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى بعض مغازية وكنت أتحين قفوله فأخذت نمطا كان لنا فسترته على العرض فلما جاء استقبلته فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الحمد لله الذى أعزك وأكرمك، فنظر إلى البيت فرأى النمط فلم يرد على شيئا ورايت الكراهية فى وجهه، فأتى النمط حتى هتكه ثم قال: إن الله يأمرنا فيما رزقنا أن نكسو الحجارة واللبن، فقطعته وجعلته وسادتين وحشوتهما ليفا ن فلم ينكر ذلك على. أخرجه مسلم وابو داود (١) ﴿٣٦٤﴾.
(قال) النووى فى شرح مسلم: استدلوا به على المنع من ستر الحيطان وتنجيد البيوت بالثياب. وهو منع كراهة تنزيه لا تحريم هذا هو الصحيح أهـ.
(وقال) فى المجموع " وإطلاق " المقدسى التحريم فى غير المصورة من غير الحرير " ضعيف " والصواب أنه مكروه وليس بحرام " وأما حديث " عائشة فى صحيح مسلم قالت: أخذت نمطا فسترته على الباب، فلما قدم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرأى النمط عرفت الكراهية فى وجهه، فجذبه " من وجهين " أحدهما " أن هذا النمط كان فيه صورة الخيل وغيرها. وقد صرح بذلك فى باقى روايات الحديث فى مسلم " والثانى " أنه ليس فى حقيقة اللفظ تصريح بتحريمه، بل فيه أن الله تعالى لم يأمر به. وهذا إنما يقتضى أنه ليس بواجب ولا مندوب أهـ.
٥ - كسوة الكعبة:
تقدم أنه يكره تغطية الجدران بالثياب. ويستثنى من ذلك " الكعبة " فإن كسوتها مشروعة ولو بالديباج تعظيما لها وهو مجمع عليه كما قاله الحافظ فى الفتح.
(قال) ابن جريح: أخبرت أن عمر كان يكسوها القباطى، وأخبرنى غير واحد أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كساها القباطى والحبرات. وابو بكر، وعمر، وعثمان. أخرجه عبد الرزاق (٢).
стр. 2180
" ولحديث " علقمة بن ابى علقمة أن أمه قالت: سالت عائشة أنكسو الكعبة؟ قالت: المراء يكفونكم. أخرجه عبد الرزاق (١) (وعن) ابن عمر أنه كان يكسو بدنه بالقباطى والحبرات يوم يقلدها، فإذا كان يوم النحر نزعها ثم أرسل بها الى شيبة بن عثمان فناءلها على الكعبة. أخرجه الفاكهى بسند صحيح وزاد فى رواية صحيحة فلما كست الأمراء الكعبة جللها (أى البدن) القباطى ثم تصدق بها (٢).
هذا: وأول من كساها أسعد أبو كرب تبع ملك حمير قبل الهجرة بقرنين كساها الخصف والمعافر والملاء والوصائل والعصب والمسوح والأنطاع والبرود (٣) وجعل للكعبة بابا ومفتاحا (قال) الحافظ فى الفتح: روى الفاكهى من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه أنه قال: زعموا أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن سب أسعد، وكان أول من كسا البيت الوصائل، ورواه الواقدى عن معمر عن همام بن منبه عن ابى هريرة مرفوعا. وأخرجه الحارث ابن ابى اسامة فى مسنده عنه. وزعم بعضهم أن أول من كسا الكعبة إسماعيل ﵊. وقيل إن عدنان أول من كسا الكعبة أو كسيت فى زميه أهـ (٤).
стр. 2181
ولما بنت قريش الكعبة عملوا لعا كسا شتى من أنواع الثياب. ولم تزل تكسوها حتى كان زمن أبى ربيعة بن المغيرة المخزومى، وكان ذا مال فقال: أكسوها من مالى عاما وقوموا بكسوتها عاما. واستمر الأمر على هذا الى عهد النبى ﷺ " فقد " روى الواقدى عن إبراهيم بن أبى ربيعة قال: كسى البيت فى الجاهلية الأنطاع. ثم كساه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الثياب اليمانية. ثم كساه عمر وعثمان القباطى.
(وروى) الدار قطنى فى المؤتلف أن أول من كسا الكعبة الديباج نتيلةبنت جناب والدة العباس بن عبد المطلب، كانت أضلت العباس صغيرا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج. وذكر الزبير بن بكار أنها أضلت ابنها ضرار بن عبد المطلب شقيق العباس، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت، فرده عليها رجل من جذام فكست الكعبة ثيابا بيضا (وهذا) محمول على تعدد القصة
(وحكى) الأرزاقى أن معاوية كساها الديباج والقباطى والحبرات فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء، والقباطى فى آخر رمضان.
وكساها الديباج يزيد بن معاوية، وابن الزبير، وعبد الملكبن مروان. وكانت كل كسوة تطرح على سابقتها، حتى سنة ١٦٠ هجرية حج المهدى العباسى، فأمر بتجريدها وألا يسدل عليها إلا كسوة واحدة.
(والصحيح) أن أول من أمر بتجريدها من الكسوة العتيقة سيدنا عمر فكان ينزع كسوتها كل سنة ويستبدل بها جديدة ويقسم الأولى بين الحجاج
(وذكر) الفاكهى أن أول من كساها الديباج، المأمون بن الرشيد
стр. 2182
فكان يكسوها الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطى أول رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان. وكساها الناصر العباسى ديباجا أخضر. ثم كساها ديباجا أسود واستمر الأمر على هذا إلى الآن.
فهى الآن تكسى فى العام مرة واحدة يوم النحر. جرت العادة أن تغسل الكعبة بماء زمزم فى السابع والعشربن من ذى القعدة، وتشمر ستورها وتكسى يوم الأضحى، ويأخذ الأشراف وبنو شيبة الكسوة العتيقة ويقتسمونها ويبيعون كل قطعة منها بأوفر الثمن.
(هذا) وقد اختلف العلماء فى التصرف فى كسوتها، فقال النووى فى المجموع قال صاحب التلخيص وفيره من الشافعية: لا يجوز قطع أستار الكعبة ولا نقل شئ منها ولا بيعا ولا شراؤها، خلاف ما يفعله العامة يشترونه من بنى شيبة. وارتضاه الرافعى والحليمى. وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفها فى بعض مصارف بين المال بيعا وعطاء، واحتج بما رواه الأزرقى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج.
... وهذا حسن متعين لئلا يؤدى إلى تلفها بطول الزمان. وروى الأزرقى عن ابن عباس وعائشة رضى الله هنهما قالا: تباع كسوتها وتجعل فى سبيل الله والمساكين وابن السبيل. قال ابن عباس وعائشة وأم سلمة: ولا باس بان يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجنب وغيرهما. ولا يجوز أخذ شئ من طيب الكعبة لا للتبرك ولا لغيره. ومن أخذ شيئا منه لزمه رده إليها فإن أراد التبرك أتى بطيب من عنده من عنده فمسحها به ثم أخذه أهـ ملخصا (١).
٦ - لبس الخرقة:
الخرفة لغة قطعة من الثوب والجمع خرق كسدرة وسدر، وفى اصطلاح
стр. 2183
الصوفية نوع من الثياب يلبسه الشيخ بعض المريدين حسبما يراه من حاله أو طاق من القماش يلفه على رأسه، يجمع الشيخ بعض الفقراء ويقرءون الفاتحة ويدعون للمريد، ثم يلبسه الشيخ ثوبا خشنا أزرق أو أحمر أو طاقية أو قلنسوة أو رداء أو يعممه. والكلام فيها بنحصر فى ثلاثة فروع.
١ - شرط لبسها:
يشترط فيمن يريد لبس الخرقة أن يحسن النية بأن يقصد بلبسها حصول البركة له والتزى بزى القوم الصالحين، لا الرباء والشهرة. وإلا كانت حراما. وأن يكون أهلا لها. وأن يكون الشيخ من العارفين أرباب النظر الصائب والفكر الثاقب.
(قال) القطب الشعرانى فى لواقح الأنوار: أحد علينا العهد العام من رسول الله ﷺ ألا نلبس لباس شبرة ولا لباس فخر ولا مباهاة، كأن نلبس المرقعات الملونة برقع خضر وصفر وحمر وسود ونحو ذلك، أو نلبس بشتا من ليف أو خوص أو حلفاء أو جلودا منزوعة الشعر. أو طرطور جلد أو خوص مكشوفا بغير عمامة، أو شملةحمراء أو خضراء أو نحوهما، أو نلبس طيلسانا رقيقا أو جبة نقية البياض جدا ونحو ذلك إلا بنية صحيحة شرعية. وقد كان الأشياخ لا يلتزمون لونا خاصا، فاعلم ذلم ولا تلبس لباس شهرة (روى) ضمرة بن ثعلبة أنه أتى النبى ﷺ حلتان من حلل اليمن. فقال: يا ضمرة أترى ثوبيك هذين مدخليك الجنة؟ فقال: يا رسول الله لئن استغفرت لى لا اقعد حتى انزعهما عنى فقال النبى ﷺ : اللهم اغفر لضمرة، فانطلق سريعا حتى نزعهما عنه. أخرجه أحمد ورجاله ثقات غير بقية فإنه مدلس (١) ﴿٣٦٥﴾
стр. 2184
(وعن فاطمة) الزهراء مرفوعا: شرار أمتى الذين غذوا بالنعيم، الذين يأكلون الوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون فى الكلام، أخرجه ابن أبى الدنيا والبيهقى بسند ضعيف (١) ﴿٣٦٦﴾ (وروى) ابن عمر مرفوعا: من لبس ثوب شهرة البسه الله يوم القيامة ثوبا مثله ثم ألهب فيه النار. أخرجه أبو داود (٢) ﴿٣٦٧﴾ وتقدم نحوه عند ابن ماجه رقم ٣٦٢ ص ٢٧٧
(ويؤخذ) منه أن لبس الشملة الصفراء أو الحمراء أو غيرهما إذا قصد به الشهرة والفخر يكون حراما، وعليه تحمل فتوى قدوة المحققين الشيخ على العدوى بالحرمة. وأخذ منه أنه لا يجوز للشيخ أن يلبس المريد الخرقة إلا إذا كان الشيخ أهلا للإلباس، والمريد أهلا للبس، بخلاف ما شاع فى هذا الزمان من أن كل من أدعى المشيخة يأمر تلميذه بلبس الخرقة، وهو ليس من أهل الكمال.
(قال) سيدى عبد الوهاب الشعرانى فى دور الغواص: قلت لشيخنا على الخواص رحمة الله: ما شرط
إلباس الخرقة عندكم؟ فقال: شرط إلباسها أن يعطى الله تعالى ذلك الشيخ من القوة والعزم أنه بمجرد ما يقول للمريد انزع فلنسوتك أو ثوبك مثلا أن ينزع عنه جميع الأخلاق المذمومة. ثم إنه يلبسه القلنسوة التى معه فيخلع عليه فيها جمع الأخلاق المحمودة التى يمكن مثله التخلق بها فمن لم يعطه الله ذلك فهو بإلباسه الخرقة للمريد كالمستهزئ بالطريق أهـ.
٢ - فائدة الخرقة:
(قال) العارف السهرودى فى عوارف المعارف: لبس الخرقة ارتباط بين الشيخ والمريد، وتحكيم من المريد للشيخ فى نفسه ز والتحكيم سائغ فى الشرع لمصالح دنيوية. فماذا ينكر المنكر للبس الخرقة على طالب صادق فى طلبة يقصد
стр. 2185
شيخا بحسن ظن وعقيدة. يحكمه فى نفسه لمصالح دينه يرشده ويهديه ويعرفه الطريق، ويبصره بىفات النفوس وفساد الأعمال، ومداخل العدو فيسلم نفسه إليه ويستسلم لرأيه ويستصوبه فى جميع تصاريفه، فيلبسه الخرقة إظهارا للتفويض والتسليم: ودخوله فى حكم الشيخ دخول فى حكم الله ورسوله وإحياء لسنة المبايعة مع رسول الله صلى الله علية وعلى آله وسلم (ثم قال) وسر الخرقة أن الطالب الصادق إذا دخل فى صحبة الشيخ وسلم نفسه له وصار كالولد الصغير مع الوالد يربيه الشيخ بعلمه المستمد من الله تعالى بصدق الافتقار وحسن الاستقامة ويكون للشيخ بنفوذ بصيرته الإشراف عليه ن فقد يكون المريد يلبس الخشن كثياب المتقفين المتزهدين، وله فى ذلك هوى كامن فى نفسه ليرى بعين الزهادة، فاشد ما عليه لبس الناعم. وللنفس هوى واختيار فى هيئة مخصوصة من الملبوس. كقصر الكم والذيل وطوله وخشونته ونعومته على قدر هواها، فليلبس الشيخ مثل هذا الراكن لتلك الهيئة ثوبا يكون سببا فى كسر هوى نفسه. وقد يكون على المريد ملبوس ناعم أو هيئة فى الملبوس تشرئب النفس الى تلك الهيئة بالعادة، فيلبسه الشيخ ما يخرج النفس من عادتها وهواها.
فتصرف الشيخ فى الملبوس كتصرفه فى المطعوم، وكتصرفه فى صوم المريد وإفطاره وكتصرفه فى امر دينه بإرشاده إلى ما يرى له من المصلحة من دوام الذكر والتنفل بالصلاة ودوام التلاوة والخدمة، وكتصرفه فيه برده الى الكسب وغيره، فيأمر كل مريد بما يصلحه من أمر معاشه ومعاده، ولتنوع الاستعدادات تنوعت مراتب الدعوة. قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١)
(فالحكمة) رتبة فى الدعوة وكذا الموعظة والمجادلة، فمن يدعى بالحكمة لا يدعى بالموعظة وبالعكس ن فهكذا الشيخ يعلم من هو على وضع الأبرار ومن هو على وضع المقربين، ومن يصلح لدوام الذكر، ومن يصلح لدوام الصلاة، ومن له هوى فى التخشن أو فى التنعيم، فيخلع المريد من عادته ويخرجه من
стр. 2186
مضيق هوى نفسه، ويطعمه باختياره ويلبسه باختياره ويداوى بالخرقة المخصوصة والهيئة المخصوصة داء هواه، ويتوخى بذلك تقريبه إلى رضا مولاه أهـ بتصرف.
٣ - دليل لبس الخرقة:
(قال) السيوطى فى زاد المسير: قد استنبطت للخرقة أصلا من السنة وهو (ما رواه) البيهقى فى الشعب عن عطاء الخراسانى أن رجلا أتى ابن عمر فساله عن إرخاء طرف العمامة فقال: إن رسول الله ﷺ بعث سرية وأمر عليها عبد الرحمن بن عوف وعقد له لواء وعلى عبد الرحمن عمامة من كرابيس مصبوغة بسواد، فدعاه رسول الله ﷺ فحل عمامته ثم عممه بيده وأفضل موضع اربع اصابع أو نحوها فقال: هكذا فاعتم فإنه أحسن وأجمل (١) ﴿٣٦٨﴾.
(وما رواه) أبو داود والبيهقى عن عبد الرحمن بن عوف قال: عممنى رسول الله ﷺ فيدلها بين يدى ومن خلفى. وفى سنده شيخ مجهول (٢) ﴿٣٧٠﴾.
стр. 2187
(وظاهر) أنه لا دلالة فى هذه الأخبار على إلباس الخرقة المعروفة عند الصوفية.
(وقد) استدل ابن الصلاح وغيره على إلباسها بما تقدم عن أم خالد بنت خالد بن سعيد أن رسول الله ﷺ أتى بكسوة فيها خميصة صغيرة فقال: من ترون أحق بهذه؟ فكست القوم. فقال إيتونى بأم خالد فأتى بها فألبسها إياها ثم قال. أبلى وأخلفى، مرتين. أخرجه أحمد والبخارى وأبو داود (١)
وهو أيضا لا يدل على الدعوى كما هو واضح.
(وقد) ذكر الحافظ بن الصلاح سنده فى لبس الخرقة إلى حبيب العجمى عن الحسن البصرى عن على بن أبى طالب وقال: ولبس بقادح فيما أوردناه كون لبس الخرقة ليس متصلا الى منتهاه على شرط أصحاب الحديث فى الأسانيد (٢)
أهـ.
(فتحصل) أن لبس الخرفة وإلباسها بالكيفية التى عليها صوفية الزمان لا دليل عليه من الشرع (قال) العارف السهرورى فى عوارف المعارف: ولا خفاء أن لبس الخرقة على الهيئة التى تعتمدها الشيوخ فى هذا الزمان لم يكن فى زمن رسول الله ﷺ . وهذه الهيئة والاجتماع لها والاعتداء بها فى استحسان الشيوخ أهـ.
(قال) العلامة الشيخ محمد بن عبد الباقى الزرقانى فى كتابه " تلخيص مختصر المقاصد الحسنة: فى الأحاديث المشهرة: لبس الخرفة المشهور بين الصوفية باطل لا اصل له. نص عليه جمع من الحفاظ حتى ممن لبسها اقتداء بالسادة الصوفية. وللجلال السيوطى مؤلف سماه " إتحاف الفرقة برقو الخرقة ".
لكن غاية ما فيه إثبات أن الحسن البصرى سمع من على فى الجملة. وليس فيه إثبات أن عليا البس الحسن. وى أن المصطفى رسول الله ﷺ ألبس عليا الخرقة على الصورة المتعارفة بينهم أهـ.
(وقال) المحدث الشيخ إسماعيل العجلونى فى كشف الخفاء: لبس الخرقة الصوفية وكون الحسن البصرى لبسها من على: قال فى المقاصد: قال ابن دحية وابن الصلاح: باطل. وقال الحافظ بن حجر: ليس فى شئ من طرقها
стр. 2190
ما يثبت ولم يرد فى خير صحيح ولا حسن ولا ضعيف أن النبى ﷺ البس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لبعض اصحابه، ولا أمر أحد من الصحابة بفعل ذلك. وكل ما ورد فى ذلك صريحا فباطل. ثم قال: إن من الكذب المفترى قول من قال: إن عليا البس الخرقة الحسن البصرى.
(وقال) فى التمييز: لم ينفرد الحافظ بن حجر بهذا، بل سبقه إليه جماعة حتى من لبسها وألبسها كالدمياطى والذهبى والهكارى وابى حبان والعلائى والعراقى وابن ملقن والأنباسى والبرهان الحلبى وابن ناصر الدين وغيرهم.
(وقال) القارى: وكذا نسبة التلقين المتعارف بين الصوفية لا اصل له، " وكذا " نسبة الخرقة إلى أويس القرنى وأنه الصلاة والسلام أوصى له بخرقته، وأن عمر وعليا سلماها إليه " فغير " ثابت ولو ذكره بعض
المشايخ، فالمدار على طريقة الصحة ومتابعة الكتاب والسنة أهـ ملخصا (١).
(فالصواب) الاقتصار على ما كان عليه رسول الله ﷺ واصحابه الكرام، من مبايعة الناس على السمع والطاعة والوقوف عند الحدود من التخلى عن الرذائل والتحلى بالفضائل.
" وأما " ما يقع من متصوفة الزمان من وضع ايديهم فى ايدى الرجال والنساء ومعاهدتهم على أن يكونوا تلامذة لهم ليتمشيخوا عليهم ويشاركوهم فى أموالهم تارة بالأكل فى بيوتهم، تارة بضرب عوائد يدفعونها فى وقت معين كأنها جزية تؤخذ بالجبروت " فهو " إحرام وإفساد خارج عن حد الشرع ولا يقره العقل. نسال الله لنا ولجميع الأمة كمال الهداية وتمام التوفيق.
٧ - الفراش:
يطلب الاقتصاد فيه والاكتفاء بالمحتاج إليه اقتداء برسول رسول الله صلى
стр. 2191
الله عليه وسلم وينبغى تجنب لين الفراش (فقد) قال جابر بن عبد الله ذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الفرش فقال: فراش للرجل وفراش لمراة وفراش للضيف والرابع للشيطان. أخرجه مسلم وابو داود والنسائى (١) ﴿٣٧٣﴾.
(والمعنى) أن ما زاد عن الحاجة من الفراش فاتخاذه للمباهاة والفخر وما كان كذلك فهو مذموم يرتضيه الشيطان ويحسنه فاضيف اليه. ويحتمل أنه على ظاهره. والمعنى أن الزائد عن الحاجة يكون للشيطان عليه مبيت ومقبل
هذا وتعدد الفراش للزوج والزوجة إنما يكون عند الحاجة كالمرض ونحوه، وإلا فاجتماعهما فى فراش واحد أفضل. وهو الذى واظب عليه النبى ﷺ ، مع مواظبته على قيام الليل.
(فقد) كان ينام مع زوجه فإذا أراد التهجد قام وتركها، فلنقتد به صلى الله عليه وسلموهذا من باب حسن العشرة، لا سيما إن عرف من حالها حرصها على النوم معه.
(وقالت) عائشة رضى الله عنها: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذى ينام عليه من أدم حشوة ليف. أخرجه الخمسة إلا النسائى وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (٢) ﴿٣٧٤﴾. وأخرجه ابو داود عن عائشة قالت: كانت ضجعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من آدم حشوها ليف (٣) ﴿٣٧٥﴾ (وعنها) قالت: كان وسادة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
стр. 2192
وسلم التى ينام عليها بالليل من أدم حشوها ليف. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجه (١) ﴿٣٧٦﴾.
هذا. ويباح وضع ملاءه ونحوها من غير الحرير على الفراش " لحديث " جابر بن عبد الله قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اتخذتم أنماطا؟ قلت وأنى لنا الأنماط؟ فقال أم إنها ستكون لكم أنماط. أخرجه الخمسه. وفي روايه لمسلم: قال جابر. وعند امراتي نمط فانا اقول نحيه عني , وتقول فقد قال رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم. انها ستكون (٢) ﴿٣٧٧﴾.
(ففيه) دلاله علي جواز اتخاذ الانماط اذا لم تكن من حرير. وفيه معجزة للنبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم حيث وقع ما اخبر به ولم يكن فى زمانه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
٨ - الاثار الموضوعة فى اللباس
لم نال جهدا فى ذكر أدلة اللباس وما ألحق به وبيان حالها من صحة وحسن وضعف، وقد قيل فيه ما لم يثبت، فإتمامه للفائدة وتنبيها للغافل، وتحذيرا للعاقل من الاغترار به نبينه هنا وهو سبعة أنواع.
١ - ما قيل فى العمامة:
... (أ) قال المحدث العجلونى فى كشف الخفاء. ومن الموضوع ما أورده الديلمى عن ابن عمر مرفوعا: صلاة بعمامة تعدل بخمس وعشرين صلاة. وجمعة
стр. 2193
بعمامة تعدل سبعين جمعة (١) وفيه: إن الملائكة يشهدون الجمعة معتمين ويصلون على أهل العمائم حتى تغيب الشمس. وفى لفظ عنه أيضا: جمعة بعمامة أفضل من سبعين بلا عمامة (٢).
(وعنه) وعن ابى هريرة معا: إن لله ملائكة وقوفا بباب المسجد يستغفرون لأصحاب العمائم البيض (٣)
(وعن) جابر: ركعتان بعمامة افضل من سبعين بلا عمامة (٤) (وعن) ابى الدرداء: إن الله وملائكته يصلون على اصحاب العمائم يوم الجمعة (وعن) على: العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين. وبعضه أو هى من بعض أهـ.
(ب) وقال العلامة محمد طاهر فى تذكرة الموضوعات: قال فى المقاصد. صلاة بعمامة تعدل بخمس وعشرين. وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة. موضوع.
(وقال) فى الذيل عن عبد الله بن عمر. يابنى أحب العمامة. يابنى اعتم تبجل وتكرم وتوقر. ولا يراك الشيطان إلا ولى هاربا، سمعت النبى ﷺ يقول: إن صلاة بعمامة تعدل خمسا وعشرين صلاة بغير عمامة، وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بغير عمامة. إن الملائكة ليشهدون الجمعة معتمين ولا يزالون يصلون على اصحاب العمائم حتى تغرب الشمس (قال) ابن حجر. موضوع، فيه عباس بن كثير لم أر له ذكرا فى الغرباء. وفيه غيره، قلت: أخرجه ابن عساكر والديلمى. وفيه ايضا العباس المذكور (صلاة) على كور العمامة يعدل ثوابها عند الله غزوة فى سبيل الله. وضعه إبراهيم (الصلاة) فى العمامة عشرة الاف حسنة. فيه ابان متهم، وفى المقاصد هو موضوع أهـ.
стр. 2194
٢ - ما قيل فى القباء والمنطقة:
(قال) ابو سعيد العقيلى لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النبى ﷺ قباء ومنطقة ن فقال ابو البخترى حدثنى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن جبريل نزل على النبى ﷺ قباء ومنطقة، متحجر فيها تحجيرا، هذا وضعه أبو البخترى (قال) الخطيب أنبأنا التنوخى حدثنا طلحة بن محمد بن جعفر حدثنى عمر بن الحسن الأشنانى حدثنا جعفر الطيالسى عن يحيى بن معين أنه وقف على حلقة ابى البخترى فإذا هو يحدث هذا الحديث عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر فقال له: كذبت يا عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلمن قال فأخذنى إلى والى الشرط (١) فقلت هذا يزعم أن رسول رب العالمين نزل على النبى صلى الله عليه وسلمقباء، فقالوا لى هذا والله قاص كذاب، وأفرجوا عنى. قاله السيوطى فى اللالى (٢).
٣ - ما قيل فى لبس الصوف:
(أ) قال احمد بن عبد الله الجوئيارى حدثنا سلم بن سالم عن عباد بن كثير عن مالك بن دينار عن الحسن عن أبى هريرة مرفوعا: من سره أن يجلس مع الله تعالى فليجلس مع أهل الصوف، أخرجه الخطيب. قال السيوطى فى اللالى: موضوع، والمتهم به الجوئبارى (٣).
(ب) وقال هناد بن غبراهيم النسفى: أنبانا المنصور بن ربيعة بن أحمد الدينورى
стр. 2195
حدثنا عبد الرحمن بن الصومعى حدثنا على بن محمد بن البخارى حدثنا ابو زرعة محمد بن على بن محمد حدثنا ابو عمرو سعيد بن القاسم بن العلا البردعى حدثنا فارس بن محمد بن على حدثنا يحيى بن خالد المهلى حدثنا سعدان عن مقاتل بن سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال: مات النبى ﷺ فى الصوف وعليه اثنتا عشرة رقعة بعضها من أدم، ومات عمر بن الخطاب وعليه ثلاث عشرة رقعة بعضها من أدم. رواه الخطيب، قال السيوطى فى اللالئ موضوع، هناد ومقاتل كذابان، ومن بينهما مجاهيل أهـ (١).
(جـ) وقال سليمان بن ارقم عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن الأعرج عن ابى هريرة. وحدث سليمان عن صالح بن كيسان عن ابى هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم قال: من سره أن يجد حلاوة الإيمان فليلبس الصوف وليعقل شاته. أخرجه ابن عدى قال ابن الجوزى: موضوع، سليمان متروك (٢) (وقال) فى التذكرة فيه سليمان بن أرقم يروى الموضوعات (قلت) الحديث حسن له شواهد فعند البيهقى بوجه آخر: من لبس الصوف وحلب الشاة وركب الأتن، فليس فى جوفه شئ من الكبر (٣).
(د) وقال فى التذكرة: قال فى الذيل: عن ابن عباس رفعه: نزل جبريل فى بعض الليل فقعد فمسحت يدى على ظهره فاصبت الشعر ن فقلت يا جبريل ما هذا الشعر؟ قال: الصوف لباس الأولياء. قلت سبحان لله الملائكة تلبس الصوف؟ قال نعم يا محمد، والله إن لباس حملة العرش الصوف. فيه عبد الله بن واقد، مظلم الحديث.
стр. 2196
وحديث: من لبس الصوف ليعرفه الناس كان حقا على الله أن يكسوه ثوبا من جرب حتى تتساقط عروقه. فيه عباد بن كثير متروك أهـ.
٤ - ما قيل فى الثوب:
(أ) قال سليم بن عيسى أبو يحيى عن سفيان الثورى عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن عائشة أنها قالت، قال رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم، ابغض العباد إلى الله تعالى من كان ثوباه خيرا من عمله، أن يكون ثيابه ثياب الانبياء وعمله عمل الجبارين، أخرجه العقيلى، وقال: سليم مجهول فى النقل، حديثه غير محفوظ منكر (وقال) ابن الجوزى: موضوع.
(وقال) فى الميزان: سليم بن عيسى الكوفى القارئ إمام فى القراءة عن الثورى أورد خبرا منكرا ساقه العقيلى وهو هذا، ثم قال: هذا باطل. ولعل هذا الرجل غير القارئ. قاله السيوطى فى اللآلى (١).
(ب) وقال العجلونى فى كشف الخفاء: من تزيا بغير زيه فقتل فدمه هدر قال فى المقاصد، ليس له أصل يعتمد، ويحكى فيه حكايات منقطعة.
(منها) أن بعض الجان حدث به إما عن على مرفوعا، وإما عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا واسطة، ولم يثبت منه شئ أهـ (٢).
٥ - ما قيل فى الخاتم:
(أ) قال فى كشف الخفاء: الصلاة بخاتم تعدل سبعين صلاة بغير خاتم. قال فى المقاصد إنه موضوع (٣).
стр. 2197
(ب) وقال: تختموا بالزبر جد فإنه يسر لا عسر فيه. قال الحافظ بن حجر موضوع (١).
(جـ) وقال: تختموا بالزمر فإنه ينفى الفقر. رواه الديلمى عن ابن عباس ولا يصح (٢).
(د) وقال: تختموا بالعقيق فإنه ينفى الفقر. رواه ابن عدى عن أنس وقال حديث باطل، فيه الحسين بن إبراهيم مجهول. ولذا حكم ابن الجوزى بوضعه واقره السيوطى. ورواه العقيلى والبيهقى وغيرهما عن عائشة بلفظ: تختموا بالعقيق فإنه مبارك (وقال) فى المقاصد: له طرق كلها واهية (فمنها) ما رواه البيهقى فى الشعب عن عائشة رضى الله عنها من طرق بالفاظ (منها) اشتر له خاتما وليكن فصه عقيقا، فإنه من تختم بالعقيق لم يقض له إلا بالذى هو اسعد، وأعله ابن الجوزى بمحمدبن ايوب بن سويد، فإنه يروى الموضوعات عن ابيه وليس بشئ (٣) (ومنها) أكثر تختم أهل الجنة بالعقيق (ومنها) لابن عدى عن أنس مرفوعا بلفظ: فإنه ينفى الفقر بدل: فإنه مبارك. زاد: واليمين أحق بالزينة. وجزم فى الميزان بأنه موضوع. وقال ابن عدى: هو باطل (ومنها) ما فى أمالى الحسين بن هارون الضبى عن جعفر بلفظ: من تختم بالعقيق ونقش فيه " وما توفيقى إلا بالله، وفقه الله لكل خير، وأحبه الملكان الموكلان به. وفى سنده ابو سعيد الحسن بن على كذاب (ومنها) لابن حبان فى الضعفاء عن فاطمة مرفوعا: من تختم بالعقيق لم يزل يرى خيرا. وفى سنده أبو بكر ابن شعيب لا يحل الاحتجاج بحديثه، يروى عن مالك ما لبس من حديثه.
стр. 2198
ورواه الطبرانى فى الأوسط وغيره بطرق وكلها باطلة. ومن ثم قال العقيلى: لا يثبت فى هذا عن صلى الله عليه وعلى آله وسلم شئ وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات أهـ مخلصا (١)
(هـ) وقال يعقوب بن الوليد المدنى عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة مرفوعا: تختموا بالعقيق فإنه مبارك. اخرجه العقيلى وقال: لا يثبت فى هذا عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم شئ. ذكره ابن الجوزى فى الموضوعات وذكر حمزة بن الحسن الإصبهانة فى كتابه التنبيه على حروف من التصحيف إن كثيرا من رواة الحديث يروونه تختموا بالعقيق وإنما تخيموا بالتحتية بالعقيق وهو اسم واد قرب المدينة (قال) ابن الجوزى: وهذا بعيد وقائل هذا أحق أن ينسب اليه التصحيف، لما ذكرنا فى طرق هذا الحديث (٢).
(وقال) الحافظ بن حجر فى تلخيص مسند الفردوس: ويؤيد قول حمزة ما أخرجه البخارى بلفظ: أتانى جبريل فقال: صل فى هذا الوادى المبارك يعنى العقيق، وقل عمرة فى حجة أهـ قاله السيوطى فى اللالئ (٣).
(وقال) فى كشف الخفاء: وهذا الوصف ثبت لوادى العقيق فى الحديث الذى أخرجه البخارى فى الحج عن ابن عباس يقول: أمه سمع عمر يقول: سمعت النبى ﷺ بوادى العقيق يقول: أتانى آت من ربى فقال ك ثل فى هذا الوادى المبارك وقل عمرة فى حجة أهـ قال فى المقاصد " وما روى " المطرزى فى اليواقيت عن إبراهيم الحربى أنه سئل عنه فقال: إنه صحيح. ويروى ايضا " تخيموا " بالمثناه التحتية، أى اسكنوا العقيق واقيموا به " فغير " معتمد بل المعتمد بطلانه اهـ (٤)
стр. 2199
٦ - ما قيل فى النعل:
(قال) فى كشف الخفاء: من لبس نعلا أصفر قل همه. رواه العقيلى والطبرانى والخطيب عن ابن عباس موقوفا لكن بلفظ: لم يزل فى سرور مادام لابسها بدل قل همه. وقال ابن ابى حاتم: سالت ابى عنه. فقال: كذب موضوع وعزاه فى الكشاف لعلى باللفظ الأول. وكأن المأخذ قوله تعالى: ﴿صفراء صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ (١)
٧ - ما قيل فى طى الثياب:
قد قيل فيه عدة أحاديث كلها ضعيفة (منها) ما تقدم فى بحث " طى الثياب " (٢) (ومنها) حديث جابر أن النبى ﷺ قال: اطووا ثيابكم ترجع اليها ارواحها، فإن الشيطان إذا وجد ثوبا مطويا لم يلبسه، وإذا وجده منشورا لبسه. أخرجه فى الأوسط وفيه عمر بن موسى بن وجيه وهو وضاع (٣) (وقال) السخاوى فى المقاصد: إسناده واه (وقال) ابن الجوزى: حديث لا يصح
(ومنها) حديث جابر أن النبى ﷺ قال: طى الثوب راحته، أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس (قال) ابن الجوزى: لا يصح وفيه أيضا عمر بن موسى الوجيهى (٤) (وعن جابر) أن النبى صلى الله عليه وعلى آله
стр. 2200
وسلم قال: الشياطين يستمتعون بثيابكم، فإذا نزغ أحدكم ثوبه فليطوه حتى ترجع إليها أنفاسها (١) فإن الشياطين لا تلبس ثوبا مطويا، أخرجه ابن عساكر وضعفه السيوطى (وذكر) فى كشف الخفاء حديثى جابر الأولين وحديث عائشة المتقدم فى بحث " طى الثياب " وقال: جميعها واهية، وكذا ما اشتهر على بعض الألسنة: اطووا ثيابكم بالليل لا يلبسها الجن تتوسخ، بل قال فى المقاصد: لم اره، وفى كلام بعضهم، اطوونى ليلا أجملكم نهار أهـ (٢)
تنبيهات
الأول: اشتمل هذا الجزء عل أدلة الأحكام من الكتاب مضبوطة مفسرة مبينا مرجعها.
الثاني: اشتمل على (أ) ٣٧٨ ثمانية وسبعين وثلثمائة حديث المكرر منها ٣٣ ثلاثة وثلاثون حديثا
(ب) واشتمل على ٦٢ اثنين وستين أثرا المكرر منها أربعة.
الثالث: قد بين بها مش هذا الجزء أهم المراجع التي استعين بها في تخريج أدلته ومراجع النصوص العلمية فلينظر بيانها بصحتي ٣٧٥، ٢٧٦ من الجزء السابع من الدين الخالص. والله تعالى ولى التوفيق والهداية. والصلاة والسلام على من أنزل عليه الكتاب وعلى اله والأصحاب، والتابعين لهم بأحسان الى يوم الدين.
تم بحمد الله تعالى وحسن توفيقه الجزء السادس من الدين الخالص
ويليه ان شاء اللهخ تعالى الجزء السابع، وأوله الجنائز
стр. 2201
الدين الخالص
أو
إرشاد الخلق إلى دين الحق
وهو آخر كتاب وضع أصله الشيخ الإمام محيي السنة ومميت البدعة
صاحب الفضيلة والإرشاد المرحوم السيد
محمود محمد خطاب السّبكى
المتوفى فى الرابع عشر من ربيع الاول سنة ١٣٥٢ هـ -٧ يوليو سنة ١٩٣٣ م
عمه الله تعالى بالرحمة والرضوان وأسكنه عالى الجنان
الجزء السابع
عنى بنتقيحه وتصحيحه وتنسيقه والتعليق عليه وضبط الآيات والأحاديث وترقيمها وبيان حالها وغريبها ومراجعها خليفة الشيخ الامام المرحوم السيد
أمين محمود خطاب
المتوفى فى السابع والعشرين من ذى القعدة ١٣٨٧ هـ - ٢٦ فبراير ١٩٦٨ م ﵀ رحمة واسعة وجعل قبره
روضة من رياض الجنة وحشره مع الصالحين
حقوق الطبع محفوظة له
الطبعة الرابعة ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م
стр. 2202
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الجنائز
هي بفتح الجيمِ جِنَازة بكسرها وتفتح، من الخبر وهو الستر اسم للنعش عليه الميت (١). والكلام هنا ينحصر في سبعة أصول:
(أ) المرض: المرض نعمة من نعم الله تعالى على عباده الصالحين والكلام فيه ينحصر في أحد عشر فرعا:
(١) فضل المرض: جاء في فضله أحاديث (منها) حديث أبى هريرة: " من يُرد الله به خيراَ يُصَيِب منه " أخرجه الشيخان والنسائي (٢) ﴿١﴾
(وحديث) أنس بن مالك: أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت يا رسول الله ابنة لي كذا وكذا ذكرت من حسنها وجمالها. أتْرِ بُكَ بها قال: قد قبلتُها فلم تزل تمدحُها حتى ذكرت أنها لم تصُدع ولم تشتك شيئا قط " قال " لا حاجة في ابنتك. أخرجه أحمد وأبو يعلى بسند رجاله ثقات (٣) ﴿٢﴾
стр. 2203
وهو رافع للدرجات مكفر للسيئات لمن صبر ولم يجزع (لحديث) عائشة أن النبي ﷺ قال: " ما مِن مصُيبِة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يُشاكُها " أخرجه البخاري (١) ﴿٣﴾
(وحديث) أبى سعيد وأبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " ما يصيب المؤمن من نصَب ولا وصَب ولا هَم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه " أخرجه البخاري والشيخان (٢) ﴿٤﴾
(في هذه) الأحاديث بشارة عظيمة للمؤمن لأنه لا ينفك غالبا عن ألم من مرض أو نحوه. وفيها أن الأمراض والآلام بدنية أو قلبية تكفر ذنوب من يصاب بها.
وظاهره تعميم جميع الذنوب لكن خصه الجمهور بالضفائر (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر " أخرجه احمد ومسلم والترمذى (٣) ﴿٥﴾
حملوا المطلقات الواردة في التكفير على هذا المقيد، ويحتمل أن يكون معنى المطلق أن البلايا والأمراض ونحوها صالحة لتكفير الذنوب فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب. والمراد بتكفير الذنب ستره أو محو أثره المترتب عليه من استحقاق العقوبة (وقد) استدل بإطلاق الأحاديث على أن السيئات تكفر بمجرد حصول المرض أو غيره وإن يكن معها صبر (وقال) القرطبي وغيره: محله إذا صبر المصاب واحتسب (لحديث) صهيب بن سنان أن النبي ﷺ قال: عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد غير المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا " أخرجه مسلم (٤) ﴿٦﴾
стр. 2204
والظاهر أن المصيبة إذا قارنها الصبر حصل التكفير ورفع الدرجات وإن لم يحصل صبر ولا جزع يذم عليه من قول أو فعل ففضل الله واسع. ولكن منزلته منحطة عن منزلة الصابر. وإن لم يكن صبر ومعه جزع يذم عليه نقص الأجر أو التكفير فقد يستويان وقد يزيد أحدهما على الآخر فبقدر ذلك يقضى لأحدهما على الآخر (١).
هذا ويندب للمريض أن يصبر ويحمد الله ولا يشكو وأن يتضرع إلى ربه (لحديث) أبى أمامه أن النبي ﷺ قال: " إن الله ليقول للملائكة: انطلقوا إلى عبدي فصبتوا عليه البلاء صبا فبحمد الله فيرجعون فيقولون: يا ربنا، صببنا عليه البلاء صبا كما أمرتنا فيقول: ارجعوا فإني أحب أن أسمع صونه " أخرجه الطبرانى في الكبير. وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف (٢) ﴿٧﴾
(٢) فضل الله تعالى على المريض: من فضل الله تعالى على عبده المؤمن أنه إذا مرض أو منعه مانع من طاعة كان يؤديها وهو صحيح مقيم أن يعطيه الله تعالى أجر ما كان يعمله من الخير ومنعه منه مرض أو غيره. وقد ورد في هذا أحاديث (منها) حديث أبى بردة عن أبى موسى الأشعرى قال: سمعت النبي ﷺ غيره مرة ولا مرتين يقول " إذا كان العبد يعمل عملا صالحا فشغله عنه مرض أو سفر كُتِب له كصالح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم " أخرجه آبو داود والبيهقى وكذا البخاري (٣) بلفظ: إذا مرض العيد أو سافر كُتِب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا. ﴿٨﴾
(وحديث) عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: " إن العبد
стр. 2205
إذا كان على طريقة حسنة من العبادة ثم مرض قيل للملك الموكل به أكتب له مثل عمله إذا كان طليقا حتى أطلقه أو أكفِته إلى " أخرجه أحمد وعبد الرازق بسند صحيح (١) ﴿٩﴾
والأحاديث في هذا كثيرة: (٢)(٣) فضل الصبر: الصبر لغة حبس النفس عن الضجر والرضا بما يقتضيه العقل أو الشرع. واصطلاحا خلق فاضل يحمل النفس على التحلي بما يحسن والتخلى عن القبيح. (وقيل) هو اعتراف العبد بأن ما أصابه من الله واحتساب أجره عنده ورجاء ثوابه منه. (وقيل) هو حبس النفس على الطاعة ومشاقها والمصائب وحرارتها وعن المنهيات والشهوات ولذاتها (وهو) ثلاثة أنواع: صبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية. هذا. والصبر فضله عظيم وأجره عميم قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣) وقال: " وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ﴿١٥٦﴾ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " (٤)
وأفضله ما كان عند الصدمة الأولى (لحديث) ثابت عن أنس قال: أتى النبي ﷺ على امرأة تبكى على صبى لها فقال لها: اتقى الله واصبري
стр. 2206
فقالت: وما تُبالى أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبي ﷺ فأتته فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول الله لم أعرفك. فقال: " إنما الصبر عند الصدمة الأولى " أخرجه الخمسة وأبو نعيم والطبرانى والبيهقى (١) ﴿١٠﴾
أي لا يكون الصبر الكامل المترتب عليه الثواب العظيم والأجر الجزيل إلا عند أول نزول المصيبة بخلاف ما كان بعد ذلك فإنه بمرور الأيام يسلو
(وفائدة) جواب المرأة بذلك أنها لما جاءت بين لها أن حق هذا الصبر أن يكون في أول الحال، فهو الذي يترتب عليه الثواب الكامل.
(وجوابه) ﷺ بهذا عن قولها " لم أعرفك " من قبيل الأسلوب الحكيم كأنه قال لها: أدعى الاعتذار فآني لا أغضب لغير الله تعالى. وتحلى بما فيه سعادتك في الدارين وإنما يكون ذلك بالصبر والرضا بقضاء الله وقدره ولا سيما عند مفاجأة المصيبة. وقد ورد في فضل الصبر أحاديث كثيرة (منها) حديث آبى هريرة قال: " جاءت امرأة بها آلم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع لي فقال: إن شئتِ صبرتِ ولا حساب عليك. قالت بلى، أصبر وَلا حساب علىَّ " أخرجه البزار بسند حسن وأحمد وابن حبان بسند رجاله رجال الصحيح خلا محمد ابن عمرو وهو ثقة وفيه ضعف (٢) ﴿١١﴾
стр. 2207
(وعن) عطاء بن آبى رباح عن ابن عباس قال: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت بلى. فقال هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت إنى اصرع وإنى أتكشف فادع الله تعالى لي. فقالت إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة. وإن شئتِ دعوتُ الله تعالى أن يعافيك فقالت أصبر. فقالت إنى أتكشف فادع الله لي ألا أتكشف فدعا لها. أخرجه الشيخان (١) ﴿٢﴾
(وعن) أنس قال ك سمعت النبي ﷺ يقول: إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة. يريد عينيه " أخرجه البخاري (٢) ﴿١٢﴾
(وعن) أبى منيب الأحدب قال: خطب معاذ بالشام فذكر الطاعون فقال: إنها رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبضُ الصالحين قبلكم، اللهم اجعل على آل محمد نصيبهم من هذه الرحمة ثم نزل عن مقامه ذلك فدخل على عبد الرحمن ابن معاذ فقال عبد الرحمن (الحقُ مِن رَّبك فَلاَ تكُونَنَ مِنَ الممتَريِن) فقال معاذ: ستجدني إنْ شَاء اللهُ مِنَ الصَابرين. أخرجه أحمد بسند رجاله ثقات (٣) ﴿١٤﴾
(وعن) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة " أخرجه البخاري (٤)
стр. 2208
(٤) عبادة المريض: العبادة: الزيارة وتفقد الحال، وهى حق من حقوق المسلم على المسلم (لحديث) أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: حق المسلم على المسلم ست. قيل ما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيتَه فسلَّم عليه، وإذا دعاك فاجبه. وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عَطَسَ فحمد الله فسمَّته، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتَّبعه " أخرجه أحمد والشيخان ﴿١٦﴾ (١)
والكلام فيها ينحصر في خمسة مباحث:
(أ) حكمها: هي سنة مؤكدة عند الجمهور (لقول) ابن عباس رضى الله عنهما: " عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع " أخرجه الطبرانى في الكبير والأوسط، وفيه النضر آبو عمر وحديثه حسن (٢) ﴿١٧﴾
(وقال) البخاري: إنها واجبة. وقال ابن حمدان: إنها فرض كفاية (لحديث) آبى موسى الأشعر أن النبي ﷺ قال: " أطعموا الجائع وعودوا المريض وفُكّوا العانى " أخرجه احمد والبخاري وأبو داود (٣) ﴿١٨﴾
(ولحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " خمس تجب للمسلم على أخيه: رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض واتباع الجنائز " أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم (٤) ﴿١٩﴾
(وأجاب) الجمهور بأن الأمر في الحديث الأول والوجوب في الثاني محمول
стр. 2209
على مزيد الترغيب في عيادة المريض والاهتمام بشأنها، وللحث على التواصل والألفة، وإلا فهي في الأصل مندوبة، وقد تصل إلي الوجوب في حق البعض وتتأكد في حق من ترجى بركته، وتسن فيمن يراعى حاله وتباح فيما عدا ذلك (ونقل) النووي الإجماع على عدم الوجوب يعنى على الأعيان (١)
(هذا) وقد استدل بعموم قوله: " عودوا المريض " على مشروعية العيادة لكل مريض (وقد) جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم قال: " عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني " أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقى والبخاري في الأدب المفرد والحاكم وصححه (٢) ﴿٢٠﴾
(ويلحق) بعيادة المريض تعهده وتفقد أحواله والتلطف به وربما كان ذلك سببا لنشاطه وانتعاش قوته وفى إطلاق الحديث دليل على أن العيادة لا تتقيد بوقت.
(ب) فضل العبادة: قد ورد فضلها والترغيب فيها أحاديث منها (حديث) ثوبان أن النبي ﷺ قال: من عاد مريضا لم يزل في خرفه الجنة حتى يرجع قيل يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: جناها " أخرجه أحمد ومسلم والترمذى والبيهقى (٣) ﴿٢١﴾
(وحديث) ثابت البنانى عن أنس أن النبي ﷺ قال: " من
стр. 2210
توضا فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفا، فقلت يا ابا حمزة ما الخريف؟ قال: العالم " أخرجه أبو داود (١) ﴿٢٢﴾
(وحديث) ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " من عاد مريضا خاض في الرحمة، فإذا جلس إليه غمرته الرحمة، فإن عاده من أول النهار استغفر له سبعون ألف ملك حتى يمسى، وأن عاده من أول الليل استغفر له سبعون آلف ملك حتى يصبح، قيل يا رسول الله هذا للعائد فما للمريض؟ قال: أضعاف هذا " أخرجه الطبرانى في الكبير. قال الهيثمى وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري ولم أجد من ذكره (٢) ﴿١٣﴾
(وحديث) أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أدعوك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لوعدته لوجدتني عنده " (الحديث) أخرجه مسلم (٣) ﴿٢٤﴾
أضاف المرض إليه تعالى - والمراد العبد - تشريفا للمريض، ومعنى " وجدتني عنده، " أى وجدت ثوابي وكرامتي، لقوله في تمام الحديث: لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، لو اسقياه لوجدت ذلك عندي: أى ثوابه (٤)
(ج) آداب العبادة: يندب فيها أمور: المذكور منها هنا عشرة:
(١) يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء ويأمره بالصبر (لحديث) عائشة بنت سعد بن أبى وقاص أن أباها قال: " اشتكيت بمكة فجاءني النبي ﷺ يعودني ووضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني ثم