← Фикх общий

Фикх общий · id 20907

الدين الخالص أو إرشاد الخلق إلى دين الحق

السبكي، محمود خطاب

Полный текст (3 614 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

١ - أن يقول جهرا عند دخوله محل قضائها: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. ٢ - ثم يدخل باليسرى. ٣ - ولا يكشف عورته قبل أن يدنو إلى العقود. ٤ - ويوسع بين رجليه ويميل على اليسرى. ٥ - ولا يرد سلاما، ولا يجيب مؤذنا، فإن عطس حمد الله بقلبه. ٦ - ولا ينظر إلى عورته، ولا إلى ما يخرج منه. ٧ - ولا يبزق في البول. ٨ - ولا يطيل القعود فإنه يولد الناسور (١). ٩ - ولا يكثر الالتفات. ١٠ - ولا يعبث ببدنه. ١١ - ولا يرفع بصره إلى السماء. ١٢ - فإذا فرغ من قضاء حاجته، عصر ذكره من أسفله إلى الحشفة. ١٣ - ثم يغسل يديه ثلاثا. ١٤ - ثم يفيض الماء باليمنى على فرجه ويغسله باليسرى بادئا بالقبل ويرخى مقعدته، يفعل ذلك ثلاثا، ويدلك كل مرة ويبالغ مالم يكن صائما. ١٥ - ثم يقوم وينشف فرجه بخرقة نظيفة إن أمكنه، وإلا مسحه بيده مرارا. ١٦ - ويستر عورته قبل أن يستوى قائما. ١٧ - ثم يخرج برجله اليمنى ويقول: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافاني، الحمد لله الذي اذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه، اللهم حصن فرجي، وطهر قلبي، ومحص ذنوبي. (وقد ورد) في ذلك أحاديث (منها) حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم أني أعوذ بك من الخبث والخبائث. أخرجه البخاري والأربعة (٢) ﴿٩٦﴾.

стр. 247

وهذا في الأمكنة المعدة لذلك، أما في غيرها كالصحراء فيقوله عند تشمير الثياب. (وقال) ابن عمر ﵄: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. أخرجه أبو داود والبيهقي (١) ﴿٩٧﴾. (وقالت) عائشة ﵂: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك. أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه (٢) ﴿٩٨﴾. (قيل) أنه استغفر لتركه الذكر في تلك الحالة، لما ثبت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يذكر الله على كل أحواله إلا في حال قضاء الحاجة، فجعل ترك الذكر في هذه الحالة تقصيرا يستغفر منه. (وقيل) استغفر لتقصيره في شكر نعمة الله تعالى عليه بإقداره على إخراج ذلك الخارج. (وقال) أنس ﵁: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافني. أخرجه ابن ماجه (٣) ﴿٩٩﴾.

стр. 248

(وفي حمده) صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشعار بأن هذه نعمة جليلة ومنه جزيلة، فإن انحباس ذلك الخارج من أسباب الهلاك، فخروجه من النعم التي لا تتم الصحة بدونها "وحق" وعلى من أكل ما يشتهيه من الأطعمة فسد به جوعته، وحفظ به صحته وقوته. ولما لم يبق فيه نفع واستحال إلى تلك الصفة الخبيثة المنتنة التي بقاؤها في الجوف مهلك، خرج بسهولة من مخرج معد لذلك بعيد عن الحواس التي تتأذى بخروجه "أن يكثر" من محامد الله تعالى. ١٨ - (ويطلب) ممن أراد قضاء الحاجة، ترك استصحاب مافيه ذكر الله تعالى، (لقول) أنس ﵁: إن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لبس خاتما نقشه: محمد رسول الله. فكان إذا دخل الخلاء وضعه. أخرجه الحاكم (١) ﴿١٠٠﴾. وهو دليل على أنه يندب لمن يريد التبرز أن ينحي عنه كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو اسم نبي أو ملك. (وبهذا) قالت الأئمة الأربعة: فإن خالف كره له ذلك إلا لحاجة. كأن يخاف عليه الضياع، وهذا في غير القرآن. أما القرآن فقالوا: يحرم استصحابه في تلك الحالة كلا أو بعضا إلا أن خيف عليه الضياع، أو كان حرزا، فله استصحابه. ويجب ستره حينئذ ما أمكن. ١٩ - (ويطلب) ممن يريد قضاء الحاجة، البعد والاستتار عن الناس، لقول جابر: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر، فكان

стр. 249

لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرى. أخرجه ابن ماجه بسند رجاله رجال الصحيح (١) ﴿١٠١﴾. فالحديث يدل على مشروعية الأبعاد لمن يريد قضاء الحاجة، لإخفاء ما يستقبح سماعه أو رائحته. (وعن أبي هريرة) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: من أتى الغائط فليستتر، فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي (٢) ﴿١٠٢﴾. (وفي الحديث) الأمر بالتستر معللا بأن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم. وذلك أن الشيطان يحضر مكان قضاء الحاجة لخلوه عن الذكر الذي يطرد به. فإذا حضر أمر الإنسان بكشف العورة، وحسن له البول في المواضع الصلبة التي هي مظنة رشاش البول. فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاضي الحاجة

стр. 250

بالتستر حال قضائها، مخالفة للشيطان ودفعا لوسوسته التي يتسبب عنها النظر إلى سوءة (عورة) قاضي الحاجة المفضي إلى أثمة. ٢٠ - (ويطلب) من المتخلى ألا يستقبل القبلة ولا يستدبرها (لحديث) أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه. وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الروثة والرمة. أخرجه مالك وأحمد والأربعة إلا الترمذي (١) ﴿١٠٣﴾. (وهو) يدل على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائطز (وبه) قال الأوزاعي والثوري وأحمد في رواية (قالوا) لا يجوز فذلك في الصحراء ولا في البنيان، أخذا بالحديث. (وقال) مالك والشافعي وأحمد في رواية: يحرم استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في الصحرا. ولا يحرم ذلك في البنيان، حملا للنهي في الحديث على الصحراء، لقول ابن عمر: لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبرر القبلة. أخرجه السبعة والبيهقي، وقال الترمذي: حسن صحيح (٢) ﴿١٠٤﴾.

стр. 251

هذا، وإنما يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان بشرط أن يكون بينه وبين الجدار ونحوه ثلاثة أذرع فما دونها، ويكون الجدار ونحوه مرتفعا نحو نصف متر فإن زاد ما بينهما على ثلاثة أذرع أو قصر الحائل عن نصف متر، فهو حرام، إلا إذا كان في بيت بني لذلك فلا حرج فيه ولو كان في الصحراء وتستر بشيء على ما ذكرناه من الشرطين، زال التحريم، فالاعتبار بالساتر وعدمه. فحيث وجد الساتر بالشرطين، حل في البنيان والصحراء. وحيث فقد أحد الشرطين، حرم في الصحراء والبنيان (١). (ويدل) لجوازه في الصحراء بساتر قول مروان الأصفر: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها فقلت: أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. أخرجه أبو داود (٢) ﴿١٠٥﴾. وفي سنده الحسن بن ذكوان مطعون فيه طعنا لا تقوم به معه حجة. (وقال) الحنفيون: يكره استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء والبنيان. وهو رواية عن أحمد وأبي ثور. وحملوا النهي في حديث أبي هريرة السابق ونحوه على كراهة التنزيه، لما تقدم عن ابن عمر وغيره. ولحديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى. أخرجه الشيخان (٣) ﴿١٠٦﴾.

стр. 252

فما انحرف أبو أيوب وغيره، إلا لأن في عدم الانحراف مخالفة- وقوله كنا- يشعر بتقرر الحكم عند الصحابة. وله قوة المرفوع إذ مثله لا يصدر عن الرأي. وفي المسألة مذاهب بسطنا الكلام عليها في "النهل العذب المورود: شرح سنن الغمام أبي داود (١) ". هذا. وقد دل قوله في حديث أبي أيوب: ولكن شرقوا أو غربوا على جواز استقبال الشمس والقمر واستدبارهما حال قضاء الحاجة بلا كراهة إذ لابد أن يكونا في الشرق أو الغرب (وبه) قال الحنفيون ومالك والجمهور. (وقال) أحمد وبعض الشافعية: يكره استقبالهما بفرجه. (قال) النووي قال كثير من أصحابنا: يستحب ألا يستقبل الشمس ولا القمر واستأنسوا به بحديث ضعيف بل باطل (٢) ولهذا لم يذكره الشافعي ولا كثيرون وهذا هو المختار لأن الحكم بالاستحباب يحتاج إلى دليل ولا دليل في المسألة (٣). أقول: قد علم أن حديث أبي أيوب دليل صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما. ٢١ - ويطلب من المتخلي ألا يستقبل الريح فيكره استقبالها لئلا ترد عليه رشاش البول فينجسه (٤). ٢٢ - (ويطلب) من قاضي الحاجة الكف عن الكلام (لحديث) المهاجر

стр. 253

ابن قنفد أنه أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يبول فسلم فلم يرد عليه حتى توضأ. أخرجه أبو داود والنسائي (١) ﴿١٠٧﴾. وهو يدل على كراهة ذكر الله حال قضاء الحاجة ولو كان واجبا كرد السلام. ولا يستحق المسلم في تلك الحال جوابا (قال) جابر: إن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يبول فسلم عليه فقال له: إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم على فإنك إن فعلت ذلك لم ارد عليك. أخرجه ابن ماجه. وفي سنده سويد بن سعد. وهو ضعيف (٢) ﴿١٠٨﴾. وهذا متفق عليه. ولا ينافي الكراهة قول أبي سعيد سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك. أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه (٣) ﴿١٠٩﴾. فإنه "وإن كان" بظاهره يفيد تحريم الكلام حال قضاء الحاجه لأنه علل النهي عنه بمقت الله تعالى الذي هو أشد الغضب "فقد" صرف النهي عن التحريم، الإجماع على عدم تحريم الكلام حال قضاء الحاجة. وربط النهي بتلك العلة لا يبعد حمله على الكراهة، فإن سياق الحديث يدل على أن المقت على مجموع

стр. 254

الكلام والنظر على العورة لا على مجرد الكلام. وذكر النظر في الحديث لزيادة التقبيح، ضرورة أن النظر إلى عورة الغير حرام مع قطع النظر عن الكلام والتخلي. ومحل النهي عن الكلام حال قضاء الحاجة ما لم تدع إليه ضرورة، كإرشاد أعمى يخشى ترديه في نحو حفرة، أو رؤية نحو عقرب يقصد إنسانا، فإن الكلام حينئذ جائز، وربما كان واجبا. "ولا ينافي" الأحاديث المذكورة "حديث" عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين. وليقل له يرحمك الله وليقل هو يغفر الله لنا ولكم. أخرجه الطبراني والحاكم والبيهقي (١) ﴿١١٠﴾. "فإنها مخصصة لعمومه" وإن العاطس في هذه الحالة يحمد الله في نفسه ولا يحرك به لسانه (وفي الحديث) أيضا دلالة على أنه ينبغي لمن سلم عليه في تلك الحال أن يدع الرد حتى يتوضأ أو يتيمم، ثم يرد، وهذا إذا لم يخش فوته. أما إذا خشى فوته فله أن يرد بعد قضاء الحاجة، وقبل الطهارة، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إنما أخر الرد عن الوضوء أو التيمم طلبا للأكمل. وهو الرد حال الطهارة. ٢٣ - (ويطلب) من المتخلي أن يختار المكان اللين الذي لا صلابة فيه، أو المنخفض ليأمن من رشاش البول ونحوه، لقول أبي موسى: إني كنت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذات يوم، فأراد أن يبول فأتي دمثا في أصل جدار فبال ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله موضعا" أخرجه أبو داود (٢) ﴿١١١﴾.

стр. 255

(والحديث) وإن كان ضعيفا، لأن في سنده مجهولا، فإن أحاديث الأمر بالتنزه عن البول تفيده قوة. ٢٤ - (ويطلب) من قاضي الحاجة أن يتقي الجحر لئلا يكون فيه شيء يؤذيه لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم ان يبال في الجحر. قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: يقال أنها مساكن الجن. أخرجه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي (١) ﴿١١٢﴾. (والحديث) يدل على كراهة البول في الحفر التي تسكنها الهوام والسباع. إما لأنها مساكن الجن. أولا لأنه يؤذي ما فيها من الحيوانات أو تؤذيه. ومثل البول الغائط. ٢٥ - (ويطلب) ممن أراد قضاء الحاجة أن يتجنب طريق الناس وظلهم، لما فيه من أذيتهم بالتنجيس والرائحة الكريهة (ولحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: اتقوا اللاعنين. قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود (٢) ﴿١١٣﴾.

стр. 256

٢٦ - ويطلب من قاضي الحاجة ألا يبول في مستحمه، لأنه جالب للوسواس ولحديث عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه. فإن عامة الوسواس منه". أخرجه أحمد والأربعة وفي رواية "ثم يتوضأ فيه (١) " ﴿١١٤﴾. ٢٧ - ويطلب من المتخلي البول قاعدا. ويكره قائما، لقول جابر ﵁: نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبول الرجل قائما أخرجه ابن ماجه (٢) ﴿١١٦﴾. والنيه فيه محمول على الكراهة لقول حذيفة: أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فمسح على خفيه. أخرجه السبعة والبيهقي (٣) ﴿١١٦﴾. فعل ذلك بيان الجواز وأنه ليس بحرام وكانت عادته المستمرة البول قاعدا (وقول) عائشة ﵂: من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بال قائما فلا تصدقوه وما كان يبول إلا جالسا. أخرجه أحمد والأربعة

стр. 257

إلا أبا داود وقال الترمذي: هو أحسن شيء في الباب وأصح (١) ﴿١١٧﴾. (يحمل) على ما وقع منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في البيت. وقد بال قائما في غيره فلم تطلع عليه عائشة وقد حفظه حذيفة والمثبت مقدم على النافي. (وبكراهة) البول قائما قال الحنفيون والشافعي وأحمد (وقال مالك) إن كان البول في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به قائما، وإلا كره (٢) (وأباح) البول قائما طائفة وثبت عن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وابن عمر وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما (قال) ابن المنذر: البول جالسا أحب إلى وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى ىله وسلم (قالوا) وأحاديث النهي لم يثبت منها شيء (ورد) بأنها معتضدة بما تقدم عن عائشة من أنه صلى الله عليه وعلى أله وسلم ما كان يبول إلا جالسا. وقد علمت أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما بال قائما، لبيان الجواز. (وقال الشافعي) إن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما، فلعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان به إذ ذاك. وقيل فعل ذلك لجرح كان في باطن ركبته، أو لامتلاء السباطة بالنجاسة، فلم يجد مكانا للجلوس. (قال النووي) وقد روى في النهي عن البول قائما أحاديث لا تثبت. ولكن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ثابت. ولهذا قال العلماء: ويكره البول قائما إلا لعذر. وهي كراهة تنزيه لا تحريم (٣).

стр. 258

(ولا ريب) أن البول من قيام من الجفاء والغلظة والمخالفة للهيئة المستحسنة، مع كونه مظنة لانتضاح البول وترشرشه على البائل وثيابه. فأقل أحوال النهي مع هذه الأمور أن يكون البول من قيام مكروها. (هذا) وقد أجمع العلماء على أنه يجوز للشخص أن يتخذ ليلا إناء يبول فيه، لقول أميمة بنت رقيقة: كان للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل. أخرجه النسائي وأبو داود وحسنه الحافظ (١) ﴿١١٨﴾. ١٢ - شعر الرأس: الشعر بسكون العين وفتحها وهو في الرأس زينة والكلام في إعفائه وفرقه وترجيله وحلقه كلا أو بعضا ووصله ونمصه. (أ) إعفاؤه: هو سنة (قال) في شرح المصابيح: لم يحلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم راسه في سني الهجرة إلا في عام الحديبية وعمرة القضاء وحجة الوداع ولم يقصر شعره إلا مرة واحدة كما في الصحيحين (٢). وسئل الإمام أحمد عن الرجل يتخذ الشعر، فقال سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه. كان للنبي ﷺ جمة (٣). (وقالت) عائشة: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من

стр. 259

إناء واحد وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفره. أخرجه أبو داود والترمذي في الشمائل (١) ﴿١١٩﴾. (ويستحب) أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا طال فالي منكبيهز وإن قصر فالي شحمة أذنيه. (ب) فرقه: هو بفتح فسكون قسم الشعر نصفين من جانب اليمين واليسار وهو ضد السدل الذي هو الإرسال من سائر الجوانب والفرق مستحب (لحديث) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسدل شعره وكان المشركون يفرقون رءوسم وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم راسه. أخرجه الترمذي في الشمائل والشيخان وأبو داود والنسائي (٢) ﴿١٢٠﴾. (وإنما) أحب موافقة أهل الكتاب دون المشركين لتمسك أولئك ببقايا شرائع الرسل، والمشركون لا مستند لهم إلا ما وجدوا عليه آباءهم. (وحكمة) عدوله عن موافقتهم في السدل أن الفرق أنظف وأبعد عن الإسراف في غسله وعن مشابهة النساء. والحديث يدل على جواز الأمرين وأن الفرق أفضل لأنه آخر الأمرين من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. (جـ) ترجيله: الترجل والترجيل تسريح الشعر وتحسينه. ويستحب تسريح شعر الرأس واللحية ودهنه بطيب وزيت ونحوهما (وقالت) عائشة:

стр. 260

كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنا حائض. أخرجه الترمذي في الشمائل (١) ﴿١٢١﴾. (وقال) أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع حتى كأن ثوبه ثوب زيات. أخرجه الترمذي في الشمائل (٢) ﴿١٢٢﴾. وإكثاره الدهن والتسريح كان في وقت دون وقت (لقول) عبد الله ابن مغفل: نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الترجل إلا غبا أخرجه الثلاثة (٣) ﴿١٢٣﴾. والغب مرة في أسبوع (وقال) عطاء بن يسار: أتى رجل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: اليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟ . أخرجه مالك وابن حبان وصححه (٤) ﴿١٢٤﴾. (د) حلق الرأس: يباح للرجل حلق كل رأسه عند الجمهور لحديث

стр. 261

عبد الله بن جعفرب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمهل آل جعفر حين أتى نعيه ثلاثا. ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ادعوا لي بني أخي. فجيء بنا كأننا أفرخ فقال: أدعوا لي بالحلاق فحلق رؤوسنا" أخرجه أبو داود والنسائي بسند حسن وفي شيخه مقال (١) ﴿١٢٥﴾. (وقال) وائل بن حجر (أتيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولي شعر طويل فلما رآتي قال: ذباب ذباب فرجعت فجزرته ثم أتيته من الغد فقال: أتى لم آعنك، وهذا أحسن. أخرجه أبو داود والنسائي وأبو ماجه. وفيه عاصم بن كليب أحتج به مسلم. وقال أحمد: لا بأس بحديثه (٢) ﴿١٢٦﴾. (وعن) أحمد وبعض المالكية أنه يكره حلقه إلا للضرورة، لقول النبي صلى الله وعلى آله وسلم: "لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة" أخرجه الدارقطني في الأفرارد. ذكره ابن قدامة (٣) ﴿١٢٧﴾. (وقال) أحمد: إنما كرهوا الحلق بالموسى. أما بالمقراض فليس به باس، لأن أدلة الكراهة تختص بالحلق وما استدلوا به لا يقوي على معارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على إباحة الحلق بلا كراهة (وقوله) لا توضع النواصي، ليس نصا في الحلق. بل يحتمله والقص (والراجح) ما ذهب إليه الجمهور من جواز حلق جميع الراس أو تركه بلا كراهة. وهذا كله في حق الرجال.

стр. 262

(وأما النساء) فيحرم عليهن حلق رءوسهن (لقول) على رضي اله عنه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن تحلق المرأة رأسها" أخرجه النسائي والترمذي وقال: فيه اضطراب (١) ﴿١٢٨﴾. ولأن في حلقها رأسها تشبها بالرجال، وهو حرام (لما روى) ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. أخرجه السبعة إلا مسلما (٢) ﴿١٢٩﴾. (هـ) حلق بعض الرأس: أجمع العلماء على أنه يكره تنزيها حلق بعض الرأس وترك بعضه (لحديث) نافع عن ابن عمر قال: نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن القزع فقيل لنافع ما القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه. أخرجه السبعة إلا الترمذي (٣) ﴿١٣٠﴾.: (ففي الحديث) النهي عن القزع. وأصل النهي للتحريم. لكن قال النووي: أجمع العلماء على كراهة القزع تنزيه وكرهه مالك في الجارية والغلام مطلقا. وقال بعض اصحابه لا بأس به في القصة والقفا للغلام. ومذهبنا كراهته مطلقا للرجل والمرأة لعموم الحديث (والحكمة) في كراهته أنه يشوه الخلقة. وقيل لأنه زي أهل الشر. وقيل لأنه زي اليهود (٤) وقد جاء هذا

стр. 263

مصرحا به في رواية عن الحجاج بن حسان قال: دخلنا على أنس بن مالك "فحدثتني اختي المغيرة" قالت وأنت يؤمئذ غلام ولك قرنان أو قصتان فمسح رأسك وبرك عليك، قال: احلقوا هذين أو قصرهما، فإن هذا زي اليهود. أخرجه أبو داود (١) ﴿١٠﴾. (و) وصل الشعر: هو أن يضاف إليه شعر آخر يكثر به وهو حرام (لقول) أسماء بنت أبي بكر ﵄: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالت يا رسول الله: أن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله؟ فقال: لعن الله الواصلة والمستوصلة. أخرجه الشيخان والنسائي (٢) ﴿١٣١﴾. (الواصلة) من تصل شعر المرأة بشعر آخر (والمستوصلة) من تطلب وصل شعرها. والحديث صريح في تحريم الوصل. ولعن الواصلة والمستوصلة مطلقا على الظاهر المختار (وقد) فصل الفهاء. فقال الحنفيون ومالك وكثيرون: الوصل ممنوع سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق (لقول) جابر: زجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا. أخرجه مسلم (٣) ﴿١٣٢﴾. (وقالت) الشافعية: إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام اتفاقا لعموم الأحاديث. ولأنه يحرم الإنتفاع بشعر الآدمي احتراما وإكراما (وكذا) إن وصلته بشعر نجس من غير آدمي وهو شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل

стр. 264

في حياته للحديث ولأنه حمل نجاسة عمدا (وإن) وصلته بشعر طاهر من غير الآدمي ولم يكن لها زوج فهو حرام ايضا وإن كانت ذات زوج فثلاثة أوجه. أصحها إن فعلته بإذن الزوج جاز وإلا فهو حرام لما تقدم (ولحديث) حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حج وهو على المنبر وتناول قصة من شعر كانت في يد حرسي يقول: يأهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينهي عن مثل هذه ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم". أخرجه الجماعة (١) ﴿١٣٣﴾. (وقال) أحمد والليث: الوصل الحرام مختص بوصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس واستعمال المختلف في نجاسته. وغيره لا يحرم لما فيه من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة ولا مخالفة (أما ربط) خيوط الحرير الملونة وغيرها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهى عنه اتفاقا لأنه ليس بوصل وإنما هو للتجميل والتحسين (٢). (ز) نمص الشعر: وهو إزالة شعر الوجه والحاجبين وهو حرام إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شارب فلا تحرم الإزالة بل تستحب أو تجب كما تقدم (٣) وأصله حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. أخرجه السبعة (٤) ﴿١٣٤﴾.

стр. 265

(١) أما الواشمة: فهي التي تشم غيرها بأن تغرز أبرة أو نحوها في ظهر الكف أو غيره من البدن حتى يسيل الدم ثم تحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة فيخضر وهو حرام على الفاعل والمفعول به باختياره والطالب له. وموضع الوشم يصير نجسا عند الشافعية فإن أمكن إزالته وجبت وإن لم يمكن إلا بالجرح بلا مشقة ولا خوف تلف لزم إزالته فورا (وإن خاف منه) تلفا أو فوات عضو أو شيئا فاحشا لم تجب إزالته. (٢) والمستوشمة التي تطلب الوشم وهو حرام أيضا. (٣) والنامصة بالصاد المهملة هي التي تزيل الشعر من الوجه والحاجبين والمتنمصة التي تطلب ذلك وهو حرام كما تقدم. والمتفلجة بالجيم التي تفعل الفلج (بفتحتين) في أسنانها بأن ترقق أسنانها بمبرد أظهارا للصغر وحسن الأسنان ويقال له الوشر "بفتح فسكون" ومنه: لعن الله الواشرة والمستوشرة. وهذا الفعل حرام على الفاعل والمفعول به ذلك للحسن. أما أن فعل علاجا أو لعيب في السن فلا باس به (١). و(المغيرات خلق الله) صفة لازمة لمن تصنع الوشم وما بعده. فلا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص التماسا للحسن لزوجها أو غيره كمقرونة الحاجبين تزيل ما بينهما توهم البلج (بفتحتين) وهو الوضوح والظهور وهو حرام بالإجماع، لأن الله خلق الصورة فأحسنها وفاوت في الجمال بينها. فمن أراد أن يغير خلق الله فيها ويبطل حكمته فيها فهو جدير بالإبعاد والطرد لأنه ارتكب أمرا ممنوعا غير مأذون فيه. (ومنه) تغيير الوجه والشفتين والحواجب والأظافر بالألوان المختلفة

стр. 266

أما المأذون فيه كالسواك والاكتحال فغير داخل في المنع (١) والله تعالى ولي الهداية والتوفيق. هذا. ومقاصد الطهارة أربعة: الوضوء والغسل والتيمم وإزالة النجاسة. (أ) الوضوء هو بضم الواو (لغة) مأخوذ من الوضاءة. وهي الحسن والنظافة. وبفتح الواو أسم لما يتوضأ به ويقال بالفتح وبالضم فيها (وشرعا) طهارة مائية تتعلق بالأعضاء الأربعة وهي: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان (وهو مشروع) بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ﴾ ﴿٦﴾ المائدة (وعن أبي هريرة) أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي (٢) ﴿١٣٥﴾. ... وعليه انعقد الإجماع فصار معلوما علما ضروريا للعام والخاص. فمن أنكر مشروعيته كفر (والمعتمد) أنه ليس من خصائص هذه الأمة، لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: من توضأ واحدة فتلك وظيفة الوضوء التي لابد منها. ومن توضأ اثنين فله كفلان. ومن توضأ ثلاثا فلك وضوئي ووضوء الأنبياء قبلى. أخرجه أحمد وابن حبان وفيه زيد العمي ضعيف وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح (٣) ﴿١٣٦﴾.

стр. 267

وإنما المختص بهذه الأمة، الغرة والتحجيل، لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء. فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل. أخرجه أحمد والشيخان (١) [١٣٧] ويأتي بيان الغرة والتحجيل في متسحبات الوضوء. هذا. وسبب وجوب الوضوء، وجوب الصلاة أو إرادة ما لا يحل إلا بالطهارة كصلاة ولو نافلة أو سجدة تلاوة. ثم الكلام ينحصر في اثنى عشر فرعا. ١ - شروط الوضوء ... شروطه ثلاثة أقسام. (أ) شروط وجوب: وهي التي لو فقد واحد منها لا يجب الوضوء وإن كان صحيحا. وهي أربعة. ١ - البلوغ. فلا يجب على صبي ولو مميزا، لكن أن توضأ صح منه وأجزأه عن الواجب إذا بلغ وهو متوضئ. ٢ - الحدث. فلا يجب على متطهر قبل الوقت تجديده بعد دخول الوقت. ٣ - القدرة على استعمال المطهر. فلا يجب على فاقد الماء ولو حكما، بأن احتاجه لشرب ونحوه ولا على من لم يقدر على استعماله كمريض يضره استعماله، وأقطع لا يجد من يؤضئه ومكره على تركه. ٤ - ضيق الوقت. فلا يجب ما دام في الوقت سعة. فإن ضاق وجب الوضوء وجوبا مضيقا، كما لو أراد الدخول في الصلاة ولو نفلا (وهذه) الشروط يجمعها شرط واحد هو قدرة المكلف بالوضوء عليه. (ب) شروط صحة: - وهي التي لو عدم واحد منها لا يصح الوضوء، وإن كان واجبا. وهي أربعة: (١) عدم الحائل المانع من وصول الماء إلى

стр. 268

البشرة كشمع ودهن وعجين. ومنه قذى العين والأوساخ المتجمدة على العضو. (٢) عدم حصول ناقض حال الوضوء في حق غير المعذور. فلا يصح الوضوء حال حصول ما يبطله إلا في حق صاحب العذر كالاستحاضة وسلس البول على ما يأتي بيانه إن شاء الله في (وضوء المعذور). (٣) أن يكون الماء طهورا على ما تقدم بيانه. (٤) ويشترط أيضا عند الشافعية تمييز الفرض من غيره في حق من اشتغل بالعلم حتى عرف ذلك. أما العامي فيشترط في حقه ألا يعتقد الفرض نفلا. (جـ) شروط وجوب وصحة معا: وهي التي إذا فقد واحد منها لا يجب الوضوء ولا يصح. وهي خمسة. (١) الإسلام عند الشافعية والحنابلة، فلا يجب على الكافر لأنه لا يطالب به إلا بعد الإسلام. وإن عوقب على تركه. ولا يصح منه الوضوء لتوقفه على النية. وهي لا تصح من الكافر (وعند) الحنفيين الإسلام شرط وجوب فقط. فلا يجب الوضوء على الكافر، لأنه غير مخاطب بفروع الشريعة على المشهور عندهم. ويصح وضوءه قبل إسلامه لعدم توقفه على النية (وعند) المالكية الإسلام شرط صحة فقط، فيجب على الكافر لأنه مخاطب بفروع الشريعة على المعتمد عندهم. ولا يصح منه إلا بعد الإسلام لتوقفه على النية ومن شرطها الإسلام. (٢) العقل، فلا يجب الوضوء على مجنون ومصروع ومغمي عليه ومعتوه وصبي غير مميز ولا يصح منهم. (٣) عدم المنافي من حيض ونفاس وجنون وصرع وإغماء. (٤) عدم النوم والغفلة. فلا يجب على حائض ولا نفساء ولا نائم ولا غافل. ولا يصح منهم. (٥) بلوغ دعونة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن لم يبلغه أن الله أرسل رسولا يدعو الناس إلى عبادة الله وحده، لا يجب عليه الوضوء، ولا يصح منه عند غير الحنفيين. ويصح وضوءه عندهم وإن لم يجب عليه.

стр. 269

٢ - فروض الوضوء هي جمع فرض. وهو لغة التقدير. وشرعا المطلوب فعله طلبا جازما، فيثاب على فعله ويعاقب على تركه عند غير الحنفيين. وعندهم الفرض ما ثبت لزومه بدليل قطعي وهو قسمان. (أ) فرض قطعي. وهو ما ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة "أي لا يحتمل التأويل" ويكفر منكره كأصل الغسل والمسح في الوضوء. (ب) فرض اجتهادي. وهو ما ثبت بدليل قطعي الثبوت ظني الدلالة "أي يحتمل التأويل" ولا يكفر منكره كغسل المرفقين والكعبين، ومسح ربع الرأس في الوضوء. (وفرائضه) منها المتفق عليه والمختلف في فرضيته. وهي ثمانية. ١ - النية: وهي لغة القصد. وإصطلاحا قصد الشيء مقترنا بفعله (ووقتها) عند غسل الوجه ويغتفر تقديمها عليه بزمن يسير خلافا للشافعية حيث قالوا: لابد من مقارنتها لأول غسل الوجه. ولا يغتفر تقدمها ولو يسيرا. ولابد عندهم من استصحابها إلى فراغ الوضوء (ومحلها) القلب (وكيفيتها) أن ينوى المتوضئ طاعة لا تصح إلا بالطهارة، أو ينوي الوضوء، أو رفع الحديث، ولا يسن التلفظ بها. "لأنه" لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا عن أصحابه "التلفظ" بها لا في حديث صحيح ولا ضعيف، ولا عن الأئمة الأربعة (١). (وشرطها) الإسلام والتمييز والعلم بالمنوى والجزم. فلا تصح من كافر ولا مجنون ولا صبي غير مميز ولا من متردد كأن يقصد الوضوء أن كان قد أحدث. ومن شروطها عدم الإتيان بمناف للمنوي بينه وبينها، إلا في حق المعذور كما تقدم.

стр. 270

ويشترط عند الشافعية ألا ينوي نحو تبرد أو نظافة فقط. أما لو نوي الوضوء مع التبرد والنظافة، فإنه يصح (وحكمها) أنها ركن من أركان الوضوء عند المالكية والشافعية. وشرط صحة عند الحنابلة، لحديث عمر بن الخطاب ﵁ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: " إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى " (الحديث) أخرجه السبعة (١) ﴿١٣٨﴾. (وقال) الحنفيون: النية سنة مؤكدة في الضوء بغير سؤر الحمار ونبيذ التمر. وشرط في صحة الوضوء بهما احتياطان كما أنها شرط في كون الوضوء عبادة. فإذا قصد التبرد أو النظافة بدون نية الوضوء، فله أن يصلي به وأن لم يثب عليه، لأنه لا ثواب إلا بالنية. وقد واظب عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن تركها بلا عذر مع الإصرار أثم أثما يسيرا. (وأجابوا) عن الحديث بأنه حديث آحاد يقبل التأويل، فيفيد السنية لا الوجوب (وقد) اختلف العلماء في تأويله. فذهب القائلون بلزوم النية، كمالك والشافعي وأحمد على أن المعنى: إنما صحة الأعمال بالنية. ومن لم يجعلها شرطا كالحنفيين والثوري، قالوا: المعنى إنما ثواب الأعمال وكمالها بالنية (ورجح) الأول بأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة، لأن ما كان ألزم للشيء، كان أقرب إلى خطورة بالبال (وسبب) اختلافهم تردد الوضوء "بين" أن يكون عبادة محضة، أعني غير معقولة المعنى. وإنما يقصد بها القربة فقط كالصلاة وغيرها "وبين" أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة. ولا خلاف في أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية. والوضوء فيه شبه من العبادتين. وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة. والفقة أن ينظر بأيهما هو

стр. 271

أقوى شبها فيلحق به (١). وفي قوله في الحديث "وإنما لا مرئ ما نوى" تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال فهون مؤكد لما قبله (وقيل) معناه أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه. ومعنى الجملة الأولى. أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فالثانية مؤسسة. ٢ - غسل الوجه: هو فرض في الوضوء ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي إذا أردتم القيام لها وأنتم محدثون حدثا أصغر، بقرينة قوله تعالى. (وإن كنتم جنبا فاطهروا) (وعن ابن عباس) أنه توضأ فغسل وجهه. فأخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق. ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها على يده الأخرى فغسل بها وجهه. ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى. ثم مسح برأسه. ثم أخذ غرفة من ماء فرض بها على رجله اليمنى حتى غسلها. ثم أخذ غرفة من ماء مغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ. أخرجه البخاري (٢) [١٣٩]. (هذا) وحد الوجه طولا ما بين منبت شعر الرأس المعتاد واسفل الذهن، وعرضا ما بين شحمتي الأذنين. (اختلفوا) في البياض الذي بين الأذن والعذار من الوجه (فعند) الشافعية وأكثر الحنفية يجب غسله مطلقا. وهو مشهور مذهب المالكية. (وقال) أبو يوسف: يجب غسله على الأمرد دون الملتحي وهو قول للمالكية. هذا ويطلب عند غسل الوجه تتبع المواضع التي ينبو عنها

стр. 272

الماء كالغضون أو تكون محلا للقذى كموق العين (١)، لحديث أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وكان يمسح الماقين من العين (الحديث) أخرجه أحمد (٢) ﴿١٤٠﴾. "والغضون" وهي ما تعطف من الوجه "تقاس" على الماقين. ٣ - غسل اليدين مع المرفقين: هو فرض في الوضوء بالإجماع، لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ (٣)﴾ فيفترض غسل المرفقين بالإجماع. (وقال) نعيم بن عبد الله: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ. أخرجه مسلم (٤) ﴿١٤١﴾. (قال) الشافعي ﵁: فلم أعلم مخالفا في أن المرافق مما يغسل (٥). وعليه "فمن" قال بعدم فرضية غسلهما، وهو زفر وأبو بكر ابن داود الظاهري "محجوج" بالإجماع قبله. وبأن "إلى" في الآية بمعنى "مع" كما في قوله

стр. 273

تعالى: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ ﴿٢٥﴾ سورة هود. وقال زفر: إنها للغاية وما بعدها لا يدخل فيما قبلها (ورد) بأن محله إذا لم يكن ما بعدها من جنس ما قبلها. أما إذا كان كما هنا فإنه يدخل اتفاقا. واليد عند أهل اللغة من المنكب على أطراف الأصابع. وإذا كان المتوضئ مقطوع بعض اليد غسل ما بقى مع المرفقين، فإن كان مقطوعا من فوقهما غسل ما بقى منهما، وإن كان مقطوعا ولم يبق شيء من المرفقين فلا غسل عليه. هذا. وإذا كان المتوضئ لابسا خاتما ضيقان لزمه تحريكه ليصل الماء إلى ما تحته عند الثلاثة (وقالت) المالكية: لا يجب تحريك الخاتم المباح وإن كان ضيقا لا يصل الماء إلى ما تحته. فإن نزعه بعد الطهارة، لزمه غسل ما تحته أن ظن أن الماء لم يصل إليه. أما المحرم أو المكروه الضيق (١) فيجب نقله من موضعه ليتمكن من ذلك ما تحته. ويكفي تحريك الواسع وإن لم تصل اليد إلى ذلك ما تحته اكتفاء بالدلك به. ومثل الخاتم في ذلك حلي المرأة من أساور وخلاخل ونحوها. ٤ - مسح الرأس: هو فرض في الوضوء بالإجماع لوروده في القرآن وثبوته من فعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (وعن) عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم

стр. 274

مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه أخرجه الجماعة (١) ﴿١٤٢﴾. والمعنى أنه بدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه وذهب بيديه إلى القفا. ثم ردهما إلى المكان الذي بدا منه وهو مبتدأ الشعر. ويؤيد هذا قوله "بدأ بمقدم رأسه" ولا يشكل عليه قوله "فأقبل بهما وأدبر" لأن الواو لا تقتضي الترتيب. وعند البخاري من حديث عبد الله بن زيد بلفظ: فأدبر بيديه وأقبل. والحديث يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، والمسح شرعا إصابة بلل غير مستعمل عضوا أو شعرا، سواء أكانت الإصابة بيد أم غيرها، حتى لو أصاب المطر قدر المفروض من رأسه أجزأه وإن لم يمسحه باليد. هذا. والآية لا تقتضي تعميم الرأس بالمسح، لأن الباء في قوله "وامسحوا برءوسكم" للإلصاق. فالمعني ألصقوا المسح بها. وماسح الكل والبعض كلاهما ملصق المسح بها. ولذا اختلف العلماء في قدر المفروض مسحه. (فأخذ) مالك وأحمد والمزني بالاحتياط، فأوجبوا مسح كل الرأس عملا بالحديث، وعن بعض المالكية أنه يكفي مسح الثلث والثلثين. (وأخذ) الشافعيون باليقين. فأوجبوا أقل ما يطلق عليه أسم المسح. وقالوا: يكفي مسح شعرة أو بعضها بحد الرأس "لما صح" من مسحه صلى عليه وعلى آله وسلم على ناصيته وعمامته. وهو يدل على الاكتفاء بمسح البعض، ولأن الباء الداخلة على متعدد كما في قوله "وامسحوا برءوسكم" للتبعيض. (وقال) الحنفيون: المفروض في مسحها قدر الربع، لأن باء الإلصاق إذا دخلت على المحل تعدي الفعل إلى الألة، فيكون التقدير: وامسحوا أيديكم

стр. 275

برءوسكم. وهذا يقتضي استيعاب اليد دون الرأس واستيعابها ملصقة بالرأس لا يستغرق غالبا غير الربع، فتعين مرادا من الآية. ويؤيده قول أنس: رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة ومسح مقدم رأسه. أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي. وفي سنده أبو معقل مجهول (١) ﴿١٤٣﴾. فإن ظاهرة استيعاب مقدم الرأس وهو لا ينقص عن الربع. وأما استيعاب مسح الوجه في التيمم، فليس من الآية بل من السنة كحديث أبي جهيم بن الحارث قال: أقبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ﵇ حتى أتى على جدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد ﵇. أخرجه أبو داود والبخاري (٢) ﴿١٤٤﴾. هذا. والاحتياط مسح جميع الرأس. ولم يصح عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذ مسح بناصيته كمل على العمامة (٣). المسح على العمامة: اختلف العلماء في جواز الاقتصار على مسح العمامة

стр. 276

بلا ضرورة (فقال) بجوازه الأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. منهم أبو بكر وعمر وأنس (١)، وهو مروي عن الحسن وقتادة ومكحول. (واستدلوا) بحديث أبي أمامة قال: مسح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الخفين وعلى العمامة في غزوة تبوك. أخرجه الطبراني (٢) ﴿١٤٥﴾. (وقال) المغير بن شعبة: توضأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومسح على الخفين والعمامة. أخرجه الترمذي وصححه (٣) ﴿١٤٦﴾. وعند الأكثر: لا يشترط لبسها على طهارة، ولا توقيت في مسحها، لاطلاق الأدلة. (وقال) الجمهور: لا يجوز الاقتصار على مسح العمامة بلا ضرورة. قل الترمذي: وقال غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والتابعين: لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي (٤). وكذا الحنفيون (واحتجوا) بأن الله فرض المسح على الراس، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس. (وبحديث) أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قالك سألت جابر ابن عبد الله عن المسح على الخفين فقال: السنة يلبن أخر. وسألته عن المسح على العمامة فقال: مس الشعر بالماء. أخرجه الترمذي (٥) ﴿١٤٧﴾.

стр. 277

(وسئل جابر) عن المسح على العمامة. فقال: لا حتى يمسح الشعر بالماء. أخرجه مالك (١) [١١]. (وأجابوا) عن أدلة الفريق الأول، بأنها أحاديث آحاد لا تعارض الكتاب الموجب مسح الرأس، أو أنه حكاية حال فيجوز أن تكون العمامة صغيرة مسح عليها بعد مسح مقدم الرأس (ويدل) لهذا حديث المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين. أخرجه مسلم (٢) [١٤٧]. (وقال) بعضهم: أن أحاديث المسح على العمامة منسوخة. فقد روي ملك عن نافع أنه رأى صفية بنت أبي عبيد تتوضأ وتنزع خمارها، وتمسح على رأسها بالماء. أخرجه مالك (٣) [١٢]. وسئل مالك عن المسح على العمامة والخمار. فقال: لا ينبغي أن يمسح الرجل ولا المرأة على عمامة ولا خمار وليمسحا على رؤوسهما. أخرجه مالك (٤) [١٣]. وقال محمد بن الحسن: بهذا نأخذ. لا مسح على خمار ولا على عمامة. بلغنا أن المسح على العمامة كان فترك (٥). (٥) غسل الرجلين مع الكعبين: هو فرض في الوضوء باتفاق الأئمة وأكثر أهل العلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم، لقوله تعالى: (وامسحوا

стр. 278

برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) بنصب الأرجل عطفا على الوجوه، أي واغسلوا أرجلكم مع الكعبين وهما العظمن الناتئان عند مفصل الساق والقدم (ولما) ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلا وقولا. (أما) الفعل فقد ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم غسل رجليه في الوضوء (قال) النووي: ذهب جمع من الفقهاء من أهل الفتوى إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين ولا يجزئ مسحهما. ولا يجب المسح مع الغسل. ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يعتد به في الإجماع (١). (وقال) الحفظ: لم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس. وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. (قال) عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على غسل القدمين (٢). (وأما) القول فمنه قول عبد الله بن عمرو: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادي بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار" مرتين أو ثلاثا. أخرجه الشيخان (٣) [١٤٩]. "أما" من قال: أن الواجب مسح الرجلين. ومن قال بالتخيير بين الغسل والمسح "فقد خالفوا" الكتاب والسنة، ولم يأتوا بحجة ناهضة "وأما حديث" رفاعة بن رافع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: لا تتم صلاة لأحد

стр. 279

حتى يسبغ كما أمره الله. وفيه: ويمسح برأسه ورجليه الك الكعبين. أخرجه الدارقطني (١) [١٥٠]. "فهو ضعيف" لأن في سنده يحيى بن علي بن خلاد. قال ابن القطان مجهول. "وحديث" أوس بن أبي أوس الثقفي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتى كظامة قوم "يعني الميضأة" فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه. أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي (٢) [١٥١]. "لا يصلح" للاحتجاج به لأن فيه اضطرابا في السند والمتن (٣). والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد بين للأمة أن المفروض عليهم هو غسل الرجلين لا مسحهما. فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكلها مصرحة بالغسل، ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين (فإن) كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح، فالواجب الغسل بما وقع منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من البيان المستمر جميع عمره. وإن كانت غير مجملة، فقد ورد في السنة الأمر بالغسل ورودا ظاهرا. ومنه الأمر بتخليل الأصابع، فإنه يستلزم الأمر بالغسل، لأنه المسح لا تخليل فيه، بل يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطأ.

стр. 280

(فالحق) ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الغسل وعدم أجزاء المسح. (قال) في حجة الله البالغة: ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء فأنكروا غسل الرجلين متمسكين بظاهرة الآية. فإنه لا فرق عندي بين من قال بهذا القول، وبين من أنكر غزوة بدر وأحد مما هو كالشمس في رابعة النهار (١). (٦) الترتيب في الوضوء: (قال) الشافعي وأحمد: الترتيب في الوضوء كما في الآية فرض لأن الله تعالى أدخل ممسوحا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي هنا الدلالة على الترتيب. والآية ما سيقت إلا لبيان الواجب، ولأن كل من حكى وضوء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكاه مرتبا، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه توضأ إلا مرتبا. (وقال) الحنفيون ومالك والثوري: الترتيب في الوضوء سنة مؤكدة على الصحيح وليس بواجب وروى عن أحمد واختاره ابن المنذر، لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس. وعطف بعضها على بعض بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، فكيفما غسل كان ممتثلا. ووضع الممسوح بين مغسولين، لا يدل على أن الترتيب فرض بل فائدته الدلالة على استحباب الترتيب. وعن علي وابن مسعود: ما أبالي بأي أعضائي بدأت وقال ابن مسعود: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء. ذكره ابن قدامة (٢) [١٤]. (وأجاب) أحمد عنه بأن المراد به تقديم اليسرى على اليمني. وقال حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه أن عليا سئل: أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شيئ؟ قال لا حتى يكون كما أمر الله تعالى. ذكره ابن قدامة [١٥] وقال: والرواية الأخرى عن

стр. 281

ابن مسعود لا يعرف لها أصل (١) (والظاهر) من الأدلة وجوب الترتيب بين الأعضاء المذكورة في الآية. (ويؤيده) حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طاف سبعا رمل ثلاثا ومشي أربعا ثم استلم الركن ثم خرج فقال: إن الصفا والمروة من شعائر الله فابدءوا بما بدأ الله به. أخرجه النسائي والدارقطني من عدة طرق وصححه ابن حزم (٢) [١٥٢]. وهو بعمومه شامل للوضوء وأن ورد في الحج فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولأن العرب إذا ذكرت متعاطفات بدأت بالأقرب فالأقرب. فلما ذكر في الآية الوجه ثم اليدين ثم الرأس ثم الرجلين دلت على الأمر بالترتيب. (٧) الموالاة في الوضوء: وهي التتبع بأن يطهر العضو اللاحق قبل جفاف السابق مع اعتدال الهواء والزمان والمكان والبدن بلا عذر. وقد اختلف العلماء في حكمه (قال) الأوزاعي ومالك وقتادة والليث وأحمد في رواية والشافعي في القديم: الموالاة في الوضوء فرض (لحديث) خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة. أخرجه أحمد وأبو داود والحكم والبيهقي بسند فيه بقية في الوليد. مدلس غير أنه صرح بالتحديد عنه أحمد والحاكم (٣) [١٥٣].

стр. 282

(وقال) الحنفيون وسفيان الثوري وأحمد في رواية والشافعي في الجديد: الموالاة سنة لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء ولم يوجب موالاة. (وعن) نافع أن ابن عمر توضأ في السوق، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه، ثم دعى إلى جنازة فدخل المسجد ومسح على خفيه بعد ما جف وضوءه وصلي. أخرجه مالك والبيهقي. وقل: هذا صحيح عن ابن عمر، ومشهور عن قتيبة. وكان عطاء لا يرى بتفريق الوضوء بأسا (١) [١٦]. وهذا دليل حسن، فإن ابن عمر فعله بحضره حاضري الجنازة ولم ينكر عليه (٢). (وعن) عبيد بن عمير الليثي أن عمر بن الخطاب رأى رجلا وبظهر قدمه لمعة لم بصبها الماء، فقال له عمر: أبهذا الوضوء تحضر الصلاة؟ فقال يا أمير المؤمنين البرد شديد وما معي ما يدفئني، فرق له بعد ما هم به، فقل له أغسل ما تركت من قدمك وأعد الصلاة وأمر له بخميصة. أخرجه البيهقي (٣) [١٧]. (وعن) عمر بن الخطاب أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: أرجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى. أخرجه أحمد ومسلم (٤) [١٥٤]. فلو كانت الموالاة فرضا، لقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرجع فأعد

стр. 283

وضوءك وإنما قال: أحسن وضوءك. وإحسان الشيء لكماله. وهذا هو الراجح لقوة أدلته. (٨) الدلك: وهو امرار اليد على العضو مع الماء أو بعده، وهو فرض في الوضوء والغسل عند المالكية والمزني لحديث عبد الله ابن زيد بن عاصم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توضأ فجعل يقول هكذا يدلك. أخرجه أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو يعلي وابن حبان (١) [١٥٥]. (وقال) الحنفيون والشافعي وأحمد: الدلك سنة لعدم التصريح به في الأحاديث الكثيرة الواردة في صفة الوضوء والغسل فهو قرينة على صرف الأمر بالدلك للندب. ودعوى أنه من مسمى الغسل أو شرط فيه محل نظر. والمقرر أن مجرد فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يفيد الفرضية. (تنبيه) علم مما تقدم أن أركان الوضوء عند الحنفيين أربعة. غسل الأعضاء الثلاثة ومسح ربع الرأس (وعند) الشافعية ستة: النية، وغسل الأعضاء الثلاثة ومسح بعض الرأس، والترتيب (وعند) الحنبلية ستة: غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة. وأما النية فشرط صحة (وعند) المالكية سبعة: النية، وغسل الأعضاء الثلاثة، ومسح الرأس، والدلك والموالاة للذكر القادر فلو كان ناسيا بني على ما فعل مع تجديد النية. وكذا العاجز غير أنه لا يلزمه تجديد النية، لعدم ذهابها.

стр. 284

٣ - سنن الوضوء السنن جمع سنة وهي لغة الطريقة. وشرعا الطريقة المسلوكة في الدين بقول أو فعل من غير لزوم ولا إنكار على تاركها، وليست خصوصية. وهي قسمان: (أ) مؤكدة. وهي ما واظب عليها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلا إنكار على تاركها. (ب) غير مؤكدة. وهي ما تركها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحيانا. وسنن الوضوء كثيرة. المذكورة منها هنا عشرة: ١ - التسمية في أوله: بأن يقول: باسم الله والحمد لله (لحديث) أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "إذا توضأت نقل: باسم الله والحمد لله، فإن حفظتك لا تبرح تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء" أخرجه الطبراني في الصغير بسند حسن (١) [١٥٦]. (وقد) اختلف العلماء في حكمها (قال) الحنفيون والشافعية: أنها سنة مؤكدة وهو المشهور عن أحمد (لحديث) ابن عمر ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من توضأ وذكر اسم الله عليه، كان طهورا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه، كان طهورا لأعضاء وضوئه" أخرجه الدارقطني والبيهقي من عدة طرق في كل منها مقال (٢) [١٥٧]. ومشهور مذهب مالك أن التسميه في الوضوء مندوبة.

стр. 285

(وقال) إسحاق بوجوبها في حق العالم الذاكر وروي عن أحمد. فإن تركها عمدا لم تصح طهارته. وإن تركها سهوا أو جهلا فوضوءه صحيح. وإن ذكرها في أثنائه سمي وبني (ودليله) حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي بسند ضعيف (١) [١٥٨]. وأخرج الترمذي الجملة الأخيرة من طريق رباح بن عبد الرحمن عن سعيد بن زيد وقال: قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد. وقال إسحاق: أن ترك التسمية عامدا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيا أو متأولا أجزأه. وقال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب، حديث رباح بن عبد الرحمن (٢). (والراجح) أنها سنة مؤكدة "والنفي" في حديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه "محمول" على نفي الكمال، جمعا بين الأحاديث. ويؤيده قول ابن سيد الناس في شرح الترمذي: قد روى في بعض الروايات: لا وضوء كاملا. فإن ثبتت هذه الزيادة من وجه معتبر فلا أصرح منها في إفادة مطلوب القائل بعدم وجوب التسمية (٣). ٢ - غسل اليدين إلى الرسغين: الرسغ، بضم فسكون أو بضمتين: مفصل الكف بين الكوع والكرسوع. وأما البوع فهو عظم يلي إبهام الرجل. قال بعضهم:
следующие страницы →